← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 7488

النفح الشذي في شرح جامع الترمذي

ابن سيد الناس

Полный текст (909 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وقال الذهبي بعد وصفه بالدُّعابة واللعب: إنه كان صدوقًا في الحديث، وإن محاسنه جمة (١). ثانيًا: وصفُه بجمود الذهن؛ لاقتصاره على النقل، يرده ما سيأتي في دراسة شرحه للترمذي، من أنه جعل من منهجه ابداء آرائه وترجيحاته، وردوده وتعقباته على من سبقه من العلماء، وقد ذكرت هناك أمثلة تؤيد ذلك. كما ردَدْتُ في دراسة الكتاب أيضًا على قول الإدفوي قرين المؤلف: إنه قَصد أن يتبع شيخه ابن دقيق العيد، فوقف دون ما يريد. وأما نقد الذهبي له بأنه: كان يتلهى عن الاشتغال بالعلم بمباشرة الكِتْبة، فيجاب عنه بما ذكره الصفدي: أن الشيخ لما عُين في جملة الموقِّعِين بديوان الإِنشاء -كما سيأتي- تقديرًا لموهبته في حسن الخط والأسلوب، صَعُب عليه الاستمرار في المنصب واستعفى منه فاُعفي (٢). وكذلك نقد الصفدي له بأنه لم يشتغل بالعلم على قدر ذهنه، لأنه كان فيه لعب، ذكر الصفدي أنه رآه في المنام في سنة ٧٤٤ هـ، أي بعد وفاته بنحو عشر سنوات، وقال له: رأيتُ الترجمة التي عَمِلَتها، وما كنتَ تحتاج إلى تَينِك اللفظتين، أو ما هذا معناه. قال الصفدي: فَفَطِنت في النوم لِمَا قال، وكشطتُهما؛ لأنهما لم يكونا من كلامي في حقه (٣) أقول: ولم يحدد الصفدي اللفظتين، ولكن ابن حجر حددهما بأنهما قول الصفدي: "كان يَتلَعب" (٤) وعلى ذلك فهما باقيتان في ترجمته لشيخه كماسبق نقلهما بلفظ "كان فيه لعب" (٥)، فلعله كشطهما من نسخته فقط، ثم بقيتا في نسخ غيره -وعلى كل فإن إقراره بكشطهما، وبراءته من نسبتهما إلى شيخه ابتداء، يكفي في رجوعه عن ذلك، ثم إن ابن فضل الله

стр. 37

العمري قرر أن الصفدي كان مُنحرفًا عن شيخه ابن سيد الناس، واعتبر ثناءه عليه من الفضل الذي شهدت به الأعداء (١) فإذا لاحظنا هذا كان استبعاد نقده مؤكدًا. وقول الإِدفوي: إن المؤلف خالَط أهل السفه والشراب، يعني من الأمراء ونحوهم، وقول الصفدي أيضًا: إنه كان يَتلَهى عن الاشتغال بالعلم بمعاشرة الكبار، وكذا قول ابن كثير: إنه يُذكَر عنه سوء أدب في أشياء أُخرى، وقول الذهبي: عليه مآخذ في دينه. كل ذلك قد بَرِئ منه ابن سيد الناس؛ فقد ذكر ابن حجر أن الملك الناصر (يعني محمد بن قلاوون) رأى جنازة ابن سيد الناس حافلة، فسأل الجلال القزويني في صبيحة ذلك اليوم، فذكر له مقدارَه، وكان الفخر نَاظِر الجيش يغُض من ابن سيد الناس، فقال للناصر: إنه مع ذلك كان يعاشر الأمراء، والوزراء قديمًا، قال: ويَسُد عندهم، فذكر ذلك الناصر للجلال القزويني، "رئيس قضاة الشافعية"، والتقى الإِخنائي رئيس قضاة المالكية، فبرآه من ذلك، وشهدا بعدالته ونزاهته، وعفته (٢). أقول: فهذه شهادة براءة له من قاضيين عَدْلَيين، مع أمن المجاملة له منهما، لأن هذا كان بعد وفاته. ومن جهة أخرى فإن الإدفوي قَرِين المؤلف وشريكه في ملازمة ابن دقيق العيد، فانتقاده للمؤلف من تَحامُلِ الأقران، خاصة وأن ابن دقيق العيد كما تقدم كان يؤثر ابنَ سيد الناس على غيره من تلامذته بما فيهم الإِدفوي. وبهذا تندفع الانتقادات القادحة عن المؤلف جُملة وتفصيلًا، والكمال لله وحده. ١٢ - نشاطه العلمي، وألقابه، ومكانته الحديثية: مما تقدم يتضح لنا أنه توافر للمؤلف ما تكاملت به شخصيته العلمية، من

стр. 38

تخصص بعلوم السنة وتبريز فيها، وإلمام بباقي العلوم المساعدة، وتوثيق له، وتمتع بمواهب أدبية وعلمية. وقد ذكر المترجمون والمعاصرون له من المكانة العلمية المتعددة الجوانب، ومن الألقاب الدالة على ذلك، ما هو به جدير، فقد قال عنه الذهبي: إنه حجة فيما ينقله، له بصر نافذ بالفن، وخبرة بالرجال، وطبقاتِهم، ومعرفةٌ بالاختلاف. ويد طولى في علم اللسان، ومحاسنه جمة (١)، وقال أيضًا: كان عديم النظير في مجموعه، رأسًا في الأدب، قل أن ترى العيون مثله، في فهمه، وعلمه، وسيلان ذهنه، وسعة معارفه (٢) وقال أيضًا: هو أحد أئمة هذا الشأن، كتب بخطه المليح كثيرًا، وخرج وصنف، وصحح وعلل، وفرع وأصل، وقال الشعر البديع (٣). وقال الصفدي: كان حافظًا بارعًا، أديبًا متَفنِّنًا، بليغًا، ناظمًا، ناثرًا، كاتبًا مُتَرسِّلًا ... كامل الأدوات (٤) -يعني الملكة العقلية، والعلوم المساعدة على نهوضه بتخصصه بالسنة وخدمتها- وقال أيضًا: كتب وصنف، وحدث، وأجاز، وتفرد بالحديث في وقته (٥) وقال أيضًا، شِعْره رقيق، سهل التركيب، منسجم الألفاظ، عذب النظم وترسُّلُه جيد، وكان النظم عليه بلا كُلفة، يكاد لا يتكلم إلا بالوزن (٦). وقال البِرزالي: كان أحد الأعيان معرفة وإتقانًا وحفظًا للحديث، وتفهمًا في علله، وأسانيده، عالمًا بصحيحه وسقيمه، مستحضرًا للسيرة، له حظ من العربية، حسن التصنيف، إلى أن قال: ولم يخلفُ في مجموعه مثله (٧).

стр. 39

وقال القطب (الجلبي): إمام محدث، حافظ، أديب شاعر بارع، جمع وألف، وخرَّج وأتقن، وصارت له يد طولى في الحديث والأدب، مع الإتقان (١). وقال ابن فضل الله العمري (في مسالك الأبصار): كان أحد الأعلام الحفاظ، وإمام أهل الحديث الواقفين فيه بعكاظ، البحر المِكْثار، والحَبْر في نقل الآثار، وله أدب أسلسل قيادًا من الغمام بأيدي الرياح (٢). وقال ابن كثير: اشتغل بالعلم، فبرع وساد أقرانه في علوم شتى، من الحديث والفقه، والنحو، ومن العربية، وعلم السير والتواريخ، وغير ذلك من الفنون، وحرر وحَبر، وأماد وأجاد، ... وله الشعر الرائق الفائق، والنثر الموافِق والبلاغة التامة، وحسن الترصيف، والتصنيف، ولم يكن في مصر في مجموعه مِثلُه، في حفظ الأسانيد والمتون، والعلل، والفقه، والمِلَح، والأشعار، والحكايات (٣). وقال قرينه الإدفوي -بعد انتقاده السابق رَدُّه-: ولم يخلف بعده في القاهرة ومصر من يقوم بفنونه مقامه، ولا من يبلغ في ذلك مَرامه (٤). وقال ابن ناصر الدين: كان إمامًا، حافظًا عجيبًا، مصنفًا بارعًا، شاعرًا أَديبًا (٥). وقال معاصره الإسنوي: حافظ الديار المصرية، شيخ البلاغة والبراعة، صاحب النظم الرائق، والنثر الفائق (٦).

стр. 40

وهكذا يتجلى لنا من خلال تلك الشهادات والألقاب والأوصاف، تكامل جوانب شخصية المؤلف العلمية، وتعدد نشاطه العلمي والحَدِيثي وتنوعه بين رواية ودراية وتصنيف وتخريج، مع الجودة والإِتقان، كما يتجلى لنا تمتعه ﵀ بمكانة علمية لائقة بين حفاظ الحديث في عصره، وعلمائه المنتجين في مجالاته المتعددة. ١٣ - وظائفه العلمية، وآثارها في خدمة السنة: تولى أبو الفتح ابن سيد الناس عدة وظائف، غالبها في تدريس الحديث وعلومه، وبيانها كالتالي: (أ) وظيفة الإِعادة: وهذه أولى وظائفه العلمية، وقد تولاها بمدرسة الحديث الكاملية بالقاهرة حيث كان شيخه تقي الدين ابن دقيق العيد شيخ الحديث ومدرسه بتلك المدرسة، فولَّاه الإِعادة بها (١). عنده كما تقدم، وهذه وظيفة جامعية في عصرنا هذا، يجمع الطالب فيها بين التلمذة على شيخه للاستزادة بعلمه، وبين مباشرة التدريس لغيره تحت إشراف شيخه، حتى يتمرس بالعمل العلمي، ويتعود مواجهة طلابه وإفادتهم، ثم يراجع شيخه فيما أشكل عليه. (ب) مشيخة الحديث بالمدرسة الظاهرية بالقاهرة (٢): وقد ذكر التاج ابن السبكي تَولِّي المؤلف لها، فقال: ولما شَغرت مشيخة الحديث بالظاهرية بالقاهرة، وليها الشيخ الوالد -يعني والده تقي الدين علي بن عبد الكافي- ودرس بها، فسعى فيها الشيخ فتح الدين، وساعده نائب السلطنة إذ ذاك، ثم لم يتجاسروا على الشيخ -يعني والده- فأرسل الشيخ فتح الدين إلى الشيخ يقول له: أنت تصلح لكل منصب، في كل علم، وأنا إن

