المطلب الثالث: احتسابه على الرشوة:
كما احتسب الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ في باب المعاملات على من يتعاطى الرشوة.
والرشوة لغة: الجُعْل والجمع ... والمراشاة: المحاباة ١.
والرشوة في الاصطلاح: ما يُعطى بعد طلبه لها٢، وقال ابن العربي: الرشوة مال يدفع ليبتاع به من ذي جاه عوناً على ما لا يحل٣.
والرشوة نوعان:
١- أن يأخذ من أحد الخصمين ليحكم له بباطل.
٢- أن يمتنع عن الحكم بالحق للمحق حتى يعطه وهو من أعظم الظلم٤.
والرشوة محرمة بالكتاب والسنّة، قال تعالى: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئاً وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ ٥.
وفي الصحيح عن ابن سيرين قال: كان يقال السحت: الرشوة في الحكم ٦.
وعن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: (لعن رسول الله ﷺ
стр. 387
الراشي والمرتشي" ١.
وفي الصحيح: قال عمر بن عبد العزيز: كانت الهدية في زمن رسول الله ﷺ هدية واليوم رِشوة٢.
ومما يُبَيِّن احتساب الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ على الرشوة قوله: [أنكرنا عليهم أكل السحت والرشا إلى غير ذلك من الأمور] ٣.
ويخبر ابن غنام ﵀ أنَّه أنكر على من اعتاد أن يأخذ أجوراً من المتخاصمين مقابل الفصل بينهم واعتبره من الرشوة٤.
وعند ما سُئل الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ عن حقيقة ما قاله سليمان بن سحيم من حل أخذ الرشوة من صاحب الحق أجاب ﵀:
[سألتم رحمكم الله عن رشوة الحاكم الذي ورد عن رسول الله ﷺ أنَّه لعن الراشي والمرتشي، وذكر له أنَّ بعض الناس حملها على ما إذا حكم الحاكم بغير الحق، وأما إذا أخذ رشوة من صاحب الحق وحكم له به فهي حلال، مستدلاً بقوله ﷺ : "أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله" ٥، وأنَّكم
стр. 388
استدللتم عليه بقوله تعالى: ﴿وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً﴾ ١ وأجابكم بأنَّها نزلت في كعب بن الأشرف، وبأنَّ الناس فرضوا لأبي بكر لما تولّى الأمر درهمين كل يوم، وكذلك قوله من قال لا أحكم بينكما إلا بجُعْل.
فأقول: أما صورة المسألة فهي أشهر من أن تذكر، بل هي تعلم بالاضطرار فإنَّ حكّام زماننا- لما أخذوا الرشوة- أنكرت عليهم العقول والفطر بما جبلها الله عليه من غير أن يعلموا أنَّ الشارع نهى عنها، ولكن إذا جادل المنافق بالباطل فربما يروج على المؤمن فيحتاج إلى كشف الشبهة.
والجواب عنها: قد عُلِمَ بالكتاب والسنّة والفِطَر والعقول تحريم الرشوة وقبحها.
والرشوة هي ما يأخذ الرجل على إبطال حق وإعطاء باطل، وهذه يسلمها لك منازعك.
وهي أيضاً ما يؤخذ على إيصال حق إلى مستحقه، بل يسكت ولا يدخل فيه حتى يعطيه رشوة، فهذه حرام، منهيٌّ عنها بالإجماع، ملعون من أخذها، فمن ادَّعَى حِلّها فقد خالف الإجماع.
وقوله: بأي شريعة حكمت بتحريم هذا؟ فنقول: حَكمتْ به شريعة رسول الله ﷺ ، وأجمع على ذلك علماء أمته، وأحل ذلك المرتشون الملعونون.
ومن أنواع الرشوة: الهدايا التي تُدفع إلى الحاكم بسبب الحكم ولو لم يكن لصاحبها غرض حاضر، لا أعلم أحداً من العلماء رخَّص في مثل هذا٢
стр. 389
والعجب إذا كان في كتابكم الذي تحكمون فيه: يجب العدل بين الخصمين في لَحْظِهِ ولَفْظه ومجلسه وكلامه والدخول عليه، فأين هذا من أكل عشرة حمران على أحد الخصمين، وإن لم يعطه أخذ بدلها من صاحبه وحكم له؟ سبحان الله أي شريعة حكمت بحِلّ هذا؟ أم أي عقل أجازه؟ ما أجهل من مجادل في مثل هذا، وأقلَّ حياءه، وأقوى وجهه!
وأما أدلته التي استدل بها فلا تنس قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ ١ الآية. ولما جادل النصارى رسول الله ﷺ في ألوهية عيسى، واحتجوا عليه بشيء من القرآن، وكذلك الخوارج يستدلون على باطلهم.
متشابه القرآن، وكذلك الذين ضربوا الإمام أحمد يستدلون عليه بشيء من متشابه القرآن، وما أنزل الله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ إلاّ لما يعلم من حاجة عباده إليها.
وأما استدلال هذا الجاهل الظالم بقوله: "أحقُّ ما أخذتم عليه أجراً كتابُ الله"
стр. 390
فجوابه من وجوه:
الأول: أنَّ المؤمنين إذا فسروا شيئاً من القرآن بكلام رسول الله ﷺ وكلام المفسرين ليس لهم فيه إلاَّ النقل- اشتد نكيرهم عليهم ويقولون: القرآن لا يحل لكم تفسيره، ولا يعرفه إلاَّ المجتهدون، وتارة تفتري الكذب وتقول: إنَّ ابن عباس إذا أراد أن يفسره خرج إلى البرية خوفاً من العذاب، وأمثال هذه الأباطيل والخرافات ومرادهم بذلك سد الباب، فلا يفتح للناس طريق إلى هذا الخير، فيكون نقلنا لكلام المفسّرين مُنْكراً، وتفسيرك كتاب الله على هواك وتحريفُك الكَلِمَ عن مواضعه حسناً! هذا من أعجب العجاب!
الوجه الثاني: أنَّ هذا لو كان على ما أوَّلَته فهو في الأخذ على كتاب الله، وأنتم متبرئون من معرفة كتاب الله والحكم به، وشاهدون على أنفسكم بذلك.
الوجه الثالث: أنَّ هذا لو كان فيما ذهبت إليه لكان مخصوصاً بتحريم الرشوة التي أجمع الصحابة على تحريمها.
الوجه الرابع: أنَّ حمل الحديث على هذا من الفِرية الظاهرة والكذب البحت على رسول الله ﷺ ، فإنَّ معنى ذلك في الإنسان الذي يداوي المريض بالقرآن فيأخذ على الطب والدواء، لا على الحكم وإيصال الحق إلى مستحقِّه. ويدّل عليه اللفظ الآخر.
