Полный текст (3 875 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.
стр. 806
فإن التملق الَّذِي هُوَ القول الحسن مَعَ خبث الْقَلْب، مصائد العقول، والنفاق تدلَيْسَ الفطن، والملق والنفاق سجيتا المتصنع، ولَيْسَ فيمن يكون النفاق والملق سجاياه خَيْر يرجى، ولا صلاح يؤمل بل الشَّر والأَذَى فيه، فليكن اللبيب فطنًا حاذقًا، صَاحِب فراسة لا يُحْسِنُ الظَّنَّ بكل أحد.
شِعْرًا: ... فَلا تُلْزِمَنَّ النَّاسَ غَيْرَ طِبَاعِهِمْ ... فَتَتْعَبَ مِنْ طُول الْعِتَاب وَيَتْعَبُوا
فَتَارِكْهُمُ مَا تَارَكُوكَ فَإِنَّهُمْ ... إلى الشَّرِ مُذْ كَانُوا عَنْ الْخَيْرِ أَقْرَبُ
وَلا تَغْتَررُ مِنْهُمْ بِحُسْنِ بَشَاشَة ... فَأَكْثَرُ إِيمَاضِ الْبَوَارق خُلَّبُ
آخر: ... وَصَاحِبٌ لِي كَدَّاءِ الْبَطْنِ صُحْبَتُهُ ... يَوَدَّنِي كَوِدَادِ الذِّئْبِ لِلرَّاعِي
يُثْنِي عَليَّ جَزَاهُ اللهُ صَالِحَةً ... ثَنَاءَ هِنْدٍ عَلَى رَوْحِ بنِ زِنْبَاعِ
شِعْرًا: ... إِنِّي لأَعْرِفُ فِي الرِّجَالِ مُخَادِعًا ... يُبْدِي الصَّفَاءَ وَوِدُّهُ مَمْذُوقُ
مِثْلُ الْغَدِيرِ يُرِيك قُرْبَ قَرَارِهِ ... لِصَفَائِهِ وَالْقَعْرُ مِنْهُ عَمِيقُ
آخر: ... رَعَى اللهُ إِخْوَانَ التَّمَلُّقِ إِنَّهُمْ ... رَعَى اللهُ إِخْوَانَ التَّمَلُّقِ إِنَّهُمْ
فَلَوْ وَفوا كَنَّا أُسَارَى حُقُوقِهِمْ ... تَرَاوحُ مَا بَيْنَ النَّسِيئَةِ وَالنَّقْدِ
وقَالَ الحكماء: اعرف الرجل من فعله، لا من كلامه، وأعرف محبته من عينيه، لا من لِسَانه، وعَلَيْكَ بمن حالاه فِي العسر، واليسر واحدة أي يحبك كُلّ حين، سواء كنت غنيًا أَوْ فقيرًا أما إِخْوَان الرخاء فاتركهم. قَالَ بَعْضُهُمْ:
وَلا خَيْرَ فِي وَدِّ امْرِئٍ مُتَلَوّنٍ ... إِذَا الرِّيحُ مَالَتْ مَالَ حَيْثُ تَمِيلُ
جَوَّادٌ إِذَا اسْتَغْنَيْتَ عَنْ أَخْذِ مَالِهِ ... وَعِنْدَ احْتِمَالِ الْفَقْرِ عَنْكَ بِخَيْلُ
فَمَا أَكْثَرُ الإِخْوَانِ حِينَ تَعَدُّهُمْ ... وَلَكِنَّهُمْ فِي النَّائِبَاتِ قَلِيلُ
على أن الإِنْسَان موسوم بسمَاتَ من قارب، ومنسوب إليه أفاعيل من صَاحِب، قَالَ ﷺ : «المرء مَعَ من أحب» . وقَالُوا: ما من شَيْء أدل على شَيْء من الصَاحِب على صاحبه وقديمًا قِيْل:
стр. 807
.. عَنِ الْمَرْءِ لا تَسْأَلْ وَسَلْ عَنْ قَرِينِهِ ... فَكُلُّ قَرِينٍ بِالْمَقَارِنِ يَقْتَدِي
آخر: ... إِذَا كُنْتَ فِي قَوْمٍ فَصَاحِبْ خِيَارَهُمْ ... وَلا تَصْحَب الأَرْدَى فَتَرْدَى مَعَ الرَّدَى
آخر: ... إِذَا بَخِلَ الصَّدِيقُ عَلَيْكَ يَوْمًا ... بِشَيْءٍ أَنْتَ مُحْتَاجٌ إِلَيْهِ
فَمَثّلْ قَبْرَهُ فِي الأَرْضَ شَخْصًا ... وَقُلْ قَدْ مَاتَ لا أَسَفًا عَلَيْهِ
آخر: ... النَّاس شِبْهُ ظُرُوف حَشْوِهَا صَبِرٌ ... وَفَوْقَ أَفْوَاهِهَا شَيْءٌ مِن الْعَسَلِ
تحلوا لذائقها حَتَّى إِذَا انكشفت ... له تبين ما تحويه من دخل
آخر: ... وَأَكْثَرْ مَنْ شَاوَرْتَهُ غَيْرُ حَازِمٍ ... وَأَكْثَرُ مَنْ صَاحَبْتَ غَيْرُ مُوَافِقِ
إِذَا أَنْتَ فَتَشْتَ الرِّجَالِ وَجَدتَّهُمْ ... قُلُوبَ الأَعَادِي فِي جُلُودِ الأَصَادِقِ
آخر: ... وَأَعْظم آفَاتِ الرِّجَالِ نِفَاقُهَا ... وَأَهْوَنُ مَنْ عَادَيْتَهُ مَن يُدَاهِنُ
آخر: ... وَإِنْ قَرَّبَ السُّلْطَانُ أَخْيَارَ قَوْمِهِ ... وَاعْرَضَ عَنْ أَشْرَارِهِمْ فَهُوَ صَالِحُ
وَإِنْ قَرَّبَ السُّلْطَانُ أَشْرَارَ قَوْمِهِ ... وَاعْرِضَ عَنْ أَخْيَارِهِمْ فَهُوَ طَالِحُ
وَكُلُّ امْرِئٍ يُنْبِيكَ عَنْهُ قَرِينُهُ ... وَذَلِكَ أَمْرٌ فِي الْبَرِيَّةِ وَاضِحُ
آخر: ... وَإِذَا أَرَدْت تَرَى فَضِيلَة صَاحِبٍ ... فَانْظُرْ بِعَيْنِ الْبَحْثِ مَنْ نُدَمَاؤُهُ
فَالْمَرْء مَطْوِيٌ عَلَى عَلاتِهِ ... طَيَّ الْكِتَابِ وَصَحْبُهُ عُنْوَانُهُ
آخر: ... تَحَرَّ إِذَا صَادَفْتَ مِنْ وِدُّهُ مَحْضُ ... يُصَانُ لَدَيْهِ الدِّينُ وَالْمَالُ وَالْعِرْضُ
فَكُلُّ خَلِيلٍ مُنْبِئٌ عَنْ خَلِيلِهِ ... كَمَا عَنْ شُؤونِ الْقَلْبِ قَدْ أَنْبَأَ النَّبْضُ
وَبِالصِّدْقِ عَامِلْ مَنْ تُحِبُّ مِن الْوَرَى ... وَإِلا فَذَاكَ الْحُبُّ آخِرُهُ الْبُغْضُ
آخر: ... تَجَنَّبْ صَدِيقًا مِثْلَ مَا وَاحْذَرْ الَّذِي ... يَكُونُ كَعَمَرْوٍ بَيْنَ عُرْبٍ وَأَعْجَمِي
فَإِنَّ قَرِينَ السُّوءِ يُرْدي وَشَاهِدِي ... كَمَا شرِقَتْ صَدْرُ الْقَنَاةِ مِنْ الدَّمِ
آخر: ... عَلَيْكَ بِأَرْبَابِ الصُّدُورِ فَمَنْ غَدَا ... مُضَافًا لأَرْبَابِ الصُّدُورِ تَصَدَّرَا
وَإِيَّاكَ أَنْ تَرْضَى بِصُحْبَة نَاقِصٍ ... فَتَنْحَطَّ قَدْرًا مِن عُلاكَ وَتُحْقَرا
فَرَفْعُ أَبُو مَنْ ثُمَّ خَفْضُ مُزَمَّلٍ ... يُبَيِّنُ قَوْلِي مُغْرِيًا وَمُحَذِّرَا
والإشارة فِي قوله: «ثُمَّ خفض مزمل " إِلَى قوله امرئ القيس:
стр. 808
.. كَأَنَ أَبَانًا فِي عَرَانِينِ وَبْلِهِ ... كَبِيرُ أُنَاسٍ فِي بِجَادٍ مُزَمَّلِ
وَذَلِكَ أن مزملاً صفةُ لكبير، فكَانَ حقه الرفع ولكن خفض لمجاروته المحفوض.
كَانَ جندب بن عَبْد اللهِ الأنصاري صديقًا لعبد الله بن عباس فقَالَ لَهُ حين ودعه: أوصني يَا ابن عباس فإني لا أدري أنجتمع بعدها أم لا.
فقَالَ: أوصيك يَا جندب ونفسي بِتَوْحِيدِ اللهِ وإخلاص الْعَمَل لله وإقام الصَّلاة وَإِيتَاء الزَّكَاة فَإِنَّ كُلّ خَيْر أتيت بعد هَذِهِ الخصال مقبول وإِلَى اللهِ مرفوع ومن لم يكمل هَذِهِ الأَعْمَال رد عَلَيْهِ ما سواها.
وكن فِي الدُّنْيَا كالغريب المسافر واذكر الموت والْتَهُن الدُّنْيَا عَلَيْكَ فكأنك قَدْ فارقتها وصرت إِلَى غيرها واحتجت إِلَى ما قدمت ولم تنتفع بشَيْء مِمَّا خلفْتَ ثُمَّ افترقا.
كتب عمر إِلَى ابنه عَبْد اللهِ: أُوصِيكَ بِتَقْوَى اللهِ فَإِنَّ من اتقاه كفاه ومن أقرضه جزاه ومن شكره زاده، فاجعل التَّقْوَى عماد بصرك ونور قلبك.
وأعلم أنه لا عمل لمن لا نية لَهُ، ولا جديد لمن لا خلق لَهُ، ولا إيمان لمن لا أمانة لَهُ، ولا مال لمن لا رفق لَهُ، ولا أجر لمن لا حسُنَّة لَهُ.
اللَّهُمَّ اجعل فِي قلوبنا نورًا فَنَهْتَدِي بِهِ إليك وتولنا بحسن رعايتك حَتَّى نتوكل عَلَيْكَ وارزقنا حلاوة التذلل بين يديك. فالعزيز من لاذ بعزك والسَّعِيد من التجأ إِلَى حماك وجودك، والذليل من لم تؤيده بعنايتك، والشقي من رضي بالإعراض عَنْ طَاعَتكَ. اللَّهُمَّ نزه قلوبنا عَنْ التعلق بمن دونك وَاجْعَلْنَا مِنْ قوم تحبهم ويحبونك، وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المسلكين الأحياء مِنْهُمْ والميتين بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ. وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
стр. 809
" فَصْلٌ "
والمؤاخاة فِي النَّاس على وجهين أحدهما أخوة مكتسبة بالاتفاق الجاري مجرى الاضطرار، وَالثَّانِيَة مكتسبة بالْقَصْد والاختيار، فَأَمَّا المكتسبة بالاتفاق فهي أوكد حالاً، لأنها تنعقَدْ عَنْ أسباب موجودة فِي الْمُتَآخِينَ، تعود المؤاخاة إِلَى تلك الأسباب، وهي موجودة فطرة.
فالمؤاخاة ضرورية لا يمكن دفعًا،كما لا يمكن دفع الإيلام، والمكتسبة بالْقَصْد، تعقَدْ لها أسباب اختيارية، تنقاد إليها، وتعتمد عَلَيْهَا بحسب قوتها وضعفها، وَرُبَّمَا تَكُون تَكَلُّفًا وخديعة، فتصير المؤاخاة معاداة، وما كَانَ جاريًا بِالطَّبْعِ فهو ألزم، مِمَّا هُوَ حادث بالْقَصْد.
إنما كَانَ كَذَلِكَ لأن الإتلاف بالتَّشَاكُلِ والتوافق، والتشاكل بالتجانس فإذا عدم التجانس من وجه، انتفى التشاكل من وجه ومَعَ انتفاء التشاكل يعدم الإئتلاف فثَبِّتْ أن التجانس، وإن تنوع أصل الإخاء وقاعدة الإئتلاف.
وقَدْ رُوِيَ عَنْ عَائِشَة ﵂ قَالَتْ: سمعت رسول الله ﷺ يَقُولُ: «الأرواح جنود مجندة فما تعارف فيها ائتلف وما تناكر مَنْهَا اختلف» . رَوَاهُ الْبُخَارِيّ، فالظواهر التي تبدو لَنَا ونراها فِي الاجتماعات العامة، ميل كُلّ امرئ إِلَى من يشاكله ويناسبه، روحَا وخلقَا، أَوْ دينَا، وأدبَا أَوْ مبدأ أَوْ مذهبَا أَوْ حرفة وعملاً.
قِيْل: إن إياسًا سافر إِلَى بلد فَلَمَّا وصل وصادف بَعْض أَهْل البلد وجرى بينهم كلام قَالَ إلياس: عرفنا خياركم من شراركم فِي يومين؟ فقِيْل لَهُ: كيف؟ ؟ قَالَ: كَانَ معنا خيارنا وشرارنا فلحق كُلّ بشكله خيارنا لحقوا بخياركم وشرارنا لحقوا بشراركم فألف كُلٌّ شكله. أ.هـ.