стр. 41

لم يحصُل لي تدريس حديث، ففي أي علم يحصل لي التدريس؟، قال ابن السبكي: فَرقَّ عليه الوالد، وتركها له، فاستمر بها إلى أن مات (١). أما الصفدي تلميذ المؤلف فيقول: وتعصب له الأمير سيف الدين أَرغون الدوادار، وخلَّص له مشيخة الظاهرية في الحديث (٢)، فلعل المراد بتخليصه، استصدار الأمر السلطاني له، ثم كان سعي ابن سيد الناس في التنفيذ، وقوله السابق: "إذا لم يحصل لي تدريس حديث ففي أي علم يحصل لي التدريس؟ " يدل على أن الحديث صار اختصاصه الأصلي الذي يُعرف به، ويعد من علمائه، كما يُفهَم من هذا أنه كان يقوم في هذه الوظيفة بتدريس الحديث وعلومه. وقد لازمه في هذه المدرسة صلاح الدين الصفدي فقال: صحبته زمانًا طويلًا، ودهرًا داهرًا، ونمت معه ليالي، وخالطته أيامًا، وأقمت بالظاهرية وهو بها شيخ الحديث قريبًا من سنتين (٣)، ويفهم من كلام الصفدي عن مؤلفات شيخه كما سيأتي، أنه كان يَقرأ على طلابه بعض مصنفاته، أو يَقرأ أحدهم عليه، ويسمع الباقون، كما يستفاد من رواية تلميذ آخر للمؤلف عنه، أنه كان يُقرأ عليه غير مؤلفاته من كتب السنة (٤). (ج) تدريس الحديث بمدرسة أى حُلَيقة أو المهذَّبِية: قال الصفدي: وكان بيده مع مشيخة الظاهرية، مدرسة أبي حُلَيقة، على بِرْكَة الفيل (٥).

стр. 42

وقال الحافظ ابن حجر: وَلِيَ دَرس الحديث بالظاهرية، ومدرسة أبي (حُلَيقة) (١) وذكرها الإِسنوي باسم (المُهذَّبِية) وقال: الكائنة على بِرْكَة الفيل (٢)، فهما اسمان لمسمى واحد (٣). (د) تدريس الحديث بجامع الصالح: ذكر الإِسنوي أيضًا وابن قاضي شهبة: أن المؤلف تولى درس الحديث بجامع الصالح (٤) وهو أحد جوامع القاهرة (٥). (هـ) تدريس الحديث بمسجد الرَّصْد: وذكر الصفدي وابن حجر: أن المؤلف قد وَلِي درس الحديث بمسجد الرَّصْد (٦). وهو أحد مساجد القاهرة أيضًا (٧). (و) الخطابة بجامع الخندق: وقد ذكرها الصفدي وابن حجر وغيرهما (٨) وقد ذكر المقريزي أن هذا الجامع كان بناحية الخَندق، خارج القاهرة (٩).

стр. 43

(ز) التوقيع بديوان الإِنشاء: وقد ذكر الصفدي أن السلطان المنصور حسام الدين لاجين، لما أُدخِل عليه ابن سيد الناس، احتفى به ورأى خَطه، وسمع كلامه فأمر بتعيينه في ديوان الإنشاء، فَرُتِّبَ في جملة الموقِّعين، ولكن الشيخ صعُب عليه الاستمرار في هذا العمل، فسأل الإعفاء من ذلك، فقال السلطان: إذا كان لا بد من ذلك، فيكون المعلوم له على سبيل الراتب، فَرُتِّب له إلى أن مات (١). (ح) جهات أخرى: وذكر الصفدي وابن حجر أيضًا أن الشيخ كان له راتب بصفد (٢) ولكن لم يذكرا لذلك وظيفة، بل قال الصفدي: وراتب في حَلَب فيما أظن (٣)، ولم يذكر له أيضًا وظيفة. ولكن مع استعراض الوظائف المتقدمة والمحدد مكانها ونوع العمل فيها، نجد أنها ما عدا التوقيع الذي لم يستمر طويلًا، وخطابة الجمعة، كلها في الاشتغال بتدريس الحديث وعلومه، كما أشرت من قبل، وقد قال الذهبي: إن المؤلف قد تَخرَّج به جماعة (٤) وقال الصفدي: إنه حدث وأجاز (٥). وهذا يفيد أنه كان يقوم من خلال تلك الوظائف بتدريس علوم الحديث، وروايته سواء من مؤلفاته أو من مؤلفات غيره كما أشرت من قبل، كما أن تخرج جماعة به، يدل على ملازمتهم له مدة، وتمرسهم بالفن على يديه، وحده أو مع غيره، بحيث يتوسم فيهم الكفاءة للإِفادة، كما هو مقتضى التخريج للطالب وإجازته، وهذا يعتبر من ثمار عمله بتلك الوظائف الحديثية، وسيأتي ذكرُ بعض نماذج ممن تخرج عليه في علم الحديث، كما أن مباحثاته ومحاضراته مع طلابه

стр. 44

وغيرهم من خلال تلك الوظائف، كانت تثمر فوائد علمية قد أودع جانبًا منها في مؤلفاته، كما أشار إلى ذلك في مقدمة شرحه للترمذي وسيأتي بيان ذلك في منهجه فيه، بإذن الله. ١٤ - من تلاميذ المؤلف وتلميذاته وتأثيره فيهم: (أ) تعريف عام: تقدم قول الذهبي: إن ابن سيد الناس تخرج به جماعة، وهذا يدل على كثرة تلاميذه الذين أطالوا التلمذة عليه، حتى تخرجوا على يديه، فصاروا ثمارًا طيبة لعلمه الذي ينتفع به، وبقيت حتى الآن سلسلة روايتهم للحديث متصلة بواسطته، كما سيأتي، وتقدم أيضًا وصف المؤلف بأنه كان محبًا لطلبة العلم، طيب الأخلاق، ومن أحسن الناس محاضرة، لا تُمل محاضرته، حسن المحاورة، لطيف العبارة، مع سعة العلم، وجودة الفهم، وذلك هو ملاك صفات المدرس الناجح والكفء، بكل المقاييس العلمية والتربوية، مما يجعل طلاب العلم، بقبلون عليه، ويكثرون في حلقته، ويستفيدون منه، عِلمًا وخلقًا. وكما وجدنا فيما تقدم بعض النساء قد أخذ عنها المؤلف الحديث، كذلك وجدت بعض النساء قد أخذَت عن المؤلف، وروت ما تحملته لمن بعدها. فقد قال تقي الدين محمد بن محمد بن محمد بن فهد المكي: شافهتني المسندة أم محمد رقية ابنة علي بن مَزروع المدنية بها، أي بمكة وكتب إليّ المعمر أبو عبد الله محمد بن حسن بن علي القُرَشِي الفرسيسي المصري، منها -أي من مصر- قالا: أنبانا الحافظ أبو الفتح محمد بن محمد بن محمد بن أحمد بن عبد الله، اليعمري، قال: أخبرنا الإِمام الحافظ قطب الدين أبو محمد، أحمد القسطلاني ... وساق سنده إلى أحمد بن عبد الله بن الحسين المحاملي ... ثم إلى الرسول ﷺ بحديث: "إذا وطئ أحدكم الأذى بخُفَّيهِ، فطهورها التراب" (١).

стр. 45

فهذه الرواية تفيد أن كلًا من: محمد بن حسن بن علي الفرسيسي، وهو مصري والمسندة رقية ابنة علي بن مزروع، وهي مدنية، قد تحملا عن ابن سيد الناس بعض مرويات أو مؤلفات المَحامِلي. ثم أديا ما تحملاه إلى تلاميذهما، ومنهم ابن فهد، فالمسندة رقية شافهته، والفرسيسي كاتبه، وذكر ابن فهد أيضًا مكاتبة الفرسيسي له بمرويات أخرى عن شيخه ابن سيد الناس (١) كما جاء في معجم شيوخه سماع عدد من العلماء في مرحلة الطلب، السيرة النبوية الكبرى لابن سيد الناس، من تلميذه الفرسيسي هذا في مجالس له متعددة (٢) وجاء في نسخة السيرة المطبوعة إثبات سماع الفرسيسي لها من المؤلف (٣) وذكر ابن فهد أيضًا عددًا آخر من تلاميذ ابن سيد الناس أَسمعوا كتابه هذا في السيرة لطلابهم (٤) وهو المسمى (بعيون الأثر في فنون المغازي والسيَر) كما سيأتي ذكره في مؤلفاته. كما ذكر ابن قاضي شهبة أيضًا مِمَّن تخرج في علم الحديث على ابن سيد الناس، تقي الدين محمد بن رافع بن هَجْرَس السُّلَامي، الحافظ المتقن المعمّر الرحلة، المصري ثم الدمشقي المتوفى سنة ٧٥٤ هـ (٥) وذكر ابن فهد أيضًا أن الحافظ مغلطاي بن قليج بن عبد الله الحنفي، قد تخرج في الحديث على ابن سيد الناس (٦). (ب) نموذجان من تلاميذه: وليس من مقصود هذا التعريف بابن سيد الناس استيعاب تلاميذه؛ ولذا

