النفح الشذي في شرح جامع الترمذي
تأليف
أبي الفتح محمد بن محمد بن محمد ابن سيد الناس اليعمري المتوفى سنة ٧٣٤ هـ
دراسة وتحقيق وتعليق
الدكتور أحمد معبد عبد الكريم
أستاذ مساعد بكلية أصول الدين قسم السنة وعلومها
دار العاصمة
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
حُقُوق النشر مَحْفُوظَة
النشرَة الأولى ١٤٠٩ هـ
دَار العاصمة
الرياض - المملكة الْعَرَبيَّة السعودية
ص ب ٤١٥٠٧ - الرَّمْز البريدي ١١٥٥١ - هَاتِف ٤٩١٥١٥٤
стр. 3
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(١) تقديم
أهمية تحقيق كُتب السنة عمومًا، وتحقيق هذا الشرح خصوصًا
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خير الخلق وخاتم الأنبياء والمرسلين، ورحمة الله للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
... وبعد:
فإن تحقيق وضبط نصوص السنة سندًا ومتنًا، هو أساس العناية بها، وطريق الإفادة منها منذ فجر الإسلام؛ حيث قام الصحابة رضوان الله عليهم، ثم من جاء بعدهم بالجمع بين حفظ السنة وضبطها في الصدور، وبين كتابتها وضبطها في المسطور، مع الحرص على صيانة المكتوب عن الدس فيه، وعن تطرق الدخيل إليه.
ونقل اللاحقون من الأصول الخطية للسابقين نسخًا فرعية، وقابلوها بأصولها المنقولة عنها، وبغيرها، وصار لهم في ذلك أعراف واصطلاحات يعمل بها للتحقق من صحة الفرع، ومطابقته للأصل، مع تصويبهم لما يوجد في صلب النص من خطأ أو مَحْوِهم له، وتداركهم للسقط، وتوضيحهم في الحواشي لفروق النسخ، وللغامض -في نظرهم- من النص.
وعلى ضوء ذلك تحملوا الثابت المحقق ثم أدوه لمن بعدهم موثقًا بطرق التحمل المعتبرة، فكان ذلك إحياء وحفظًا للسنة ونشرًا لها في كل جيل، وصقع وقبيل، وواكبه إرساء قواعد واصطلاحات للمحدثين في كتابة الحديث وضبطه، وكانت وما زالت تمثل أصول وقواعد تحقيق النصوص عمومًا ونشرها.
стр. 4
وإيمانًا مني بهذه الأهمية والأصالة لتحقيق نصوص السنة وعلومها، اتجهت -بعد الاستخارة- إلى تحقيق ما تيسر لي من هذا الكتاب، مع التعليق عليه بما رأيت أنه يخدم النص، ويساعد على فهمه والاستفادة منه بإذن الله.
كما كان اختياري لهذا الشرح دون غيره، لما بدا لي من أهمية خاصة له أُجمِلُها في الآتي:
١ - إِن هذا من شروح أحد الكتب الستة المشهورة، التي هي: الصحيحان وسنن أبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجه، ولم أقف حتى الآن على شرح من شروح تلك الكتب -فضلًا عن غيرها- محققًا تحقيقًا علميًا، حيث إن كل المطبوع بين أيدينا -رغم؛ فائدته الكبرى- مصحح فقط على بعض نسخه الخطية، ومعظم التصحيح، إِن لم يكن كله، بواسطة غير المختصِّين، وكثيرًا ما يضن الطابعون لتلك الشروح بذكر النسخة أو النسخ الخطية التي اعتُمدَتْ قي الطبع حتى يمكننا تحديد درجة الوثوق بتلك الطبعة، ومراجعة أصلها عند الحاجة.
٢ - إن مؤلف هذا الشرح معدود من حفاظ الحديث الذين يعول عليهم، كما سيأتي في التعريف به، وقد صار كثير من آرائه التي أودعها في شرحه هذا، محورًا دارت حوله مناقشات وآراء من جاء بعده، وخاصة ما جاء في مقدمته الثانية لهذا الشرح من المسائل والقواعد المتعلقة بمصطلح الحديث وقواعده عند الترمذي وعند غيره، ويمكن التحقق من ذلك بمراجعة تلك المقدمة مع تعليقي عليها.
٣ - إن هذا الشرح يمثل في عمومه رأس حلقة من حلقات شروح الترمذي بين من تقدم وبين من تاخر من شراحه، كما سيأتي تفصيله، وتلك الحلقة بعضها مفتقد، وإن وجدت بعض نسخه الخطية، وبعضها مفقود حتى الآن.
فلعل تحقيق ونشر ما وُجد من هذا الشرح ينبه أذهان المختصين بعلوم السنة، والغيورين عليها إلى الشروع في تحقيق الموجود من تلك الحلقة،
стр. 5
وإلى البحث الدائب عن المفقود منها، ثم إحياء ما يوجد، بالتحقيق والنشر.
٤ - وأيضًا فإن تحقيق هذا الشرح ونشره يبين عمليًا الفارق العلمي الكبير بين تحقيق نصوص الشروح، وبين تصحيحها فقط دون توثيق أو تعليق.
وصلتي بهذا الشرح لابن سيد الناس، وبتكملته للحافظ زين الدين العراقي (ت ٨٠٦ هـ) وما يتعلق بهما من بحوث، كل ذلك يرجع إلى أزيد من خمس عشرة سنة ماضية، عندما كنت أُعِدُّ رسالتي للعالمية (الدكتوراه) بكلية أصول الدين -جامعة الأزهر- في موضوع (الحافظ العراقي وأثره في علوم السنة)، فقد وقفت حينذاك على مجلد وحيد بدار الكتب المصرية من تكملته لهذا الشرح (١)، وهو من مسودة العراقي بخطه، كما يظهر ذلك خلاله بوضوح، ورغم صعوبة قراءة المسوَّدات عمومًا، فإني قد قرأت المجلد بأكمله، كما أن ظروف حرب مصر مع إسرائيل آنذاك قد اقتضت نقل كل المخطوطات إلى مستودعات حصينة لحفظها من أي عدوان مفاجئ، ومُنِع الاطلاع عليها لأجل غير مسمى، فاضطررت خلال فترة الإِنذار بالمنع إلى نسخ معظم هذا المجلد بيدي، واستكمال نسخ الباقي بواسطة بعض إخواني الأفاضل، مع مراجعتي، وقد كان ذلك مما نبهني إلى قيمة تكملة العراقي هذه بالنسبة إلى المتداول من شروح الترمذي حاليًا، ونبهني أيضًا إلى ضرورة البحث عن أول الشرح الذي أنجزه ابن سيد الناس، قبل تكملة العراقي، وكذا البحث عن باقي المجلدات التي لا توجد في القاهرة من تكملة العراقي.
وقد تبين لي بالبحث في فهارس المخطوطات أن أكبر قدر من نُسخ هذا الشرح لابن سيد الناس، وتكملته للعراقي موجود في مكتبات تركيا والمكتبة المحمودية بالمدينة المنورة، وبمعونة صادقة من بعض زملائي الذي كان يعمل آنذاك بالسعودية، حصلت على صورة ميكروفيلمية للموجود بالمكتبة المحمودية،
стр. 6
وكذلك حصلت على صورة مماثلة للموجود بتركيا بمعونة كريمة من أحد الأساتذة الذي التقيت به في الرياض عاصمة المملكة العربية السعودية، وأسال الله تعالى له الرحمة الواسعة.
وبقراءتي لمعظم الموجود في شرح ابن سيد الناس هذا، ولعدة مجلدات من تكملة العراقي، لمست أهميتهما، مع أنهما غير كاملين، ووجدت أن غيرهما من شروح الترمذي، السابق منها واللاحق حتى الآن، لا يغني عنهما.
ومن هنا اتجهت بعد الفراغ من مرحلة (الدكتوراه) إلى مواصلة العمل في تحقيق ونشر الموجود من هذا الشرح وتكملته للعراقي.
وأحمد الله تعالى على توفيقي لذلك -رغم تعدد الصوارف الضرورية- حيث استكملت نسخ الباقي من نسخة تركيا لهذا الشرح، وقابلت جزءًا غير قليل منه، وحققته تمهيدًا لنشره بعد هذا القسم في أقرب وقت بإذن الله.
كما أني نسخت مجلدين من تكملة العراقي، تمهيدًا لتحقيقها وموالاة نشرهما إذا امتد بي الأجل، مع العافية، وخفة الشواغل العلمية الأخرى، والله الموفق.
***
стр. 7
(٢) خطة الدراسة والتحقيق والتعليق
هذا وقد جعلت خطة إخراج هذا القسم من شرح ابن سيد الناس، بعد تلك المقدمة تنقسم إلى قسمين، تعقبهما الفهارس.
القسم الأول: دراسة عن المؤلف وعن الكتاب وتشمل:
١ - التعريف بالمؤلف.
