Полный текст (909 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.
стр. 806
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = بما سمع من حديث ابن لهيعة إلا سماع ابن المبارك ونحوه، وقوله هذا الثالث يمكن أن يكون صدر منه قبل القول الثاني، فيكون المعنى: أنه لا يحمل عنه مباشرة، ولا بواسطة ولو كان الواسطة ثقة كعبد الله بن يزيد القصير، وإنما يحمل عنه بواسطة واحدة وهو عبد الله بن المبارك، لأنه هو الذي كشف له ما في رواية ابن لهيعة من خطأ، ويمكن أن يكون قال ذلك بعد قوله باستثناء رواية ابن المبارك، ويكون المعنى: إنه بعدما تبين له بوضوح خطأ ابن لهيعة فيما كتب به إليه، ترك الرواية عنه مطلقًا، سواء مباشرة أو بالواسطة، وهذا ما أشار اليه الإمام مسلم حيث عد ابن مهدي ممن ترك حديث ابن لهيعة مطلقًا/ الكنى لمسلم ١/ ٥١٩، والسير ٨/ ٢٠، وأخرج العقيلي بسنده عن محمد بن المثنى قال: ما سمعت عبد الرحمن -يعني ابن مهدي- يحدث عن ابن لهيعة شيئًا قط/ الضعفاء للعقيلي ٢/ ٢٩٤ ولعل تلك الواقعة هي التي جعلت ابن المبارك يقدح في ابن لهيعة فقد أخرج ابن أبي حاتم من طريق بعض المراوزة عن ابن المبارك أنه سمع رجلًا يذكر ابن لهيعة، فقال: قد أراب ابن لهيعة، قال ابن أبي حاتم: يعني ظهرت عورته/ الجرح ٥/ ١٤٦، والمراد بالعورة وقوع الخطأ في روايته، وقوله في كتابه إلى ابن مهدي: "حدثنا عمرو بن شعيب" يعتبر من خطئه، ولا يحمل على ادعائه سماع ما لم يسمع؛ لأن ذلك من الكذب في الرواية، وهو لم يوصف بذلك، فيحمل الأمر في هذا على الخطأ والوهم، إما منه ابتداء، إذا كان هو الذي كتب بخطه، وإما ممن كلفه بالكتابة وأقره بالتوقيع على ما كتب، ويؤيد ذلك تقرير غير واحد من لدن عصره فما بعده: أنه لم يكن يكذب، ولكن يخطئ لسوء حفظه؛ فتلميذه الخبير بحاله وبمروياته وهو ابن وهب تقدم أنه أقسم على صدقه زيادة في تأكيده، ومن جهة أخرى انتقده في ضبطه، وخاصة في السماع من عمرو بن شعيب/ ص ٨٠٥، ٨٠٦ ت. وقال الحاكم: لم يقصد الكذب، وإنما حدث من حفظه، بعد احتراق كتبه، فأخطأ/ تهذيب التهذيب ٥/ ٣٧٨، وقال الذهبي: إن الرجل غير متهم بالوضع/ السير ٨/ ٢٦، وسيأتي عن أحمد بن صالح المصري بيان حصول خطأ من تلاميذه في كتابة ما حدثهم به إملاء من أصوله. =стр. 807
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = وقد ذكر ابن أبي مريم مثالًا محددًا لما نسي فيه ابن لهيعة الواسطة بينه وبين عمرو بن شعيب، وصار يحدث به عن عمرو بن شعيب مباشرة، وذلك هو حديث التكبير عند رؤية الحريق، فقد حضر ابن أبي مريم سماع ابن لهيعة للحديث من زياد بن يونس الحضرمي عن القاسم بن عبد الله بن عمر عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، مرفوعًا، وذكر ابن أبي مريم أن ابن لهيعة كان يحدث به هكذا زمنًا، فلما طال الزمن نسي، فوضع بعض تلاميذه الحديث في جملة حديثه عن عمرو بن شعيب مباشرة، فكان يقرأ عليه فيجيزه، ويحدث به في جملة حديثه عن عمرو بن شعيب/ تهذيب الكمال ٢/ ٧٢٨ والسير ٥/ ١٨، ١٦ والمعرفة والتاريخ ٢/ ١٨٥، وفي رواية الفسوي عن ابن أبي مريم بعض التفصيل وهو أن الرواة عن ابن لهيعة هم الذين أدخلوا عليه هذا الحديث، فكتبوه ضمن روايته مباشرة عن عمرو بن شعيب، وكان يقرأ عليه من كتبهم هم، قال ابن أبي مريم: فرأيت بعد -يعني بعد سماع ابن لهيعة للحديث من زياد عن القاسم عن عمرو بن شعيب- يجيء الرجل فيسأله: حدثك عمرو بن شعيب؟ فيقول: لا، إنما حدثنا بعض أصحابنا -يسميه- قال ابن أبي مريم: ثم وضعوا في حديثه عن عمرو بن شعيب، فكان يقول -كم شاء الله- إذا مروا بهذا الحديث: هذا حديث بعض أصحابنا عن عمرو، قال: ثم سكت، فكانوا يضعون عليه في حملة حديث عمرو بن شعيب، فغيروها/ المعرفة والتاريخ ٢/ ٤٣٥، ويتضح من تلك الرواية أن سكوت ابن لهيعة مؤخرًا كان للنسيان بسبب طول الزمن بين التحمل وبين القراءة عليه من كتبهم، وأنه لم يتعمد إسقاط الواسطة بينه وبين عمرو. ثم إن ابن أبي مريم لم ينفرد بذكر هذه الواقعة، بل ذكرها بعده ابن معين، فذكر أن هذا الحديث قد عرض على ابن لهيعة -أي قريء عليه- على أنه من روايته عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، فأقر به، فقال له رجل: أنت سمعت هذا؟ فقال: ما أدري قُرئ عَليَّ، فقيل له: إنما هذا عن القاسم بن عبد الله بن عمر -يعني عن عمرو بن شعيب، كما سبق/ يحيى بن معين وتاريخه- برواية الدوري ٢/ ٣٢٧.
وسيأتي عن الإمام أحمد أيضًا مثال آخر ص ٨٥١، ٨٥٢ ت، وانظر الميزان =стр. 808
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = ٢/ ٤٧٦، وقد أخرج ابن عدي أيضًا من روايته عن أبي يعلي الموصلي ثنا كامل بن طلحة ثنا ابن لهيعة ثنا عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي ﷺ (الحديث في الجمع بين المرأة وأمها)، ثم قال: وبهذا الإسناد أخبرنا ابن المثنى -يعني أبا يعلى- بأرجح من ثلاثين حديثًا، لم أذكرها لئلا يطول، وعامتها مما لا يتابع عليه/ الكامل ٤/ ١٤٦٩، وهذا كله يفيد أن ما حدث به ابن لهيعة عن عمرو مباشرة منه ما فيه وهم منه، ونكارة، ومنه ما ثبت سماعه منه فعلًا، وقد تقدم ذكر عمرو بن شعيب ممن سمع منهم ابن لهيعة ص ٧٩٨، وأن ابن لهيعة قد غضب لما قيل له: إن ابن وهب يزعم أنك لم تسمع هذه الأحاديث من عمرو بن شعيب، وأكد سماعه منه، ص ٨٠٧ ت، لكن أبا حاتم الرازي قال: لم يسمع ابن لهيعة من عمرو بن شعيب شيئًا/ المراسيل لابن أبي حاتم/ ١١٤، وأضاف العلائي قائلًا: وقد رَوى عنه كثيرًا، وجاء بهامش نسخة الظاهرية من كتاب العلائي ما نصه: قال أبو داود: إنما سمع ابن لهيعة من عمر بن شعيب ثلاثة أشياء، أو أربعة أشياء/ جامع التحصيل للعلائي بتحقيق الشيخ حمدي السلفي/ ٢١٥، ٢١٦ أصل وهامش، وقال أبو زرعة بن العراقي وجدت بخط الحافظ رشيد الدين العطار: إنه وقع في الجزء الثاني والعشرين من حديث أبي الطيب ابن بنت الشافعي، انتقاء عبد الغني بن سعيد، بالإسناد إلى أحمد بن صالح أنه قال: لم يسمع ابن لهيعة من عمرو بن شعيب إلا حديثين، فأتموها له مائتين. انتهى/ تحفة التحصيل لأبي زرعة ابن العراقي/ ق ١٧١ أ.
أقول: والمراد بمن أتموها له، بعض الرواة غير الثقات عنه، كما مر مثاله في حديث الحريق، وعلى هذا فالراجح أن ابن لهيعة قد سمع من عمرو بن شعيب، وإن كانت مروياته عنه تزيد كثيرًا عن العدد الذي ذكره أبو داود وأحمد بن صالح معًا، ومن تلك الروايات ما تبين وهمه فيه، أو نكارته من طريقه، وقد تقدمت إشارة ابن عدي إلى وجود ما يزيد على ثلاثين حديثًا له عن عمرو بن شعيب لا يتابع على عامتها، وذلك مما يقدح في ضبطه، ولكنه لا يقتضي ترك الرواية عنه =стр. 809
وروى (١) ابن عدي من طريق عثمان بن سعيد، ومن طريق معاوية (٢) عن يحيى تضعيفه (٣) وروى عنه من طريق عباس الدوري: لا يحتج به (٤) وذكر علي بن المديني قال: سمعت يحيى بن سعيد يقول: قال لي بِشْر بن السَّرِي: لو رأيتَ ابنَ لهيعة لم تَحمِلْ عنه الحواشي
(١) بالأصل "فروى" ولا يستقيم المعنى عليه.(٢) هو ابن صالح الدمشقي أحد الرواة عن يحيى بن معين/ تهذيب الكمال ٣/ ١٥١٩.(٣) رواية معاوية بن صالح موجودة في الكامل ٤/ ١٤٦٢ وفي الضعفاء للعقيلي ٢/ ٢٩٥، وأما عثمان بن سعيد فقد وجدت في تاريخه عن يحيى رواية واحدة قال فيها: قلت كيف رواية ابن لهيعة عن أبي الزبير عن جابر؟ فقال: ابن لهيعة ضعيف الحديث/ تاريخ الدارمي عن ابن معين/ ١٥٣، وهذه تقدم ذكر المؤلف لها ص ٨٠٥، ٨٠٧، ولكن جاء في الكامل عنه رواية ثانية لم أجدها في تاريخه المطبوع، حيث قال ابن عدي بعد ذكر الرواية السابقة: قال عثمان: وفي موضع آخر (قلت): ابن لهيعة كيف حديثه عندك؟ قال: ضعيف/ الكامل لابن عدي ٤/ ١٤٦٢، فتكون تلك الرواية قد وردت في النسخة التي وقعت لابن عدي.(٤) انظر/ يحيى بن معين وكتابه التاريخ، برواية الدوري، تحقيق د. أحمد نور سيف ٢/ ٣٢٧، ومن طريق الدوري أخرجها ابن عدي/ الكامل ٤/ ١٤٦٢، وكذا العقيلي في الضعفاء ٢/ ٢٩٥، وما تقدم من وصف ابن معين له بالضعف المطلق، يفيد أن مراده بقوله "لا يحتج به" يعني إذا انفرد، فإذا توبع احتج به، وستأتي أقوال لابن معين في الأصل وفي التعليق عليه، بعد قليل، ثم بيان الراجح منها إن شاء الله.стр. 810
حرفًا (١) وقال الحميدي: عن يحيى بن سعيد، كان لا يراه شيئًا (٢) ، وذكر عن يحيى بن معين، أنه قيل له: أنكر أهل مصر احتراق كتب الحواشي
(١) أخرجه ابن أبي حاتم/ الجرح ٥/ ١٤٦ وابن عدي/ الكامل ٤/ ١٤٦٢ من طريق صالح بن أحمد (بن حنبل) عن ابن المديني، به وأخرجه ابن حبان في المجروحين ٢/ ٢٠ من طريق ابن أبي شيبة عن ابن المديني، به، وهذا النقد لا يقدح وحده في الموصوف به؛ لاعتماده الأساسي على المظهر الشكلي للراوي، وهو غير كاف في ذلك، وإن كان له دخل في الدلالة على العدالة الباطنة، ولكن لا يتحقق منها إلا بخبرة الباطن، وبشر بن السري صاحب هذا الانتقاد، كان واعظًا ثقة، فلعل انتقاده لابن لهيعة من جهة ترفه، حيث كان من أثرياء مصر ورؤساء أهلها، ولكن الذهبي قد وصفه أيضًا بأنه من ذوي الاحتشام/ السير ٨/ ٣١ وتقدم أن ابن وهب أقسم على أنه كان صادقًا بارًا، وتقدم كذلك أنه أقطع واعظًا آخر وهو منصور بن عمار خمسة أفدنة من أرضه، وذلك كله يدل على أن قول بشر المذكور غير قادح في ابن لهيعة.(٢) أخرجه البخاري في الكبير ٥/ ١٨٢ والأوسط المطبوع باسم الصغير/ ١٩٥ ط الهند والضعفاء الصغير/ ٢٦٦ ط الهند، عن الحميدي به، وجاء في الأوسط "لا يرى به بأسًا" بدل "لا يراه شيئًا" ولعله تحريف، حيث أخرج ابن عدي ٤/ ٤٦٢ الترجمة كلها من طريق التاريخ الأوسط، وبسياقه نصًا، وفيه "لا يراه شيئًا"، وأشار إلى أن رواية البخاري في غير الأوسط بنحو ما في الأوسط.