"كل فتى أكل برُقية باطل فقد أكل برقية حق" ١ والقصة شاهدة
стр. 391
بذلك توضحه.
الوجه الخامس: وهو أن يقال لهذا الجاهل المركب: من استدل قبلك بهذا الحديث على أنَّ الحاكم إذا أراد أن يوصل الحق إلى مستحقه يجوز له أن يشترط لنفسه شرطاً، فإن حصل له وإلاَّ لم يفعل؟ فإن كان وجده في كتاب الله فليبين مأخذه. وما ظنُّه بأهل العلم الأولين والآخرين الذين أجمعوا على ذلك؟ لا يجوز أن يظن أنَّ إجماعهم باطل وأنَّهم لم يفهموا كلام نبيهم حتى فهمه هو.
وأما استدلاله بأنَّ الناس فرضوا لأبي بكر ﵁ لمّا ولي عليهم كلّ يوم درهمين، فهذا من أعجب جهله، ومثل هذا مثل من يدّعي حِلّ الزّنا الذي لا شُبْهة فيه، ويستدل على ذلك بأنَّ الصحابة يطأون زوجاتهم! وهذا الاستدلال مثل هذا سواءٌ بسواء! وذلك أنَّ استدلاله بقصة أبي بكر ﵁ تدل على شدة جهله بحال السلف الصالح، فإنَّ النبي ﷺ كان يعطي العُمّال من بيت المال، وكان الخلفاء الراشدون يأكلون من بيت المال ويفرضون لعُمّالهم: ولا أعلم عاملاً في زمن الخلفاء الراشدين لا يأكل من ذلك، بل الزكاة التي هي للفقراء جعل الله فيها نصيباً للعُمّال الأغنياء، ولكن أبا بكر ﵁ لما ولي واشتغل بالخلافة عن الحرفة، وضع رأس ماله في بيت المال، واحترف للمسلمين فيه، فأكل بسبب وضع ماله في بيت المال وبسبب الحرفة، فأين هذا من أكل الرشوة التي حرمها الله ورسوله؟ وأين هذا من الحاكم الذي إذا وقعت الخصومة فأكثرهم
стр. 392
برطيلاً١ يغلب صاحبه؟ ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ ٢.
فإن قالوا: لما عُدم بيت المال أكلنا من هذا. قلنا: هذا مثل من يقول: أنا أزني لأنّي أعزب لا زوجة لي. فهو هذا من غير مجازفة
وقولهم: نفعل هذا لأجل مصلحة الناس. فنقول: ما على الناس أضر من إبليس ومنكم، أذهبتم دنياهم وآخرتهم والناس يشهدون عليكم بذلك. وهؤلاء أهل شقراء شرطوا لابن إسماعيل كل سنة ثلاثة وثلاثين أحمر، ويسكت عن الناس ويريحهم من أذاه، ولا يحكم بين اثنين، ولا يفتي، فلم يفعل واختار حرفته الأولى.
وأما جوابه لمن استدل عليه: ﴿وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً﴾ ٣ بقوله نزلت في كعب بن الأشرف٤ فهذا ترس قد أعدَّه هؤلاء الجهّال الضّلال لردّ كلام الله- إذا قال لهم أحد: قال الله كذا قالوا: نزلت في اليهود، ونزلت في النصارى، نزلت في فلان.
وجواب هذه الشبهة الجاهلة الظالمة الفاسدة من وجوه:
الأول: أن يقال: معلوم أنَّ القرآن نزل بأسباب، فإن كان لا يُسْتَدَلُّ به إلاّ في تلك الأسباب بطل استدلاله بالقرآن وهذا خروج من الدين.
стр. 393
الثاني: أنك تقول: لا يجوز تفسير القرآن، فكيف فسرت هذه الآية بأنَّها خاصة بابن الأشرف؟
الثالث: من نقلت عنه من العلماء أن الآية إذا نزلت في رجل كافر أنَّها لا تعمّ من عمل بها من المسلمين؟ من قال بهذا القول قبلك؟ وعمن نقلته؟
الرابع: أنَّ هذا خروج من الإجماع، فما زال العلماء من عصر الصحابة فمن بعدهم يستدلون بالآيات التي نزلت في اليهود وغيرهم على من يعمل بها، ولكن هذا شأن الجاهلين الظالمين الذين يحاجون في الله من بعد ما استجيب له حجتهم داحضة عند ربهم، وعليهم غضب، ولهم عذاب شديد] ١ ٢.
هذا الإسهاب في الإنكار من الإمام محمد بن عبد الوهاب يعكس مدى اهتمامه ﵀ بالاحتساب على المنكرات المتعلقة بالمعاملات المتفشية في مجتمعه بوجه خاص.
стр. 394
المطلب الرابع: احتسابه على العشور والمكوس:
والعشور في اللغة: النقصان١ وهي جمع العُشْر، والعشر: الجزء من عشرة أجزاء٢، والعشر، كانت الملوك تأخذه من أموالهم، والعشّار: قابض العشر٣.
وفي الحديث عن عثمان بن أبى العاص ﵁ قال قال رسول الله ﷺ : "تفتح أبواب السماء نصف الليل، فينادي مناد هل من داعٍ فيستجاب له؟ هل من سائل فيعطى؟ هل من مكروبٍ فيفرج عنه؟ فلا يبقى مسلم يدعو بدعوة إلاَّ استجاب الله تعالى له؛ إلاَّ زانية تسعى بفرجها، أو عَشَّاراً" ٤.
أما المكوس: فهي جمع المَكْس.
وهو في اللغة: النقص والمكس: انتقاص الثمن في البِيَاعة ... والمكس: ما يأخذه العشّار، يقول: كل من باع شيئاً أخذ منه الخراج أو العشر٥.
وفي الاصطلاح هو: الضريبة أو الجباية إلى يأخذها المُكَّاس ممن يدخل البلدان من التجار٦، وقد غلب استعمال المَكْس فيما يأخذه أعوان الظلمة
стр. 395
عند البيع والشراء١.
وصاحب المكس هر الذي يعشر أموال المسلمين ويأخذ من التجار والمختلفة إذا مرّوا عليه وعبروا به مكساً باسم العشر، وليس هو بالساعي الذي يأخذ الصدقات فقد ولي الصدقات أفاضل الصحابة وكبارهم في زمن النبي صلى الله عليه وسلم٢.
وفي حديث المرأة الغامدية التي زنت وجاءت للنبي ﷺ ليقيم الحد عليها فقال ﷺ فيها بعد رجمها: " ... لقد تابت توبة لو تابها صاحب مَكْس لغُفر له" ٣.
