← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 7480

موارد الظمآن لدروس الزمان

عبد العزيز السلمان

Полный текст (3 875 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

وَكَمْ كشف للسامعين عَنْ حَقِيقَة الدُّنْيَا وبين لَهُمْ قصر مدتها وانقضاء لذتها بما يضرب من الأمثال الحسية، قَالَ تَعَالَى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً وَفِي الآخِرَة عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ . قَالَ بَعْضُهُمْ: مَيَّزْتَ بَيْنَ جَمَالِهَا وَفِعَالِهَا ... فَإِذَا الْمَلاحَةُ بِالْقَبَاحَةِ لا تَفِي حَلَفَتْ لَنَا أن لا تَخُونَ عُهُودَنَا ... فَكَأَنَّهَا لَنَا أَنْ لا تَفِي آخر: ... أَلا إِنَّمَا الدُّنْيَا غَضَارَةٌ أَيْكَةٍ ... إِذَا اخْضَرَّ مِنْهَا جَانِبٌ جَفَّ جَانِبُ هِيَ الدَّارُ مَا الآمَالُ إِلا فَجَائِعًا ... عَلَيْهَا وَمَا اللَّذَاتُ إِلا مَصَائِبُ فَكَمْ سَخِنَتْ بِالأَمْسِ عَيْنٌ قَرِيرَةٌ ... وَقَرَّتْ عُيُونٌ دَمْعُهَا الآنَ سَاكِبُ فَلا تَكْتَحِلْ عَيْنَاكَ مِنْهَا بِعبرةٍ ... عَلَى ذَاهِب مِنْهَا فَإِنَّكَ ذَاهِبُ آخر: ... لِلْمَوْتِ فِينَا سِهَامٌ غَيْرُ مُخْطِئَةً ... مَنْ فَاتَهُ الْيَوْمَ سَهْمٌ لَمْ يَفُتْهُ غَدَا مَا ضَرَّ مَنْ عَرَفَ الدُّنْيَا وَغَدرَتَها ... أَنْ لا يُنَافِسَ فِيهَا أَهْلَهَا أَبَدَا آخر: ... لَحَى الله ذِي الدُّنْيَا مَرَادًا وَمَنْزِلاً ... فَمَا أَغْدَرَ الْمَثْوَى وَمَا أَوْبَأ الْمَرْعَى تَدَلَّلُ كَالْحَسْنَاءِ فِي حُسْنِ وَجْهِهَا ... وَلَكِنَّهَا فِي قُبْح أَفْعَالِهَا أَفْعَى نَرَى أَنَّنَا نَسْعَى لِخَيْرٍ نَنَالُهُ ... وَقَدْ وَطِئَتْ أَقْدَامُنَا حَيَّةً تَسْعَى " فَصْلٌ " شرح لَنَا العليم الحكيم فِي هَذِهِ الآيَة المتقدمة حال الدُّنْيَا التي إفتتن النَّاس بها الَّذِينَ قصر نظرهم وبين أنها من محقرات الأمور التي لا يركن إليها العقلاء فضلا عَنْ الافتنان بها والانهماك فِي طلبها وقتل الوَقْت فِي تحصيلها بأنها لعب لا ثمرة فيه سِوَى التعب، ولهو تشغل صاحبها وتلهيه عما ينفعه فِي آخرته،

стр. 772

وزينة لا تفيد المفتون بها شرفًا ذاتيًا كالملابس الجميلة والمراكب البهية والمنازل الرفيعة الواسعة، وتفاخر بالأنساب والعظام البالية ومباهات بكثرة الأموال والأولاد وعظم الجاه. ثُمَّ أشار جل شأنه إلى أنها مَعَ ذَلِكَ سريعة الزَوَال، قريبة الاضمحلال، كمثل غيث راق الزراع نباته الناشئ به، ثُمَّ يهيج ويتحرك وينمو إلى أقصى مَا قدره الله لَهُ فسرعان مَا تراه مصفرًا متغيرًا ذابلاً بعدما رأيته أخضر ناضرًا، ثُمَّ يصير من اليبس هَشِيمًا متكسرًا، ففيه تشبيه جميع مَا فِي الدُّنْيَا من السنين الكثيرة بمدة نبات غيث واحد يفنى ويضمحل ويتلاشى فِي أقل من سنة. إشارة إلى سرعة زوالها وقرب فنائها، وبعد مَا بين جَلَّ وَعَلا حقارة الدُّنْيَا وسرعة زوالها تزهيدًا فيها، وتنفيرًا وتحذيرًا من الانهماك فِي طلبها أشار إلى فخامة شأن الآخِرَة وفظاعة مَا فيها من الآلام وعظم مَا فيها من اللذات ترهيبًا من عذابها الأَلِيمِ، وترغيبًا فِي تحصيل النَّعِيم الْمُقِيم والعيش السَّلِيم مِمَّا لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. وَالنَّاسُ فِيهَا قسمان فطناء قَدْ وفقهم الله فعلموا أنها ظِلّ زائل ونعيم حائل وأضغاث أحلام، بل فهموا أنها نعم فِي طيها نقم، وعرفوا أنها حياة فانية، وأنها معبر وطَرِيق إلى الحياة الباقية، فرضوا مَنْهَا باليسير، وقنعوا مَنْهَا بالقليل، فاستراحت قُلُوبهمْ من همها وأحزانها واستراحت أبدانهم من نصبها، وعنائها، وسلم لَهُمْ دينهم، وكَانُوا عِنْدَ الله هم المحمودين، فَلَمْ تشغلهم دنياهم عَنْ طاعة مولاهم. جعلوا النفس الأخَيْر وَمَا وراءه نصب أعينهم، وتدبروا ماذا يكون مصيرهم، وفكروا كيف يخرجون من الدُّنْيَا، وإيمانهم سالم لَهُمْ وَمَا الَّذِي يبقى معهم مَنْهَا فِي قبورهم، وَمَا الَّذِي يتركونه لأعدائهم فِي الدُّنْيَا، ومن لا يغنيهم من الله شَيْئًا ﴿يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ﴾ ، ﴿يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَن مَّوْلًى شَيْئاً﴾ ،

стр. 773

﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ﴾ ويبقى عَلَيْهمْ وبال مَا جمعوا وَمَا عمروا فِي غير طاعة الله. أدركوا كُلّ هَذَا فتأهبوا للسفر الطويل وأّعدوا الجواب للحساب، وقدموا الزَّاد للمعاد وخَيْر الزَّاد التَّقْوَى، فطُوبَى لَهُمْ خافوا فآمنوا وأحسنوا ففازوا وأفلحوا. وَقَالَ بعض الْعُلَمَاء يذم الدُّنْيَا ويحذر عَنْهَا. شِعْرًا: ... وَلَمْ يَطْلُبْ عُلُوَّ الْقَدْرِ فِيهَا ... وَعِزَّ النَّفْسِ إِلا كُلُّ طَاغِ وَإِنْ نَالَ النُّفُوسَ مِن الْمَعَالِي ... فَلَيْسَ لَنَيْلِهَا طَيْبُ الْمَسَاغِ إِذَا بَلَغَ الْمُرَادَ عُلاً وَعِزًّا ... تَوَلَّى وَاضْمَحَلَّ مَعَ الْبَلاغِ كَقَصْرٍ قَدْ تَهَدَّمَ حَافَتَاهُ ... إِذَا صَارَ الْبِنَاءُ إِلى الْفَرَاغِ أَقُولُ وَقَدْ رَأَيْتُ مُلُوكَ عَصْرِي ... أَلا لا يَبْغِيَنَّ الْمُلْكَ بَاغِ آخر: ... هِيَ الدُّنْيَا تَقُولُ بِمِلءِ فِيهَا ... حَذَارِ حَذَارِ مِنْ بَطْشِي وَفَتْكِي فَلا يَغْرُرْكُمُوا مِنِّي ابْتِسَامٌ ... فَقَوْلِي مُضْحِكٌ وَالْفِعْلُ مُبْكِي آخر: ... أفّ مِن الدُّنْيَا وَأَسْبَابِهَا ... كَأَنَّهَا لِلْحُزْنِ مَخْلُوقَةْ هُمُومُهَا مَا تَنْقَضِي سَاعَةً ... عَنْ مَلِكٍ فِيهَا وَلا سُوقَةْ آخر: ... زَهِدْتُ فِي الْخَلْقِ طُرًا بَعْدَ تَجْرِبةً ... وَمَا عَليَّ بِزُهْدِي فِيهِمُ دَرَكُ إِنِّي لا عَجْبُ مِنْ قَوْمٍ يَقُودُهُمُوا ... حِرْصٌ إلى بُرَّةٍ مُلْكًا لِمَنْ مَلَكُوا أَوْ أَنْ يَذِلُّوا لِمَخْلُوقٍ عَلَى طَمَعٍ ... وَفِي خَزَائن رَبِّ الْعِزَّةِ إِشْتَرَكوا أَمَا وَرَبك لَوْ دَانُوا بِمَعْرِفَةٍ ... لَقَدْ أَصَابُوا بِهَا الْمَرْغُوبَ لَوْ سَلُكُوا مَنْ ذَا تُمَدُّ إِلَيْهِ الْكَفُّ فِي طَلَبِ ... بِمَا عَلَيْهَا وَأَنْتَ الْمَالِكُ الْمَلِكُ آخر: ... عَجِبْتُ لِمَخْلُوقٍ يُبَالِغُ فِي الثَّنَا ... عَلَى بَعْضِ خَلْقِ اللهِ يَرْجُ الدَّرَاهِمَا وَيَنْسَى الَّذِي مِنْهُ الْغِنَى وَلَهُ الثَّنَا ... وَيَأْمُرُ مَنْ يُعْطِي وَيَمْنَعُ مَنْ يَشَا آخر: ... إِنَّ لله عِبَادًا فُطَنَا ... طَلَّقُوا الدُّنْيَا وَخَافُوا الْفِتَنَا نَظَرُوا فِيهَا فَلَمَّا علمُوا ... أَنَّهَا لَيْسَتْ لِحَيّ سَكَنَا جَعَلُوهَا لُجَّةً وَاتَّخَذُوا ... صَالِحَ الأَعْمَالِ فِيهَا سُفُنَا

стр. 774

آخر: ... دَعِ الْحِرْصَ عَلَى الدُّنْيَا ... وَفِي الْعَيْشِ فَلا تَطْمَعْ وَلا تَجْمَعْ مِن الْمَالِ ... فَلا تَدْرِي لِمَنْ تَجْمَعْ فَإِنَّ الرزقَ مَقْسُومٌ ... وَسُوءُ الظَّنِّ لا يَنْفَعْ فَقِيرٌ كُلُّ ذِي حِرْصٍ ... غَنِيٌّ كُلُّ مَنْ يَقْنَعْ آخر: ... لا تَبْخَلَنَّ بِدُنْيَا وَهِيَ مُقْبِلَةٌ ... فَلا يَضُرُّ بِهَا التَّبْذِيرُ وَالسَّرَفُ وَإِنْ تَولَّتْ فَأَحْرَى أَنْ تَجُودَ بِهَا ... فَالشُّكْرُ مِنْهَا إِذَا مَا أَدْبَرَتْ خَلَفُ آخر: ... إِذَا كُنْتَ ذَا مَالٍ وَلَمْ تَكُ ذََا نَدَى ... فَأَنْتَ إِذَا وَالْمُقْتِرِينَ سَوَاءُ آخر: ... وَأَخْسَرُ النَّاسِ سَعْيًا مَنْ قَضَى عُمُرًا ... فِي غَيْرِ طَاعَةِ مَنْ أَنْشَاهُ مِنْ عَدَمِ آخر: ... لا تَغْتَرِبْ عَنْ وَطَنٍ ... تَزْدَادُ فِيهِ مِنْ تُقَى رَبٍّ جَوَدٍ مَاجِدٍ ... مَا لَهُ شَرِيكٌ يَا فَتَى أَكْثرْ هُدِيتَ ذِكْرَهُ ... تَنَلْ بِهِ الأَجْرَ الْجَسِيمْ يَوْمَ الْحِسَابِ وَالْجَزَا ... تَحْظَى بِجَنَّاتِ النَّعِيمْ اللَّهُمَّ ألحقنا بعبادك الأَبْرَار وأسكنا الْجَنَّة دار الْقَرَار وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِين الأحياء مِنْهُمْ والميتين بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ. وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. " فَصْلٌ ": والقسم الثاني من النَّاس جهال عمي البصائر لم ينظروا فِي أمرها ولم يكشفوا سوء حالها ومآلها، برزت لَهُمْ بزنتها ففتنتنهم، فإليها أخلدوا، وبها رضوا، ولها اطمأنوا، حَتَّى ألهتهم عَنْ الله تَعَالَى، وشغلتهم عَنْ ذكر الله، وطاعته، ﴿نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ أُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ . قَالَ تَعَالَى: ﴿إَنَّ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا وَرَضُواْ بِالْحَياةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّواْ بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ * أُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمُ النُّارُ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾ .

стр. 775

نعم إنهم نسوا الله وأهملوا حقوقه وَمَا قدروه حق قدره، ولم يراعوا لإنهماكهم فِي الدُّنْيَا وتهالكهم عَلَيْهَا مواجب أوامره ونواهيه حق رعايتها، فأنساهم أنفسهم آنساهم مصالحهم وأغفلهم عَنْ منافعها وفوائدها فصار أمرهم فرطًا فرجعوا بخسارة الدارين، وغبنوا غبنًا لا يمكن تداركه ولا يجبر كسره، وسيرون يوم القيامة من الأهوال مَا ينسيهم أرواحهم، وجعلهم حيارى ذاهلين يوم تذهل كُلّ مرضعة عَنْ مَا أرضعت وتضع كُلّ ذات حمل حملها وتَرَى النَّاس سكارى وَمَا هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد. وفي مثل هَذَا يَقُولُ أحد الْعُلَمَاء: اجتهادك فيما ضمن لَكَ مَعَ تقصيرك فيما طلب منك دَلِيل على انطماس بصيرتك. أقاموا الدُّنْيَا فهدمتهم، واغتروا بها من دون الله فأذلتهم، أكثروا فيها من الآمال وأحبوا طول الآجال ونسوا الموت وَمَا بعده من الشدائد فِي الدُّنْيَا والآخِرَة، قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ . شِعْرًا: ... إِذَا لَمْ تَخْشَ عَاقِبَةَ الْمَعَاصِي ... وَلَمْ تَسْتَحِيي فَاصْنَعَ مَا تَشَاءُ إِذَا مَا كُنْتَ ذَا قَلْبٍ قَنُوعٍ ... فَأَنْتَ وَمَالِكَ الدُّنْيَا سَوَاءُ وروى الترمذي مِنْ حَدِيثِ أَنَس ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول اللهِ ﷺ : «من كَانَتْ الآخِرَة همه جعل الله غناه فِي قَلْبهُ وجمَعَ عَلَيْهِ شمله وأتت الدُّنْيَا وهي راغمة، ومن كَانَتْ الدُّنْيَا همه جعل فقره بين عينيه وفرق عَلَيْهِ شمله ولم يأته من الدُّنْيَا إِلا مَا قدر لَهُ، فلا يمسي إِلا فقيرًا ولا يصبح إِلا فقيرًا» . وما أقبل عبد على الله إِلا جعل الله قُلُوب الْمُؤْمِنِينَ تنقاد إليه بالود والرحمة، وكَانَ الله بكل خَيْر إليه أسرع. أ. هـ. وَقَالَ فِي عدة الصابرين، وَقَدْ أخبر ﷺ أنها لو ساوت عِنْدَ الله جناح