وأخرجه العقيلي أيضًا من طريق البخاري عن الحميدي به/ الضعفاء للعقيلي ٢/ ٢٩٣، ويلاحظ إقرار البخاري ليحيى بن سعيد القطان على وصف ابن لهيعة بهذا اللفظ الذي يقتضي شدة ضعفه، وكذا ذكر مسلم أن "يحيى" ممن ترك ابن لهيعة ثم لم يتعقبه/ الكنى لمسلم ١/ ٥١٩ لكن هذا معارض بقول عدد من النقاد، ومنهم متشددون أيضًا: بأن ابن لهيعة ضعيف ضعفًا قابلًا للانجبار، وستأتي أقوال عدد منهم في الأصل، وتقدمت أيضًا بعض الأقوال المؤيدة لذلك.стр. 811
ابن لهيعة، فقال: هو ضعيف، قبل الاحتراق، وبعده (١) وذكر عن الحواشي
(١) كذا جاء النص في الأصل ويبدو أنه ملفق من قولين لابن معين، حيث إن الذي في الكامل لابن عدي بسنده عن الدورقي هكذا: قال يحيى بن معين: أنكر أهل مصر احتراق كتب ابن لهيعة، والسماع منه واحد، القديم والحديث، وذكر عند يحيى احتراق كتب ابن لهيعة فقال: هو ضعيف قبل أن تحترق، وبعدما احترقت/ الكامل ٤/ ١٤٦٣، وجاء في الميزان ٢/ ٤٧٧ قال: يحيى: "هو ضعيف قبل أن تحترق كتبه وبعدما احترقت"، ويلاحظ أن هذين قولين ليحيى: أحدهما ينفي احتراق كتب ابن لهيعة، وثانيهما بإقراره، ولكنهما متفقان على أن ابن لهيعة ضعيف من جهة ضبطه، وقد تقدم في الأصل قريبًا أنه يضعفه ولا يحتج به، وتقدم أيضًا ص ٨١٤ هـ إقراره بان ابن لهيعة قد نسي كيفية روايته لحديث التكبير عند الحريق. ومسألة احتراق الكتب هذه، ودرجة تضعيف ابن لهيعة، قد تعددت فيها أقوال ابن معين، مثلما تعددت أقوال غيره، فبالإضافة لما تقدم، جاء في رواية الدقاق عنه قوله: ابن لهيعة ليس بشيء: قيل ليحيى: فهذا الذي يحكي الناس أنه احترقت كتبه؟ قال: ليس لهذا أصل، سألت عنها بمصر/ من كلام يحيى بن معين، برواية الدقاق، تحقيق الدكتور/ أحمد نور سيف/ ٩٧، وروى ابن الجنيد عنه قال: سمعت يحيى بن معين يقول: ابن لهيعة أمثل من رشدين بن سعد، ورشدين ليس بشيء، وقد كتبت حديث ابن لهيعة، ثم قال: قال لي أهل مصر: ما احترق له كتاب قط، وما زال ابن وهب يكتب عنه حتى مات. قال ابن الجنيد: قلت له: فسماع القدماء والآخرين منه سواء؟ قال: نعم سواء واحد/ وسؤالات ابن الجنيد/ ١٥٣، ٣٩٣ السير ٨/ ١٩، وتهذيب الكمال ٢/ ٢٧٩.
وروى ابن أبي الجارود عن يحيى بن معين قال: يكتب عن ابن لهيعة ما كان قبل احتراق كتبه/ ضعفاء العقيلي ٢/ ٢٩٥ والسير ٨/ ٣١، وذكر في التهذيب عنه قال: ابن لهيعة كان ضعيفًا، لا يحتج بحديثه، كان من شاء يقول له: حدَّثَنا/ تهذيب التهذيب ٥/ ٣٧٨، وفي رواية لابن محرز عن ابن معين قال: ابن لهيعة ضعيف الحديث/ سؤالات ابن محرز ١/ ٦٧.
وتعددت أيضًا أقواله في اختلاطه، فقد روى عنه ابن محرز قال: سمعت يحيى =стр. 812
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = يقول: قال أبو الأسود -النضر بن عبد الجبار المصري، وكان ثقة-: ما اختلط ابن لهيعة قط، حتى مات/ معرفة الرجال، من رواية ابن محرز عن ابن معين وغيره بتحقيق محمد كامل القصار وآخرين ١/ ٦٨، ١٠١، ٢/ ٥٩.
وفي رواية الدقاق عنه قال: ابن لهيعة ليس بشيء، تغير أو لم يتغير/ من كلام يحيى بن معين في الرجال/ تحقيق د. أحمد نور سيف/ ١٠٨، فلعل مقصوده بالتغير هنا الاختلاط، المذكور في الرواية السابقة، وبذلك يكون قوله هذا مخالفًا لإقراره عدم الاختلاط مطلقًا كما في الرواية السابقة، وسيأتي في الأصل ص ٨٣٢، ٨٣٤، حكاية ابن سعد عن أهل مصر نفي الاختلاط، وهو الراجح كما سيأتي.
وفي تلك الروايات المتقدمة عن ابن معين نجد بعضها ينفي الاحتراق، وبعضها يقتضي إثباته، كما نجد في اثنتين منها وصفه ابن لهيعة بأنه ليس بشيء، وكذا جاء في رواية لابن محرز ١/ ٦٧ وذلك يفيد شدة ضعفه، وفي الباقي وهو الأكثر - نجد أنه قد وصفه بما يدل على قلة ضعفه بحيث يقبل الانجبار بغيره، إذ وصفه بالضعف المطلق في عمره كله، وقد قال ابن رجب: إنه المشهور عن يحيى/ شرح العلل ١/ ١٣٧، وكذا جاء في رواية لابن محرز أن ابن معين قال: ابن لهيعة ضعيف في حديثه كله لا بعضه/ سؤالات ابن محرز ١/ ٦٧، وقال يحيى أيضًا: قد كتبت حديثه وقال: يكتب حديثه قبل احتراق كتبه، فتضعيفه المطلق له، يدل على أن مراده كتابة حديثه للاعتبار، وليس للاحتجاج، وقوله: يكتب حديثه قبل احتراق كتبه، يدل على تضعيفه له قبل الاحتراق وبعده، وإن كان تضعيفه بعد الاحتراق أشد، وأما قوله فيما تقدم أيضًا، بعد نفي احتراق كتبه: "إن ابن وهب كان يكتب عنه حتى مات" فيدل على أن ابن لهيعة كان يمكن بعض تلاميذه من كتابة مروياته من أصوله، وبذلك لا تكون عمدتهم على السماع من حفظه فقط، أو على السماع من كتب غيرهم، وسيأتي في الأصل ص ٨٣٨، ٨٣٩ وصف أبي زرعة الرازي لابن وهب وابن المبارك بالكتابة من أصول ابن لهيعة.
أما تعدد قول ابن معين في احتراق الكتب، فقد جاء عمن له دراية بابن لهيعة، =стр. 813
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = وملاصقة له، ما يبين وجه الاختلاف في ذلك، وعلى ضوئه يمكن الجمع والتوفيق بين القول بالنفي وبين القول بالإثبات.
فقد تقدم قول تلميذ ابن لهيعة وهو عثمان السهمي: احترقت دار ابن لهيعة وكتبه سنة. ١٧٠ هـ وسلمت أصوله، وأيد ذلك بقوله: ما كتبت كتاب عمارة بن غزية إلا من أصل كتاب ابن لهيعة، بعد احتراق داره، غير أن بعض ما كان يقرأ فيه احترق، وبقيت أصوله بحالها/ تهذيب الكمال ٢/ ٧٢٨، والسير ٨/ ١٣، وهناك تلميذ آخر، وهو إسحق بن عيسى، تعدد قوله بالإجمال مرة، والتفصيل أخرى، حيث سيأتي في الأصل ٨٢٣ رواية أحمد عنه: إن كتب ابن لهيعة احترقت سنة ١٦٩ هـ، ثم جاء عنه قول آخر مفصل، فقال: ما احترقت أصوله، إنما احترق بعض ما كان يقرأ منه، قال الذهبي: يريد ما نسخ منها/ السير ٨/ ٢١ وبهذا يعرف أن من قال بعدم احتراق كتب ابن لهيعة مطلقًا، فقوله محمول على عدم احتراق النسخ الأصلية لمروياته، وهي التي أثبت عليها سماعاته من شيوخه، وغيرها من طرق التحمل المعتمدة.
ومن قرر احتراق كتبه، فيحمل كلامه على النسخ الفرعية التي نسخت من تلك الأصول، واحتفظ بها ابن لهيعة ليقرأ عليه طلاب الحديث منها، حفظًا للأصول من التلف أو التغيير الذي كان يبتلى به المحدثون ممن يخالطهم، وبهذا يمكن الجمع بين قولي ابن معين السابقين بنفي الاحتراق، والتسليم به، كما يمكن الجمع أيضًا بأنه نفى وأثبت بناء على أقوال من سأله من أهل مصر، كما يشير لذلك قوله: سألت عنها بمصر. وقوله: "قال لي أهل مصر".
ومع سلامة أصول ابن لهيعة من الاحتراق الذي كان في أواخر حياته كما سيأتي في الأصل، إلا أنه لم يحدث منها إلا في بداية اشتغاله بالرواية، ثم صار بعد ذلك لا يمكن منها إلا القلائل، مثل ابن وهب، وعثمان السهمي السابق ذكرهما، وأما عامة الرواة، فكانوا يتلقون عنه من حفظه، أو من كتب تلاميذه الفرعية، وكلاهما فيه الخطأ والصواب، وقد بين ذلك أحمد بن صالح المصري عن دراية كافية، حيث إنه لما استحسن رواية أبي الأسود النضر بن عبد الجبار عن ابن لهيعة قالстр. 814
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = له الفسوي: يقولون سماع قديم وسماع حديث، -يعني من العلماء من يقبل سماع القدماء عنه ويرد سماع المتأخرين، فقال أحمد بن صالح: ليس من هذا شيء، ابن لهيعة صحيح الكتابة، كان أخرج كتبه، فأملى على الناس، حتى كتبوا حديثه إملاء، فمن ضبط، كان حديثه حسنًا صحيحًا، إلا أنه كان يحضر من يضبط ويحسن، ويحضر قوم يكتبون ولا يضبطون، ولا يصححون -يعني بالمقابلة على الأصل- وآخرون نظارة، -يعني يسمعون بدون قصد الرواية- وآخرون سمعوا مع آخرين -يعني بالنظر معهم في نسخهم- ثم لم يخرج ابن لهيعة بعد ذلك كتابًا، ولم ير له كتاب، وكان من أراد السماع منه ذهب فانتسخ ممن كتب عنه، وجاء فقرأه عليه، فمن وقع على نسخة صحيحة فحديثه صحيح، ومن كتب من نسخة ما، لم تضبط، جاء فيه خلل كثير، ثم ذكر مثالًا للخلل، .. وعقب على ذلك الفسوي بقوله: وكنت كتبت عن ابن رمح كتابًا عن ابن لهيعة، وكان فيه نحو ما وصف أحمد -يعني ابن صالح- فقال: أي ابن صالح-: هذا وقع على رجل ضبط إملاء ابن لهيعة ولما سمع الفسوي من ابن صالح قوله: "إن من ضبط النقل عن أصل ابن لهيعة، أو وقع على نسخة صحيحة فحديثه صحيح"، أراد معرفة مراده بالصحة، فسأله كما قدمت -عن درجة حديث ابن لهيعة في حد ذاته، إذا ثبت عنه، فذكر له ما يفيد أنه يكتب للاعتبار/ وانظر المعرفة والتاريخ للفسوي ٢/ ٤٣٤، ٤٣٥، وقد ذكر الفسوي أيضًا تلك الرواية عن ابن صالح بنحو السابقة دون ذكر سؤاله له عن درجة حديث ابن لهيعة/ المعرفة والتاريخ ٢/ ١٨٤.