٢ - دراسة الكتاب.
القسم الثاني: ويشمل:
١ - بيان عملي في تحقيق الكتاب والتعليق عليه.
٢ - النص محققًا معلقًا عليه طبقًا لخطة العمل.
ثم الفهارس الفنية التي تُيسِّر الاستفادة من الكتاب.
ولما كان الفهرس التفصيلي لموضوعات أصل الكتاب والتعليق عليه، هو المفتاح لكل مشتملاتهما، والوسيلة المُيَسِّرة للوصول إلى صغير المحتويات وكبيرها؛ لذا، فإني عُنِيتُ بإنشاء عناوين هذا الفهرس وتفصيله، حتى إن القارئ له يكاد يحصل على مختصر لأصل الكتاب والتعليق عليه.
وقد دعاني إلى ذلك أن التقسيم الموضوعي لأصل الكتاب مجمل جدًّا، نظرًا لما جرى عليه المتقدمون من أن على طالب الاستفادة بكتاب كهذا أن يقرأه كله، حتى يصل إلى خبايا الزوايا، من إلى ما هو في غير المَظِنَّة، أَوْ على الأقل يقرأ الباب المتعلق بموضوعه ليحصل على مطلوبه.
стр. 8
وفي التعريف بالمؤلف، لم أشأ التوسع في دراسة شخصيته من مختلف جوانبها؛ لأن ذلك ليس مقصودي الأصلي، وفي نفس الوقت لم أجعلها ترجمة تقليدية قاصرة، بل حَرَصْتُ مع الإِيجاز على بيان العناصر المتكاملة لشخصيته العلمية ومكانَتها، مع إبراز الجانب الحديثي الذي غلب عليه وعُرِف به، وظهر نتاجه العلمي في إطاره، وفي مقدمته ما شرحه من جامع الترمذي الذي وفقني الله تعالى لتحقيق هذا القسم منه، مع التعليق عليه.
فذكرت اسمه ونسبه، ونسبته، ولقبه، وكنيته التي عُرِف بها، وتمييزه عمن شاركه فيها. ثم تحقيق تاريخ مولده، وبيئته، ونشأته العلمية بعناية والده، الذي جمع له بين مسؤولية الأب، وبين الأستاذية له.
كما بينتُ طلبه للحديث، ورحلته فيه، وثمرات ذلك، ثم ملازمته وتَخَرُّجه، ثم دراساته الأخرى التي تكاملَتْ بها شخصيتُه العلمية والحديثية.
ثم عَرَّفْتُ بشيوخه بإجمال عام لتوضيح كثرتهم، وبيان مظاهر تأثيرهم العام على تكوينه الحديثي، ونتاجه العلمي، وأتبعته بتعريف موجز بشخصين من شيوخه، وبشيخةٍ له، مع بيان أثر كلٍّ منهم فيه. ثم بينت توثيقه ومواهبه، والجواب عما انتُقِد به، ثم نشاطه العلمي وأَلقابه، ومكانته الحديثية، ثم وظائفه العلمية وأثرها في خدمة علوم السنة، ثم عَرفتُ بتلاميذ المؤلف بإجمال وبنموذَجَين منهم بالتحديد، وبيان تأثير المؤلف فيهم، ثم عَرفْتُ بما وقَفْت عَليه من مؤلفاته، مع بيان المخطوط منها والمطبوع، أو المتضمن في غيره، أو المنسوب خطأ اليه. ثم ذكَرت وفاته وتشييع جنازته وبينت مكان دفنه، ثم رثاءه الدال على مكانته في علم الحديث وغيره، وعلى محاسنه، وأخلاقه، وبذلك انتهت ترجمته طبقًا لمسيرة حياته إلى نهايتها.
أما الدراسة عن الكتاب فتشمل الآتي:
١ - تسمية الكتاب.
٢ - إثبات نسبته إلى المؤلف، وإسناده إليه.
٣ - تحقيق القول فيما أنجزه المؤلف من هذا الشرح، وبيان الموجود منه حاليًا.
стр. 9
٤ - مكانة الكتاب بين أهم شروح الترمذي.
٥ - منهج المؤلف في الشرح، وموازنته إجمالًا بمناهج أهم الشروح لجامع الترمذي من قبله، ومن بعده.
٦ - أهم مميزات الشرح، وبعض الملاحظات عليه.
٧ - أثر الكتاب فيما بعده من شروح جامع الترمذي وغيره.
٨ - أما عملي في تحقيق الكتاب والتعليق عليه، فبينت فيه الآتي:
(أ) التعريف بنسخ الكتاب الخطية، وبيان المعتمد عليه منها.
(ب) خطوات تحقيق النص والتعليق عليه.
(ج) بيان صعوبات تحقيق نصوص هذا الشرح.
(د) عمل الفهارس الفنية للكتاب.
وإني لأرجو أن أكون بذلك قد وُفِّقْتُ في خدمة هذا الشرح، وإحيائه بعد افتقاده وقدمتُ به نموذجًا لتحقيق شروح كتب السنة تحقيقًا علميًا لائقًا، ثمارها دانية لطلابها، إن شاء الله.
***
стр. 10
القسم الأول
ويشتمل على:
أولًا: التعريف بالمؤلف.
ثانيًا: دراسة عن الكتاب.
стр. 11
أولًا: التعريف بالمؤلف
١ - اسمه ونسبه:
اتفقت مصادر ترجمة المؤلف على اسمه وسياق نسبه، وأطول نسب له، ساقه الحافظ ابن حجر، ومن بعده السيوطي، فقالا: محمد بن محمد بن محمد بن أحمد بن عبد الله بن محمد بن يحيى بن محمد بن أبي القاسم بن محمد بن عبد الله بن عبد العزيز بن سيد الناس، بن أبي الوليد بن منذر بن عبد الجبار بن سليمان (١).
٢ - نسبته:
تعددت نسبة المؤلف باعتبارات متعددة، فقيل له: الرَّبَعِي (٢)
стр. 12
اليَعمُري (١) باعتبار أصله الذي ينتمي إليه (٢).
وقيل له: الأندلسي، الإشبيلي، ثم المصري، القاهري، وهذه النسب باعتبار الموطن؛ فأصله من الأندلس، وبلدهم منها إشبيلية (٣)، فنسب إلى العام ثم إلى الخاص ونُسب إلى مصر ثم إلى القاهرة؛ لانتقال والده إلى مصر، وإقامته بالقاهرة، حيث وُلد المؤلف بها (٤). وقيل له (الشافعي) نسبة إلى مذهب الإِمام الشافعي في الفقه (٥).
وأشهر تلك النسب إطلاقًا عليه هي (اليَعمُري) حيث يُذكَر بها كثيرًا (٦).
٣ - لقبه، وكنيته:
لقب المؤلف بـ (فتح الدين) (٧)، وله ألقاب أخرى علمية يأتي ذِكرُها في مكانته العلمية.
стр. 13
أما كنيته، فقد كُني بابي الفتح، كَناه بذلك أول من أجازه بالحديث، وهو عبد اللطيف بن عبد المنعم بن علي، المعروف بالنجيب الحَرَّاني، كبير المسندين بمصر في وقته (١) حيث إن والد المؤلف أحضره في سنة مولده عند النجيب، فأجلسه في حجره وقَبَّله، وكناه بأبي الفتح، وأجازه برواية الحديث، وكان بعد ذلك يسأل والده عنه (٢) وقد كان ابن دقيق العيد شيخ المؤلف، يناديه بتلك الكنية في درسه، كما سيأتي (٣) واستخدمها الصفدي في مكاتباته له غير مرة؛ فمرة يقول له عن تلقي جوابه: وتلقيته بالضم إلى قلب لا يجبر منه الكسرَ غيرُ الفتح (٤) ومرة يقول: بُدِئ الجناس بالبُستي وخُتم بمولانا، وكلاكما أبو الفتح، فصح القياس (٥).
وهناك كنية أخرى له، وهي (ابن سَيِّد الناس) وقد ذكرها له، كل الذين ترجموا له، وهي أشهر ما عُرف به، كما قرر ذلك غير واحد كالإِسنوي، وابن قاضي شهبة فقالا: المعروف بابن سَيِّد الناس (٦).
٤ - تمييزه عمن يشاركه في كنيته:
هذا وتطلق كنية (ابن سيد الناس) هذه على غير واحد من أسرة المؤلف، وأقربهم والده وجَدُّه، وأخ له أصغر منه، ويشاركه في بعض شيوخه، ولكن يمكن تمييزه عن هؤلاء وغيرهم، بما لكل منهم من كنية أخرى، مثلًا؛ فوالد المؤلف يُكنى بأبي عمرو (٧) وجده يكنى بأبي بكر، ولم تعرف له رحلة علمية إلى
стр. 14
المشرق (١) وأخوه يكنى بأبي القاسم (٢)، وهو كما تقدم يُكنى بأبي الفتح، فيتميز بها، إذا لم يعرف الشخص مميزات غيرها.
