Полный текст (909 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.
стр. 841
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = ٥/ ٢١٦)، والمعجم الوسيط ٢/ ١٥١، وذكر الزمخشري أن من المجاز: "وقف على المعنى، أحاط به".
أساس البلاغة مادة "وقف": ٦٨٦، وقد أبقيت عبارة الأصل "أوقفوا عليه" طالما وجد لصوابها محمل لغوي، وإن كان ضعيفًا، وقد جاء النص في تهذيب الكمال ٢/ ٧٢٨ "أن يقفوا عليه، فأرسل إليه أمير بخمسمائة دينار"، ولكن في تذهيبه ٢ / ل ١٧٦، وفي السير ٦/ ١٨، كلاهما للذهبي، جاء النص هكذا: "أن يقفوا عليه أمير، فأرسل إليه أمير ... الخ" ومعنى العبارة كما يبدو من سياقها: أن المحيطين بابن لهيعة في أواخر حياته أرادوا لفت انتباه أمير مصر إلى ابن لهيعة، وإطلاعه على ما صار إليه حاله، ليساعده، ولعل الرجل حينذاك تغيرت حاله المالية والمعيشية، بعد عزله عن القضاء، وإصابته بمرض الفالج مع تقدم السن، كما أسلفته، فرأى المحيطون به أنه ربما إذا بلغ الأمير خبر احتراق داره بمحتوياتها، اهتم بأمره، ووصله بما يُحسن حاله، وقد حدث ذلك فعلًا، كما جاء في بقية كلام ابن أبي مريم هذا.
ثم إن محقق سير أعلام النبلاء ذكر كلمة "يعفو" بدل "يقفوا" وذكر بالهامش ما يدل على أن الكلمة جاءت كما أثبتها في تذهيب تهذيب الكمال للذهبي الذي استدرك منه أيضًا حرف "أن" قبل كلمة "يعفو" ولكني راجعت التذهيب فوجدت فيه "أن يقفوا" كما في تهذيب الكمال، غاية الأمر أن القاف غير منقوطة، لكن صورتها الخطية واضحة، والنسخة التي راجعتها فيها ترك النقط كثير، ثم إن العبارة لا يظهر لها معنى بذكر كلمة "يعفو"، ولم يبين المحقق ماذا يكون معنى هذا النص مع إثباتها؟ في حين نجد المعنى واضحًا مع إثبات "يقفوا" كما ذكرته، والله أعلم.
ولم يقتصر أمر المواساة لابن لهيعة في تلك الواقعة على الأمير، فقد ذكر قتيبة بن سعيد ويحيى بن بكير -وهما من تلاميذ ابن لهيعة- أن الليث بن سعد أيضًا قد أرسل إليه مالًا، وحدد ابن بكير المبلغ بمائة دينار. انظر: سؤالات البرذعي لأبي زرعة الرازي ٢/ ٣٤٥، ٣٤٦ ضمن كتاب أبي زرعة الرازي وجهوده، =стр. 842
خمسمائة دينار. قال أبو داود: سمعت أحمد يقول: من كان مثل ابن لهيعة بمصر، في كثرة حديثه، وضبطه، وإتقانه؟، وحدث عنه أحمد (١) الحواشي
(١) بالأصل "آخر" ولا يستقيم المعنى عليه، وما أثبته من تهذيب الكمال ٢/ ٧٢٨، وعبارة: "وحدث عنه أحمد بحديث كثيرا هي من قول أبي داود تعقيبًا على ما رواه عن أحمد من أنه لا يرى في المصريين في وقته من هو أكثر حديثًا ولا أضبط ولا أتقن من ابن لهيعة، وما عدا تهذيب الكمال من المصادر المتعددة التي وقفت عليها قد اقتصرت على حكاية أبي داود لكلام أحمد المذكور فقط دون ذكر تعقيب أبي داود المذكور، شرح العلل لابن رجب ١/ ١٣٨، والسير ٣/ ١٨ والميزان ٢/ ٤٧٧، وتهذيب التهذيب ٥/ ٣٧٥ وتذهيب تهذيب الكمال ٢ / ل ١٧٧، ومراد أبي داود بتحديث أحمد عنه، يعني بواسطة؛ لأن ابن لهيعة توفي وأحمد في العاشرة تقريبًا.
أقول: وما حكاه أبو داود عن أحمد يقتضي أنه يحتج به، وأن حديثه عنده صحيح، ولعل هذا مما جعل أبا داود نفسه يعقب على كلام أحمد السابق بتنبيهه على أن أحمد أيضًا قد حدث عنه كثيرًا، ولكن سيأتي تصريح الإمام أحمد نفسه بأنه لا يحتج بابن لهيعة، مع جوابه عن إكثاره الرواية عنه.
وقد نقل الشيخ أحمد شاكر ﵀ قول أحمد السابق في توثيق ابن لهيعة، وأكد به ما ذهب إليه من أن ابن لهيعة ثقة صحيح الحديث، وبذلك رد تضعيف الترمذي لحديث الباب من طريق ابن لهيعة جامع الترمذي - بتعليق الشيخ أحمد شاكر ١/ ١٦ هامش(١) .
ولا يُسلَّم للشيخ أحمد شاكر هذا التوثيق لابن لهيعة، ولا اعتماده لقول أحمد بتوثيقه إلا بعد جمعه لباقي أقوال الأئمة الآخرين، ولأقوال أحمد أيضًا، والنظر في تعارضها، واختلافها، ثم الجواب عن الانتقادات القادحة في ضبط ابن لهيعة، =стр. 843
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = والتي تقدم معنا بالأصل والتعليق عليه، عدد منها، مجملًا، ومفصلًا، وكثير منه منقول عن تلاميذ ابن لهيعة، وأهل بلده.
وقد قمت في التعليقات السابقة بجمع أقوال العلماء وتلاميذ ابن لهيعة الذين ورد في الأصل كلامهم، وحاولت استخلاص الرأي العام لكل منهم، حتى نصل في النهاية إلى رأي عام في حال ابن لهيعة عمومًا، ودرجة حديثه، إن شاء الله.
والذي نحتاجه هنا جمع ما تيسر لي من باقي أقوال الإِمام أحمد في ابن لهيعة غير ما تقدم، ثم استخلاص رأي عام له من ذلك.
فقد جاء عنه قوله: ما كان محدث مصر، أو محدثًا بمصر، إلا ابن لهيعة / الميزان: ٢/ ٤٧٨، السير: ٨/ ١٣، ١٨، وقال أيضًا: ابن لهيعة أجود قراءة لكتبه من ابن وهب/ السير: ٨/ ١٧ وتهذيب التهذيب ٥/ ٣٧٥، وقال: من سمع من ابن لهيعة قديمًا فسماعه أصح، ثم روى عن ابن المبارك ما يفيد تحديده للسماع القديم، بما قبل سنة (١٥٩ هـ) / المجروحين لابن حبان: ٢/ ١٩.
ويلاحظ أن هذا التاريخ متقدم إحدى عشرة سنة تقريبًا، عن تاريخ احتراق كتبه الذي جعله غير واحد هو الفاصل بين السماع القديم، والسماع الحديث، وقد علق الذهبي على قول أحمد هذا: "إن السماع القديم عن ابن لهيعة أصح" فقال: لأنه -يعني ابن لهيعة- لم يكن بَعدُ تساهل، وكان أمره مضبوطًا، فأفسد نفسه/ السير: ٨/ ٢١، ومراد الذهبي بالتساهل، يعني في الأداء كما تقدم بيانه، ومراده بإفساد نفسه، يعني أنه بتساهله في الأداء، أدخل عليه ما ليس من حديثه، فكان هذا مما تسبب في تضعيف جميعه، وإن لم يصل به ذلك إلى الترك المطلق كما سيأتي عن الذهبي نفسه، وقال الإِمام أحمد أيضًا لقتيبة بن سعيد -تلميذ ابن لهيعة-: أحاديثك عن ابن لهيعة صحاح، وقال قتيبة: قلت: لأنا كنا نكتب من كتاب عبد الله بن وهب، ثم نسمعه من ابن لهيعة/ تهذيب الكمال: ٢/ ٧٢٨، شرح العلل ١/ ١٣٩، أقول: ولكن ابن عدي قد أخرج عدة أحاديث من مناكير ابن لهيعة، وهي من رواية قتيبة بن سعيد عنه/ الكامل: ٤/ ١٤٦٥، ١٤٦٨، فيكون مراده بالصحة ثبوت رواية قتيبة لها عن =стр. 844
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = ابن لهيعة، وإن كانت منتقدة عليه، ويؤيد هذا ما جاء عن أحمد أيضًا من وصفه رواية ابن وهب نفسه بأنها صالحة، ولم يقل "صحيحه". وذلك أنه قال: سماع العبادلة من ابن لهيعة عندي صالح، ثم ذكر ثلاثة هم: ابن وهب، وابن المبارك، وابن يزيد المقري/ شرح العلل: ١/ ١٣٨ والصلاحية هنا أيضًا محمولة على الثبوت كما تقدم، أو تحمل على الصلاحية للاعتبار، كما سيأتي حكمه العام بهذا على أحاديث ابن لهيعة.
وجاء عن أحمد أيضًا قوله: كان ابن لهيعة كتب عن المثنى بن الصباح عن عمرو بن شعيب، وكان بعد يحدث بها عن عمرو بن شعيب نفسه.
الضعفاء للعقيلي: ٢/ ٢٩٤، شرح العلل: ١/ ١٣٨، الميزان: ٢/ ٤٧٦، السير: ٨/ ١٥، تهذيب التهذيب: ٥/ ٢٧٩، وقال أيضًا: كانوا يقولون: احترقت كتبه، وكان يُؤتَى بكتب الناس، فيقرءوها/ الضعفاء للعقيلي: ٢/ ٢٩٥، وهذا مما يضعف به، كما قال الحافظ ابن حجر. تهذيب التهذيب: ٥/ ٣٧٨، وقول الإمام أحمد: "يقولون: احترقت كتبه" لعله إشارة إلى ما تقدم في الأصل ص: ٨٢٣ أن إسحق بن عيسى تلميذ ابن لهيعة حدث أحمد بخبر احتراق كتب ابن لهيعة، وقد تقدم أيضًا بيان أن ما ذكره أحمد بالنسبة لرواية ابن لهيعة عن عمرو بن شعيب، وغيره، ما ليس من حديثه، يدل على سوء حفظه، فلعل ذلك تبين للإمام أحمد بعد توثيقه السابق له، ولهذا جاء عنه قوله: ما حديث ابن لهيعة بحجة، وإني لأكتب كثيرًا مما أكتب أعتبر به، وهو يقوي بعضه ببعض. شرح العلل: ١/ ١٣٨، تهذيب الكمال: ٢/ ٧٢٨، الميزان: ٢/ ٤٧٨، السير: ٨/ ١٦، وقد تقدم ص: ٧٩٣ ت أن من ضُعِّف من جهة حفظه كابن لهيعة وغيرِه، فقول أحمد فيه: "لا يُحتَج به" يعني إذا انفرد بالشيء.