وهذا مما يدل على عظم ذنب صاحب المكس وأنه أعظم من ذنب الزنا، والله أعلم.
ويدل على تحريم العشور والمكوس عموم قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ الآية٤.
وقد احتسب الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ على أخذ العشور والمكوس.
قال ابن غنام حاكياً عن قومه الذين شكوه إلى سليمان آل محمد رئيس بني خالد والأحساء: (وصاحوا عنده٥ وقالوا: إنَّ هذا يريد أن يخرجكم من ملككم، ويسعى في قطع ما أنتم عليه من الأمور ويبطل العشور والمكوس) ٦ ا. هـ.
ويخبر المؤرخ ابن بشر أنَّه لمّا تعاهد الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب مع
стр. 396
الأمير الإمام محمد بن سعود على النصرة والجهاد دار بينهما حوارٌ خالدٌ بدأه الإمام محمد بن سعود والذي جاء فيه:
(أريد أن أشترط عليك ... إنَّ لي على الدرعية قانوناً١ آخذه منهم في وقت الثمار وأخاف أن تقول لا تأخذه منهم شيئاً. فقال الشيخ: ... فلعل الله أن يفتح لك الفتوحات فيعوضك الله من الغنائم ما هو خير منها، فوقع تحقيق ظنه رحمه الله تعالى فإنَّه أتى إليه غنيمة عظيمة، فقال الشيخ: هذا أكثر مما أنت تأخذه على أهل بلدك) ٢.
هذا الإنكار اللطيف من الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب على الأمير محمد بن سعود فيما كان اعتاد أخذه من الضرائب خير شاهد على قوة الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ في الحق وقدرته الفائقة على الإقناع واستثارة الهمم فجزاه الله عن الإسلام خير الجزاء.
стр. 397
المبحث الرابع: احتسابه في الحدود
المطلب الأول: احتسابه برجم المرأة الزانية:
الحد في اللغة: الحاجز بين الشيئين، وحد الشيء منتهاه ... والحد: المنع ... وحددت الرجل: أقمت عليه الحد لأنَّه يمنعه من المعاودة١.
وحدود الله محارمه٢.
والحد في الاصطلاح: عقوبة مقدرة شرعاً٣، في معصية٤، وجبت لله تعالى زجراً٥، سواء كانت حقاً لله أم للعبد٦، لتمنع من الوقوع في مثلها٧.
والمحصن: من وَطِئ امرأته في قُبُلِها في نكاح صحيح، وهما بالغان عاقلان حُرّان٨.
وأُحصن: تزوجن٩.
فأما الزنى: فهر كل وطء وقع على غبر نكاح صحيح ولا شبهة نكاح ولا
стр. 398
ملك يمين١.
وهو من أعظم المحرمات الموجبة للحد.
وحد الزاني المحصن القتل، بدليل قوله ﷺ : "لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلاَّ الله وأنّي رسول الله إلاّ بإحدى ثلاثٍ النفس بالنفس والثيب الزاني والمارق من الدين التارك الجماعة" ٢.
يدل هذا الحديث على أن حد الزاني المحصن هو القتل.
ووسيلة ذلك القتل الرجم بالحجارة حتى الموت، قال الإمام أحمد بن حنبل: (والرجم حق على من زنا وقد أحص إذا اعترف أو قامت عليه بيَنته) ٣.
وقال الحجاوي ﵀: (إذا زنى المحصن وجب رجمه بالحجارة وغيرها حتى يموت) ٤.
الدليل على ذلك حديث ابن عباس ﵄ الطويل والذي فيه: ".... خرج عمر بن الخطاب فلما رأيته مقبلاً قلت لسعيد بن زيد بن عمرو ابن نفيل لَيَقُولَنَّ العشيَّة مقالةً لم يقلها منذ استُخْلِف، فأنكر عليَّ وقال ما عَسيت أن يقول ما لم يقل قبله، فجلس عمر على المنبر فلما سكت المؤذنون قام فأثنى على الله. مما هو أهله، ثم قال أما بعد: فإنّي قائل لكم مقالة قد قُدِّر لي أن أقولها، لا أدري لعلها بين يدي أجلي، فمن عَقِلهَا ووعاها فليحدِّث بها حيث انتهت به راحلتُهُ، ومن خشي أن لا يعقلها فلا أُحلُّ لأحد أن يكذب عليَّ، إن
стр. 399
الله بعث محمداً ﷺ بالحق وأنزل عليه الكتاب، فكان مما أنزل الله آية الرَّجم فَقَرأناها وعقلناها ووعيناها، رجم رسول الله ﷺ ورجمنا بعده فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل والله ما نجد آية الرجم في كتاب الله فيضلوا بترك فريضةٍ أنزلها الله، والرجم في كتاب الله حقٌ على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء إذا قامت البينة، أو كان الحبل، أو الاعتراف ... " ١ الحديث.
وزاد أبو داود ﵀: " ... وأيم الله لولا أن يقول الناس: زاد عمر في كتاب الله لكتبتها"٢.
وعند ابن ماجه ﵀: " ... وقد قرأتها: ﴿الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبته﴾ ... "٣.
قال الإمام مالك إمام دار الهجرة ﵀: "الشيخ والشيخة يعني الثيب والثيبة"٤.
وهذه الآية نسخت تلاوتها وبقي حكمه٥.
قال الإمام الشوكاني ﵀: (ونسخ التلاوة لا يستلزم نسخ الحكم) ٦ ا. هـ.
ويعلل الحافظ ابن حجر العسقلاني ﵀ السبب في ذلك فيقول:
стр. 400
(السبب في نسخ تلاوتها لكون العمل على غير الظاهر من عمومها) ١ا. هـ. والله تعالى أعلم.
ومن أدلة رجم المحصن ما رواه أبو هريرة وزيد بن خالد ﵄ قالا: "كنا عند النبي ﷺ فقام رجل فقال أَنشُدُك الله إلاَّ قضيت بيننا بكتاب الله فقام خصمه (وكان أفقه منه) فقال اقض بيننا بكتاب الله وأذن لي، قال قل: قال إنَّ ابني كان عسيفاً٢ على هذا فزنى بامرأته فافتديت منه بمائة شاة وخادم، ثم سألت رجالاً من أهل العلم، فأخبروني أنَّ على ابني جلد مائةٍ وتغريب عام وعلى امرأته الرجم، فقال النبي ﷺ : والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله جلَّ ذكره المائة شاة والخادم رَدٌّ وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام، واغد يا أنيس على امرأة هذا، فان اعترفت فارجمها، فغدا عليها فاعترفت فرجمها.." ٣ الحديث.