стр. 46

سأعرف بنموذجين منهما فقط؛ لِما لكل منهما من ميزة في تأثير المؤلف فيه، وصلته بشرح الترمذي: ١ - المُسنِد أبو الفرج الغَزِّي: هو عبد الرحمن بن أحمد بن مبارك بن حماد بن تركي بن عبد الله، أبو الفرج، الغَزي ثم القاهري، البزاز، المعروف بابن الشيخة، نزيل القاهرة، ولد سنة ٧١٤ هـ، أو سنة ٧١٥ هـ. وقد سمع الحديث من يونس بن إِبراهيم الدبوسي، وأبي الحسن علي بن عمر الواني، ويوسف بن عمر بن حسين بن أبي بكر الخُنَتِي -بضم الخاء المعجمة، وفتح المثناة الخفيفة، بعدها نون- الحنفي المصري، وعلي بن إسماعيل بن قريش، وابن سيد الناس وخلق كثير. وأجاز له ابن الشيرازي، والقاسم بن عساكر، والحجَّار، وخلق كثير أيضًا. وطلب بنفسه، وتيقظ، وأخذ الفقه عن الشيخ تقي الدين السبكي وغيره. وكان يقظًا نبيهًا مستحضرًا صالحًا عابدًا، وكان يتكسب في حانوت بزاز ظاهر باب الفتوح ثم ترك، وكان لا يدخل الوظائف، وذكر ابن حجر العسقلاني: أنه كان بين والده وبين الغزي هذا مودة، فلما اجتمع الحافظ به أكرمه وصبر عليه في قراءة المرويات عليه إلى أن أخذ عنه ابن حجر أكثر مروياته، وسيأتي في دراسة شرح الترمذي للمؤلف أن من مرويات ابن حجر عنه شرح الترمذي للمؤلف، كما ذكر ابن حجر أن مما قرأه على الغزي هذا، كتاب "بشرى اللبيب بذكرى الحبيب" وهو من مؤلفات ابن سيد الناس في السيرة النبوية، ومقتضى هذا أنه في تلمذته على المؤلف قد أخذ عنه هذين الكتابين، ثم قام بروايتهما إلى تلاميذه؛ فظهر بهما، فضلًا عن غيرهما، أَثر المؤلف فيه، وقد قال ابن حجر: إن الغَزي هذا حدَّث بالكثير من مسموعاته ا. هـ. وقد اتصل عن طريقه سند شرح الترمذي للمؤلف إلى من بعده، كما سيأتي توضيحه في

стр. 47

نسبة الشرح إلى المؤلف، واتصال سنده إلى من بعده، ولهذا اخترته للتعريف به ضمن تلاميذ المؤلف، وقد أرخ ابن حجر وفاته في سنة ٧٩٩ هـ وقال: إنه تغير قليلًا، من أول سنة وفاته المذكورة (١). ٢ - صلاح الدين الصفدي: هو خليل بن أيبك بن عبد الله العلامة الأديب، البليغ، البارع، المفتن، صلاح الدين، الصفدي، قال ابن قاضي شهبة: مولده بصفد، تخمينًا في سنة ٦٩٦ هـ أو ٦٩٧ هـ، وسمع الكثير، وقرأ الحديث، وكتب بعض الطباق، وأخذ عن القاضي بدر الدين ابن جماعة، وأبي الفتح ابن سيد الناس، والقاضي تقي الدين السبكي والحافظين: المزي والذهبي، وغيرهم. وقد أخذ النحو من أبي حيان، والأدب عن الشهاب محمود، ولازَمه، وعن ابن نَباتة، ومهر في فن الأدب، وباشر كتابة الإنشاء بمصر ودمشق، ثم وَلي كتابة السر بحلب، ثم وكالة بيت المال بالشام. قال ابن قاضي شهبة: وقفت على ترجمة كتبها لنفسه، في نحو كراسين، ذكر فيها أحواله، ومشايخه، وأسماء مصنفاته، وهي نحو الخمسين مصنفًا، منها ما أكمله ومنها ما لم يكمله (٢). وفي ترجمة الصفدي لشيخه ابن سيد الناس أظهر صلته به وأثره بوضوح، فقال: صحبته زمنًا طويلًا، ودهرًا داهرًا، ونمت معه ليالي، وخالطته أيامًا، وأقمت بالظاهرية وهو بها شيخ الحديث - قريبًا من سنتين (٣) وذكر أيضًا عددًا من مؤلفات ابن سيد الناس وبين تلقيها عنه ما بين قراءة عليه وسماع من لفظه، فذكر أنه سمع من لفظه بعض كتابه (عيون الأثر في فنون المغازي والسير)، وذكر كتاب (نور العيون) وقال: سمعته من لفظه، وكتاب (مِنَح المِدَح) وقال: سمعته من لفظه إلى ترجمة عبد الله بن الزبَعْري، و"تحصيل الإصابة في تفضيل

стр. 48

الصحابة" وقال: سمعته من لفظه وكتاب (بشرى اللبيب بذكرى الحبيب) وقال: قرأته عليه بلفظي (١) وذكر أيضًا في آخر ترجمته لشيخه سبع قطع من شعره، وقال إنه سمعها من لفظه (٢) وذكر أيضًا قطعتين أخريين مما أجاز به ونقله من خطه (٣)، كما ذكر إشارته على شيخه بتسمية شرح الترمذي كم سيأتي. وقد أشار الصفدي أيضًا إلى أنه بعد سفره من مصر إلى الشام، استمرت صلته بشيخه إلى سنة وفاته، فقال: وكانت بيني وبينه مكاتبات كثيرة، نظمًا ونثرًا، يضيق عنها هذا المكان؛ ولكن أُورِد منها شيئًا، وهو ما كتبه إليَّ وأنا بصفد سنة ٧٣٤ هـ -وهي سنة وفاة الشيخ- وساق قصيدة في ١١ بيتًا، ثم قال: فكتبت إليه الجواب ... وساق قصيدة على نفس وزن قصيدة الشيخ، وتبلغ ثلاثين بيتًا، ثم قال: فكتب إليّ الجواب ... وذكر جواب الشيخ نظمًا ونثرًا، ثم قال: فكتبت الجواب إليه ﵀ وساق جوابه جامعًا بين النظم والنثر أيضًا في أَزيد من ثلاث صفحات، وقال في نهايتها مخاطبًا شيخه: إن نَعِش نلتقي وإلا فما ... أشغل من مات عن جميع الأنام (٤) وعقب الصفدي على هذا بقوله: قلت: لم نلتقِ، وحالت منيته بينه وبين الجواب (٥) ثم قال الصفدي: ولما بَلَغتني وفاته، قلت أَرثيه: ... وذكر قصيدة هائية في ٤١ بيتًا، كما سيأتي بعضها في رثاء المؤلف. ثم ذكر الصفدي أيضًا بعض أبيات كاتب بها شيخه بعد وصوله دمشق قادمًا من القاهرة، ثم ذكر مراسلة أخرى طلب فيها من الشيخ إجازته بجميع مروياته التي تحملها بمختلف طرق التحمل من أنواع العلوم، وما حمله من تفسيرٍ لكتاب الله تعالى، أَو سنة عن رسول الله ﷺ أو أثر عن الصحابة والتابعين

стр. 49

-﵃ ومَن بعدهم إلى عصره، ومن كتب الأدب وغيرها، وإجازة ماله من مقول، نظمًا ونثرًا، وتأليفًا، وجمعًا في سائر العلوم، وما لعله يتفق له بعد ذلك، وأرخ طلبه هذا في جمادي الأولى سنة ٧٢٨ هـ (١). وقد أجاب المؤلف تلميذه الصفدي إلى ما طلب، فأثبت إجابته له بإجازة مطولة قال له فيها: فنعم أجزت لك ما رويتُه من أنواع العلوم، وما حملته على الشرط المعروف، والعرف المعلوم، وما تضمنه الاستدعاء -يعني طلب الصفدي للإجازة- الرقيم -يعني المكتوب- بخطك الكريم، مما اقتدحه زندي الشحَّاح، وجادت لي به السجايا الشِّحاح من فنون الأدب التي باعُك فيها من باعي أمد، وسهُمك في مراميها من سهمي أسد ... إلى أن قال له: وقد أجزت لك إجازة خاصة، يرى جوازها بعض من لا يرى جواز الإجازة العامة، أن تروي عني مالي من تصنيف أبقيته في أي معنى انتقيته، ثم قال الصفدي: وذكر -أي الشيخ -رحمه الله تعالى- ما له من التصانيف، ثم قال الشيخ: قد أجزت لك -أيدك الله- جميعِ ذلك، بشرط التحري فيما هنالك، تبركًا بالدخول في هذه الحَلبة، وتمسكًا باقتفاء السلف في ارتقاء هذه الرتبة، وإقبالًا من نشر السنة على ما هو أُمنية المتمني، وامتثالًا لقوله عليه أفضل الصلاة والسلام: "بلّغوا عني" (٢) ... إلى أن قال له: وحبذا أيدك الله اختيارك من طلب الحديث الدرجة العالية (٣). ومن هذا كله يتضح لنا مدى تأثير ابن سيد الناس في تكوين تلميذه العلمي. بمروياته ومؤلفاته الحديثية والأدبية، وأنه جمع في الأخذ عنه بين الحديث

стр. 50

والأدب، وهو الفن الذي عُرف به الصفدي أكز من الحديث، كما شهد له شيخه بذلك فيما تقدم. في حين أن صديق الصفدي وهو تاج الدين ابن السبكي لما ترجم له قال: ولازم الحافظ فتح الدين ابن سيد الناس، وبه تمهر في الأدب (١) فجعل أثر الشيخ فيه أظهر في علم الأدب، لكن ما تقدم من بيان الصفدي نفسه لما تلقاه عن شيخه سماعًا وقراءة، يفيد أن جانب السنة كان له نصيب ظاهر من ملازمة الصفدي لشيخه، كما أننا حين نرجع إلى النشاط العلمي للصفدي نجد أن اختصاصه بالأدب لم يحل بينه وبين المساهمة في خدمة السنة، وأداء ما تحمله منها عن شيخه ابن سيد الناس وغيره، فقد ذكر ابن حجر وغيره أن الصفدي تصدى للإفادة بالجامع الأموي، وحدث بدمشق، وحلَب، وغيرهما، وسمع منه من أشياخه: الذهبي وابن كثير والحُسيني (٢). ١٥ - مؤلفات ابن سيد الناس، وما نُسب إليه خطأ: أولًا - مؤلفاته: تعتبر مؤلفات العالِم من آثاره الخالدة التي يستفاد منها في كل جيل. ولقد راجعت مصادر متعددة لترجمة المؤلف فلم أجد له مؤلفات كثيرة، ويعتبر تلميذه الصفدي أكثر من جمع مؤلفاته، وخبرها إلى أواخر عمره، حيث استجازه كما تقدم في سنة ٧٢٨ هـ بمؤلفاته إلى هذا التاريخ وما قد يؤلفه بعده، وقد أجابه شيخه بالإجازة وسرد له مؤلفاته إلى وقت الإِجازة، فذكرها الصفدي في ترجمته له، كما سيأتي ذكرها، لكني مع ذلك وقفت له على بعض المؤلفات التي لم يذكرها الصفدي، وهذا سياق، لمجموع مما ذكره الصفدي، ووافقه عليه غيره، وما زاده غيره. ١ - النَّفْحٍ الشذي في شرح جامع الترمذي، وهو كتابنا هذا، وسيأتي التعريف به تفصيلًا.