ويلاحظ أن قول أحمد هذا في ابن لهيعة، قد بناه على نحو ما تقدم عن ابن حبان، من السبر والاعتبار لمرويات ابن لهيعة، حيث كتب الكثير منها، ثم قارنه بروايات من شاركه من الثقات، فتبين له أنه لا يحتج بما انفرد به، ولكنه يتقوى بغيره، وعليه يكون هذا هو القول المعتبر للإمام أحمد بشأن ابن لهيعة، وهو يلتقي =стр. 845
بحديث كثير. قال أبو داود: سمعت قتيبة بن سعيد يقول: [كنا] (١) لا نكتب حديث ابن لهيعة إلا مِن كُتب ابن وهب، أو ابن أخيه -يعني ابن أخي ابن لهيعة- (٢) إلا ما كان من حديث الحواشي
(١) ليست بالأصل، وأثبتها من المصادر التي ذكرت قول أبي داود هذا عن قتيبة بن سعيد، ثم إن سياق باقي النص مختلف بالتقديم والتأخير عما في مصادره التي وقفت عليها، حيث جاء فيها هكذا "كنا لا نكتب حديث ابن لهيعة إلا من كتاب ابن أخيه، أو من كتب ابن وهب، إلا ما كان ... إلخ تهذيب الكمال: ٢/ ٧٢٨، سير النبلاء: ٨/ ١٦، ١٧، تهذيب التهذيب: ٥/ ٣٧٥، ٣٧٦.(٢) هو: لهيعة بن عيسى بن لهيعة، ولي القضاء بمصر مرتين: أولاهما في مستهل شعبان سنة (١٩٦ هـ)، ثم عزل عنه في ربيع الأول سنة (١٩٨ هـ) ثم وليه مرة ثانية في المحرم سنة (١٩٩ هـ) إلى أن مات في مستهل ذي القعدة سنة (٢٠٤ هـ)، وقد روى عن عمه عبد الله بن لهيعة، وتعلم منه القضاء، وسار فيه سيرة حسنة، استحق بها الثناء الجميل، ومن ذلك اهتمامه بإثبات عدالة أو جرح الشهود الدائمين لديه، بحيث كلف من يقوم بالسؤال عن سيرتهم وسلوكهم كل ستة أشهر، ومن حدثت له جَرْحَة أوقفه عن الشهادة، وخاصة من عُرف ببدعة كالقدر ونحوه، وكان تاسع تسعة من حضرموت، ولُّوا قضاء مصر. انظر: تسمية قضاة مصر للكندي: ٣١٣، ٣١٥ - ٣٢٠، تهذيب الكمال: ٢/ ٧٢٨.
أقول: ومع توثيق لهيعة هذا، فإن ما ذكر من روايته عن عمه وتعلمه القضاء منه، يدل على خبرته بحديثه، وعنايته بكتابته، بحيث رآه تلاميذ عمه الآخرين، مثل قتيبة هذا أهلًا لأن يُعتَمد على ماكتبه عن عمه، مثل اعتمادهم على كتب ابن وهب؛ لكن لم أجد اشتهار الاعتماد على كتاب لهيعة هذا عن عمه، مثلما =стр. 846
الأعرج (١) . وقال البيهقي: كان مالك يُحسِنُ القولَ في ابن لهيعة (٢) الحواشي
(١) لعل السبب في استئناء حديث الأعرج ما قدمته ص: ٧٩٧ ت من أن سماع ابن لهيعة منه كان في لقاء عاجل وقبل وفاة الأعرج بفترة قصيرة جدًّا، وبذلك لم يتهيأ لابن لهيعة الكتابة عنه لما سمعه منه، فاكتفى بالسماع الشفاهي فقط، وحدث من حفظه بما سمعه منه، كما تقدم ذكره، فيكون قول قتيبة هذا معناه: إلا ما كان من حديث ابن لهيعة عن الأعرج، فقد تلقيناه من ابن لهيعة مشافهة من حفظه فقط.(٢) لم أجد حكاية البيهقي هذه لرأي مالك، مع ما يلاحظه القارئ من وفرة المراجع التي اعتمدت في ترجمة ابن لهيعة عليها، ولكني وجدت تأكيد البيهقي لضعف ابن لهيعة وعدم الاحتجاج به، كما سأبينه بعد قليل، ومعنى ذلك أنه لم يأخذ بما حكاه عن مالك، ولعل المقصود بإحسان مالك القول في ابن لهيعة ما حكاه إبراهيم بن إسحاق -قاضي مصر- أنه حمل رسالة من الليث بن سعد إلى مالك، وأخذ جوابها، وقال: فكان مالك يسألني عن ابن لهيعة فاُخبِرُه بحاله، =стр. 847
ويقال: إنه (١) الذي روى عنه حديث العُرْبَان في الموطأ، عن الثقة -عنده- عن عمرو بن شعيب، ويقال: ابن وهب، حدثه عن ابن لهيعة (٢) . الحواشي
(١) بالأصل "إن" وما أثبته هو المستقيم عليه المعنى، مع موافقته لما في كلام البيهقي، كما سيأتي ذكره.(٢) أي الحديث الذي فيه النهي عن البيع الذي يُدفع فيه العُربان -بضم العين المهملة وسكون الراء- بوزن "القُربان"، ويقال له "العُرْبُون" بوزن "العُرجون"، وبفتح العين المهملة أيضًا، والمراد به الجزء من الثَّمن، وبيع العُربان: هو أن يشتري السلعة ويدفع إلى صاحبها شيئًا، على أنه إن أمضى البيع، حُسِب من الثمن، وإن لم يمض البيع كان لصاحب السلعة، ولم يرتجعه المشتري - قال ابن الأثير: وهو بيع باطل عند الفقهاء، لما فيه من الشرط والغَرر، وأجازه أحمد، وروي عن ابن عمر إجازته، وحديث النهي منقطع / مختار الصحاح بترتيب الشيخ خاطر مادة "عرب": ٤٢٢، النهاية لابن الأثير نفس المادة ٣/ ٢٠٢، وأوجز المسالك إلى موطأ مالك: ١١/ ٤٤، ٤٥، ٤٧ - ٤٩، وقول ابن الأثير: وحديث النهي منقطع، يعني حديث مالك هذا بروايته له بلاغًا، أو عن الثقة عنده، وإلا فإنه قد رواه من طرق ضعيفة موصولة، وكذا =стр. 848
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = أخرجه البيهقي من طريق أخرى ضعيفة، موصولة، وقال عقبها: والأصل في هذا الحديث مُرسَل مالك/ السنن الكبرى للبيهقي ٥/ ٣٤٢، ٣٤٣، وقد أخرج مالك الحديث في الموطأ، واختلف رواة الموطأ عنه في سياق السند، فرواه ابن وهب عن مالك قال: بلغني عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أنه فال: نهى رسول الله ﷺ عن بيع العُربان، ومن طريق ابن وهب أخرجه البيهقي - البيوع - باب النهي عن بيع العُرْبان ٥/ ٣٤٢.
ورواه أبو مصعب عن مالك عن الثقة عنده عن عمرو بن شعيب، به ومن طريقه أخرجه ابن عدي في الكامل، كما تقدم ذكره ص: ٨٢٦ ت، ومن طريق ابن عدي أخرجه البيهقي في السنن/ الموضع السابق: ٥/ ٣٤٣، وكذا أخرجه يحيى بن يحيى عن مالك عن الثقة، به، مثل رواية أبي مصعب، وذكره بعده تفسير مالك لبيع العربان بنحو ما تقدم.
الموطأ - البيوع - باب النهي عن بيع العربان: ٢/ ٦٠٩ ح ١، وقد أشار ابن عدي إلى أن أكثر رواة الموطأ عن مالك رووا الحديث هكذا / الكامل: ٤/ ١٤٧١، يعني: "عن مالك عن الثقة عن عمرو بن شعيب" وقد قدمت في ص: ٨٢٦ ت أن ابن عدي بعد إشارته إلى شهرة رواية الحديث عن مالك هكذا، قال: ويقال: إن مالكًا سمع الحديث من ابن لهيعة - عن عمرو بن شعيب، ولم يُسمِّه، لضعفه، والحديث عن ابن لهيعة عن عمرو بن شعيب، مشهور / الكامل: ٤/ ١٤٧١، أما البيهقي فإنه بعد أن أخرج الحديث من طريق ابن وهب السابقة، ذكر أن مالكًا لم يُسم من رواه عنه، ولم يذكر لعدم التسمية سببًا، كما فعل ابن عدي، ولكنه ذكر أن حبيب بن أبي حبيب روى الحديث عن مالك قال: حدثني عبد الله بن عامر الأسلمي عن عمرو، به، ثم أخرج سنده به هكذا إلى حبيب، وقال: فذكره، وأضاف قائلًا: "ويقال: لا -أي ليس شيخ مالك فيه عبد الله بن عامر- بل أخذه مالك عن ابن لهيعة وأيد ذلك بحكاية قول ابن عدي السابق؛ لكن لم يذكر فيه أن سبب عدم التسمية ضعف ابن لهيعة، أو لعلها سقطت في الطبع، أو النسخ، ولعل مما يؤيد =стр. 849
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(٤١٩) ، ولو أننا سلمنا بأن المراد ابن لهيعة - كما رجحه غيره، فذلك توثيق له على الإبهام، وقد قدمت في ص: ٨٢٧ ت، أن هذا التوثيق مختلف في الأخذ به حتى بالنسبة لأتباع الإِمام الذي يذكره، كمالك أو غيره. انظر: التدريب ١/ ٣١١.
وبذلك لا يعتبر هذا توثيقًا من مالك لابن لهيعة. وقد مر بنا أن =стр. 850
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = البيهقي بعد ذكره للقول بأن المراد بالثقة عند مالك في الحديث المذكور هو ابن لهيعة، تعقبه بالتصريح بأن ابن لهيعة لا يحتج به، بل نقل الإِمام النووي عنه قوله: أجمع أصحاب الحديث على ضعف ابن لهيعة، وترك الاحتجاج بما ينفرد به. تهذيب الأسماء واللغات للنووي: ١/ ٢٨٤، ولم يتعقّبه النووي بشيء. ومن بعد النووي نقل ابن الملقّن عن البيهقي نحو ما نقله النووي. خلاصة البدر المنير، لابن الملقّن، بتحقيق حمدي السلفي ١/ ١٨، وقد أقره ابن الملقّن في هذا الموضع، ثم تعقبه في موضع آخر بَعدَه، حيث قال عن حديث: وفيه ابن لهيعة وهو واه بإجماعهم، كما قاله البيهقي، وفي دعوى الإِجماع نظر/ الخلاصة ١/ ١٨٢.
أقول: وما تقدم في ترجمته في الأصل، والتعليق عليها، يؤيد القول بالإجماع، لأن مَنْ وثقه وَجَّه التوثيق لعدالته وصدقه، مع الانتقاد لضبطه بما يقتضي ضعفه، ومع ذلك لو سلَّمنا عدم الإجماع، حيث لا ندعي الإِحاطة التامة بكل الأقوال، فإنه يكفي في ترجيح تضعيفه أقوال جمهور النقاد، وأئمتهم الذين تقدم مجموع أقوال كل منهم، وبيان أن الراجح منها تضعيفه تضعيفًا ينجبر بمتابع أو شاهد.
وبهذا الذي قدمته عن البيهقي يتّضح أن قول الدكتور الفاضل/ الطاهر بن محمد الدرديري: إن البيهقي يصحح حديث ابن لهيعة من رواية ابن المبارك وابن وهب والمقري عنه، ليس مسلّمًا له، كما أنه لم يعز ذلك إلى مصدر يرجع اليه. انظر: تخريج الأحاديث النبوية الواردة في المدونة، للدكتور الدرديري ١/ ١٣٩ ط مركز البحث العلمي بجامعة أم القرى، وستأتي مناقشة أخرى له في تحسينه حديث ابن لهيعة أيضًا من رواية أحد العبادلة المذكورين ص: ٨٦٣ ت.