شِعْرًا: ... وَالأَلْفُ يَنْزِعُ نَحْوَ الآلِفِينَ كَمَا ... طَيْرَ السَّمَاءِ عَلَى أُلافِهَا تَقَعُ
стр. 810
آخر: ... إِذَا بُلِي اللَّبِيبُ بِقُرْبِ فَدْمِ ... تَجَرَّعَ فِيهِ كَاسَاتِ الْحُتُوفِ
فَذُو الطَّبْعِ الْكَثِيفِ بِغَيْرِ قَصْدٍ ... يَضُرُّ بِصَاحِبِ الطَّبْعِ اللَّطِيفِ
وَذَلِكَ أَنَّ بَيْنَهُمَا اخْتِلافًا ... كَحُمَّى الرّبْعِ فِي فَصْلِ الْخَرِيفِ
آخر: ... وَإِيَّاكَ إِيَّاكَ الْمُزَاحَ فَإِنَّهُ ... يُطَمِّعُ فِيكَ الطِّفْلَ وَالرَّجُلَ النَّذْلا
وَيُذَهِّبُ مَاءَ الْوَجْهِ بَعْدَ بَهَائِهِ ... وَيُورِثُ بَعْدَ الْعِزِّ صَاحِبَُهُ ذُلا
آخر: ... تَوقَّ بَنِي الزَّمَانِ فَكَمْ خَلِيلٍ ... مِنْ الْخِلانِ مَذْمُوم الْخَلالِ
وَخَفّفْ مَا اسْتُطَعْتَ فَكُلُّ نَذْلٍ ... يَرَى رَدَّ السَّلامِ مِن الثِّقَالِ
وَلا تَنْظُرْ لِجِسْم الْمَرْءِ وَانْظُرْ ... دِيَانَتَهُ فَإِنَّ الْجِسْمَ آلِ
وَإِنْ عَايَنْتَ ذَا فِسْقِ وَكُفْرِ ... فَخَفْهُ فَذَاكَ أَخْتَلُ مِنْ ذُؤَالِ
آخر: ... إِذَا أَنْتَ سَارَرْتَ فِي مَجْلِسٍ ... فَإِنَّكَ فِي أَهْلِهِ مُتَّهَمْ
فَهَذَا يَقُولُ قَدْ اغْتَابَنِي ... وَذَا يَسْتَرِيبُ وَذَا يَأْثَمُ
آخر: ... وَقَدْ تَعَامَى رِجَالٌ لَوْ تَبَيَّنُ لَهُمْ ... سَجِيَّةُ النَّاسِ خَافُوا كُلَّ مَنْ أَمِنُوا
ذَمَمْتُ وَقْتَكَ أَنْ نَابَتْكَ نَائِبَةٌ ... بِمِثْلِ مَا تَشْتَكِيهِ يُعْرَفُ الزَّمَنُ
خِفْ مِنْ جَلِيسِكَ وَاصْمُتْ إِنْ بُلِيتَ بِهِ ... فَالْعِيُّ أَفْضَلُ مِمَّا يَحْبِكُ اللَّسِنُ
آخر: ... كَانَ إِجْتِمَاعُ النَّاسِ فِيمَا مَضَى ... يُورِثُ لِلْبَهْجَةِ وَالسَّلْوَةْ
فَانْقَلَبَ الأَمْرُ إِلَى ضِدِّهِ ... فَصَارَت السَّلْوَةُ فِي الْخَلْوَةْ
شِعْرًا: ... مُخَالِطُ النَّاسِ فِي الدُّنْيَا عَلَى خِطَرٍ ... وَفِي بَلاءٍ وَصَفْوٍ شِيبَ بِالْكَدَرَ
كَرَاكِبِ الْبَحْرِ إِنْ تَسْلَمْ حُشَاشَتُهُ ... فَلَيْسَ يَسْلَمُ مِنْ خَوْفِ وَمِنْ حَذَرِ
فتَرَى المجتمعين بعد مدة وجيزة من بدئ الاجتماع، قَدْ انقسموا جماعات، تتحدث كُلّ جماعة فِي شؤونها الخاصة، وأمورها المشتركة، وتتغير نفوسها إِذَا رأت دخيلاً بين جماعتها لا تربطه بِهُمْ صلة، ولا تجمعهم به جامعة، وعِنْدَمَا تركب فِي قطار، أَوْ سيارة أَوْ سفينة، أَوْ فِي مجلس من المجالس، تَرَى نفسك منجذبة إِلَى بَعْض الحاضرين مشمئزةً ونافرةً من الآخرين، وَرُبَّمَا أنه لم يكن قبل ذَلِكَ اجتماع ولا تعارف، ولا تعاد وتخاصم.
стр. 811
فالسِّرّ فِي هَذَا ما بينه المصطفى ﷺ بهَذَا الْحَدِيث فهو يَقُولُ: «إن أرواح العباد ونفوسهم جنود مجتمعة، وجيوش مجيشة فالتي بينها تعارف وتشاكل وتوافق وتناسب، يألف بعضها بَعْضًا، ويسر باجتماعه، ويفرح لقائه، لاتفاق فِي المبدأ وتقارب فِي الروح» .
روى أبو يعلى فِي مسنده عَنْ عمرة بنت عَبْد الرَّحْمَنِ قَالَتْ: كَانَتْ امرأة بمَكَّة مزاحة، فنزلت على امرأة مثلها فِي الْمَدِينَة، فبلغ ذَلِكَ عَائِشَة ﵂ فقَالَتْ: صدق حبي سمعت رسول الله ﷺ يَقُولُ: «الأرواح جنود مجندة، فما تعارف مَنْهَا ائتلف، وما تناكر مَنْهَا اختلف» .
فالأخيار الأَبْرَار الأتقياء الأمجاد الأطهار، إِذَا وجدوا فِي مجتمَعَ جذبوا أشباهم، أَوْ انجذبوا إليهم، وسرى بينهم تيار من المحبة جمَعَ قلوبهم وقوَّى روابطها وثَبّتْ صلتها.
قَالَ بَعْضهمْ:
لَعَمْرُكَ إِنَّ الْقَلْبَ نَحْوَكَ شَيِّقٌ ... وَأَنْتَ بِمَا أَلْقَى مِن الشَّوْقِ أَعْلَمُ
فُؤُدُّكَ عَنْ وِدِّي إِلَيْكَ مُبَلِّغٌ ... وَقَلْبُكَ عَنْ قَلْبِي إِلَيْكَ يُتَرْجِمُ
وكَذَلِكَ الأَشْرَار والفجار والفسقة والظلمة، إِذَا حضروا بناد بادر إليهم الفسقة، والمجرمون، والسفلل، واللؤماء، وجذبهم قرناؤهم، ونفروا ممن لا يتخلق بأخلاقهم، ولا يسير فِي ركابهم.
قَالَ ﷺ : «لو أن مؤمنًا دخل إِلَى مجلس فيه مائة منافق، ومُؤْمِن واحد لجَاءَ حَتَّى يجلس إليه، ولو أن منافقًا دخل إِلَى مجلس فيه مائة مُؤْمِن ومنافق واحد، لجَاءَ حَتَّى يجلس إليه» .
وَهَذَا يدل على أن شبه الشيء منجذب إليه بِالطَّبْعِ، وإن كَانَ هُوَ لا يشعر به، وكَانَ مالك بين دينار يَقُولُ: «لا يتفق إثنان فِي عشرة إِلا وفي أحدهما
стр. 812
وصف عَنْ الآخِر، وأن أجناس الناس كأجناس الطير ولا يتفق نوعان من الطير فِي الطيران إِلا وبينهما مناسبة» .قَالَ: فرأى يَوْمًا غربًا مَعَ حمامة فعجب من ذَلِكَ فقَالَ: اتفقا وليسا من شكل واحد، ثُمَّ طارا فإذا هما أعرجان فقَالَ: من ها هنا اتفقا. وقَالَ بَعْض الحكماء: كُلّ إنسان إِلَى شكله كما أن كُلّ طير يطير مَعَ جنسه. قَالَ بَعْضُهُمْ:
(لِكُلِّ امْرِئٍ شَكْلٌ يَقَرُ بِعَيْنِهِ ... وَقُرَّةُ عَيْنِ الْفَسْلِ أَنْ يَصْحَبَ الْفَسْلا)
وَيَقُولُ الآخر:
وَلَيْسَ أَخُوكَ الدَّائِمُ الْعَهْدِ بِالَّذِي ... يَذِمُّكَ إِنْ وَلَّى وَيُرْضِيكَ مُقْبِلاً
وَلَكِنَّهُ النَّائِي إِذَا كُنْتَ آمِنًا ... وَصَاحِبُكَ الأَدْنَى إِذَا الأَمْر مُعْضِلاً
آخر: ... مَنْ خَصَّ بِالشُّكْرِ الصَّدِيقَ فَإِنَّنِي ... أَحْبُو بِخَالِصِ شُكْرِيَ الأَعْدَاءَ
نَكِّرُوا عَليَّ مَعَائِبِي فَحَذِرْتُهَا ... وَنَفَيْتُ عَنْ أَخْلاقِي الأَقْذَاءَ
وَلَرُبَّمَا انْتَفَعَ الْفَتَى بِعَدُوِّهِ ... وَالسُّمُّ أَحْيَانًا يَكُون شِفَاءَ
آخر: ... وَكَمْ مِنْ عَدُوّ صَارَ بَعْدَ عَدَاوَةِ ... صَدِيقًا مُجِلاً فِي الْمَجَالِسِ مُعَظِّمَا
وَلا غُرْوَ فَالْعَنْقُودُ مِنْ بَعْد كَرْمِهِ ... يُرَى عِنَبًا مِنْ بَعْدِ مَا كَانَ حِصْرِمَا
آخر: ... لَيْسَ الصَّدِيقُ الَّذِي يَلْقَاكَ مُتْبَسِمًا ... وَلا الَّذِي بِالتَّهَانِي وَالسُّرُورِ يُرَى
إِنَّ الصَّدِيقُ الَّذِي يُولِي نَصِيحَتُهُ ... وَإِنْ عَرَتْ شِدَّةُ أَغْنَى بِمَا قَدِرَا
آخر: ... عَاشِرْ مِنَ النَّاسِ مَنْ تَبْقَى مَزَدَّتُهُ ... فَأَكْثَرُ النَّاسِ جَمْعٌ غَيْرِ مُؤْتَلِفِ
مِنْهُمْ صَدِيقٌ بِلا قَافٍ وَمَعْرِفة ... بِغَيْرِ فَاءٍ وَإِخْوَانٌ بِلا أَلِفِ
آخر: ... إِذَا الْمَرْءُ لَمْ يُنْصِفْ أَخَاهُ وَلَمْ يَكُنْ ... لَهُ غَائِبًا يَوْمًا كَمَا هُوَ شَاهَدُ
فَلا خَيْرَ فِيهِ فَالْتَمِسْ غَيْرَهُ أَخًا ... كَرِيمًا عَلَى صِدْقِ الإِخَاءِ يُسَاعِدُ
آخر: ... وَقُلْتُ أَخِي قَالُوا أَخَ مِنْ قَرَابَةً ... فَقُلْتُ لَهُمْ إِنَّ الشُّكُولَ أَقَارِبُ
نَسِيبِي فِي رَأْي وَعَزْمِي وَهِمَّتِي ... وَإِنْ فَرَّقْتَنَا فِي الأُصُولِ الْمَنَاسِبُ
وإذا عرفت رجالاً بالبر والتقى والاستقامة ونفرت مِنْهُمْ نفسك ونبأ عنهم
стр. 813
قلبك، فاعْلَمْ إِنَّكَ مريض، أما مرض شبهة وإِلا مرض شهوة، وأنك ناقص معيب، دونهم فِي الطهارة، فداو نفسك من عيوبها، وطهرها من أوزارها حَتَّى تتقابر الأرواح وتتشاكل النُّفُوس، فتحل الألفة محل النفرة.
وإذا رَأَيْت نفسك تميل إِلَى من تعرفهم بالشَّر والفجور، والفسق والخلاعة والعهر فإتهم نفسك واستدرك عمرك قبل الفوت، وابتعد عنهم كُلّ البعد، وتب إِلَى الله واسأله أن يعافيك مِمَّا ابتلاهم.
وإذا رَأَيْت نفسك تحدثك بأنك البر الأمين التقي المخلص أَوْ الإِنْسَان المهذب، فكذب نفسك فِي الإعجاب، وفي هَذَا الوهم الكاذب، وأعتقَدْ إِنَّكَ غر مخدوع، وأبله مفتون، ففتش فِي زوايا قلبك، تجد للباطل ركنًا، وللشيطان حظًا، وللفساد جوًا وَهَذَا ما جذب قلبك إِلَى الأَشْرَار.
وإذا رأيتك تميل إِلَى الأخيار، وتحب مجالسهم، وتنجذب نفسك إليهم، مَعَ علمك بسوء سيرتك واعوجاج طريقتك، فاعْلَمْ أن فيك بقبة خَيْر، ولا يزال فيك أمل فَرَبِّ هَذِهِ البقية وَقَوِّ هَذَا الأمل، حَتَّى يرحل عَنْكَ الشَّر، وتدخل فِي حزب الْخَيْر.
وكَذَلِكَ إِذَا رَأَيْت فِي نفسك بَعْض الميل للمجرمين، وأَنْتَ طاهر تقي نقي، فاعرف أن الشيطان قَدْ نفث فيك نفثة، وثغر فِي قلبك يغرة، فتدارك أمرك وتحصن منه واستعذ بِاللهِ قَالَ الله تَعَالَى لنبيه ﷺ : ﴿وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ﴾ الآيَة، وقَالَ: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ إِلَى آخر السورة أ. هـ. من الأَدَب النبوي.
وَعَنْ أَبِي ذر أنَّه قَالَ: الصَاحِب الْخَيِّرُ خَيْر من الوحدة، والوحدة خَيْر من جلَيْسَ السُّوء، ومملي الْخَيْر خَيْر من الساكت، والساكت خَيْر من مملي الشَّر. وَاللهُ أَعْلَمُ وصلى الله على مُحَمَّد وآله وسلم.
стр. 814
" فَصْلٌ "
قَالَ بَعْض الحكماء: عداوة العاقل أقل ضررًا من مودة الأحمق لأن الأحمق ربما ضر وَهُوَ يقدر أن ينفع لعدم تمييزه بين النفع والضر فيتجاوز الحد، والعاقل لا يتجاوز الحد فِي مضرته فمضرته لها حد يقف عَلَيْهِ العقل إِذَا انتهى إلى ذَلِكَ الحد.
ومضرة الجاهل لَيْسَتْ بذات حد والمحدود أقل ضررًا مِمَّا هُوَ غير محدود قَالَ بَعْضُهُمْ:
شِعْرًا: ... وَلأَنْ يُعَادِي عَاقِلاً خَيْرٌ لَهُ ... مِنْ أَنْ يَكُونَ لَهُ صَدِيقٌ أَحْمَقُ
فَارْغَبْ بِنَفْسِكَ أَنْ تُصَادِقَ جَاهِلاً ... إِنَّ الصَّدِيقَ عَلَى الصَّدِيقِ مُصَدِّقُ
وقَالَ بَعْض الأدباء من أشار عَلَيْكَ بمصاحبة جاهل لم يخل من أمرين إما أن يكون صديقًا جاهلاً، ما يعرف ولا يميز بَيْنَ مَنْ يَصْلُحُ لِلصُّحْبَةِ وَمَنْ لا يَصْلُحُ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونُ هَذَا الْمُشِيرُ عَلَيْكَ عَدُوًّا لَكِنَّهُ عَاقِلٌ لأَنَّهُ يُشِيرُ بِمَا يَضُرُكَ وَيَحْتَالُ عَلَيْكَ بِالأَشْيَاءِ الَّتِي تَضُرُكَ، وَقَدِيمًا قِيْل:
وَلا تَصْحَب الحمقى فذو الجهل أن يروا ... صلاحًا لأمرٍ يَا أَخَا الْحَزْمِ مُفْسِد
ويقول الآخر:
فعداوة مِنْ عَاقِلٍ مُتَجَمِّلٍ ... أَوْلَى وَأَسْلَم مِنْ صَدَاقَةِ أَحْمَقِ
وقَالَ بَعْضهمْ: الأَصْدِقَاءُ ثَلاثَةٌ أَحَدُهُمْ كَالْغِذَاءِ لا بُدَّ مِنْهُ، وَالثَّانِي كَالدَّوَاءِ يَحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي وَقْتٍ دُونَ وَقْتٍ، وَالثَّالِثُ كَالدَّاءِ لا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ قَط. وقَدْ قِيْلَ: مِثْل جُمْلَةِ النَّاسِ كَمِثْل الشَّجَرِ وَالنَّبَاتِ فَمِنْهَا مَا لَهُ ظِلّ ولَيْسَ لَهُ ثمر وَهُوَ مثل الَّذِي ينتفع به فِي الدُّنْيَا دون الآخِرَة، فَإِنَّ نفع الدُّنْيَا كالظِلّ السريع الزَوَال، ومنها ما لَهُ ثمر ولَيْسَ لَهُ ظِلّ.
стр. 815
ومنها ما لَيْسَ لَهُ واحد منهما كأم غيلان تمزق الثياب ولا طعم فيها ولا شراب ومثله من الْحَيَوَان الحية والعقرب والفأر ومثله فِي النَّبَات الخنيز فإنه يضيق على الزرع ويضر من لمسه ولا يؤكل ولا لَهُ تمر يؤكل.