стр. 776

بعوضة مَا سقى كافرًا مَنْهَا شربة ماء وأنها أَهْوَن على الله من السخلة الميتة على أهلها. آخر: ... عَجَبًا لأَمْنِكَ وَالْحَيَاةُ قَصِيرَةٌ ... وَبِفَقْدِ إِلْفٍ لا تَزَالُ تُرَوَّعُ أَحْلامُ لليْلٍ أَوْ كَظِلٍّ زَائِلٍ ... إِنَّ اللَّبِيبَ بِمِثْلِهَا لا يُخْدَعُ فَتَزَوَّدَنَّ لِيَوْمِ فَقْرِكَ دَائِبًا ... أَلِغَيْر نَفْسِكَ لا أبالكَ تَجْمَعُ وأن مثلها فِي الآخِرَة كمثل مَا يعلق بإصبع من أدخل أصبعه فِي البحر وأنها ملعونة ملعون مَا فيها إِلا ذكر الله وَمَا ولاه، وعَالِم ومتعلم وأنها سجن المُؤْمِن وجنة الكافرين. وأمر الْعَبْد أن يكون فيها كأنه غريب أَوْ عابر سبيل ويعد نَفْسهُ من أَهْل القبور وَإِذَا أصبح فلا ينتظر المساء وَإِذَا أمسى فلا ينتظر الصباح. ونهى عَنْ اتخاذ مَا يرغب فيها، ولعن عبد الدينار وعبد الدرهم ودعا عَلَيْهِ بالتعس والانتكاس وعدم إقالة العثرة بالانتقاش. شِعْرًا: ... خَلِيلِيَّ إِنَّ الْمَالَ لَيْسَ بِنَافِعٍ ... إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي طَاعَةِ اللهِ يُنْفَقُ وَمَا خَابَ بَيْنَ الله وَالنَّاسِ عَامِلٌ ... لَهُ فِي التُّقَى أَوْفَى الْمَحَامِدِ سُوقُ وَلا ضَاقَ فَضْلُ اللهِ عَنْ مُتَعَفّفٍ ... وَلَكِنَّ أَخْلاقَ الرِّجَالِ تَضِيقُ وأخبر أنها خضرة حلوة أي تأخذ العيون بحظرتها والقُلُوب بحلاوتها، وأمر باتقائها والحذر مَنْهَا كما يتقى النساء ويحذر منهن وأخبر أن الحرص عَلَيْهَا، وعلى الرياسة والشرف يفسد الدين. وأخبر أَنَّهُ فِي الدُّنْيَا كراكب استظِلّ تحت شجرة فِي يوم صائف، ثُمَّ راح وتركها. وَهَذَا فِي الحَقِيقَة حال سكَانَ الدُّنْيَا كلهم، ولكن هُوَ ﷺ شهد هَذِهِ الحال، وعمي عَنْهَا بنو الدُّنْيَا. ومر بِهُمْ وهم يعالجون خصًا لهم قَدْ وهي، فَقَالَ: «مَا أرى الأَمْرَ إِلا أعجل

стр. 777

من ذَلِكَ، وأمر بستر على بابه فُنُزِعَ. وَقَالَ: «" إِنَّهُ يذكرني الدُّنْيَا» . وأعْلَمَ النَّاس أَنَّهُ لَيْسَ لأحد مِنْهُمْ حق فِي سِوَى بيت يسكنه، وثوب يواري عورته وقوت يقيم صلبه. وأخبر أن الميت يتبعه أهله، وماله، وعمله فيرجع أهله وماله ويبقى عمله، وكَانَ يَقُولُ: «الزهد فِي الدُّنْيَا يريح الْقَلْب والبدن، والرغبة فِي الدُّنْيَا تطيل الهموم والحزن» . وكَانَ يَقُولُ: «من جعل الهموم كُلّهَا همًا واحدًا، كفاه الله سائر همومه، ومن تشعبت به الهموم فِي أوال الدُّنْيَا لم يبال الله فِي أي أوديتها هلك» . وأخبر أن بذل الْعَبْد مَا فضل عَنْ حاجته خَيْر لَهُ، وإمساكه شر لَهُ وأنه لا يلام على الكفاف، وأخبر أن عباد الله ليسوا بالمتنعمين فيها فَإِنَّ أمامهم دار النَّعِيم فهم لا يرضون بنعيمهم فِي الدُّنْيَا عوضًا من ذَلِكَ النَّعِيم. " نصيحة ": إِذَا استغنى النَّاس بالدُّنْيَا، فاستغن أَنْتَ بِاللهِ، وَإِذَا فرحوا بالدُّنْيَا، فأفرح أَنْتَ بِاللهِ، وَإِذَا أُنسوا بأحبابهم فأجعل أنسك بِاللهِ، وَإِذَا تعرفوا إلى كبرائهم لينالوا بِهُمْ العزة والكرامة فتعرف أَنْتَ إِلَى اللهِ، وتودد إليه تنل بذَلِكَ غاية العز والرفعة والكرامة. وفي حديث مناجاة مُوَسى: ولا تعجبنكما زينته ولا مَا متع به ولا تمدان إلى ذَلِكَ أعينكما، فَإِنَّهَا زهرة الدُّنْيَا، وزينة المترفين وإني لو شئت أن أزينكما من الدُّنْيَا بزينة يعلم فرعون حين ينظر إليها أن مقدرته تعجز عَنْ مثل مَا أوتيتما فعلت. ولكن أرغب بكما عَنْ نعيمها ذَلِكَ، وأزويه عنكما، وكَذَلِكَ أفعل بأوليائي، وقديمًا مَا أخرت لَهُمْ فِي ذَلِكَ فإني لأذودهم عَنْ نعيمها ورخائها كما يذود الراعي الشفيق غنمه عَنْ مراعي الهلكة وإني لأجنبهم سلوتها،

стр. 778

وعيشها كما يذود الراعي الشفيق إبله عَنْ مبارك العزة. وما ذَلِكَ لهوانهم عليَّ، ولكن ليستكملوا مصيبهم من كرامتي سالمًا موفرًا لم تكلمه الدُّنْيَا ولم يطغه الهوى. واعْلَمْ أَنَّهُ لم يتزين لي العباد بزينة هِيَ أبلغ من الزهد فِي الدُّنْيَا فَإِنَّهَا زينة المتقين عَلَيْهمْ مَنْهَا لباس يعرفون به من السكينة، والخشوع سيماهم فِي وجوههم من أثر السجود. أولئك أوليائي حقًا فَإِذَا لقيتهم فاخفض لَهُمْ جناحك، وذل لَهُمْ قلبك ولسانك. وَقَالَ الحواريون: يَا عيسى من أَوْلِيَاء الله الَّذِينَ لا خوف عَلَيْهمْ ولا هم يحزنون؟ قَالَ: الَّذِينَ نظروا إلى باطن الدُّنْيَا، حين نظر النافس إلى عاجلها فأماتوا مَنْهَا مَا يخشون أن يميتهم، وتركوا مَا علموا أن سيتركهم، فصار استكثارهم مَنْهَا استقلالاً، وذكرهم إياهًا فواتًا، وَمَا عارضهم من رفعتها بغير الْحَقّ وضعوه. خلقت الدُّنْيَا عندهم فليسوا يجددونها، وخربت بينهم فليسوا يعمرونها، وماتت فِي صدورهم، فليسوا يحيونها، يهدمونها فيبنون بها آخرتهم، ويبيعونها، فيشترون بها مَا يبقى لَهُمْ. رفضوها فكَانُوا بها هم الفرحين، ونظروا إلى أهلها صرعى قَدْ حلت بِهُمْ المثلات، فأحيوا ذكر الموت وأماتوا ذكر الحياة. يحبون لله، ويحبون ذكره، ويستضيئون بنوره، ويضيئون به لَهُمْ خبر عجيب وعندهم الْخَبَر العجيب، بِهُمْ قام الكتاب، وبه قاموا وبهم نطق الكتاب، وبه نطقوا، وبهم علم الكتاب، وبه عملوا ليسوا يرون نائلاً مَعَ مَا نالوا، ولا أمانًا دون مَا يرجون، ولا خوفًا دون مَا يحذرون.

стр. 779

وَقَالَ: يَا بَنِي إسرائيل، اجعلوا بيوتكم كمنازل الأضياف فما لكم فِي العَالِم من منزل إن أنتم إِلا عابري سبيل. وَقَالَ: يَا معشر الحواريين أيكم يستطيع أن يبَنِي فوق موج البحر دارًا. قَالُوا: يَا روح الله من يقدر على ذَلِكَ؟ قَالَ: إِيَّاكُمْ والدُّنْيَا فلا تتخذوها قَرَارًا. وَقَالَ: حلاوة الدُّنْيَا مرارة الآخِرَة، ومرارة الدُّنْيَا، حلاوة الآخِرَة. وَقَالَ: يَا بَنِي إسرائيل تهاونوا بالدُّنْيَا تهن عليكم، وأهينوا الدُّنْيَا تكرم عليكم الآخِرَة، ولا تكرموا الدُّنْيَا تهن عليكم الآخِرَة، فَإِنَّ الدُّنْيَا لَيْسَتْ بأَهْل للكرامة، وكل يوم تدعوا إلى الفتنة والخسارة. قَالُوا: وَقَدْ تواتر عن السَّلَف أن حب الدُّنْيَا رأس الخطايا، وأصلها وقيل: إن عيسى بن مريم ﵇ قَالَ: رأس الخطيئة حب الدُّنْيَا، والنساء حبالة الشيطان، والخمر جماع كُلّ شر. شِعْرًا: ... النَّارُ آخِرُ دِينَارِ نَطَقْتَ بِهِ ... وَالْهَمُّ آخِرُ هَذَا الدَّرهِمُ ْالْجَارِي وَالْمَرْءُ بَيْنَهُمَا مَا لَمْ يَكُنْ وَرِعًا ... مُعَذبُ الْقَلْبِ بَيْنَ الْهَمِّ وَالنَّارِ شِعْرًا: قَالَ الإمام الشَّافِعِي ﵀: خَبَتْ نَارُ نَفْسِي بِاشْتِعَالِ مَفَارِقِي ... وَأَظْلَِمَ لَيْلِي إِذَا أَضَاءَ شِهَابُهَا أَيَا بُومَةً قَدْ عَشَّشَتْ فَوْقَ هَامَتِي ... عَلَى الرَّغْمِ مِنِّي حِينَ طَارَ غُرَابُهَا رَأَيْتِ خَرَابَ الْعُمْرِ مِنِّي فَزُرْتَنِي ... وَمَأْوَاكِ مِنْ كُلِّ الدِّيَارِ خَرَابُهَا أَأَنْعَم عَيْشًا بَعْدَ مَا حَلَّ عَارِضِي ... طَلائِعُ شَيْبٍ لَيْسَ يُغْنِي خِضَابُهَا إِذَا اصْفَرَ لَوْنُ الْمَرْءِ وَابْيَضَّ شَعْرُهُ ... تَنَغَّصَ مِنْ أَيَّامِهِ مُسْتَطَابُهَا وَعِزَةُ عُمَرِ الْمَرْءِ قَبْلَ مَشِيبِهِ ... وَقَدْ فَنِيتَ نَفْسٌ تَوَلَّى شَبَابُهَا فَدَعْ عَنْكَ سَوْآتِ الأُمُورِ فَإِنَّهَا ... حَرَامٌ عَلَى نَفْسِ التَّقِي ارْتِكَابُهَا وَأَدِّ زَكَاةَ الْجَاهِ وَاعْلَمْ بِأَنَّهَا ... كَمِثْلِ زَكَاةِ الْمَالِ تَمَّ نِصَابُهَا

стр. 780

وَأَحْسِنْ إلى الأَحْرَارِ تَمْلِكْ رِقَابِهُمْ ... فَخَيْرُ تِجَارَاتِ الرِّجَالِ اكْتِسَابُهَا وَلا تَمْشِيَن فِي مَنكِبِ الأَرْضِ فَاخِرًا ... فَعَمَّا قَلِيلٍ يَحْتَوِيكَ تُرَابُهَا وَمَنْ يَذُقِ الدُّنْيَا فَإِنِّي طَعمتُهَا ... وَسِيقَ إِلَيْنَا عَذْبُهَا وَعَذابُهَا فَلَمْ أَرَهَا إِلا غُرُورًا وَبَاطِلاً ... كَمَا لاحَ فِي ظَهْرِ الْفَلاةِ سَرَابُهَا وَمَا هِيَ إِلا جِيفَةٌ مُسْتَحِيلَةٌ ... عَلَيْهَا كِلابٌ هَمُّهُنَّ اجْتِذَابُهَا فَإِنْ تَجْتَنِبْهَا كُنْتَ سِلْمًا لأَهْلِهَا ... وَإِنْ تَجْتَذِبْهَا نَازَعَتْكَ كِلابُهَا إِذَا انْسَدَّ بَابٌ عَنْكَ مِنْ دُونِ حَاجَةٍ ... فَدَعْهَا لأُخْرَى يَنْفَتِحْ لَكَ بَابُهَا فَإِنَّ قُرَابَ الْبَطْنِ يَكْفِيكَ مِلْؤُهُ ... وَيَكْفِيكَ سَوآت ِالأُمُورِ اجْتِنَابُهَا فَطُوبى لِنَفْسٍ أَوْطَنَتْ قَعْرَ بَيْتِهَا ... مُغْلَقَةَ الأَبْوَابِ مُرْخَىً حِجَابُهَا فَيَا رَبِّ هَبْ لِي تَوْبَةً قَبْلَ مَهْلَكٍ ... أُبَادِرُهَا مِنْ قَبْلِ إِغْلاقِ بَابِهَا فَمَا تَخْرَبُ الدُّنْيَا بِمَوْتِ شِرَارِهَا ... وَلَكِنْ بِمَوْتِ الأَكْرَمِينَ خَرَابُهَا اللَّهُمَّ ثبتنا على قولك الثابت فِي الحياة الدُّنْيَا وفي الآخِرَة، اللَّهُمَّ وأيدنا بنصرك وأرزقنا من فضلك ونجنا من عذابك يوم تبعث عبادك، اللَّهُمَّ اسلك بنا مسلك الصادقين الأَبْرَار، وألحقنا بعبادك المصطفين الأخيار، وآتنا فِي الدُّنْيَا حسنة وفي الآخِرَة حسنة، وقنا عذاب النار. وصلى الله على مُحَمَّد وعلى مُحَمَّد وعلى آله وصحبه أجمعين. " فَصْلٌ " وعن سفيان قَالَ: كَانَ عيسى بن مريم يَقُولُ: حب الدُّنْيَا أصل كُلّ خطيئة والْمَال فيه داء كثير، قَالُوا: وَمَا دواؤه قَالَ: لا يسلم من الفخر والخيلاء. قَالُوا: فَإِنَّ سلم؟ قَالَ: يشغله إصلاحه عَنْ ذكر الله . قَالُوا: وَذَلِكَ معلوم بالتجربة والمشاهدة، فإن حبها يدعوا إلى خطيئة ظاهرة وباطنة، ولا سيما خطيئة يتوقف تحصيلها عَلَيْهَا، فيسكر عاشقها حبها

стр. 781

عن علمه بتلك الخطيئة، وقبحها وعن كراهتها واجتنابها. وحبها يوقع فِي الشبهات، ثُمَّ فِي المكروهات، ثُمَّ فِي المحرمَاتَ، وطالما أوقع فِي الكفر، بل جميع الأمم المكذوبة لأنبيائهم إِنَّمَا حملهم على كفرهم وهلاكهم حب الدُّنْيَا، فَإِنَّ الرسل لما نهوهم عَنْ الشرك والمعاصي التي كَانُوا يكتسبون بها الدُّنْيَا، حملهم حبها على مخالفتهم وتكذيبهم. فكل خطيئة فِي العَالِم أصلها حب الدُّنْيَا، ولا تنس خطيئة الأبوين قديمًا، فإنما كَانَ سببها حب الخلود فِي الدُّنْيَا، ولا تنس ذنب إبلَيْسَ وسببه حب الرياسة، التي محبتها شر من محبة الدُّنْيَا. وبسببها كفر فرعون وهامان وجنودهما، وأَبُو جهل وقومه، واليهود، فحب الدُّنْيَا والرياسة هُوَ الَّذِي عَمَرَ النار بأهلها. والزهد فِي الدُّنْيَا والزهد فِي الرياسة هُوَ الَّذِي عَمَرَ الْجَنَّة بأهلها. والسكر بحب الدُّنْيَا أعظم من السكر بشرب الخمر بكثير، وصَاحِب هَذَا السكر لا يفيق منه، إِلا فِي ظلمة اللحد، ولو انكشف عَنْهُ غطاؤه فِي الدُّنْيَا لعلم مَا كَانَ فيه من السكر، وأنه أشد من سكر الخمر والدُّنْيَا تسحر العقول أعظم سحر. قَالَ الإمام أحمد: حدثنا سيار حدثنا جعفر قَالَ سمعت مالك بن دينار يَقُولُ: اتقوا السحارة، اتقوا السحارة، فَإِنَّهَا تسحر قُلُوب الْعُلَمَاء. شِعْرًا: ... أَهْلُ الْمَنَاصِبِ فِي الدُّنْيَا وَرِفْعَتِهَا ... أَهْلُ الْفَضَائِلِ مَرْذُولُونَ عِنْدَهُمُ قَدْ أَنْزَلُونَ لأَنَّا غَيْرَ جِنْسِهَمُ ... مَنَازِلَ الْوَحْشِ فِي الإِهْمَالِ بَيْنَهُمُ فَمَا لَهُمْ فِي تَوَقِي ضُرِّنَا نَظَرٌ ... وَمَا لَهُمْ فِي تَرَقِّي قَدْرِنَا هِمَمُ فَلَيْتَنَا لَوْ قَدِرْنَا أَنْ نُعَرِّفَهُمْ ... مِقْدَارَهُمْ عِنْدَنَا أَوْ لَوْ دَرَوْهُ هُمُوا لَهُمْ مُريْحَانِ مِنْ جَهْلٍ وَفَرْطِ غِنَى ... وَعِنْدَنَا النَّافِعَانِ الْعِلْمُ وَالْهِمَمُ