وبعد هذا العرض والتحليل والمقارنة ثم التوفيق بين آراء المتقدمين في ابن =стр. 851
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = لهيعة، نذكر خلاصة رأي اثنين من أشهر محققين المتأخرين في بيان حال ابن لهيعة، وهما الذهبي وابن حجر، أما الذهبي فقال في تذكرة الحفاظ ١/ ٢٣٨، ٢٣٩: ولم يكن -على سعة علمه- بالمتقن، حدث عنه ابن المبارك، وابن وهب، وأبو عبد الرحمنِ المقري، وطائفة، قبل أن يكثر الوهم في حديثه، وقبل احتراق كتبه، فحديث هؤلاء عنه أقوى، وبعضهم يصححه، ولا يرتقي إلى هذا، ثم ختم ترجمته بقوله: "قلت: يروي حديثه في المتابعات، ولا يحتج به".
وقول الذهبي عن حديث العبادلة عن ابن لهيعة: "وبعضهم يصححه" لم يحدد لنا أحدًا من هؤلاء البعض حتى ننظر في تصحيحه، وقد تقدم في التعليق على الترجمة بيان أن من وصف رواية هؤلاء العبادلة أو بعضهم بأنها "أصح" أو "صحيحة" فمرادهم بذلك أنها أقوى الضعيف، وليس الصحة الاصطلاحية، وأيدت ذلك بالأدلة والأمثلة. ص: ٨٠٠ ت وما بعدها.
وقول الذهبي في عبارته السابقة بعد الإشارة إلى من صحح حديث العبادلة عنه: "ولا يرتقي إلى هذا" قد يفهم منه أنه يقصد نزوله إلى ما دون الصحيح، وهو الحسن لذاته، ولكن ختامه للترجمة، بأنه لا يحتج به، ينفي هذا.
وفي سير النبلاء ٨/ ١١ استهل ترجمته لابن لهيعة بوصفه بالإمام العلامة، ثم قال بعد ذلك ٨/ ١٣: "وكان من بحور العلم، على لين في حديثه"، ثم ذكر بعد ذلك أيضًا قول الليث عند وفاة ابن لهيعة: إنه "ما خلَف بعده مثلُه" وعقب على ذلك بقوله: لا ريب أن ابن لهيعة كان عالم الديار المصرية هو والليث معًا، ... ولكن ابن لهيعة تهاون بالإتقان، وروى مناكير، فانحط عن رتبة الاحتجاج به عندهم، وبعض الحفاظ يروي حديثه، ويذكره في الشواهد والاعتبارات، والزهد والملاحم، لا في الأصول، وبعضهم بالغ في وَهْنِه، ولا ينبغي إهداره، وتتجنب نلك المناكير، فإنه عدل في نفسه، ثم قال: وما رواه عنه ابن وهب والمقري والقدماء، فهو أجود/ السير: ٨/ ١٤، ثم ذكر قول أحمد: "من كتب عنه قديمًا فسماعه صحيح"، وعلق عليه بقوله: لأنه لم يكن بعدُ تساهل وكان أمره مضبوطًا، فأفسد نفسه/ السير: ٨/ ٢١. وقد تقدم أن تساهله كان في الأداء =стр. 852
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = بحيث قريء عليه ما ليس من حديثه فأقره، وبذلك دخل في مروياته عن شيوخه ما لم يروه عنهم، كما حدَّث أيضًا من حِفْظه، فوقعت منه أخطاء أُنكرَت عليه، واختلط هذا وذاك بباقي حديثه المنضبط، فأفسده، لاختلاطه به، ولكن يحتج فيه بما له عاضد يدفع ما يُخشَى من الوهم والنكارة.
وقول الذهبي: إن ابن لهيعة "تهاون بالإتقان، وروى مناكير، فانحط عن رتبة الاحتجاج به عندهم" فهذا فيه بيان وجه تساهله وتضعيفه، ونتيجة ذلك، وهي عدم الاحتجاج به عند الجميع، ثم إنه وازن بين أقوال الجميع، فبين أن بعضهم يضعفه ضعفًا غير شديد، فيقبل الانجبار بغيره، ويجبر غيره أيضًا، كما يستدل به في الفضائل ونحوها، وبعضهم يبالغ في تضعيفه، فيصفه بشدة الضعف، وبذلك يكون حديثه متروكًا، فلا يجبر غيره، ولا ينجبر به، ولا يستدل به في الفضائل، ثم حاول من جانبه التوسط بين الاتجاهين بالجمع بينهما، فذكر أنه لا ينبغي إهداره مطلقًا، ولكن ما يكون من مناكيره فقط يعتبر متروكًا فيجتنب، وما عدا ذلك يذكر في المتابعات والشواهد، وينجبر ضعفه بوجود عاضد.
وأما قوله عن رواية القدماء كابن وهب والمقر بأنها أجود، فتفصيله السابق يجعل المراد بالجودة هنا رواية هؤلاء وأمثالهم أقوى الضعيف.
وفي كتاب المغني في الضعفاء قال الذهبي في صدر ترجمته لابن لهيعة: ضعيف، ثم قال: قال أحمد: من كان مثله بمصر في كثرة حديثه وضبطه؟ وقال بعض الناس: ما روي عنه مثل ابن وهب وابن المبارك، فهو أجود، وأقوى/ المغني: ١/ ٣٥٢، أقول: وعبارة أحمد سبق بيان أنه جاء عنه ما يردها، وسيأتي أيضًا تعقب الذهبي لها، كما أن تصديره الترجمة بالجزم بضَعْف ابن لهيعة بمثابة الرد لها، وأيضًا، يجعل الجودة والقوة في إطار الضعف كما أشرت من قبل.
وأيضًا في الديوان قال: ضعفوه، ولكن حديث ابن المبارك وابن وهب والمقري عنه أحسن وأجود، وبعض الأئمة صحح رواية هؤلاء واحتج بها/ ديوان الضعفاء: ١٧٥. =стр. 853
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = أقول: وقد سبق رده على هذا البعض، مع تصديره الترجمة هنا بعبارة "ضعَّفوه" التي تفيد أن الأكثرين على ذلك، ثم أنه في نهاية الديوان، قسم المذكورين فيه إلى طبقات جعل الأولى لرجال الصحيح المتكلم فيهم بلا حجة، والثانية لرجال لا ينزلون عن درجة الحسن لذاته، والثالثة لمن ليسوا بحجة، لغلطهم، وليسوا بمطروحين، لما فيهم من العلم والخير والمعرفة، وقال: فحديثهم دائر بين الحسن والضعف، يصلح للرواية، والاستشهاد، وتحل رواية أحاديثهم، وعد من هؤلاء ابن لهيعة/ الديوان: ٣٧٣، فقوله: إن حديث هؤلاء "دائر بين الحُسن، والضعف، يصلح للاستشهاد"، يشير إلى أن التحسين في حالة وجود عاضد، والضعف عند الانفراد، ويؤيَّد هذا جعله الطبقة التالية لهؤلاء وهي الرابعة للمتفق على ضعفهم وطرح روايتهم مطلقًا/ الديوان الموضع السابق.
وبذلك وضع ابن لهيعة في درجة التوسط في الضعف التي تقدمت إشارته لها فيما نقلته من السير ٨/ ١٤.
وفي الكاشف ٢/ ١٢٢ استهل الكلام عنه بقوله: ضُعِّف، ثم ذكر قول أحمد السابق: أنه لم يكن بمصر مثله في كثرة حديثه، واتقانه وضبطه، وعقب عليه بقوله: العمل على تضعيف حديثه.
وأما الحافظ ابن حجر، فتعددت أحكامه التطبيقية على حديثه، وكذا أقواله فيه: أما التطبيق، فإنه أخرج رواية بسنده من طريق ابن مهدي عن ابن لهيعة، وقال: حدث بها عبد الرحمن بن مهدي الإمام عن ابن لهيعة، فهي من قديم حديثه الصحيح/ لسان الميزان: ١/ ١٠، ١١، وهذا معناه أنه يرى تصحيح حديث ابن لهيعة القديم، أي قبل احتراق كتبه، كما مر، متى كان الراوي عنه ثقة، ولو من غير العبادلة؛ لأن ابن مهدي ليس منهم، مع إمامته. والواقع أنه لا يسلم للحافظ ابن حجر هذا التصحيح، لأمرين:
أحدهما: ما سيأتي من كلامه بنفسه، عن رواية العبادلة عن ابن لهيعة وهو أوثق من غيرهم فيه، كما مر. =стр. 854
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = الأمر الثاني: ما تقدم أن ابن مهدي قد جاء عنه تركه التحمل عن ابن لهيعة مطلقًا، ولو من رواية القدماء الموثقين كعبد الله بن يزيد المقري ونحوه، وذلك، لمَّا تبيَّن له اختلال ضبطه، وجاء عنه قوله: ما أعتدَّ بشيء سمعته من ابن لهيعة إلا سماع ابن المبارك ونحوه، فكيف يكون حديث ابن مهدي عنه مع ذلك صحيحًا؟
وأورد في التلخيص الحبير - كتاب كفارة القتل ٤/ ٣٨ حديث خزيمة ابن ثابت: "القتل كفارة" وقال: وفيه ابن لهيعة، لكنه من حديث ابن وهب عنه فيكون حسنًا.
وأما في تخريج الأذكار، فقد قال عن حديث من رواية ابن وهب أيضًا عن ابن لهيعة: قلت: وابن لهيعة وإن كان ضعيفًا، فحديثه يكتب في المتابعات، ولا سيما ما كان من رواية عبد الله بن وهب، كما قال غير واحد من الأئمة/ نتائج الأفكار، في تخريج أحاديث الأذكار - بتحقيق الشيخ حمدي السلفي ١/ ٣٢٥، فيلاحظ أنه اختلف حكمه على حديثه من الحسن إلى الضعف، مع اتفاق الحالتين في كون الحديث من رواية أحد العبادلة عنه وهو عبد الله بن وهب.
وفي التلخيص الحبير/ الديات: ٤/ ٣٥ أورد حديث عقبة بن عامر، مرفوعًا: دية المجوسي ثمانمائة درهم، وعزاه إلى الطحاوي وابن عدي والبيهقي، وقال: وإسناده ضعيف من أجل ابن لهيعة.
أقول: والحديث أخرجه البيهقي ٨/ ١٠١ وابن عدي ٤/ ١٥٢٤، ترجمة عبد الله بن صالح، وهو فيهما من رواية عبد الله بن صالح كاتب الليث عن ابن لهيعة، وهو يرويه بالعنعنة عن شيخه يزيد بن حبيب، وعبد الله بن صالح هذا، ليس معدودًا من العبادلة الموثقين في روايتهم عن ابن لهيعة، كما تقدم.
وقد أشار الطحاوي إلى ذلك فقال عن الحديث المذكور: لا يعلم روى عن النبيِّ ﷺ في دية المجوسي غير هذا الحديث، الذي لا يثبته أهل الحديث، لأجل ابن لهيعة، ولا سيما من رواية عبد الله بن صالح عنه/ الجوهر النقي =стр. 855
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = لابن التركماني، بهامش السنن الكبرى للبيهقي: ٨/ ١٠١.
ولكن الحافظ ابن حجر لم يتعرض للراوي عن لهيعة، كما فعل في رواية ابن وهب السابقة عنه، ولم يسبب الضعف بعنعنة ابن لهيعة عن شيخه، كما أشرت مع أنه عده من الطبقة الخامسة من المدلِّسين كما تقدم، بل جعل الضعف -كما ترى- راجعًا إليه مطلقًا.