وَيَشْرَبُ مَاءَ الزَّرع وَيَعُوقُ نُمُوَّهُ ... إِذَا فَلا بُدَّ مِنْ الإِخْتِيَار قَبْلَ الْمُعَامَلَة
شِعْرًا: ... لا تَشْكُرَنَّ فَتىً حَتَّى تُعَامِلَهُ ... وَتَسْتَبِينَ مِن الْحَالَينِ إِنْصَافَا
فَقَدْ تَرَى رَجُلاً بَادِي الصَّلاحِ فَإِنْ ... عَامَلْتَهُ فِي حَقِيرٍ غَشَّ أَوْ حَافَا
آخر: ... النَّاسُ شَتَّى إِذَا مَا أَنْتَ ذُقْتَهُمُ ... لا يَسْتَوُونَ كَمَا لا تَسْتَوِي الشَّجَرُ
هَذَا لَهُ ثَمَرٌ حُلْوٌ مَذَاقَتُهُ ... وَذَاكَ لَيْسَ لَهُ طَعْمٌ وَلا ثَمَرُ
إذا فهمت تفاوت النَّاس فِي العقل والدين فعَلَيْكَ قبل الصداقة أن تفحص عَنْ من تريد صداقته وإخاءه فإذا حصلت على من ترضاه دينًا وعقلاً وأدبًا فألزمه، كما قِيْل:
أَبْلِ الرِّجَالَ إِذَا أَرَدْتَ إِخَاءَهُمْ ... وَتَوَسَّمَنَّ أُمُورَهُمْ وَتَفَقَّدِ
فَإِذَا ظَفَرْتَ بِذِي الأَمَانَةِ وَالتُّقَى ... فِبهِ الْيَدَيْنِ قَرِيرَ عَيْنٍ فَاشْدُدِ
آخر: ... لا تَمْدَحَنَّ امْرأً حَتَّى تُجَرِّبَهُ ... وَلا تَذُمَنَّهُ مِنْ غَيْرِ تَجْرِيبِ
فَإِنَّ حَمْدَكَ مَنْ لَمْ تَبْلُهُ سَرَفٌ ... وَإِنَّ ذَمَّكَ بَعْدَ الْحَمْدِ تَكْذِيبُ
آخر: ... جَامِلْ أَخَاكَ إِذَا اسْتَربْتَ بِوِدِّهِ ... وَانْظُرْ بِهِ عُقْبَى الزَّمَانِ يُعَاوِدُ
فَإِنْ اسْتَمَرَّ عَلَى الْفَسَادِ فَخَلَّهِ ... فَالْعُضْوُ يُقْطَعُ لِلْفَسَادِ الزَّائِدِ
وقَالَ ابن القيم ﵀: ينبغي للعبد أن يأخذ من المخالطة بمقدار الحاجة، ويجعل النَّاس فيها أربعة أقسام: متى خلط أحد الأقسام بالآخِر ولم يميز بينهما دخل عَلَيْهِ الشَّر.
أحدهما: من مخالطته كالغذاء لا يستغنى عَنْهُ فِي الْيَوْم فإذا أخذ حاجته منه ترك الخلطة، ثُمَّ إِذَا احتاج إليه خالطه هكَذَا على الدوام. وَهَذَا الضرب أعز من
стр. 816
الكبريت الأحمر وهم الْعُلَمَاء بِاللهِ وأمره، ومكايد عدوه، وأمراض الْقَلْب وأدويتها الناصحون لله ولرسوله ولخلقه. فهَذَا الضرب فِي مخالطتهم الرِّبْح كُلّ الرِّبْح.
القسم الثاني: من مخالطته كالدواء، يحتاج إليه عَنْدَ المرض فما دمت صحيحًا فلا حَاجَة لَكَ فِي خلطته، وهم من لا يستغنى عَنْ مخالطتهم فِي مصلحة المعاش، وقيام ما أَنْتَ محتاج إليه من أنواع المعاملات والمشاركات والاستشارة والعلاج للأدواء ونحوها فإذا قضت حاجتك من مخالطة هَذَا الضرب بقيت مخالطتهم من القسم الثالث: وهم من مخالطتهم كالداء على اختلاف مراتبه وأنواعه وقوته وضعفه.
فمِنْهُمْ من مخالطته كالداء العضال، والمرض المزمن، وَهُوَ من لا تربح عَلَيْهِ فِي دين ولا دنيا، ومَعَ ذَلِكَ فَلا بُدَّ مِنْ أن تخسر عَلَيْهِ الدين والدُّنْيَا أَوْ أحدهما، فهَذَا إِذَا تمكنت منك مخالطته واتصلت، فهي مرض الموت المخوف.
وَمِنْهُمْ من مخالطته كوجع الضرس يشتد ضربه عليك فإذا فارقك سكن الألم.
وَمِنْهُمْ من مخالطته حمى الروح، وَهُوَ الثقِيْل البغيض، الَّذِي لا يحسن أن يتكلم فيفيدك، ولا يحسن أن ينصت فيستفيد منك ولا يعرف نَفْسهُ فيضعها منزلتها، بل إن تكلم فكلامه كالعصى تنزل على قُلُوب السامعين، مَعَ إعجابه بكلامه وفرحه به.
فهو يحدث من فيه كُلَّما تحدث، ويظن أنه مسك يطيب به المجلس، وإن سكت فأثقل من نصف الرحا العظيمة التي لا يطاق حملها ولا جرها على الأَرْض ويذكر عَنْ الشَّافِعِي ﵀ أنه قَالَ: ما جلس إِلَى جانبي ثقِيْل إِلا وجدت الجانب الَّذِي يليه أنزل من الجانب الآخِر.
стр. 817
قَالَ بَعْضهمْ:
يَا مَنْ تَبَرَّمَتِ الدُّنْيَا بِطَلْعَتِهِ ... كَمَا تَبَرَّمَتِ الأَجْفَانُ بِالسُّهُدِ
يَمْشِي عَلَى الأَرْضِ مُخْتَالاً فَأَحْسِبُه ... لِثقْل طَلْعَتِهِ يَمْشِي عَلَى كَبِدِي
وقَالَ ابن القيم:
ورَأَيْت يَوْمًا عَنْدَ شيخنا قدس الله روحه رجلاً من هَذَا الضرب، والشَّيْخ يحمله، وقَدْ ضعفت القوى عَنْ حمله، فالتفت إلي وقَالَ: مُجَالَسَة الثقِيْل حمى الربع، ثُمَّ قَالَ: لكن قَدْ أدمنت أرواحنا على الحمى، فصَارَت لها عادة أَوْ كما قَالَ:
قال بعضهم:
مَا حِيلَتِي فِي ثَقِيْلٍ قَدْ بُلِيتَ بِهِ ... مِنْ قُبْحِ طَلْعَتِهِ يَسْتَحْسَنُ الرَّمَدُ
قَدْ زَادَ فِي الثِّقْلِ حَتَّى مَا يُقَارِبُه ... فِي ثِقْلِهِ أَحَدٌ حَتَّى وَلا أَحُدُ
ومرض الشعبي فعاده ثقِيْل فأطال الجلوس ثُمَّ قَالَ للشعبي: ما أشد ما مر بك فِي مرضك؟ قَالَ: قعودك عِنْدِي.
ومر به صديق لَهُ وَهُوَ بين ثقِيْلين فقَالَ لَهُ: كيف الروح؟ فقَالَ: فِي النزع يعني فِي شدة عظيمة.
وبالجملة: فمخالطة كُلّ مخالف حمى للروح، فعرضية ولازمة.
ومن نكد الدُّنْيَا على الْعَبْد أن يبتلى بواحد من هَذَا الضرب، ولَيْسَ لَهُ بد من معاشرته ومخالطته فليعاشره بالمعروف، حَتَّى يجعل الله لَهُ من أمره فرجًا ومخرجًا.
القسم الرابع: من مخالطته الهلك كله ومخالطته بمنزلته بمنزلة أكل السم، فَإِنَّ اتفق لآكله ترياق، وإِلا فأحسن الله فيه العزاء، وما أكثر هَذَا الضرب فِي النَّاس لا كثرهم الله.
стр. 818
وهم أَهْل البدع والضلالة، والصادون عَنْ سُنَّة رسول الله ﷺ الداعون إِلَى خلافها، الَّذِي يصدون عَنْ سبيل ويبغونها عوجًا، فيجعلون البدعة سُنَّة، والسُنَّة بدعة، والمعروف منكرًا والْمُنْكَر معروفًا.
إن جردت التَّوْحِيد بينهم قَالُوا: تنقصت جناب الأَوْلِيَاء والصالحين.
وإن جردت المتابعة لِرَسُولِ اللهِ ﷺ قَالُوا: أهدرت الأَئِمَّة المتبوعين.
وإن وصفت الله بما وصف به نَفْسهُ وبما وصفه به رسوله من غير غلو ولا تقصير قَالُوا: أَنْتَ من المشبهين.
وإن أمرت بما أمر الله به ورسوله من المعروف ونهيت عما نهى الله عَنْهُ ورسوله من الْمُنْكَر قَالُوا: أَنْتَ من المفتونين.
وإن تبعت السُنَّة وتركت ما خالفها قَالُوا: أَنْتَ من أَهْل البدع المضلين.
وإن انقطعت إِلَى الله تَعَالَى، وخليت بينهم وبين جيفة الدُّنْيَا قَالُوا: أَنْتَ من المبلسين.
وإن تركت ما أَنْتَ عَلَيْهِ واتبعت أهواءهم فأَنْتَ عَنْدَ الله من الخاسرين وعندهم من المنافقين.
فالحزم كُلّ الحزم: التماس مرضاة الله تَعَالَى ورسوله بإغضابهم، وأن لا تشتغل باعتابهم، ولا باستعتابهم، ولا تبالي بذمهم ولا بغضهم فإنه عين كمالك كما قَالَ:
وَإِذَا أَتَتْكَ مَذَمَّتِي مِنْ نَاقِص ... فَهِيَ الشَّهَادَةُ لِي بِأَنِّي فَاضِل
وَقَالَ آخر:
وَقَدْ زَادَنِي حُبًّا لِنَفْسِي أَنَّنِي ... بَغِيضٌ إِلَى كُلِّ امْرِئِ غَيْرِ طَائِلِ
стр. 819
فمن أيقظ بواب قَلْبهُ وحارسه من هَذِهِ المداخل الأربعة التي هِيَ أصل بَلاء العَالِم.
وهي: فضول النظر، والكلام، والطعام، والمخالطة واستعمل ما ذكرناه من الأسباب التسعة التي تحزره من الشيطان فقَدْ أخذ بنصيبه من التَّوْفِيق. وسد عَنْ نَفْسهُ أبواب جهنم، وفتح عَلَيْهَا أبواب الرحمة، وانغمر ظاهره وباطنه.
ويوشك أن يحمد عَنْدَ الْمَمَات عاقبة هَذَا الدواء، فعَنْدَ الْمَمَات يحمد القوم التقي، وفي الصباح يحمد القوم السري، وَاللهُ الْمُوَفِّقُ لا رب غيره ولا إله سواه. أ. هـ.
اللَّهُمَّ يَا عَالِم الخفيات ويا سامَعَ الأصوات ويا باعث الأموات ويا مجيب الدعوات ويا قاضي الحاجات يَا خالق الأَرْض والسماوات أَنْتَ الله الأحد الصمد الَّذِي لم يلد ولم يولد ولم يكن لَهُ كفوًا أحد الوهاب الَّذِي لا يبخل والحليم الَّذِي لا يعجل لا رادَّ لأَمْرِكَ ولا معقب لحكمك نسألك أن تغفر ذنوبنا وتنور قلوبنا وتثَبِّتْ محبتك فِي قلوبنا وتسكننا دار كرامتك إِنَّكَ على كُلّ شَيْء قدير وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
" موعظة "
عباد الله لا شَيْء أغلى عليكم من أعماركم وأنتم تضيعونها فيما لا فائدة فيه. ولا عدو أعدى لكم من إبلَيْسَ وأنتم تطيعونه، ولا أضر عليكم من موافقة النفس الإمارة بالسُّوء وأنتم تصادقونها، لَقَدْ مضى من أعماركم الأطايب، فما بقي بعد شيب الذوائب.
يا حاضر الجسم والْقَلْب غائب، اجتماع العيب مَعَ الشيب من أعظم المصائب، يمضي زمن الصبا فِي لعب وسهو وغَفْلَة، يَا لها من مصائب، كفى زَاجِرًا وَاعِظاً تشيب منه الذوائب، يَا غافلاً فاته الأرباح وأفضل
стр. 820
المناقب، أين البُكَاء والحزن والقلق لخوف العَظِيم الطالب أين الزمان الَّذِي فرطت فيه ولم تخش العواقب، أين البُكَاء دمًا على أوقات قتلت عَنْدَ التلفزيون والمذياع والكرة والسينماء والفيديو والخمر والدخان والملاعب واللعب بالورق والقِيْل والقَالَ.
كم فِي يوم الحَسْرَة والندامة من دمع ساكب على ذنوب قَدْ حواها كتاب الكاتب، من لَكَ يوم ينكشف عَنْكَ غطاؤك فِي موقف المحاسب، إِذَا قِيْل لَكَ: ما صنعت فِي كُلّ واجب، كيف ترجو النجاة وأَنْتَ تلهو بأسر الملاعب، لَقَدْ ضيعتك الأماني بالظن الكاذب، أما علمت أن الموت صعب شديد المشارب، يلقي شره بكأس صدور الكتائب، وأنه لا مفر منه لهارب فَانْظُرْ لنفسك واتق الله أن تبقى سَلِيمًا من النوائب، فقد بنيت كنسج العنكوت بيتًا، أين الذين علو فوق السفن والمراكب أين الَّذِينَ علو على متون النجائب، هجمت عَلَيْهمْ الْمَنَايَا فأصبحوا تحت النصائب وأَنْتَ فِي أثرهم عَنْ قريب عاطب، فَانْظُرْ وتفكر واعتبر وتدبر قبل هجوم من لا يمنع عَنْهُ حرس ولا باب ولا يفوته هرب هارب.