٥ - تحقيق تاريخ مولده:
لقد أرخ المؤلف بنفسه مولده فقال: ومولدي في أربع عشر ذي القعدة سنة ٦٧١ هـ بالقاهرة (٣) وقد مشى على هذا من المترجمين له: الإسنوي (٤) وابن حجر (٥) وذكر السيوطي الشهر والسنة، ولم يذكر اليوم (٦) وذكر ابن شاكر الكتبي: اليوم والشهر، وتحرفت السنة من ٦٧١ هـ إلى ٦٦١ هـ (٧)، أما ابن كثير، فخالَف في اليوم والشهر حيث قال: ولد في العَشر الأُول من ذي الحجة سنة ٦٧١ هـ (٨) وذكر ابن السبكي شهر ذي الحجة من نفس السنة، ولم يذكر اليوم (٩) أما ابن قاضي شهبة فتردد، حيث قال: ولد في ذي القعدة، وقيل في ذي الحجة سنة ٦٧١ هـ (١٠).
والذي يترجح من ذلك هو الأول، لأنه قد قرره بنفسه، فلا يعارضه غيره.
٦ - بيئته ونشأته العلمية بعناية والده:
قرر المترجمون للمؤلف أنه من بيت رياسة وعلم (١١)، أما الرياسة ففي
стр. 15
موطنه الأصلي بإشبيلية، حيث أشار إلى ذلك الحافظ ابن حجر فقال في ترجمة المؤلف: وكان ابن عمه خَيِّرًا، قائدًا، حاجبًا بإشبيلية (١)، وقد كان المؤلف على صلة بباقي أسرته هناك، رغم استقراره بمصر، فقد كتب قصيدة طويلة في مدح ابن عمه المذكور، وأرسلها إليه (٢).
وأما العِلْم، فقد اشتهر من أسرته جماعة من العلماء بالأندلس ومصر وإفريقيا (٣)، وخير دليل على ذلك سياق نسب المؤلف في تراجمه، إذ يقول التاج ابن السبكي عنه: الحافظ الأديب ... بن الفقيه أبي عمرو بن الحافظ أبي بكر (٤).
وقد كان لهذه البيئة العلمية أثرها في نشاة المؤلف نشأة علمية حديثية مبكرة، وكان والده أحد شيوخه في علم الحديث (٥) وروى عنه عدة كتب بسنده عن شيوخه (٦).
كما ذكرت مصادر ترجمته أنه كان له، أو لوالده مكتبة تحوي أمهات كتب السنة (٧). وتسلسلت بعض رواياته عن أبيه عن جده (٨) ونقل في كتابه عيون الأثر عن بعض تعاليق جده عن شيوخه (٩).
ولم تقتصر عناية والده به على جهده هو، بل إنه أحضره في سنة مولده
стр. 16
على النجيب الحراني -كما ذكرت آنفًا- فأجازه النجيب برواية الحديث، وهو كما قال الذهبي: كبير المسندين (١) بعني بمصر في وقته. وبذلك توفر للمؤلف علو السند، منذ طفولته، خاصة وأن والده لم يقتصر به على اجازة النجيب هذه، بل استجاز له جماعة غيره، حيث أشار المؤلف إلى ذلك فقال بعد ذكر إجازة النجيب، وأجاز لي بعده جماعة (٢).
وواصل الوالد عنايته بولده، فلما بلغ الرابعة من عمره، وهي سن حضور الأطفال العاديين مجالس الحديث (٣) أحضره والده أيضًا مجالس جماعة من أعيان المحدثين، وقرر ذلك المؤلف بقوله: ثم في سنة خمس وسبعين -يعني وستمائة- حضرت مجلس سماع الحديث عند جماعة، من الأعيان، منهم: الحبر الإِمام شيخ الإسلام، شمس الدين أبو عبد الله، محمد بن إبراهيم بن عبد الواحد المقدسي ... وأثبت اسمي في الطباق (٤) حاضرًا، في الرابعة (٥) يعني من عمره ...
وقال الصفدي وابن شاكر الكتبي: وسمع حضورًا سنة خمس وسبعين -يعني وستمائة- من القاضي شمس الدين محمد بن العماد (٦) وقال
стр. 17
ابن حجر: ثم أحضره -يعني والده- في الرابعة على شمس الدين المقدسي (١).
وبعد مرحلة الإِحضار هذه، تأتي مرحلة السماع، وهي التي تكون من سن الخامسة على عادة المحدثين (٢) وقد استمرت عناية والده به فيها أيضًا، حتى إنه كان يتولى بنفسه القراءة على المحدث، ويسمع ابنه بقراءته، فقد روى بذلك المؤلف بعض مسموعاته فقال: أخبرنا أبو العز عبد العزيز بن عبد المنعم بن علي الحراني ﵀ بقراءة والدي ﵀ عليه وأنا أسمع سنة ٦٧٦ هـ قال: أخبرنا أبو علي ... إلخ (٣).
ويلاحظ أن تاريخ سماعه المذكور في بداية سن السماع، وبعد حضوره مجلس المقدسي المتقدم، بعام واحد، وفي سنة ٦٧٧ هـ سمع "الشفاء" للقاضي عياض بقراءة والده على ابن رشيق بمصر" (٤).
وقد أخرج في شرحه لجامع الترمذي بعض مروياته بقراءة والده وهو يسمع على الشيخ أبي الفضل الموصلي، قال: أنا ابن طَبْرَزْد (٥)، وسمع الغيلانيات أيضًا بقراءة والده على الشيخ المذكور (٦) وسمع صحيح البخاري كذلك بقراءة والده على الشيخ عبد العزيز الحرَّاني (٧).
٧ - طلبه للحديث ورحلته فيه:
بعد أن اجتاز ابن سيد الناس بعناية والده مرحلة الاستجازة والإِحضار، وطرفًا من السماع، كما تقدم، ووصل إِلى سن الطلب بنفسه للحديث، واصل
стр. 18
السماع من الشيوخ والكتابة عنهم بنفسه، والقراءة عليهم، وقد حدد هو تاريخ الشروع في ذلك فقال: ثم في سنة ٨٥ - يعني وستمائة- كتبت الحديث عن شيخنا الإمام قطب الدين أبي بكر محمد بن أحمد القسطلاني ﵀ (١) بخطي، وقرأت عليه بلفظي وعلى الشيوخ من أصحاب المسنِد أبي حفص بن طَبْرزَد (٢) والعلامة أبي اليُمْن الكندي والقاضي أبي القاسم الحرستاني، والصوفي أبي عبد الله بن البنا، وغيرهم، بمصر، والإسكندرية والشام والحجاز، وغير ذلك (٣).
وقال الحافظ ابن حجر: وسمع على القطب القسطلاني، والعز الحراني، وابن الأنماطي (٤) وغازي -يعني الحلاوي- وابن الخيمي، وشامية بنت البكري، ثم قال: وطلب بنفسه وكتب بخطه، وأكثر عن أصحاب الكندي، وابن طبرزد (٥).
وقال الصفدي: وسمع بمصر من العز عبد العزيز بن الصيقل، وغازي الحلاوي، وابن خطيب المزة، والصفي خليل، وتلك الطبقة، وتنزل في الأخذ من أصحاب سبط السلفي، ثم إلى أصحاب الرشيد العطار (٦).
أقول ومن تمام طلب الحديث أن يأخذ العالي والنازل من الأسانيد، وهكذا فعل المؤلف بتنزله هذا، مع توفر الأسانيد العوالي لديه منذ سنة ولادته كما تقدم.
أما رحلته في طلب الحديث فيشير إليها قوله السابق: إنه قرأ بلفظه على الشيوخ الذين أشار إليهم، بالاسكندرية والشام والحجاز، وغير ذلك، فهذا يدل على رحلته إلى تلك البلاد في طلب الحديث، كما أن تحديده بداية شروعه
стр. 19
في الطلب بنفسه بسنة ٦٨٥ هـ كما تقدم، يفيد أن رحلاته بدأت من تلك السنة فما بعدها.
وقد قرر الصفدي ذلك فقال: وفي سنة ٨٥ - يعني وستمائة- كتب الحديث بخطه عن الشيخ قطب الدين بن القسطلاني، وقرأه بلفظه عليه، وعلى أصحاب ابن طَبْرَزْد وأصحاب الكِندي وابن الحرستاني، بمصر والشام والحجاز والإِسكندرية (١).