وفي فتح الباري ذكر عددًا من أحاديث ابن لهيعة في عدة مواضع وعقب على كل منها بوصف ابن لهيعة بالضعف/ انظر: الفتح ١/ ٢٣، ٣/ ٤٤١، ٥٩٧، ٤/ ١٨٤، ٣٥٤، ١٢/ ٧١، ١٣/ ٢٨٣، وفي ٤/ ٣٣٨ نقل قول ابن العربي عن حديث: مداره على ابن لهيعة وهو ضعيف، ثم أقره بقوله: وهو كما قال.
وقال مرة: ليس من شرط البخاري قطعًا ٩/ ٥٣٦ ومرة قال: ليس من شرط الصحيح ١١/ ٥٥، وقال في موضع: لا يحتج به إذا انفرد، فكيف إذا خالف؟ ٢/ ٢٥٣، وقال في موضع: لا بأس به في المتابعات ٤/ ٩٣، وقال في التقريب: صدوق، خلَّط بعد احتراق كتبه، ورواية ابن المبارك وابن وهب عنه أعدل من غيرهما، وله في مسلم بعض شيء مقرون/ ٣١٩ وفي موضع من نتائج الأفكار فصل القول فيه عن كل ما سبق حيث قال: وهو في الأصل صدوق، لكن احترقت كتبه، فحدث من حفظه فخَلَط، وضعفه بعضهم مطلقًا، ومنهم من فصل: فقبل عنه ما حدث به عنه القدماء، ومنهم من خص ذلك بالعبادلة من أصحابه، وهم: عبد الله بن المبارك، وعبد الله بن وهب، وعبد الله بن يزيد المقري، .. ثم قال: والإِنصاف في أمره: أنه متى اعتضد كان حديثه حسنًا، ومتى خالف كان حديثه ضعيفًا، ومتى انفرد تُوقَّف فيه/ نتائج الأفكار - بتحقيق تلميذنا الفاضل الشيخ عبد الله بن صالح الدوسري ٣/ ١٠٥٤ ح ٤٣٦.
أقول: ومن هذا العرض لتطبيقات الحافظ ابن حجر وأقواله نجد أن تصحيحه في التطبيق لحديث ابن لهيعة القديم، غير مسلم له، ومخالف لما قرره أيضًا بنفسه واعتبره إنصافًا في حال ابن لهيعة، ونجد أن تحسينه لرواية أحد العبادلة عن =стр. 856
[المعاني والأحكام]:
[قول ابن عمر: رَقِيت] (١) رَقِى إلى الحواشي
(١) من تعليق الشيخ أحمد شاكر.
وكذلك لا يسلم للدكتور الدرديري ما جرى عليه من تحسينه لحديث ابن لهيعة من رواية العبادلة عنه، ولا بناؤه ذلك على قول الحافظ ابن حجر في بيان حال ابن لهيعة./ انظر: تخريج الأحاديث النبوية الواردة في المدونة، للدكتور/ الطاهر محمد الدرديري ١/ ١٤٠، ٢٨٤ - ٢٨٧، ١٣/ ١١١٣، ١١١٤.
وعلى ضوء ذلك كله يتقرر أن حديث الباب من طريق ابن لهيعة ضعيف لضعفه من جهة حفظه، كما قرره الترمذي، وأقره المؤلف عليه، لكنه حسن، من طريق ابن إسحاق، كما قرره الترمذي والمؤلف أيضًا وغيرهم، وبذلك يصلح للحجة.(١) ما بين الحاصرتين ليس بالأصل، وزدته ليتضح الشرح بعده. =стр. 857
الشيء (١) بكسر القاف، ورُقِيا، وَرَقْوا، صَعَد. وارتقى، وترقَّى، مثلُه، ورَقَي غيره، والمَرْقاة، والمِرْقاة: الدرجة، ونظيره: مَسْقاة، ومِسْقاة (٢) ، ومَثْناة، ومِثْناة للحَبْل (٣) ، ومَبْناة، ومِبْناة: لِلعَيْبَة (٤) أو النِّطع (٥) -يعني بفتح الميم وكسرها فيها، عن ابن سيدة (٦) . الحواشي
(١) من هنا بداية المقابلة بنسخة المكتبة المحمودية بالمدينة المنورة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام، وسأرمز لها بحرف "م" وقد جاء النص فيها هنا هكذا: "ترقي إلى الشيء ورُقيًا، بكسر القاف، ورُقُوَّا، سعد ... إلخ. ثم إن هذا الكلام وما بعده إلى آخر شرح الباب، جاء في "م" ضمن شرح الباب التالي لهذا، وهو "باب ما جاء في النهي عن البول قائمًا" وذلك عقب قوله فيه: "بالكوفة فيه أوهام كثير" (انظر: ورقة ٣٨ أمن نسخة الأصل، وقد كتب بهامش "م" مقابل أول هذا التداخل، ما نصه: "الظاهر أن هنا سقط (كذا) قدر ورقة في الأم المنقول عنها أو أكثر"، أقول: والصواب ما ذكرت من التداخل الذي حصل عنه تقديم وتأخير، فقط.(٢) أي موضع السقي أو قناته أو آلته. (المعجم الوسيط، مادة "سقي" ١/ ٤٣٧).(٣) أي طرفه. (المعجم الوسيط، مادة "ثني" ١/ ١٠٢).(٤) وهو وعاء من خوص ونحوه أو من جلد. (المعجم الوسيط، مادة "عيب" ٢/ ٦٣٩).(٥) بفتح النون وكسرها، بساط من جلد، كثيرًا ما كان يقتل فوقه المحكوم عليه بالقتل، ويطلق أيضًا على ظهر الغار الأعلى. (المعجم الوسيط مادة "نطع" ٢/ ٩٣٠).(٦) المحكم لابن سيدة (٦/ ٣٠٩)، وفيه "وكسرها فيه". وقد نقل الشوكاني من أول: "رقى إلى الشيء" إلى هنا عن شرح الترمذي لابن سيد الناس/ نيل الأوطار ١/ ٩٨.стр. 858
وحكي القاضي عياض: رَقَيتُ -بفتح القاف، بغير همز (١) وبالهمز أيضًا، وقال: هي لغة قليلة (٢) .
وفي بعض ألفاظ الحديث -وليس مما في كتاب الترمذي- على لَبِنَتيْن (٣) يقال: لَبِنَة، ولَبِنْ، مثل/ كَلِمة وكَلِم (٤) ، ويقال: لِبْنَة، ولِبَن، مثل؛ لِبْدَة، ولِبَدْ.
قد تقدم (٥) فيما حكيناه: أن من ذهب إلى النسخ في حديث أبي أيوب وما في معناه، تمسك بهذه الأحاديث (٦) وأن الراجح من الحواشي
(١) من قوله: "بغير همزة" إلى "وفي بعض ألفاظ .. " بياض في "م".(٢) الذي في المشارق للقاضي عياض ١/ ٢٩٩ نصه: وفتح القاف، مع الهمز، لغة طيء، ثم قال: والْأُولى أشهر وأعرف.(٣) وهي الرواية المتفق عليها. انظر: البخاري مع الفتح - الوضوء - باب من تبرز على لَبِنَتين، ١/ ٢٤٦، ٢٤٧ ومسلم - الطهارة - باب الاستطابة ١/ ٢٢٤، ٢٢٥ ح ٦١، وقد ضبطه الحافظ بفتح اللام وكسر الموحدة وفتح النون، تثنية "لَبِنة" وهي ما يُصنع من الطين أو غيره للبناء قبل أن يُحرق/ الفتح: الموضع السابق.(٤) بالأصل "وكلمة" وما أثبته هو الموافق للمعنى، وللمثال قبله، والمثال بعده.(٥) في باب ما جاء في النهي عن استقبال القبلة ص ٥٧٠، ٥٧٣.(٦) يعني حديث ابن عمر وحديث جابر المخرجين عند الترمذي في باب الرخصة هذا، وحديث عائشة ﵂ الذي أشار إليه في قوله: وفي الباب، وتقدم تخريج المؤلف له بالعزو إلى أحمد في مسنده، وإلى ابن ماجة، واستوفيت في التعليق عليه، تخريجَه من مصادر أخرى، مع جمع طرقه بتوسع، ودراسة حال المحتاج إليه من رواتها، وبيان الراجح في درجة الحديث/ انظر ص ٦٥٧ أصل وهامش وما بعدها.стр. 859
هذه المذاهب: القولُ بالتخصيص، والتفرقة بين الصحاري، وما يتخذ في البيوت من الكُنُف. ورَوى أبو داود من حديث مروان الأصفر (١) قال: رأيت ابنَ عمر أناخ راحلته، مستقبلَ القبلة، ثم جلس يبول إليها، فقلتُ: أبا عبد الرحمن، أليس قد نُهي عن هذا؟ قال: بلى، إنما نهي عن ذلك في الفضاء، فإذا (٢) كان بينكِ وبين القبلة شيء يسترك فلا بأس، ورواه (٣) أبو داود عن محمد بن يحيى الذُّهلي، عن صفوان بن عيسى عن الحسن بن ذكوان عنه (٤) . الحواشي
(١) نقل المزي في التحفة عن أبي القاسم بن عساكر قال عن "الأصفر" هذا: كذا كَناه عوف بن أبي جميلة، وكذا ذكره ابن أبي حاتم، وذكر البخاري: أن هذه الكنية لآخَر من أهل الكوفة اسمه مروان الأصفر، يروي عن الشعبي، ويروي عنه جعفر بن بَرقان الجَزري، والله أعلم/ تحفة الأشراف ٦/ ٤٧، ٤٨.(٢) بالأصل "إذا" وما أثبته من "م" وسنن أبي داود مع بذل المجهود ١/ ٢٩.(٣) بالأصل "روى" وما أثبته من "م".(٤) أي عن مروان الأصفر، به/ سنن أبي داود - الطهارة - كراهية استقبال القبلة عند قضاء الحاجة ١/ ٢٨، ٢٩، وذكر المزي أنه جاء في رواية ابن العَبد عن أبي داود، ذكر طريق آخر للحديث، حيث رواه أبو داود فيها أيضًا عن أحمد بن إبراهيم عن صفوان بن عيسى، به؛ ولكن ابن عساكر لم يذكره، يعني في أطرافه للسنن الأربعة/ التحفة ٦/ ٤٧، ٤٨، هذا وقد قدمتُ تخريج الحديث في التعليق على باب النهي عن استقبال القبلة يعزوه إلى أبي داود والحاكم والبيهقي والدارقطني والحازمي، وابن خزيمة، وجميعهم أخرجوه من طريق الحسن بن ذكوان، به، وبَينتُ هناك أن الراجح توثيقه بدرجة تجعل حديثه في مرتبة الحسن، إلا أنه معدود في الطبقة الثالثة من المدلسين ..
وهم من اختُلِفَ في احتمال تدليسهم ورده، وأشار ابن حجر لترجيح الرد وهو قد روى أثر ابن عمر هذا بالعنعنة، وممن احتملها =стр. 860
وأما الحديث الذي رواه عبد الرزاق عن زَمْعَة بن صالح، عن سلمة بنِ وَهْرام قال: سمعتُ طاوسًا يقول: قال رسول الله ﷺ إذ أتي أحدكم البُراز، فَليُكْرِم قبلة الله فلا تستقبلوا القبلة، ولا تستدبروها.