اللَّهُمَّ يسر لَنَا سبيل الأَعْمَال الصالحات وهيئ لَنَا من أمرنا رشدًا واجعل معونتك العظمى لَنَا سندًا واحشرنا إِذَا توفيتنا مَعَ عبادك الصالحين الَّذِينَ لا خوف عَلَيْهمْ ولا هم يحزنون، وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِين بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
شِعْرًا: ... وَكَيْفَ قَرَّتْ لأَهْلِ الْعِلْمِ أَعْيُنُهُمْ ... أَوْ اسْتَلَذَّوْا لَذِيذَ النَّوْمِ أَوْ هَجَعَوا
وَالْمَوْتُ يُنْذِرُهُمْ جَهْرًا عَلانِيَةً ... أَوْ كَانَ لِلْقَوْمِ أَسْمَاعٌ لَقَدْ سَمِعُوا
وَالنَّارُ ضَاحِيَةٌ لا بُدَّ مَوْرِدُهُمْ ... وَلَيْسَ يَدْرُونَ مَنْ يَنْجُو وَمَنْ يَقَعُ
قَدْ أَمْسَتْ الطَّيْرُ وَالأَنْعَامُ آمِنَةً ... وَالنُّونُ فِي الْبَحْرِ لا يُخْشَى لَهَا فَزَعُ
стр. 821
وَالآدَمِيُّ بِهَذَا الْكَسْبِ مُرْتَهِنٌ ... لَهُ رَقِيبٌ عَلَى الأَسْرَارِ يَطَّلِعُ
حَتَّى يَرَى فِيهِ يَوْمَ الْجَمْعِ مُنْفَرِدًا ... وَخَصْمُهُ الْجِلْدُ وَالأَبْصَارُ وَالسَّمْعُ
وَإِذْ يَقُومُونَ وَالأَشْهَادُ قَائِمَةً ... وَالْجِنُّ وَالإِنْسُ وَالأَمْلاكُ قَدْ خَشعُوا
وَطَارَتْ الصُّحُفُ فِي الأَيْدِي مُنْتَشِرَةً ... فِيهَا السَّرَائِرُ وَالأَخْبَارُ تَطَّلِعُ
فَكَيْفَ بِالنَّاسِ وَالأَنْبَاءُ وَاقِعَةٌ ... عَمَّا قَلِيلٍ وَمَا تَدْرِي بِمَا تَقَعُ
أَفِي الْجِنَانِ وَفَوْزٍ لا انْقِطَاعَ لَهُ ... أَمْ فِي الْجَحِيمِ فلا تُبْقِي وَلا تَدَعُ
تَهْوِي بُسُكَّانِهَا طَوْرًا وَتَرْفُعُهُمْ ... إِذَا رَجَوْا مَخْرَجًا مِنْ غَمِّهَا قُمِعُوا
طَالَ الْبُكَاءُ فَلَمْ يَنْفَعْ تَضَرُّعُهُمْ ... هَيْهَاتَ لا رِقَّةٌ تُغْنِي وَلا جَزَعُ
اللَّهُمَّ ثَبِّتْ محبتك فِي قلوبنا وقوها ونور قلوبنا بنور الإِيمَان وَاجْعَلْنَا هداة مهتدين وآتنا فِي الدُّنْيَا حسُنَّة وفي الآخِرَة حسُنَّة وقنا عذاب النار، اللَّهُمَّ أنظمنا فِي سلك الفائزين برضوانك، وَاجْعَلْنَا مِنْ المتقين الَّذِينَ أعددت لَهُمْ فسيح جنانك، وأدخلنا بِرَحْمَتِكَ فِي دار أمانك، وعافنا يَا مولانَا فِي الدُّنْيَا والآخِرَة مِنْ جَمِيعِ البلايا، وأجزل لَنَا من مواهب فضلك وهباتك ومتعنا بالنظر إِلَى وجهك الكريم مَعَ الَّذِينَ أنعمت عَلَيْهمْ من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِين الأحياء مِنْهُمْ والميتين بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
" فَصْلٌ "
وقَالَ ابن القيم: أصل الْخَيْر والشَّر من قبل الفكر، فَإِنَّ الفكر مبدأ الإرادة والطلب فِي الزهد، والترك، والحب والبغض وأنفع الفكر فِي مصالح المعاد وفي طرق اجتلابها، وفي دفع مفاسد المعاد وفي طرق اجتنابها، فهذه أربعة أفكار هِيَ أجل الأفكار، ويليها أربعة، فكر فِي مصالح الدُّنْيَا وطرق تحصيلها وفكر فِي مفاسد الدُّنْيَا وطرق احتراز مَنْهَا فعلى هَذِهِ الأقسام الثمانية دارت أفكار العقلاء.
стр. 822
ورأس القسم الأول، الفكر فِي آلاء الله ونعمه وأمره ونهيه وطرق العلم به، وبأسمائه وصفاته من كتابه وسُنَّة نبيه ﷺ وما والاهما، وَهَذَا الفكر يثمر لصاحبه المحبة، والمعرفة، فإذا فكر فِي الآخِرَة وشرفها ودوامها وفي الدُّنْيَا وخستها وفنائها أثمر لَهُ ذَلِكَ الرغبة فِي الآخِرَة والزهد فِي الدُّنْيَا.
وكُلَّما فكر فِي قصر الأمل، وضيق الوَقْت، أورثه ذَلِكَ الجد والاجتهاد، وبذل الوسع فِي اغتنام الوقت.
وهذه الأفكار تعلي همته وتحييها بعد موتها وسفولها وتجعله في واد والناس في واد.
قَالَ بعضهم:
فَكَّرْتُ فِي الْجَنَّةِ الْعُلْيَا فَلَمْ أَرَهَا ... تَنَالَ إِلا عَلَى جَسْرٍ مِن التَّعَبِ
آخر: ... إِنَّ امْرَأً بَاعَ أُخْرَاهُ بِفَاحِشَةٍ ... مِن الْفَوَاحِشَ يَأْتِيهَا لِمَغْبُونُ
وَمَنْ تَشَاغَلَ بِالدُّنْيَا وَزُخْرُفِهَا ... عَنْ جَنَّةِ مَا لَهَا مِثْلٌ لِمَفْتُونُ
وَكُلُّ مَنْ يَدَّعِي عَقْلاً وَهِمَّتُهُ ... فِيمَا يُبْعَدُ عَنْ مَوْلاهُ مَجْنُونُ
آخر: ... يَا مَنْ يُعَانِقُ دُنْيًا لا بَقَاءَ لَهَا ... يُمْسِي وَيُصْبِحُ فِي دُنْيَاهُ سَفَّارَا
هَلا تَرَكْتَ لَدَى الدُّنْيَا مُعَانَقَةً ... حَتَّى تُعَانِقَ فِي الْفِرْدَوْسِ أَبْكَارَا
إِنْ كُنْتَ تَبْغِي جِنَانَ الْخُلْدِ تَسْكُنُهَا ... فَاطْلُب رِضَى خَالِق الْجَنَّاتِ وَالنَّارَا
وبإزاء هَذِهِ الأفكار الرديئة التي تجول فِي قُلُوب أكثر هَذَا الخلق كالفكر فيما يكلف الفكر فيه، ولا أعطى الإحاطة به من فضول العلم الَّذِي لا ينفع، كالفكر فِي كيفية ذات الله وصفاته مِمَّا لا سبيل للعقول إِلَى إدراكه به.
ومنها الفكر فِي الصناعات الدقيقة التي لا تنفع بل تضر، كالفكر فِي الشطرنج والموسيقى وأنواع الأشكال، والتصاوير. قُلْتُ: وكل أنواع الملاهي.
ومنها الفكر فِي العلوم التي لو كَانَتْ صحيحة لم يعطي الفكر فيها النفس كمالاً ولا شرفًا كالفكر فِي دقائق المنطق، والعلم الرياضي، والطبيعي، وأكثر
стр. 823
علوم الفلاسفة التي لو بلغ الإِنْسَان غايتها لم يكمل بذَلِكَ، ولم يزك نَفْسهُ.
ومنها الفكر فِي الشهوات، واللذات وطرق تحصيلها، وَهَذَا وإن كَانَ للنفس فيه لذة لكن لا عاقبة لَهُ ومضرته فِي عاقبة الدنيا قبل الآخِرَة أضعاف مسرته.
ومنها الفكر فيما لم يكن لو كَانَ كيف كَانَ، كالفكر فيما إِذَا صار ملكًا أَوْ وَجَدَ كنزًا أَوْ ملك ضيعة ماذا يصنع وكيف يتصرف، ويأخذ ويعطي وينتقم ونحو ذَلِكَ من أفكار السفل.
ومنها الفكر فِي جزئيات أحوال النَّاس، ومجرياتهم، ومداخلتهم ومخارجهم، وتوابع ذَلِكَ من فكر النُّفُوس المبطلة الفارغة من الله ورسوله والدار الآخِرَة.
ومنها الفكر فِي دقائق الحيل، والمكر، التي يتوصل بها إِلَى أغراضه وهواه مباحة كَانَتْ أَوْ محرمة.
ومنها الفكر فِي أنواع الشعر، وصروفه وأفانينه فِي المدح والهجَاءَ والغزل والمراثي ونحوها، فإنه يشغل الإِنْسَان عَنْ الفكر فيما فيه سعادته وحَيَاتهُ الدائِمَّة.
ومنها الفكر فِي المقدرات الذهنية التي لا وجود لها فِي الخارج ولا بِالنَّاسِ حَاجَة إليها البتة، وَذَلِكَ موجود فِي كُلّ علم حَتَّى فِي علم الفقه والأصول والطب، فكل هَذِهِ الأفكار مضرتها أرجح من منفعتها ويكفي فِي مضرتها شغلها عَنْ الفكر فيما هُوَ أولى به، وأَعُود عَلَيْهِ بالنفع عاجلاً وآجلاً.أ. هـ.
شِعْرًا: ... يَا غَافِلاً عَنْ صُرُوفِ الْوَقْتِ فِي سِنَةٍ ... الْوَقْتَ يُوقِظُ الآيَاتِ وَالْعِبَرِ
كَمْ ذَا تَنَامُ وَعَيْنُ الْوَقْتِ سَاهِرَةٌ ... لَهُ حَوَادِثُ فِي الْغُدْوَاتِ وَالْبُكَرِ
لا تَأَمن الْوَقْتَ وَأَحْذَرْ مِنْ تَقَلُّبِهِ ... فَشِيمَةُ الْوَقْتُ شَوْبُ الصَّفْوِ بِالْكَدَرِ
стр. 824
وَارْغَبْ بِنَفْسِكَ عَمَّا سَوْفَ تُدْرِكُه ... فِعْلَ اللَّبِيبِ أَخِي التَّحْقِيقِ وَالنَّظَرِ
مَاذَا يَغُرُّكَ مِنْ دَارِ الْفَنَاءِ وَمِنْ ... عُمْر يَمُرُّ كَمَثْلِ اللَّمْحِ بِالْبَصَرِ
فَامْهَدْ لِنَفْسِكَ فَالسَّاعَاتُ فَانِيَةٌ ... وَالْعُمْرُ مُنْتَقِصٌ وَالْمَوْتُ فِِي الأَثَرِ
آخر: ... يَا مَنْ تَبَجَّحَ بِالدُّنْيَا وَزُخْرُفِهَا ... كُنْ مِنْ صُرُوفِ لَيَالِيهَا عَلَى حَذَرِ
وَلا يَغُرَّنَكَ عَيْشٌ إِنْ صَفَا وَعَفَا ... فَالْمَرْءُ مِنْ غُرر الأَيَّامِ فِي غَرَرِ
إِنَّ الزَّمَانَ كَمَا جَرَّبْتَ خِلْقَتَهُ ... مُقَسَّمُ الأَمْرِ بَيْنَ الصَّفْوِ وَالْكَدَرِ
اللَّهُمَّ ألهمنا ذكرك وَوَفِّقْنَا للقيام بحقك، وخلصنا من حقوق خلقك، وبارك لَنَا فِي الحلال من رزقك، ولا تفضحنا بين خلقك، يَا خَيْر من دعاة داع وأفضل من رجاه راج يَا قاضي الحاجات، ومجيب الدعوات، هب لَنَا ما سألناه، وحقق رجاءنا فيما تنميناه، يَا من يملك حوائج السائلين ويعلم ما فِي صدور الصامتين أذقنا برد عفوك وحلاوة مغفرتك وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَجَمِيع الْمُسْلِمِين الأحياء مِنْهُمْ والميتين بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
" فَصْلٌ "
اعْلَمْ وفقنا الله وَإِيَّاكَ وَجَمِيع الْمُسْلِمِين أن الحب فِي الله والبغض فِي الله، أصل عَظِيم من أصول الإِيمَان يجب مراعاته ولهَذَا جَاءَ فِي الْحَدِيث: «أوثق عرى الإِيمَان الحب فِي الله والبغض فِي الله "، وأكثر الله من ذكره فِي القرآن، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُوْنِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ .
فالمعنى أن لكم أيها المؤمنون فِي موالات الْمُؤْمِنِينَ مندوحة عن موالات الكفار، فلا تؤثرهم عَلَيْهمْ،وقوله: ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ فِي شَيْءٍ﴾ المعنى ومن يتولاهم فهو برئ من الله والله برئ منه كقوله تعالى: ﴿وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ .
стр. 825
وقوله: ﴿إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ أي إِلا أن تخافوا على أنفسكم فِي إبداء العداوة للكافرين، فلكم فِي هَذِهِ الحال الرخصة فِي المسالمة والمهادنة، ولا فِي التولي الَّذِي هُوَ مَحَبَّة الْقَلْب الَّذِي تتبعه النصرة، بل يكون الْقَلْب مطمئنًا بالعداوة والبغضاء، ينتظر زَوَال المانع.
وقَالَ الله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاء مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ * هَاأَنتُمْ أُوْلاء تُحِبُّونَهُمْ وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ * إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُواْ﴾ الآيَة.
ففي هَذِهِ الآيات تحذير من الله لعباده الْمُؤْمِنِينَ عَنْ ولاية الكفار واتخاذهم بطانة أَوْ خصيصية وأصدقاء، يسرون إليهم، ويفضون لَهُمْ بأسرار الْمُؤْمِنِينَ، أَوَّلاً أنهم لا يقصرون فِي مضرة الْمُؤْمِنِينَ، وإفساد الأَمْر على الْمُؤْمِنِينَ ما استطاعوا إِلَى ذَلِكَ سبيلاً.
ثانيًا: محبتهم ما شق على الْمُؤْمِنِينَ، وتمنيهم ضرر الْمُؤْمِنِينَ فِي دنياهم ودينهم.
ثالثًا: أنهم يبدون العداوة والبغضاء فِي كلامهم وفي فلتات ألسنتهم.
رابعًا: أن ما تخفيه صدورهم من البغضاء والعداوة أكبر مِمَّا ظهر لكم من أقوالهم وأفعالهم، ثُمَّ ذكر نوعًا آخر من التحذير عَنْ مخالطة الكافرين واتخاذهم بطانة.
وفيه تنبيه على خطئهم فِي ذَلِكَ وقَدْ ضمنه أمورًا ثلاثًا كُلّ مَنْهَا يستدعي الكف عَنْ مخالطة الكفار، أَوَّلاً أنكم تحبونهم ولا يحبونكم، ثانيًا أنكم
стр. 826
تؤمنون بالكتاب كله ما نزل على نبيكم وما نزل على نبيهم، ثالثًا أنهم يداهنونكَمْ وينافقونكم فإذا لقوَكَمْ قَالُوا آمنا وَإِذَا خلوا مَعَ بَنِي جنسهم عضو عليكم الأنامل من الغيظ والبغض.
وإنما فعلوا ذَلِكَ لما رأوا من ائتلاف الْمُسْلِمِين، واجتماع كلمتهم وصلاح ذات بينهم، ونصر الله إياهم، حَتَّى عجز أعداؤهم أن يجدوا إِلَى ذَلِكَ التشفي سبيلاً، فاضطروا إِلَى مداراتهم.
وقَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ .
والآيات هَذِهِ تنادي بالنهي المطلق عَنْ الولاء لليهود والنَّصَارَى وعن الاستنصار بِهُمْ، والركون إليهم والثِّقَة بِهُمْ، وبمودتهم والاعتقاد فِي قدرتهم على إيصال خَيْر لِلْمُسِلِمِينَ، أَوْ دفع أذى بل هم على العكس لا يألون جُهْدًا فِي دفع النفع عَنْ الْمُسْلِمِين، وإيصال الضَّرَر والأَذَى لِلْمُسِلِمِينَ فانتبه يَا أخي واحذرهم وحذر عنهم. وَإِيَّاكَ ومدارتهم.