وعن أبي هريرة ﵁ قال: أتى رجل رسول الله ﷺ وهو في المسجد فناداه فقال: يا رسول الله إنّي زنيت فأعرض عنه حتى ردد عليه أربع مرات، فلمّا شَهِدَ على نفسه أربع شهادات دعاه النبي ﷺ فقال: أبك جنون؟ قال: لا، قال: فهل أحصنت؟ قال: نعم، فقال النبي ﷺ : اذهبوا به فارجموه ... " ٤ الحديث.
سبحان الله ما أشبه الليلة بالبارحة فقد حدثت بين يدي الشيخ الإمام محمد ابن عبد الوهاب ﵀ قصة شديدة الشبه بهذه القصة، حيث جاءته امرأة
стр. 401
قد تلطخت بالمعصية فجادت بنفسها لله فأقرت بذنبها وتكرر منها الإقرار، كما فعل ذلك الرجل مع النبي ﷺ .
قال ابن بشر ﵀: (أتت امرأة إلى الشيخ واعترفت عنده بالزنى والإحصان وتكرر منها الإقرار فسأل عن عقلها فإذا هي صحيحة العقل وقال لعلك مغصوبة، فأقرت واعترفت بما يوجب عليها الرجم، فأمر عليها١ فرجمت) ٢.
ويذكر ابن دقيق العيد أنَّ الفقهاء استحبوا أن يبدأ الإمام بالرجم إذا ثبت الزنا بالإقرار، وكأن الإمام لما كان عليه التثبت والاحتياط قيل له: ابدأ ليكون ذلك زاجراً عن التساهل في الحكم بالحدود، وداعياً إلى غاية التثبت٣.
ويقول ابن غنام ﵀: (وكان أول من رجها عثمان٤ نفسه. فلما ماتت أمر الشيخ أن يغسِّلوها وأن تُكفَّن ويُصلى عليها) ٥.
ولا شك في أنَّ اندفاع هذه المرأة إلى الاعتراف بخطيئتها، وإلحاحها في طلب تطهيرها بإقامة الحد عليها لم يكن إلاَّ أثراً من آثار دعوة الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب٦ الذي بنشره للعلم والتوحيد أيقظ الضمائر النائمة في سبات المعاصي وأعاد القلوب المريضة إلى رحاب التوبة النصوح فجادت بنفسها
стр. 402
المبحث الرابع: احتسابه في الحدود
المطلب الأول: احتسابه برجم المرأة الزانية:
...
ليكون ذلك كفارة لها كما ورد في حديث عبادة بن الصامت ﵁ وكان شهد بدراً وهو أحد النقباء ليلة العقبة أن رسول الله ﷺ قال وحوله عصابةٌ من أصحابه: "بايعوني على ألاَّ تُشركوا بالله شيئاً ولا تَسرِقوا ولا تَزنُوا ولا تقتلوا أولادَكم ولا تأتُوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجُلِكم ولا تَعصوا في معروف فمن وَفَى منكم فأجرُهُ على الله ومن أصاب من ذلك شيئاً فعوقِبَ في الدنيا فهو كفارةٌ له ومن أصاب من ذلك شيئاً ثم ستَرَهُ الله فهو إلى الله إن شاء عفا عنهُ وإن شاء عاقبه فبايعناه على ذلك" ١.
ولما رجمت الزانية سرى خبرها سير البرق في البوادي والحضر، فوقع على القلوب وقع الصاعقة٢.
وتناقل الناس هذا الخبر الغريب عليهم وارتدع العديد منهم عن غوايتهم خوفاً من العقوبة٣.
قال ابن بشر ﵀: (فعظم أمره بعد ذلك وكبرت دولته وفشا التوحيد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) ٤.
وزادت هيبة الشيخ الإمام في النفوس كما أوقدت نار الحسد في قلوب الخصوم، وازدادت مخاوف الرؤساء والأمراء من أن تمتد سلطته إلى بلادهم فيغزو عقول رعاياهم وقلوبهم فيتبعونه فأخذوا ينصبون له ولأتباعه الشباك فيء طي الخفاء بغية إيقاعهم فيها! ٥.
стр. 403
ومن أبرزهم أمير الأحساء الذي كان استنكاره لرجم الزانية سبباً في انتقالة كبيرة في حياة الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ غيّرت مجرى التاريخ، يحدثنا عنها وعن كيده للإمام ﵀ بسببها المؤرخ ابن بشر فيقول: (فلمّا صدرت منه هذه، أعني رجم المرأة. اشتهر أمره في الأفاق. فبلغ خبره سليمان بن محمد بن غرير الحميدي١ قائد الأحساء والقطيف وما حوله من العربان وقيل له: إنَّ في بلد العيينة عالماً فعل كذا وكذا وقال كذا وكذا.
فأرسل سليمان إلى عثمان كتاباً وقال: إنَّ هذا المطوع الذي عندك فعل وفعل. وتهدد عثمان، وقال اقتله فإن لم تفعل قطعنا خراجك٢ الذي عندنا في الإحساء، وخراجه عندهم كثير، قيل لي أنَّه اثنا عشر مائة أحمر٣ وما يتبعها من طعام وكسوة، فلمّا ورد عليه كتابه ما وسعه مخالفته واستظم٤ أمره في صدره لأنَّه لم يعلم قدر التوحيد ولا ما لمن٥ نصره وقام به من العز والتمكين في الدنيا ودخول الجنّة في الآخرة٦ فأرسل إلى الشيخ. وقال له: إِنَّه أتانا خط من سليمان قائد الأحساء وليس لنا طاقة بحربه ولا إغضابه. فقال له الشيخ:
стр. 404
إنَّ هذا الذي أنا قمت به ودعوت إليه كلمة لا إله إلاَّ الله وأركان الإسلام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فإن أنت تمسكت به ونصرته فإن الله سبحانه يظهرك على أعدائك، فلا يزعجك سليمان ولا يفزعك فإنّي أرجو أن ترى من الظهور والتمكين والغلبة ما ستملك بلاده وما وراءها وما دونها، فاستحيا عثمان وأعرض عنه) ١.
وهكذا بذل الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب كل جهوده في سبيل إقناعه ولكن إذا سيطر على القلوب خوف زوال الدنيا فلا تؤثر حينذاك أي موعظة أو نصيحة٢.
ويقول ابن بشر: (ثم تعاظم في صدره أمر صاحب الإحساء وباع الآجل بالعاجل. وذلك لمَّا علم الله سبحانه الذي يعلم السر وأخفى يُعِزُّ من يشاء ويُذِلُّ من يشاء بيده الخير وهو على كل شيء قدير إنَّ نصر هذا الدين والظهور والغلبة والتمكين يكون لغيره وعلى يد غيره. فأرسل إلى الشيخ ثانياً) ٣.