ولم أجد تحديدًا لتاريخ رحلاته إلى تلك البلاد، غير الشام، حيث قرر المؤلف بنفسه سنة دخوله إلى دمشق، وتفاصيلَ عن تلقيه الحديث بها، فقال: ثم دخلت دمشق في حدود سنة تسعين وستمائة، فألفيت بها الشيخ الإمام، شيخ المشايخ -يعني أحمد بن إبراهيم بن عمر الفاروثي- وقال عنه: كان ممن قرأ القرآن بالحروف -يعني القراءات- وازدحم الناسِ على القراءة عليه، والفوز بما لديه، وطلب الحديث قديمًا، ولم يزل لذلك مديمًا وللسنة النبوية خديمًا حتى لقد سمعت بقراءته بدمشق على ابن مؤمن، وابن الواسطي، قطعة كبير من المعجم الكبير، لأبي القاسم الطبراني وربما قرأت عليه وعلى ابن الواسطي شيئًا مما اشتركا فيه من الروايات العراقيات عن عمر بن كرم، والسهروردي، وأمثالهما، ثم قال: ناولته يومًا استدعاء -يعني طلب- إجازة ليكتب عليه فكتب مرتَجلًا .... وذكر نظم الإجازة في ثلاثة أبيات، ثم أرخ وفاة الفاروثي هذا في مستهل ذي الحجة سنة ٦٩٤ هـ بواسطة القصب من أرض العراق (٢).
أقول: وتأريخه دخول دمشق هذا بقوله: في حدود سنة ٦٩٥ هـ يشير إلى أن هذا تحديد تقريبي، وقد حدد غيره تحديدًا دقيقًا فذكر الذهبي والصفدي وابن رجب وغيرهم: أن ابن سيد الناس رحل إلى دمشق ليدرك الفخر ابنَ البُخاري ففاته بليلتين، فتألم لذلك (٣) وقال ابن حجر: ورحل إلى دمشق،
стр. 20
فاتفق وصوله عند موت الفخر ابن البخاري فتألم لذلك (١).
وحدد الاسنوي الموضع الذي وصله ابن سيد الناس عند موت ابن البخاري فقال: ورحل إلى الشام سنة ٦٩٠ هـ ليدرك الفخر بن البخاري، فمات وهو بالكسوة (٢) أقول: والكسوة هذه قرية على مشارف دمشق بالنسبة للخارج إلى القاهرة (٣) وعندما نراجع تاريخ وفاة ابن البخاري نجده محددًا بضحى يوم الأربعاء ٢ ربيع الأخر سنة ٦٩٠ هـ (٤).
ومقتضى هذا أن ابن سيد الناس وصل الكسوة المشار إليها آنفًا في هذا التاريخ ووصل منها إلى دمشق بعد يومين أي في ٤ أو ٥ ربيع الآخر سنة ٦٩٠ هـ.
وهذا يُشكِلُ عليه ما ذكره الذهبي وغيره من أن الفاروثي الذي وجده ابن سيد الناس في دمشق، قد دخلها سنة ٦٩١ هـ (٥) فكيف يلقاه ابن سيد الناس فيها في ربيع الأخر أوما بعده من شهور سنة ٦٩٠ هـ؟. خاصة وأن عبارة ابن سيد الناس تفيد سبق وجود الفاروثي على دخوله هو، حيث يقول كما تقدم: (ثم دخَلْت دمشق في حدود سنة ٦٩٠ هـ فألفَيت بها الشيخ ... إلخ هـ؛ فلا أرى هذا يستقيم، إلا إذا قيل: إن في تحديد تاريخ أي منهما وهمًا أو تجاوزًا.
وعلى كل فإن تألم ابن سيد الناس لعدم ادراك السماع من ابن البخاري؛ لأنه كان متفردًا بالرواية عن شيوخ كثيرة (٦) وانتهت إليه الرياسة في الرواية (٧)
стр. 21
وقال الذهبي (هو آخر من كان في الدنيا بينه وبين النبي ﷺ ثمانية رجال ثقات) قال ابن رجب: يريد بالسماع المتصل (١).
ولعل فوقه كان حافزًا للمؤلف على تعويض ذلك بإكثار الأخذ عمن أدركهم غيره، في تلك الرحلة، قال ابن حجر: وأكثر عن الصوري، وابن عساكر وابن المجاور، وغيرهم (٢).
وزاد الصفدي على هؤلاء فقال: وأبي إسحاق بن الواسطي، وطبقتهم (٣). وقال ابن كثير: ودخل دمشق سنة ٩٠ هـ -يعني وستمائة- فسمع من الكِنْدي وغيره (٤). وقال ابن قاضي شُبهة: وسمع الكثير من الجم الغفير (٥).
وبتلك الرحلات والأخذ فيها عمن أدركهم من عيون المحدثين والمسندين، ازدادت حصيلته من الرواية والدراية، وتوافرت له الأسانيد العالية والنازلة.
وقد سأل ابن أيبك مسائل لابن سيد الناس عن أحفظ من لقيه، فجمع له من ذلك عددًا غير قليل، كما سيأتي ذكره في مؤلفاته (٦).
ثم إنه لم يكتف بذلك، بل اجتهد في تحصيل إجازات المحدثين، خاصة من أهل البلاد التي لم يُعرَف له رحلة إليها، كما أشار إلى ذلك، حيث قال: وأجاز لي جماعة من الرواة بالحجاز والعراق والشام، وإفريقية والأندلس، وغيرها
стр. 22
ممن يطول ذكرهم (١) وقال ابن حجر: وأجاز له جَمع جَم من العراق وإفريقية وغيرها (٢).
وقال ابن كثير: وسمع الكثير، وأجاز له الرواية عنهم جماعات من المشايخ (٣). ومن أجل هذا حَق للذهبي وغيره أن يقول: لعل مشيخته يقاربون الألف (٤).
٨ - ملازمته وتَخَرُّجه:
بعد أن توافر لابن سيد الناس معظم عناصر تكوين شخصيته الحديثية من حضور وسماع، للعالي والنازل من أسانيده، وكتابة للحديث عن الشيوخ وقراءة عليهم، ورحلة إِليهم. وإجازات منهم، يبقى عنصران هامان، وهما الملازمة والتخرج في علم الحديث، وذلك يستدعي القيام بملازمة عالم أو أكثر من علماء الحديث مدة كافية، بمعنى أن الطالب يواظب على حضور دروس الشيخ ومجالسه الحديثية؛ بحيث يثمكن من مدارسة فنون الحديث، ودرايتها، ويتمرس بالفن، حتى يتضح لشيخه أنه قد أصبح كفء لإفادة غيره من طلاب الحديث، وعندئذ يكتب له إِجازة برواية الحديث وتدريسه ويقال حينئذ: إن هذا التلميذ قد تخرج على الشيخ الفلاني أو المشايخ في علم الحديث قال في المعجم: خَرَّجَه في العلم أو الصناعة دربه، وعلمه، والمتعلم: خِرِّيج (٥).
وقد ذكر الحافظ ابن حجر أن ابن سيد الناس قد لازم ابن دقيق العيد (٦) ولم يحدد مدة، أنها ابن قاضي شهبة فقال: وأخذ علم الحديث عن والده،
стр. 23
وابن دقيق العيد ولازمه سنين كثيرة، وتخرَج عليه، وقرأ عليه أصول الفقه (١) وقال السيوطي: ولازم ابن دقيق العيد، وتخرج عليه، وأعاد عنده عليه يعني في الحديث، حيث كان ابن دقيق العيد شيخ الحديث بالمدرسة الكاملية بالقاهرة (٢) وقد قال الصفدي: كان الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد يحبه، ويؤثره، ويركن إلى نقله، ثم أيد ذلك بما حكاه عن زميل لابن سيد الناس، وهو القاضي إسماعيل بن القيسراني قال: كان الشيخ تقي الدين إذا حضرنا درسه، وتكلم، فإذا جاء ذكر أحد من الصحابة، أو أحد من رجال الحديث قال: ايش ترجمة هذا يا أبا الفتح؟ فيأخذ فتح الدين في الكلام وشرد، والناس كلهم سكوت، والشيخ مصغ إلى ما يقوله أ. هـ (٣).
ومن هذا كله يتضح أن تخريج ابن دقيق العيد له كان في علم الحديث.
غير أن الحافظ ابن حجر قال: ولازم ابن دقيق العيد، وتخرج عليه في أصول الفقه، وأعاد عنده (٤) ولم يذكر تخرجه به ولا بغيره بها علم الحديث، مع أنه لا بد أن يكون قد تخرج في هذا العلم وأجيز بتدريسه، لكونه تولى مشيخة الحديث في الظاهرية، كما سيأتي في (وظائفه) وهذا لا يتأتى بدون إجازة وتخرج، فلعل الحافظ ابن حجر لم يذكر تخرجه بابن دقيق العيد في الحديث لظهوره، حيث إن ابن دقيق العيد أذن له بالإِعادة عنده في الحديث، وعول على كلامه فيه أثناء دروسه كما ذكرت، وهذا يقتضي تخرجه فيه، ولم أجد ذكرًا لملازمة ابن سيد الناس ومباحثته في الحديث هكذا مع أحد غير ابن دقيق العيد، فيكون ابن سيد الناس قد تخرج به في علم الأصول بجانب تخرجه به في علم الحديث.