رواه الدارقطني (١) مسنَدًا، ومرسَلًا، وكرواية عبد الرزاق، رواه وكيع عن زَمعة، وكذلك رواه عبد الله بن وَهب عن زَمعة، عن سَلَمة، وابن طاوس (٢) عن أبيه، عن النبي ﷺ مرسلًا. الحواشي
(١) لفظ رواية الدارقطني بالإفراد "فلا يَستقبلْها، ولا يستدبرْها"/ السنن للدارقطني ١/ ٥٧، وهو المناسب لصدر الحديث.(٢) يعني: عن سلمة وابن طاوس، كلاهما عن طاوس/ انظر سنن الدارقطني - الطهارة - باب الاستنجاء ١/ ٥٧.стр. 861
ورواه سفيان بن عيينة [نا سلمة بن وَهْرام] (١) أنه سمع طاوسًا، ولم يرفَعْه، وقال: ابن المديني (٢) : قلت لسفيان: أكان زَمعةُ يرفعُه؟ قال: نعم، وسألت (٣) سلمة عنه، فلم يعرفه، يعني لم يَرفعه (٤) . الحواشي
(١) بالأصل "سفيان بن عيينة أنه سمع طاوسًا" وفي م: سفيان بن عيينة عن زمعة أنه سمع طاوسًا وما أثبته هو الموافق لسند الحديث في سنن الدارقطني ١/ ٥٨ ولرواية البيهقي له من طريق الدارقطني/ معرفة السنن والآثار للبيهقي - الطهارة - باب الاستطابة ١/ ٢٦٧، ٢٦٨.(٢) بالأصل زيادة "وابن سيرين" ومضروب عليها، وهي غير موجودة فعلًا في المصدر المخرج منه، وهو سنن الدارقطني.(٣) القائل: وسألت .. إلخ هو سفيان، يعني أنه لما سمع الحديث مرسلًا من سلمة سأله عن وجود رواية للحديث بالرفع، فلم يروه له بالرفع، ومعنى هذا أنه كان متحققًا من روايته مرسلًا.(٤) حديث طاوس هذا قد اشتمل على عدة أحكام، والمقصود منها: ما ذكره المؤلف، وهو بيان النهي عن استقبال القبلة أو استدبارها عند قضاء الحاجة وتعليله بحرمة القبلة وتكريمها. وقد سبق ذكر المؤلف له في باب ما يقول إذا خرج من الخلاء ص ٤٤٠، ٤٤١. وذلك لأن في آخره الدعاء عقب الخروج من الخلاء، كما أشار هناك إلى أنه سيذكره أيضًا في شرح باب الاستنجاء بالحجارة، الآتي بعد أربعة أبواب، وذلك لاشتماله على باب الاستطابة بثلاثة أحجار.
وقد سبق في الباب المشار إليه عزو المصنف الحديث إلى الدارقطني وقال: إنه ضَعف مَنْ رَفَع الحديث، يعني من رواه مرفوعًا متصلًا بذكر ابن عباس فيه بين طاوس وبين الرسول ﷺ ، ويلاحظ أن الرواية التي أخرجها الدارقطني هكذا مرفوعة متصلة فيها ذكر الاستنجاء بالأعواد والأحجار أو التراب، وليس فيها ذكر النهي عن الاستقبال أو الاستدبار، والذي رفع الحديث، وضعفه الدارقطني: هو أحمد بن الحسن المُضري -بالضاد المعجمة- كما ذكره في الأصل، فقد قال =стр. 862
وذكر عبد الحق: أن أحمد بن الحسن، المُضَري، أسنده وهو متروك (١) فقدح في مُسنَده، لا في مرسَلِه. وقال ابن القطان: إن الحواشي
(١) انظر الأحكام الكبرى لعبد الحق الإشبيلي ١ / ل ١٤ (مخطوط)، أقول: وهو أحمد بن الحسن بن أبان -المُضَري- بضم الميم وفتح الضاد المعجمة، الآمُلِي، يروي عن أبي عاصم وغيره، ويروي عنه الطبراني، والاقتصار على وصفه بـ "متروك" غير كاف في بيان حاله؛ لأن هذا اللفظ بحسب الاستقراء يطلق على شديد الضعف بسبب فُحش خَطئه، وإن لم يُوصف بالكذب، ويُطلق أيضًا على الموصوف بالكذب مع اقترانها به، تمييزًا للكذاب عن فاحش الخطأ، لاختلاف درجة حديث كل منهما، حيث يعتبر حديث فاحش الخطأ ضعيفًا جدًّا، وحديث الكاذب موضوعًا، وقد تقدم أن الدارقطني جمع له الوصفين معًا، فقال: كذاب متروك، وقال مرة أخرى: حدثونا عنه، وهو كذاب، وقال ابن عدي: =стр. 863
مُرسَلَه يدور على زَمعة بن صالح، [وقد] (١) ضعفه أحمد [ويحيى] (٢) وأبو حاتم، [فالعمل به] (٣) متروك [اتفاقًا (٤) فهذه] مقدمة على علة الحواشي
(١) ليست بالأصل وأثبتها من "م".(٢) ليست بالأصل وأثبتها من "م" ويؤيدها ذكر تضعيف يحيى بن معين له، وكذا أحمد وأبو حاتم وغيرهم/ تهذيب التهذيب ٣/ ٣٣٨، ٣٣٩.(٣) بالأصل "والعمل فيه" وما أثبته من "م".(٤) في الأصل "أبدا والعُمدة" وما أثبته من "م" وهو أنسب؛ لقوله بعد ذلك إن علة الإِرسال مُختلف فيها؛ لكن أيضًا العمل بالضعيف القابل للانجبار مختلف فيه كما هو معروف، والأقوال الواردة في زَمعة هذا أغلبها يتفق على تضعيفه من جهة ضبطه، تضعيفًا قابلًا للانجبار، وبالتالي لا يكون حديثُه متفقًا على ترك العمل به، وإن كان الجمهور على الترك، كما أشرت لذلك في ص ٥٦٩، لكني وجدت للحديث شاهدًا صحيحًا، كما ذكرته في الموضع المشار إليه، وهو ما أخرجه الطبراني في الأوسط من حديث أبي هريرة مرفوعًا من لم يستقبل القبلة ولم يستدبرها في الغائط، كتبت له حسنة، ومحي عنه سيئة/ انظر ص ٥٦٩ وسلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني ٣/ ٨٨، ٨٩ وصحيح الترغيب والترهيب له ١/ ٦٣ ح ١٤٦، وكنز العمال ٩/ ٣٦٣، وبهذا الشاهد تعتضد الرواية السابقة =стр. 864
الإرسال؛ لأن تلك مختلف فيها، وهذه متفق عليها. وقال الشافعي -في رواية الربيع عنه- (١) : حديث طاوس هذا، مرسل، وأهل الحديث لا يثبتونه، ولو ثبت، كان كحديث أبي أيوب، وحديث ابن عمر عن النبي- ﷺ مُسند حَسن الإِسناد (٢) وأولى. أن يَثْبُت منه -لو خالفه-، وإن كان قال طاوس: حق على كل الحواشي
(١) في "م" عن. وقد رواه الربيع عن الشفعي قال: فإن قيل: فقد روى سلمة بن وهرام عن طاوس: حق على كل مسلم أن يكرم قبلة الله أن يستقبلها لغائط أو بول، قيل له: هذا مرسل ... " / إختلاف الحديث بهامش كتاب الأم ٧/ ٢٦٩، ٢٧١، ٢٧٢.
وقد أخرجه البيهقي أيضًا من طريق الربيع عن الشافعي به، في معرفة السنن والآثار كما قدمت ذلك في ص ٥٦٨، ٥٦٩ ت، وانظر من وافق الشافعي على ذلك من الأئمة وبيان أنه الصحيح لما فيه من إعمال الأحاديث كلها ص ٥٧٤ - أصل وت وما بعدها.(٢) يقصد بحديث ابن عمر ما أخرجه الترمذي في هذا الباب، ونحن الآن في شرحه، وهو أنه رأى النبي ﷺ على حاجته مستقبل الشام مستدبر الكعبة، وهو حديث متفق عليه، وقال الترمذي عنه إنه "حسن صحيح" كما تقدم في صدر الباب وص ٦٢٠، ٦٢١ ت وما بعدها، ولهذا فإن وصف الشافعي له بالحُسن على غير المعنى الاصطلاحي عند الترمذي ومن بعده، كما قدمت بيان هذا مع ذكر قول الشافعي المذكور وغيره من المتقدمين الذين أطلقوا الحَسَن على غير المعنى الاصطلاحي عند مَنْ بَعدهم، كالترمذي وغيره/ انظر ص ١٩٧ ت، ١٩٨ - ١٩٩ ويُلاحَظ عدم تعليق المؤلف على إطلاق الشافعي هذا.стр. 865
مسلم أن يكرم قبلة الله أن يستقبلَها، فإنما سمع -والله أعلم- حديث أبي أيوب عن رسول الله ﷺ ، فأنزل ذلك على إكرام القبلة، وهي أهل أن تُكَرَّم، والحال في الصحارى، كما حدَّث أبو أيوب، وفي البيوت، كما حدَّث ابن عمر، لا أنهما مختلفان.
قال الشيخ أبو العباس القرطبي (١) وقد ذهب بعض مَنْ مَنع استقبال القبلة واستدبارَها مطلقًا، إلى أن حديث ابن عمر، لا يصلُح لتخصيص حديث أبي أيوب؛ لأنه فِعْل، في خَلْوة، وهو مُحتمِل للخصوص، وحديث أبي أيوب، قول، قُعِّدَتْ به القاعدة، فبقاؤُه/ على عمومه، أولى (٢) . الحواشي
(١) في المفهم، شرح مختصره لصحيح مسلم ١/ ٩٤ ب.(٢) لم يحدد القرطبي القائلين بهذا الجواب عن حديث ابن عمر، وقد تقدم في ص ٦١٤، ٦١٧ أن أبا أيوب الأنصاري أخذ بعموم النهي في حديثه، إما لأنه لم يبلغه حديث ابن عمر وما في معناه، أو أنه بلغه، ولكن لم يره مخصصًا/ وانظر ما علقته عليه هناك.
وذكر ابن العربي في العارضة ١/ ٢٧ أن حديث أبي أيوب لا يعارضه حديث ابن عمر ولا حديث جابر، لأربعة أوجه، وذكر في أولها: أن حديث أبي أيوب قَوْل، وحديث كل من جابر وابن عمر فِعْل، ولا معارضة بين القول والفعل، وذكر في رابعها: أن هذا الفعل لو كان شرعًا -يعني عامًا- لما تستر به الرسول ﷺ . أقول: والمعارضة هي التي ينبني عليها القول بالتخصيص أو بالنسخ أو بالخصوصية؛ فنفي المعارضة دَفْع لما بُني عليها، انظر العدة للصنعاني ١/ ٢٤٩.
وذكر الرازي وأبو الحسين البصري: أن الكرخي يرى إجراء النهي -كما في حديث أبي أيوب- على إطلاقه في الصحراء والبنيان، وفِعْلُه ﷺ كما في =стр. 866
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = حديث ابن عمر - يكون من خصوصياته/ انظر المحصول للرازي ٣/ ٣٩٢ والمعتمد لأبي الحسين البصري ١/ ٣٩١، وبهذا تحدد لنا بعض القائلين بالخصوصية.