وذكر العجلي أن أحمد بن صالح قال: إن ابن لهيعة ثقة، ورفع به، وقال فيما روى عنه الثقات من الأحاديث ووتع فيها تخليط: يطرح ذلك التخليط/ ثقات العجلي بتحقيق الشيخ صالح المحطب/ ٢١٢ وتهذيب التهذيب ٥/ ٣٧٨، وحكى الساجي عن ابن صالح أيضًا قوله: كان ابن لهيعة من الثقات، إلا أنه إذا لقن شيئًا حدث به/ تهذيب التهذيب ٥/ ٣٧٨، وكلا الروايتين تفيدان أن توثيق ابن صالح له مقتصر على عدالته فقط، دون ضبطه، حتى فيما رواه عنه الثقات، فيكونان، بمعنى رواية الفسوي السابقة، وتكون خلاصة حال ابن لهيعة عند =стр. 815
السعدي (١) : ابن لهيعة لا يُوقَف (٢) على حديثه، ولا ينبغي أن يُحتج، أو يُغَتر (٣) بروايته، فقال ابن بُكَير (٤) : احترق منزل ابن لهيعة وكتبه، الحواشي
(١) هو أبو إسحق إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني السعدي، أحد أئمة الجرح والتعديل، وقد عده الذهبي من المتعنتين في الجرح، وله كتاب في الضعفاء، وهو المطبوع الآن بعنوان "أحوال الرجال" بتحقيق الأستاذ صبحي السامرائي، وقد توفي الجوزجاني السعدي سنة ٢٥٩ هـ، وقد رمي بالنصب، ودفع الأستاذ صبحي ذلك عنه/ انظر تقريب التهذيب/ والعبر للذهبي ٢/ ٢٤، وذكر من يعتمد قوله في الجرح والتعديل للذهبي أيضًا/ ١٥٩ ومقدمة الأستاذ صبحي لتحقيق أحوال الرجال للجوزجاني/ ١٠ - ١٨.(٢) كذا جاء في كتاب السعدي/ معرفة أحوال الرجال، بتحقيق الأستاذ صبحي السامرائي/ ١٥٥، وفي الكامل لابن عدي ٤/ ١٤٦٣ وتهذيب التهذيب ٥/ ٣٧٨، ولكن في الميزان ٢/ ٤٧٧ والسير ٨/ ٣٠ "لا نور" ويمكن استقامة المعنى عليها، لكن الراجح ما وافق قول السعدي في كتابه نفسه.(٣) الذي في الأصل "يعتد" وكذا في الكامل والميزان والسير/ المواضع السابقة، وما أثبته من كتاب السعدي نفسه/ ١٥٥ ومثله في تهذيب التهذيب ٥/ ٣٧٨، وهو الأنسب للمعنى، لأن: "لا يعتد بروايته" بمعنى العبارة التي قبلها وهي لا يحتج به" بخلاف "لا يغتر بروايته"، فهي تفيد معنى جديدًا كما هو واضح، أي لا يغتر بروايته التي قد يكون ظاهرها السلامة من العلة. أقول: ومع ما قدمته من كون الجوزجاني متعنت في الجرح، إلا أن قوله هذا في ابن لهيعة لا يعد من تشدده، لأنه يفيد تضعيفه تضعيفا قابلًا للانجبار، حيث أن قوله: "ولا ينبغي أن يحتج به" يفيد أنه يعتبر به، وهذا يلتقي مع قول أكثر العلماء بعد جمع مختلفها، والنظر فيها.(٤) هو يحيى بن عبد الله بن بكير، تلميذ ابن لهيعة/ تهذيب الكمال ٢/ ٧٢٨.стр. 816
سنة [سبعين] (١) ومائة، وقال البخاري، نحوه (٢) ، وقال أحمد بن حنبل: ثنا إسحق بن عيسى (٣) قال: احترقت كتب ابن لهيعة سنة تسع وستين (٤) ولقيته أنا سنة أربع وستين (٥) ومائة، الحواشي
(١) الذي في الأصل "تسع وستين" والصواب ما أثبته، لإجماع المصادر عليه/ فقد أخرجه ابن أبي حاتم عن أبيه قال: قال ابن بُكير، فذكره/ الجرح ٥/ ١٤٦، وسيأتي في التعليق التالي باقي المصادر، ويؤيده: أن ابن حجر بعد ذكره قول ابن بكير كما أثبته قال: وكذا قال يحيى بن عثمان بن صالح السهمي عن أبيه .. إلخ/ تهذيب التهذيب ٥/ ٢٧٦، وقول يحيى بن عثمان عن أبيه فيه: إن الاحتراق كان سنة ١٧٠ هـ/ انظر تهذيب الكمال ٢/ ٢٢٨.(٢) من قول المؤلف: وقال البخاري ... إلى قوله: "تسع وستين" مذكور بالهامش مع الإشارة إلى دخوله في الصلب بعلامة "صح" وقول البخاري هذا ليس صادرًا منه ابتداء، وإنما هو يرويه عن يحيى بن بكير أيضًا ويقره عليه، ولفظه: قال ابن بكير: احترق منزل ابن لهيعة وكتبه في سنة سبعين ومائة/ التاريخ الكبير للبخاري ٥/ ١٨٣ والأوسط المطبوع باسم الصغير/ ١٩٥ ط الهند، ومن طريق البخاري أخرجه العقيلي ٢/ ٢٩٤ وابن عدي/ الكامل ٤/ ١٤٦٢، وذكره الذهبي/ الميزان ٢/ ٤٧٦ والسير ٨/ ١٨ وتهذيب الكمال ٢/ ٧٢٨، وتهذيب التهذيب ٥/ ٣٧٦، وتقدم بيان أن هذا محمول على نسخه الفرعية، دون الأصول، لكن الذهبي علق على تلك الرواية بقوله: قلت: الظاهر أنه لم يحترق إلا بعض أصوله/ السير ٨/ ١٨، ولم أجد هذا عن غيره، ولا ذكر هو دليلًا لاستظهاره.(٣) هو تلميذ ابن لهيعة، وقد تقدم له قول آخر ص ٨٢٠ ت بأنه ما احترقت أصوله، وإنما احترق بعض ما كان يقرأ منه، وبذلك لا يكون قولاه مختلفين.(٤) يعني: ومائة.(٥) بالأصل "وسبعين" والصواب ما أثبته لاستقامة المعنى عليه، مع اتفاق المصادر أيضًا عليه/ انظر العلل لأحمد ١/ ٢٥٩ بتحقيق د. طلعت قوج وآخر، ط ٢ =стр. 817
وأظنه (١) قال: ومات سنة أربع [وسبعين أو ثلاث وسبعين] (٢) . الحواشي
(١) ليست بالمصادر السابقة جميعًا، ولكنها في الكامل من طريق الأثرم عن أحمد بن حنبل، به ٤/ ١٤٦٣.(٢) ليست بالأصل، وأثبتها من المصادر السابقة، والذي جزم به ابن يونس وابن سعد وابن حبان وغيرهم أنه توفي سنة ١٧٤ هـ، وجزم ابن يونس وابن سعد أيضًا باليوم والشهر، فقالا: مات يوم الأحد، نصف ربيع الأول/ انظر طبقات ابن سعد جزء ٧ قسم ٢/ ٢٠٤، والمجروحين لابن حبان ٢/ ١٨ وتهذيب التهذيب ٥/ ٣٧٧، وذكر المزي أن هشام بن عمار أرخ وفاة ابن لهيعة سنة ١٧٥ هـ، وأنه لم يتابعه على ذلك أحد/ تهذيب الكمال ٢/ ٨٢٩ وهشام هذا ممن روى عن ابن لهيعة مكاتبة/ الكامل ٤/ ١٤٦٦. والذي يفهم من قول إسحق هذا: تقريره احتراق كتب شيخه ابن لهيعة، وتحديد زمن الحريق بأنه في سنة ١٦٩ هـ، ويمكن الجمع بينه وبين ما قبله من قول ابن بكير إن الاحتراق كان سنة ١٧٥ هـ، بأن يكون الاحتراق وقع قي نهاية سنة ١٦٩ هـ، وبداية سنة ١٧٠ هـ، وقد أشرت من قبل إلى أن قول إسحق هذا محمول على احتراق كتب ابن لهيعة غير الأصول، لما جاء عنه نفسه في رواية، أن ابن لهيعة لم تحترق أصوله، ثم إن تنبيهه على أنه لقي ابن لهيعة قبل الاحتراق بنحو خمس سنوات إشارة إلى أن سماعه منه أجود ممن سمع منه بعد الاحتراق. ويستفاد من قول إسحق أيضًا، أن احتراق كتب ابن لهيعة كان في أواخر حياته، حيث كان بينه وبين وفاته أربع سنين، كما قال ابن حبان/ المجروحين ٢/ ١٨، وذلك على القول الراجح في تاريخ وفاته كما مر. وهذه الفترة هي التي قرر غير واحد من العلماء أن السماع عنه فيها أضعف من السماع عنه قبلها، كما سيأتي في الأصل عن الفلاس وابن سعد.стр. 818
وقال أبو أحمد بن عدي: وأحاديثه حسان (١) ، وما قَدْ ضَعَّفَه (٢) السلف، وهو حسن الحديث (٣) ، يكتب حديثه، وقد حدث عنه الثقات: الثوري، وشعبة، ومالك (٤) وعمرو بن الحارث، والليث أبن سعد، (٥) وحديثه حسن، كأنه الحواشي
(١) سيتكرر في قول ابن عدي وصف حديث ابن لهيعة بالحسن، ولكنه سيقرن ذلك أيضًا بقوله: "يكتب حديثه" وذلك يدل على أنه ليس المراد: الحسن الاصطلاحي، الذي يقتضي حجية حديثه ابن لهيعة لذاته، وقد يقال: إن اقتران عبارة "يكتب حديثه" بعبارة "حسن الحديث" تشير إلى حملها على الكتابة للاحتجاج؛ ولكن هذا خلاف الأصل في إطلاق تلك العبارة عند المحدثين، كما هو معروف، وأيضًا يعارض هذا تصريح ابن عدي، قبل كلامه هذا في نفس ترجمة ابن لهيعة، بأنه ضعيف/ الكامل ٤/ ١٤٦٤، وقوله في موضع آخر: وابن لهيعة لين في الحديث/ الكامل ٦/ ٢٣٩١ ترجمة منصور بن عمار.(٢) كذا الأصل والكامل المطبوع ٤/ ١٤٧٠ وفي نسختي أحمد الثالث الخطية ٢/ ١٢٠، ونسخة الظاهرية ل ٥٠٨ وفي السير ٨/ ٢٢ "ضعفوه" وهي لغة ضعيفة، وقد عرف من ابن عدي اللحن في اللغة، ولعل مراد ابن عدي ينفي تضعيف السلف لابن لهيعة، هو نفي الاجماع على تضعيفه، كما أشار إلى ذلك أحمد بن صالح المصري فيما تقدم ص ٨١١ ت، وانظر المعرفة والتاريخ ٢/ ٤٣٥، وذلك لأن ابن عدي نفسه قد أخرج في ترجمته له قبل كلامه هذا كثيرا من روايات التضعيف له عن السلف/ انظر الكامل ٤/ ١٤٦٢ - ١٤٦٣، وانظر أيضًا مصادر ترجمته التي أحَلْتُ عليها آنفًا.(٣) كلمة "الحديث" مكررة بالأصل.(٤) قال الذهبي: ولم يصرح باسمه/ السير ٨/ ١٢، يعني أنه قال: "عن الثقة" كما سيأتي توضيحه في التعليق التالي.(٥) ليست بالأصل وأثبتها من الكامل ٤/ ١٤٧٠، وقد أتبع ابن عدي إجماله هذا لرواية هؤلاء الثقات عن ابن لهيعة بتفصيل، أخرج فيه بسنده حديثًا من طريق =стр. 819
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = الثوري عن ابن لهيعة، وحديثًا من طريق شعبة عن ابن لهيعة، وأخرج من طريق أبي مصعب عن مالك عن الثقة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: نهى النبي ﷺ عن بيع العربان، وعلق عليه بقوله: هكذا ذكره أبو مصعب عن مالد، عن الثقة عن عمرو بن شعيب، وبعض أصحاب الموطأ -يعني رواته عن مالك غير أبي مصعب- يذكرون: عن مالك قال: بلغني عن عمرو بن شعيب، ويقال إن مالكًا سمع الحديث عن ابن لهيعة عن عمرو بن شعيب مشهور، ثم أخرجه من غير طريق مالك عن ابن لهيعة به.