وبهذا اكتملت لابن سيد الناس أكثر جوانب شخصيته الحديثية، رواية ودراية وتخرجًا، وتأهل بذلك لما سيأتي في جوانب الإِثمار، من أداءٍ لما تحمل، وتدريس لما تعلم، وتأليف لما تمكن من التأليف فيه.
стр. 24
٩ - دراساته الأخرى:
لم تكن عناية المؤلف بتحصيل علوم السنة واختصاصه بها، مانعة له من دراسة بقية العلوم الإِسلامية، بل إن علوم السنة يَحتاجُ التمكنُ منها إلى دراسة العلوم الأخرى المساعدة على ضبطها، وفهمها، والإستنباط منها، فتكون أدوات معينة، ومكملة لشخصية المحدث العلمية.
ولذا جاء في مصادر الترجمة للمؤلف أنه بجانب اشتغاله المكثف بعلوم الحديث قد اشتغل بتحصيل عدة علوم أخرى مثل أصول الفقه، الذي تقدم قول ابن حجر إن ابن سيد الناس تخرج فيه على ابن دقيق العيد.
وذكر غير واحد ممن ترجمه أنه حفظ كتاب (التنبيه) (١) وهو أحد متون الفقه الشافعي، وقال الإسنوي وابن قاضي شهبة: إنه تفقه على مذهب الشافعي (٢).
وسيأتي في دراستي عن شرحه للترمذي أنه يعبر عن الشافعية بقوله: أصحابنا. وقال الحافظ ابن حجر: إن ابن سيد الناس أخذ العربية عن بهاء الدين بن النحاس وكتب الخط المغربي، والمصري، فأتقنهما (٣)، وقال الصفدي وابن شاكر: وكتب بالمغربي طبقة، كما كتب بالمشرقي طبقة (٤) وقد قال للصفدي: لم أكتب على أحد (٥) يعني لم يتعلمه على يد أحد الخطاطين، ومع ذلك وُصِف بأنه كان حسن الخط، سريع الكتابة (٦) ولذا سيأتي عدُّ ذلك من مواهبه الشخصية، لكنا ننبه إلى أن أخذ أي علم أو فن عن أهله أولى وأفود، وأبعد عن الزلل.
стр. 25
ومما درسه أيضًا بدون تلمذة على شيخ: علم العروض، فقد قال للصفدي: لم يكن لي في العروض شيخ، ونظرت فيه جُمعة، فوضعت فيه مصنفًا، ثم قال الصفدي: وقد رأيت هذا المصنف (١)، وإلى جانب تأليفه هذا، وُصِف بأنه: كان النظم عليه بلا كلفة، ولا يكاد يتكلم إلا بالوزن (٢) وسيأتي عَدُّ ذلك من مواهبه أيضًا.
وذكر ابن كثير مما برع فيه ابن سيد الناس علم السِير والتواريخ (٣) أقول: ويؤيد ذلك ما سيأتي من تأليفه في السيرة النبوية، وفي تراجم أَحفظ من لَقِي، كما سيأتي أن الصفدي استجازه بما عنده من تفسير كتاب الله، هذا وقد وصف ابن سيد الناس من أكثر من واحد بأنه أديب يجيد فنون الأدب نظمًا ونثرًا، وترسُّلًا، وذُكِرَ في مصادر ترجمته كثيرٌ من نظمه، ونماذج من نثره (٤) ومع هذا لم أجد في مصادر ترجمته المتعددة أخذَه لعلوم الأدب عن أحد؛ غير أنه في مقدمة كتابه "بشرى اللبيب" ذكر أنه روى قصيدة كعب بن زهير: "بانت سعاد" في مدح النبي ﷺ ، ولم يَذكُر من رَواها عنه من شيوخه (٥)، وأيضًا تلميذُه الصفَدي لما طلب منه أنه يجيزه بمروياته، عَد منها كُتبَ الأدب، كما سيأتي، وذلك يدل على معرفته بوجود مرويات من كتب الأدب لدى شيخه، كما أن شيخه قد أجابه بالإجازة بكل ما طَلَب، ومنه كُتب الأدب كما سيأتي ذكره مع إشارته إلى تقدم الصفدي عليه فيه.
стр. 26
١٠ - شيوخ المؤلف وشَيخَتُه ، والتعريف بنماذج متميزة منهم:
(أ) تعريف عام:
تقدم قول الذهبي وغيره: إن شيوخ المؤلف يقاربون الألف.
وهذا يدل بوضوح على اجتهاده في الطلب، وتوسعه فيه داخل مصر التي اتخذها موطنًا، وخارجها، وقد مر معنا ذِكْرُ ابن سيد الناس عددًا من شيوخه الذين أخذ عنهم خلال مراحل طلبه للعلم، كما مر أيضًا ذِكْر المترجمين له بعضَ شيوخه البارزين، ومنهم والدُه (١)، وسيأتي في بيان مصادره الشفاهية في شرحه للترمذي ذِكْره ثلاثة من شيوخه، قرر في شرحه السماع منهم رواية ودراية، ومنهم شيخه الذي روى عنه جامع الترمذي وغيره، حيث ساق سنده بجامع الترمذي في المقدمة الأولى لشرحه، وذكر أن أول من بَيْنَه وبين الترمذي من الإِسناد: شيخُه أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن تَرجم ... ثم قال: وكان صحيح السماع سمعت منه جامع الترمذي وغيره (٢).
وأيضًا تقدم ذكر ابن حجر شيخةً له ضمن من سمع عليهم الحديث، وهي شامية بنت البكري، وسيأتي التعريف بها مفصلًا باعتبارها نموذجًا لإسهام المرأة المسلمة في تحمل الحديث وأدائه في عصر المؤلف.
وفي كتابه (عيون الأثر) أخرج أحاديث كثيرة بسنده عن شيوخه، منذ مرحلة الإحضار في الطفولة بواسطة والده كما تقدم، إلى مرحلة الطلب بنفسه داخل مصر والرحلة خارجها، وساق أيضًا في نهايته أسانيده بأهم مصادره فيه (٣). وأيضًا قد سأله ابن أَيبك عن أحفظ من لَقي، فجمع له عددًا وترجم
стр. 27
لهم، وقد نقل عنه ابن فهد في تراجمه لعدد منهم في ذيل تذكرة الحفاظ، ومنهم:
١ - إسماعيل بن إبراهيم بن عبد الرحمن المخزومي، المعروف بابن قريش المتوفى سنة ٦٩٤ هـ. وقال عنه المؤلف: رَوينا عنه، وكان ممن حصل الرواية والدراية والإسناد (١).
٢ - ومنهم نقيب الأشراف في وقته، عز الدين أبو القاسم أحمد بن محمد بن عبد الواحد الحسيني المتوفى سنة ٦٩٥ هـ، وقال عنه المؤلف: السيد الإمام الحافظ النَّسابَة ... وَردْتُ بَحْره، وحاضرته في عنفوان الشبيبة غير مرة (٢).
كما أنه أشار في ترجمة أحدهم -كما سيأتي- أنه في رحلته الأولى وما بعدها إلى الإسكندرية قد كتب عن زهاء مائة شيخ (٣).
(ب) تعريف بنماذج متميزة من شيوخه ، وبيان أثرهم فيه:
وسأعرف هنا بإيجاز، بنماذج متميزة من شيوخه، بمعنى أن كلا منهم يُمثل جانبًا علميًا وله به أثر في التكوين العلمي لشخصية ابن سيد الناس:
١ - ابن دقيق العيد، وتأثيره:
هو الإِمام الفقيه المجتهد المحدث الحافظ العلامة، شيخ الإسلام، تقي الدين أبو الفتح محمد بن علي بن وهب بن مطيع القشيري، المنفلوطي، الصعيدي، المالكي والشافعي، ولد في شعبان سنة ٦٢٥ بقرب "ينبع" من الحجاز، وتوفي في صفر سنة ٧٠٢ هـ، "ودقيق العيد" لقب لجده "وهب". وصف ابن دقيق العيد بأنه كان إمام أهل زمانه، عارفًا بالمذهبين -يعني المالكي والشافعي- إمامًا في الأصلين -يعني أصول الدين وأصول الفقه- حافظًا متقنًا في الحديث وعلومه ويضرب به المثل في ذلك، اتفِق على أنه المبعوث على رأس
стр. 28
المائة السابعة لتجديد أمر الدين، وولي القضاء سنين، ودرّس بالشافعي، وبدار الحديث الكاملية وصنف كُتبًا جليلة، منها: (الاقتراح) في اختصار كتاب ابن الصلاح، في علوم الحديث (١) ومنها (الإِلمام) في أحاديث الأحكام، مطبوع بدون. تحقيق، ومنها -الإمام بهمزة مكسورة بعدها ميم- حَكى الإِسنوي عن ابن عَدلان: أن الشيخ أكمله، وحسده عليه بعض الكبار في علم الحديث، فدَس من سرق أكثر أجزائه وأعدمها، وبقي منه بأيدي الناس نحو أربعة أجزاء، وقد توسع فيه ابن دقيق العيد كثيرًا، كما يظهر من القطعة الموجودة منه حاليًا (٢). وتأثير ابن دقيق العيد في ابن سيد الناس عميق ومتنوع؛ حيث إنه كما قدمت آنفًا، قد لازم الشيخ سنين كثيرة، حضر فيها دروسه ومباحثاته، وتمرس خلالها بفنون الحديث، وبأصول الفقه، حتى تخرج على الشيخ فيهما، كما شغل وظيفة "معيد" عند الشيخ بمدرسة الحديث الكاملية، وذكر المترجمون لابن سيد الناس كما تقدم، أن ابن دقيق العيد كان يحبه ويُؤْثِره، ويَركَن إلى نقله، فعندما يجلس في الدرس "ويتكلم ويجيء ذكر أحد الصحابة أو الرواة قال: أيش ترجمة هذا يا أبا الفتح؟ فيأخذ فتح الدين في الكلام ويَسرُد، والناس كلهم سكوت، والشيخ مُصغ إلى ما يقوله" (٣).