стр. 51

٢ - عيون الأثر في فنون المغازي والشمائل والسير، وتُعرف أيضًا بالسيرة الكبرى، كما تقدم، وذلك بالنسبة إلى مختصرها الآتي ذكره بعد، وقد ذكر هذا الكتاب للمؤلف تلميذه الصفدي وغيره (١) ووصفه ابن كثير بأنه حسن (٢) وقال التاج ابن السبكي: إن المؤلف أحسن فيه ما شاء (٣) وقال الإِدفوي: وهو كتاب جيد في بابه (٤) والكتاب مطبوع في جزءين، ومتداول، ولكن بدون تحقيق، وقد اعتمد فيه على عدد من كتب السنة أهمها الكتب الستة وكتب السيرة والغازي وخاصة الكتب الأصلية التي تروى بالإِسناد كسيرة ابن إسحق ومغازي ابن عقبة، وبين في آخرها أسانيده إلى مؤلفي الكتب التي اعتمد عليها (٥). ٣ - نور العيون، وهو مختصر الذي قبله كما ذكر الصفدي، وقال سمعته من لفظه (٦) وقال ابن قاضي شهبة: إنه يقع في كراريس (٧) وقال الإِسنوي: إن المؤلف صنف كتبًا نفيسة منها السيرة الكبرى، والسيرة الصغرى (٨) وقال ابن حجر: وله مختصر السيرة سماه نور العيون (٩). ٤ - بشرى اللبيب بذكرى الحبيب، ذكره الصفدي، وقال: قرأته عليه بلفظي (١٠) وذكره أيضًا ابن شاكر الكتبي (١١) وذكر ابن حجر أن هذا الكتاب عبارة عن قصائد نبوية وشرحها، وأنه يقع في مجلد (١٢).

стр. 52

وتوجد نسخة من هذا الكتاب في مكتبة شستربيتي برقم ٥١٦٣ وعدد أوراقها ٥٩ ورقة وتوجد صورة عنها بمعهد المخطوطات بالكويت برقم ١٥٩٢ سيرة وتاريخ (١). ومما نقله المفهرسون لهذه النسخة من نصوص منها يتضح أنها نسخة جيدة ومكتوبة في حياة المؤلف، وعليها سماعات، وتاريخ نسخ الجزء الأول منها ٢٦/ ٤ / ٧٢٩ هـ، ومقتضى ذلك أن المؤلف فرغ منه قبل هذا التاريخ. كما يفهم منها أنه بدأه بقصيدة حاذى بها قصيدة: بانت سعاد، ثم أتبعها بقصائد متعددة مرتبة على حروف المعجم، ومشتملة على ما وقف عليه من أسماء الرسول ﷺ وعددها ستون اسمًا، فصار مجموع ما نظمه ديوانًا، وقال: وسميته بكتاب بشرى اللبيب ... إلخ (٢) وقد أشار ابن كثير إلى هذا الكتاب بقوله: وله مدائح في رسول الله ﷺ حِسَان (٣). ٥ - تحصيل الإِصابة في تفضيل الصحابة، ذكره الصفدي، وقال: سمعته من لفظه (٤). ٦ - المقامات العلية في كرامات الصحابة الجَلِيَّة، ذكره الصفدي أيضًا (٥) والحافظ ابن حجر (٦) وصاحب كشف الظنون (٧). ٧ - مِنَح المِدَح، ذكره الصفدي، وقال: سمعته من لفظه إلى ترجمة عبد الله بن الزبعري (٨)، وأشار إليه أيضًا في رثائه للمؤلف حيث قال:

стр. 53

يكفيه ما خطه في الصحْف من مِدَح النبي ... يَكفيه هذا القدرُ يكفيه (١) وذكره كذلك الحافظ ابن حجر (٢) وابن شاكر (٣) وقال صاحب كشف الظنون: إن المؤلف جمع فيه المدائح التي مدح بها الأصحاب والتابعون الرسولَ ﷺ ، والمدائح التي له، المسماة ببشرى اللبيب (٤). ٨ - أسماء من نُقِل عنه من الصحابة شيء من شعر متعلق بالنبي ﷺ . وهذا الكتاب ذكره الحافظ ابن حجر في الفتح فقال: وقد جمع ابن سيد الناس، شيخ شيوخنا مجلدًا في أسماء من نُقِل عنه مِن الصحابة شيء من الشعر متعلق بالنبي ﷺ (٥).وعلى ضوء ما ذكره صاحب كشف الظنون عن موضوع الكتاب السابق، يبدو وجود تقارب في موضوع الكتابين. ٩ - أجوبة ابن سيد الناس عن مسائل ابن أَيبك له عن أحفظ من لقيه من الشيوخ، وهذا الكتاب ذكره تقي الدين ابن فهد في ذيله على تذكرة الحافظ، حيث نقل منه في خمسة تراجم، أولها ترجمة محمد بن أحمد بن علي المعروف بالقطب القسطلاني وهو شيخ المؤلف كما تقدم، وقد قال ابن فهد: ذكره الحافظ أبو الفتح ابن سيد الناس في أحفظ من لقبه، في أجوبته عن مسائل ابن أبيك، فقال: وساق كلام المؤلف في ترجمته للقسطلاني، ورواه ابن فهد عن تلميذي المؤلف: أبو عبد الله الفرسيسي مكاتبة والمسندة أم محمد رقية بنت يحيى بن مزروع، مشافهة، وبلغ ما نقله ابن فهد في تلك الترجمة أزيد من ١٥ سطرا (٦).

стр. 54

والموضع الثاني ترجمة إسماعيل بن إبراهيم المعروف بابن قريش، وقال ابن فهد في ترجمته: وصفه الحافظ ابن سيد الناس في أجوبته لابن أيبك لما سأله عن أحفظ من لقي: فقال: ..... وساق كلامه في ثمانية أسطر (١). ومن تلك النقول في المواضع الخمسة يظهر لنا موضوع الكتاب، وأنه جمع فيه تراجم لعدد من شيوخه الذين لقيهم وأخذ عنهم، ورأى أنهم أحفظ وأمهر في علم الحديث من غيرهم من شيوخه، ومن خلال ما حفظه لنا ابن فهد من نصوص تلك التراجم يبدو لنا جمال أسلوب المؤلف والتزامه فيه السجع المقبول، خاصة في عصره، كما يبدو لنا رأيه فيمن يستحق لقب (الحافظ) وأنه الجامع بين الرواية للحديث ودرايته لعلومه (٢). هذا ويبدو لي أن تاج الدين السبكي أيضًا قد وقف على هذا الكتاب، حيث نقل في ترجمة ابن دقيق العيد كلامًا في شأنه وبيان مكانته العلمية عن ابن سيد الناس، ولم يصرح بمصدره، ولكن أسلوبه، وموضوعه يدل على أنه من كتاب الأجوبة هذا، وإن لم يصرح ابن السبكي بذلك (٣). ١٠ - تصنيف في علم العروض، وقد ذكره الصفدي كما قدمت حيث قال: إن شيخه قال له: لم يكن لي في العروض شيخ، ونظرت فيه جمعة، فوضعت فيه مصنفًا، قال الصفدي: وقد رأيت هذا المصنف (٤). ١١ - قصائد شعرية في أغراض مختلفة من المدح والوصف والأخلاق الفاضلة، وقد ذكر الصفدي منها في ترجمته عدة مقطوعات كما قدمت (٥) وزاد ابن شاكر عليها عدة مقطوعات (٦) وكذا زاد عليها الحافظ ابن حجر (٧).

стр. 55

فلما جمعت هذه المقطوعات إلى بعضها البعض صارت ديوانًا. ثانيًا - ما نُسِب خطأ إليه: ذكر ابن قاضي شهبة في ترجمته للمؤلف ما نصه: وصنف في منع بيع أمهات الأولاد مجلدًا ضخمًا، يدل على علم كثير (١) ونقل صاحب شذرات الذهب بدوره هذا عن ابن قاضي شهبة (٢). أقول: ونسبة هذا الكتاب للمؤلف خطأ، والصواب أنه لِجَدِّه أبي بكر محمد بن أحمد بن عبد الله، ويعرف أيضًا بابن سيد الناس، كما قدمت، ولكن يتميز بكنيته المذكورة، عند عدم معرفة باقي مميزاته، وقد نص على أن الكتاب لِجَدِّ المؤلف، أحد معاصريه ومترجميه، وهو تاج الدين ابن السبكي حيث قال في ترجمته: ولِجَدِّه مصنف في منع بيع أمهات الأولاد، في مجلد ضخم، يدل على عِلْم عظيم (٣). ونَسبه الذهبي أيضًا إلى الجد، وقال: إنه رأى الكتاب في مجلد، وأثنى عليه بنحو ما ذَكر ابن السبكي (٤). تعقيب: هذا ما وقفتُ على ذكره للمؤلف من مصنفات صحيحة النسبة إليه، أو منسوبة إليه خطأ، ويلاحظ أن ما صحت نِسبتُه إليه نثرًا ونظمًا يدور حول علم الحديث، وسيرة الرسول ﷺ وأصحابه، وهي داخلة في علوم السنة أيضًا، وتاريخ العلماء أو التراجم، كما يلاحظ أن نِتَاجَه الأدبي قد أداره في فلك تخصصه الأصلي وهو الحديث وعلومه كما يُلاحَظ أن أبرز مؤلفاته هو ما شرحه من جامع الترمذي الذي يسر الله لي إخراج هذا القسم منه محققًا.