ويضيف ابن غنام فيقول: (فآثر عثمان الدنيا على الدين، وأمر الشيخ محمد بن عبد الوهاب بالخروج من العيينة٤ فخرج الشيخ سنة سبع أو ثمان وخمسين
стр. 405
ومائة وألف من العيينة إلى بلدة الدرعية١ ٢.
ويستأنف ابن بشر عرضه لقصة خروج الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب من العيينة إلى الدرعية فيقول:
(فوصل أعلاها٣ وقت العصر فقصد إلى بيت محمد بن سويلم العريني. فلما دخل عليه ضاقت عليه داره، وخاف على نفسه من محمد بن سعود، فوعظه الشيخ وأسكن جأشه، وقال سيجعل الله لنا ولك فرجاً ومخرجاً. فعلم به خصائص من أهل الدرعية فزاروه خفية، فقر لهم التوحيد واستقر في قلوبهم، فأرادوا أن يخبروا محمد بن سعود ويشيروا عليه بنصرته فهابوه، فأتوا إلى زوجته موضي بنت٤ وكانت ذات عقل ومعرفة، فأخبروها بمكان الشيخ وصفة ما يأمر به وينهى عنه، فوقر في قلبها معرفة التوحيد وقذف الله في قلبها محبة الشيخ، فلما دخل عليها زوجها محمد أخبرته بمكانه، وقالت إن هذا الرجل أتى إليك وهو غنيمة ساقها الله لك فأكرمه وعظمه واغتنم نصرته، فقبل قولها، وألقى الله سبحانه في قلبه للشيخ المحبة، فأراد أن يرسل إليه، فقالوا سر إليه برجلك في مكانه، وأظهر تعظيمه والاحتفال به. لعل الناس أن يكرموه ويعظموه، فسار إليه محمد، فدخل عليه في بيت ابن سويلم ورحب به وقال: أبشر ببلاد خير من بلادك وأبشر بالعز والمنعة، فقال الشيخ: وأنا أبشرك بالعز والتمكين، وهذه كلمة: (لا إله إلاَّ الله) من تمسك بها وعمل بها
стр. 406
ونصرها ملك بها البلاد والعباد، وهى كلمة التوحيد، وأول ما دعت إليه الرسل، من أولهم إلى آخرهم) ١.
وذلك مصداقاً لقوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ ٢.
стр. 407
المطلب الثاني: احتسابه بقتال المخالفين للعقيدة الصحيحة:
وقد احتسب الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ على المخالفين للعقيدة الصحيحة بالقتال الذي كان وسيلة نهائية وحاسمة مع من لا يُجدي معهم غيرها بعد أن استنفد كافة الوسائل السلمية معهم في أمرهم بالتوحيد ونهيهم عن الشرك.
قال : ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ ١.
فدلت الآية الكريمة على أنَّه إذا كان بعض الدين لله وبعضه لغير الله وجب القتال حتى يكون الدين كله لله٢.
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ﴾ ٣.
وتشير الآية إلى أنَّ مَنْ عدل عن الكتاب قُوِّم بالحديد، ولهذا كان قوام الدين بالمصحف والسيف٤.
جاء في المطلب السابق تحالف الأمير الإمام محمد بن سعود أمير الدرعية مع الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀، بعد أن تخلى عنه عثمان بن معمر أمير العيينة ﵀.
ويحكي ابن بشر ﵀ مبايعة الأمير الإمام محمد بن سعود للشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب على النصرة والجهاد فيقول: (فلمّا تحقق
стр. 408
محمد١ معرفة التوحيد وعلم ما فيه من المصالح الدينية والدنيوية قال له: يا شيخ إنَّ هذا دين الله ورسوله الذي لا شك فيه، وأبشر بالنصرة لك ولما أمرت به والجهاد ولمن خالف التوحيد ولكن أريد أن أشترط عليك ... نحن إذا قمنا في نصرتك والجهاد في سبيل الله وفتح الله لنا ولك البلدان أخاف أن ترتحل عنّا وتستبدل بنا غيرنا ... فقال الشيخ: ... فابسط يدك، الدم بالدم، والهدم بالهدم٢ ... ثم إن محمداً بسط يده وبايع الشيخ على دين الله ورسوله والجهاد في سبيل الله. وإقامة شرائع الإسلام والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) ٣ ا. هـ.
وهكذا جمع الله لدعوة التوحيد ببن سيف مؤمن يجاهد في سبيلها هو سيف الأمير الإمام محمد بن سعود، وبين قلب مؤمن يغذيها ويُعدُّ لها المجاهدين المؤمنين الذي نذروا أنفسهم في سبيل إعلاء كلمة الله هو قلب الإمام محمد بن عبد الوهاب٤.
فاتحدت دعوة الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب بقيادة الأمير الإمام محمد ابن سعود وحدة لا تقبل التجزئة، وحدة قوامها التوحيد حتى أصبحت الدعوة لإقامة الدين الصحيح والحكم بشريعة الله أساس نظامها٥.
وحدة تهدف إلى إيجاد المناخ المناسب لانتشار دعوة التوحيد وإقامة دولة
стр. 409
إسلامية تؤمن بالإسلام عقيدة وعبادة وشرعة ومنهاجاً ذات سلطة تحمل الناس على الحق١.
لأجل ذلك أعلن الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب الجهاد.
قال ابن بشر ﵀: (ثم أمر الشيخ بالجهاد وحضهم إليه فامتثلوا) ٢ ا. هـ.
وبناء على المعاهدة السابقة فإن الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب لم يباشر الجهاد منفرداً إنَّما كان المنفذ له الأمير محمد بن سعود ومن بعده الأمير الإمام عبد العزيز بن محمد بن سعود وجنودهما.
مما يعطي تصوراً واضحاً أنَّ المحتسب مهما علا شأنه فإنَّه لا يباشر الإنكار بالسلاح ألبته من تلقاء نفسه٣ وإنَّما يكون ذلك لمن بيده زمام الأمور، وبعد سنة تقريباً من بيعة الأمير الإمام محمد بن سعود للإمام محمد بن عبد الوهاب بدأت سلسلة من المعارك لا يتسع المقام لحصرها من عام (١١٥٩هـ) بعد سنة من المعاهدة حتى (١٢٠٦هـ) وهي السنة التي توفي فيها الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله٤.