стр. 782

آخر: ... رَأَيْتُ النَّاسُ قَدْ مَالُوا ... إلى مَنْ عِنْدَهُ مَالُ وَمَنْ لا عِنْدَهُ مَالُ ... فَعَنْهُ النَّاسُ قَدْ مَالُوا والله أَعْلَمُ. وصلى الله على مُحَمَّد وعلى آله وصحبه وسلم. " فَصْلٌ ": وأقل مَا فِي حبها أَنَّهُ يلهي عَنْ حب الله، وذكره، ومن ألهاه ماله عَنْ ذكر الله فهو من الخاسرين، قَالُوا: وإنما كَانَ حب الدُّنْيَا رأس الخطايا ومفسدًا للدين من وجوه، أحدها أنه يقتضي تعظيمها وهي حقيرة عِنْدَ الله. ومن أكبر الذُّنُوب تعَظِيم مَا حقره الله، وثانيها: أن الله لعَنْهَا، ومقتها، وأبغضها إِلا مَا كَانَ لَهُ فيها، ومن أحب مَا لعنه الله، ومقته وأبغضه، فقَدْ تعرض للفتنة، ومقته وغضبه. وثالثها: أَنَّهُ إِذَا أحبها صيرها غايته، وتوسل إليها بالأعمال التي جعلها الله وسائل إليه، وإلى الدار الآخِرَة، فعكس الأَمْر وقلب الحكمة فانتكس قَلْبهُ، وانعكس سيره إلى وراء. فها هنا أمران: أحدهما جعل الوسيلة غاية، والثاني التوسل بأعمال الآخِرَة إلى الدُّنْيَا، وَهَذَا شر معكوس من كُلّ وجه، وقلب منكوس غاية الانتكاس. وَهَذَا هُوَ الَّذِي ينطبق عَلَيْهِ حذو القذة بالقذة قوله تَعَالَى " ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَة إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ . وقوله: ﴿مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاء لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُوماً مَّدْحُوراً﴾ ، وقوله: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ

стр. 783

الآخِرَة نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَة مِن نَّصِيبٍ﴾ . شِعْرًا: ... أَصْبَحَتِ الدُّنْيَا لَنَا عِبْرَة ... فَالْحَمْدُ للهِ عَلَى ذَلِكَ قَدْ أَجْمَعَ النَّاسُ عَلَى ذَمِّهَا ... وَمَا أَرَى مِنْهُمْ لَهَا تَارِكَا آخر: ... وَفي النَّفْسِ حَاَجاتٌ وَفي الْمَالِ الْقِلَّةٌ ... وَلَنْ يَقْضِي الْحَاجَاتِ إِلا الْمُهَيْمِنُ فهَذَا ثلاث آيات يشبه بعضها بَعْضًا وتدل على معنى واحد، وَهُوَ أن من أراد بعمله الدُّنْيَا وزينتها دون الله والدار الآخِرَة، فحظه مَا أراد، وَهُوَ نصيبه، لَيْسَ لَهُ نصيب غيره. وَالأَحَادِيث عَنْ رَسُول اللهِ ﷺ مطابقة لِذَلِكَ مفسرة لَهُ، كحديث أَبِي هُرَيْرَةِ ﵁ فِي الثلاثة الَّذِينَ هم أول من تسعر بِهُمْ النار، الغازي والمتصدق، والقارئ الَّذِينَ أرادوا بذَلِكَ الدُّنْيَا والنصيب وَهُوَ فِي صحيح مُسْلِم. شِعْرًا: ... وَمَا تَحْسُنُ الدُّنْيَا إِذَا هِيَ لَمْ تُعِنْ ... بِآخِرَةٍ حَسْنَاءَ يَبْقَى نَعِيمُهَا آخر: ... غَدًا تُوَفَّى النُّفُوسُ مَا كَسَبَت ... وَيَحْصُدُ الزَّارِعُونَ مَا زَرَعُوا إِنْ أَحْسَنُوا أَحْسَنُوا لأَنْفُسِهِمْ ... وَإِنْ أَسَاءُوا فَبِئْسَ مَا صَنَعُوا فالعاقل من استعمل الدُّنْيَا فِي طاعة الله وجعلها مطية للآخرة. شِعْرًا: ... لِمَنْ تَطْلُبِ الدُّنْيَا لَمْ تُرَدْ بِهَا ... رِضَا الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ رَبِّ الْبَرِيَّةِ وفي سنن النسائي عَنْ أبي أمامة ﵁ قَالَ: جَاءَ رجل إلى النَّبِيّ ﷺ ، فَقَالَ يَا رَسُول اللهِ: رجل غزا يلتمس الأجر والذكر، ما له؟ فَقَالَ رَسُول اللهِ ﷺ : «لا شَيْء لَهُ» . فأعادها ثلاث مرات يَقُولُ لَهُ رَسُول اللهِ ﷺ : «لا شَيْء لَهُ» . ثُمَّ قَالَ: «إن الله تَعَالَى لا يقبل إِلا مَا كَانَ خالصًا وابتغى به وجهه» . فهَذَا قَدْ بطل أجره وحبط عمله مَعَ أَنَّهُ قصد حصول الأجر لما ضم إليه

стр. 784

قصد الذكر بين النَّاس فَلَمْ يخلص عمله فبطل كله، قَالَ: ورابعها: أن محبتها تعترض بين الْعَبْد، وبين فعل مَا يعود عليه نفعه فِي الآخِرَة، لاشتغاله عَنْهُ بمحبوبه وَالنَّاس ها هنا مراتب. فمِنْهُمْ من يشغله محبوبه عَنْ الإِيمَان، وشرائعه. وَمِنْهُمْ من يشغله عَنْ الواجبات التي تجب عَلَيْهِ لله ولخلقه فلا يقوم بها ظاهرًا ولا باطنًا. وَمِنْهُمْ من يشغله حبها عَنْ كثير من الواجبات. وَمِنْهُمْ من يشغله عَنْ واجب يعارض تحصيلها وإن قام بغيره. وَمِنْهُمْ من يشغله عَنْ القيام بالواجب فِي الوَقْت الَّذِي ينبغي على الوجه الَّذِي ينبغي فيفرط فِي وقته وفي حقوقه. وَمِنْهُمْ من يشغله عَنْ عبوديته قَلْبهُ فِي الواجب، وتفريغه لله عِنْدَ أدائه، فيؤذيه ظاهرًا لا باطنًا، وأين هَذَا من عشاق الدُّنْيَا ومحبيها هَذَا من أنذرهم، وأقل درجات حبها أن يشغل عَنْ سعادة الْعَبْد وَهُوَ تفريغ الْقَلْب لحب الله، ولِسَانه لذكره وجمَعَ قَلْبهُ على لِسَانه وجمَعَ لِسَانه وقَلْبهُ على ربه، فعشقها ومحبتها تضر بالآخِرَة، ولا بد، كما أن محبة الآخِرَة تضر بالدُّنْيَا. وخامسها: أن محبتها تجعلها أَكْثَر هم الْعَبْد. وسادسها: أن محبتها أشد النَّاس عذابًا بها، وَهُوَ معذب فِي دوره الثلاث، يعذب فِي الدُّنْيَا بتحصيلها، وفي السعي فيها ومنازعة أهلها وفي دار البرزخ أي فِي القبر بفواتها، والحَسْرَة عَلَيْهَا، وكونه قَدْ حيل بينه وبين محبوبه على وجه لا يرجو اجتماعه به أبدًا ولم يحصل لَهُ هناك محبوب يعوضه عَنْهُ.

стр. 785

فهَذَا أشد النَّاس عذابًا فِي قبره، يعمل الهم، والغم، والحزن والحَسْرَة، فِي روحه مَا تعمل الديدان وهوام الأَرْض في جسمه. وسابعها: أن عاشقها ومحبها الَّذِي يؤثرها على الآخِرَة من أسفه الخلق وأقلهم عقلاً، إذ آثر الخيال على الحَقِيقَة، والمنام على اليقظة والظِلّ الزائل على النَّعِيم الدائم والدار الفانية على الدار الباقية إن اللبيب بمثلها لا يخدع. ثُمَّ عقَدْ فصلاً وذكر فيه أمثلة تبين حَقِيقَة الدُّنْيَا: المثال الأول: للعبد ثلاثة أحوال، حالة لم يكن فيها شَيْئًا، وهي مَا قبل أن يوَجَدَ، وحالة أخرى وهي من ساعة موته، إلى مَا لا نهاية لَهُ فِي البقاء السرمدي فلنفسه وجود بعد خروجها من البدن، إما فِي الْجَنَّة وإما فِي النار. ثُمَّ تعاد إلى بدنه، فيجازى بعمله، ويسكن إحدى الدارين فِي خلود دائم بين هاتين الحالتين وهي مَا بعد وجوده وَمَا قبل موته حالة متوسطة، وهي لأيام حَيَاتهُ فلينظر إلى مقدار زمانها، وينسبه إلى الحالتين، يعلم أَنَّهُ أقل من طرفة عين فِي مقدار عُمَر الدُّنْيَا. ومن رأى الدُّنْيَا بهذه العين لم يركن إليها، ولم يبال كيف تقضت أيامه فيها فِي ضر وضيق أَوْ فِي سعة ورفاهية ولهَذَا لم يضع النَّبِيّ ﷺ لبنة على لبنة ولا قصبة على قصبة، وَقَالَ: «مَا لي وللدنيا، إِنَّمَا مثلي ومثل الدُّنْيَا كراكب قَالَ فِي ظِلّ شجرة، ثُمَّ راح وتركها» . وإلى هَذَا أشار المسيح بقوله ﵇: الدُّنْيَا قنطرة فاعبروها ولا تعمروها. وَهُوَ مثل صحيح فَإِنَّ الحياة معبر إلى الآخِرَة، والمهد هُوَ الركن الأول، على أول القنطرة، واللحد هُوَ الركن الثاني على آخرها. ومن النَّاس من قطع نصف القنطرة. وَمِنْهُمْ من قطع ثلثيها، وَمِنْهُمْ من لم يبق لَهُ إِلا خطوة واحدة، وهو

стр. 786

غَافِل عَنْهَا وكيفما كَانَ فَلا بُدَّ مِنْ العبور، فمن وقف يبَنِي على القنطرة، ويزينها بأصناف الزينة، وَهُوَ يستحث على العبور فهو فِي غاية الجهل والحمق. المثال الثاني: شهوات الدُّنْيَا فِي الْقَلْب كشهوات الأطعمة فِي المعدة، وسوف يجد الْعَبْد عِنْدَ الموت لشهوات الدُّنْيَا فِي قَلْبهُ من الكراهة والنتن والقبح مَا يجده للأطعمة اللذيذة إِذَا انتهت فِي المعدة، غايتها، وكما أن الأطعمة كُلَّما كَانَتْ ألذ طعمًا وأكثر دسمًا وأكثر حلاوة كَانَ رجيعها أقذر، فكَذَلِكَ كُلّ شهوة كَانَتْ فِي النفس ألذ وأقوى فالتأذي بها عِنْدَ الموت أشد، كما أن تفجع الإِنْسَان بمحبوبه إِذَا فقده يقوى بقدر محبه المحبوب. شِعْرًا: ... طَالِبُ الدُّنْيَا بِحِرْصٍ وَعَجْل ... إِنَّمَا الدُّنْيَا كَظِلٍّ مُنْتَقِلْ نَحْنُ فِيهَا مِثْلُ رَكْبٍ نَازِلٍ ... لِمِقِيلٍ كُلَّمَا حَلَّ ارْتَحَلْ شِعْرًا: قَالَ بَعْضُهُمْ يخاطب نَفْسهُ: إلى مَ أَرَى يَا قَلْبُ مِنْكَ التَّرَاخِيَا ... وَقَدْ حَلَّ وَخْطُ الشَّيْبِ بِالرَّأْسِ ثَاوِيَا وَأَخْبَرَ عَنْ قُرْبِ الرَّحِيلِ نَصِيحَةً ... فَدُونَكَ طَاعَاتٍ وَخَلِّ الْمَسَاوِيَا وَعُضَّ عَلَى مَا فَاتَ مِنْكَ أَنَامِلاً ... وَفَجِّرْ مِنَ الْعَيْنِ الدُّمُوعَ الْهَوَامِيَا فَكَمْ مَرَّةٍ وَافَقْتَ نَفْسًا مَرِيدَةً ... فَقَدْ حَمَّلَتْ شَرًّا عَلَيْكَ الرَّوَاسِيَا وَكَمْ مَرَّةٍ أَحْدَثْتَ بِدْعًا لِشَهْوَةٍ ... وَغَادَرْتَ هَدْيًا مُسْتَقِيمًا تَوَانِيَا وَكَمْ مَرَّةٍ أَمْرَ الإِله نَبَذْتَهُ ... وَطَاوَعْتَ شَيْطَانًا عَدُوًّا مُدَاجِيَا وَكَمْ مَرَّةٍ قَدْ خُضْتَ بَحْرَ غِوَايَةٍ ... وَأَسْخَطْتَ رَبًّا بِاكْتِسَابِ الْمَعَاصِيَا وَكَمْ مَرَّةٍ بِرَّ الإِلهِ غَمَضْتَهُ ... وَقَدْ صِرْتَ فِي كُفْرَانِهِ مُتَمَادِيَا وَلا زِلْتَ بِالدُّنْيَا حَرِيصًا وَمُولَعًا ... وَقَدْ كُنْتَ عَنْ يَوْمِ الْقِيَامَةِ سَاهِيَا فَمَا لَكَ فِي بَيْتِ الْبَلا إِذَ نَزَلْتَهُ ... عَنْ الأَهْلِ وَالأَحْبَابِ وَالْمَالِ نَائِيًا فَتُسْأَلَ عَنْ رَبٍّ وَدِين مُحَمَّدٍ ... فَإِنْ قُلْتُ هَاهٍ فَادْرِ أَنْ كُنْتَ هَاوِيَا وَيَأْتِيكَ مِنْ نَارِ سَمُوم أَلِيمَة ... وَتُبْصُرُ فِيهَا عَقْرَبًا وَأَفَاعِيَا

стр. 787

وَيَا لَيْتَ شَعْرِي كَيْفَ حَالُكَ إِذْ نُصِبْ ... صِرَاطٌ وَمِيزَانٌ يُبينُ الْمَطَاوِيَا فَمَنْ نَاقَشَ الرَّحْمَنُ نُوقِشَ بَتّهً ... وَأُلْقِيَ فِي نَارٍ وَإِنْ كَانَ وَالِيَا هُنَالِكَ لا تَجْزِيهِ نَفْسُ عَنْ الرَّدَى ... فَكُلُّ امْرِئٍ فِي غَمِّهِ كَانَ جَاثِيَا اللَّهُمَّ ثَبِّتْ قلوبنا على دينكوألهمنا ذكرك وشكرك اختم لَنَا بخاتمة السعادة وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَجَمِيع الْمُسْلِمِين بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، اللَّهُمَّ إنَا نسألك التوبة ودوامها، ونعوذ بك من المعصية وأسبابها، اللَّهُمَّ أفض عَلَيْنَا من بحر كرمك وعونك حَتَّى نخَرَجَ من الدُّنْيَا على السلامة من وبالها وارأف بنا رافة الْحَبِيب بحبيبه عِنْدَ الشدائد ونزولها، وارحمنا من هموم الدُّنْيَا وغمومها بالروح والريحان إلى الْجَنَّة ونعيمها، ومتعنا بالنظر إلى وجهك الكريم فِي جنات النَّعِيم مَعَ الَّذِينَ أنعمت عَلَيْهمْ من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِين الأحياء مِنْهُمْ والميتين بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ. وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. المثال الثالث: لها ولأهلها فِي اشتغالهم بنعيمها عَنْ الآخِرَة وَمَا يعقبهم من الحسرات مثل أَهْل الدُّنْيَا فِي غفلتهم مثل قوم ركبوا سفينة فانتهت بِهُمْ إلى جزيرة فأمرهم الملاح بالْخُرُوج لِقَضَاءِ الحاجة وحذرهم الإبطاء، وخوفهم مُرُور السَّفِينَة. فتفرقوا فِي نواحي الجزيرة، فقضى بَعْضهُمْ حاجته وبادر إلى السَّفِينَة فصادف المكَانَ خَالِيًا، فأخذ أوسع الأماكن وألينها. ووقف بَعْضهُمْ فِي الجزيرة، ينظر إلى أزهارها وأنوارها العجيبة ويسمَعَ نغمَاتَ طيورها، ويعجبه حسن أحجارها، ثُمَّ حدثته نَفْسهُ بفوات السَّفِينَة، وسرعة مرورها، وخطر ذهابها فَلَمْ يصادف إِلا مَكَانًا ضَيِّقًا فجلس فيه.