أما ابن دقيق العيد، فذكر أن من العلماء من رأى العمل بحديث أبي أيوب وما في معناه، واعتقد حديث ابن عمر خاصًا بالنبي ﷺ ، ثم قال: إن من قال بتخصيص هذا الفعل بالنبي ﷺ له أن يقول: إن رؤية هذا الفعل (كان) أمرًا اتفاقيًا، لم يقصده ابن عمر، ولا الرسول ﷺ على هذه الحالة يتعرض لرؤية أحد، فلو كان يترتب على هذا الفعل حكم عام للأمة لبينه لهم بإظهاره بالقول، أو الدلالة على وجود الفعل، فإن الأحكام العامة للأمة، لابد من بيانها، فلما لم يقع ذلك، وكانت هذه الرؤية من ابن عمر على طريق الاتفاق، وعدم قصد الرسول ﷺ دل ذلك على الخصوص به ﷺ وعدم العموم في حق الأمة. اهـ. وعقب على ذلك بقوله: وفيه بَعد ذلِك بَحث/ إحكام الأحكام - مع العدة ١/ ٢٤٨ - ٢٥٠ - يعني مُعارَضة.
وأيضًا قال ابن حجر عن حديث جابر: إن في الاحتجاج به نظر؛ لأنها حكاية فعل لا عموم لها، فيُحتَمل أن يكون لعذر، ويحتمل أن يكون في بنيان ونحوه/ التلخيص الحبير ١/ ١٠٤، ونحوه ذكر الشيخ ابن القيم/ تهذيب سنن أبي داود ١/ ٢٢ مع مختصر المنذري، وانظر ما قدمته ص ٥٧٠ - ٥٧٢، ٥٩٢.
أما الشوكاني فقد كرر عدة مرات أن أحاديث الفعل، ومنها حديث ابن عمر الذي معنا - لا تُعارض قولَه الخاص بنا، وذكر في تأييد ذلك خلاصة ما تقدم ذكر ابن دقيق العيد له: من أنه يُمكِن لمن قال بخصوصية فعل الرسول ﷺ الذي في حديث ابن عمر، أن يؤيد به قوله، ثم لم يذكر تعقب ابن دقيق: بأن في هذا بحثًا.
انظر: نيل الأوطار ١/ ٩٥، ٩٦، ٩٩، فكأنه أقر ذلك.
أقول: فلعل إشارة القرطبي ببعض من ذهب إلى المنع مقصود بها أبا أيوب ثم =стр. 867
والجواب [عن ذلك أن نقول] (١) :
أنها فعله عليه [الصلاة] (٢) والسلام، فأقل مراتبِه أن يُحمل على الجواز (٣) بدليل مطلق اقتداء [الصحابة الحواشي
(١) بالأصل ولا في "م" وأثبتها من المفهم لغموض السياق بدونها/ المفهم ١ / ل ٩٤ ب.(٢) ليست بالأصل ولا في "م".(٣) فعل الرسول ﷺ متفق على الاستدلال به، ولكن الخلاف بين العلماء: هل يدل بمفرده، أو بمراعاة دليل زائد كالقرينة وغيرها؟ مما يعرف به الوجه الذي وقع فعله ﷺ ، عليه من وجوب، وجواز وغيرهما، وفي ذلك مذاهب، ومناقشات طويلة للأصوليين/ انظر المعتمد لأبي الحسين البصري ١/ ٣٧٧ وما بعدها والعدة للقاضي أبي يعلى الفراء ٢/ ٤٧٨ والمسودة لآل تيمية / ١٦٧ - ١٧٤ بتحقيق الشيخ محي الدين عبد الحميد ط ١٩٨٣ م، والمحصول للرازي ٣/ ٣٣٩ وما بعدها، والمستصفى للغزالي مع فواتح الرحموت ٢/ ٢١٢ وما بعدها، ومفتاح الوصول لأبي عبد الله محمد بن أحمد المالكي التلمساني/ ٩٧ وما بعدها.
والذي حققه الغزالي وغيره: أن فعل الرسول ﷺ لا يدل على الحكم؛ لأن الفعل لا صيغة له، قال الغزالي: "التحقيق أن الفعل متردَّد، كما أن اللفظ المشترك -كالقُرء- متردَّد، فلا يجوز حمله على أحد الوجوه إلا بدليل زائد" ثم أجاب عما يعارض ذلك من أدلة/ انظر المستصفى ٢/ ٢١٨ وما بعدها والمنخول له/ ٢٢٥، ٢٢٦ وأشار إلى نحو تحقيق الغزالي صاحب مفتاح الوصول/ ٩٨، =стр. 868
بفعله] (١) ، وبدليل قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (٢) . الحواشي
(١) في الأصل و"م" "فعل الصحابة به" وما أثبته من المفهم ١ / ل ٩٤ ب، وهو المستقيم عليه المعنى، وقد استَدل باقتداء الصحابة بفعله ﷺ القائلون بدلالة الفعل على الوجوب، والقائلون بدلالته على الندب أيضًا/ المحصول ٣/ ٣٤٧، ٣٥٠ وما بعدها و ٣٦٨، وقد أجيب عن ذلك بأن الصحابة لم يتبعوه ﷺ في جميع أفعاله وعباداته، فكيف صار اتباعهم في البعض دليلًا، ولم تعد مخالفتهم في البعض دليل جواز المخالفة؟ وأيضًا فإن الأحداث -التي هي موضوع الباب، كقضاء الحاجة ونحوها- قد عرَّفهم الرسول ﷺ مساواة الحكم فيها، ففهموا الحكم من ذلك، لامن مجرد حكاية الفعل/ المستصفى ٢/ ٢١٩، ٢٢٠، وقال الرازي: لا نسلم أنهم استدلوا بمجرد الفعل، فلعلهم وجدوا مع الفعل قرائن أخرى/ المحصول ٣/ ٣٧٠.(٢) الآية ٢١ من سورة الأحزاب، وهي أيضًا مما استدَل به القائلون بدلالة الفعل على الوجوب، والقائلون بدلالته على الندب، والقائلون بدلالته على الإباحة/ المستصفى ٢/ ٢١٨، ٢١٩، والمحصول ٣/ ٣٤٨، ٣٦٨، ٣٧٢، ٣٧٤، وهذا بشير إلى أن أصل التأسي بفعله ﷺ متفق عليه، لكن أجيب عن الاستدلال به على الوجوب فما دونه، بأنه وإن كان لا خلاف على التأسي، إلا أنه يشترط فيه المساواة في الكيفية، من وجوب وغيره، حتى نوقع الفعل على ما أوقعه عليه ﷺ والفعل وحده لا يدل على الكيفية، بل لابد من قول أو قرينة، وقد حصل التأسي بما عُرِفَت كيفيته، وما لم تعرف كيفيته، وقد يقع فعله مخالفًا للتأسي/ المستصفى ٢/ ٢١٧ والمحصول ٣/ ٣٦٢، ٣٦٧، ٣٧٠ - ٣٧٣.стр. 869
وبدليل قوله ﷺ [لأم سلمة] (١) -حين الحواشي
(١) جاء في النسختين وفي المفهم ١ / ل ٩٤ ب ذكر "عائشة" والذي في المستصفى ٢/ ٢١٩، والمحصول ٣/ ٣٥٦ "أم سلمة" وتؤيده روايات الحديث الآتية، فأثبته، وإن كانت واقعة التقبيل قد حصلت لكل من عائشة وأم سلمة، وروتها كل واحدة منهما، لكن الرواية التي ذكرت في الأصل رواية أم سلمة.
فرواية عائشة أخرجها البخاري - الصيام - باب المباشرة للصائم وباب القبلة للصائم/ البخاري مع الفتح ٤/ ١٤٩، ١٥٢ ومسلم - الصيام - باب بيان أن القبلة في الصوم ليست محرمة على من لم تُحرك شهوته/ صحيح مسلم ٢/ ٧٧٦ - ٧٧٨، ومالك في الموطأ - الصيام- باب الرخصة في القبلة للصائم ١/ ٢٩٢ ح ١٤.
ورواية أم سلمة أخرجها البخاري - الصوم - باب القبلة للصائم - مختصرًا/ البخاري مع الفتح ٤/ ١٥٢، ومسلم - الصيام - باب بيان أن القبلة في الصوم ليست محرمة على من لم تحرك شهوته ٢/ ٧٧٩ بسياق أتم من لفظ البخاري، وفيه أن الذي سأل رجل، وهو عمر بن أبي سلمة.
وانظر تحفة الأشراف ١٢ / ح ١٦٣٧٩، ١٣ ح ١٨٢٧٢ والموطأ - الصيام - باب ما جاء في الرخصة في القبلة للصائم ١/ ٢٩١ ح ١٣ وسياق روايته: أن رجلًا قبل امرأته وهو صائم في رمضان، فَوَجَد من ذلك وجدًا شديدًا فأرسل امرأته تسأل له عن ذلك، فدخلت على أم سلمة -زوج النبي ﷺ ، فذكرت ذلك لها، فأخبرتها أم سلمة أن رسول الله ﷺ يقبل وهو صائم، فرجعت فأخبرت زوجها بذلك، فزاده ذلك شرًا، وقال: لسنا مثل رسول الله ﷺ الله يُحل لرسول الله، ما شاء، ثم رجعت امرأته إلى أم سلمة فوجدت عندها رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : مالِ هذه المرأة؟ فأخبرَتْه أم سلمة، فقال رسول الله ﷺ : ألَّا أخبرتيها أني أفعل ذلك؟ فقالت: قد أخبرتُها، فذهَبَتْ إلى زَوجها فأخبرتْه، فزاده ذلك شرًا، وقال: لسنا مثل رسول الله ﷺ الله يُحل لرسوله ﷺ ، ما شاء، فغضب رسول الله ﷺ وقال: والله: إني لأتقاكم لله، وأعلمكم بحدوده.стр. 870
سألتها المرأة عن قُبلَة الصائم-: أَلا أخبرتيها أني أفعل ذلك؟. وقالت عائشة: [فعلته] (١) أنا ورسول الله ﷺ فاغتسلنا -تَعني- (٢) التقاءَ الختانَيْن (٣) الحواشي
(١) ليست بالأصل، وأثبتها من "م" والمفهم ١/ ٩٤ ب.(٢) في "م" يعني.(٣) ذكر الرازي أن جواب عائشة هذا كان لرفع اختلاف الصحابة في الغسل من التقاء الختانين/ المحصول ٣/ ٣٥٠، ٣٥١ ويؤيده ما أخرجه مسلم ومالك من حديث أبي موسى أنه ذهب إليها وأخبرها بالاختلاف فأجابته بقول رسول الله ﷺ : إذا جلس بين شعبها الأربع، ومس الختان الختان، فقد وجب الغسل - واللفظ لمسلم، وفي رواية مالك زيادة قول أبي موسى لعائشة: لا أسال عن هذا أحدًا بعدك/ انظر صحيح مسلم - الحيض - باب نسخ الماء من الماء ١/ ٢٧١، ٢٧٢ ح ٨٨ والموطأ - الطهارة - باب واجب الغسل إذا التقى الختانان ١/ ٤٦ ح ٧٣، وانظر مسند أحمد ٥/ ١١٥.
وأما قول عائشة: فَعَلْتُه أنا ورسول الله ﷺ فاغتسلنا، فقد أخرج حديثَها المشتمِل على ذلك الترمذي والنسائي وابن ماجة والشافعي في مسنده، جميعهم من طريق القاسم بن محمد عن عائشة ﵂ قالت: إذا جاوز الختان الختان فقد وجب الغسل، فعلته أنا ورسول الله ﷺ فاغتسلنا -وهذا لفظ الترمذي- وقال: حسن صحيح/ جامع الترمذي - الطهارة - باب ما جاء إذا التقى الختانان وجب الغسل ١/ ٧٢، ٧٣ ح ١٠٨ ط عبد الرحمن عثمان والنسائي الكبرى - الطهارة - وجوب الغسل إذا التقى الختانان ١/ ١١٦ ح ٢٤٠ بتحقيق - عبد الصمد شرف الدين، وابن ماجة - الطهارة - وجوب الغسل من التقاء الختانين ١/ ١١١ ح ٦٠٣ ط ٢ الأعظمي، وترتيب مسند الشافعي للسندي - بتصحيح عزت عطار وآخر ١/ ٣٨.