ومما يجب التنبيه إليه أن الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ لم يبادر بقتال أحد لم يثبت لديه بالبرهان القاطع كفره، وإصراره على الشرك ولم يقاتل أحداً لم تُقَم عليه الحجة، وكان يعرض الحق لعدة مرات قبل أن يأمر بالقتال.
قال ﵀ بعد أن أنكر بعض مظاهر الشرك:
стр. 410
[فهذا هو الذي أوجب الاختلاف بيننا وبين الناس حتى آل بهم الأمر إلى أن كفَّرونا وقاتلونا واستحلّوا دماءنا وأموالنا حتى نصرنا الله عليهم وظفرنا بهم وهو الذي ندعوا الناس إليه١ ونقاتلهم عليه بعد ما نقم عليهم الحجة من كتاب الله وسنة رسوله وإجماع السلف الصالح من الأئمة متمثلين لقوله سبحانه: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ ٢] ٣ ا. هـ.
وعن إقامة الحجة يقول الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀:
[المُعَيَّن لا يكفر إلاَّ إذا قامت عليه الحجة، فإذا كان المعين يكفر إذا قامت عليه الحجة، فمن المعلوم أنَّ قيامها ليس معناه أن يفهم كلام الله ورسوله مثل فهم أبي بكر ﵁، بل إذا بلغه كلام الله ورسوله وخلا من شيء يعذر به فهو كافر كما كان الكفار كلهم تقوم عليهم الحجة بالقران] ٤.
وقال ﵀: [المسلم إذا أشرك بالله بعد بلوغ الحجة ... إنّا نؤمن بما جاءنا عن الله وعن رسوله من تكفيره] ٥.
ووضح ﵀ الفرق بين قيام الحجة وبلوغها قائلاً:
[الذي لم تقم عليه الحجة هو الذي٦ حديث عهد بالإسلام والذي نشأ ببادية بعيدة، أو يكون ذلك في مسألة خفية مثل الصرف والعطف فلا يكفر
стр. 411
حتى يُعرَّف، وأما أصول الدين التي أوضحها الله وأحكمها في كتابه فإنَّ حجة الله هو القرآن، فمن بلغه القرآن فقد بلغته الحجة، ولكن أصل الإشكال أنَّكم لم تفرقوا بين قيام الحجة وبين فهم الحجة، فإنَّ أكثر الكفار والمنافقين من المسلمين لم يفهموا حجة الله مع قيامها عليهم كما قال تعالى: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً﴾ ١ وقيام الحجة نوع، وبلوغها نوع آخر وقد قامت عليهم وفهمهم إياها نوع آخر وكفرهم ببلوغها إياهم وإن لم يفهموها] ٢ ا. هـ.
وحول هذه المسألة وردت فتوى للجنة الدائمة للبحوث العلمية إجابة على السؤال التالي:
هل كل من أتى بعمل من أعمال الكفر أو الشرك علما بأنَّه أتى بهذا الشيء جاهلاً هل يعذر بجهله أم لا؟ وما هي الأدلة بالعذر أو عدم العذر؟
ونصها: (لا يعذر المكلف بعبادته غير الله أو تقربه بالذبائح لغير الله أو نذره لغير الله ونحو ذلك من العبادات التي هي من اختصاص الله إلاَّ إذا كان في بلاد غير إسلامية ولم تبلغه الدعوة فيعذر لعدم البلاغ لا مجرد الجهل لما رواه مسلم عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: "والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلاَّ كان من أصحاب النار" ٣ فلم يَعذر النبي ﷺ من سمع، ومن يعيش في بلاد
стр. 412
إسلامية قد سمع بالرسول ﷺ فلا يعذر في أصول الإيمان بجهله. أما الذين طلبوا من النبي ﷺ أن يجعل لهم ذات أنواط يعلقون بها أسلحتهم فهؤلاء كانوا حديثي عهد بكفر وقد طلبوا فقط ولم يفعلوا فكان ما حصل منهم مخالفاً للشرع وقد أجابهم النبي ﷺ بما يدل على أنهم لو فعلوا ما طلبوا كفروا ... ) ١ ا. هـ.
ومن جهة أخرى فإنَّه قد يلجأ إلى القتال من باب الدفاع، قال الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀:
[وأما القتال فلم نقاتل أحداً حتى اليوم إلاَّ دون النفس والحرمة وهم الذين أتونا في ديارنا ولا أبقوا ممكناً، ولكن قد نقاتل بعضهم على سبيل المقابلة وجزاء سيئة سيئة مثلها، وكذلك من جاهر بسب دين الرسول بعد ما عرف فإنّا نبيّن لكم أنَّ هذا هو الحق الذي لا ريب فيه وأنَّ الواجب إشاعته وتعليمه النساء والرجال] ٢ ا. هـ.
ومن جهة ثالثة فإنَّه قد يقاتل من ترك الصلاة والزكاة كما مر معنا قريباً٣.
стр. 413
المبحث الخامس: احتسابه في الآداب والسلوك
المطلب الأول: احتسابه في التأدب مع آل البيت:
لما كان احتساب الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب شاملاً، تطرق فيه للعديد من جوانب الحياة الإسلامية آمراً بالمعروف الذي اختفى وناهياً عن المنكر الذي فشا لم يغب عنه ﵀ الاحتساب في جانب هام وهو التأدب مع آل بيت النبي ﷺ .
قال ابن القيم ﵀: (والآل والأهل سواء، وال الرجل وأهله سواء وهم الأزواج والذرية) ١.
ومحبة آل البيت من أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في العقيدة الواسطية: (ويحبون أهل بيت رسول الله ﷺ ويتولونهم) ٢.
وذلك لأمرين: للإيمان وللقرابة من رسول الله ﷺ ولا يكرهونهم أبداً٣.
عن زيد بن أرقم٤ ﵁.... قال: قام رسول الله ﷺ يوماً فينا خطيباً بماءٍ
стр. 414
يُدعى خُمّاً١ بين مكة والمدينة فحمد الله وأثنى عليه، ووعظ وذكّر ثم قال: "أما بعد ألا أيها الناس! فإنّما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربى فأجيب وأنا تارك فيكم ثَقَلَيْنِ٢: أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به"، فحث على كتاب الله ورغب فيه ثم قال: "وأهل بيتي، أذكّركم الله في أهل بيتي، أذكّركم الله في أهل بيتي، أذكّركم الله في أهل بيتي"، فقال له حصين: ومن أهل بيته يا زيد؟! أليس نساؤه من أهل بيته؟ قال: نساؤه من أهل بيته ولكن أهل بيته من حُرِمَ الصدقة بعده، قال: ومن هم؟ قال: هم آل علي، وآل عَقِيل، وآل جعفر، وآل عباس، قال: كل هؤلاء حُرِمَ الصدقة؟ قال: نعم ٣.