стр. 788

وأكب بَعْضهُمْ على تلك الحجارة المستحسنة، والأزهار الفائقة فحمل مَنْهَا حمله فَلَمَّا جَاءَ لم يجد فِي السَّفِينَة إِلا مَكَانًا ضَيِّقًا، وزاده حمله ضيقًا، فصار محموله ثقلاً عَلَيْهِ، ووبالاً ولم يقدر على نبذه بل لم يجد من حمله بدًا ولم يجد لَهُ فِي السَّفِينَة مَوْضِعًا، فحمله على عنقه وندم على أخذه، فَلَمْ تنفعه الندامة، ثُمَّ ذبلت الأزهار، وتغيرت أريحها وآذاه نتنها. وتولج بَعْضهُمْ فِي تلك الغياض، ونسي السَّفِينَة، وأبعد فِي نزهته، حَتَّى إن الملاح نادى بِالنَّاسِ، عِنْدَ دفع السَّفِينَة، فَلَمْ يبلغه صوته، لاشتغاله بملاهيه، فهو تَارَّة يتناول من الثمر وتَارَّة يشم تلك الأزهار وتَارَّة يعجب من حسن الأشجار. وهو على ذَلِكَ خائف من سبع يخَرَجَ عَلَيْهِ، غير منفك من شوك يتشبث فِي ثيابه، ويدخل فِي قدميه أَوْ غصن يجرح بدنه أَوْ عوسج يخرق ثيابه، ويهتك عورته، أَوْ صوت هائل يفزعه. ثُمَّ من هؤلاء من لحق بالسَّفِينَة، ولم يبق فيها موضع، فمَاتَ على الساحل، وَمِنْهُمْ من شغله لهوه، فافترسته السباع ونهشته الحيات وَمِنْهُمْ من تاه فهام على وجهه حَتَّى هلك، فهَذَا مثال أَهْل الدُّنْيَا فِي اشتغالهم بحظوظهم العاجلة، ونسيانهم موردهم وعاقبة أمرهم، وَمَا أقبح بالعاقل أن تغره أحجار ونبات يصير هَشِيمًا. المثال الرابع: لاغترار النَّاس بالدُّنْيَا، وضعف إيمانهم بالآخِرَة أن رَسُول اللهِ ﷺ قَالَ لأصحابه: «إِنَّمَا مثلي ومثلكم ومثل الدُّنْيَا كمثل قوم سلكوا مفازة غبراء، حَتَّى إِذَا لم يدروا مَا سلكوا مَنْهَا أَكْثَر أم مَا بقي، أنفذوا الزَّاد، وحسروا الظهر، وبقوا بين ظهراني المفازة، لا زَادَ ولا حمولة، فأيقنوا بِالْهَلَكَةِ.

стр. 789

فبينما هم كَذَلِكَ، إذ خَرَجَ عَلَيْهمْ رجل فِي حلية يقطر رأسه، فَقَالُوا: إن هَذَا قريب عهد بريف، وَمَا جاءكم هَذَا إِلا من قريب، فَلَمَّا انتهى إليهم، قَالَ: يَا هؤلاء علام أنتم؟ قَالُوا: على مَا تَرَى. قَالَ: أرأيتم إن هديتكم على ماء رواء ورياض خضر مَا تجعلون لي؟ قَالُوا: لا نعصيك شَيْئًا. قَالَ: عهودكم ومواثيقكم بِاللهِ. قَالَ: فأعطوه عهودهم ومواثيقهم بِاللهِ لا يعصونه شَيْئًا. قَالَ: فأوردهم ماء ورياضًا خضرًا قَالَ: فمكث مَا شَاءَ الله. ثُمَّ قَالَ: يَا هؤلاء الرحيل، قَالُوا إلى أين، قَالَ إلى ماء لَيْسَ كمائكم ورياض لَيْسَتْ كرياضكم، قَالَ: فَقَالَ جل القوم، وهم أكثرهم: وَاللهِ مَا وَجَدْنَا هَذَا حَتَّى ظننا أن لن نجده، وَمَا تصنع بعيش هُوَ خَيْر من هَذَا؟ شِعْرًا: ... عَلَى الدُّنْيَا وَمَنْ فِيهَا السَّلامُ ... إِذَا مَلَكَتْ خَزَائِنَهَا اللِّئَامُ قَالَ: وقَالَتْ طائفة: وهم أقلهم: ألم يعطوا هَذَا الرجل عهودكم ومواثيقكم بِاللهِ لا تعصونه شَيْئًا، وقد صدقكم في أول حديثه فوالله ليصدقنكم فِي آخره، فراح بمن اتبعه، وتخلف بقيتهم، فبادرهم عَدُوّهمْ، فأصبحوا بين أسير وقتيل. شِعْرًا: ... إِذَا عَاجِلَ الدُّنْيَا أَلَمْ بِمَفْرَحٍ ... فَمَنْ خَلفهُ فَجْعٌ سَيَتْلُوُه آجِلُ وَكَانَتْ حَيَاةُ الْحَيِّ سَوْقًا إلى الرَّدَى ... وَأَيَّامُهُ دُونَ الْمَمَاتِ مَرَاحِلُ وَمَا لُبْثَ مَنْ يَغْدُو وَفِي كُلِّ لَحْظَةٍ ... لَهُ أَجْلٌ فِي مُدَّةِ الْعُمْرِ قَاتِلُ وَلِلْمَرْءِ يَوْمٌ لا مَحَالَة مَا لَهُ ... غَدٌ وَسْطَ عَامٍ مَا لَهُ الدَّهْرَ قَابِلُ كَفَانَا اعْتِرَافًا بِالْفَنَاءِ وَرُقْبَةً ... لِمَكْرُوهِهِ أَنْ لَيْسَ لِلْخُلْدِ آمِلُ آخر: ... أَرَانِي بِِحَمْدِ اللهِ فِي الْمَال زَاهِدًا ... وَفِي شَرَفَ الدُّنْيَا وَفِي الْعِزَّ أَزْهَدَا تَخَلَّيْتُ عَنْ دُنْيَايَ إِلا ثَلاَثَةً ... دَفَاتِرَ مِنْ عِلْمٍ وَبَيْتًا وَمَسْجِدَا

стр. 790

غَنَيْتُ بِهَا عَنْ كُلِّ شَيْءٍ حَوَيْتُهُ ... وَكُنْتُ بِهَا أَغْنَى وَأَقْنَى وَأَسْعَدَا وَكَمْ قَدْ رَأَيْنَا مِنْ عَزِيز مُشرَفٍ ... يَبِيتُ مَقَرًا بِالضَّلالَةِ مُجْهِدَا أَتَتْهُ الْمَنَايَا وَهُوَ فِي حِين غَفْلَةٍ ... فَأَضْحَى ذَلِيلاً فِي التُّرَابِ مُوَسَّدَا اللَّهُمَّ ثَبِّتْ محبتك فِي قلوبنا وثَبِّتْ إيماننا ونور بصائرنا واهدنا سبل السَّلام وجنبنا الفواحش مَا ظهر مَنْهَا وَمَا بطن،وألهمنا ذكرك وشكرك واعمر أوقاتنا بتلاوة كتابك وأرزقنا التدبر لَهُ والْعَمَل به فِي الدقيق والجليل وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِين بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ. وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. " فَصْلٌ " المثال الخامس للدنيا وأهلها، وَمَا مثلها به ﷺ كظِلّ شجرة، والمرء مسافر فيها إِلَى اللهِ، فاستظِلّ فِي ظِلّ تلك الشجرة فِي يوم صائف، ثُمَّ راح وتركها. فتأمل حسن هَذَا المثال، ومطابقته للواقع سواء، فَإِنَّهَا فِي خضرتها كشجرة، وفي سرعة انقضائها وقبضها شَيْئًا فشَيْئًا كالظِلّ والْعَبْد مسافر إلى ربه، والمسافر إِذَا رأى شجرة فِي يوم صائف لا يحسن به أن يبَنِي تحتها دارًا، ولا يتخذها قَرَارًا، بل يستظِلّ بها بقدر الحاجة، ومتى زَادَ على ذَلِكَ انقطع عَنْ الرفاق. المثال السادس تمثيله لها ﷺ بمدخل إصبعه فِي الْيَمِّ، فالَّذِي يرجع به إصبعه من البحر هُوَ مثل الدُّنْيَا بِالنِّسْبَةِ إلى الآخِرَة. المثال السابع مَا مثلها به ﷺ فِي الْحَدِيث المتفق على صحته مِنْ حَدِيثِ أبي سعيد الخدري ﵁، قَالَ إن النَّبِيّ ﷺ جلس ذات يوم، على المنبر وجلسنا حوله، فَقَالَ: «إن مِمَّا أخاف عليكم من بعدي مَا يفتح عليكم

стр. 791

من زهرة الدُّنْيَا، وزينتها» . فَقَالَ رجل: يَا رَسُول اللهِ! أَوْ يأتي الْخَيْر بالشر؟ فصمت رَسُول اللهِ ﷺ ، ثُمَّ قَالَ: كيف قُلْتُ؟ قَالَ: يَا رَسُول اللهِ أَوْ يأتي الْخَيْر بالبشر، فَقَالَ رَسُول اللهِ ﷺ ::" إن الْخَيْر لا يأتي إِلا بالْخَيْر، وإن مِمَّا ينبت الربيع مَا يقتل حبطًا أَوْ يلم إِلا آكلة الخضر، أكلت حَتَّى إِذَا امتلأت خاصرتاها، استقبلت الشمس فثلطت وبالت، ثُمَّ اجترت فَعَادَتْ فأكلت. فمن أخذ مالاً بحقه بورك لَهُ فيه، ومن أخذ مالاً بغير حق، فمثله كمثل الَّذِي يأكل ولا يشبع» . فأخبر ﷺ أن مِمَّا يخاف عَلَيْهمْ الدُّنْيَا، وسماها زهرة، فشبهها بالزهر، فِي طيب رائحته وحسن منظره، وقلة بقائه. فهذه الفقرة اليسيرة، من جوامَعَ كلمه ﷺ ، حوت على إيجازها بشارة الصحابة الكرام بما سيكون على أيديهم، من فتح الْبِلاد، وإخضاع العباد، وجلب الأموال الطائلة، والغنائم الكثيرة، وتحذيرهم من الغرور، والركون إلى هَذِهِ الأَشْيَاءِ الفانية، والأعراض الزائلة. وضرب ﷺ مثلين حكيمين أحدهما مثل المفرط فِي جمَعَ الدُّنْيَا، والآخِر مثل المقتصد فيها، أما الأول، فمثله مثل الربيع وَذَلِكَ قوله فَإِنَّ مِمَّا ينبت الربيع مَا يقتل حبطًا أَوْ يلم، بأن يقارب الهلاك. فهَذَا المطر ماء ينزله الله لإغاثة الخلق وإرواء كُلّ ذي روح فرغم فوائده الكثيرة ومنافعه الغزيرة وَمَا يتسبب عَنْ ذَلِكَ من إنبات العشب والكلاء، يأكل منه الْحَيَوَان فيكثر فينتفخ بطنه، فيهلك أَوْ يقارب الهلاك، وكَذَلِكَ الَّذِي يكثر من جمَعَ الْمَال، يكون عنده من الجشع والشره، والحرص، مَا يتجاوز به الحد، لا سيما إِذَا جمَعَ الْمَال من غير حله، ومنع ذَا الْحَقّ حقه، فَإِنَّ لم يقتله قارب أن يقتله. شِعْرًا: ... تَوَقَّ مَصَارِعَ الْغَفَلاتِ وَاحْذَرْ ... فَلَيْسَتْ زِينَةُ الدُّنْيَا بِزِينَةْ وَقَصْرُكَ عَنْ هَوَاكَ فَكُلُ نَفْسٍ ... غَدَاةَ غدٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةْ

стр. 792

هِيَ الدُّنْيَا تَمُوجُ كَمَا تَرَاهَا ... بِمَا فِيهَا فَشَأْنَكَ وَالسَّفِينَةْ آخر: ... إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ غُرُورٌ ... وَالْجُهُولُ الْجَهُولُ مَنْ يَصْطَفِيهَا مَا مَضَى فَاتَ وَالْمَؤمَّلُ غَيْبٌ ... وَلَكَ السَّاعَةُ الَّتِي فِيهَا آخر: ... وَمَنْ لَمْ يَعْشَقِ الدُّنْيَا قَدِيمًا ... وَلَكِنْ لا سَبِيلَ إلى الْوُصُولِ آخر: ... وَمَنْ لَحَظَ الدُّنْيَا بِعَيْنٍ حَقِيرَةٍ ... فَقَدْ لَحَظَ الدُّنْيَا بِعَيْنِ الحَقِيقَةِ ولِذَلِكَ كثير من أَهْل الأموال قتلتهم أموالهم فَإِنَّهُمْ شرهوا فِي جمعها، واحتاج إليها غيرهم، فَلَمْ يصلوا إلى ذَلِكَ إِلا بقتلهم، أَوْ مَا يقارب ذَلِكَ من إذلالهم وقهرهم والضغط عَلَيْهمْ. وأما المثال الثاني: وَهُوَ مثال المقتصد فِي جمَعَ الدُّنْيَا، الطالب لحلها، فقَدْ مثل لَهُ ﷺ بقوله: «إِلا آكلة الخضر» . فكأنه قَالَ ألا انظروا آكلة الخضراء، واعتبروا بشأنها " أكلت حَتَّى إِذَا امتدت خاصرتاها " وعظم جنباها، أقلعت سريعًا " استقبلت عين الشمس " تستمرئ بذَلِكَ مَا أكلت وتجتره " فثلطت " ألقت مَا فِي بطنها من أذى سهلاً رقيقًا. وفي قوله: «استقبلت عين الشمس فثلطت وبالت» . ثلاث فَوَائِد أحدها أنها لما أخذت حاجتها من المرعى تركته، وبركت مستقبلة عين الشمس، تستمرئ. الفائدة الثَّانِيَة أنها أعرضت عما يضرها من الشره فِي المرعى، وأقبلت على مَا ينفعها، مِنِ استقبال الشمس التي يحصل لها بحرارتها إنضاج مَا أكلته وإخراجه. الثالثة: أنها استفرغت بالبول والثلط مَا جمعته من المرعى فِي بطنها، فاستراحت بإخراجه ولو بقي فيها لقتلها، هكَذَا جامَعَ الْمَال مصلحته أن يفعل به كما فعلت هَذِهِ الشاة فتنبه لِذَلِكَ أيها المغفل الجموع المنوع. شِعْرًا: ... وَإِيَّاكَ وَالدُّنْيَا الدَّنِيَّةَ إِنَّهَا ... هِيَ السِّحْرُ فِي تَخْيِيلِهِ وَافْتِرَائِهِ