وأخرج عقب هذا حديثًا من طريق عمرو بن الحارث عن ابن لهيعة، وأخرج حديثين عن طريق الليث بن سعد حدثني ابن لهيعة/ الكامل ٤/ ١٤٧٠، ١٤٧١.
وقول ابن عدي: يقال: إن مالكًا سمع الحديث من ابن لهيعة، ولم يُسمِّه لضعفه، يشعر بأنه لا يقر القول بهذا، وسيأتي في الأصل قول البيهقي: إن مالكًا كان يحسن القول في ابن لهيعة، وسنعلق على ذلك هناك، ببيان عدم اعتداد البيهقي نفسه بهذا، وقد قال ابن عبد البر تعليقًا على عبارتي مالك السابقتين: وسواء قال: عن الثقة عنده، أو: بلغه، لأنه كان لا يأخذ ولا يحدث إلا عن ثقة، ثم قال: وقد تكلم الناس في "الثقة" عنده يعني في المراد به -في هذا الموضع على ما أوردناه في بابه من كتاب التمهيد/ تجريد التمهيد لابن عبد البر/ ٢٤٢، ٢٤٣ مصور عن طبعة القدسي، أقول: ولم يطبع حاليًا هذا الموضع من التمهيد ولكن ذكر الحافظ ابن حجر وغيره بعض الأقوال عن ابن عبد البر، فذكر ابن حجر في تعجيل المنفعة/ ٥٤٧، ٥٤٨ أنه قيل المراد "بالثقة" هنا عمرو بن الحارث أو ابن لهيعة، وفي تهذيب التهذيب ٥/ ٣٧٨ قال: وحكى ابن عبد البر: أن الذي في الموطأ عن مالك عن الثقة عنده عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، في "العُربان" هو ابن لهيعة، ويقال: ابن وهب، حدثه به عنه.
أقول: وهذا القول الأخير يفيد أن المراد بالثقة اثنين هما: ابن وهب، وابن لهيعة، لأن معنى قوله: "حدثه به عنه" أي حدث ابن وهب مالكًا بالحديث =стр. 820
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = المذكور عن ابن لهيعة، ويلاحظ أن ابن حجر لم يرجح شيئًا من تلك الأقوال، ولكن الذهبي قال بعد ذكر الحديث: قالوا: هذا ما رواه عن عمرو سوى ابن لهيعة/ السير ٨/ ٢٢، وهذا يفيد الجزم بدخوله في المراد بـ "الثقة" في هذا الإسناد، إما وحده، أو مع ابن وهب، أو غيره، فقد قال الكاندهلوي: قال ابن عبد البر: تكلم الناس في الثقة هنا -يعني في حديث العُربان- والأشبه القول: بأنه الزهري عن ابن لهيعة، أو ابن وهب عن ابن لهيعة، لأنه سمعه من عمرو وسمعه منه ابن وهب وغيره، وذكر الكاندهلوي أيضًا أن ابن عبد البر في الاستذكار قال: الأشبه أنه ابن لهيعة، ثم أخرجه من طريق ابن وهب عن مالك عن عبد الله بن لهيعة عن عمرو، به/ أوجز المسالك للكاندهلوي ١١/ ٤٦، وسيأتي قول للبيهقي في الأصل.
وعلى أي حال فهذا توثيق على الإبهام، وهو مختلف في قبوله ممن جاء عنه من الأئمة حتى عند من يوافقونه في مذهبه/ تدريب الراوي ١/ ٣١١، وكذلك شعبة وغيره ممن وصف بأنه كان لا يروي إلا عن ثقة عنده، ذكر ابن عبد الهادي أن ذلك بحسب الغالب والأكثر من عملهم، وقد يروون عن بعض الضعفاء للاعتبار أو الاستشهاد/ انظر الصارم المنكي في الرد على السبكي لأبي عبد الله ابن عبد الهادي، بتصحيح الشيخ إسماعيل الأنصاري/ ٤٠ وأيضًا ذكر أبو زرعة الرازي أن رواية أمثال هؤلاء عن الشخص تقويه إذا لم يتكلم فيه العلماء/ انظر شرح العلل لابن رجب ١/ ٨٦، ٨٧، أقول: وابن لهيعة كما ترى ليس متكلمًا فيه فقط، بل الأكثرون على تضعيفه من جهة ضبطه كما مر، وذكر النسائي كلًا من مالك وشعبة ويحيى القطان ثم قال: وليس أحد بعد التابعين آمن على الحديث من هؤلاء الثلاثة، ولا أقل رواية عن الضعفاء من هؤلاء الثلاثة/ التعديل والتجريح لأبي الوليد الباجي بتحقيق د. أبو لبابة حسين ٢/ ٦٩٩، ٧٠٠، وعليه فإن رواية من ذكرهم ابن عدي عن ابن لهيعة، لا تفيد توثيقه بحيث يحتج به، بل سيأتي في الأصل والتعليق عليه تصريح الليث بعدم الاحتجاج بحديثه، رغم ثنائه عليه عند موته/ انظر الميزان ٢/ ٤٧٨. =стр. 821
بستان (١) عمن روى عنه، وهو ممن يكتب حديثه. وقال عمرو بن علي (٢) : الحواشي
(١) كذا الأصل، وكذا في نسخة مكتبة أحمد الثالث الخطية للكامل ٢ / ل ١٢٢، وبذلك تكون كلمة "بستان" -في تقديري- تعتبر تفسيرًا للمراد بالحسن في قوله قبلها: وحديثه حسن، أنه ليس المراد الحسن الاصطلاحي، وإنما حسن سياق المتون، وقوله: عمن روى عنه، لعل المراد به: من سمع منه ابن لهيعة من شيوخه، يعني من لم يدلس عنهم، وعليه يكون معنى العبارة: إن حديث ابن لهيعة الذي لا يدلسه، ولكن يكون متصلًا عن شيوخه فسياقه لألفاظه يكون حسنًا، كحسن البستان المنسق، ولكنه مع ذلك لا يحتج به، حتى يتابعه عليه، أو يشهد له غيره، ويؤيد هذا قوله عقب ذلك: "وهو ممن يكتب حديثه" يعني للاعتبار به، لا للاحتجاج، بدليل تضعيفه المطلق لابن لهيعة قبل ذكره هذا الكلام كما قدمت بيانه قريبًا.
ولكن جاء في الكامل المطبوع كلمة "يستبان" بدل "بستان" والمعنى عليها يختلف عما تقدم، لأن معنى "يستبان" يتضح أو يتميز، وعليه يكون معنى عبارة "يستبان عمن روى عنه" أي يتميز الثابت عنه من الروايات عن غير الثابت، بالنظر فيمن روى عنه، وهذا في معنى ما قاله غير واحد من العلماء كما تقدم: إن من روى عنه قبل احتراق كتبه فروايته أجود ممن روى عنه بعد الاحتراق، وكذا من كان يكتب من أصوله، أجود ممن كان يكتب من نسخ تلاميذه.
وجاء في تهذيب التهذيب ٥/ ٣٧٩ نص العبارة هكذا "وقال ابن عدي: حديثه كأنه نسيان" وتلك العبارة كما ترى فيها تحريف الكلمة إلى "نسيان" مع سقط واضح من موضعين، كما يعرف من مقارنتها بما في الأصل، وما في الكامل. وعلى أي حال فمجموع كلام ابن عدي في ابن لهيعة خلال الترجمة وفي آخرها، يفيد تضعيفه لحديثه من جهة ضبطه، تضعيفًا قابلًا للانجبار بمتابع أو شاهد، ويؤيد ذلك وصفه له في موضع آخر بأنه لين في الحديث، كما ذكرته آنفًا ص ٨٢٥ ت.(٢) هو المعروف بالفلاس، بفتح الفاء وتشديد اللام ألف، وفي آخرها السين المهملة، نسبة إلى من يبيع الفُلوس ويكون صيرفيًا، إلا أن عمرًا هذا لم يكن فلاسًا، ولكن أَطلَق عليه هذه النسبة أحدُ تلاميذه الرواة عنه، والفلاس حافظ متقن =стр. 822
احترقت كتبه (١) ، ومن كتب عنه قبل ذلك مثل: ابن المبارك، والمُقْرِي (٢) أصح (٣) ممن كتب بعد الحواشي
(١) تقدم بيان أن إطلاق القول باحتراق كتب ابن لهيعة محمول على نسخه الفرعية أو بعضها، دون أصوله على الراجح/ انظر ص ٨١٩، ٨٢٠ ت.(٢) هو عبد الله بن يزيد، تقدم في ذكر تلاميذ المؤلف في الأصل ص ٨٠٠، وقال الإمام أحمد: ما أصح حديثه عن ابن لهيعة/ المعرفة والتاريخ ٢/ ١٩٢، وسيأتي في التعليق التالي بيان المراد بالأصحية.(٣) المراد بالأصَحية هنا: كون روايتهما وأمثالهما أثبت عن ابن لهيعة، وأقوى الضعيف، كما أشرت لذلك ص ٨٠٠ ت ويؤيده بقية كلام الفلاس نفسه، كما سيأتي في التعليق التالي. وقد عبر الذهبي بكلمتي "أجود" و"أقوى" بدل "أصح"/ السير ٨/ ١٤، والمغني ١/ ٣٥٢، أقول: ورَبْط هذا التفاوت في درجة الضعف باحتراق كتب ابن لهيعة يدل على أن الاحتراق كان له تأثير في زيادة ضعف ضبطه في آخر حياته، لأنه كان قبل وفاته بأربع سنوات، كما تقدم، لكن أحد تلاميذ ابن لهيعة وهو عثمان بن صالح السهمي، بعد أن نفى احتراق أصول ابن لهيعة، وأثبت احتراق بعض نسخه الفرعية، أضاف قائلًا: ولا أعلم أحدًا أخبر بسبب علة ابن لهيعة مني؛ أقْبَلْتُ أنا وعثمان بن عتيق بعد انصرافنا من الصلاة يوم الجمعة، نريد إلى ابن لهيعة، فوافيناه أمامنا راكبًا على حمار، يريد إلى منزله، فأُفْلِج -يعني أصابه الفالج- وسقط عن حماره، فَبدَر ابنُ عَتِيق إليه، فأجلسه، وصرنا به إلى منزله، فكان ذلك أول سبب عِلَّته/ الضعفاء للعقيلي ٢/ ٢٩٤ والميزان ٢/ ٤٧٦، وهذا الكلام يفيد أن عثمان السهمي يرى أن ما احترق من كتب ابن لهيعة ليس هو السبب الحقيقي في زيادة اختلال ضبطه، ولكن السبب الحقيقي هو إصابته بالفالج، وهو نوع من الشلل يصيب أحد شقي =стр. 823
الاحتراق (١) وقال النسائي: هو ضعيف (٢) ، وقال الحواشي
(١) كذا جاءت تلك الرواية عن الفلاس في الميزان ٢/ ٤٧٧ وشرح العلل لابن رجب ١/ ٣٧ ولكن جاء في رواية ابن أبي حاتم/ الجرح ٥/ ١٤٧ وابن عدي ٤/ ١٤٦٣ وكذا في السير ٨/ ٢١ قول الفلاس في آخر تلك الرواية ما نصه "وهو ضعيف الحديث" فهذا تضعيف مطلق لابن لهيعة، ومتصل السياق بالتفصيل السابق، فيشمل ما قبل الاحتراق، وما بعده، وإن تفاوتا في درجة الضعف، وبذلك لا يكون مقصود الفلاس بقوله "أصح" هو الصحة الاصطلاحية، كما أوضحته في التعليق السابق.(٢) الضعفاء والمتروكين للنسائي/ ٢٩٥ ط الهند، والميزان ٢/ ٤٧٧، وجاء عن النسائي أيضًا من رواية ابنه عبد الكريم عنه أنه قال في ابن لهيعة: ليس بثقة/ تهذيب التهذيب ٥/ ٣٧٨، والسير ٨/ ٢١، وقال المزي: وروى النسائي أحاديث كثيرة من حديث ابن وهب وغيره يقول فيها: عن عمرو بن الحارث، وذكر -يعني الراوي عن عمرو- آخر، ونحو ذلك، وجاء كثير من ذلك في رواية =стр. 824
مروان (١) قلت لليث بن سعد- ورأيته نام بعد العصر (٢) : أتنام بعد العصر، وقد حدثنا ابن لهيعة، عن عَقيل، عن مكحول، عن النبي ﷺ "من نام/ بعد العصر فاختُلِس (٣) عقلُه، فلا يلومَن إلا نفسه؟ " فقال الحواشي
(١) هو الطَّاطَري، أحد تلاميذه كما تقدم.(٢) سياق رواية ابن عدي من هنا هكذا "في شهر رمضان" يا أبا الحارث، ما لَكَ أن تنام ... " الكامل ٤/ ١٤٦٣.(٣) من خَلَستُ الشيء، واختلستُه، إذا سلبتُه،/ النهاية لابن الأثير ٢/ ٦١، مادة "خلس".стр. 825
الليث: لا أدع ما ينفعني لحديث (١) ابن لهيعة عن عقِيل (٢) . وقال الحواشي
(١) في رواية ابن عدي "بحديث"/ الكامل ١٤/ ٤٦٣ وفي الميزان ٢/ ٤٧٩ كما في الأصل.(٢) أخرجه ابن عدي في الكامل في ترجمة ابن لهيعة ضمن الأحاديث المنتقدة عليه، فقال: ثنا أبو عروبة، ثنا ابن مصفى، ثنا مروان، به ٤/ ١٤٦٣، وبالإضافة لكونه من رواية ابن لهيعة، فهو أيضًا مرسل، كما ترى.