يَقُولُونَ لِي الْعِدَا تَنْجِ مِنْهُمْ ... فَقُلْتُ مُدَارَاتُ الْعِدَا لَيْسَ تَنْفَعُ
وَلَوْ أَنَّنِي دَارَيْتُ دَهْرِي حَيَّةً ... إِذَا مُكِّنَتْ يَوْمًا مِنَ اللَّسْعِ تَلْسَعُ
آخر: ... إِذَا وَتَرْتَ أَمْرًا فَاحْذَرْ عَدَاوَتَهُ ... مَنْ يَزْرَعِ الشَّوْكَ لا يَحْصُدْ بِهِ عِنَبَا
إِنَّ الْعَدُوَّ وَإِنْ أَبْدَى مُجَامَلَةً ... إِذَا رَأى مِنْكَ يَوْمًا فُرْصَةً وَثَبَا
قَالَ شَّيْخ الإِسْلام: ولهَذَا كَانَ السَّلَف ﵃ يستدلون بهذه الآيات على ترك الاستعانة بِهُمْ فِي الولايات، فروى الإِمَام أحمد بإسناد صحيح عَنْ أبي مُوَسى الأشعري ﵁، قَالَ: قُلْتُ لعمر ﵁، إن لي كاتبا نَصْرَانِيًّا، قَالَ: ما لك قاتلك الله، أما سمعت الله يَقُولُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ﴾ ألا اتَّخَذْتَ حَنِيْفيًا.
стр. 827
قَالَ: قُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لي كتابته وله دينه، قَالَ: لا أكرمهم إِذَا أهانهم الله، ولا أعزهم إِذَا أذلهم الله ولا أدنيهم إِذَا أقصاهم الله» . بلغ يَا أخي من والاهم وولاهم ووثق بِهُمْ، وأحمد الله الَّذِي عَافَاكَ مِمَّا ابتلاهم به.
ولما دل عَلَيْهِ معنى الكتاب وجاءت به سُنَّة رسول الله ﷺ وسُنَّة خلفائه الراشدين، التي أجمَعَ الْفُقَهَاء عَلَيْهَا بمخالفتهم، وترك التشبه بِهُمْ، ففي الصحيحين عَنْ أَبِي هُرَيْرَةِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : إن اليهود والنَّصَارَى لا يصبغون، فخالفوهم أمر بمخالفتهم قَالَ.
وقَالَ تَعَالَى لنبيه ﵊: ﴿لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ وَذَلِكَ يقتضي تبرؤه مِنْهُمْ فِي جميع الأَشْيَاءِ، وَإِذَا كَانَ الله قَدْ برأ رسوله ﷺ مِنْ جَمِيعِ أمورهم، فمن كَانَ متبعًا للرسول ﷺ حَقِيقَة كَانَ مُتَبَرِّئًا مِنْهُمْ، كتبرئه ﷺ مِنْهُمْ ومن كَانَ موافقًا لَهُمْ كَانَ مُخًالِفًا لِرَسُولِ اللهِ ﷺ بقدر موافقته لَهُمْ.
وقَالَ ﵀: إن مشابهتهم فِي بعض أعيادهم، توجب سرور قلبوهم بِمَا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الْبَاطِلِ، خُصُوصًا إِذَا كَانُوا مقهورين، تحت ذل الْجِزْيَة والصغار، فَإِنَّهُمْ يرون الْمُسْلِمِين قَدْ صاروا فرعًا لَهُمْ فِي خصائص دينهم، فَإِنَّ ذَلِكَ يوجب قَسْوَة قُلُوبِهِمْ وانشراح صدورهم وَرُبَّمَا أطمعهم ذَلِكَ فِي انتهاز الفرص واستذلال الضعفاء.
وقال ﵀: وكلما كانت المشابهة أكثر كان التفاعل فِي الأَخْلاق والصفات أتم حَتَّى يؤل الأَمْر إِلَى أن لا يميز أحدهما عَنْ الآخِر إِلا بالعين فقط.
ولما كَانَ بين الإِنْسَان مُشَارَكَة فِي الْجِنْس الْخَاص، كان التفاعل فيه أشد، ثُمَّ بينه وبين سائر الْحَيَوَان مُشَارَكَة فِي الْجِنْس، المتوسط، فَلا بُدَّ مِنْ نوع تفاعل بقدره.
стр. 828
ثُمَّ بينه وبين النَّبَات مُشَارَكَة فِي الْجِنْس الْبَعِيد مثلاً، فَلا بُدَّ مِنْ نوع ما من المفاعلة: قَالَ: ولأجل هَذَا الأصل وقع التأثر والتأثير فِي بَنِي آدم، واكتساب بَعْضهمْ أَخْلاق بَعْض بالمُشَارَكَة والمعاشرة، وكَذَلِكَ الآدمي إِذَا عاشر نوعًا من الْحَيَوَان، اكتسب من بَعْض أخلاقه.
ولهَذَا صَارَت الخيلاء والفخر فِي أَهْل الإبل، وصَارَت السكينة فِي أَهْل الغنم، وصار الجمالون والبغالون فيهم أَخْلاق مذمومة، من أَخْلاق الجمال والبغال، وَكَذَا الكلابون.
قُلْتُ: وَهَذَا واضح مشاهد عَنْدَ الَّذِينَ يتأملون بدقة، فالمعاشرون للدجاج والحمام، والأرانب والحمر والبقر يأخذون من أخلاقها.
قَالَ ﵀: وصار الْحَيَوَان الإنسي فيه بَعْض أَخْلاق الإنس من المعاشرة والمؤالفة وقلة النفرة، فالمشابهة والمشاكلة فِي الأمور الظاهرة توجب مشابهة ومشاكلة فِي الأمور الباطنة على وجه المسارقة والتدريج الخفي.
قَالَ: وقَدْ رأينا اليهود الَّذِينَ عاشروا الْمُسْلِمِين، هم أقل كفرًا من غيرهم، كما رأينا الْمُسْلِمِين الَّذِينَ أكثروا من معاشرة اليهود والنَّصَارَى هم أقل إيمانًا من غيرهم، والمُشَارَكَة فِي الهدْي الظاهر، توجب أيضًا مناسبة وإتلافًا وإن بعد المكَانَ، والزمان، فهَذَا أيضًا أمر محسوس فمشابهتهم فِي أعيادهم ولو بالقليل، هُوَ سبب لنوع ما من اكتساب أخلاقهم التي هِيَ ملعونة.
فنقول: مشابهتهم فِي الظاهر سبب ومظنة لمشابهتهم فِي عين الأَخْلاق والأفعال المذمومة، بل فِي نفس الاعتقاد، وتأثير ذَلِكَ لا يظهر ولا ينضبط ونفس الفساد الحاصل من المشابهة قَدْ لا يظهر ولا ينضبط وقَدْ يتعسر، أَوْ يتعذر زواله، بعد حصوله لو تفطن لَهُ.
стр. 829
وكل ما كَانَ سببًا إِلَى مثل هَذَا الفساد فَإِنَّ الشارع يحرمه كما دلت عَلَيْهِ الأصول المقررة.
وقَالَ: إن المشابهة فِي الظاهر تورث نوع مودة ومحبة وموالاة فِي الباطن. قَالَ: والمحبة والموالاة لَهُمْ تنافي الإِيمَان، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء﴾ إِلَى قوله تَعَالَى: ﴿فَأَصْبَحُواْ خَاسِرِينَ﴾ وقَالَ تَعَالَى فيما ذم به أَهْل الكتاب: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ الآيات إِلَى قوله: ﴿وَلَكِنَّ كَثِيراً مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ .
فبين تَعَالَى أن الإِيمَان بِاللهِ والنَّبِيّ وما أنزل مستلزم لعدم ولايتهم فثبوت ولايتهم يوجب عدم الإِيمَان. انتهى كلامه.
إذا فهمت ذَلِكَ، فاعْلَمْ أن المقصود من كُلّ ما ذكرنا، هُوَ إِنَّكَ تَكُون متيقظًا حَافِظًا لِمَن ولاك الله عَلَيْهمْ حسب قدرتك واستطَاعَتكَ مبعدًا لَهُمْ كُلّ البعد عَنْ الإتصال بالكفار، والسفر إِلَى بلادهم، والإقامة عندهم، لما وضحنا لَكَ سابقًا فَإِنَّ قبلت ذَلِكَ فهو المطلوب، والحمد لله على ذَلِكَ وإن أبيت قبول هَذِهِ النَّصِيحَة فسوف تعلم إِذَا انجلى الغبار، أفرس تحتك أم حمار، وَاللهُ الْمُسْتَعَانُ وعَلَيْهِ التكلان.
أَلا رُبَّ نُصْحٍ يُغْلَقُ الْبَابُ دُونَهُ ... وَغِشٍ إلى جَنبِ السَّرِيرِ يُقَرَّبُ
وَاللهُ أَعْلَمُ. وصلى الله على مُحَمَّد وعلى آله وسلم.
" فَصْلٌ "
وقَالَ تَعَالَى: ﴿تَرَى كَثِيراً مِّنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَن سَخِطَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ﴾ الآيتين. وقال:
стр. 830
﴿وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللهِ مِنْ أَوْلِيَاء﴾ . الآية. قَالَ ابن عباس: لا تميلوا. وقَالَ عكرمة: أن تطيعوهم أَوْ تودوهم، أَوْ تصطنعوهم، أي تولوهم الأَعْمَال، كمن يولي الفساق والفجار.
وقَالَ الثوري: ومن لاق لَهُمْ دواة أَوْ برى لَهُمْ قلمًا أَوْ ناولهم قرطاسًا دخل فِي هَذَا. قَالَ بَعْض المفسرين فِي الآيَة: فالنهي متناول للانحطاط فِي هواهم، والانقطاع إليهم، ومصاحبتهم، ومجالستهم، وزيارتهم ومداهنتهم والرِّضَا بأَعْمَالُهُمْ والتشبه والتزيي بزيهم، ومد العين إِلَى زهرتهم، وذكرهم بما فيه تعظيمًا لَهُمْ. قُلْتُ: ما أكثر هَذَا فِي زمننا نسأل الله أن يحفظنا عَنْ ذَلِكَ.
وقَالَ آخر: لا تستندوا وتطمئنوا إِلَى الَّذِينَ ظلموا وإلى الجبارين الطغاة الظالمين، أصحاب الجور والظلم الَّذِينَ يقهرون بقوتهم، ويظلمون لا تميلوا إليهم طالبين نصرتهم أَوْ حمايتهم مهما يكن فِي أيديهم من القوة والسُّلْطَان والْمَال، فَإِنَّ ركونكم إليهم على هَذَا النحو يقدح فِي اعتمادكم على الله، وفي إخلاصكم بالتوجه إليه وحده والاتكال عَلَيْهِ وحده والاعتزاز به وحده.
والركون إِلَى الظلمة المتسلطين سواء كَانُوا أفردًا أَوْ كَانُوا دولاً يتمثل فِي صورٍ شتَّى، ومنه التعاون مَعَ الطغاة على الشعوب، الَّذِينَ لا يحكمون بما أنزل الله، ومنه معاهدات الحماية ومعاهدات الدفاع المشترك ومعاهدات الصداقة والتحالف مَعَ الَّذِينَ يؤذون الْمُؤْمِنِينَ فِي ديارهم، وكل صورة يتحقق فيها اعتماد الْمُسْلِمِين على أَهْل الظلم أفرادًا ودولاً والاستناد إِلَى قوتهم وعونهم ومساعدتهم.
وقَالَ تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ﴾ صدر هَذِهِ السورة نزل فِي حاطب بن أبي بلتعة، لما
стр. 831
كتب إِلَى المشركين، يخبرهم بمسير رسول الله ﷺ ، فما ظنك بمن يعول على الكفرة ويعتمد عَلَيْهمْ ويتخذهم أَوْلِيَاء نسأل الله العصمة إنه القادر على ذَلِكَ.
فيجب عَلَيْنَا معشر الْمُؤْمِنِينَ أن نتباعد عنهم ولا نقاربهم فِي المنازل ولا نذهب إليهم، ولا نكون معهم، وأن ننصح من كَانَ من الْمُسْلِمِين فِي بلادهم، بأن يهاجر عنهم، وأن نبين لَهُ، قَالَ ﷺ : «لا تستضيئوا بنار المشركين» .
وقَالَ: «من جامَعَ المشرك أَوْ سكن معه فهو مثله» . وحديث: «أَنَا برئ من مُسْلِم بين أظهر المشركين لا ترائي نارهما» . وكَانَ ﷺ يأخذ على أصحابه عَنْدَ البيعة يأخذ على يد أحدهم: «أن لا تَرَى نارك نار المشركين إلا أن تَكُون حربًا لَهُمْ» .
شِعْرًا: ... شَرُّ الْبِلادِ بِلادٌ لا أَذَانَ بِهَا ... وَلا يُقَامُ بِهَا فَرْضُ الصَّلَوَاتِ
وَلا زَكَاةٌ وَلا صَوْمٌ يَكُونُ بِهَا ... وَلا مَسَاجِدَ فِيهَا لِلْعِبَادَاتِ
إِنِّي لأَعْجَبُ مِنْ شَخْصٍ يُقِيمُ بِهَا ... عِنْدَ الْمَعَادِي لِخَلاقِ السَّمَاوَاتِ
آخر: ... إِرْحَلْ بِنَفْسِكَ مِنْ أَرْضٍ تُضَامُ بِهَا ... وَلا تَكُنْ لِفِرَاقِ الأَهْلِ فِي حَرَقِ
مَنْ ذَلَّ بَيْنَ أَهَالِيهِ بِبَلْدَتِهِ ... فَالإغْتِرَابُ لَهُ مِنْ أَحْسَنِ الْخُلْقِ
الْكُحْلُ نُوعٌ مِن الأَحْجَارِ مُنْطَرِحًا ... فِي أَرْضِهِ كَالثَّرَى يُرَى عَلَى الطُّرُقِ
لَمَّا تَغَرَّبَ نَالَ الْعِزَّ أَجْمَعَهُ ... وَصَارَ يُحْمَلُ بَيْنَ الْجِفْنِ وَالْحَدَقِ
آخر: ... إِذَا زِدْتَ فِي أَرْضٍ لِرَبِّكَ طَاعَة ... فَلا تَكْثِرَنْ مِنْهَا النُّزُوعَ لِغَيْرِهَا
فَمَا هِيَ إِِلا بَلْدَةٌ مِثْلَ بَلْدَةٍ ... وَخَيْرُهُمَا مَا كَانَ عَوْنًا عَلَى التُّقَى
آخر: ... إِذَا اغْتَرَبْ الْحُرُّ الْكَرِيمُ بَدَتْ لَهُ ... ثَلاثُ خِلالٌ كُلُّهُنَّ صِعَابُ
تَفَرُّقُ أَلافُ وَبَذْلٌ لِهَيَبْةٍ ... وَإِنْ حُمَّ لَمْ يَعْطِفْ عَلَيْهِ صِحَابُ
آخر: ... وَكُنْ فِي بَلْدَةٍ تَزْدَادُ فِيهَا ... لَدَى الْخَلاقِ مَرْتَبَةً وَقَدْرَا
стр. 832
فَخَيْرُ النَّاسِ مَنْ أَرْضَى إِلَهًا ... تَفَرَّدَ بِالْجَلالِ وَبِالْكَمَالِ
وفي حديث معاوية بن حيدة مرفوعًا: «لا يقبل الله من مُسْلِم عملاً أَوْ يفارق المشركين» . أَخْرَجَهُ النسائي وورد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةِ أنه أقسم لا يظلله سقف، هُوَ وقاطع رحم.