يقول فضيلة الشيخ الدكتور صالح الفوزان حفظه الله معلقاً على وصيته ﷺ في أهل بيته: (أي أذكّركم ما أمر الله به في حق أهل بيتي من احترامهم وإكرامهم والقيام بحقهم) ٤.
ومن حقوق أهل البيت أنَّ الله جعل لهم حقاً في الخمس والفيء، وأَمَر بالصلاة عليهم مع الصلاة على رسول الله ﷺ ، فقال: "قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد
стр. 415
مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد" ١ ٢.
ومن احترامهم إنزالهم منزلتهم بلا غلو يقول فضيلة الشيخ محمد بن صالح ابن عثيمين حفظه الله: (فعقيدة أهل السنة والجماعة بالنسبة لآل البيت أنَّهم يحبونهم ويتولونهم ويحفظون فيهم وصية الرسول ﷺ في التذكير بهم، ولا ينزلونهم فوق منزلتهم، بل يتبرؤون ممن يغلون فيهم، حتى يوصلونهم إلى حد الألوهية) ٣. والعياذ بالله.
وذلك هو المنهج الوسطي للأمة الإسلامية في كل أمورها فلا إفراط ولا تفريط.
وفي ذلك يُفصِّل حفظه الله فيقول: (والذين ضلوا في أهل البيت طائفتان: الأولى: الروافض حيث غلوا فيهم وأنزلوهم فوق منزلتهم حتى ادعى بعضهم أنَّ علياً إله- والعياذ بالله-.
الثانية: النواصب وهم الخوارج الذين نصبوا العداوة لآل البيت وآذوهم بالقول وبالفعل) ٤.
وبهذه الوسطية يأتي احتساب الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ في التأدب مع أهل البيت، قال ﵀ محتسباً على أحمد بن سويلم وثنيان
стр. 416
ابن سعود منكراً عليهما شدتهما مع الشريف عبد المحسن١ لأنَّه من آل البيت:
[ذُكر لي عنكم أنَّ بعض الإخوان تكلم في عبد المحسن الشريف يقول: إنَّ أهل الحسا يحبون على يدك وأنَّك لابس عمامة خضراء والإنسان لا يجوز له الإنكار إلاَّ بعد المعرفة، فأول درجات الإنكار معرفتك أنَّ هذا مخالف لأمر الله، وأما تقبيل اليد فلا يجوز إنكار مثله، وهي مسألة فيها اختلاف بين أهل العلم٢ وقد قبّل زيد بن ثابت يد ابن عباس وقال: هكذا أمرنا أن نفعل بأهل بيت نبينا، وعلى كل حال فلا يجوز لهم إنكار كل مسألة لا يعرفون حكم الله فيها] ٣.
وفي مسألة تقبيل اليد يقول ابن مفلح ﵀ في منظومة الآداب:
ويُكره منك الأنحناءُ مُسلِّماً ... وتقبيلُ رأسِ المرء حَلَّ وفي اليدِ٤
ويقول ﵀ في شرحها: (وتباح المعانقة وتقبيل اليد والرأس تَدَيُّناً وإكراماً واحتراماً مع أمن الشهوة، وظاهر هذا عدم إباحته لأمر الدنيا) ٥.
وقال ابن حجر العسقلاني ﵀: (وعند ابن مردويه عن كعب بن مالك: "لما نزلت توبتي أتيت النبي ﷺ فقبّلت يده وركبته") ٦.
وقال المروذي: (سألت أبا عبد الله يعني أحمد بن حنبل ﵀ عن قبلة
стр. 417
اليد، فقال: إن كان على طريق التديُّن فلا بأس، قبّل أبو عبيدة يد عمر بن الخطاب ﵄، وإن كان على طريق الدنيا فلا، إلاَّ رجلاً تخاف سيفه أو سوطه) ١.
وقال عبد الله بن الإمام أحمد: رأيت كثيراً من العلماء والفقهاء والمحدثين وبني هاشم وقريش والأنصار يقبّلونه يعني أباه بعضهم يده وبعضهم رأسه ويعظمونه تعظيماً لم أرهم يفعلون ذلك بأحد من الفقهاء غيره، ولم أره يشتهي أن يفعل به ذلك. وقال له إسماعيل بن إسحاق الثقفي: ترى أن يقبّل الرجل رأس الرجل أو يده؟ قال: نعم) ٢.
هذا لعموم أهل العلم والفضل، أما بالنسبة لآل بيت النبي ﷺ خاصة.
فذكر ابن عبد البر: (صلى زيد بن ثابت على جنازة أمه ثم قربت له بغلة ليركبها، فجاء ابن عباس فأخذ بركابه فقال له زيد: خل عنه يا ابن عم رسول الله ﷺ ، فقال ابن عباس هكذا يُفْعل بالعلماء والكبراء، وزاد بعضهم في هذا الحديث: أنَّ زيد بن ثابت كافأ ابن عباس على أخذه بركابه أن قبّل يده وقال هكذا أمرنا أن نفعل بأهل بيت نبينا ﷺ ٣.
ويستأنف الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ احتسابه على أحمد ابن سويلم وثنيان بن سعود قائلاً:
[وأما لبس الأخضر فإنَّها أحدثت قديماً تمييزاً لأهل البيت لئلا يظلمهم أحد
стр. 418
أو يُقَصِّر في حقهم من لا يعرفهم وقد أوجب الله لأهل بيت رسول الله ﷺ حقوقاً فلا يجوز لمسلم أن يسقط حقهم ويظن أنَّه من التوحيد، بل هو من الغلو ونحن ما أنكرنا إلاَّ إكرامهم لأجل ادعاء الألوهية فيهم، أو إكرامهم لمدعي لذلك] ١.
بهذه الوسطية والاعتدال وهذا المنهج العدل كان الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ يحتسب في معاملة أهل البيت والتأدب معهم وذلك مصداقاً لقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً﴾ ٢.
ويذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أن أصل الاستقامة لزوم سنة رسول الله ﷺ ، وما عليه السلف، تمسكوا بالوسط، ولم ينحرفوا إلى الأطراف٣.
وما أحوج المسلمين في هذا العصر خاصة طلاب العلم والدعاة والمحتسبين إلى انتهاج الوسطية والاعتدال في كافة قضايا الدعوة والحسبة.
стр. 419
المطلب الثاني: احتسابه على الغناء:
مدخل
...
المطلب الثاني: احتسابه على الغناء:
ومما احتسب عليه الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ في باب الآداب الغناء بنوعيه (المصاحب للمعازف والمجرَّد عنها) .