وللحديث روايات أخرى موصولة من طريق ابن لهيعة وغيره، فقد أخرجه ابن عدي عقب الرواية السابقة، وذلك من طريق منصور بن عمار، ثنا ابن لهيعة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، مرفوعًا/ الكامل ٤/ ١٤٦٥، ثم أعاده ثانيًا في ترجمة منصور بن عمار بنفس السند والمتن، ووصف منصورًا في صدر ترجمته له بأنه منكر الحديث، ثم أخرج في ترجمته ستة أحاديث من روايته عن ابن لهيعة، وسادسها الحديث المذكور، وعقب عليه بأن ابن لهيعة لين في الحديث، وأن منصورًا مع مواعظه الحسنة لا يتعمد الكذب، وإنكار ما يرويه لعله من جهة غيره/ الكامل ٦/ ٢٣٨٩ - ٢٣٩١.
وأورد السيوطي الحديث من معجم الإسماعيلي بسنده عن محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن المصري، ثنا ابن لهيعة عن (عقيل) عن ابن شهاب عن أنس، مرفوعًا/ اللآلئ - الأدب والزهد ٢/ ٢٧٩ وعن الإسماعيلي رواه السَّهمي في تاريخ جرجان/ ٩٣ ترجمة ٥٥، وهذا خلاف ما ذكره الشيخ الألباني في تخريج الحديث من تاريخ جرجان/ انظر السلسلة الضعيفة ١/ ٥٧ ح ٣٩.
وأخرجه ابن حبان في ترجمة خالد بن القاسم المدائني من المجروحين ٢/ ٢٧٥، ٢٧٦ ط الهند وذلك من طريق خالد المدائني عن الليث بن سعد عن عَقيل عن الزهري عن عروة عن عائشة مرفوعًا، وقد مثل به ابن حبان للأحاديث المقطوعة التي كان يصلها خالد، ويدفعها إلى الليث ليقرأها له، وقد وصف الحاكم وغيره خالدًا هذا بأنه كان يدخل على الليث من حديث ابن لهيعة، ووصفه غير واحد أيضًا بأنه متروك/ اللسان ٢/ ٣٨٣، ٣٨٤. =стр. 826
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = وأخرج ابن الجوزي الحديث من طريق ابن حبان السابقة، وأعله بأن خالدًا كذاب، وأن الحديث لابن لهيعة، فأخذه خالد، ونسبه إلى الليث، ثم أيد هذا بإخراج رواية ابن لهيعة السابقة من طريق ابن عدي بسنده عن منصور بن عمار، حدثنا ابن لهيعة، به، ووصف ابن لهيعة بأنه ذاهب الحديث/ الموضوعات لابن الجوزي - كتاب النوم ٣/ ٦٨. وانظر الضعفاء والمتروكين له ١/ ٢٤٩، ٢٥٠ والكشف الحثيث لبُرهان الدين الحلبي/ ١٦٣.
وعزاه ابن حجر/ المطالب العالية - باب كراهية النوم بعد العصر ٢/ ٣٩٧، والهيثمي/ مجمع الزوائد ٥/ ١١٦، إلى أبي يعلي عن شيخة عمرو بن الحصين، وقال الهيثمي: إن عمرو بن الحصين متروك، وكذا قال ابن حجر/ تقريب التهذيب ص ٤٢٠ ووصفه الخطيب بالكذب تهذيب التهذيب ٩/ ٢٧٠ ترجمة محمد بن عبد الله بن علاثة، وكذا نسبه الذهبي إلى الوضع/ الكشف الحثيث/ ٣٢٢، ٣٢٣ لبرهان الدين الحلبي.
وأخرجه أبو نعيم في الطب من طريق أبي يعلي هذه، عن شيخه عمرو بن الحصين عن ابن علاثة عن الأوزاعي عن الزهري عن عائشة مرفوعًا، كما في اللآلئ، وأورده السيوطي في اللآلئ أيضًا من كتاب الطب لابن السني من طريق عمرو بن الحصين به/ اللآلئ/ الأدب والزاهد (٢/ ٢٧٩).
أقول: وبتأمل تلك الطرق عمومًا، نجد أن أقلها ضعفًا: طريقا ابن لهيعة، المرسلة والموصولة، وَوَصْفُ ابن الجوزي له بأنه ذاهب الحديث، تشَدُّد مخالف لقول الجمهور بتضعيفه فقط، وعلى ضوء ذلك ردَّ السيوطي وَمِنْ بعدِه ابنُ عَراق على ابن الجوزي في عده الحديث من الموضوعات، واقتصرا على تضعيفه. (اللآلئ: ٢/ ٢٧٩)، (وتنزيه الشريعة: ٢/ ٢٩٠)، وكذا الشيخ الألباني في السلسلة الضعيفة (١/ ٥٧ ح ٣٩) وفي ضعيف الجامع الصغير وزيادته (٥/ ٢٥٣ ح ٥٨٧٣)، وقول الليث: "لا أدع ما ينفعني لحديث ابن لهيعة عن عَقيل" يدلّ على عدم احتجاجه برواية ابن لهيعة، ولعل هذا مما جعل النَّووي ينسب إليه القول بتضعيف ابن لهيعة. (تهذيب الأسماء واللغات: ١/ ٢٨٤)، في حين جاء عن الليث أيضًا أنه لما مات ابن لهيعة قال: ما خَلَف بعدَه مثلَه، المجروحين =стр. 827
محمد بن سعد: كان ضعيفًا، وعنده حديث كثيرٍ، ومن سمع منه في أول أمره (١) أحسن حالًا (٢) ممن سمع منه بأَخَرة (٣) ، وأما أهل مصر، فيذكرون أنه لم يَختلِطْ (٤) ولم يزل أول أمره وآخره، الحواشي
(١) بالأصل "مرة" وما أثبته من الطبقات لابن سعد ج ٧ / قسم/ ٢/ ٢٠٤ وما نقل عنها/ انظر تهذيب الأسماء للنووي ١/ ٢٨٤ والسير للذهبي ٨/ ٢٠ وتهذيب التهذيب ٥/ ٣٧٩.(٢) في الطبقات زيادة "في روايته" الموضع السابق، والمراد أن روايته أقل ضعفًا.(٣) بفتح الهمزة والخاء، أي أخيرًا، أو في آخر عمره/ مختار الصحاح للرازي مادة "أخر" وكذا النهاية لابن الأثير ١/ ٢٩.
ويلاحظ أن ابن سعد قد جزم في أول كلامه بتضعيف ابن لهيعة مطلقًا، ثم قرر أن الرواية عنه في آخر عمره، أضعف منها في أوله، وبذلك يلتقي في الجملة مع ما تقدم عن الفلاس، ثم إنه أعقب ذلك بذكر رأي أهل مصر في ابن لهيعة مشيرًا بتأخيره إلى عدم ترجيحه له، وسيأتي بيان أن مآل الرأيين واحد، وإن تفاوتا عند الترجيح.(٤) أي لم يختلط؛ ولكنه كان سيء الحفظ، مع التساهل في الأداء، كما يفهم ذلك من بقية الكلام الآتية، وقد تقدم في ص ٨١٨، ٨١٩ ت قول تلميذ ابن لهيعة وراويته الثقة، وهو أبو الأسود النضر بن عبد الجبار المصري: "ما اختلط ابن لهيعة قط حتى مات" وهناك عبارة سُمِع الليث بن سعد يقولها كثيرًا، وهي أنه كان يقول: أنا أكبر من ابن لهيعة، فالحمد لله الذي متعنا بعقلنا/ المعرفة والتاريخ ١/ ١٦٧، فهذه العبارة يمكن أن يستفاد منها شهادة الليث لابن لهيعة بعدم الاختلاط، ويمكن أن يستفاد منها إشارة الليث إلى أنه لم يختلط كما اختلط ابن لهيعة الذي يَصغُره بسنتين تقريبًا، وتقدم أيضًا أن ما ذكره عثمان السهمي =стр. 828
واحدًا (١) ؛ ولكن كان يُقْرَأُ عليه ما ليس من الحواشي
(١) يعني في سوء الحفظ، دون اختلاط بدليل بقية الكلام الآتية في الأصل، كما سأوضِّحه في التعليق عليها، وقد صرح بما أشار اليه ابن سعد هنا بعض تلاميذ ابن لهيعة المصريين، وهو سعيد بن أبي مريم فقال: ما أقربه قبل الاحتراق وبعده الجرح ٥/ ١٤٦، وهذا كما ترى خلاف ما قرره ابن سعد من التفاوت. وصدر به كلامه، إشارة إلى ترجيحه، على ما حكاه عن أهل مصر من تساوي ضعفه في عمره كله، وعند استعراضنا للأقوال عمومًا في ابن لهيعة نجد من العلماء من يلتقي قوله مع قول ابن سعد، ومنهم من يلتقي مع ما حكاه عن أهل مصر، والذي يبدو لي أن مآل الاتجاهين واحد في الجملة، حيث يتفقان على التضعيف العام لابن لهيعة من جهة ضبطه ضعفًا يقبل الانجبار والفرق بينهما فقط عند الحاجة إلى الترجيح، بين روايتين إحداهما في أول عمره وقبل احتراق كتبه، وثانيهما في آخر عمره بعد احتراق كتبه.стр. 829
حديثه (١) فقيل له في ذلك، فقال: وما ذنبي؟ إنما يجيئوني بكتاب يقرؤونه (٢) ، ولو سألوني لأخبرتُهم أنه ليس من حديثي (٣) . الحواشي
(١) في الطبقات زيادة مهمة هنا وهي "فيسكت عليه"/ الطبقات ٧ / قسم ٢/ ٢٠٤، وكذا في نقل الذهبي عنها/ السير ٨/ ٢٠، وستأتي رواية أخرى عنه أنهم كانوا يقولون له: هذا من حديثك.(٢) في الطبقات هنا زيادة أيضًا وهي: "ويقومون"/ الطبقات/ الموضع السابق وكذا في نقل الذهبي في السير/ الموضع السابق، أقول: وبوجود لفظة "فيسكت عليه" ولفظة "فيقومون" تتكون لنا إحدى صور القراءة على ابن لهيعة ما ليس من حديثه، وستأتي صورة أخرى لذلك في التعليق التالي.(٣) الطبقات الكبرى ج ٧ قسم ٢/ ٢٠٤، والسير ٨/ ٢٠، وهذا السياق الذي حكاه ابن سعد عن أهل مصر في بيان كيفية القراءة على ابن لهيعة ما ليس من حديثه قد أشار الإمام أحمد إلى حصوله بعد احتراق كتب ابن لهيعة، فقد قال: يقولون احترقت كتبه، كان يؤتى بكتب الناس فيقرأها/ الضعفاء للعقيلي ٢/ ٢٩٥، وبذلك تكون فترة حدوثه قليلة، لأن احتراق كتبه كان قبل موته بأربع سنوات تقريبًا وسيأتي عن بعض تلاميذ ابن لهيعة، ما يؤيد ذلك أيضًا وقد ذكر غير واحد من المصريين الذين عُرِفت تلمذتهم الطويلة لابن لهيعة، وغيرهم ممن عاصره بيانًا لكيفية القراءة على ابن لهيعة ما ليس من حديثه، أو تحديثه بذلك، فتلميذ ابن لهيعة وهو سعيد بن أبي مريم يقول: كان حيوة (يعني ابن شريح ت ١٥٨ هـ أو ١٥٩) أوصى (بِكُتبِه) إلى وَصِيٍّ، وكانت كتبه عند الوصي، فكان من لا يتقي الله، يذهب فيكتب من كتب حيوة (حديث) الشيوخ الذين قد شاركه ابن لهيعة فيهم، ثم يحمل اليه، فيقرأ عليهم/ المعرفة والتاريخ ٢/ ١٨٥، ٤٣٦ وتهذيب التهذيب ٥/ ٣٧٥ وتهذيب الكمال ٢/ ٧٢٨، أقول: وتاريخ وفاة حيوة يوضح حصول هذا في أواخر حياة ابن لهيعة، وهذا مما يؤيد ما تقدم من إشارة الإمام أحمد إلى أن ذلك حدث بعد احتراق كتب ابن لهيعة، وكذا قول ابن أبي مريم: إن هذه الطريقة كان يفعلها من لا يتقي الله، يدل على قلة فاعليها، وأنهم من غير ثقات الرواة عن ابن لهيعة، وعلى ذلك فإن ما تقدم في =стр. 830
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = الأصل ص ٨٠٩ عن تلميذ ابن لهيعة أيضًا وراويته الثقة، وهو أبو الأسود النضر بن عبد الجبار: أنه كان يشارك في ذلك، فيحمل على أنه كان بقصد اختبار ضبط ابن لهيعة في أواخر حياته، ولم يقصد التحمل كما قصد هؤلاء، وتقدم تأييد ذلك بموافقة حديث أبي الأسود هذا عن ابن لهيعة لأحاديث الثقات.