стр. 56

١٦ - وفاة المؤلف، وتشييع جنازته، ومدفنه: سبيلُ الموت غاية كل حَيٍّ ... ودَاعِيَهُ لأهل الأرض داعي وبعد تلك الحياة الحافلة بالتعلم والتعليم والوعظ والتوجيه، وتخريج علماء أجلة في علوم السنة وغيرها، والتأليف نظمًا ونثرًا في علوم الحديث والسيرة النبوية والأدب المنظوم والمنثور، جاءت المؤلف نهاية أجله المحتوم، فتوفي -رحمه الله تعالى- فجاة، وقد أرخ وفاته الصفدي وغيره في يوم السبت ١١ شعبان سنة ٧٣٤ هـ (١). وذكر الإسنوي أن وفاة المؤلف كانت بمنزله بمدرسة الحديث الظاهرية (٢). وحكى ابن ناصر الدين لحظة وفاته فقال: دخل عليه واحد من الإخوان يوم السبت ١١ شعبان، فقام لدخوله، ثم سقط من قامته، فلقف ثلاث لقفات، ومات من ساعته (٣) قال ابن كثير: وصُلِّيَ عليه من الغَد (٤) وقال الصفدي: وكانت جنازته حافلة إلى الغاية، شيعها القضاة، والأمراء، والجُند، والفقهاء، والعوام، وتأسف الناس عليه (٥)، وقال الحافظ ابن حجر: قيل: إن الناصر (يعني محمد بن قلاوون) رأى جنازته حافلة، فسأل الجلال القزويني -وهو رئيس قضاة الشافعية- في صبيحة ذلك اليوم فذكر له مقداره (٦) وذكر

стр. 57

ابن قاضي شهبة أن المؤلف دُفِن بالقَرافَة (١) عند ابن أبي جمرة (٢) اهـ. رحم الله الجميع، وألحقني بهم على خير حال. ١٧ - رثاؤه: مما يصور مكانة الشخص، وأثره في النفوس المحيطة به، والوفاء له، أن تُذكَر محاسنه ويثنى عليه بعد موته بما هو أهله، وهذا ما حدث بالنسبة لابن سيد الناس، فقد قال الصفدي: ولما بلغتني وفاته، قلت أَرثيه: ... وساق قصيدة بلغت واحدًا وأربعين بيتًا، ومحتواها يدل على أن ما أشار إليه ابن فضل الله العمري من انحراف الصفدي عن شيخه كما تقدم، قد زال، ولله الحمد، وفي مطلع المرثية يقول الصفدي: ما بَعْدَ فَقدِك لي أُنس أُرجِّيهِ ... ولا سرور من الدنيا أُقضِّيه (٣) ومما يناسب المقام منها تلك الأبيات التي اخترتها وهي: يا حافظًا ضاع (٤) نشر العلم منه إلى ... أن كاد يعرفه من لا يُسمِّيه صان الرواية بالإسناد فامتنعت ... ثغورها حين حاطتها عواليه ويقول: حفظتَ سنة خير المرسلين فما ... أراك تُمسي مُضاعًا عند باريه لله سعيك من حبر تبحر في ... علم الحديث فما خابت مساعيه وهل يخيب معاذ الله سعيُ فتَى ... في سنة المصطفى أَفنى لياليه

стр. 58

ويقول: عَزِّ البخاري فيما قد أصيب به ... مات الذي كان بين الناس يَدريه كأنه ما تحلى سمعُ حاضره ... بلفظِه عند ما يُروى لآليه رواية زانها منه بمعرفة ... ما كل من قام بين الناس يرويه يا رحمتاه لشرح الترمذي فمن ... يضم غربته فينا ويؤيه لو كان أمهله داعي المنون إلى ... أن تنتهي في أماليه أمانيه لكان أهداه روضًا كله زهر ... أنامل الفكر في معناه تجنيه ثم انتقل إلى بيان مكانته في علم الأدب فقال: من للقريض فلم أعرف له أحدا ... سواه رقت به فينا حواشيه ثم قال: ومن يمر على القرطاس راحته ... فينبت الزهر غضًا في نواحيه ما كل من خط في طرس وسوده ... بالحبر تغدو به بيضًا لياليه ولا تَخَل كل من في كفه قلم ... إذا دعاه إلى معنى يُلَبيه (١) ثم انتقل إلى ذكر أخلاقه الحسنة، فقال: هيهات ما كان فتح الدين حين مضى ... والله إلا فريدًا في معاليه كم حاز فضلًا يقول القائلون له ... لو حازك الليلُ لابيضت دياجيه لا تسأل الناس، سلني عن خلائقه ... لتأخذ الماء عني من مجاريه ماذا أقول وما للناس من صفة ... محمودة إلا رُكِّبت فيه كالشمس كل الورى يَدِري محاسنَها ... والكاف زائدة، لا كاف تشبيه سقى الغمام ضريحًا قد تضمنه ... صوبًا إذا انهلَّ لا ترقى غواديه وباكرته تحيات نوافحها ... من الجنان تحييه فتحييه (٢) ولعلّي بذلك قد استوفيت مقاصد التعريف بالمؤلف ﵀، لأنتقل إلى الغرض الثاني من تلك الدراسة، وهو دراسة عن الكتاب. ...

стр. 59

ثانيًا: دراسة عن الكتاب ١ - تسميته: لم أجد تصريحًا لابن سيد الناس بتسمية كتابه هذا، والناقلون عنه أيضًا لم أجدهم يسمونه باسم معين، بل يقولون مثلًا: قاله أو قال ابن سيد الناس في شرح الترمذي (١). وأيضًا ما وقفت عليه من نسخه، الخطية، عنوانه (شرح الترمذي لابن سيد الناس) ولم يسمه العراقي أيضًا باسم معين عند كلامه عنه في مقدمة تكملته له التي تقدم ذكرها، مع تصريحه بأنه وقف على نسخة المؤلف التي بخطه (٢). وقد نقل صاحب تحفة الأحوذي عن كتاب (آثار الأدهار) أن هذا الشرح يسمى: "المُنقَّح الشذِي في شرح الترمذي" (٣) و"المُنفَّح" يطلق على المهذب من الكلام (٤) وجاء عن شمس الدين ابن طولون تسمية هذا الشرح باسم (الفَوْح الشذي في شرح جامع الترمذي) (٥) و (الفَوْح) وِجْدانُك الريح الطيبة (٦).

стр. 60

لكن هناك تلميذ لابن سيد الناس، وهو صلاح الدين الصفدي، وقد لازم شيخه، وكان خبيرًا بتسميته هذا الكتاب بالذات حتى إنه قرر مشاركته مع شيخه في التسمية النهائية له، فقد قال عند ذكر مؤلفات شيخه: (النَفْح الشذِي في شرح جامع الترمذي) ثم قال: وكان قد سماه (العَرف الشَّذِي) فقلت له: سمه (النفح الشذي) ليقابل (الشرحُ) بـ (النفح) يعني في سجع اللفظ، قال الصفدي: فسماه كذلك (١). و (النَّفْح) ريح المسك (٢) وعلى هذا يكون الاسم المعتمد لهذا الشرح هو (النفح الشذي في شرح جامع الترمذي) ولذا عنونت الشرح به، وهكذا سماه معاصر الصفدي محمد بن شاكر الكتبي (٣). وبهذا تَميَّزَ عما سُمي (بالعَرف الشَّذِي) من الشروح مثل: شرح سراج الدين البلقيني (ت ٨٠٥ هـ) المتقدم ذكره، وشرح الشيخ محمد أنور شاه، فقد ذكره بهذا الاسم الدكتور فؤاد سزكين، وذكر أنه مطبوع طبع حجر بالهند سنة ١٣٤٤ هـ (٤). ٢ - تحقيق نسبة الكتاب إلى المؤلف وإسناده إليه: لم أجد من شك أو شكك في ثبوت نسبة شرح الترمذي هذا لابن سيد الناس، بل المترجمون له، وللزين العراقي متفقون على ذلك (٥) وقد تقدم تصريح الصفدي تلميذ ابن سيد الناس بنسبة هذا الشرح إلى شيخه، وبتحديد اسمه النهائي بمشورته.