فانتبه يَا من زين لَهُ سوء عمله فأتى بكفار خدامين أَوْ سواقين أَوْ خياطين أَوْ طباخين وأمِنْهُمْ على محارمه وهم أعداء الله ورسوله والْمُؤْمِنِينَ. هَذَا والعياذ بِاللهِ إجرام عَظِيم ومحاربة لله ورسوله الْمُؤْمِنِينَ ونشر للفساد فِي الْبِلاد الإِسْلامية.
فَكَيْفَ بمن يذهب إِلَى بلاد الكفر ويجلس معهم، ويأكل ويشرب ويتبادل معهم الكلام بلين وبشر وينام ويصحو، ويقوم ويقعد وَهُوَ بينهم فِي تقلباته وحركاته وسكناته.
ولَقَدْ وصل الأَمْر فِي هَذَا الزمن إِلَى أناسًا يبعثون أماناتهم أفلاذ أكبادهم إِلَى بلاد الكفر والشرك والحرية والفساد يتعلمون عَنْدَ أولئك الكفرة أعداء الإِسْلام وأهله الَّذِينَ تجب الهجرة من بلادهم وَرُبَّمَا كَانَ عَنْدَ الأولاد المبعوثين للتعلم عَنْدَ الكفرة مبادئ طيبة وأخلاق فاضلة فإذا ذهبوا إلى بلاد الكفر والعياذ بالله ضيعوا دينهم وأخلاقهم واعتادوا عَنْ قصد وعن غير قصد شرورًا وسمومًا يحملونها ثُمَّ يأتون بها فينفثونها بين الْمُسْلِمِين ثُمَّ يعدون أقرانهم ويزينون لَهُمْ طريقتهم فيهلكون ويهلكون ولا أدري ماذا عَنْدَ مضيع هَذِهِ الأمانة من الجواب إِذَا وقف بين يدي الجبار جَلَّ وَعَلا وسأله عَنْ هَذِهِ الأمانة وما أعقبت من شرور وفساد.
هل يدعي أنه لا يعرف أنها بلاد كفر وإلحاد فيكون كاذبًا أَوْ يَقُولُ إنه يدري ولكنه لا يبالي بهذه الأمانة قولوا لَهُ: ألست تقرأ قول الله تَعَالَى: ﴿إِنَّا
стр. 833
عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا﴾ الآيَة.
وقوله تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ هَذَا إِذَا كَانَ الباعث راضيًا بذَلِكَ أَوْ آمرًا به.
فهل الكفار أَهْل لوضع هَذِهِ الأمانة عندهم أما تخشى الله هَذَا وَاللهِ جرم عَظِيم. قَالَ تعالى: ﴿أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً﴾ ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لَنَا من لدنك رحمة إِنَّكَ أَنْتَ الوهاب، فَإِنَّهَا لا تعمى الأبصار ولكن تعمى الْقُلُوب التي فِي الصدور ﴿إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوّاً لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾ .
والشئ الَّذِي يضحك الإِنْسَان من جهه ويبكيه من جهة هُوَ أنه ربما يكون المرسلون من الَّذِينَ يعدون طاهرة قُلُوبهمْ ولكن غفلوا عَنْ هَذِهِ المسألة فلم يسألوا عَنْهَا هل يجوز لَهُمْ أم لا، ثُمَّ الشيء الثاني يأتي أناس آخرون لا يعرفون الولاء والبراء أَوْ يعرفونه ولكن يتساهلون فيأخذون الَّذِي جاءوا من بلاد الكفر يحملون شهاداتهم بالدوائر والولائم وَهَذَا والعياذ بِاللهِ تشجيعًا على المعاصي وحثًا عَلَيْهَا وإغراء بها نسأل الله العافية.
لأن الواجب هجرهم والابتعاد عنهم ولو كَانُوا آباءهم أَوْ أبناءهم أَوْ إخوانهم كما هُوَ المعهود فِي الزمن الْبَعِيد والقريب فيمن جَاءَ من الْبِلاد التي مستعمرة للكفرة يهجر لا يكلم ولا يدعى ولا يجاب دعوته عَنْدَ المتمسكين بالدين تمامًا الصدَّاعين بالحق المخلصين لله الناصحين لله ولكتابه ولرسوله ولولاة الْمُسْلِمِين ولكن يَا للأسف ذهب النَّاس وبقي النسناس الَّذِينَ لا يعرفون الولاء والبراء إِلا فيما يتعلق بحطام الدُّنْيَا.
شِعْرًا: ... فَمَا النَّاسُ لِلنَّاسِ الَّذِينَ عَهدْتَهُمْ ... وَلا الدَّارُ بِالدَّارِ الَّتِي كُنْتَ تَعْرِفُ
آخر: ... أَلا رُبَّ نُصْحٍ يُغْلَقُ الْبَابُ دُونَهُ ... وَغِشٍّ إِلَى جَنْبِ الشَّرِيرِ يُقَرَّبُ
آخر: ... بَذَلْتُ لَهُمْ نُصْحِي بِمُنْعَرِجِ اللَّوَى ... فَلَمْ يَسْتَبِينُوا الرُّشْدَ إِلا ضُحَى الْغَدِ
стр. 834
ويذكر عَنْ عيسى ﵇ أنه قَالَ: تحببوا إِلَى الله ببغض أَهْل المعاصي، وتقربوا إِلَى الله بالبعد عنهم واطلبوا رضى الله بسخطهم فإذا كَانَ هَذَا مَعَ أَهْل المعاصي، فَكَيْفَ بالكفرة والمشركين والمنافقين أعداء الله ورسله والْمُؤْمِنِينَ.
وقَدْ أجاب أبناء شيخ الإِسْلام مُحَمَّد بن عبد الوهاب لما سئلوا عَنْ السفر إِلَى بلاد المشركين للتجارة بما حاصله أنه يحرم السفر إِلَى بلاد المشركين إِلا إِذَا كَانَ المسلم قويًا لَهُ منعة يقدر على إظهار دينه وإظهار الدين تكفيرهم وعيب دينهم والطعن عَلَيْهمْ والبراءة مِنْهُمْ والتحفظ من موادتهم والركون إليهم واعتزالهم ولَيْسَ فعل الصلوات فقط للدين. أ. هـ.
نسألُ اللهَ السلامةَ وَالعافية فيها أيها المعافى أحمد ربك حمدًا طيبًا مباركًا وأكثر من قول: ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لَنَا من لدنك رحمة إِنَّكَ أَنْتَ الوهاب، ومن قول يَا مقلب الْقُلُوب والأبصار ثَبِّتْ قلوبنا على دينك، ويا مصرف الْقُلُوب صرف قلوبنا إلى طَاعَتكَ.
اللَّهُمَّ طهر قلوبنا من النفاق وعملنا من الرياء وألسنتنا من الكذب وأعيننا من الخيانة وآذاننا عَنْ الاستماع إِلَى ما لا يرضيك وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ، اللَّهُمَّ وَوَفِّقْنَا لسلوك مناهج المتقين، وخصنا بالتَّوْفِيق المبين، وَاجْعَلْنَا بِفَضْلِكَ من المقربين الَّذِينَ لا خوف عَلَيْهمْ ولا هم يحزنون، اللَّهُمَّ ألهمنا ما ألهمت عبادك الصالحين، وأيقظنا من رقدة الغافلين إِنَّكَ أكرم منعم وأعز معين وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِين الأحياء مِنْهُمْ والميتين بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ. وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
شِعْرًا: ... أَلا قُلْ لأَهْلِ الْجَهْلِ من كُلِّ مَنْ طَغَى ... عَلَى قَلْبِهِ رَيْنٌ مِنَ الرَّيْبِ وَالْعَمَا
لَعَمْرِي لَقَدْ أَخْطَأْتُمُوا إِذْ سَلَكْتُمُ ... طَرِيقَةَ جَهْلٍ غَيُّهَا قَدْ تَجَهَّمَا
أَيَحْسَبُ أَهْلُ الْجَهْلِ لَمَّا تَعَسَّفُوا ... وَجَاءُوا مِن الْعُدْوَانِ أَمْرًا مُحَرَّمَا
стр. 835
بِأَنَّ حِمَى التَّوْحِيدِ لَيْسَ بِرَبْعِهِ ... وَلا حِصْنِهِ مَنْ يَحْمِهِ أَنْ يُهَدَّمَا
وَظَنُّوا سَفَاهًا أَنْ خَلَى فَتَوَاثَبَتْ ... ثَعَالِبُ مَا كَانَتْ تَطَا فِي فِنَا الْحِمَا
أَيَحْسَبُ أَعْمَى الْقَلْبِ أَنَّ حُمَاتَهُ ... غُفَاةٌ فَمَا كَانُوا غُفَاةً وَنُوَّمَا
فَإِنْ كَانَ فَدْمٌ جَاهِلٌ ذُو غَبَاوَةٍ ... رَأَى سَفَهًا مِنْ رَأْيِهِ أَنْ تَكَلَّمَا
بِقَوْلٍ مِنْ الْجَهْلِ الْمُرَكَّبِ خَالَهُ ... صَوَابًا وَقَدْ قَالَ الْمقَالَ الْمُذَمَّمَا
سَنَكْشِفُ بِالْبُرْهَانِ غَيْهَبَ جَهْلِهِ ... وَيَعْلَمُ حَقًّا أَنَّهُ قَدْ تَوَهَّمَا
وَنُظْهِرُ مِن عَوْرَاتِهِ كُلَّ كَامِنٍ ... لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ جَاءَ إِفْكًا وَمَأْثَمَا
رُوَيْدًا فَأَهْلُ الْحَقِّ وَيْحَكَ فِي الْحِمَى ... وَقَدْ فَوَّقُوا نَحْوَ الْمُعَادِينَ أَسْهُمَا
وَتِلْكَ مِن الآيَاتِ وَالسُّنَنَ الَّتِي ... هِيَ النُّورُ إِنْ جَنَّ الظَّلامُ وَأَجْهَمَا
فَيَا مَنْ رَأَى نَهْجَ الضَّلالَةِ نَيِّرَا ... وَمَهْيَعَ أَهْلِ الْحَقِّ وَالدِّيِن مُظْلِمَا
لَعَمْرِي لَقَدْ أَخْطَأْتَ رُشْدَكَ فَاتَّئِدْ ... وَرَاجِعْ لِمَا قَدْ كَانَ أَقْوَى وَأَقْوَمَا
مِن الْمَنْهَجِ الأَسْنَى الَّذِي ضَاءَ نُورُهُ ... وَدَعْ طُرُقًا تُفْضِي إِلَى الْكُفْرِ وَالْعَمَا
وَمِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ فَاسْلُكْ طَرِيقَهَا ... وَعَادِ الَّذِي عَادَاهُ إِنْ كُنْتَ مُسْلِمَا
وَوَالِ الَّذِي وَالَى وَإِيَّاكَ أَنْ تَكُنْ ... سَفِيهًا فَتُحْظَى بِالْهَوَانِ وَتَنْدَمَا
أَفِي الدِّينِ يَا هَذَا مُسَاكَنَةُ الْعِدَا ... بِدَارِ بِهَا الْكُفْرِ أَدْلَهَمَّ وَأَجْهَمَا
وَأَنْتَ بِدَارِ الْكُفْرِ لَسْتَ بِمُظْهِرٍ ... لِدِينِكَ بَيْنَ النَّاسِ جَهْرًا وَمُعْلِمَا
بِأَيِّ كِتَابٍ أَمْ بِإِيَّةِ آيَةٍ ... أَخَذْتَ عَلَى هَذَا دَلِيلاً مُسَلَّمَا
وَإِنَّ الَّذِي لا يُظْهِرُ الدِّينَ جَهْرَةً ... أَبْحَتْ لَهُ هَذَا الْمَقَامَ الْمُحَرَّمَا
إِذَا صَامَ أَوْ صَلَّى وَقَدْ كَانَ مُبْغِضًا ... وَبِالْقَلْبِ قَدْ عَادَى ذَوِي الْكُفْرِ وَالْعَمَا
ثَكَلَتْكَ هَلْ حَدَّثْتَ نَفْسَكَ مَرَّة ... بِمِلَّةِ إِبْرَاهِيم أَوْ كُنْت مُعْدَما
فَفِي التّرمذي أَنَّ النَّبِيّ مُحَمَّدًا ... بَرِئَ مِنَ الْمَرْءِ الَّذِي كَانَ مُسْلِمًا
يُقِيمُ بِدَارٍ أَظْهَرَ الْكُفْرَ أَهْلُهَا ... فَيَا وَيْحَ مَنْ قَدْ كَانَ أَعْمَى وَأَبْكَمَا
أَمَا جَاءَ آيَاتٌ تَدُلُّ بِِأَنَّهُ ... إِذَا لَمْ يُهَاجِرْ مُسْتَطِيع فَإِنَّمَا
стр. 836
.. جَهَنَّمُ مَأْوَاهُ وَسَاءَتْ مَصِيرُهُ ... سِوَى عَاجِزٌ مَسْتَضْعَفٌ كَانَ مُعْدَما
فَهَلْ عِنْدَكُمْ عِلْمٌ وَبُرْهَانَ حُجْة ... فَحَيَّا هَلا هَاتُوا الْجَوَابَ الْمُحَتَّما
وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَجِيئُوا بِحُجَّةٍ ... لِتَدْفَعْ نَصًّا ثَابِتًا جَاءَ مُحْكَما
وَلَكَنما الأَهْوَاء تَهْوى بِأَهْلِهَا ... فَوَيْلٌ لِمَنْ أَلَوْتَ بِهِ مَا تَأَلَّما
أَلا فَأَفِيقُوا وَارْجِعُوا وَتَنْدَمُوا ... وَفِيئُوا فَإِنَّ الرَّشُدَ أَوْلَى مِنَ الْعَمَا
وَظَنِّي بِأَنَّ الْحُبَّ للهِ وَالْوَلا ... عَلَيْهِ تَوَلَّى عَنْكُمُو بَلْ تَصَرَّما
وَحُبُّكُمْ الدُّنْيَا وَإِيثَارُ جَمِعَهَا ... عَلَى الدِِّينَ أَضْحَى أَمْرهُ قَدْ تَحَكُّمَا
لِذَلِكَ دَاهَنْتُمْ وَوَالَيْتُمُوا الَّذِي ... بِأَوْضَارِ أَهْلِ الْكُفْرِ قَدْ صَارَ مُظْلِما
وَجَوَّزْتُمُوا مِنْ جَهْلِكُمْ لِمُسَافِرٍ ... إِقَامَتُهُ بَيْنَ الْغُوَاة تَحَكُّما
بِغَيْرِ دَلِيلٍ قَاطِعٌ بَلْ بِجَهْلِكُمْ ... وَتَلْبِيس أَفَّاكَ أَرَادَ التَّهَكُّمَا
وقَدْ قلْتُمُوا فِي الشَّيْخِ مَنْ شَاعَ فَضْلُهُ ... وَأَنْجَدَ فِي كُلِّ الْفُنُونِ وَالتهَمَا
إِمَامِ الْهُدَى عَبْدِ اللَّطِيفِ أَخِي التُّقَى ... فَقُلْتُمْ مِنَ الْعُدْوَانِ قَولاً مُحَرَّمَا
مَقَالَةَ فَدْمٍ جَاهِلٍ مُتَكَلِّفٍ ... يَرَى أَنَّهُ كُفْرًا فَقَال مِنَ الْعَمَا
يُنَفِّرُ بَلْ قَدْ قلْتُمُوا مِنْ غَبَائِكُمْ ... يُشَدِّدُ أَوْ قُلْتُمْ أَشَدَّ وَأَعْظَمَا