стр. 793

مَتَاعُ غُرُورٍ لا يَدُومُ سُرُورُهَا ... وَأَضْغَاثُ حُلْمٍ خَادِعٍ بِبَهَائِهِ فَمَنْ أَكْرَمَتْ يَوْمًا أَهَانَتْ لَهُ غَدًا ... وَمَنْ أَضْحَكَتْ قَدْ آذَنَتْ بِبُكَائِهِ وَمَنْ تُسْقِهِ كَأْسًا مِنْ الشَّهْدِ غُدْوَةً ... تُجَرِّعُهُ كَأْسَ الرَّدَى فِي مَسَائِهِ وَمَنْ تَكْسُ تَاجَ الْمُلْكِ تَنْزَعُهُ عَاجِلاً ... بِأَيْدِي الْمَنَايَا أَوْ بِأَيْدِي عَدَائِهِ أَلا إِنَّهَا لِلْمَرْءِ مِنْ أَكْبَرِ الْعِدَا ... وَيَحْسَبُهَا الْمَغْرُورُ مِنْ أَصْدِقَائِهِ فَلَذَّاتُهَا مَسْمُومَةٌ وَوَعُودُهَا ... سَرَابٌ فَمَا الظَّامِي رَوَى مِنْ عَنَائِهِ وَكَمْ فِي كِتَابِ اللهِ مِنْ ذِكْرِ ذَمِّهَا ... وَكَمْ ذَمَّهَا الأَخْيَارُ مِنْ أَصْفِيَائِهِ فَدُونَكَ آيَاتِ الْكِتَابِ تَجِدْ بِهَا ... مِن الْعِلْمِ مَا يَجْلُوا الصَّدَا بِجَلائِهِ وَمَنْ يَكُ جَمْعُ الْمَالِ مَبْلَغَ عِلْمِهِ ... فَمَا قَلْبهُ إِلا مَرِيضًا بِدَائِهِ فَدَعْهَا فَإِنَّ الزُّهْدَ فِيهَا مُحَتَّمٌ ... وَإِنْ لَمْ يَقُمْ جُلُّ الْوَرَى بِأَدَائِهِ وَمَنْ لَمْ يَذَرْهَا زَاهِدًا فِي حَيَاتِهِ ... سَتَزْهَدُ فِيهِ النَّاسُ بَعْدَ فَنَائِهِ فَتَتْرُكُهُ يَوْمًا صَرِيعًا بِقَبْرِهِ ... رَهِينًا أَسِيرًا آيِسًا مِن وَرَائِهِ وَيَنْسَاهُ أَهْلُوهُ الْمُفَدَّى لَدَيْهِمُ ... وَتَكْسُوهُ ثَوْبَ الرُّخْصِ بَعْدَ غَلائِهِ وَيَنْتَهِبُ الْوُرَّاثُ أَمْوَالَهُ الَّتِي ... عَلَى جَمْعِهَا قَاسَى عَظِيمَ شَقَائِهِ وَتُسْكِنَهُ بَعْدَ الشَّوَاهِقِ حُفْرَةً ... يَضِيقُ بِهِ بَعْدَ اتِّسَاعِ فَضَائِهِ يُقِيمُ بِهَا طولَ الزَّمَانِ وَمَا لَهُ ... أَنِيسٌ سِوَى دُودٍ سَعَى فِي حَشَائِهِ فَوَاهًا لَهَا مِنْ غُرْبَةٍ ثُمَّ كُرْبَةٍ ... وَمِنْ تُرْبَةٍ تَحْوِي الْفَتَى لِبَلائِهِ وَمَنْ بَعْدَ ذَا يَوْمَ الْحِسَابِ وَهَوْلُهُ ... فَيُجْزَى بِهِ الإِنْسَانُ أَوْ فِي جَزَائِهِ وَلا تَنْسَ ذِكْرَ الْمَوْتِ فَالْمَوْتُ غَائِبٌ ... وَلا بُدَّ يَوْمًا لِلْفَتَى مِنْ لِقَائِهِ قَضَى اللهُ مَوْلانَا عَلَى الْخَلْقِ بِالْفَنَا ... وَلا بُدَّ فِيهِمْ مِنْ نُفُوذِ قَضَائِهِ فَخُذْ أُهْبَةً لِلْمَوْتِ مِنْ عَمَلِ التُّقَى ... لَتَغْنَمَ وَقْتَ الْعُمْرِ قَبْلَ انْقِضَائِهِ وَإِيَّاكَ وَالآمَالَ فَالْعُمْرُ يَنْقَضِي ... وَأَسْبَابُهُا مَمْدُودَةٌ مِنْ وَرَائِهِ وَحَافِظْ عَلَى دِينِ الْهُدَى فَلَعَلَّهُ ... يَكُونُ خِتامَ الْعُمْرِ عِنْدَ انْتِهَائِهِ

стр. 794

.. فَدُونَكَ مِنِّي فَاسْتَمِعْهَا نَصِيحَةً ... تُضَارِعُ لَوْنَ التِّبْرِ حَالَ صَفَائِهِ وَصَلَّى عَلَى طُولِ الزَّمَانِ مُسَلِّمًا ... سَلامًا يَفُوقُ الْمِسْكَ عَرْفَ شَدَائِهِ عَلَى خَاتِمِ الرُّسْلِ الْكِرَامِ مُحَمَّدٍ ... وَأَصْحَابِهِ وَالآلِ أَهْل كَسَائِهِ وَاتْبَاعِهِمْ فِي الدِّينِ مَا اهْتَزَّ بِالرُّبَا ... رِيَاضُ سَقَاهَا طَلَّهَا بِنَدَائِهِ اللَّهُمَّ اجعل قلوبنا مملؤة بحبك وألسنتنا رطبة بِذِكْرِكَ ونُفُوسنَا مطيعة لأَمْرِكَ وأرزقنا الزهد فِي الدُّنْيَا والإقبال على الآخِرَة واغفر لَنَا، اللَّهُمَّ وَفَّقَنَا لصالح الأَعْمَال، ونجنا مِنْ جَمِيعِ الأهوال، وأمنا من الفزع الأكبر يوم الرجف والزلزال، وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِين الأحياء مِنْهُمْ والميتين بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ. وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. " فَصْلٌ ": اعْلَمْ وَفَّقَنَا اللهَ وَإِيَّاكَ وَجَمِيع الْمُسْلِمِين لما يحبه ويرضاه، أن الألفة ثمرة حسن الخلق، والتفرق ثمرة سوء الخلق، فحسن الخلق يوجب التحاب، والتآلف والتوافق، وسوء الخلق يثمر التباغض، والتحاسد، والتدابر. ومهما كَانَ المثمر محمودًا، كَانَتْ الثمرة محمودة، وحسن الخلق لا تخفى فِي الدين فضيلته، وَقَالَ الله تَعَالَى لنبيه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ ، وَقَالَ ﷺ : «أَكْثَر مَا يدخل الْجَنَّة تقوىً وحسن الخلق» . وَقَالَ أسامة بن شريك قلنا: يَا رَسُول اللهِ مَا خَيْر مَا أعطى الإِنْسَان؟ فَقَالَ: «حسن الخلق» . وَقَالَ ﷺ : «بعثت لأتمم مكارم الأَخْلاق» . وَقَالَ ﷺ : «أَثْقَلُ مَا يُوضَعُ فِي الْمِيزَانِ خُلُقٌ حَسَنٌ» . وَقَالَ ﷺ : «الْمُؤْمِنُ أَلِفٌ مَأْلُوفٌ، وَلا خَيْرَ فِيمَنْ لا يَأْلَفُ وَلا يُؤْلَفُ» . وَلأَبِي عَبْد الرَّحْمَنِ السَّلَمِيّ فِي آدَابِ الصُّحْبَةِ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ: مِنْ سَعَادَةِ الْمَرْءِ أَنْ يَكُونَ لَهُ إِخْوَان صَالِحِينَ. وَلِلإِخَاءِ أربع خِصَال: الأُولَى: الْعَقْلُ الْمَوْفُورُ الْهَادِي إِلَى مَرَاشِدِ الأُمُورِ

стр. 795

بِإِذْنِ اللهِ فَإِنَّ الْحَمَقَ لا تَثَبِّتْ مَعَهُ مَوَدَّةٌ وَلا تَدُومُ مَعَهُ صُحْبَةٌ، لِعَدَمِ مُرَاعَاتِهِ حُقُوقِ الإِخَاءِ. وَالْخُصْلَةِ الثَّانِيَة: الدّيِنِ الْوَاقِفِ بَصَاحِبِهِ عَلَى الْخَيْرَاتِ، فَإِنَّ تَارِكَ الدِّينِ عَدُوٌ لِنَفْسِهِ يُلْقِيهَا فِي الْمَهَالِكِ، فَكَيْفَ يُرْجَى مِنْهُ نَفْعٌ وَمَوَدَّةٌ لِغَيْرِهِ. وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: اصْطَحِبْ مِنَ الإِخْوَان صَاحِبَ الدِّينِ، وَالْحَسَبِ، وَالْرَأْيِ وَالأَدَبِ، فَإِنَّهُ عَوْنٌ لَكَ عِنْدَ حَاجَتِكَ، لأَنَّ دِينَهُ يُحَتِّمُ عَلَيْهِ ذَلِكَ، لأَنَّهُ مِنْ مُقْتَضَيَاتِهِ وَيَدٌ عِنْدَ نَائِبَتِكَ، وَذَلِكَ مِنْ مُوجِبَاتِ رَأْيَهُ، وَحَسَبَهُ، وَأُنْسٌ عِنْدَ وَحْشَتِكَ لأَدَبِهِ. وَمِنْ كَلامِ بَعْضِ الْعَارِفِينَ: الأَخُ الصَّالِحُ خَيْرٌ مِنْ نَفْسِكَ، لأَنَّ النَّفْسَ أَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ، وَالأَخُ الصَّالِحُ لا يَأْمُرُ إِلا بِالْخَيْرِ. الثَّالِثَةُ: أَنْ يَكُونَ مَحْمُودُ الأَخْلاقِ، مَرْضِيّ الأَفْعَالِ، مُؤْثِرًا لِلْخَيْرِ، آمِرًا بِهِ لِخَلِيلِهِ، كَارِهًا لِلشَّرِّ دِيَانِة، وَخُلُقًا، نَاهِيًا عَنْ الشَّرِّ مُرُوءَة وَحَسَبًا، فَإِنَّ مَوَدَّةَ الشَّرِّيرِ تُكْسِبُ الأَعْدَاءَ، وَتُفْسِدُ الأَخْلاقِ، وَلا خَيْرَ فِي مَوَدَّةٍ تَجْلِبُ عَدَاوَة، وَتُورِثْ مَذَّمَةً وَمَلامَة. وَقَدْ ضَرَبَ النَّبِيُّ ﷺ مِثْلَيْنِ لِلْجَلَيْسَ الصَّالِحُ، وَالْجَلَيْسَ السُّوءِ، فَعَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِي ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول اللهِ ﷺ : «مِثْلُ الْجَلَيْسَ الصَّالِحِ، وَالْجَلَيْسَ السُّوءِ، كَحَامِلِ الْمِسْكِ، وَنَافِخِ الْكَيرِ، فَحَامِل الْمِسْك إِمَّا أَنْ يَحْذِيكَ، وَإِمَّا أَنْ تَبْتَاعُ مِنْهُ، وَأَمَّا أَنْ تَجِدُ مِنْهُ رِيحًا طَيِّبَةً، وَنَافِخٌ الْكِيرِ إِمَّا أَنْ يَحْرِقَ ثِيَابِكَ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدْ مِنْهُ رِيحةً خَبِيثَةً» . مُتَفَقٌ عَلَيْهِ. هَذَا الْحَدِيثُ يُفِيدُ أَنْ الْجَلَيْسَ الصَّالِحَ جَمِيعَ أَحْوَالِ صِديقه معه خَيْر وبركة ونفع ومغنم مثل حامل المسك الَّذِي تنتفع بما معه منه، إما بهبة، أَوْ ببيع أَوْ أقل شَيْء مدة الجلوس معه، وَأَنْتَ قَرِيرِ النَّفْسِ، مُنْشَرِح الصَّدْرِ، بِرَائِحَةِ المسك

стр. 796

وَهَذَا تَقْرِيبٌ، وَتَشْبِيهٌ لَهُ بِذَلِكَ وَإِلا فَمَا يَحْصُلُ مِنْ الْخَيْرِ الَّذِي يُصِيبُهُ الْعَبْدُ مِنْ جَلِيسِهِ الصَّالِحُ أَبْلَغُ وَأَفْضَلُ مِنْ الْمِسْكِ الأَذْفَرِ، فَإِنَّهِ إِمَّا أَنْ يُعَلِّمُكَ أُمُورًا تَنْفَعُكَ فِي دِينِكَ، وَإِمَّا أَنْ يُعَلِّمُكَ أُمُورًا تَنْفَعُكَ فِي دُنْيَاكَ، أَوْ فِيهِمَا جَمِيعًا، أَوْ يَهْدِي لَكَ نَصِيحَةً تَنْفَعُكَ مُدَّةَ حَيَاتِكَ، وَبَعْدَ وَفَاتِكَ أَوْ يَنْهَاكَ عَمَّا فِيهِ مَضَرَّة لَكَ. شِعْرًا: ... عَاشِرْ أَخَا الدِّينِ كَيْ تَحْظَى بِصُحْبَتِهِ ... فالطَّبْعُ مُكْتَسَبٌ مِنْ كُلِّ مَصْحُوبِ كالرِّيحِ آخِذَةٌ مِمَّا تَمُرُّ بِهِ ... نَتْنًا مِن النَّتْنِ أَوْ طِيبًا مِن الطَّيْبِ فأنت معه دائمًا في منفعة، وربحك مضمون بإذن الله فتجده دائمًا يرى أنك مقصر في طاعة الله فتزداد همتك في الطاعة ويجتهد في الزيادة منها وتراه يبصرك بعيوبك ويدعوك إلى مكارم الأخلاق ومحاسنها بقوله وفعله وحاله. فالإنسان مجبول على التلقيد والاقتداء بصاحبه، وجليسه والطباع والأرواح جنود مجندة يقود بعضها بعضًا إلى الخير أو إلى الشر وأقل نفع يحصل من الجليس الصالح انكفاف الإنسان بسببه عن السيئات، والمساوي والمعاصي، رعاية للصحبة ومنافسة في الخير وترفعًا عن الشر والله الموفق. ومن ما فيستفاد من الجليس الصالح أنه يحمي عرضك في مغيبك، وفي ضرتك يدافع ويذب عنك ومن ذلك أنك تنتفع بدعائه لك حيًّا وميِّتًا. وأما مصاحبة الأشرار فهي السم الناقع، والبلاء الواقع، فتجدهم يشجعون على فعل المعاصي، والمنكرات، ويرغبون فيها ويفتحون لمن خالطهم وجالسهم أبواب الشرور ويزينون لمجالسيهم أنواع المعاصي. شِعْرًا: ... وَلا تَجْلِسْ إلى أَهْلِ الدَّنَايَا ... فَإِنَّ خَلائِقَ السُّفَهَاءِ تُعْدِي ويحثونهم على أذية الخلق، ويذكرونهم بأمور الفساد التي لم تدر في

стр. 797

خلدهم، وإن همَّ بتوبة وانزجار عن المعاصي حسنوا عنده تأجيل ذَلِكَ، وطول الأمل، وأن ما أَنْتَ فيه أَهْوَن من غيره، وفي إمكانك التوبة، والإنابة إذا كبرت في السن. وما يقلدهم به ويكسبه من طباعهم أكثر من ما ذكرنا، وَكَمْ قادوا أصحابهم إلى المهالك. وَاللهُ أَعْلَمُ وصلى الله على مُحَمَّد وآله وسلم. شِعْرًا: ... وأَهَوَى مِنَ الشُّبَّانِ كُلَّ مُجِيبٍ ... عن اللهوِ مِقْدَامًا إلى كُلِّ طَاعَةِ أَخُو عِفَّةٍ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ مُحَرَّمٍ ... وَذُر رَغْبَةٍ فِيمَا يَقُودُ لجنّةِ تَمَسَّكْ بِهِ إِنْ تَلْقَهُ يَا أَخَا التُّقَى ... تَمَسُكَ ذِي بُخْلٍ بِتِبْرٍ وَفِضَّةِ أُحِبُّ مِن الإِخْوَانِ كُلَّ مُواتِي ... وَكلّ غضيض الطَّرْفِ عن هَفَوَاتِي يُوَافِقُنِ فِيمَا بِهِ اللهُ رَاضِيًا ... وَيَحْفَظُنِي حَيًّا وَبَعْدَ مَمَاتِي آخر: ... وَلا خَيرَ في الدُّنيا إِذَا لَم تَزَرْ بِهَا ... حَبِيبًا وَلَمْ يَطرَبْ إِلَيكَ حَبِيبُ اللَّهُمَّ امنن عَلَيْنَا يا مولانَا بتوبة تمحو بها عنا كُلّ ذنب وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المسلمين الأحياء مِنْهُمْ والميتين بِرَحْمَتِكَ يا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ. وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. " فَصْلٌ ": وَكَمْ حث ﷺ على أَهْل الدين فعن أَبِي هُرَيْرَةِ ﵁ قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «المرء على دين خليله فلينظر المرء من يخالل» . قَالَ الْعُلَمَاءُ: معناه لا تخالل إِلا من رضيت دينه وأمانته فإنك إذا خاللته قادك إلى دينه، ومذهبه، ولا تغرر بدينك ولا تخاطر بنفسك، فتخالل من لَيْسَ مرضيًا في دنيه ومذهبه. وَقَالَ سفيان بن عيينة: وقَدْ روي في تفسير هَذَا الْحَدِيث انظروا إلى فرعون معه هامان وانظروا إلى الحجاج معه يزيد بن أبي مسلم شر منه قُلْتُ: وانظروا إلى يزيد بن معاوية معه مسلم بن عقبة المري شر منه، انظروا إلى سُلَيْمَانٌ بن عبد الملك صحبه رجَاءَ بن حيوة الكندي أحد الأعلام الأفاضل فقومه وسدده.