وهناك رجل ثقة ممن سكن مصر هو يحيى بن حسان التِّنِّيسِي يقول: جاء قوم ومعهم جزء فقالوا: سمعناه من ابن لهيعة، فنظرت فيه، فإذا ليس فيه حديث واحد من حديث ابن لهيعة، قال: فقمت فجلست إلى ابن لهيعة، فقلت: أي شيء ذا الكتاب الذي حدَّثتَ به؟ ليس هاهنا في هذا الكتاب حديث من حديثك، ولا سمعتَها أنت قط، قال: فما أصنع بهم؟ يجيئون بكتاب، فيقولون: هذا من حديثك، فأحدثهم به/ المجروحين لابن حبان ٢/ ٢٠ والسير ٨/ ٢٤، أقول وقد جاء عن يحيى هذا قوله: ما رأيت أحفظ من ابن لهيعة بعد هشيم/ الجرح ٥/ ١٤٨ فلعله قال ذلك قبل تلك الواقعة.
وهذا البيان من بعض تلاميذ ابن لهيعة وغيرهم من المصريين يؤكد ثبوت ما حكاه ابن سعد عن أهل مصر بشأن ابن لهيعة، ويستفاد مما حكاه ابن سعد، ومن تلك النماذج التي قدمتها:
أولًا: إن هناك فرقًا بين الاختلاط، وبين سوء الحفظ أو التساهل في الأداء، حيث إن ما حكى عن أهل مصر، فيه نفى الاختلاط، وإثبات ما يقتضي سوء الحفظ مع التساهل في الأداء، والفرق بينهما أن الاختلاط يذهب بضبط الراوي لمرويه كليًا، أو يذهب بضبطه لبعض مرويه، بحيث لا يمكن معه استعادة تمييز مرويه، ولا استحضاره في الذهن، أما سوء الحفظ فيمكن معه ذلك بالمذاكرة مع الحفاظ أو بالمراجعة من مكتوب، وبهذا يكون الضعف بالاختلاط أشد، وقد قرر ابن لهيعة عدم اختلاطه فقال كما تقدم: "ولو سألوني لأخبرتهم أن ذلك ليس من حديثي "وهذا لا يتأتى مع الاختلاط. =стр. 831
وقال أبو زرعة: سماعُ الأوائِل والأواخر منه سواء (١) ؛ إلا أن الحواشي
(١) يعني في الضعف: بدليل ما سيأتي في ختام كلامه، أن ابن لهيعة ليس ممن يحتج به، فهو بهذا يقرر عدم تفاوت الرواية سماعًا عن ابن لهيعة في أول حياته، عن =стр. 832
ابن المبارك وابن وهب كانا يتتبعان أصوله، وليس ممن يُحتَج به (١) ؛ الحواشي
(١) في الجرح ٥/ ١٤٨: بحديثه، بدل "به" وقد جاءت الرواية عن أبي زرعة بهذا السياق في الميزان ٢/ ٤٧٧ وبنحوه في السير ٨/ ٢١ مع تقديم وتأخير، لكن سياق الرواية عند ابن أبي حاتم فيه زيادة تفصيل بعد قوله: "يتتبعان أصوله" ونصها "فيكتبان منها، وهؤلاء الباقون، كانوا يأخذون عن الشيخ، وكان ابن لهيعة لا يضبط" الجرح ٥/ ١٤٨، ١٤٩.
وفي هذا جواب منه على ما قد يُسْتَشكَلُ عليه في قوله السابق: "إن سماع الأوائل والأواخر منه سواء" فيقال: ولماذا نجد رواية المتقدمين كابن المبارك وابن وهب، أضبط من رواية غيرهم؛ فأجاب بأن السبب عدم اعتماد هذين على السماع وحده من ابن لهيعة، ولكنهم كانوا يحرصون على كتابة مروياتهم عنه من أصوله الخطية بجانب السماع من لفظه، وبالتالي يتجنبون خطأه عند التحديث من حفظه، أو من نسخه الفرعية، أو نسخ غير الضابطين من تلاميذه كما تقدم في التعليقات السابقة، في حين يعتمد غير هذين الرجلين وأمثالها على السماع فقط من الشيخ كما جاء النص في الجرح، أو على النسخ المتفرعة عن أصوله، كما استظهره محقق الجرح والتعديل/ انظر الجرح ٥/ ١٤٨ هامش، ويؤيد ذلك ما تقدم أن ابن لهيعة قد بدأ التحديث بالإملاء من أصوله، ثم حجبها، وصارت العمدة على ما نسخه تلاميذه آنذاك عن أصوله، أو عن نسخ فرعية عملها هو لنفسه لكي يقرأ عليه منها، ثم إن تقريره النهائي بأن ابن لهيعة لا يحتج به عمومًا، يدل على أنه حتى مَن نقل من أصوله، وضبط الرواية عنه كابن وهب وابن المبارك لا يكون حديثهم عنه محتجًا به بمفرده، ولكن يكون ضعفه أقل من غيره، ممن لم يكتب من أصوله.
وسيأتي في الأصل عن غير أبي زرعة الإشارة لانضباط كتاب ابن وهب من =стр. 833
وقال ابن حبان: سَبرْتُ (١) أخْبار ابن لهيعة، فرأيته يُدلِّس عن أقوام الحواشي
(١) يقال "سَبَر الشيء سَبْرًا" بمعنى: اعتبره، ونظر فيه، وقاس غَورَه واختبره ليعرف ما فيه، أو ما عنده/ المعجم الوسيط - مادة "سبر" ٣/ ٤١١ والنهاية ٢/ ٣٣٣، ومراد ابن حبان هنا داخل في تلك المعاني للسبر، وقد قرر في غير هذا الموضع: أنه "لا يجوز أن يحكم على مسلم بالجرح، وأنه ليس بعدل، إلا بعد السبر"/ المجروحين ٢/ ١٢٠ ط الهند ترجمة: عمران بن مسلم القصير ومعنى ذلك أنه يعتبر السبر هو الوسيلة المشروعة لكشف حال الراواي، وبالتالي حال حديثه، قبولًا أو ردًا.
ولا بد من التنبه إلى أن تلك الوسيلة لا يتأهل لها إلا الأئمة النقاد في كل عصر، كالبخاري وأحمد وابن معين، وابن حبان كما تراه هنا وغيرهم.