وكان ابن سيد الناس بدَوْره يُحل شيخَه من نفسه المحل الأعلا، ويقرر تأثيره العلمي فيه، ويقدره حق تقدير، ومما قاله في ذلك: "لم أر مثله فيمن
стр. 29
رأيت، ولا حَملْت عن أجل منه فيما رأيت ورَوْيت" ... في كلام طويل أعطى فيه شيخه حقه من الثناء، وبيان علو مكانته العلمية (١).
وسيأتي في دراسة شرح ابن سيد الناس للترمذي أن من مصادره فيه، النقل المتعدد عن بعض مؤلفات شيخه، وما سمعه منه مشافهة؛ لكن يجدر التنبيه أيضًا إلى أن تأثر المؤلف بشيخه وإعجابه به وتقديره، لم يمنعه من تعقبه في بعض الأحيان فيما ينقله عنه، وهذا هو الموقف اللائق، بالتلميذ من أستاذه، فلا يجعل إعجابه به مانعًا من مخالفته الرأي إذا بدا له أن الحق مع غيره، مع التزامه في ذلك خلق العلماء في الحوار والنقد.
ومن جهة أخرى، فإن أحد أقران ابن سيد الناس وزميله في التلمذة على ابن دقيق العيد، وملازمته قرر: أنه تأثر في منهجه في شرح الترمذي بشيخه فقال: (وشرع لشرح الترمذي، ولو اقتصر على فن الحديث من الكلام على الأسانيد لكمل؛ لكنه قصد أن يَتبع شيخه ابن دقيق العيد، فوقف دون ما يريد!) (٢).
وسيأتي رد كلام هذا القرين من جهة دعواه وقوف ابن سيد الناس دون ما يريد، ولكن المقصود هنا تقرير تأثره بشيخه ورؤية قرينه أنه حاول ترسم خطى شيخه في شرحه للحديث من مختلف جوانبه الحديثية والأصولية والفقهية، واللغوية وغيرها كما سيأتي في بيان منهجه، ولعل قرينه هذا يشير إلى شرح ابن دقيق العيد المسمى (بالإِمام) على شرح كتابه الإلمام، فقد توسع فيه ابن دقيق العيد كثيرًا كما قدمت.
وبهذا يظهر لنا بجلاء أثر ابن دقيق العيد في تلميذه ابن سيد الناس سواء من ناحية شخصه، أو من ناحية تكوينه العلمي، ونتاجه في علوم السنة وغيرها.
стр. 30
٢ - أبو الحسن الغَرَّافِي (١) - أحد شيوخ الرحلة في طلب الحديث:
هو تاج الدين أبو الحسن علي بن أحمد بن عبد المحسن بن أبي العباس، الحسيني الإسكندري، الإمام العلامة، الثقة، الفقيه، ولد بعد العشرين وستمائة، وهو نموذج لشيوخ المؤلف الذين تلقى عنهم الحديث في رحلاته إلى الإسكندرية، وقد ذكره ضمن أحفظ من لَقِي من الشيوخ، وقال عنه: ثم دخلت الإسكندرية، وكتبتُ بها في رحلتي الأولى، وما بعدها عن زهاء مائة شيخ، لم يكن فيهم من بُشار بالعلم إليه، ويعول في المعرفة عليه إلا السيد، الشريف، الإمام، العالم، المحدث، المفيد تاج الدين ... كان ذا معرفة وإتقان، وتقدم بين الأقران، له أسانيد عَلِيَّة، ونظر في الفقه وأهلية ... ، ثم قال: كان شيخًا بدار الحديث البهية، وكتب عنه شيخنا ابن دقيق العيد، وجماعة من الأكابر اهـ. وقد توفي هذا الإمام سنة ٧٠٤ هـ (٢).
وكلام ابن سيد الناس هذا عنه، يفيد أنه كان يقدر شيخه هذا قدره، ويرى تميزه عن باقي شيوخ جهته بالمعرفة وعلو الإسناد، وأنه استفاد منه، وكتب عنه الحديث بأسانيده العالية بحيث ساوى في روايته عنه شيخه ابن دقيق العيد، وهذا يمثل أثر هذا الشيخ في التكوين الحديثي للمؤلف.
٣ - شامية بنت البكري، أَمَةُ الحق، وأثرها:
هذه الشيخة كما قدمت تعتبر نموذجًا لإِسهام المرأة المُسلِمة في عصرها في تحمل الحديث وأدائه لطلابه، واصِلَةً بذلك حَبل سلفها الصالحات، المتسلسل إلى أمهات المؤمنين وغيرهن من حَملة السنة ومؤديها عن رسول الله ﷺ فمن بعده ...
وهي أيضًا دليل على همة المؤلف في الطلب، بحيث لم يقتصر على حملة السنة من الرجال، مع كثرتهم، بل طلب ما عند النساء، خصوصًا ما تفردن بروايته آنذاك كما هو شأن شيخته هذه، فقد ترجم لها الذهبي بقوله: شامية،
стр. 31
أَمةُ الحق، بنت الحافظ أبي علي الحسن بن محمد بن البكري، روت عن جد أبيها، وجدها وحنبل، وابن طَبْرَزْد، وتفردت بعدة أجزاء، توفيت بـ (شَيْزَر) عند أقاربها في أواخر رمضان -يعني من سنة ٦٨٥ هـ- عن سبع وثمانين سنة (١).
ومن ذلك يظهر أنها تميزت بتفردها في وقتها برواية عدة أجزاء حديثية، فاستفاد منها ابن سيد الناس في ذلك، وتاريخ ومكان وفاتها يدلان على أخذه عنها في أواخر أيامها بالقاهرة، وذلك في مرحلة السماع من مراحل طلبه للحديث كما تقدم، وقد روى بعض ما تحمله عنها، فقال: قُرِئ على الشيخة الأصيلة، أمةُ الحق، شامية بنت الإمام الحافظ أبي علي، الحسين بن محمد بن محمد بن محمد البكري، وأنا أسمع، بالقاهرة، قالت: ... وساق سندها إلى أبي القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي ... (٢).
أقول فلعل هذا الحديث، من الجزء الحديثي المعروف لأبي القاسم البغوي (٣) ويكون من الأجزاء التي تفردت بروايتها كما قال الذهبي آنفًا.
٤ - بهاء الدين ابن النحاس - شيخه في علم النحو:
هو محمد بن إبراهيم بن محمد بن أبي نصر، أبو عبد الله، بهاء الدين، ابن النحاس، الحلبي، النحوي، قال عنه الذهبي: العلامة الأوحد، شيخ العربية والأداب بمصر (٤) وقال السيوطي شيخ الديار المصرية في علم اللسان، ولد سلخ جمادي الآخرة سنة ٦٢٧ هـ، وأخذ العربية عن الجمال بن عَمرون، والقراءات على الكمال الضرير، وسمع وروى عن ابن اللَّتِّي، وابن يعيش، وغيرهما، دخل مصر وأخذ من بقايا شيوخها، ثم جلس للإِفادة، وتخرج به جماعة من الأئمة، وفضلاء الأدب، وهو مشهور بالدين والصدق والعدالة،
стр. 32
وحسن الأخلاق، وكان له مكانة كبيرة في نفوس الناس، واقتنى كتب كثيرة، وعرف بحل المشكلات والمعضلات، وفُوِّض إليه تدريس التفسير بعدة أماكن، وكانت مسموعاته من كتب الأدب بأسانيدها، غاية في الكثرة، وتوفي سنة ٦٩٨ هـ (١).