وأخرج مسلم من طريق أم كلثوم عن عائشة زوج النبي ﷺ قالت: إن =стр. 871
وقَبِل ذلك الصحابة، وعملوا عليه (١) .
وأما كون هذا الفعل في خَلْوة (٢) ، فالحدَث كلُّه كذلك، لا يُفعَل إلا في خَلْوة، ويُمنع أن يُفعل في الملأ، ومع ذلك، فقد نُقِل، الحواشي
(١) ومما أجيب به أيضًا عن الحديثين اللذين استدل بهما القرطبي هنا. أن لهما صلة بالصلاة، وقد بين ﷺ أن شرعه وشرعهم فيها سواء، حيث قال: صلوا كما رأيتموني أصلي / المحصول ٣/ ٣٦٥، ٣٦٦، وقال الغزالي: ونعلم أن الصحابة كانوا يعتقدون في كل فعل له أنه جائز، ويستدلون به على الجواز، ويدل هذا على نفي الصغائر عنه، وكانوا يتبركون بالاقتداء به في العادات، لكن هذا أيضًا ليس بقاطع؛ إذ يُحتمل أن يكون استدلالهم بذلك مع قرائن حَسمت بقية الاحتمالات، وكلامنا في مجرد الأفعال، دون قرينة/ المستصفى ٢/ ٢١٦ ثم يجاب أيضًا عن حديث الغُسل السابق بأنه وُجد مع الفعل قول منه ﷺ ، كما تقدم تخريجه، فلم يكن الاعتماد على الفعل وحده.(٢) عبارة المفهم: فلا يصلح مانعًا من الاقتداء؛ لأن الحدث كله كذلك يفعل، ويمنع ... إلخ، المفهم ١ / ل ٩٤ ب.
وممن أشار إلى كون الفعل في حديث ابن عمر كان في خَلوة: القائلون بالخصوصية، وبعدم النسخ أو التخصيص كما تقدم في كلام ابن العربي ومَن بعده، وذكره أيضًا الغزالي في معرض بيانه أن الصحابة لم يعتقدوا الاقتداء به ﷺ في كل فعل، بل فيما تقترن به قرينة تدل على إرادته ﷺ البيان بالفعل/ المستصفى ٢/ ٢١٦، ٢١٧.стр. 872
وتُحدِّث به، سيما وأهل بيته كانوا ينقلون ما يفعله في بيته من الأمور المشروعة (١) .
وأما دعوى الخصوص، فقال أبو العباس: لو سمعها النبي ﷺ لغضب على مدعيها، كما قد غضب على من ادعى تخصيصه (٢) بجواز الحواشي
(١) زيادة من المفهم ١/ ٩٤ ب.
يؤيد جواب القرطبي هذا ما ذكره الصنعاني، حيث إنه ذكر خلاصة ما تقدم قريبًا عن ابن دقيق العيد في تقوية مَنْ زَعم خصوصية ما في حديث ابن عمر، ثم عقب على قول ابن دقيق العيد عقب هذا: "وفيه بحث"، فقال: كأنه -يعني ابن دقيق العيد- أنه قد يُقال: رواية الواحد كافية في التبليغ، وكم من فعل، ومن حديث لم يروه إلا واحد، مع عموم حكمه للأمة، وأما كونه لم يقصده ابن عمر، فكثير مما يتحمله الراوي ويبلغه من الأقوال والأفعال يكون اتفاقيًا له، لم يأت له، ولا قصده بل يقصد أمرًا آخر فتحصل له الإفادة اتفاقًا، ولا يقول أحد بأنه لا يصلح التحمل إلا لِمن قصده، وكونه ﷺ يفعل في غيبة الناس ما يَنهَى عنه، يتنزه عنه جانبه الشريف، بل يحتمل أنه فعله للإبلاغ، وقد أعلمه الله أنه يُطلِع عليه من يبلّغ ذلك كما وقع/ العُدة مع إحكام الأحكام ١/ ٢٤٩.
لكن الصنعاني بعد تأييد عموم حديث ابن عمر هكذا، فَرَّع عليه قولًا في مسألة الاستقبال للقبلة عند قضاء الحاجة فقال: "ويكون هذا الفعل منه ﷺ ، لبيان أن النبي للكراهة، لا للتحريم، سواء في ذلك العمران والصحارى، ثم رد على من وصف هذا القول بأنه بعيد جدًّا/ العُدة/ الموضع السابق، أقول: وقد تقدم في الأصل والتعليق عليه في شرح هذا الباب وما قبله أن أعدل الآراء هو القول بالتخصيص، لما فيه من العمل بمخْتلِف الأدلة، وبه يتأيد من استبعد القول الذي ذكره الصنعاني، وإن حاول هو تقويته.(٢) في "م" "ادعى الخصوص فقال تخصيصه ... إلخ" وما في الأصل مطابق للمفهم ١ / ل ٩٤ ب.стр. 873
القُبْلَة (١) حتى قال: والله إني لأخشاكم لله، وأعلمُكم بحدوده (٢) .. في كلام كثير، ذكره أبو العباس (٣) .
ويكفينا في رد دعوى الخصوصية: أن الأصل عَدمُها (٤) .
ولعل ما قد يتطرق إلى حديث ابن عمر، وحديث جابر، من هذه الاحتمالات -وإن كانت ضعيفة- هو المُقتضِي لقول الإمام أحمد في حديث عراك الغفاري: إنه أحسنُ ما في هذا الباب، مع إرساله - وقد تقدم (٥) .
وأما حديث ابن عمر، فيصلح دليلًا على المذهب الرابع، الحواشي
(١) في المفهم بعد هذا ما نصه: "فإنه غضب عليه، وأنكر ذلك، وقال: والله ... الخ".(٢) هذه بقية حديث أم سلمة في القبلة، وقد تقدم تخريجه قريبًا، وما ذكره هنا هو لفظ رواية مالك في الموطأ ١/ ٢٩١ ح ١٣، ولفظ رواية مسلم. أما والله إني لأتقاكم دكه، وأخشاكم له/ صحيح مسلم ١/ ٧٧٩ ح ٧٤.(٣) بقية كلام أبي العباس الذي وصفه المؤلف بالكثرة هو "وكيف يجوز توهم هذا"، وقد تبين أن ذلك إنما شُرع إكرامًا للقِبلة، وهو أعلم بحُرمتها، وأحق بتعظيمها، وكيف يَستهين بحرمة ما حرم الله؟ هذا ما لا يصدق توهمه إلا من جاهل بما يقول، أو غافل عما كان يحترمه الرسول ﷺ / المفهم/ ١ / ل ٩٤ أ.(٤) وبهذا ردها الصنعاني أيضًا/ العُدة مع الإِحكام ١/ ٢٤٨، وقال الحافظ ابن حجر: دعوى خصوصية ذلك بالنبي ﷺ ، لا دليل عليها، إذ الخصائص لا تثبت بالاحتمال/ فتح الباري ١/ ٢٤٥.(٥) في شرح الباب السابق، ص ٦٨٤، وأعاده بتصرف ص ٦٩١، وقال: لعل مراد أحمد: أحسنُ في الاستدلال، وأصرح في الرخصة.стр. 874
[الذي يفرق] (١) فيه بين الاستقبال والاستدبار، فيمنع الاستقبال، ويباح الاستدبار (٢) ، وذلك، أن حديث أبي أيوب عام فيهما معًا، والعام إذا ثبت تخصيصه في صورة، كان فيما عداها باقيًا على عمومه، ولم يَخُص حديثُ ابن عمر، مما تناوله حديثُ أبي أيوب، إلا الاستدبار فقط، فَبقي الاستقبال المنهى عنه في حديث أبي أيوب بِحَاله (٣) الحواشي
(١) في الأصل "فيفرق" وما أثبته من "م".(٢) تقدم هذا المذهب في شرح الباب السابق ص ٥٨٧ وما بعدها، واقتصر هناك على أنه استدل له بحديث سلمان المتضمن للنهي عن الاستقبال فقط، وقد بينت في التعليق ص ٥٨٩ أنه استدل له أيضًا بحديث عمر هذا، ولكن على أنه ناسخ لحديث النهي لا مخصص، كما سيذكره المؤلف في باقي كلامه الآتي، وقد رد غير واحد هذا المذهب، لمخالفته للأحاديث الصحيحة المصرحة بالنهي عن الاستقبال والاستدبار معًا / انظر ص ٥٨٩ ت.(٣) من قول المؤلف قبل هذا: "إن حديث أبي أيوب عام" إلى هنا، هو من كلام شيخه ابن دقيق العيد، مع تصرف، إلا أن شيخه قد أورده اعتراضًا على من خصص حديث أبي أيوب، بحديث ابن عمر، فجعله دليلًا على جواز الاستقبال والاستدبار معًا للقبلة في البنيان، مع أنه ليس فيه إلا ذكر الاستدبار فقط/ انظر إحكام الأحكام ١/ ٢٥٠.
أما المؤلف فذكره كما ترى لبيان وجه تخصيص جواز الاستدبار فقط سواء في البناء أو الفضاء، من عموم حديث أبي أيوب في النهي عن الاستقبال والاستدبار كذلك. وهذا أيضًا تخصيص غير مسلم به، لكون حديث ابن عمر يشمل صورة واحدة من عموم الاستدبار، وهي ما كان في البنيان، وعلى أي من الوجهين، فإن ابن دقيق العيد ذكر أنه لا يُقال: إن حديث ابن عمر مخصص لحديث أبي أيوب إلا إذا كان حديث أبي أيوب بلفظ واحد عام يَشْمل الاستقبال والاستدبار، فيخرج الاستدبار، من هذا اللفظ الواحد ويبقى الاستقبال، والحال ليس كذلك؛ لأن حديث أبي أيوب جملتان منفصلتان كل منهما عامة في محلها، =стр. 875
ولا يحسُن في الاستقبال، أن يقاس عليه لأمرين (١) :
أحدهما: أنه أفحش من الاستدبار على كلا (٢) التعليلين: من الحواشي
(١) هذان ذكرهما شيخ المؤلف كما أشرت في التعليق السابق، وهو قد أوردهما هنا مع بعض تصرف وزيادة، ولم يعز شيئًا منهما لشيخه/ انظر إحكام الأحكام لابن دقيق العيد/ الموضع السابق، وقد علق الصنعاني على ذكر هذين الأمرين بقوله: واعلم أن هذا كله مبني على أنه لم يَرِد الدليل على الإِباحة، إلا في حديث ابن عمر الذي لم يُفد (غير) جواز الاستدبار، وقد أسلفنا لك حديث جابر، في جواز الاستقبال، وأنه أخرجه أحمد وأبو داود وابن خزيمة وغيرهم/ العدة للصنعاني ١/ ٢٥٢.