وَلَيْسَ يَضُرُّ السُّحْبُ فِي الْجَوِ نَابِحٌ ... وَهَلَ كَانَ إِلا بِالإِغَاثَةِ قَدْ هَمَا
فَيَدْعُو لَهُ مَنْ كَانَ يَحْيَى بِصَوْبِهِ ... وَيُنَجِّهِ مَنْ كَانَ أَعْمَى وَأَبْكَما
أَيُنْسَبُ لِلتَّنْفِيرِ وَهُوَ الَّذِي لَهُ ... رَسَائِلُ لَمْ يَعْلَمْ بِهَا مَنْ تَوَهَّمَا
يُؤَنِّبُ فِيهَا مَنْ رَأَى غَلْطَةً ... وَيَأْمُرُ أَنْ يَدْعُو بِلِينٍ وَيَحْلُمَا
أَيُنْسَبُ لِلتَّشْدِيدِ إِذَا كَانَ قَدْ حَمَا ... حِمَى الْمِلَّة السَّمْحَاء أَنْ لا تُهْدَمَا
وَغَارَ عَلَيْهَا مِنْ أُنَاسٌ تَرَخَّصُوا ... وقَدْ جَهِلُوا الأَمْرَ الْخَطِيرَ الْمُحَرَّمَا
فَلَوْ كُنْتُمُوا أَعَلَى وَأَفْضَلَ رُتْبَة ... وَأَزْكَى وَأَتْقَى أَوْ أَجَلَّ وَأَعْلَمَا
يُشَارُ إِلَيْكُمْ بِالأَصَابِعِ أَوْ لُكُمْ ... مِنَ الْعِلْمِ مَا فُقْتُمْ بِهِ مَنْ تَقَدَّمَا
لِكُنَّا عَذَرْنَاكُمْ وَقُلْنَا أَئِمَّة ... جَهَابِذَة أَحْرَى وَأَدْرَى وَأَفْهَمَا
стр. 837
.. وَلَكِنَّكُمْ مِنْ سَائِرِ النَّاسِ مَا لَكُمْ ... مِنَ الْعِلْمِ مَا فُقْتُمْ بِهِ مَنْ تعَّلَمَا
وَمِنْ أَصْغَر الطُّلاب لِلْعِلْمِ بَلْ لَكُمْ ... مُزْيَة جَهْلٍ غَيُّهَا قَدْ تَجَهَّمَا
لِذَلِكَ أَقْدَمْتُمْ لِفَتْحِ وَسَائِلٍ ... وَقَدْ سَدَّهَا مَنْ كَانَ بِاللهِ أَعْلَمَا
ثَكَلْتُمُوا هَلْ حَدَّثَتْكُمْ نُفُوسُكُمْ ... بِخْرِقِ سِيَاج الدِّين عَدْوًا وَمَأْثَمَا
وَإِنَّ الْحُمَاةَ النَّاصِرِينَ لِرَبِّهِمْ ... بِخْرِقِ سِيَاج الدِّين عَدْوًا وَمَأْثَمَا
عَلَى مَا يَشَأُ مِنْ كُلّ أَمْرٍ مُحَرَّمٍ ... وَلَيْسَ لَهُ مِنْ وَازِعٍ أَنْ تَكَلَّمَا
وَإِنَّ حِمَى التَّوْحِيد أَفْقَر رَسْمُهُ ... فَقُلْتُمْ وَلَمْ تَخْشُوا عِتَابًا وَمَنْقَمَا
فنَحْنُ إِذَا وَالْحَمْدُ للهِ لَمْ نَزَلْ ... عَلَى ثَغْرَةٍ الْمَرْمَى قُعُودًا وَجُثَّمَا
أَلا فَاقْبَلُوا مِنَّا النَّصِيحَةَ وَاحْذَرُوا ... وَفِيئُوا إِلَى الأَمْر الَّذِي كَانَ أَسْلَمَا
وَإِلا فَإنَّا لا نُوَافِقُ مَنْ جَفَا ... وَيَسْعَى بِأَنْ يُوطي الْحِمَى أَوْ يُهْدَمَا
وَإِلا فَإنَّا لا نُوَافِقُ مَنْ جَفَا ... وَيَسْعَى بِأَنْ يُوطي الْحِمَى أَوْ يُهْدَمَا
كَمَا أَنَّنَا لا نَرْتَضِي جُورَ مَنْ غَلا ... وَزَادَ عَلَى الْمَشْرُوعِ إِفْكًا وَمَأْثَما
وَيَا مُؤْثَرَ الدُّنْيَا عَلَى الدِّينِ إِنَّمَا ... عَلَى قَلْبِكَ الرَّانُ الَّذِي قَدْ تَحَكَّمَا
وَعَادَيْتَ بَلْ وَالَيْتَ فِيهَا وَلَمْ تَخَفْ ... عَوَاقِبَ مَا تَجْنِي وَمَا كَانَ أَعْظَما
أَغَرَّتْكَ دُنْيَاكَ الدَّنِيَّة رَاضِيًا ... بِزَهْرَتِهَا حَتَّى أَبَحْتَ الْمُحَرَّمَا
تَرُوقُ لَكَ الدُّنْيَا وَلَذَّاتِ أَهْلِهَا ... كَأَن لَمْ تَصِرْ يَوْمًا إِلَى الْقَبْرِ مُعْدِمَا
خَلِيًا مِنَ الْمَالِ الَّذِي قَدْ جَمَعْتَهُ ... وَفَارَقْتَ أَحْبَابًا وَقَدْ صِرْتَ أَعْظُمَا
وَلَمَّا تَقَدَّمَ مَا يُنَجِّيكَ فِي غَدٍ ... مِنَ الدِّينِ مَا قَدْ كَانَ أَهْدَى وَأَسْلَمَا
وَذَلِكَ أَنْ تَأْتِى بِدِينِ مُحَمَّدٍ ... وَمِلَّةِ إِبْرِاهِيمَ إِنْ كُنْتَ مُسْلِمَا
تُوَالي َعلَى هَذَا وَتَرْجُو بِحُبِّهِمْ ... رِضَى الْمَلِك العْلام إِذَا كَانَ أَعَظْمَا
وَتُبْغِضُ مَنَ عَادَى وَتَرْجُو بِبُغْضِهِمْ ... مِنَ اللهِ إِحْسَانًا وَجُودًا وَمَغْنَمَا
فهَذَا الَّذِي نَرْضَى لِكُلِّ مُوَحِّد ... وَنَكْرَهُ أَسْبَابًا تُرِدْهُ جَهَنَّمَا
وَصَلِّ إِلَهِي مَا تَأَلَّقَ بَارِقٌ ... عَلَى الْمُصْطَفَى مَنْ كَانَ بِاللهِ أعْلَمَا
стр. 838
.. وَآلٍ وَأَصْحَابٍ وَمَنْ كَانَ تَابِعًا ... وَتَابِعْهُمْ مَا دَامَتِ الأَرْضُ وَالسَّمَا
" موعظة "
عباد الله كلنا يعلم أن النَّاس قسمان، قسم انحاز إِلَى الله، وهؤلاء حزب الله الَّذِينَ قَالَ الله فيهم: ﴿أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ .
وقسم انحاز إِلَى عدو الله إبلَيْسَ لعنه الله وهؤلاء حزب الشيطَانَ الَّذِينَ قَالَ الله فيهم: ﴿أُوْلَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ فالأولون الَّذِينَ هم حزب الله لا تراهم يطيعون الشيطان أبدًا ولِذَلِكَ لا تجدهم يفسدون فِي الأَرْض، بل هم بركة فِي هَذَا الوجود. فإذا رَأَيْت مَسْجِدًا معمورًا فهم الَّذِينَ وفقهم الله لبنائه، وإن قِيْل لَكَ إنهم لا يظلمون، وينهون عَنْ الظلم والجور فصدق، وإن رَأَيْت مُحْتَاجًا سدت حاجته، فهم الَّذِينَ وفقهم الله لإنعاشه، وسدها وإن رَأَيْتَ عَارِيًا فهم الَّذِينَ وفقهم الله لكسوته، وإن قِيْل إن الْمُنْكَر الفلاني أزيل فهم الَّذِينَ وفقهم الله للتسبب فِي إزالته، وإن قِيْل لَكَ إن إصلاحًا فِي الأَرْض كَانَ صعبًا فسهل بإذن الله، فهم الَّذِينَ وفقهم الله لإزالته أَوْ تسهيله.وإن قِيْل إن أناسًا يدورون على البيوت يتفقدون الفقراء الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ موارد فهم الَّذِينَ وفقهم الله لِذَلِكَ، وإن قِيْل إن أناسًا يتفقدون من عَلَيْهِ دين فيتسببون لوفائه، فهم الَّذِينَ وفقهم الله لِذَلِكَ، وإن قِيْل: إنهم يعبدون الله عبادة من لا يمل ولا يفتر، فصدق بمجرد ما يقَالَ لَكَ.
وإن قِيْل إن بَعْض البيوت وهي القليلة إِنَّكَ تسمَعَ فيها بالليل صوت بُكَاء وأنين وتهجدًا واستغفارًا، فهم أولئك الَّذِينَ وفقهم الله وجعلهم حزبه.
وإن قِيْل لَكَ إن أناسًا عندهم عطف على الفقراء، ورحمة وإيثار وإحسان إِلَى الجار، ومواسات الضعفاء، وغير ذَلِكَ، مِمَّا يكاد فِي زمننا هَذَا أن يكون نادرًا فهم أولئك الَّذِينَ وفقهم العليم الخبير، وهؤلاء هم المهذبون المتنورون المتأدبون.
стр. 839
أما الفريق الثاني عصمنا الله وَإِيَّاكَ عَنْ طَرِيق سلوكهم، فهم حزب الشيطان لا يحصل فساد فِي الأَرْض إِلا مِنْهُمْ، لأنهم حزب الشيطان وإن قِيْل إن مؤمنًا قُتِلَ فهم الَّذِينَ قتلوه، أَوْ تسببوا لقتله، لا يختلف فِي ذَلِكَ اثنان، وإن قِيْل لَكَ أن سيارة سُرِقَتْ فهم الَّذِينَ سرقوها.
وإن قِيْل إن منزلاً هوجم وَسُرِقَ فقل بلا تردد: هم الَّذِينَ هاجموه وسرقوه، وهل حزب الرحمن يعتدون مثل هَذَا العدوان، وإن قِيْل إن إنْسانًًا خطف وغيب ولا يعلم أين كَانَ، فقل هم الَّذِينَ خطفوه وغيبوه، وإن قِيْل إن مسلمًا ذا ثروة نشل وأخذ منه آلاف، فقل وهل ينشل ويخطف ويعبث بأموال النَّاس إِلا أولئك الأَشْرَار حزب الشيطان.
حزب الله الموفقون الكمل بعيدون عَنْ المعاصي جدًا، فلا تَرَى الواحد مِنْهُمْ يتعمد الجلوس فِي الطرق، ويداوم الْمُرُور فيها لمطاردة النساء ومغازلتهن، ولا تراه يركب النساء بلا محرم ولا يدخلها لتشتري أَوْ يفصل عَلَيْهَا، ولَيْسَ معها محرم ولا تجده يبيع صور ذوات الأرواح، ولا يصورها، ولا يبيع البدع المنكرات، ولا يجلس عندها، وهي البدع المحرمة، التي حدثت فِي زمننا مثل التلفزيون والسينماء والمذياع، والكرة، والورق، والبكم والدخان والفديو ونحو هَذِهِ المنكرات التي قضت على الغيرة والمروءة والشيمة. نسأل الله العافية.
ولا يغش الْمُسْلِمِين، ولا يكون ذا وجهين يتكلم عَنْدَ هؤلاء بوجه وعَنْدَ الآخرين بوجه، ولا ينافق ولا يوقع بريئًا فِي مأزق ولا يشهد بالزور، ولا يحظر عَنْدَ المنكرات، بل تراهم فِي مجالس الذكر يدورون حول ما يقربهم إِلَى الله.
ولا تراهم يركنون إِلَى أعداء الله، ولا الفسقة ولا يعظمونهم ولا يتملقون لَهُمْ، ويضحكون معهم، كما يفعله السذج، الَّذِينَ لا يعرفون الولاء والبراء، ولا تنشرح صدورهم، ولا تهتز عواطفهم ولا تستريح قُلُوبهمْ، ولا يهدؤُ
стр. 840
بآلهم، ولا يسكن قلقهم، إِلا إِذَا زاحموهم وجالسوهم، ومازحوهم وعظموهم، ممن نسوا الله فأنساهم أنفسهم والتهوا عما هم إليه صائرون، فلم يحسبوا لَهُ حسابًا، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً﴾ .
وقَالَ تَعَالَى ﴿فَأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَّى عَن ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * ذَلِكَ مَبْلَغُهُم مِّنَ الْعِلْمِ﴾ وقَالَ تَعَالَى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ الآيَة.
فالَّذِي ينبغي أن يتبع ويقتدى به من تمسك بكتاب الله، وامتلأ قَلْبهُ بمحبة الله، وفاض ذَلِكَ على لِسَانه، فلهج بذكر الله، ودعا إِلَى الله واتبع مراضيه، فقدمها على هواه وحفظ وقته فِي طاعة الله بعيدًا عَنْ أذية الْمُسْلِمِين لا يقابل الإساءة بمثلها بل يدفع بالتي هِيَ أحسن وَهَذَا حقًا هُوَ المهذب المتنور:
لَمَّا عَفَوْتُ وَلَمْ أَحْقِدْ عَلَى أَحَدٍ ... أَرَحْتُ نَفْسِي مِنْ هَمِّ الْعَدَاوَاتِ
إِنِّي أُُحَيِّي عَدُوِّي عِنْدَ رُؤْيَتِهِ ... لأَدْفَعَ الشَّرِّ عَنِي بِالتَّحِيَّاتِ
وَأُحْسِنُ الْبَشرَ لِلإِنْسَانِ أُبْغِضُهُ ... كَأَنَّهُ قَدْ مَلا قَلْبِي مَوَدَّاتِ
وَلَسْتُ أُسَلِّمُ مِمَّنْ لَسْتُ أَعْرِفُهُ ... فَكَيْفَ أَسْلَمُ مِنْ أَهْلِ الْمَوَدَّاتِ
آخر: ... يَأْبَى فُؤَادِي أَنْ يَمِيلَ إِلَى الأَذَى ... حُبُّ الأَذِيَّةِ مِنْ طِبَاعِ الْعَقْرَبِ
لِي إِنْ أَرَدْتُ مسَاءَةً بِمسَاءَةً ... لَوْ أَنَّنِي أَرْضَى بِبَرْقٍ خُلَّبِ
حَسْبُ الْمُسِيءِ شُعُورُهُ وَمَقَالُهُ ... فِي سِرِّهِ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُذْنِبِ
اللَّهُمَّ خفف عنا الأوزار وارزقنا عيشة الأَبْرَار واصرف عنا شر الأَشْرَار وأعتق رقابنا ورقاب آبائنا وأمهاتنا من النار يَا عزيز يَا غفار، اللَّهُمَّ ألهمنا ذكرك وَوَفِّقْنَا للقيام بحقك وبارك لَنَا فِي الحلال من رزقك ولا تفضحنا بين خلقك يَا خَيْر من دعاه داع وأفضل من رجاه راج يَا قاضي الحاجات ومجيب الدعوات هب لَنَا ما سألناه وحقق رجاءنا فيما تمنياه يَا من يملك حوائج السائلين ويعلم ما فِي ضمائر الصامتين أذقنا برد عفوك وحلاوة مغفرتك يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ. وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
стр. 841
" فَصْلٌ ": وداء فِي تفسير قوله تَعَالَى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ﴾ الآيَة. أنها نزلت فِي أبي عبيدة.