والذي يَلحَظُه مَن يُطالع تراثهم العظيم الذي ننهل جميعًا منه أن الثقة المتبادلة بينهم كانت تجعل بعضهم يعتمد على سبر الآخر، فيأخذ بما انتهى إليه في حال الراوي، ما لم يظهر له خلافه، ولذا نجد أن ابن حبان في كتابه المجروحين مثلًا، ينبه على قيامه بنفسه بسبر مرويات الشخص عندما يرى غيره من العلماء قد اختلفوا فيه جرحًا وتعديلًا سواء من ناحية العدالة أو الضبط، وقد ظهر هذا في ترجمته لابن لهيعة، حيث بدأ بذكر بعض الآراء المختلفة فيه، ثم قرر أنه قام بعملية السبر لمروياته، بمعنى أنه نظر في أحاديثه التي وقف عليها ليعرف ما فيها من خطأ وصواب، فاعتبرها بالمقارنة برواية الثقات لنفس الأحاديث، فظهر له =стр. 834
ضعفاء، على أقوام ثقات، قد رآهم (١) ثم كان لا يُبَالي، ما دُفِع إليه الحواشي
(١) قد جاء النص بالسياق المذكور إلى قول ابن حبان الآتي بعد "مما ليس من حديثه" في الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي ٢/ ١٣٦، ١٣٧ وفي شرح العلل لابن رجب ١/ ١٣٨ وتهذيب التهذيب ٥/ ٣٧٩ وبمقارنته بنص كلام ابن حبان في المجروحين يتبين أن فيما ذكر اختصارًا وتصرفًا، حيث جاء النص فيه هكذا مع تصويبي بعض الألفاظ من غيره: "قد سبرت أخبار ابن لهيعة من رواية المتقدمين والمتأخرين عنه، فرأيت التخليط في رواية المتأخرين عنه موجودًا، وما لا أصل له في رواية المتقدمين كثيرًا، فرجعت إلى الاعتبار، فرأيته يدلس عن أقوام ضعفاء، على أقوام رآهم (هو)، ثقات، فألزق تلك الموضوعات (بهم) .. ثم أتبع هذا بما تقدم عن عبد الرحمن بن مهدي: أنه وجد ما كاتبه به ابن لهيعة فقال: "حدثني عمرو بن شعيب" هو في الحقيقة من روايته عن أحد المتروكين وهو إسحق بن أبي فروة عن عمرو بن شعيب؛ وذكر أيضًا أقوال بعض النقاد فيه، ثم قال: وأما رواية المتأخرين عنه بعد احتراق كتبه ففيه مناكير كثيرة، وذاك (أنه) كان لا يبالي ... الخ المجروحين ٢/ ١٩، ٢٠ ط الهند، وقد نقل الذهبي من أول كلام ابن حبان إلى قوله: "فألزق تلك الموضوعات بهم"/ الميزان ٢/ ٤٨٢، والسير ٨/ ٢٣ وقد صوبت ما بين القوسين الهلاليين منهما، ثم إن ابن حبان قد قال في صدر ترجمته لابن لهيعة: وكان شيخًا صالحًا، ولكنه كان يدلس عن الضعفاء قبل احتراق كتبه، ثم ذكر الاحتراق وتاريخه، وحكى قول أصحابه بالتفريق بين من سمع منه قبل الاحتراق ومن سمع بعده/ المجروحين ٢/ ١٨، وقد تقدم ذلك ص ٨٠٠ ت، وجدير بالذكر أني لم أجد من سبق ابن حبان إلى وصف ابن لهيعة بالتدليس، ومن جاء بعده تابعه على وصف ابن لهيعة بالتدليس عن الضعفاء، كما تراه في نقل الذهبي المتقدم، ولكني لم أجده في منظومته في المدلسين/ ٦٩، مع طبقات المدلسين بتحقيق د. القريوتي، وذكره سبط ابن العجمي في التبيين/ ص ٣٥٠ من =стр. 835
قَرأه، سواء كان من حديثه، أَو لَم يكُن مِن حديثه (١) ، فوجب الحواشي
(١) العبارة من قوله: "ثم كان لا يبالي" ... إلى هنا، يفهم من ظاهرها أن هذه كانت طريقة لابن لهيعة في الأداء يفعلها كثيرًا أو غالبًا، وذلك بسبب الاختصار =стр. 836
التَّنَكُب (١) عن رواية المتقدمين عنه، قبل احتراق كُتُبِه (٢) ؛ لِمَا فيها من الأخبار المدلسة عن المتروكين (٣) ، ووجب ترك الاحتجاج برواية الحواشي
(١) أي الإعراض عن قبول تلك الروايات، وتجنب الاحتجاج بها، كما يتضح من باقي كلامه الآتي، وانظر: المعجم الوسيط مادة "نكب" ٢/ ٩٥٠.(٢) تقدم بيان أنه احترق بعض كتبه الفرعية فقط، دون أصولها.(٣) تعليل ترك روايات المتقدمين جميعها عن ابن لهيعة قَبْل احتراق كتبه، بأنه لأجل ما فيها من روايات مدلسة، تعليل غير كاف لرد الجميع بما فيه غير المدلس، =стр. 837
المتأخرين، بعد احتراق كتبه؛ لما فيها مما ليس من حديثه (١) ، وقال أبو بكر الخطيب: حدث عن ابن لهيعة: سفيان الثوري، ومحمد بن رُمح، وبين وفاتيهما [إحدى وثمانون] (٢) الحواشي
(١) هذا التعليل لترك الاحتجاج برواية المتأخرين عن ابن لهيعة بعد احتراق كتبه، يلتقي مع تعليل غير ابن حبان تضعيفَ حديث ابن لهيعة بسوء حفظه؛ لأن قبوله رواية ما ليس من حديثه عنه، ناتج أساسًا عن سوء الحفظ، ومن مجموع كلام ابن حبان هذا عن نتيجة سبره لمرويات المتقدمين والمتأخرين عن ابن لهيعة، نجد أنه يرى ترك الاحتجاج بجميع مروياته، ومقتضى هذا إقراره أنها تصلح للاعتبار، وبذلك يلتقي في النهاية مع أقوال غيره ممن قرر ضعف ابن لهيعة ضعفًا منجبرًا، وإن زاد هو ذكر سبب التدليس، كما مرَّ.(٢) بالأصل "أربع وتسعون" وهو خطأ، وما أثبته من تهذيب الأسماء واللغات للنووي ١/ ٢٨٤، وتهذيب الكمال ٢/ ٧٢٩، وهو مطابق فعلًا للفرق بين تاريخي الوفاة لسفيان، وابن رُمح، حيث إن الأول توفي سنة (١٦١ هـ) كما في التقريب/ ٢٤٤، والثاني توفي بمصر في شوال سنة (٢٤٢ هـ) على قول الأكثرين/ تهذيب الكمال: ٢/ ٢٧٩، والكاشف ٣/ ٤٣، والسابق واللاحق للخطيب البغدادي، بتحقيق محمد بن مطر الزهراني/ ٢٥٢، أما "أربع وتسعون" التي جاءت في الأصل فهي فرق بين وفاتَي: محمد بن رُمح، وشخص آخر روى عن ابن لهيعة، وهو عمرو بن الحارث الأنصاري المصري المتوفى سنة (١٤٨ هـ) كما ذكره الخطيب، فقد رجعْت إلى مَظِنَّة هذا الكلام من كتب الخطيب، وهو كتاب السابق واللاحق، فوجدته بعد ذِكْر ابن لهيعة قال: "حَدَّث عنه عمرو بنстр. 838
سنة (١) ومات ابن لهيعة سنة أربع وسبعين ومائة (٢) ، في خلافه الحواشي
(١) من هنا فما بعده، ليس من كلام الخطيب.(٢) هذا ما عليه الأكثرون كما تقدم ص ٨٢٤، وكانت وفاته بمصر، واتفق ابن سعد وأبو عمر الكندي على أن الوفاة كانت يوم الأحد، لكن قال ابن سعد: للنصف من شهر ربيع الأول، وقال الكندي: لخمس خلون من جمادى الآخرة، وقال يحيى بن بكير تلميذ ابن لهيعة: لِسِتٍّ بَقين من جمادى الآخرة، فلعله أثبت، ووافقهما المفضل الغلابي على ذكر الشهر، لم يحدد يومًا، وذكر ابن عبد الحكم: شهر جمادى الأولى انظر: الطبقات الكبرى لابن سعد ٧ قسم ٢/ ٢٠٤، والمعرفة =стр. 839
هارون (١) وصلى عليه داود بن يزيد، الأمير (٢) ، وكان مولده في سنة سبع وتسعين (٣) وقال ابن أبي خيثمة: سمعت ابن معين الحواشي
(١) هو الرشيد، ابن محمد المهدي بن عبد الله المنصور، الخليفة العباسي، بويع له بالخلافة في ربيع الأول سنة (١٧٠ هـ)، واستمر في الخلافة حتى توفي بطوس في مستهل جمادى الآخرة سنة (١٩٣ هـ).
(البداية والنهاية لابن الأثير: ١٠/ ٢٤١، ٢٤٢).(٢) هو: داود بن يزيد المهلبي، ولاه هارون الرشيد على الصلاة بمصر، فدخلها - كما يقول الكندي: لأربع عشرة ليلة خلت من المحرم سنة (١٧٤ هـ) فجعل على شُرَطِه عمار بن مسلم الطائفي، ثم قال الكندي: وفي ولاية داود بن يزيد توفى عبد الله بن لهيعة يوم الأحد، لخمس خلون من جمادى الآخرة، فصلى عليه داود/ تسمية ولاة مصر للكندي(١٠٧) ، وانظر: المعرفة والتاريخ (١/ ١٦٤)، وتهذيب الكمال ٢/ ٧٢٩.(٣) نسب هذا القول لابن سعد وابن يونس/ كما في تهذيب الكمال ٢/ ٧٢٩ ولم أجده في ترجمته في طبقات ابن سعد، ونقله الذهبي عن ابن يونس وحده/ تذكرة الحفاظ ١/ ٢٣٩، والسير ٨/ ٢٠) وجزم به النووي دون عزوه لأحد/ تهذيب الأسماء واللغات: ١/ ٢٨٤، وهناك رواية عن أحمد بن صالح المصري تقتضي أن ولادة ابن لهيعة سنة (٩٥ هـ)، وعن يحيى بن بُكَير والغلابي، أنها سنة (٩٦ هـ) وبها قال ابن حبان، وتردد الذهبي بينهما فقال: سنة (٩٥ هـ) أو سنة (٩٦ هـ) ولم أجد ترجيحًا في ذلك. انظر: المعرفة والتاريخ ١/ ١٦٤، ١٦٥ والمجروحين ٢/ ١٨، والسير ٨/ ١٢ والجمع بينهما ممكن على إرادة آخر سنة (٩٥ هـ) وأول سنة (٩٦ هـ).стр. 840
يقول: ليس بذاك (١) .
قال (٢) : وقال مرّة: ليس حديثه بالقوي، وقال الآجرِّي: قال أبو داود (٣) : أنكر ابن أبي مريم احتراق كتبه، وقال: لم يحترق له ولا كتاب (٤) ، إنما أراد أن يُوقفوا (٥) عليه أمير مصر. فأرسل إليه الحواشي
(١) لم أجد هذا القول من رواية ابن أبي خيثمة عن ابن معين، ولكن وجدته من رواية ابن محرز أنه سأل ابن معين عن ابن لهيعة فقال: "ليس هو بذاك".
(سؤالات ابن محرز - لابن معين في معرفة الرجال - بتحقيق محمد كامل القصار ١/ ٦٧).(٢) يعني ابن أبي خيثمة، وقد أخرج تلك الرواية من طريق ابن أبي خيثمة عن ابن معين الإمام ابن أبي حاتم ولفظه: "ليس حديثه بذلك القوي"/ الجرح: ٥/ ١٤٧، وكذا في الميزان: ٢/ ٤٧٧.
وأخرج العقيلي من طريق أحمد بن محمد الحضرمي عن ابن معين رواية أخرى بلفظ "ليس بقوي في الحديث"/ الضعفاء للعقيلي: ٢/ ٢٩٥، وقال ابن محرز بعد روايته السابقة عن ابن معين: وسمعته مرة أخرى يقول: (ابن لهيعة) ضعيف الحديث/ سؤالات ابن محرز بتحقيق كامل القصار: ١/ ٦٧ أقول: وبهذا يتأيد ما قدمته في ص ٨١٩ ت أن أكثر أقوال ابن معين على تضعيفه المطلق لابن لهيعة ضعفًا قابلًا للانجبار بغيره.(٣) من هنا إلى قوله: "قال أبو داود" الآتية مكتوب بهامش الأصل مع الإشارة إلى دخوله في الصلب بعلامة "صح"، ولم أجد هذا القول لأبي داود في الجزء المطبوع من سؤالات الآجري لأبي داود.(٤) تقدم المراد بنفي احتراق كتب ابن لهيعة ص: ٨١٩، ٨٢٠ ت.(٥) كذا الأصل، وذكر صاحب مختار الصحاح وابن الأثير: أن أَوقف الشيء، وأوقفه عليه، لغة رديئة، والمشهور إطلاق: وقفه على الشيء أو الأمر، بمعنى أطلعه عليه. مختار الصحاح مادة "وقف" ص: ٧٣٣، (النهاية لابن الأثير نفس المادة: =стр. 841
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = ٥/ ٢١٦)، والمعجم الوسيط ٢/ ١٥١، وذكر الزمخشري أن من المجاز: "وقف على المعنى، أحاط به".
أساس البلاغة مادة "وقف": ٦٨٦، وقد أبقيت عبارة الأصل "أوقفوا عليه" طالما وجد لصوابها محمل لغوي، وإن كان ضعيفًا، وقد جاء النص في تهذيب الكمال ٢/ ٧٢٨ "أن يقفوا عليه، فأرسل إليه أمير بخمسمائة دينار"، ولكن في تذهيبه ٢ / ل ١٧٦، وفي السير ٦/ ١٨، كلاهما للذهبي، جاء النص هكذا: "أن يقفوا عليه أمير، فأرسل إليه أمير ... الخ" ومعنى العبارة كما يبدو من سياقها: أن المحيطين بابن لهيعة في أواخر حياته أرادوا لفت انتباه أمير مصر إلى ابن لهيعة، وإطلاعه على ما صار إليه حاله، ليساعده، ولعل الرجل حينذاك تغيرت حاله المالية والمعيشية، بعد عزله عن القضاء، وإصابته بمرض الفالج مع تقدم السن، كما أسلفته، فرأى المحيطون به أنه ربما إذا بلغ الأمير خبر احتراق داره بمحتوياتها، اهتم بأمره، ووصله بما يُحسن حاله، وقد حدث ذلك فعلًا، كما جاء في بقية كلام ابن أبي مريم هذا.