أقول: وحديث جابر تقدم تخريجه في هذا الباب، وسيأتي ذكر المؤلف له قريبًا في الأصل وبيان ما أشار إليه الصنعاني من أن التخصيص يُستفاد من مجموعهما، لكن يلاحظ أن حديث ابن عمر كما تقدم قد شمل صورة واحدة من عموم صور الاستدبار وهي ما كان في بناء ونحوه، فلم يكتمل بالحديثين التخصيص، فبقيت الحاجة لغيرهما من نص أو قياس أو غيرهما. والله أعلم.(٢) في الأصل "كل" وما أثبته من "م" وهو المستقيم عليه المعنى.стр. 876
حُرمة القبلة -كما هو الراجح عند أصحاب الإمام مالك ﵀ أو من حُرمة المصلين -كما اختاره أصحابُنا- (١) .
الثاني: أنه تقديم للقياس، على مقتضى العموم، وفيه ما فيه (٢) مما (٣) هو معروف (٤) في أصول الفقه. فهذا ما في حديث ابن عمر. الحواشي
(١) يعني الشافعية، وقد تقدم في الباب السابق ذكر المؤلف للتعليلين مع دليليهما، وعلقت على ذلك بما خلاصته أن التعليل الثاني قد رده غير واحد من العلماء، وأن التعليل الأول هو المعتمد/ انظر ص ٥٦٥ - ٥٦٩، ٥٨٢ وما بعدها أصل وت.(٢) لما كان هذا كلام ابن دقيق العيد، فإن الشيخ الصنعاني علق عليه بأن المعنى: وفيه خلاف في الأصول، وأبحاث تطول، ثم قال: ولعل الشارح -يعني ابن دقيق العيد في الإحكام- ممن يختار عدم القول به -أي بتقديم القياس على مقتضى العموم- وإليه أشار بقوله: "فيه ما فيه" أي في هذا الوجه من الضعف الذي ثبت فيه وتقرر، كان أمرًا معروفًا معينًا يكتفي بالإِشارة إليه بالاسم الموصول، وهذه العبارة قد تعورفت بين العلماء في الإِشارة إلى وجه الضعف، وإلا، فإنه يمكن حلها بغير هذا، كان يقال: وفيه من الصحة والرصانة ما فيه/ العُدة للصنعاني - على إحكام الأحكام لابن دقيق العيد ١/ ٢٥١.(٣) في "م" "كما".(٤) لفظ "معروف" ليس في "م".
قال الصنعاني تعليقًا على هذا وتتميمًا لما تقدم: قوله: على ما عرف في الأصول، بيان لذلك الضعف، فإنه قرر الجماعة من أئمة التحقيق القول: بأنه لا يخصص العام بالقياس، ولعل الشارح يعني -ابن دقيق العيد- ممن يختار ذلك، كما يشير اليه بحثه هذا/ انظر العُدة للصنعاني ١/ ٢٥٢. أقول: ولعله بهذا يتأكد لنا أنه كان على المؤلف عزو هذه النقول إلى شيخه، حيث إنها تعبر عن اختياره لأحد الآراء المختلف فيها.стр. 877
وأما حديث جابر: "فرأيته قبل أن يُقبَض بعام يستقبلها" ئضمن (١) أيضًا الاستقبال، فاستفيد الحُكمان من الحديثين معًا (٢) ، الحواشي
(١) في "م" "تظمن" بالماء بدل الضاد، وهذه لهجة سمعتها من أهل نجد والحرمين، كما وجدت بعض طلابي بمدينة الرياض عاصمة المملكة العربية السعودية، وهم في المرحلة الجامعية يكتبون الضاد ظاء، وهكذا سمعتها من بعض الهنود والأفغان، وتلك النسخة ذات الرمز "م" منسوخة في المدينة المنورة، فتأثر كاتبها بتلك اللهجة.(٢) جرى المؤلف على ما سبق تقريره له من أن فعل الرسول ﷺ يدل بمفرده على الجواز على الأقل، وقد تقدم تحقيق أن: استفادة الحكم من الفعل تكون بقرينة أو دليل آخر، وقوله: "استفيد الحكمان من الحديثين" إن كان مراده بالحُكمين الاستقبال والاستدبار المطلقين، فحديث ابن عمر مُقيد بالبنيان، وإن كان مراده الاستقبال المقيد بالبنيان فقط فحديث جابر مطلق، ولذا قال الشوكاني: إن حديث جابر يَرُدُّ على من قال بجواز الاستدبار فقط، سواء قيده بالبنيان، كما ذهب إليه البعض، أو لم يقيده كما ذهب إليه آخرون، ويَرد أيضًا على من قيد جواز الاستقبال والاستدبار بالبنيان لعدم التقييد من جابر.
ولِتلَافي هذا الرد ذكر الحافظ ابن حجر: أن حديث جابر محمول على أنه رآه ﷺ في بناء ونحوه؛ لأن ذلك هو المعهود من حاله ﷺ ، لمبالغته في التستر/ الفتح ١/ ٢٤٥ ثم قال في موضع آخر: في الاحتجاج به نظر؛ لأنه حكاية فعل لا عموم لها، فيحتمل أن يكون لعذر، ويحتمل أن يكون في بنيان ونحوه، ومن ذلك ترى أن استفادة حكم الاستقبال من حديث جابر مختلف في تقريره، وليس مسلمًا على إطلاقه كما هو ظاهر ما ذكره المؤلف من أن حديث جابر استفيد منه الاستقبال، بل قال الشوكاني عن حديث ابن عمر أنه يمكن أن يقال فيه ما قيل في حديث جابر من احتمال أن يكون ﷺ فعله لعذر، ورتب على ذلك أنه لا يتم للشافعية ومن معهم الاحتجاج به على تخصيص الجواز بالبنيان/ نيل الأوطار ١/ ١٠٠.
أقول: وأقرب ما يجاب به عن دفع الشوكاني لاستدلال الشافعية ومن معهم =стр. 878
ولذلك أودعهما الترمذي كتابه، وقدم حديث الاستقبال، إذ هو (١) الأهم، كما أشرنا إليه (٢) وأخَّر حديث الاستدبار -وإن كان أقوى سندًا وأصح مَخرَجًا- (٣) ولم يَذكر حديث عائشة/ إلا بطرف منه، لِمَحل الإِرسال (٤) والاستغناء عنه بما ذكره (٥) . الحواشي
(١) أي الاستقبال.(٢) حيث قال: إنه أفحش من الاستدبار، كما تقدم قريبًا.
وقد تقدم تخريج حديث جابر، وبيان درجته/ انظر ص ٦٥٢ - ٦٥٧، وص ٦٩٣ وما بعدها.(٣) تقدم تخريج الحديث مجملًا في الأصل وموسعًا في التعليق، مع بيان وجه قوة سنده وصحة مخرجه، وأقرب دليل لذلك كونه متفقًا عليه/ انظر ص ٦٢٠ - ٦٥٢، ٦٩١، ٦٩٢.
وصنيعه هذا مصداق ما قدمته من أنه اعتُرِض على الترمذي بأنه في غالب الأبواب يبدأ بالأحاديث الغربية الإسناد، وأنه أجيب عنه بأن قصده بيان ما فيها من علل، ثم يبين الصحيح في الإسناد/ انظر ص ٣١٦، ٣١٧.(٤) تقدم تخريج حديث عائشة، وبيان إرساله، وإثبات صحة سنده موقوفًا عليها/ ٦٥٧ - ٦٩٣.(٥) أشار المؤلف هنا إلى عدم ذكر الترمذي لحديث عائشة إلا بطرف منه، ولم يشر إلى عدم ذكره أيضًا حديث عمار بن ياسر إلا بالإشارة، كما أنه قد خرج حديث =стр. 879
وإذا قلنا بالتخصيص، كما (١) ذهب إليه الشافعي ﵀ ومن حكينا ذلك عنه (٢) ، فالمختار عند أصحابنا (٣) أنه إنما يجوز الاستقبال، والاستدبار في البنيان، إذا كان قريبًا من ساتر -جدارٍ أو نحوِه- بحيث يكون بينه وبينه ثلاثَة أذرع فما دونها، وبشرط آخر، وهو: أن يكون الحائل مرتفعًا، بحيث يستر أسافل الإِنسان، وقدروه بأُخْرة (٤) الرَّحْل، وهي نحو ثُلثي ذراع، فإن زاد ما بينه وبينه على ثلاثة أذرع، أو قَصُر الحائل عن أُخرة الرحل، فهو حرام، كالصحراء (٥) ، إلا إذا كان في بيت (٦) بُني الحواشي
(١) في الأصل "مما" وما أثبته من "م".(٢) انظر ص ٥٧٤ وما بعدها وقال المؤلف وغيره هناك: إنه الأولى، لما فيه من إعمال مختلف الأدلة.(٣) يعني الشافعية، وكلام المؤلف من هنا إلى قوله فيما سيأتي: وأشهرهما، أنه ساتر، لحصول الحائل، من كلام النووي في المجموع ٢/ ٧٨، ٧٩ مع تصرف، ولم يعز المؤلف إليه شيئًا، كما ترى، وقد تكرر ذلك منه في هذا الباب وغيره مما تقدم، كما أوضحته، ولعل تصرفه فيما ينقله، وإن تفاوت قلة وكثرة هو الذي جعله يعفي نفسه من العزو، وإن كان ذلك غير مُسَلَّم له.(٤) في المجموع ٢/ ٧٨، ٧٩ "مؤخرة" وكذا في الموضع التالي بعد نحو سطر.(٥) في الأصل "وإلا" وما أثبته من "م" والمجموع ٢/ ٧٩.(٦) في "م" زيادة "كنيف" وليست في المجموع ٢/ ٧٩ والمعنى مستقيم بدونها، لأنها تفسير لكلمة "بيت".стр. 880
[لذلك فلا حرج] (١) فيه، كيف (٢) كان. قالوا (٣) : ولو كان في الصحراء، وتسَتَّر (٤) بشيء - على [الشرطين المذكورين] (٥) ، زال التحريم. فالاعتبار بوجود الساتر المذكور وعدمه، فيَحِلُّ في الصحراء والبنيان، بوجوده، ويَحرُم فيهما بعدمه (٦) هذا هو الصحيح، المشهور، عند أصحابنا.
ومن الأصحاب من اعتبر الصحراء، والبنيان مطلقًا، ولم يعتبر الحائل، فأباح [في] (٧) البنيان، بكل حائل، وحَرَّم في الصحراء، بكل حائل (٨) . الحواشي
(١) في الأصل وفي "م"، "كذلك فلا حجر" وما أثبته من المجموع ٢/ ٧٩ وهو الأنسب للمعنى.(٢) في م "فكيف" وهي تغير المعنى، حيث تجعل معنى العبارة متعلقًا بما بعدها، لا بما قبلها.(٣) يعني الأصحاب من الشافعية، كما تقدم أول الكلام.(٤) في م "أو تستر" وما أثبته موافق لما في المجموع ٢/ ٧٩.(٥) في الأصل، و"م"، "الشرط المذكور" وما أثبته من المجموع ٢/ ٧٩ وهو الموافق للمعنى، لأن المتقدم شرطان: أحدهما القرب من الساتر، والثاني ارتفاعه بحيث يستر أسافل الإنسان.(٦) في الأصل "لعدمه" وما أثبته من "م" وهو متسق مع قوله قبله "بوجوده".(٧) ليست في الأصل وأثبتها من "م".(٨) الذي في المجموع ٢/ ٧٩ أنه ذكر الماوردي والروياني وجهين: أحدهما هذا، -يعني الوجه المتقدم بشروطه، والثاني: يحل -أي الاستقبال- في البناء مطلقًا بلا شرط، ويحرم في الصحراء مطلقًا، وإن قَرُب من الساتر، ثم قال النووي: والصحيح الأول. اهـ. ومن هذا يُفهم أن الوجه الذي ذكره الماوردي والروياني =следующие страницы →