стр. 61

وقد نسبه إليه أيضًا من نقل عنه كالحافظ العراقي (١) والشوكاني (٢). وكذلك نسب الكتاب إلى ابن سيد الناس في عنوان نسختيه اللتين اعتمدت عليهما في التحقيق، وسيأتي التعريف بهما، لكني لم أجد فيهما سندًا من المؤلف إلى من بعده. ولكني وجدت الشيخ محمد بن سليمان الروداني (٣) المتوفى سنة ١٠٩٤ هـ في برنامجه المسمى: (صلة الخلف بموصول علم السلف) ذكر الكتب التي تلقاها بسنده عن شيوخه، وعد منها: شرح الترمذي لأبي الفتح ابن سيد الناس اليَعمُري، وذكر أنه تلقاه بسنده عن الحافظ ابن حجر العسقلاني، عن أبي الفرج الغَزِّي عن أبي الفتح (٤). وأبو الفرج الغَزِّي هذا هو عبد الرحمن بن أحمد بن مبارك، الغَزِّي ثم القاهري المعروف بابن الشحنة، ولد سنة ٧١٤ هـ أو ٧١٥ هـ وتوفي سنة ٧٩٩ هـ وممن سمع منهم الحديث: ابن سيد الناس مؤلف هذا الشرح، وهو من شيوخ ابن حجر أيضًا، وقد أثنى على صبره عليه عند طلبه الحديث وقال: (حتى قرأت عليه أكثر مروياته) وذكر مما قرأه عليه كتاب "بشرى اللبيب" لابن سيد الناس، كما ذكر أنه تغير قليلًا في أول السنة التي توفي في ربيع الأول منها وهي سنة ٧٩٩ هـ كما تقدم (٥). وسيأتي التعريف به في نماذج شيوخ المؤلف.

стр. 62

ووصفه عند الرواية عنه بالمُسنِد الثقة المبارك (١). أما السند من ابن حجر إلى الروداني، فقد وصله في سياق أسانيده إلى مشاهير المُسنِدين في أوائل برنامجه المذكور (٢) ثم اتصل السند من الروداني إلى الكتاني صاحب فهرس الفهارس وغيره من المتأخرين (٣). ٣ - زمن تأليف هذا الشرح، وتحقيق القول فيما أنجزه المؤلف منه، وما وُجِد منه حاليًا: لم أجد من عُني بتحديد زمن شروع المؤلف في هذا الشرح، ولكني وجدته ينقل فيه في بعض المواضع عن شيخه ابن دقيق العيد، ويترحم عليه (٤) وذلك في شرح باب النهي عن استقبال القبلة ببول أوغائط، وهو الباب السادس من أبواب الطهارة، وهذا يدل على كتابته هذا الموضع من الشرح بعد وفاة ابن دقيق العيد، وهو متوفى سنة ٧٠٢ هـ (٥) لكن هذا التاريخ بينه وبين وفاة ابن سيد الناس أيضًا مدة طويلة، نحو إثنتين وثلاثين سنة حيث إنه توفي سنة ٧٣٤ هـ كما تقدم، وقد توفي وهو مشتغل به، فلو كان شرع فيه قريبًا من وفاة ابن دقيق العيد لأتم منه أكثر من القدر الذي توقف عنده كما سيأتي تحديده، فلعله شرع فيه بعد وفاة شيخه بفترة غير قصيرة، وقد أشار في مقدمة الشرح إلى أن شروعه في صياغته وتأليفه كان بعد مدة من تقييده لمتفرقات المادة العلمية للشرح، ثم بدا له جمعها خشية الضياع، ورجاء إفادة طلاب العلم (٦) ولكنه لم يحدد زمنًا معينًا. وأما القدر الذي أنجزه ابن سيد الناس من الشرح فمن العلماء من لم يُعنَ بتحديده بدقة، ومنهم من عني بذلك.

стр. 63

فجمال الدين عبد الرحيم الإِسنوي -معاصر المؤلف والمتوفى سنة ٧٧٢ هـ- ذكر أن ما شرحه ابن سيد الناس عبارة عن قطعة من أول جامع الترمذي، وأن شرح هذه القطعة نحو مجلدين (١) ولم يحدد الموضع الذي توقف عنده ابن سيد الناس في شرحه. وقال معاصره أيضًا: إسماعيل بن كثير: - وشرح قطعة حسنة من أول جامع الترمذي رأيت منها مجلدًا بخطه الحسن (٢). أما الشوكاني فذكر أن ابن سيد الناس بلغ في شرحه إلى أوائل كتاب الصلاة وأن ذلك يقع في مجلد واحد، وقد وقف بنفسه عليه بخط ابن سيد الناس، وقال: ولعل تلك النسخة التي وقفت عليها هي المسودة، فإنها كثيرة الضرب والتصحيح (٣). وقد ذكر أيضًا أنه وقف على الجزء من تكملة العراقي الذي يلي ما شرحه ابن سيد الناس (٤). أقول: وقول الشوكاني: إن ابن سيد الناس: "بلغ في شرحه إلى أوائل كتاب الصلاة" يفيد تحديده لوقوفه في الشرح عند هذا الحد دون زيادة عليه، وقوله: أنه وقف على المجلد الأول من تكملة العراقي الذي يلي الجزء السابق من شرح ابن سيد الناس يفيد أنه يحدد توقف ابن سيد الناس عند الموضع الذي بدأ العراقي تكملته منه، وهو باب "ما جاء أن الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام" وهو باب ١١٩ من أبواب الصلاة البالغ مجموع أبوابها ٢١٣ بابًا غير أبواب الوتر والجمعة وهي ١٠١ باب (٥). وقد صرح غير الشوكاني بتوقف ابن سيد الناس في شرحه عند باب ١١٩

стр. 64

المتقدم ذكره، فقد قال ابن خطيب الناصرية: إن أبا الفتح اليعمري وقف في شرحه عند باب "ما جاء أن الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام" (١). ويبدو أنه هو والشوكاني قد اعتمدا في تقرير توقف ابن سيد الناس في شرحه عند هذا الباب، على ما قرره العراقي في مقدمة تكملته للشرح حيث قال: وآخر ما رأيت منه بخطه، شرحه لبعض باب "ما جاء أن الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام". ولم يكمل شرحه، لاخترامه فجاة بفادح الحِمَام، فشرعت في البناء عليه من أول هذا الباب (٢) فقول العراقي: إن ابن سيد الناس شرح بعض هذا الباب، ولم يُكمِلْه شرحًا؛ لوفاته فجأة، يدل على توقف ابن سيد الناس في شرحه فعلًا في أثناء هذا الباب، بل إنه حدد بعد هذا بالدقة أن آخر ورقة مما رآه من شرح هذا الباب فيها عزو ابن سيد الناس حديث أبي أمامة في الباب المذكور إلى الترمذي، لتخريجه أصله في كتاب السير من جامعه (٣). أقول: والحديث المذكور هو الحديث الثامن من تسعة أحاديث أشار الترمذي إليها في الباب المذكور بقوله: وفي الباب عن فلان وفلان (٤)، ومعنى هذا أن ابن سيد الناس حسبما عرفنا من منهجه في الشرح، قد أنجز من شرح هذا الباب أمرين: أحدهما: تخريج حديث الباب من عند غير الترمذي من الأئمة. وثانيهما: تخريج ثمانية أحاديث من التسعة التي أشار الترمذي إلى أنها في الباب. وبمقارنة هذا بما وقفت عليه من نسخ شرح ابن سيد الناس نجد ان هناك

стр. 65

فاصلًا بين الوضع الذي توقف عنده ابن سيد الناس في شرحه، وبين الموجود حاليًا من نسخه لدينا. فنسخة مكتبة (لا له لي) بتركيا والتي اتخذناها أصلًا في التحقيق، كما سيأتي، تنتهي بآخر شرح باب المستحاضة، وهو الباب (٩٣) من أبواب الطهارة البالغ عددها (١١٢) بحسب ترقيم الشيخ محمد فؤاد عبد الباقي. أما نسخة الكتبة المحمودية، فآخر ما فيها نهاية شرح باب (القراءة في صلاة العشاء) وهو الباب (١١٤) من أبواب الصلاة التي مجموعها (٢١٣) بحسب ترقيم الشيخ محمد فؤاد عبد الباقي أيضًا، وبذلك تكون نسخة المحمودية هذه أكمل في آخرها من نسخة تركيا، وإن كانت تنقص من أولها كما سيأتي في وصف النسخ. وقد جاء في آخر الوجود بها الإِشارة إلى أنها تنقص عن الباب الذي وقف ابن سيد الناس أثناء شرحه أربعة أبواب هي: - باب ما جاء في القراءة خلف الإِمام. - باب في ترك القراءة خلف الإمام إذا جهر الإِمام بالقراءة. - باب ما جاء فيما يقول عند دخول المسجد. - باب ما جاء إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين. الجملة أربعة أبواب ... إلخ (١). أقول: ويلي الباب الأخير من تلك الأربعة، (باب ما جاء أن الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام). الذي توقف ابن سيد الناس في أوائله، وشرع العراقي في التكملة من أوله كما تقدم كلامه. ولعلنا نوفق في الحصول على نسخة أكمل تتضمن تلك الأبواب الأربعة ليتصل سياق شرح ابن سيد الناس بتكملة العراقي له.