стр. 798

وَعَنْ أَبِي سعيد الخدري عن النَّبِيّ ﷺ قال: «تصَاحِب إِلا مؤمنًا ولا يأكل طعامك إِلا تقيٌّ» . قَالَ الْعُلَمَاءُ: معنى الْحَدِيث لا تدعوا إلى مؤواكلتك إِلا الأتقياء، لأن المؤاكلة تدعو إلى الأفلة، وتوجبها، وتجمَعَ بين القُلُوب، يَقُولُ النَّبِيّ ﷺ : «فتوخ أن يكون خلطاؤك وذوو الاختصاص بك أَهْل التقوى» . وعن عَائِشَة ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لا تلزموا مجالس العشائر فَإِنَّهَا تميت الْقَلْب، ولا يبالي الرجل بما تكلم ناديهم، وتفرقوا في العشائر فإنه أحرى أن تحفظوا في المقالة» . وَقَالَ بَعْضهمْ: ينبغي للمُؤْمِنِ أن يجانب طلاب الدُّنْيَا فَإِنَّهُمْ يدلونه على طلبها ومنعها وَذَلِكَ يبعده عن نجاته ويقضيه عَنْهَا ويحرض ويجتهد في عشرة أَهْل الْخَيْر وطلاب الآخِرَة: شِعْرًا: ... اصْحَبْ مِن الإِخْوَانِ مَنْ أَخْلَصُوا ... للهِ فِي أَعْمَالِهِمْ واتَّقَوْا وَمَنْ إِذَا تَكَاسَلتَّ فِي طَاعَةٍ ... للهِ لامُوكَ ولا قَصَّروْا آخر: ... لَجَلْسَتِي مَعْ فَقِيهٍ مُخْلِصٍ وَرَعٍ ... أَنْفِي بِهَا الْجَهْلِ أَوْ أَزْدَدْ بِهَا أَدَبَا أَشْهَى إِلَيَ مِنَ الدُّنْيَا وَزُخْرُفِهَا ... وَمِلْئِهَا فِضَّةً أَوْ مِلْئهَا ذَهَبًا آخر: ... وَقارِن إِذا قارَنْتَ حُرًّا أَخًا تُقَى ... فَإِنَّ الْفَتَى يُزْرِي بِه قُرَنَاؤُهُ آخر: ... وَمَنْ يَكُنِ الْغُرَابَ لَهُ دَلِيلاً ... يَمُرُّ بِهِ عَلى جِيفِ الْكِلابِ كُلُّ مَنْ لا يَؤاخِيكَ فِي الله ... فَلا تَرْجُ أَنْ يَدُومَ إِخَاؤُهُ خَيْرُ خِلٍ أَفْدَتْهُ ذُو إِخَاءٍ ... كَانَ للهِ وُدُهُ وَصَفَاؤهُ وَقَالَ آخر: عَلَيْكَ بصحبة أَهْل الْخَيْر ممن تسلم منه في ظاهرك وتعينك رؤيته على الْخَيْر ويذكرك الله. قَالَ الْعُلَمَاءُ: قَدْ حَذَرَ النَّبِيُّ ﷺ من مُجَالَسَة من لا يستفيد المرء به فضيلة، ولا يكتسب بصحبته علمًا وأدبًا.

стр. 799

وعن وديعة الأنصاري قال: سمعت عُمَر بن الْخَطَّاب ﵁ يَقُولُ وَهُوَ يعظ رجلاً: لا تتكلم فيما لا يعنيك، واعتزل عَدُوّكَ، واحْذَرْ صَدِيقكَ إِلا الأمين ولا أمين إِلا من يخشى الله ويطيعه، ولا تمش مَعَ الفاجر، فيعلمك من فجوره، ولا تطلعه على سرك ولا تشاور في أمرك إِلا الَّذِينَ يَخْشَوْنَ اللهَ سُبْحَانَهُ. ووعظ بَعْضهمْ ابنه فَقَالَ له: إياك وإِخْوَان السُّوء، فَإِنَّهُمْ يخونون من رافقهم، ويفسدون من صادقهم، وقربهم أعدى من الجرب، ورفضهم والبعد عنهم من استكمال الأَدَب والدين والمرء يعرف بقرينه، قال: والإِخْوَان اثنان فمحافظ عَلَيْكَ عَنْدَ البَلاء، وصديق لك في الرخاء، فاحفظ صديق البلية، وتجنب صديق العافية فَإِنَّهُمْ أعدى الأعداء وفي هَذَا المعنى يَقُولُ الشاعر: (أَرَى النَّاسَ إِخْوَانَ الرَّخَاءِ وَإِنَّمَا ... أَخُوكَ الَّذِي آخَاكَ عِنْدَ الشَّدَائد) (وَكُل خليل بالهوْينا ملاطِفٌ ... وَلكنَّمَا الإِخْوَانِ عِنْدَ الشَّدائد) آخر: ... إِذَا حَقَّقْتَ وِدًّا فِي صَدِيق ... فَزُرْهُ ولا تََخَفْ مِنْهُ مِلالا وَكُنْ كالشَّمْسِ تَطْلعُ كُلَّ يَوْمٍ ... وَلا تَكُ فِي زِيَارَتِهِ هِلالا آخر: ... فَما أَكثَرَ الإِخْوَانَ حِينَ تَعْدُّهُمْ ... وَلَكِنَّهُمْ فِي النَّائِبَاتِ قَليلُ آخر: ... وَكُلُّ مُقِلّ حِينَ يَغْدُو لِحَاجَةٍ ... إلى كُلّ يَلْقَى مِن النَّاسِ مُذْنِبُ وكان بَنُوا عَمِّي يَقُولُونَ مَرْحَبَا ... فَلمَّا رَأَوْنِي مُعْدِمًا مَاتَ مَرْحَبُ النَّاسُ أَعْوَانُ مَنْ دَامَتْ لَهُ نِعَمٌ ... وَالْوَيْلُ لِلْمَرَءِ إِنْ زَلَّتْ بِهِ قَدَمُ لمَّا رَأَيْتُ أَخِلائِي وَخَالِصَتِي ... وَالْكُلُّ مُنْقَبضٌ عَنِّي وَمُحْتَشِمُ أَبْدَوْا صُدُودًا وَإِعْرَاضًا فَقُلْتُ لَهُمْ ... أَذنَبْتُ ذَنْبًا فَقَالُوا ذَنْبُكَ الْعَدَمُ آخر: ... سَمِعْنَا بالصَّدِيق ولا نَراَهُ ... عَلى التَّحْقِيقِ يُوجَدُ فِي الأَنَام آخر: ... فَرِيدٌ مِن الخلانِ فِي كُلِّ بلدةٍ ... إِذَا عَظُمَ المطلوبُ قَلَّ الْمُسَاعِدُ آخر: ... وَإِنِّي رَأَيْتُ النَّاسَ إِلا أَقَلَهُمْ ... خِفَافَ الْعُهُودِ يُكْثِرونَ التَّنَقُّلا

стр. 800

.. بَنِي أُمِّ ذِي الْمَالِ الْكَثِير يَرَوْنَهُ ... وَإِنْ كَانَ عَبْدًا سَيِّدَ الْقَوْمِ جَحْفَلا وَهُمْ لِمُقلِّ الْمَالِ أَوْلادُ عَلَّةٍ ... وَإِنْ كَانَ مَحْضًا فِي الْعُمُومَةِ مُخْولا آخر: ... وَلَيسَ أَخُوكَ الدَّائِمُ الْعَهْدِ بِالَّذِي ... يَسُوءُكَ إِنْ وَليَّ وَيُرْضِيكَ مُقْبِلا وَلَكِنَّه النَّائِي إِذَا كُنْتَ آمِنًا ... وَصَاحِبُكَ الأَدْنَى إِذَا الأَمْرُ أَعْضَّلا آخر: ... دَعْوَى الإِخَاءِ مَعَ الرَّخَاءِ كَثِيرَةٌ ... وَمَعَ الشَّدَائدِ تُعْرَفُ الإِخْوَانُ وعن شريك بن عَبْد اللهِ كَانَ يُقَالُ: لا تسافر مَعَ جبان فإنه يفر من أبيه وأمه، ولا تسافر مَعَ أحمق، فإنه يخذَلِكَ أحوج ما تَكُون إليه، ولا تسافر مَعَ فاسق فإنه يبيعك بأكلة وشربة. وَعَنْ أَبِي مُوَسى الأشعري قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إن الله خلق آدم ﵇ من قبضة قبضها مِنْ جَمِيعِ أجزاء الأَرْض فَجَاءَ بنوا آدم عَلَى قَدْرِ الأَرْض، مِنْهُمْ الأحمر، والأسود، والأَبْيَض، والسهل، والحزن. قَالَ الْعُلَمَاء: في هَذَا الْحَدِيث بيان أن النَّاس أصناف، وطبقات، وأنهم متفاوتون في الطباع والأَخْلاق، فمِنْهُمْ الْخَيْر الفاضل، الذي ينتفع بصحبته، وصداقته، ومجاورته، ومشاورته، ومقارنته، ومشاركته، ومصاهرته ولا ينسى ما أسديت إليه من معروف عِنْدَمَا كَانَ مُحْتَاجًا. شِعْرًا: ... وَإِنَّ أَوْلَى الْمَوَالِي أَنْ تُوَالِيهُ ... عِنْدَا السُّرُور الَّذِي وَاسَاكَ فِي الْحَزَنِ إِنَّ الْكِرامَ إِذَا مَا أَيْسَرُوا ذَكَرُوا ... مَنْ كَانْ يَأْلَفُهُمْ فِي الْمَنْزِلِ الْخَشِنِ آخر: ... نَسِيبُكَ مَنْ نَاسَبْكَ فِي الدِّينُ والتُّقَى ... وَجَارُكَ مَنْ أَحْبَبْتَ فِي اللهِ قُرْبَهُ آخر: ... تَقِيُّ الدِّين يَجْتَنِبُ الْمَخَازِي ... وَيَحْمِيهِ عَنْ الْغَدْر الْوَفَاءُ آخر: ... كُلُّ الأَنَامَ بَنُو أَبٍ لَكِنَّمَا ... بِالدِّينِ تُعَرْفُ قِيَمةٌ الإِنْسَانِ آخر: ... إِذَا أَرَدْتَ شَرِيفَ النَّاسِ كُلِّهِمُ ... فانْظُرُ إلى مُخْلِصِ لله فِي الدِّين

стр. 801

وَمِنْهُمْ الرَّدِيء الناقص العقل الذي يتضرر بقربه، وعشرته، وصداقته وَجَمِيع الاتصالات به ضرر وشر، ونكد، وشبه ما لهَذَا الدلب المسمى الخنيز، وبَعْضهمْ يسميه شباب النار، فهَذَا النبت يمص الماء عن الشجر والزرع ويضيق عَلَيْهِ، ويضر من اتصل به. قال ابن القيم ﵀ في وصف المنحرفين مشبهًا لَهُمْ به وَهُوَ شبه مطابق: فَهُمُ لَدَى غَرْسِ الإِلَهِ كَمَثْلِ غَرْ ... س الدَّلبُ بَيْنَ مَغَارِسِ الرُّمانِ يَمْتَصُّ مَاءَ الزَّرْعِ مَعْ تَضْيِيقِهِ ... أَبَدًا عَلَيْهِ وَلَيْسَ ذَا قِنْوَانِ آخر: ... النَّاسُ مِثْلُ ضُرُوفٍ حَشْوُهَا صَبِرٌ ... وَفَوْقَ أَفْوَاهِهَا شَيْءٌ مِنْ الْعَسَلِ تَغُرُّ ذَائِقَهَا حَتَّى إِذَا كُشِفَتْ ... لَهُ تَبَيَّنَ مَا تَحْوِيهِ مِنْ دَخَلِ ومنها السباخ الخبيثة التي يضيع بذورها، ويبيد زرعها وما بين ذَلِكَ على حسب ما يشاهد منها ويوَجَدَ حسًا. وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةِ ﵁ قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «النَّاس معادن)) . قال الخطابي على هَذَا الْحَدِيث، وفي هَذَا القول أيضًا بيان أن اختلاف النَّاس غرائز فيهم، كما أن المعادن ودائع مركوزة في الأَرْض فمنها الجوهر النفيس، ومنها الفلز الخسيس. وكَذَلِكَ جواهر النَّاس، وطباعهم، منها الزكي الرضي، ومنها الناقص الدنيء. وإذا كَانُوا كَذَلِكَ، وكَانَ الأَمْر على العيان مِنْهُمْ مشكلاً واستبراء العيب فيهم متعذّرًا فالحزم إذًا الإمساك عنهم، والتوقف عن مداخلتهم إلى أن تكشف المحنة عن أسرارهم وبواطن أمرهم فيكون عَنْدَ ذَلِكَ إقدام على خبرة أو إحجام عن بصيرة. شِعْرًا: ... وَقَلَّ مَنْ ضَمِنَتْ خَيْرًا طِوّيَتُهُ ... إِلا وَفي وَجْهِهِ للْخَيْرَ عُنْوَان ولعلك أسعدك الله إذا خبرتهم، وإذا عرفتهم أنكرتهم، إِلا من يخصهم

стр. 802

الثُّنْيَاءُ وَقَلِيْلٌ مَا هُمْ، وَعَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ جَالِساً ذَاتَ يَوْمٍ وَقُدَامُه قَوْمٌ يَصْنَعُوْنَ شَيْئًا كَرِهَهُ مِن كَلامٍ وِلَغَطٍ، فقِيْل َ: يَا رَسُولَ اللهِ أَلا تَنْهَاهُمْ؟ فَقَالَ: «لَوْ نَهَيْتُهُمْ عَنْ الْحجَون، لأَوَشَكَ بَعْضُهمْ أَنْ يَأَتِيهُ، وَلَيْسَتْ لَهُ حَاجَةٌ» . قَالَ الْخَطَّابِيّ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ: قَدْ أَنْبَأَ النَّبِيُّ ﷺ بِهَذَا الْقَوْلِ أَنَّ الشَّرَّ طِبَاعٌ فِي النَّاسِ، وَأَنَّ الْخِلافَ عَادَةٌ لَهُمْ. قُلْتُ: وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قِصَةُ آدَمَ وَحَوَاءَ حِيْنَمَا نَهَاهُمَا اللهُ عَنِ الأَكِلِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَكَلا مِنْهَا. فَبَعْضُ النَّاسِ نَهْيُهُ عَنْ الشَيْء كَأْنَّهُ إِغْرَاءٌ لَهُ فِيهِ، فَإِذَا نَهَيْتُه عَنْ شِدَةِ الإقْبَالِ على الدُّنْيَا والإقْلالِ مِنْ مَحَبَّتِهَا، ازْدَادَ وَفَطِنَ لأَشياءِ قَدْ نَسِيَهَا. قَالَ بَعْضُهُمْ: وَإِذَا زَخَرَتَ النَّفْسَ عَنْ شَغَفٍ بِهَا ... فَكَأنَّ زَجْرَ غَويْهَا إِغْرَاؤُهَا قَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: الشَّرُّ فِي طِبَاعِ النَّاسِ، وَحُبِّ الْخِلافِ لَهُمْ عَادَةٌ، وَالْجَورُ فيهم سُنَّةٌ. وَلِذَلِكَ تَرَاهُمْ يُؤْذُونَ مَن لا يُؤْذِيهم، وَيَظْلِمُوْنَ مَنْ لا يَظْلِمُهُمْ، وَيُخَالِفُونَ مَنْ يَنْصَحُهُمْ، وَلا يمَنْعُهُمْ مِنَ الظُّلم إِلا خَوفٌ أَوْ رَجَاءَ. وَقَدِيمًا قِيْلَ: والظُّلْمُ مِنْ شِيمِ النُّفُوْسِ فَإِنَّ تَجِدْ ... ذَا عِفَّةٍ فَلِعلَّةٍ لا يَظْلِمُ قِيْلَ لِرَجُلٍ: أَمَا تَسْتَحِي تُؤْذِي جِيرَانَك؟ قَالَ: فَمَنْ أُوْذِيِ، أَأُوذِي مَنْ لا أَعْرَفُ. نَعُوذُ باللهِ مِنْ هَذِهِ الحالِ هَذَا مَطْبُوعٌ على الشَّرِّ والأَذِيَّةِ. وَاللهُ أَعْلَمُ. وصلى الله على مُحَمَّد وآله وصحبه وسلم.