ثم إن محقق سير أعلام النبلاء ذكر كلمة "يعفو" بدل "يقفوا" وذكر بالهامش ما يدل على أن الكلمة جاءت كما أثبتها في تذهيب تهذيب الكمال للذهبي الذي استدرك منه أيضًا حرف "أن" قبل كلمة "يعفو" ولكني راجعت التذهيب فوجدت فيه "أن يقفوا" كما في تهذيب الكمال، غاية الأمر أن القاف غير منقوطة، لكن صورتها الخطية واضحة، والنسخة التي راجعتها فيها ترك النقط كثير، ثم إن العبارة لا يظهر لها معنى بذكر كلمة "يعفو"، ولم يبين المحقق ماذا يكون معنى هذا النص مع إثباتها؟ في حين نجد المعنى واضحًا مع إثبات "يقفوا" كما ذكرته، والله أعلم.
ولم يقتصر أمر المواساة لابن لهيعة في تلك الواقعة على الأمير، فقد ذكر قتيبة بن سعيد ويحيى بن بكير -وهما من تلاميذ ابن لهيعة- أن الليث بن سعد أيضًا قد أرسل إليه مالًا، وحدد ابن بكير المبلغ بمائة دينار. انظر: سؤالات البرذعي لأبي زرعة الرازي ٢/ ٣٤٥، ٣٤٦ ضمن كتاب أبي زرعة الرازي وجهوده، =стр. 842
خمسمائة دينار. قال أبو داود: سمعت أحمد يقول: من كان مثل ابن لهيعة بمصر، في كثرة حديثه، وضبطه، وإتقانه؟، وحدث عنه أحمد (١) الحواشي
(١) بالأصل "آخر" ولا يستقيم المعنى عليه، وما أثبته من تهذيب الكمال ٢/ ٧٢٨، وعبارة: "وحدث عنه أحمد بحديث كثيرا هي من قول أبي داود تعقيبًا على ما رواه عن أحمد من أنه لا يرى في المصريين في وقته من هو أكثر حديثًا ولا أضبط ولا أتقن من ابن لهيعة، وما عدا تهذيب الكمال من المصادر المتعددة التي وقفت عليها قد اقتصرت على حكاية أبي داود لكلام أحمد المذكور فقط دون ذكر تعقيب أبي داود المذكور، شرح العلل لابن رجب ١/ ١٣٨، والسير ٣/ ١٨ والميزان ٢/ ٤٧٧، وتهذيب التهذيب ٥/ ٣٧٥ وتذهيب تهذيب الكمال ٢ / ل ١٧٧، ومراد أبي داود بتحديث أحمد عنه، يعني بواسطة؛ لأن ابن لهيعة توفي وأحمد في العاشرة تقريبًا.
أقول: وما حكاه أبو داود عن أحمد يقتضي أنه يحتج به، وأن حديثه عنده صحيح، ولعل هذا مما جعل أبا داود نفسه يعقب على كلام أحمد السابق بتنبيهه على أن أحمد أيضًا قد حدث عنه كثيرًا، ولكن سيأتي تصريح الإمام أحمد نفسه بأنه لا يحتج بابن لهيعة، مع جوابه عن إكثاره الرواية عنه.
وقد نقل الشيخ أحمد شاكر ﵀ قول أحمد السابق في توثيق ابن لهيعة، وأكد به ما ذهب إليه من أن ابن لهيعة ثقة صحيح الحديث، وبذلك رد تضعيف الترمذي لحديث الباب من طريق ابن لهيعة جامع الترمذي - بتعليق الشيخ أحمد شاكر ١/ ١٦ هامش(١) .
ولا يُسلَّم للشيخ أحمد شاكر هذا التوثيق لابن لهيعة، ولا اعتماده لقول أحمد بتوثيقه إلا بعد جمعه لباقي أقوال الأئمة الآخرين، ولأقوال أحمد أيضًا، والنظر في تعارضها، واختلافها، ثم الجواب عن الانتقادات القادحة في ضبط ابن لهيعة، =стр. 843
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = والتي تقدم معنا بالأصل والتعليق عليه، عدد منها، مجملًا، ومفصلًا، وكثير منه منقول عن تلاميذ ابن لهيعة، وأهل بلده.
وقد قمت في التعليقات السابقة بجمع أقوال العلماء وتلاميذ ابن لهيعة الذين ورد في الأصل كلامهم، وحاولت استخلاص الرأي العام لكل منهم، حتى نصل في النهاية إلى رأي عام في حال ابن لهيعة عمومًا، ودرجة حديثه، إن شاء الله.
والذي نحتاجه هنا جمع ما تيسر لي من باقي أقوال الإِمام أحمد في ابن لهيعة غير ما تقدم، ثم استخلاص رأي عام له من ذلك.
فقد جاء عنه قوله: ما كان محدث مصر، أو محدثًا بمصر، إلا ابن لهيعة / الميزان: ٢/ ٤٧٨، السير: ٨/ ١٣، ١٨، وقال أيضًا: ابن لهيعة أجود قراءة لكتبه من ابن وهب/ السير: ٨/ ١٧ وتهذيب التهذيب ٥/ ٣٧٥، وقال: من سمع من ابن لهيعة قديمًا فسماعه أصح، ثم روى عن ابن المبارك ما يفيد تحديده للسماع القديم، بما قبل سنة (١٥٩ هـ) / المجروحين لابن حبان: ٢/ ١٩.
ويلاحظ أن هذا التاريخ متقدم إحدى عشرة سنة تقريبًا، عن تاريخ احتراق كتبه الذي جعله غير واحد هو الفاصل بين السماع القديم، والسماع الحديث، وقد علق الذهبي على قول أحمد هذا: "إن السماع القديم عن ابن لهيعة أصح" فقال: لأنه -يعني ابن لهيعة- لم يكن بَعدُ تساهل، وكان أمره مضبوطًا، فأفسد نفسه/ السير: ٨/ ٢١، ومراد الذهبي بالتساهل، يعني في الأداء كما تقدم بيانه، ومراده بإفساد نفسه، يعني أنه بتساهله في الأداء، أدخل عليه ما ليس من حديثه، فكان هذا مما تسبب في تضعيف جميعه، وإن لم يصل به ذلك إلى الترك المطلق كما سيأتي عن الذهبي نفسه، وقال الإِمام أحمد أيضًا لقتيبة بن سعيد -تلميذ ابن لهيعة-: أحاديثك عن ابن لهيعة صحاح، وقال قتيبة: قلت: لأنا كنا نكتب من كتاب عبد الله بن وهب، ثم نسمعه من ابن لهيعة/ تهذيب الكمال: ٢/ ٧٢٨، شرح العلل ١/ ١٣٩، أقول: ولكن ابن عدي قد أخرج عدة أحاديث من مناكير ابن لهيعة، وهي من رواية قتيبة بن سعيد عنه/ الكامل: ٤/ ١٤٦٥، ١٤٦٨، فيكون مراده بالصحة ثبوت رواية قتيبة لها عن =стр. 844
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = ابن لهيعة، وإن كانت منتقدة عليه، ويؤيد هذا ما جاء عن أحمد أيضًا من وصفه رواية ابن وهب نفسه بأنها صالحة، ولم يقل "صحيحه". وذلك أنه قال: سماع العبادلة من ابن لهيعة عندي صالح، ثم ذكر ثلاثة هم: ابن وهب، وابن المبارك، وابن يزيد المقري/ شرح العلل: ١/ ١٣٨ والصلاحية هنا أيضًا محمولة على الثبوت كما تقدم، أو تحمل على الصلاحية للاعتبار، كما سيأتي حكمه العام بهذا على أحاديث ابن لهيعة.
وجاء عن أحمد أيضًا قوله: كان ابن لهيعة كتب عن المثنى بن الصباح عن عمرو بن شعيب، وكان بعد يحدث بها عن عمرو بن شعيب نفسه.
الضعفاء للعقيلي: ٢/ ٢٩٤، شرح العلل: ١/ ١٣٨، الميزان: ٢/ ٤٧٦، السير: ٨/ ١٥، تهذيب التهذيب: ٥/ ٢٧٩، وقال أيضًا: كانوا يقولون: احترقت كتبه، وكان يُؤتَى بكتب الناس، فيقرءوها/ الضعفاء للعقيلي: ٢/ ٢٩٥، وهذا مما يضعف به، كما قال الحافظ ابن حجر. تهذيب التهذيب: ٥/ ٣٧٨، وقول الإمام أحمد: "يقولون: احترقت كتبه" لعله إشارة إلى ما تقدم في الأصل ص: ٨٢٣ أن إسحق بن عيسى تلميذ ابن لهيعة حدث أحمد بخبر احتراق كتب ابن لهيعة، وقد تقدم أيضًا بيان أن ما ذكره أحمد بالنسبة لرواية ابن لهيعة عن عمرو بن شعيب، وغيره، ما ليس من حديثه، يدل على سوء حفظه، فلعل ذلك تبين للإمام أحمد بعد توثيقه السابق له، ولهذا جاء عنه قوله: ما حديث ابن لهيعة بحجة، وإني لأكتب كثيرًا مما أكتب أعتبر به، وهو يقوي بعضه ببعض. شرح العلل: ١/ ١٣٨، تهذيب الكمال: ٢/ ٧٢٨، الميزان: ٢/ ٤٧٨، السير: ٨/ ١٦، وقد تقدم ص: ٧٩٣ ت أن من ضُعِّف من جهة حفظه كابن لهيعة وغيرِه، فقول أحمد فيه: "لا يُحتَج به" يعني إذا انفرد بالشيء.
ويلاحظ أن قول أحمد هذا في ابن لهيعة، قد بناه على نحو ما تقدم عن ابن حبان، من السبر والاعتبار لمرويات ابن لهيعة، حيث كتب الكثير منها، ثم قارنه بروايات من شاركه من الثقات، فتبين له أنه لا يحتج بما انفرد به، ولكنه يتقوى بغيره، وعليه يكون هذا هو القول المعتبر للإمام أحمد بشأن ابن لهيعة، وهو يلتقي =стр. 845
بحديث كثير. قال أبو داود: سمعت قتيبة بن سعيد يقول: [كنا] (١) لا نكتب حديث ابن لهيعة إلا مِن كُتب ابن وهب، أو ابن أخيه -يعني ابن أخي ابن لهيعة- (٢) إلا ما كان من حديث الحواشي
(١) ليست بالأصل، وأثبتها من المصادر التي ذكرت قول أبي داود هذا عن قتيبة بن سعيد، ثم إن سياق باقي النص مختلف بالتقديم والتأخير عما في مصادره التي وقفت عليها، حيث جاء فيها هكذا "كنا لا نكتب حديث ابن لهيعة إلا من كتاب ابن أخيه، أو من كتب ابن وهب، إلا ما كان ... إلخ تهذيب الكمال: ٢/ ٧٢٨، سير النبلاء: ٨/ ١٦، ١٧، تهذيب التهذيب: ٥/ ٣٧٥، ٣٧٦.(٢) هو: لهيعة بن عيسى بن لهيعة، ولي القضاء بمصر مرتين: أولاهما في مستهل شعبان سنة (١٩٦ هـ)، ثم عزل عنه في ربيع الأول سنة (١٩٨ هـ) ثم وليه مرة ثانية في المحرم سنة (١٩٩ هـ) إلى أن مات في مستهل ذي القعدة سنة (٢٠٤ هـ)، وقد روى عن عمه عبد الله بن لهيعة، وتعلم منه القضاء، وسار فيه سيرة حسنة، استحق بها الثناء الجميل، ومن ذلك اهتمامه بإثبات عدالة أو جرح الشهود الدائمين لديه، بحيث كلف من يقوم بالسؤال عن سيرتهم وسلوكهم كل ستة أشهر، ومن حدثت له جَرْحَة أوقفه عن الشهادة، وخاصة من عُرف ببدعة كالقدر ونحوه، وكان تاسع تسعة من حضرموت، ولُّوا قضاء مصر. انظر: تسمية قضاة مصر للكندي: ٣١٣، ٣١٥ - ٣٢٠، تهذيب الكمال: ٢/ ٧٢٨.
أقول: ومع توثيق لهيعة هذا، فإن ما ذكر من روايته عن عمه وتعلمه القضاء منه، يدل على خبرته بحديثه، وعنايته بكتابته، بحيث رآه تلاميذ عمه الآخرين، مثل قتيبة هذا أهلًا لأن يُعتَمد على ماكتبه عن عمه، مثل اعتمادهم على كتب ابن وهب؛ لكن لم أجد اشتهار الاعتماد على كتاب لهيعة هذا عن عمه، مثلما =следующие страницы →