стр. 66

أما ما ذكره صاحب كشف الظنون من أن ابن سيد الناس بلغ في شرحه إلى دون ثلثي جامع الترمذي في نحو عشرة مجلدات، ولم يتم (١) فلم يذكر لنا مستنده في هذا وهو تقدير بعيد جدًّا عن التحديد السابق من الإسنوي، وهو معاصر للمؤلف، وبعيد أيضًا من تحديد العراقي المعتمِد على اطلاعه على ما شرحه ابن سيد الناس بخطه، كما أنه لم يظهر حتى الآن من نسخ الشرح ما فيه أزيد مما ذكره العراقي كما تقدم، وعليه فلا يعول على تقدير صاحب كشف الظنون، بل المعتمد ما ذكره العراقي وتبعه عليه غيره، من توقف ابن سيد الناس في شرحه عند تخريج الحديث الثامن مما أشار إليه الترمذي في (باب ما جاء أن الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام). ٤ - مكانة الكتاب بين أهم شروح الترمذي: أشرت من قبل إلى أن هذا الشرح يمثل بداية حلقة مفتقدة بين المتقدم وبين المتأخر من شروح الترمذي، وبيان ذلك كالتالي: (أ) أن (كارل بروكلمان) ومِنْ بَعدِه الدكتور/ فؤاد سزكين، قد ذكرا أن الحسين بن مسعود البغوي المتوفى سنة ٥١٦ هـ (٢) له شرح لجامع الترمذي (٣) وذكر د/ فؤاد سزكين أنه يوجد القسم الأخير من هذا الشرح بالمكتبة المحمودية بالمدينة النبوية تحت رقم ٣٥ (٤). ولكني لم أتمكن من التحقق من ذلك بالاطلاع على تلك القطعة، وسأحرص على ذلك في أقرب فرصة بعون الله تعالى. ولم أجد في عدد من مصادر ترجمة البغوي ذكر هذا الشرح في مؤلفاته. كما ان السيوطي قد ذكر أنه لا يعلم أحدًا شرح جامع الترمذي كاملًا

стр. 67

إلا القاضي أبي بكر بن العربي (١) المتوفى سنة ٥٤٣ هـ (٢) وهو كما ترى متأخر عن البغوي، فهذا يدل على أن السيوطي لم يقف على شرح البغوي هذا، أو وقف عليه ولم يجده كاملًا، ومن قبل السيوطي ذكر الحافظ زين الدين العراقي أهمية جامع الترمذي ثم قال: ولكنه ليس عليه شرح يناسبه، ولا يداني التناسب ولا يقاربه، ثم ذكر شرح ابن العربي، وبين عدم كفايته، وذكر بعده شرح ابن سيد الناس، وبين أنه لم يكمل، كما تقدم (٣). فهذا يدل على عدم وقوف العراقي على شرح للبغوي أو غيره من المتقدمين على ابن العربي، ويمكن تحقيق الأمر أكثر إذا تيسر الاطلاع على القطعة التي ذكر سزكين أنها موجودة من هذا الشرح. (ب) وممن سبق المؤلف أيضًا إلى شرح جامع الترمذي - القاضي أبو بكر محمد بن عبد الله الإشبيلي، المعروف بابن العربي المالكي المتوفى سنة ٥٤٣، وشرحه يسمى (عارضة الأحوذي) (٤) أخذًا من قوله في مقدمته: "فخذوها عارضة من أَحْوَذِي علم كتاب الترمذي" يعني كلامًا صادرًا من حاذق، محيط بجوانب ما يتكلم عنه (٥) وهو العلم المشتمل عليه كتاب الترمذي "وهذا الشرح كاملٍ، ومطبوع متداول، مشهور، وقد تقدمت إشارة السيوطي إلى أنه لا يعلم شرحًا كاملًا للترمذي قبل هذا الشرح، وقد استفاد منه من جاء بعده من شراح الترمذي كالمؤلف، والزين العراقي وغيرهما، وبمراجعتي لعدة مجلدات من هذا الشرح تبين لي أنه مع فائدته المشهود بها، فإنه مختصر في عمومه، حتى إنه قد يترك بعض الأبواب بدون تعليق عليها مطلقًا، كما سيأتي في التوضيح لمنهج ابن سيد الناس مقارنًا بغيره، وذكر أبو الطيب السندي: أن ابن العربي قد أطال الكلام في شرحه هذا على مذهب الإِمام مالك ﵁، ولم يتعرض لكثير

стр. 68

من الألفاظ المحتاجة إلى بيان (١)، وقد لاحظ الحافظ العراقي من قبله، اختصار ابن العربي لشرحه فقال: "وليس المنهوم بتلك العارضة يغتذي" (٢). (ج) وبعد هذا الشرح لم أجد شرحًا للترمذي إلا شرح ابن سيد الناس هذا، ومن بعده تتابع الغيث، كما سيأتي، ما بين مكمِل ومُستأنِف. ولهذا قلت: إن هذا الشرح يمثل بداية حلقة مفتقدة من شروح الترمذي، وهي تعتبر الحلقة الوسيطة بين المتقدمين وبين المتأخرين كالسيوطي ومَن بعده. وقد نقل الحافظ ابن حجر عن الكمال الإدْفَوي قوله: (إن ابن سيد الناس شرع لشرح الترمذي، ولو اقتصر فيه على فن الحديث من الكلام على الأسانيد لكمُل، لكنه قصد أن يتبع شيخه ابن دقيق العيد فوقف دون ما يريد) (٣). أقول: ولم يعلق ابن حجر على ذلك بشيء، والذي يبدو لي أن كلام الإدْفَوِي غير مُسَلَّم له؛ لأنه قرين للمؤلف وشريكه في ملازمة ابن دقيق العيد (٤) فلعل كلامه هذا من تنافس الأقران، كما أنه معروف في المجال الأدبي واللغوي أكثر منه في مجال السنة وعلومها (٥) فيكون تقويمه لشرح ابن سيد الناس غير دقيق. وقد خالفه في تقويمه لهذا الشرح غيره ممن هم أخبر به، وأدرى بعلوم السنة، فقال الحافظ العراقي بعد أن ذكر شرح ابن العربي، ووصفه بالإِيجاز، كما مر: وشرع الحافظ أبو الفتح اليَعمُري في شرح له، يعني للترمذي، أطال فيه الكلام عليه، فخرَّج ما أشار بقوله: "في الباب" إِليه، وربما وقف عليه بعض أحاديث من ذُكِر، وزاد عليه أحاديث لصحابة أُخَر، لكن اخترمَتْهُ المنية قبل

стр. 69

إكماله (١). فهذا الكلام من الحافظ العراقي يدل على أن شرح ابن سيد الناس برغم عدم تمكنه من التخريج لبعض الأحاديث؛ فإنه يعتبر في عمومه أوسع من شرح ابن العربي، وكذلك الشوكاني مع تفضيله تكملة العراقي على شرح ابن سيد الناس، فإنه وصف شرح ابن سيد الناس بأنه ممتع في جميع ما تكلم عليه، من فن الحديث وغيره (٢) وكذلك الصلاح الصفدي تلميذ ابن سيد الناس، والمشير عليه بتسمية الشرح، قد وصفه بأنه: "جمع فأوعى" (٣). وسيأتي تفصيل منهج المؤلف فيه مقارنًا بغيره. (د) تكملة العراقي لهذا الشرح: ولما كان هذا الشرح لم يُتَح لؤلفه إكماله، فإن الحافظ زين الدين العراقي المتوفى سنة ٨٠٦ هـ (٤) قد شرح في تأليف تكملة له، بدأ فيها من أول الباب الذي وقف بنفسه على شرح ابن سيد الناس لقدر يسير منه، كما تقدم وهو (باب ما جاء أن الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام) ويبدو أن العراقي لم يتح له أيضًا إتمام شرح الباقي من جامع الترمذي إلى نهايته. والذي يمكن الاطمئنان إليه في تحديد ما أنجزه العراقي من تلك التكملة، ما ذكره الحافظ ابن حجر بقوله: (وبيض من تكملة شرح الترمذي كثيرًا، وكان قد أكمله في المسوَّدة أو كاد، كتبت منه عنه، قدر مجلد، وقرأت أكثره عليه (٥). فهذا التقدير من الحافظ ابن حجر معتمِدٌ على صلته المباشرة بالكتاب، واطلاعه على أكثره، ولذا يترجح على تقدير غيره، كما أنه قد حدد أيضًا ما بيضه العراقي منه فقال: "والذي بيض منه إلى آخر كتاب اللباس" (٦).

стр. 70

أقول: وهذا الكتاب هو الثاني والعشرون من كتب جامع الترمذي البالغ عددها ٤٧ كتابًا آخرها كتاب العلل وهو آخر الجامع، وقد وقفتُ على نص من كلام العراقي نفسه يؤيد قول الحافظ ابن حجر السابق عن تحديد ما أنجزه العراقي في المسودة، وذلك في المجلد الموجود بدار الكتب المصرية من تكملة العراقي هذه، وهو من المسودة بخطه، حيث جاء في بعصر أوراقها ما نصه: "المناقب يُثبَت فيها حديث عمرو بن الجموح، من باب التوحيد، في الإِيمان" (١). فالمناقب هو الكتاب قبل الأخير من كتب جامع الترمذي، وقوله هذا يدل على اشتغاله بجمع المادة العلمية اللازمة لشرحه من مصادرها، فلعله شرع في شرح هذا الكتاب الأخير ولم يكْمِله، ولذا قال ابن حجر فيما تقدم: "وكان قد أكمله أو كاد" وأما ما ذُكِرَ غير ذلك من تحديد ما أنجزه العراقي فلا يعوَّل عليه؛ لأنه إما قول مجرد عن الدليل، أو معتمد على تقليد الغير أو على ما وقف عليه القائل فقط. هذا وقد رجح د. فؤاد سزكين أن العراقي ألف شرحين لجامع الترمذي: أحدهما تكملة لشرح ابن سيد الناس، والثاني شرح مستقل، وقد اعتمد في هذا على أن بعض المجلدات الخطية ذُكِرت في فهارس المخطوطات باسم (تكملة شرح الترمذي) وبعضها مفهرس باسم (شرح الترمذي) (٢) وقد تيسرت لي هذه المجلدات جميعها بحمد الله، وقابلت بعضها ببعض، وتبين لي أن هذا الاختلاف في عنوان النسخ الخطية فقط، ولكن الكل كتاب واحد هو: "تكملة العراقي لشرح ابن سيد الناس" وعليه فما رجحه د/ فؤاد سزكين ليس صوابًا. ومثله أيضًا ما ذكره محمد بن طولون حيث قال: إن العراقي أكمل شرح

стр. 71

الترمذي لابن سيد الناس، ثم استأنف العمل من أول الجامع، وكتب عليه فأكمله (١)، فلم أجد من وافقه على ذلك. وقد وازن بين ما شرحه ابن سيد الناس وبين تكملة العراقي غير واحد من العلماء، بما يدل على مكانة كل منهما من الآخر. فجمال الدين عبد الرحيم الإِسنوي المتوفي سنة ٧٧٢ هـ وأحد شيوخ العراقي (٢) قال في ترجمة ابن سيد الناس: إنه شرح قطعة من الترمذي، نحو مجلدين، وشرع في إكماله حافظ الوقت زين الدين العراقي، إكمالًا مناسبًا لأصله (٣) وبهذا جعل الشرح وتكملة العراقي عليه، كلاهما في مستوى واحد، وتلك موازنة إجمالية. ومن بعد الإِسنوي نجد الإمام الشوكاني، قد اطلع على شرح ابن سيد الناس بخطه ثم على المجلد الأول من تكملة العراقي، بخط الحافظ ابن حجر، وبعضه بخط العراقي (٤) وسيأتي أيضًا أنه نقل عن الشرح وتكملته كثيرًا في نيل الأوطار، وقد قال عن شرح ابن سيد الناس: هو ممتع في جميع ما تكلم عليه، من فن الحديث وغيره، مع التزامه لإِخراج الأحاديث التي يشير إليها الترمذي بقوله: وفي الباب عن فلان وفلان إلخ .. ولما وقفت على الجزء الذي يلي هذا الجزء للزين العراقي، بهرني ذلك، ورأيته فوق ما شرحه صاحب الترجمة (يعني ابن سيد الناس) بدرجات (٥) وقال أيضًا عن تكملة العراقي: وهو شرح حافل ممتع فيه فوائد لا توجد في غيره، ولا سيما في الكلام على أحاديث الترمذي، وجميع ما يشير إليه في الباب، وفي نقل المذاهب على نمط غريب، وأسلوب عجيب (٦).