ويدل على تحريم الغناء قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُواً أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ ١.
قال ابن مسعود ﵁ في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ : (هو والله الغناء) ا. هـ٢.
стр. 420
الفرع الأول: احتسابه على الغناء المصاحب للمعازف:
جاء في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: "ليكونن من أمتي أقوام يستحلّون الحِرَ١ والحرير والخمر والمعازف ولينزِلنّ أقوام إلى جنب عَلَمٍ يروح عليهم بسارحةٍ لهم يأتيهم يعني الفقير لحاجة فيقولوا: ارجع إلينا غداً فيُبَيِّتُهم الله ويضع العلم ويمسخ آخرين قردة وخنازير إلى يوم القيامة" ٢.
فدلّ الحديث على تحريم الأمور الواردة فيه ومنها المعازف وهي آلات الغناء، واستحلال أقوام لها مما استوجب نزول العقوبة بهم.
وقد استخدم الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ أعلى درجات
стр. 421
الإنكار في احتسابه على الغناء المصاحب للمعازف، وهو التغيير باليد.
فقد أمر أهل مكة بإحضار آلات الملاهي الموجودة لديهم، ولما أحضروها وكانت بين يديه كالتل القائم، أمر بإحراقها١.
стр. 422
الفرع الثاني: احتسابه على الغناء المجرد عن المعازف:
لما سئل الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ هل يجوز الغناء على رؤوس النخل وبين السواني ... إلخ؟ أجاب على ذلك بقوله:
[رفع الصوت بالغناء من الباطل ولا يجوز، وأما الأدب عليه فلا يؤدب عليه إلاَّ إن كان معه منكر كاجتماع النساء والرجال والرقص ونحوهما لترتب المفاسد، فأدِّبوا عليه. مما يردع صاحبه] ٢.
من الواضح أن المقصود هنا بالغناء السماع المجرد عن المعازف، ففي لسان العرب: الغناء بالكسر من السماع ... وكل من رفع صوته ووالاه فصوته عند العرب غناء٣.
وقد كره العلماء الغناء المجرد عن آلات اللهو٤، قال رجل لابن عباس ﵄: "ما تقول في الغناء أحلال هو أم حرام؟ فقال: لا أقول حراماً إلاَّ ما في كتاب الله، فقال: أفحلال هو؟ فقال: ولا أقول ذلك، ثم قال له: أرأيت الحق والباطل، إذا جاء يوم القيامة فأين يكون الغناء؟ فقال الرجل: يكون مع الباطل، فقال له ابن عباس: اذهب فقد أفتيت نفسك"، فهذا
стр. 423
جواب ابن عباس ﵄ عن غناء الأعراب الذي ليس فيه مدح الخمر والزنا واللواط، والتَّشبيب بالأجنبيات، وأصوات المعازف، وآلات المطربات، فإن غناء القوم لم يكن فيه شيء من ذلك، ولو شاهدوا هذا الغناء لقالوا فيه أعظم قول١ ا. هـ.
ومما لابد من التنبيه إليه هنا أنَّ اهتمام الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ بالاحتساب على منكرات الآداب الفرعية، رغم انشغاله بالاحتساب على منكرات العقيدة التي نهضت في مجتمعه واستغرقت جل وقته وجهده ﵀، ينبغي أن يستثير همم طلبة العلم والدعاة والمحتسبين لبذل جل أوقاتهم وقدراتهم في محاربة شتى المنكرات، وألاَّ يشغلهم بعضها عن بعضها الآخر، مهما تعددت مسؤولياتهم في الحياة.
стр. 424
الخاتمة
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، أحمده جل وعلا حمداً يليق بجلاله وبعظيم سلطانه حمداً لا ينبغي لأحد سواه على تيسيره وتوفيقه لي في إعداد هذه الرسالة، وعونه جل وعلا حتى فرغت منها بعد رحلة طويلة وممتعة.
هذا وقد توصلت إلى النتائج التالية:
أولاً:
لقد تدهورت أحوال المسلمين في القرن الثاني عشر الهجري خاصة الحالة الدينية منها حتى كادت أن تتردى بهم إلى الجاهلية الأولى لولا رحمة الله الذي هيأ لهذه الأمة المجدد الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀.
فلقد هب الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ بالاحتساب على الشركيات وسائر المنكرات بكل بسالة وثبات رغم غربته في قومه مما يؤكد على أن قوة المحتسب الحقيقية تكمن في قوة إيمانه ويقينه بالله واعتصامه بكتاب الله وسنة نبيه ﷺ .
ثانياً:
إن الظروف الأسرية التي نشأ فيها المجدد المحتسب الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ من حفظ لكتاب الله منذ نعومة أظفاره، وانشغاله بطلب العلم وارتحاله في سبيله هيأته إلى حد كبير للمهمة السامية التي تحملها بعدئذ.
مما يبين أثر التربية الصحيحة والتوجيه السليم في محيط الأسرة على توجُّهات وسلوك الأبناء بوجه عام والمتميزين منهم بوجه خاص.
стр. 425
ثالثاً:
إن احتساب الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ لم يكن خبط عشواء ولا أماني جاشت بها مشاعره! إنَّما كان احتسابه ﵀ يسير على منهج علمي راسخ نابع من قواعد أصولية مقننة في فقه إنكار المنكر قعّدها العلماء من قبل، ثم قررها ﵀ بشكل نظري في أقواله ورسائله.
الأمر الذي يؤكد على أهمية العلم الشرعي خاصة ما يتعلق بفقه الاحتساب للمحتسب قبل شروعه فيه حتى لا ينهى عن معروف يظنه منكراً أو يأمر بمنكر يخاله معروفاً.
رابعاً:
كانت المرحلة الحاسمة في احتساب الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ تمثلت في قيامه بالحسبة العملية على المنكرات التي كانت متفشية في عصره ﵀، فكانت بمثابة قارب النجاة الذي نقل فيه المسلمين بفضل الله تعالى إلى شاطئ الأمان بعد أن كادت تغرقهم أمواج الأهواء في بحر المنكرات المظلم.
وما سلامة العقيدة وتحكيم الشريعة الإسلامية والأمن والاستقرار الذي أنعم الله تعالى به علينا في هذه البلاد إلا بعض ثمرات احتساب الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ الذي أيده الله بمؤسس الدولة السعودية الأولى الأمير الإمام محمد بن سعود ﵀ فلقد أجرى الله على يديهما خيراً عظيماً لا زلنا ننعم به.
وأسأل الله أن يديم هذه النعمة على هذه البلاد حتى يوم المعاد.
خامساً:
ما أنعم الله به على الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ من تمكين