أقول: وهذا الشيخ نموذج لشيوخ المؤلف في العلوم المساعدة لتخصصه الأصلي، وهو الحديث، حيث قرر ابن حجر وغيره أن ابن سيد الناس قد أخذ النحو عنه (٢) فهذا أثره في تكوينه العلمي.
ويلاحظ مما تقدم عنه تضلعه في مرويات كتب الأدب، ومع ذلك لم أجد مَنْ ذكر أَخْذَ المؤلف عنه شيئًا من ذلك، ولا عن غيره، مع أن علم الأدب، هو ثاني علم عُرف به المؤلف بعد علم الحديث، وقد سبق ذكرى لدلائل وجود مرويات أدبية للمؤلف، وإجازته للصفدي بها.
١١ - توثيق المؤلف، والجواب عما انتُقِد به:
لقد دُوِّنَت السنة النبوية في أمهاتها، وحُكِم بالقَبول أو الرد على أكثر أسانيدها المدونة بها؛ ولكن المحدثين في كل عصر ما يزالون يحرصون على توفر الثقة، من عدالة وضبط، فيمن يشتغل بعلم الحديث رواية ودراية، حرصًا منهم على أن سلسلة أسانيد السنة التي اختصت بها الأمة تبقى متصلة بالثقات إلى يوم الدين (٣).
ولذا عَنيَ أكز المعاصرين لابن سيد الناس بتوثيقه، وانتقده بعضهم، بما لم يوافَق عليه، وإليك التفصيل:
(أ) عقيدته:
وصفه البِرْزَالي -وهو معاصره- والصفدي -وهو تلميذه الملازِم- بأنه
стр. 33
كان صحيح العقيدة (١) وقال ابن كثير: وله العقيدة السلفية الموضوعة على الآي والأخبار والآثار، والاقتفاء بالآثار النبوية (٢).
(ب) أخلاقه ومواهبه:
قال الذهبي في معجم شيوخه المختص: كتب بخطه المليح كثيرًا، وقال الشعر البديع، كان حلو النادرة، حسن المحاضرة، جالسته، وسمعت بقراءته، وأجاز لي مروياته (٣).
وقال أيضًا: كان طيب الأخلاق، بَسَّامًا، صاحب دُعابة، ولَعِب، صدوقًا في الحديث حجة فيما ينقله (٤) وقال أيضًا: كان بسامًا، كيسًا، معاشِرًا، لا يحمل هَمًّا (٥). وقال أيضًا: ذو الفنون، والذهن الوقاد، قل أن ترى العيونُ مثله، في فهمه وعلمه، وسيلان ذهنه، وسعة معارفه، وحُسن خطه ... وكان طيب الأخلاق، ذا كرم وبذل، وإعارة لِكُتبه (٦).
وقال البِرْزَالي: كان سريع القراءة، جميل الهيئة، كثير التواضع، طيب المجالسة، خفيف الروح، ظريفًا، كيسًا، له الشعر الرائق، والنثر الفائق، وكان مُحبًا لطلبة الحديث، لم يخلف في مجموعه مثله (٧).
وقال القطب الحلبي -وهو من أقرانه-: ثَبْت فيما ينقل ويضبط، من أحسن الناس محاضرة (٨).
وقال ابن كثير: له جودة البديهة، وحسن الطوية (٩).
стр. 34
وقال تلميذه الصفدي: وكان صحيح القراءة سريعها، كأنها السيل اذا انحدر، سريع الكتابة، كتب خِتْمة في جُمعة ... جيد الذهن، يفهم به النكت العقلية، ويسارع إليها (١)، وقال أيضًا: كان حسن الخط جدًّا، حسن المحاورة، لطيف العبارة، وكان صحيح القراءة سريعًا، ولم أسمع أفصح منه ولا أسرع، وكان يكتب المصحف في جمعة واحدة (٢).
وقال أيضًا: خَطهُ أبهج من حدائق الأزهار، ... حسن المحاورة، لطيف العبارة، فصيح الألفاظ، كامل الأدوات، جيد الفكرة، صحيح الذهن، جميل المعاشرة، لا تُمَل محاضرته ... كريم الأخلاق، كثير الحياء، زائد الاحتمال، حسن الشكل والعِمَّة قل أن ترى العيونُ مثلَه (٣)، وبنحو ذلك وصفه ابن شاكر أيضًا، وهو من معاصريه (٤).
(ج) الانتقادات الموجهة إليه، والجواب عنها:
هذا وقد وجهت إلى ابن سيد الناس بعض انتقادات، معظمها صادر من نفس الذين أثنوا عليه بما تقدم، وجمعوا بين تلك الانتقادات والتوثيق والثناء في سياق متتابع؛ فالصفدي مع وصفه لشيخه بجودة الذهن، وتوقده، قال: ولكن جَمَّد ذهَنه، لاقتصاره به على النقل (٥)، وقال: أيضًا: ولو كان اشتغاله بقدر ذهَنه، كان بلغ الغاية القُصوى، ولكنه كان فيه لَعِب، ثم استدرك قائلًا: على أنه ما خَلَّف مثلَه، لأنه كان متناسب الفضائل (٦).
وقال أيضًا: ولو كان اشتغاله على قدر ذهنه، لبلغ الغاية القصوى، لكنه كان يَتلهَّى عن ذلك بمعاشرة الكبار (٧).
стр. 35
وقال الذهبي -بعد الثناء عليه-: وعليه مآخذ في دينه، وهديه، والله يصلحه وإيانا (١).
وقال أيضًا: ولو أكب على العِلْم كما ينبغي، لشُدَّت إليه الرحال، ولكنه كان يتلهى عن ذلك بمباشرة الكِتْبة (٢).
وقال ابن كثير -بعد الثناء على عقيدته وخُلقه وعلمه كما تقدم-: ولم يَسْلَم من بعض الانتقاد، ... ويُذكَر عنه سوء أدب، في أشياء أخر، سامحه الله فيها (٣).
وقال الكمال الإِدْفَوِي -قرين المؤلف- في كتابه البدر السافر: وخالط أهل السفَهِ وشَراب المُدام، فوقع في المَلام، ورُشِق بسهام الكلام، والناس مَقارِن، والقرين يُكرم ويُهان باعتبار المُقارِن (٤).
والجواب عن كل ذلك من وجهين:
أولًا: أن الذين ذكروا هذه الأمور، قد سبقوها أو أتبعوها بذكر محاسن له تكفي في دفع تأثير تلكم الانتقادات في علمه ودينه، وخلقه، وكأنهم يشيرون إلى أنه مع رفعة مكانته، وشهرته بالعلم والخلق، لم يَسْلَم من بعض الانتقادات التي وجهت إليه وإن كانت غير قادحة في مقابل محاسنه الكثيرة. ويتضح ذلك في مثل قول الصفدي مثلًا؛ فإنه بعد أن قال: (ولكنه كان فيه لعِب) استدرك قائلًا: على أنه ما خَلَف مثلَه؛ لأنه كان متناسب الفضائل.
وأيضًا ابن كثير، والإِدفوي قد عَقَّبا على انتقادهما السابق بأنه مع ذلك لم يَخلُف بعدَه في مجموعه مثلَه علمًا ومعرفة، كما سيأتي في بيان مكانته العلمية (٥).
стр. 36
وقال الذهبي بعد وصفه بالدُّعابة واللعب: إنه كان صدوقًا في الحديث، وإن محاسنه جمة (١).
ثانيًا: وصفُه بجمود الذهن؛ لاقتصاره على النقل، يرده ما سيأتي في دراسة شرحه للترمذي، من أنه جعل من منهجه ابداء آرائه وترجيحاته، وردوده وتعقباته على من سبقه من العلماء، وقد ذكرت هناك أمثلة تؤيد ذلك.
كما ردَدْتُ في دراسة الكتاب أيضًا على قول الإدفوي قرين المؤلف: إنه قَصد أن يتبع شيخه ابن دقيق العيد، فوقف دون ما يريد.
وأما نقد الذهبي له بأنه: كان يتلهى عن الاشتغال بالعلم بمباشرة الكِتْبة، فيجاب عنه بما ذكره الصفدي: أن الشيخ لما عُين في جملة الموقِّعِين بديوان الإِنشاء -كما سيأتي- تقديرًا لموهبته في حسن الخط والأسلوب، صَعُب عليه الاستمرار في المنصب واستعفى منه فاُعفي (٢).