стр. 803

" فَصْلٌ ": إِذَا فَهِمْتَ ذَلِكَ فاعْلَمْ أَنَّ الإِخَاءَ فِيْمَا مَضَى غَالِبًا بَيْنَ الأَخَوَيْنِ كَانَ أَحَدُهُمْ يَعْتَمِدُ على الله ثُمَّ عَلَى أَخِيْهِ، وَيَطْمِئِنَ إِلَيْهِ، فِي مَهَامِهِ كُلّ الإطْمِئْنَانِ، كَانَ أَحَدُهُمْ يُؤآخِي أَخَاهُ على الصَّفَاءِ بَيْنَهُمْ وَالْحَنَانِ، كَأنَ الأَخَ نفس أخيه وربما زاد عنه في القيام بشئونه مرات، كان الأخ لا يؤآخي إلا إِذَا أَحَبَّ لأَخِيْهِ مَا يُحِبُ لِنَفْسِهِ. وكَانَ أَحَدُهُمْ يَدْخُلُ بَيْتَ أَخِيْهِ بِحَضْرَتِهِ وَيَأْخُذُ مِنْ خِزَانَتِه مَا يُرِيْدُ، كَانَ أحدُهم إِذَا سَأَلَ أَخَاهُ مَا هُو محتَاجٌ إِلَيْهِ أَنَبَ نَفْسه إِذْ أَهْمَلَهُ حَتَّى أَفْصَحَ هُوَ عَنْ حَاجَاتِه، كَانَ بَعْضُهُمْ يُلاحِظُ بَعْضًا فَإذَا رَأَى فُرْجَةً سَدَّهَا وَوَجْهُ أَخِيْهِ غَيْرُ مَبْذُولٍ. كَانَتْ الصُّحْبَةُ أَوْلاً صَافِيةً وَكَانَ الْحُبُ للهِ مَا فِيْهِ شَائبةٌ، أَوْ طَمَعٌ مِن الأطماعِ، وَحَيْثُ أَنَّ الصَّاحِب هُو الْعَضُدَ الأَقْوَى، وَالسَّاعِد الأَيْمَن لِلْمَرْءِ فِي حَيَاتِهِ وَمَا يَنْتَابُهُ فِي مُلِمَّاتِِهِ فَعَلَى الْعَاقِلِ أَنْ يَخْتَارَ أصحابَهُ وَيَنْتَقِيَ جُلَسَاءَهْ وَيَنْتَخِبَهُمْ مِن ذَوِي السِّيْرَةِ الْمَحْمُوْدَةِ والعقل الرَّاجِحِ، وَالرَّأْيُ السَّدِيدِ، والدَِين الْمَتِين، وَلْيَحْذَرْ مِنْ مؤاخاةِ مَن لا يَصْلَحُ للأخوةِ، ولا يُرَاعِي حقَّ الْوِدَادَ وآدابِ الْمُجَالَسَةِ والْمَحَادَثَةِ. وَأوْصَى بَعْضُهُمْ ابنَهُ لَمَا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ فَقَالَ: يَا بُنِيَ إِذَا أَرْدَتَ صِحْبَةَ إنسانٍ فاصْحَبْ مَن إِذَا خَدَمْتَه صَانَكَ، وإن صَحِبْتَهُ زَانَكَ، اصحبْ مَنْ إِذَا مدَدْتَ يَدَكَ للخَيْرِ مَدَّهَا، وإن رَأى منكَ حَسَنَةً عَدَّهَا، وإن رَأَى منكَ سَيِّئَةً سَدَهَا. اصْحَب مَن إِذَا حَاوَلْتَ أَمْرًا أَعَانَك، وَنَصَرَكَ، وإن تَنَازَعْتُمَا فِي شَيْء آثَرَكَ، فَإِنْ يَسَّرَ اللهُ لََكَ بِصَاحبٍ مِن هَذَا الطِّرَازِ فاسْتَمْسِكْ بِغَرْزِه. قَالَ الإِمَامُ الشَّافعي ﵀: لَوْلا القِيَامُ بالأسحار، وَصُحْبَةُ الأخيار، ما اخْتَرْتُ البَقَاءَ فِي هَذِهِ الدَّارِ. وَقَالَ بَعْضُ الأُدَبَاءِ: أَفْضَلُ الذَّخَائِرِ أَخٌ صَاحبُ وفَاءٍ.

стр. 804

وَقَالَ بَعْضُ الشُّعَرَاءُ: (هُمُومُ رِجَالٍ فِي أُمُورٍ كَثِيرةٍ ... وَهَمٍيْ مٍن الدُّنْيَا صَدٍيقٌ مُسَاعِدُ) (نَكُونُ كَرُوحٍ بَيْنَ جِسْمَيْنِ قُسِّمَتْ ... فَجَسْمَهُمَا جِسْمَانِ والرُوحُ َواحِدُ) آخر: ... عَلَيْكَ من الإِخْوَانِ كُلَّ ثِقَاتِ ... حَمُولٍ لِعَبْءِ النَّائِبَاتِ مُوَاتِي فذاكَ بِهِ فاشْدُدْ يَدَيكَ وَلاَ تُرِدْ ... بِهِ بَدَلاً فِي عِيْشَةٍ وَمَمَاتِ يَحُوْطُكَ فِي غَيْبٍ ويَرْعَاكَ شَاِهداً ... ويَسْتُر مَا أَبْديْتَ مِن عَثَرَاتِ ومَنْ لِيْ بِهَذا لَيْتَ أَنِّي لَقِيْتُهُ ... فَقَاسَمْتُهُ مَاليْ مِن الحَسَنَاتِ آخر: ... ثِلاثُ خِصَالِ للصَّدِيقِ َجَعلتُهَا ... مُضَارعَةً للصَّوْمِ والصَّلواتِ مُوَاسَاتُهُ والصَّفحُ عَنْ عَثَراتِهِ ... وتَرْكُ ابْتِذَالِ السِّرِّ فِي الخَلَواتِ آخر: ... ومَنْ لَمْ يُغَمِّضْ عَيْنَهُ عَنْ صَدِِيقْهِ ... وَعَن بَعْضِ ما فِيْه يَمُتْ وهْوَ عَاتِبُ ومَنْ يَتَتَبَّعْ جَاهِداً كُلّ عَثْرةٍ ... يَجِدْهَا وَلاَ يَسْلَمْ لَهُ الدَهْرَ صَاحِبُ آخر: ... هم النَّاس فِي الدُّنْيَا فلا بُدّ مِن قَذَى ... يُلمُّ بِعَيْشٍ أَوْ يُكَدِّر مَشْرَبَا ومِن قِلّةِ الإنِصَافِ أَنَّكَ تَبْتَغِيْ ... الْمُهذَابَ فِي الدُّنْيَا ولَسْتَ المُهَدَّبَا آخر: ... وَكَمْ مِنْ أَخٍ لَمْ تَحْتمِلْ مِنْهُ خَلَّةً ... قَطَعْتَ وَلَمْ يُمَكنْكَ مِنُه بَدِيلُ وَمَنْ لَمْ يُرِدْ إِلاَّ خَلِيلاً مُهَذَّبًا ... فَلَيْسَ لَهُ فِي العَالِمِيْن خَلِيْلُ آخر: ... إِلْبَسْ عَلَى النَّقْصِ مَنْ تُصَاحِبُه ... يَدُمْ لَكَ الْوُدُ عِنْدَهُ أَبَدَا وَقَارِبْ النَّاسَ عَلَى عُقُولِهِمْ ... أَوْ لا فَعِشْ فِي الأَنَامِ مُنْفَرِدَا آخر: ... مَا صَاحِبُ الْمَرْءِ مَنْ إِنْ زَلَّ عَاقَبَهُ ... بَلْ صَاحِب الْمَرْءِ مَنْ يَعْفُوا إِذَا قَدِرَا فَإِنْ أَرَدْتَ وِصَالاً لا يكدِّرُهُ ... هَجْرٌ فَكُنْ صَافِيًا لِلْخِلِ إِنْ كَدِرَا آخر: ... إِذَا مَا كُنْتَ مُعْتَقِدًا صَدِيقًا ... فجربْهُ بِأَحْوَالٍ ثَلاِث مُشَارَكَة إِذَا مَا عَنَّ خَطْبٌ ... وَإِسْعَافٌ بِعَيْنٍ أَوْ أَثَاثِ وَسِرُّكَ فَأْتَمِنْهُ عَلَيْهِ وَانْظُرْ ... أَيَكْتُمُ أَمْ يُذِيعُ بِلا اكْتِرَاثِ فَإِنْ صَادَفْتَ مَا تَرْضَى وَإِلا ... فَإِنَّ الْمَرْءَ ذَا عُقَدِ رِثَاثِ

стр. 805

آخر: ... بِمَنْ يَثِقُ الإِنْسَانُ فِيمَا يَنُوبُهُ ... وَمِنْ أَيْنَ لِلْحُرّ الْكَرِيمِ صِحَابُ وَقَدْ صَارَ هَذَا النَّاسُ إِلا أَقَلَهُمْ ... ذِئَابًا عَلَى أَجْسَادِهِنَّ ثِيَابُ تَغَابَيْتُ عَنْ قَوْم فَظَنُّوا غَبَاوَةً ... بِمَفْرق أَغْبَانَا حَصَى وَتُرَابُ إِلَى اللهِ أَشْكُو أَنَّنَا بِمَنَازِلٍ ... تَحَكَّمُ فِي أسَادِهِنَّ كِلابُ آخر: ... لا تَغْتَر ربِبَنِي الزَّمَانِ وَلا تَقُلْ ... عِنْدَ الشَّدَائِدِ لِي أَخٌ وَحَمِيمُ جَرَّبْتُهُمْ فَإِذَا الْمَعَاقِرُ عَاقِرٌ ... وَالآلُ آلُ وَالْحَمِيمُ حَمِيمُ آخر: ... وَرُبَّ أَخٍ لَمْ يُدْنِهِ مِنْكَ وَالِدٌ ... أَبَرُّ مِن ابْنِ الأُمِّ عِنْدَ النَّوَائِبِ وَرُبَّ بَعِيدٍ حَاضِرٌ لَكَ نَفْعُهُ ... وَرُبَّ قَرِيبٍ شَاهِدٌ مِثْلَ غَائِبِ ورُوِيَ عَنْ النَّبِيّ ﷺ أنه قَالَ: «عليكم بإِخْوَان الصدق فَإِنَّهُمْ زينة فِي الرخاء وعصمة فِي البَلاء» . فإذا عزم الإِنْسَان على اصطفاء الإِخْوَان سبر أحوالهم قبل إخائهم وكشف عَنْ أخلاقهم قبل اصطفائهم. قَالَ بَعْضُهُمْ: شِعْرًا: ... كَمْ مِنْ أَخٍ لَكَ لَسْتَ تُنْكِرُهُ ... مَا دُمْتَ مِنْ دُنْيَاكَ فِي يُسْرِ مُتَصَنِّعٌ لَكَ فِي مَوَدَّتِهِ ... يَلْقَاكَ بِالتَّرْحِيبِ وَالْبِشْرِ يُطْرِي الْوَفَاءَ وَذَا الْوَفَاء ... وَيَلْحِي الْغَدْرَ مُجْتَهِدًا وَذَا الْعَذْرِ فَارْفُضْ بِإِجْمَالِ مَوَدَّةِ مَنْ ... يَقْلِي الْمُقِلَّ وَيَعْشَقُ الْمُثْرِي وَعَلَيْكَ مَنْ حَالاه وَاحِدَةٌ ... فِي الْعُسْرِ مَا كُنْتَ وَبِالْيُسْرِ آخر: ... أَبْلِ الرِّجَالَ إِذَا أَرَدَتَ إِخَاءِهُمْ ... وَتَوَسَّمَنَّ أُمُورهُمْ وَتَفَقَّدْ فَإِذَا ظَفِرْتَ بِذِي الأَمَانَةِ وَالتُّقَى ... فَبِهِ الْيَدَيْنِ قَرِيرَ عَيْنٍ فَأشْدُدِ آخر: ... غَايضْ صَدِيقَكَ تَكْشِفْ عَنْ ضَمَائِرِهِ ... وَتَهْتَكِ السِّتْر عَنْ مَحْجُوبِ أَسْرَارِ فَالْعُودُ يُنْبِيكَ عَنْ مَكْنُونِ بَاطِنِهِ ... دُخَّانهُ حِينَ تُلْقِيهِ عَلَى النَّارِ ولا تبعثه الوحدة على الإقدام قبل الخبرة، ولا حُسْن الظَّنِ على الاغترار بالتصنع.