стр. 72

أقول: والذي بدا لي من مطالعة ما شرحه ابن سيد الناس، ثم تكملة العراقي له أن موازنة الشوكاني هي الصواب، نعم لابن سيد الناس فضل السبق والتوسع في جوانب قد أوجز فيها ابن العربي، أو تركها كلية، كما سيأتي توضيحه، لكن تكملة العراقي أفود وأعمق بصفة عامة، وخاصة في ناحيتي التخريج والصناعة الحديثية، كما سأبينه في مقارنة منهج ابن سيد الناس بغيره. (هـ) ذكر عبد الرؤوف المناوي أنَّ أبا زرعة ابن العراقي قد أكمل تكملة شرح والده لشرح الترمذي (١)، وهذا يدل على ما أشرت إليه من قبل من كون العراقي لم يتم شرح جامع الترمذي حتى في المسَّودة، وإلا كان أبو زرعة حرص على تبييض ذلك بدلًا من تأليف تكملة جديدة نظرًا لحرصه على حفظ ما ألفَّه والده. هذا ولم أقف على نسخة من تلك التكملة، أو نقول عنها. (و) ذكر السخاوي من مؤلفاته: تكملة شرح الترمذي للعراقي، وذكر أنه كتب منه أكثر من مجلدين في عدة أوراق من المتن (٢)، يعني متن جامع الترمذي، وهذا دليل على توسعه الكبير في الشرح، ولكنه لم يحدد لنا الموضع الذي بدأ تكملته منه ولا الموضع الذي توقف عنده، وتبعه في هذا الكتاني (٣) لكن في كتاب المقاصد الحسنة للسخاوي (٤) ذكر حديث: "ليس شيء أكرم على الله من المؤمن" وقال: وقد أشبعت الكلام عليس فيما كتبته على الترمذي في باب ما جاء في تعظيم المؤمن، قبيل الطب. أقول: والباب الذي ذكره هو باب ٨٥ من كتاب البر والصلة، وهو كتاب ٢٥ من كتب جامع الترمذي البالغ عددها ٤٧ كتابًا وقبل هذا الكتاب بكتابين نجد كتاب اللباس الذي وصل العراقي في تبييض شرحه إليه.

стр. 73

وعمومًا فإن هذه التكملة كسابقتها لم أقف على نسخة منها، رغم البحث الدائب. (ز) ومن تلك الحلقة أيضًا شرح جامع الترمذي كاملًا، لأبي الفرج عبد الرحمن بن أحمد، المعروف بابن رجب الحنبلي المتوفى سنة ٧٩٥ هـ (١) وهو قرين لزين الدين العراقي، صاحب أكبر تكملة على شرح ابن سيد الناس، كما تقدم. وقد ذكر علي بن محمد بن علاء، المعروف بالعلاء الطرسوسي أنه سمع ابن رجب يقول: أرسل إليَّ الزين العراقي يستعين بي في شرح الترمذي (٢). وهذا يدل على علم كل من العراقي وابن رجب باشتغال الآخر بالشرح، ومع تقدم وفاة ابن رجب وإتمامه لشرح الجامع كله، إلا أن هذا لا يعطينا قطعًا بأن ابن رجب كان أسبق من العراقي؛ فقد نقل الحافظ ابن حجر -وهو تلميذ العراقي الملازم له- قول شيخه العراقي: إنه قد رافق الزيلعي في الاشتغال بالتخريج، وذكر من ضمن ما كان العراقي مشتغلًا به آنذاك الأحاديث التي يشير إليها الترمذي في الأبواب، ثم أرخ وفاة الزيلعي سنة ٧٦٢ هـ (٣). فهذا يدل على اشتغال العراقي بتكملته قبل هذه السنة، كما جاء أيضًا في آخر الجزء الخامس من تكملة العراقي أنه فرع منه في ٢٧ ربيع الآخر سنة ٧٧٩ هـ (٤) وهذا تاريخ متقدم على وفاة ابن رجب بنحو خمس عشرة سنة. وقد ذكر الحافظ ابن حجر أن ابن رجب قد أجاد في هذا الشرح وأنه نحو عشرين مجلدًا (٥)، وكذا قال صاحب كشف الظنون، ولكنه ذكر أنه احترق في الفتنة (٦) ولم يبيِّن مراده بالفتنة، وقد بحثت عن هذا الشرح كثيرًا، كما بحث عنه

стр. 74

أيضًا الأخ الفاضل الدكتور/ همام عبد الرحيم (١) وقد أسفر بحثه عن وجود قطعتين من هذا الشرح. إحداهما: نحو عشرة أوراق، ضمن، مجموعة بالمكتبة الظاهرية، وقد أطلعني عليها مشكورًا الأخ الدكتور همام، وفحصتها، ونقلت معظمها بخطي، وأولها أثناء باب (ما جاء في العمامة السوداء) وهو الباب (١١) من كتاب اللباس، وهو الكتاب (٢٢) من الجامع، ويليه قطعة أخرى من باب (ما جاء في لبس الصوف)، وهو الباب العاشر من كتاب اللباس، ثم يليه تكملة باب (ما جاء في لبس العمامة) السابق ذكره ثم يليه باب (ما جاء في كراهية خاتم الذهب)، وهو باب (١٣) من كتاب اللباس هذا .. ويوجد أيضًا في أثناء تلك القطعة ورقة من كتاب التراجم وتقع بين ورقة ٨٧ ب، وورقة ١٨٨، ومن هذا الوصف لتلك القطعة تلاحظ أنها مختلفة الترتيب، وقد كتب بأعلا الصفحة الأولى من اليسار ما نصه: (ملك محمد بن يوسف بن عبد الهادي)، وهي بخط ابن رجب، وقد مكنتني هذه القطعة من موازنة منهج ابن سيد الناس بمنهج أبن رجب في شرحه هذا ومقارنته أيضًا بمنهج العراقي كما سيأتي. وقد قام د. همام بتحقيق نماذج من باب (ما جاء في كراهة الخاتم) (٢). أنها القطعة الثانية: فهي عبارة عن شرح كتاب العلل الذي في آخر جامع الترمذي، وهذه قد تعددت نسخها، وقام غير واحد بتحقيقها، ومنهم الدكتور نور الدين عتر وقد نشره، ومنهم الدكتور همام عبد الرحيم، ولم يطبع حتى الآن، ولديَّ منه نسخة على الآلة الكاتبة. أقول: وقد تقدم قول الحافظ ابن حجر عن هذا الشرح: إن ابن رجب أجاد فيه، وهو حكم إجمالي، لكنه من خبير بالصنعة، وبجامع الترمذي خصوصًا، لاشتغاله بشرحه كما سيأتي.

стр. 75

وعمومًا فإني قد اطلعت على شرح ابن سيد الناس وعلى تكملة العراقي، وعلى القطعة السابقة من شرح ابن رجب، مع شرحه لكتاب العلل الذي في آخر الجامع. وعلى ضوء ذلك يمكن تقدير المكانة الإِجمالية لشرح ابن سيد الناس على النحو التالي: ١ - إن له فضل السبق، والتوسع في مباحث الشرح والصنعة الحديثية أكثر من ابن العربي كما قدمت. ٢ - إن تكملة العراقي، وشرح ابن رجب يفوقانه في التوسع والبحث والتحقيق وخاصة في الصنعة الحديثية. وسيأتي مزيد بيان لذلك في مقارنة منهج ابن سيد الناس بغيره من أهم شراح جامع الترمذي. (ح) ومن تلك الحلقة أيضًا شرح زوائد جامع الترمذي على كل من الصحيحين وسنن أبي داود، لأحد تلاميذ ابن سيد الناس، وقَرِين العراقي، وهو سراج الدين عمر بن علي، المعروف بابن الملقن، وبابن النحوي المتوفى سنة ٨٠٤ هـ، وقد نقل السخاوي عنه أنه كتب منه قطعة صالحة (١)، وكذا ذكره الشوكاني (٢) وصاحب كشف الظنون (٣). أقول: واسم هذا الشرح: "إنجاز الوعد الوَفِي، بشرح جامع الترمذي" وقد وقفت على صورة نسخة منه موجودة بمكتبة (شستربيتي) برقم (٥١٨٧) وعدد أوراقها (١٥٣) ورقة، وهي ناقصة من أولها، وباثنائها خروم، وآخر ما فيها أول باب (كيف الجلوس في التشهد) وهو الباب رقم ١٠٢ من أبواب الصلاة البالغ عددها ٢١٣، بحسب ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي. وباطلاعي على هذه القطعة من الشرح تبينَّ لي أن طابعه العام هو
следующие страницы →