وكذلك نقد الصفدي له بأنه لم يشتغل بالعلم على قدر ذهنه، لأنه كان فيه لعب، ذكر الصفدي أنه رآه في المنام في سنة ٧٤٤ هـ، أي بعد وفاته بنحو عشر سنوات، وقال له: رأيتُ الترجمة التي عَمِلَتها، وما كنتَ تحتاج إلى تَينِك اللفظتين، أو ما هذا معناه. قال الصفدي: فَفَطِنت في النوم لِمَا قال، وكشطتُهما؛ لأنهما لم يكونا من كلامي في حقه (٣) أقول: ولم يحدد الصفدي اللفظتين، ولكن ابن حجر حددهما بأنهما قول الصفدي: "كان يَتلَعب" (٤) وعلى ذلك فهما باقيتان في ترجمته لشيخه كماسبق نقلهما بلفظ "كان فيه لعب" (٥)، فلعله كشطهما من نسخته فقط، ثم بقيتا في نسخ غيره -وعلى كل فإن إقراره بكشطهما، وبراءته من نسبتهما إلى شيخه ابتداء، يكفي في رجوعه عن ذلك، ثم إن ابن فضل الله
стр. 37
العمري قرر أن الصفدي كان مُنحرفًا عن شيخه ابن سيد الناس، واعتبر ثناءه عليه من الفضل الذي شهدت به الأعداء (١) فإذا لاحظنا هذا كان استبعاد نقده مؤكدًا.
وقول الإِدفوي: إن المؤلف خالَط أهل السفه والشراب، يعني من الأمراء ونحوهم، وقول الصفدي أيضًا: إنه كان يَتلَهى عن الاشتغال بالعلم بمعاشرة الكبار، وكذا قول ابن كثير: إنه يُذكَر عنه سوء أدب في أشياء أُخرى، وقول الذهبي: عليه مآخذ في دينه. كل ذلك قد بَرِئ منه ابن سيد الناس؛ فقد ذكر ابن حجر أن الملك الناصر (يعني محمد بن قلاوون) رأى جنازة ابن سيد الناس حافلة، فسأل الجلال القزويني في صبيحة ذلك اليوم، فذكر له مقدارَه، وكان الفخر نَاظِر الجيش يغُض من ابن سيد الناس، فقال للناصر: إنه مع ذلك كان يعاشر الأمراء، والوزراء قديمًا، قال: ويَسُد عندهم، فذكر ذلك الناصر للجلال القزويني، "رئيس قضاة الشافعية"، والتقى الإِخنائي رئيس قضاة المالكية، فبرآه من ذلك، وشهدا بعدالته ونزاهته، وعفته (٢).
أقول: فهذه شهادة براءة له من قاضيين عَدْلَيين، مع أمن المجاملة له منهما، لأن هذا كان بعد وفاته.
ومن جهة أخرى فإن الإدفوي قَرِين المؤلف وشريكه في ملازمة ابن دقيق العيد، فانتقاده للمؤلف من تَحامُلِ الأقران، خاصة وأن ابن دقيق العيد كما تقدم كان يؤثر ابنَ سيد الناس على غيره من تلامذته بما فيهم الإِدفوي.
وبهذا تندفع الانتقادات القادحة عن المؤلف جُملة وتفصيلًا، والكمال لله وحده.
١٢ - نشاطه العلمي، وألقابه، ومكانته الحديثية:
مما تقدم يتضح لنا أنه توافر للمؤلف ما تكاملت به شخصيته العلمية، من
стр. 38
تخصص بعلوم السنة وتبريز فيها، وإلمام بباقي العلوم المساعدة، وتوثيق له، وتمتع بمواهب أدبية وعلمية.
وقد ذكر المترجمون والمعاصرون له من المكانة العلمية المتعددة الجوانب، ومن الألقاب الدالة على ذلك، ما هو به جدير، فقد قال عنه الذهبي: إنه حجة فيما ينقله، له بصر نافذ بالفن، وخبرة بالرجال، وطبقاتِهم، ومعرفةٌ بالاختلاف. ويد طولى في علم اللسان، ومحاسنه جمة (١)، وقال أيضًا: كان عديم النظير في مجموعه، رأسًا في الأدب، قل أن ترى العيون مثله، في فهمه، وعلمه، وسيلان ذهنه، وسعة معارفه (٢) وقال أيضًا: هو أحد أئمة هذا الشأن، كتب بخطه المليح كثيرًا، وخرج وصنف، وصحح وعلل، وفرع وأصل، وقال الشعر البديع (٣).
وقال الصفدي: كان حافظًا بارعًا، أديبًا متَفنِّنًا، بليغًا، ناظمًا، ناثرًا، كاتبًا مُتَرسِّلًا ... كامل الأدوات (٤) -يعني الملكة العقلية، والعلوم المساعدة على نهوضه بتخصصه بالسنة وخدمتها- وقال أيضًا: كتب وصنف، وحدث، وأجاز، وتفرد بالحديث في وقته (٥) وقال أيضًا، شِعْره رقيق، سهل التركيب، منسجم الألفاظ، عذب النظم وترسُّلُه جيد، وكان النظم عليه بلا كُلفة، يكاد لا يتكلم إلا بالوزن (٦).
وقال البِرزالي: كان أحد الأعيان معرفة وإتقانًا وحفظًا للحديث، وتفهمًا في علله، وأسانيده، عالمًا بصحيحه وسقيمه، مستحضرًا للسيرة، له حظ من العربية، حسن التصنيف، إلى أن قال: ولم يخلفُ في مجموعه مثله (٧).
стр. 39
وقال القطب (الجلبي): إمام محدث، حافظ، أديب شاعر بارع، جمع وألف، وخرَّج وأتقن، وصارت له يد طولى في الحديث والأدب، مع الإتقان (١).
وقال ابن فضل الله العمري (في مسالك الأبصار): كان أحد الأعلام الحفاظ، وإمام أهل الحديث الواقفين فيه بعكاظ، البحر المِكْثار، والحَبْر في نقل الآثار، وله أدب أسلسل قيادًا من الغمام بأيدي الرياح (٢).
وقال ابن كثير: اشتغل بالعلم، فبرع وساد أقرانه في علوم شتى، من الحديث والفقه، والنحو، ومن العربية، وعلم السير والتواريخ، وغير ذلك من الفنون، وحرر وحَبر، وأماد وأجاد، ... وله الشعر الرائق الفائق، والنثر الموافِق والبلاغة التامة، وحسن الترصيف، والتصنيف، ولم يكن في مصر في مجموعه مِثلُه، في حفظ الأسانيد والمتون، والعلل، والفقه، والمِلَح، والأشعار، والحكايات (٣).
وقال قرينه الإدفوي -بعد انتقاده السابق رَدُّه-: ولم يخلف بعده في القاهرة ومصر من يقوم بفنونه مقامه، ولا من يبلغ في ذلك مَرامه (٤).
وقال ابن ناصر الدين: كان إمامًا، حافظًا عجيبًا، مصنفًا بارعًا، شاعرًا أَديبًا (٥).
وقال معاصره الإسنوي: حافظ الديار المصرية، شيخ البلاغة والبراعة، صاحب النظم الرائق، والنثر الفائق (٦).
стр. 40
وهكذا يتجلى لنا من خلال تلك الشهادات والألقاب والأوصاف، تكامل جوانب شخصية المؤلف العلمية، وتعدد نشاطه العلمي والحَدِيثي وتنوعه بين رواية ودراية وتصنيف وتخريج، مع الجودة والإِتقان، كما يتجلى لنا تمتعه ﵀ بمكانة علمية لائقة بين حفاظ الحديث في عصره، وعلمائه المنتجين في مجالاته المتعددة.
١٣ - وظائفه العلمية، وآثارها في خدمة السنة:
تولى أبو الفتح ابن سيد الناس عدة وظائف، غالبها في تدريس الحديث وعلومه، وبيانها كالتالي:
(أ) وظيفة الإِعادة:
وهذه أولى وظائفه العلمية، وقد تولاها بمدرسة الحديث الكاملية بالقاهرة حيث كان شيخه تقي الدين ابن دقيق العيد شيخ الحديث ومدرسه بتلك المدرسة، فولَّاه الإِعادة بها (١). عنده كما تقدم، وهذه وظيفة جامعية في عصرنا هذا، يجمع الطالب فيها بين التلمذة على شيخه للاستزادة بعلمه، وبين مباشرة التدريس لغيره تحت إشراف شيخه، حتى يتمرس بالعمل العلمي، ويتعود مواجهة طلابه وإفادتهم، ثم يراجع شيخه فيما أشكل عليه.
(ب) مشيخة الحديث بالمدرسة الظاهرية بالقاهرة (٢):
وقد ذكر التاج ابن السبكي تَولِّي المؤلف لها، فقال: ولما شَغرت مشيخة الحديث بالظاهرية بالقاهرة، وليها الشيخ الوالد -يعني والده تقي الدين علي بن عبد الكافي- ودرس بها، فسعى فيها الشيخ فتح الدين، وساعده نائب السلطنة إذ ذاك، ثم لم يتجاسروا على الشيخ -يعني والده- فأرسل الشيخ فتح الدين إلى الشيخ يقول له: أنت تصلح لكل منصب، في كل علم، وأنا إن