стр. 806

فإن التملق الَّذِي هُوَ القول الحسن مَعَ خبث الْقَلْب، مصائد العقول، والنفاق تدلَيْسَ الفطن، والملق والنفاق سجيتا المتصنع، ولَيْسَ فيمن يكون النفاق والملق سجاياه خَيْر يرجى، ولا صلاح يؤمل بل الشَّر والأَذَى فيه، فليكن اللبيب فطنًا حاذقًا، صَاحِب فراسة لا يُحْسِنُ الظَّنَّ بكل أحد. شِعْرًا: ... فَلا تُلْزِمَنَّ النَّاسَ غَيْرَ طِبَاعِهِمْ ... فَتَتْعَبَ مِنْ طُول الْعِتَاب وَيَتْعَبُوا فَتَارِكْهُمُ مَا تَارَكُوكَ فَإِنَّهُمْ ... إلى الشَّرِ مُذْ كَانُوا عَنْ الْخَيْرِ أَقْرَبُ وَلا تَغْتَررُ مِنْهُمْ بِحُسْنِ بَشَاشَة ... فَأَكْثَرُ إِيمَاضِ الْبَوَارق خُلَّبُ آخر: ... وَصَاحِبٌ لِي كَدَّاءِ الْبَطْنِ صُحْبَتُهُ ... يَوَدَّنِي كَوِدَادِ الذِّئْبِ لِلرَّاعِي يُثْنِي عَليَّ جَزَاهُ اللهُ صَالِحَةً ... ثَنَاءَ هِنْدٍ عَلَى رَوْحِ بنِ زِنْبَاعِ شِعْرًا: ... إِنِّي لأَعْرِفُ فِي الرِّجَالِ مُخَادِعًا ... يُبْدِي الصَّفَاءَ وَوِدُّهُ مَمْذُوقُ مِثْلُ الْغَدِيرِ يُرِيك قُرْبَ قَرَارِهِ ... لِصَفَائِهِ وَالْقَعْرُ مِنْهُ عَمِيقُ آخر: ... رَعَى اللهُ إِخْوَانَ التَّمَلُّقِ إِنَّهُمْ ... رَعَى اللهُ إِخْوَانَ التَّمَلُّقِ إِنَّهُمْ فَلَوْ وَفوا كَنَّا أُسَارَى حُقُوقِهِمْ ... تَرَاوحُ مَا بَيْنَ النَّسِيئَةِ وَالنَّقْدِ وقَالَ الحكماء: اعرف الرجل من فعله، لا من كلامه، وأعرف محبته من عينيه، لا من لِسَانه، وعَلَيْكَ بمن حالاه فِي العسر، واليسر واحدة أي يحبك كُلّ حين، سواء كنت غنيًا أَوْ فقيرًا أما إِخْوَان الرخاء فاتركهم. قَالَ بَعْضُهُمْ: وَلا خَيْرَ فِي وَدِّ امْرِئٍ مُتَلَوّنٍ ... إِذَا الرِّيحُ مَالَتْ مَالَ حَيْثُ تَمِيلُ جَوَّادٌ إِذَا اسْتَغْنَيْتَ عَنْ أَخْذِ مَالِهِ ... وَعِنْدَ احْتِمَالِ الْفَقْرِ عَنْكَ بِخَيْلُ فَمَا أَكْثَرُ الإِخْوَانِ حِينَ تَعَدُّهُمْ ... وَلَكِنَّهُمْ فِي النَّائِبَاتِ قَلِيلُ على أن الإِنْسَان موسوم بسمَاتَ من قارب، ومنسوب إليه أفاعيل من صَاحِب، قَالَ ﷺ : «المرء مَعَ من أحب» . وقَالُوا: ما من شَيْء أدل على شَيْء من الصَاحِب على صاحبه وقديمًا قِيْل:

стр. 807

.. عَنِ الْمَرْءِ لا تَسْأَلْ وَسَلْ عَنْ قَرِينِهِ ... فَكُلُّ قَرِينٍ بِالْمَقَارِنِ يَقْتَدِي آخر: ... إِذَا كُنْتَ فِي قَوْمٍ فَصَاحِبْ خِيَارَهُمْ ... وَلا تَصْحَب الأَرْدَى فَتَرْدَى مَعَ الرَّدَى آخر: ... إِذَا بَخِلَ الصَّدِيقُ عَلَيْكَ يَوْمًا ... بِشَيْءٍ أَنْتَ مُحْتَاجٌ إِلَيْهِ فَمَثّلْ قَبْرَهُ فِي الأَرْضَ شَخْصًا ... وَقُلْ قَدْ مَاتَ لا أَسَفًا عَلَيْهِ آخر: ... النَّاس شِبْهُ ظُرُوف حَشْوِهَا صَبِرٌ ... وَفَوْقَ أَفْوَاهِهَا شَيْءٌ مِن الْعَسَلِ تحلوا لذائقها حَتَّى إِذَا انكشفت ... له تبين ما تحويه من دخل آخر: ... وَأَكْثَرْ مَنْ شَاوَرْتَهُ غَيْرُ حَازِمٍ ... وَأَكْثَرُ مَنْ صَاحَبْتَ غَيْرُ مُوَافِقِ إِذَا أَنْتَ فَتَشْتَ الرِّجَالِ وَجَدتَّهُمْ ... قُلُوبَ الأَعَادِي فِي جُلُودِ الأَصَادِقِ آخر: ... وَأَعْظم آفَاتِ الرِّجَالِ نِفَاقُهَا ... وَأَهْوَنُ مَنْ عَادَيْتَهُ مَن يُدَاهِنُ آخر: ... وَإِنْ قَرَّبَ السُّلْطَانُ أَخْيَارَ قَوْمِهِ ... وَاعْرَضَ عَنْ أَشْرَارِهِمْ فَهُوَ صَالِحُ وَإِنْ قَرَّبَ السُّلْطَانُ أَشْرَارَ قَوْمِهِ ... وَاعْرِضَ عَنْ أَخْيَارِهِمْ فَهُوَ طَالِحُ وَكُلُّ امْرِئٍ يُنْبِيكَ عَنْهُ قَرِينُهُ ... وَذَلِكَ أَمْرٌ فِي الْبَرِيَّةِ وَاضِحُ آخر: ... وَإِذَا أَرَدْت تَرَى فَضِيلَة صَاحِبٍ ... فَانْظُرْ بِعَيْنِ الْبَحْثِ مَنْ نُدَمَاؤُهُ فَالْمَرْء مَطْوِيٌ عَلَى عَلاتِهِ ... طَيَّ الْكِتَابِ وَصَحْبُهُ عُنْوَانُهُ آخر: ... تَحَرَّ إِذَا صَادَفْتَ مِنْ وِدُّهُ مَحْضُ ... يُصَانُ لَدَيْهِ الدِّينُ وَالْمَالُ وَالْعِرْضُ فَكُلُّ خَلِيلٍ مُنْبِئٌ عَنْ خَلِيلِهِ ... كَمَا عَنْ شُؤونِ الْقَلْبِ قَدْ أَنْبَأَ النَّبْضُ وَبِالصِّدْقِ عَامِلْ مَنْ تُحِبُّ مِن الْوَرَى ... وَإِلا فَذَاكَ الْحُبُّ آخِرُهُ الْبُغْضُ آخر: ... تَجَنَّبْ صَدِيقًا مِثْلَ مَا وَاحْذَرْ الَّذِي ... يَكُونُ كَعَمَرْوٍ بَيْنَ عُرْبٍ وَأَعْجَمِي فَإِنَّ قَرِينَ السُّوءِ يُرْدي وَشَاهِدِي ... كَمَا شرِقَتْ صَدْرُ الْقَنَاةِ مِنْ الدَّمِ آخر: ... عَلَيْكَ بِأَرْبَابِ الصُّدُورِ فَمَنْ غَدَا ... مُضَافًا لأَرْبَابِ الصُّدُورِ تَصَدَّرَا وَإِيَّاكَ أَنْ تَرْضَى بِصُحْبَة نَاقِصٍ ... فَتَنْحَطَّ قَدْرًا مِن عُلاكَ وَتُحْقَرا فَرَفْعُ أَبُو مَنْ ثُمَّ خَفْضُ مُزَمَّلٍ ... يُبَيِّنُ قَوْلِي مُغْرِيًا وَمُحَذِّرَا والإشارة فِي قوله: «ثُمَّ خفض مزمل " إِلَى قوله امرئ القيس:

стр. 808

.. كَأَنَ أَبَانًا فِي عَرَانِينِ وَبْلِهِ ... كَبِيرُ أُنَاسٍ فِي بِجَادٍ مُزَمَّلِ وَذَلِكَ أن مزملاً صفةُ لكبير، فكَانَ حقه الرفع ولكن خفض لمجاروته المحفوض. كَانَ جندب بن عَبْد اللهِ الأنصاري صديقًا لعبد الله بن عباس فقَالَ لَهُ حين ودعه: أوصني يَا ابن عباس فإني لا أدري أنجتمع بعدها أم لا. فقَالَ: أوصيك يَا جندب ونفسي بِتَوْحِيدِ اللهِ وإخلاص الْعَمَل لله وإقام الصَّلاة وَإِيتَاء الزَّكَاة فَإِنَّ كُلّ خَيْر أتيت بعد هَذِهِ الخصال مقبول وإِلَى اللهِ مرفوع ومن لم يكمل هَذِهِ الأَعْمَال رد عَلَيْهِ ما سواها. وكن فِي الدُّنْيَا كالغريب المسافر واذكر الموت والْتَهُن الدُّنْيَا عَلَيْكَ فكأنك قَدْ فارقتها وصرت إِلَى غيرها واحتجت إِلَى ما قدمت ولم تنتفع بشَيْء مِمَّا خلفْتَ ثُمَّ افترقا. كتب عمر إِلَى ابنه عَبْد اللهِ: أُوصِيكَ بِتَقْوَى اللهِ فَإِنَّ من اتقاه كفاه ومن أقرضه جزاه ومن شكره زاده، فاجعل التَّقْوَى عماد بصرك ونور قلبك. وأعلم أنه لا عمل لمن لا نية لَهُ، ولا جديد لمن لا خلق لَهُ، ولا إيمان لمن لا أمانة لَهُ، ولا مال لمن لا رفق لَهُ، ولا أجر لمن لا حسُنَّة لَهُ. اللَّهُمَّ اجعل فِي قلوبنا نورًا فَنَهْتَدِي بِهِ إليك وتولنا بحسن رعايتك حَتَّى نتوكل عَلَيْكَ وارزقنا حلاوة التذلل بين يديك. فالعزيز من لاذ بعزك والسَّعِيد من التجأ إِلَى حماك وجودك، والذليل من لم تؤيده بعنايتك، والشقي من رضي بالإعراض عَنْ طَاعَتكَ. اللَّهُمَّ نزه قلوبنا عَنْ التعلق بمن دونك وَاجْعَلْنَا مِنْ قوم تحبهم ويحبونك، وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المسلكين الأحياء مِنْهُمْ والميتين بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ. وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.

стр. 809

" فَصْلٌ " والمؤاخاة فِي النَّاس على وجهين أحدهما أخوة مكتسبة بالاتفاق الجاري مجرى الاضطرار، وَالثَّانِيَة مكتسبة بالْقَصْد والاختيار، فَأَمَّا المكتسبة بالاتفاق فهي أوكد حالاً، لأنها تنعقَدْ عَنْ أسباب موجودة فِي الْمُتَآخِينَ، تعود المؤاخاة إِلَى تلك الأسباب، وهي موجودة فطرة. فالمؤاخاة ضرورية لا يمكن دفعًا،كما لا يمكن دفع الإيلام، والمكتسبة بالْقَصْد، تعقَدْ لها أسباب اختيارية، تنقاد إليها، وتعتمد عَلَيْهَا بحسب قوتها وضعفها، وَرُبَّمَا تَكُون تَكَلُّفًا وخديعة، فتصير المؤاخاة معاداة، وما كَانَ جاريًا بِالطَّبْعِ فهو ألزم، مِمَّا هُوَ حادث بالْقَصْد. إنما كَانَ كَذَلِكَ لأن الإتلاف بالتَّشَاكُلِ والتوافق، والتشاكل بالتجانس فإذا عدم التجانس من وجه، انتفى التشاكل من وجه ومَعَ انتفاء التشاكل يعدم الإئتلاف فثَبِّتْ أن التجانس، وإن تنوع أصل الإخاء وقاعدة الإئتلاف. وقَدْ رُوِيَ عَنْ عَائِشَة ﵂ قَالَتْ: سمعت رسول الله ﷺ يَقُولُ: «الأرواح جنود مجندة فما تعارف فيها ائتلف وما تناكر مَنْهَا اختلف» . رَوَاهُ الْبُخَارِيّ، فالظواهر التي تبدو لَنَا ونراها فِي الاجتماعات العامة، ميل كُلّ امرئ إِلَى من يشاكله ويناسبه، روحَا وخلقَا، أَوْ دينَا، وأدبَا أَوْ مبدأ أَوْ مذهبَا أَوْ حرفة وعملاً. قِيْل: إن إياسًا سافر إِلَى بلد فَلَمَّا وصل وصادف بَعْض أَهْل البلد وجرى بينهم كلام قَالَ إلياس: عرفنا خياركم من شراركم فِي يومين؟ فقِيْل لَهُ: كيف؟ ؟ قَالَ: كَانَ معنا خيارنا وشرارنا فلحق كُلّ بشكله خيارنا لحقوا بخياركم وشرارنا لحقوا بشراركم فألف كُلٌّ شكله. أ.هـ. شِعْرًا: ... وَالأَلْفُ يَنْزِعُ نَحْوَ الآلِفِينَ كَمَا ... طَيْرَ السَّمَاءِ عَلَى أُلافِهَا تَقَعُ

стр. 810

آخر: ... إِذَا بُلِي اللَّبِيبُ بِقُرْبِ فَدْمِ ... تَجَرَّعَ فِيهِ كَاسَاتِ الْحُتُوفِ فَذُو الطَّبْعِ الْكَثِيفِ بِغَيْرِ قَصْدٍ ... يَضُرُّ بِصَاحِبِ الطَّبْعِ اللَّطِيفِ وَذَلِكَ أَنَّ بَيْنَهُمَا اخْتِلافًا ... كَحُمَّى الرّبْعِ فِي فَصْلِ الْخَرِيفِ آخر: ... وَإِيَّاكَ إِيَّاكَ الْمُزَاحَ فَإِنَّهُ ... يُطَمِّعُ فِيكَ الطِّفْلَ وَالرَّجُلَ النَّذْلا وَيُذَهِّبُ مَاءَ الْوَجْهِ بَعْدَ بَهَائِهِ ... وَيُورِثُ بَعْدَ الْعِزِّ صَاحِبَُهُ ذُلا آخر: ... تَوقَّ بَنِي الزَّمَانِ فَكَمْ خَلِيلٍ ... مِنْ الْخِلانِ مَذْمُوم الْخَلالِ وَخَفّفْ مَا اسْتُطَعْتَ فَكُلُّ نَذْلٍ ... يَرَى رَدَّ السَّلامِ مِن الثِّقَالِ وَلا تَنْظُرْ لِجِسْم الْمَرْءِ وَانْظُرْ ... دِيَانَتَهُ فَإِنَّ الْجِسْمَ آلِ وَإِنْ عَايَنْتَ ذَا فِسْقِ وَكُفْرِ ... فَخَفْهُ فَذَاكَ أَخْتَلُ مِنْ ذُؤَالِ آخر: ... إِذَا أَنْتَ سَارَرْتَ فِي مَجْلِسٍ ... فَإِنَّكَ فِي أَهْلِهِ مُتَّهَمْ فَهَذَا يَقُولُ قَدْ اغْتَابَنِي ... وَذَا يَسْتَرِيبُ وَذَا يَأْثَمُ آخر: ... وَقَدْ تَعَامَى رِجَالٌ لَوْ تَبَيَّنُ لَهُمْ ... سَجِيَّةُ النَّاسِ خَافُوا كُلَّ مَنْ أَمِنُوا ذَمَمْتُ وَقْتَكَ أَنْ نَابَتْكَ نَائِبَةٌ ... بِمِثْلِ مَا تَشْتَكِيهِ يُعْرَفُ الزَّمَنُ خِفْ مِنْ جَلِيسِكَ وَاصْمُتْ إِنْ بُلِيتَ بِهِ ... فَالْعِيُّ أَفْضَلُ مِمَّا يَحْبِكُ اللَّسِنُ آخر: ... كَانَ إِجْتِمَاعُ النَّاسِ فِيمَا مَضَى ... يُورِثُ لِلْبَهْجَةِ وَالسَّلْوَةْ فَانْقَلَبَ الأَمْرُ إِلَى ضِدِّهِ ... فَصَارَت السَّلْوَةُ فِي الْخَلْوَةْ شِعْرًا: ... مُخَالِطُ النَّاسِ فِي الدُّنْيَا عَلَى خِطَرٍ ... وَفِي بَلاءٍ وَصَفْوٍ شِيبَ بِالْكَدَرَ كَرَاكِبِ الْبَحْرِ إِنْ تَسْلَمْ حُشَاشَتُهُ ... فَلَيْسَ يَسْلَمُ مِنْ خَوْفِ وَمِنْ حَذَرِ فتَرَى المجتمعين بعد مدة وجيزة من بدئ الاجتماع، قَدْ انقسموا جماعات، تتحدث كُلّ جماعة فِي شؤونها الخاصة، وأمورها المشتركة، وتتغير نفوسها إِذَا رأت دخيلاً بين جماعتها لا تربطه بِهُمْ صلة، ولا تجمعهم به جامعة، وعِنْدَمَا تركب فِي قطار، أَوْ سيارة أَوْ سفينة، أَوْ فِي مجلس من المجالس، تَرَى نفسك منجذبة إِلَى بَعْض الحاضرين مشمئزةً ونافرةً من الآخرين، وَرُبَّمَا أنه لم يكن قبل ذَلِكَ اجتماع ولا تعارف، ولا تعاد وتخاصم.
следующие страницы →