وإليك الْقِصَّة مسوقة بأكملها، أبو عبيدة بن الجراح ﵁، كَانَ صحابيًا جليلاً وبطلاً عظيمًا مِنْ أَبْطَالِ الإِسْلامِ مِنَ الْمُجَاهِدِينَ، حَرصَ أَبُوهُ عَبْدُ اللهِ عَلَى قَتْلِهِ فِي أَوْلِ لِقَاءٍ، لأَنَّ أَبَا عُبَيْدَة ﵁ تَرَكَ دِينَ أَبِيهِ، وَاعْتَنَقَ الإِسْلامَ، وَتَخَلَّفَ عَنْ قَافِلَةَ قُرَيْش، وَالْتَحَقَ بِقَافِلَةِ مُحَمَّد بن عَبْد اللهِ ﵊ مُؤْمِنًا بِدِينِهِ مُصَدِّقًا بِرِسَالَتِهِ.
تَصَدَى عَبْد اللهِ لابْنِهِ مُحًاوِلاً قَتْلَهُ، فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ، وَلَكن الابْن أَبْعَدَ عَنْهُ وَحَوَّلَ سَيْفَهُ عَنْ أَبِيهِ وَانْطَلَقَ إِلَى فِئَةٍ أُخْرَى غَيْرَ التي فِيهَا أَبُوهُ، يُقَاتِلُهَا وَيُجَاهِدُهَا وَافْتَرَقَ الرَّجُلانِ وَلَكن الأَبَّ بَحَثَ عَنْ ابْنِهِ حَتَّى الْتَقَى بِهِ مَرَّةً ثَانِيَةً، وَرَفَعَ سَيْفَهُ عَلَيْهِ وَوَجَّهَ إِلَيْهِ ضَرْبَةً قَاضِيَةً اسْتَقْبَلَهَا أَبُو عُبَيْدَة بِحَرَكَةٍ خَفِيفَةٍ، جَعَلَتْهَا تهوى فِي الْفَضَاءِ.
وَلَكن الأَبَّ مُصَمِّمٌ عَلَى أَنْ لا يَفْلِتَ الابْن مَهْمَا كَلَّفَهُ ذَلِكَ مِنْ غَالِي الثَّمَنَ فَبَحَثَ عَنْ ابْنِهِ هُنَا وَهُنَاكَ، وَنَقَّبَ عَنْهُ فِي كُلِّ مَكَانَ حَتَّى الْتَقَى بِهِ مَرَّةً ثَالِثَةً، وَرَفَعَ الرَّجُلَ سَيْفَهُ لِيُوَجِّهُ إِلَى ابْنِهِ ضَرْبَةً قَاضِيةً مُمِيتَةً يَشْفِي كلوم قَلْبه وَتَهْدَأَ بِهَا نَفْسُهُ الثَّائِرَةَ عَلَى ابْنِهِ الصَّابِئِ.
وَهُنَا نَظَرَ أَبُو عُبَيْدَةَ أَنَّ أَبَاهُ يَعْتَرِضُ وَيَتَصَدَّى لَهُ وَفِي اعْتِرَاضِهِ هَذَا
стр. 842
اعْتِرَاضٌ لِلإِسْلامِ، فَمَا أَبُو عُبَيْدَة إِلا جُنْدِيٌّ مِنْ الْجُنُودِ الْقَائِمِينَ بِنَصْرِ الإِسْلامِ، وَأَنَّ فِي تَصّدِّيهِ لَهُ سَدًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ إِقَامَةِ دِينَ الرَّحْمَنِ، وَانْتِشَارِ كَلِمَةِ اللهِ فِي الأَرْضِ فَهَلْ يَصْمُتُ أَبُو عُبَيْدَة عَلَى هَذَا، وَهَلْ يَسْكُتَ عَلَى مَنْ يَحُولَ بَيْنَ دَعْوَةِ اللهِ أَنْ تَقُومَ فِي الأَرْضِ وَأَنْ تُنْشَرَ بَيْنَ النَّاسِ كَلا لَقَدْ أَدَّى مَا عَلَيْهِ نَحْوَ أَبِيهِ وَأَعْرَضَ عَنْهُ مَرَّتَيْنِ.
وَلَكِنَّ مَا دَامَ أَبُوهُ يَحْرِصَ عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ، فَلْيَكُنْ هُوَ أَسْبَقُ مِنْ أَبِيهِ فِي حِرْصِهِ عَلَى قَتْلِهِ، كَذَلِكَ وَالْتَقَى السَّيْفَانِ وَتَقَابَلَ الرَّجُلانِ وَوَقَفَ الْخِصْمَانِ، وَفِي لَمْحَةٍ خَاطِفَة رَفَعَ الرَّجُلانِ سَيْفَهُمَا كُلٌّ يَحْرِصَ عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ، وَالانْتِصَارَ لِدِينِهِ.
وَرَفَعَ أَبُو عُبَيْدَة يَدَهُ عَالِيةً خَفَّاقَةً، وَفِي سُرْعَةٍ أَهْوَى بِسَيْفِهِ الْبَتَّارِ عَلَى قَلْبِ وَالِدِهِ الْمُمْتَلِئ حِقْدًا وَغَضَبًا عَلَى الإِسْلامِ، ودعوة الإِسْلامِ، وَمَزَّقَ السَّيْفُ قَلْبَهُ، وَانْفَجَرَ الدَّمُ مِنْهُ بِكَثْرَةٍ وَكَانَتْ هَذِهِ السَّاعَةُ مِنْ سَاعَاتِ التَّارِيخِ الْفَاصِلَةِ.
هَذَا مِنْ آثَارِ الْحُبِّ فِي اللهِ، وَالْبُغْضِ فِي اللهِ، وَهَذَا الْوَاجِبُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ تَكُونَ أَعْمَالُهُ كُلُّهَا مُنْطَبِقَةً عَلَى مَا تَأْمُرُ بِهِ الشَّرِيعَةُ الْمُطَهْرَةُ فَيُحِبُّ مِنَ النَّاسِ مَنْ نَهَجَ الطَّرِيقَ الْمُسْتَقِيمَ وَيَبْتَعِدُ عَنْ منْ حَادَ عَنْ الطَّرِيقِ الْمُسْتَقِيمِ، وَلَوْ كَانَ أَقْرَبَ قَرِيبٍ.
وَمَنِ اتَّبَعَ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ انْطَبَعَ فِي قَلْبهُ حبّ الْكَمَالِ وَالإِيمَانِ فَيَكُونَ عَدُوُّ اللهِ فِي نَظَرِهِ عَدُوًّا، وَحِينَئِذٍ يَرَى أَنْ أَعْظَمَ النَّاسِ قِيمَةٍ أَهْلُ الإِخْلاصِ وَالطَّاعَةِ وَأَحَطَّهُمْ مَنْزِلَةً أَهْلُ الْمَعَاصِي والشَّنَاعَةِ وَالْفَسَادُ فِي الأَرْضِ.
وكَذَلِكَ كَانَ شأن المصطفى ﷺ وشأن أصحابه ﵃ يحبون فِي الله، ويبغضون فِي الله يوادون الطائعين وإن كَانُوا بعداء ويعادون العاصين
стр. 843
وإن كَانُوا أقرباء فرابطة التَّقْوَى عندهم أشد وأقوى من رابطة النسب والقرابة.
وعن البراء بن عازب: أوثق عرى الإِيمَان الحب فِي الله والبغض فِي الله.
وفي حديث مرفوع: «اللَّهُمَّ لا تجعل لفاجر عِنْدِي يدًا ولا نعمة فيوده قلبي فإني وجدت فيما أوحي إِلَيَّ ﴿لَا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ . رَوَاهُ بن مردويه وغيره.
المعنى الآيَة بلفظ الخبر والمراد بها الإنشاء أي لا تجد قومًا يجمعون بين الإِيمَان بِاللهِ والْيَوْم الآخِر، والمحبة والموالاة لأعداء الله ورسوله.
فلا يكون المُؤْمِنُ بِاللهِ والْيَوْم الآخِر حَقِيقَة إِذَا كَانَ عاملاً على مقتضى إيمانه، ولوازمه من محبة من قام بالإِيمَان وبغض من لم يقم به ومعاداته.
وَلَوْ كَانَ أَقْرَب النَّاسِ إِلَيْهِ، وَهَذَا هُوَ الإِيمَان على الحَقِيقَة الَّذِي وجدت ثمرته ومقصوده فمن أحب أَحَدًا امتنع أن يوالي عدوه.
ولَقَدْ أصاب المسلمون الْيَوْم من الموالاة لأعداء الله بَلاء شديد فتجد كثيرًا من النَّاس الَّذِينَ يدعون الإِيمَان يوالون أعداء الشرائع الدينية ويعظمونهم ويقدرونهم وينصرونهم على أبناء جنسهم ولو كَانَ فِي هَذَا ذل لَهُمْ ولأمتهم ولدينهم فإنَا لله وإنَا إليه راجعون.
قَالَ فِي النونية:
أَتُحِبُ أَعْدَاءَ الْحَبِيبِ وَتَدَّعِي ... حُبًّا لَهُ مَا ذَاكَ فِي إِمْكَانِ
وَكَذَا تُعَادِي جَاهِدًا أَحْبَابُهُ ... أَيْنَ الْمَحَبَّة يَا أَخَا الشَّيْطَانِ
لَيْسَ الْعِبَادَةُ غَيْرَ تَوْحِيدِ الْمَحَبَّـ ... ـةِ مَعَ خُضُوعِ الْقَلْبِ وَالأَرْكَان
آخر: ... وَالْحُبُّ نَفْسُ وِفَّاقِهِ فِيمَا يُحِبْ ... وَبُغْضُ مَا لا يَرْتَضِي بِجِنَانِ
стр. 844
آخر: ... وَكُلُّ مَحَبَّةٍ فِي الله تَبْقَى ... عَلَى الْحَالَيْنِ فِي سِعَةٍ وَضِيقِ
وَكُلُّ مَحَبَّةٍ فِيمَا سِوَاهُ ... فَكَالْحُلَفَاءِ فِي لَهْبِ الْحَرِيقِ
آخر: ... إِذْ أَنْتَ لَمْ تَعْمَلْ بِشَرْعٍ وَلَمْ تُطِعْ ... أُولِي الْعِلْمِ مِنْ أَهْلِ التُّقَى وَالتَّسَدُّدِ
وَلَمْ تَجْتَنِبْ أَعْدَا الشَّرِيعة كُلَهُمْ ... وَتَدْفَعُ عَنْهَا بِاللِّسَانِ وَبِالْيَدِ
وَتَحْمِهَا عَنْ جُهَّالِهَا وَتَحُوطُهَا ... وَتَقْمَعُ عَنْهَا نُخْوَةَ الْمُتَهَدِّدِ
فَلَسْتُ لَوْ عَلَّلْتَ نَفْسَكَ بِالْمُنَى ... بِذِي سُؤْدَدٍ بَادٍ وَلا قُرْبَ سُؤْدِدِ
اللَّهُمَّ طهر قلوبنا من النفاق وعملنا من الرياء وألسنتنا من الكذب وأعيننا من الخيانة وآذاننا عَنْ الاستماع إِلَى ما لا يرضيك وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ، اللَّهُمَّ يَا حي يَا قيوم يَا بديع السماوات والأَرْض نسألك أن توفقنا لما فيه صلاح ديننا ودنيانَا وأحسن عاقبتنا وأكرم مثوانَا وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِين بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.؟ وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
" فَصْلٌ ": وَعَنْ أَبِي ذر مرفوعًا: «أفضل الأَعْمَال الحب فِي الله والبغض فِي الله» . رَوَاهُ أبو داود.
وفي الصحيحين: «المرء مَعَ من أحب» . وعن علي مرفوعًا: «لا يُحِبُّ رَجُلٌ قومًا إِلا حُشِرَ مَعَهُمْ» . رَوَاهُ الطبراني بإسناد جيد.
وقَدْ روى الإِمَام أحمد معناه عَنْ عَائِشَة بإسناد جيد أيضًا عَنْهَا مرفوعًا: «الشرك أخفى من دبيب الذر على الصفاء فِي اللَّيْلَة الظلماء، وأدناه أن تحب على شَيْء من الجور، أَوْ تبغض على شَيْء من العدل وهل الدين إِلا الحب فِي الله والبغض فِي الله» .
يفتخر بَعْض المتحذلقين أنه لا يكره أي إنسان، ولا يبغض أَحَدًا، وأنه يسلك مَعَ الفجرة والفسقة، ومَعَ أَهْل الدين والصلاح بل ومَعَ الكفرة والمنافقين، ويلقب نَفْسهُ ومن سلك مذهبه بأنه دبلوماسي، ويظن هَذَا فخرًا وكرمًا فِي الأَخْلاق ونبلاً وطيبًا.
стр. 845
ولكن من لا يعرف البغض، فلن يعرف الحب ومن لا يكره إنسانًا عاصيًا هيهات أن يحب عبدًا مطيعًا إن تحب مؤمنًا بسبب إخلاصه وتقواه فَكَيْفَ لا تبغضه إِذَا زال عَنْهُ سبب الحب فانقلب فاجرًا متهتكًا، تعفو عمن ظلمك ولكن ما رأيك فيمن ظلم نَفْسهُ وظلم عباد الله، ما رأيك فِي الزناة هاتكي الأعراض، ومدني الخمر وشارَبِي الدخان وحالقي لحاهم، وأَهْل الخنافس والتشبه بأعداء الله أعداء الإِسْلام ومن يشهدون الزور ولا يشهدون صلاة الجماعة، ويغتصبون الحقوق ويؤذون العباد ويخونون الدين والْبِلاد هل تحبهم أَوْ تبغضهم لله فتش عَنْ قلبك وحاسب نفسك هل تحبهم فتعينهم على الظلم أم تبغضهم وتحقرهم وتنابذهم وتبتعد عنهم عَسَى أن يرجعوا عَنْ غيهم وبغيهم لا مفر من أَنْ يكون لَنَا أعداء نبغضهم فِي الله كما يكون لَنَا أصدقاء نحبهم فِي الله.
فيا عباد الله تقربوا إِلَى الله ببغض أَهْل المعاصي الظلمة والمنافقين كما تتقربون إليه بحب الصالحين، أشعروهم بمقتكم لآثامهم، وسخطكم على إجرامهم، ولا تتسامحوا فيما يمس الدين ولا تصفحون عمن يحارب رب العالمين، ولو كَانَ أقرب قريب.
قَالَ الله جَلَّ وَعَلا لأشرف الخلق ﴿وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً * إِذاً لَّأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ﴾ ، أي لو ملت إليهم لأذقناك ضعف عذاب الحياة وضعف عذاب الْمَمَات أي ضاعفنا عَلَيْكَ الْعَذَاب فِي الدُّنْيَا والآخِرَة، لأن الذنب من العَظِيم يكون عقابه أشد من غيره.
ومن ثُمَّ يكون عقاب الْعُلَمَاء على زلاتهم أشد من عقاب غيرهم من العامة، لأنهم يقتدون بالْعُلَمَاء، روي عَنْ قتادة أنه قَالَ: لما نزل قوله تَعَالَى ﴿وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ .. إلخ، قَالَ ﷺ : «اللَّهُمَّ لا تكلني إِلَى نفسي طرفة عين» .
следующие страницы →