أحكام تمني الموت
تأليف: شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، اللهم صل على محمد وآله وصحبه وسلم.
عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به، فإن كان لا بد متمنيا، فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي " ١ ٢.
ولمسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يتمنين أحدكم الموت، ولا يدع به من قبل أن يأتيه، إنه إذا مات أحدكم، انقطع عمله، وإنه لا يزيد المؤمن عمره إلا خيرا" ٣.
وللبخاري عنه مرفوعا: "لا يتمنين أحدكم الموت، إما محسنا فلعله أن يزداد، وإما مسيئا فلعله أن يستعتب" ٤.
ولأحمد والحاكم عن جابر قال رسول الله ﷺ : "لا تمنوا الموت، فإن هول المطلع شديد، وإن من السعادة أن يطول عمر العبد حتى يرزقه الله الإنابة" ٥.
وقال أنس: "لولا أن رسول الله ﷺ نهانا عن تمني الموت لتمنيناه" أخرجاه.
ولأحمد حديث أبي هريرة: "إلا أن يكون قد وثق بعمله" ٦.
وعن أبي بكرة "أن رجلا قال: يا رسول الله، أي الناس خير؟ قال: من طال عمره، وحسن عمله. قال: فأي الناس شر؟ قال: من طال عمره، وساء عمله" ٧ صححه الترمذي.
стр. 2
ولأحمد عن أبي هريرة قال: "كان رجلان من بلي، وهم حي من قضاعة، أسلما مع رسول الله ﷺ فاستشهد أحدهما، وأخر الآخر سنة، قال طلحة بن عبيد الله: فرأيت الجنة، فرأيت المؤخر منهما أدخل قبل الشهيد، فتعجبت لذلك، فأصبحت، فذكرت ذلك للنبي ﷺ فقال: أليس قد صام بعده رمضان، وصلى ستة آلاف ركعة، أو كذا وكذا ركعة، صلاة السنة".
وله عن طلحة مرفوعا. "ليس أحد أفضل عند الله من مؤمن يعمر في الإسلام، لتسبيحه وتكبيره وتهليله" ١ وفي حديث الرؤيا: "وإذا أردت بقوم فتنة، فاقبضني إليك غير مفتون" ٢.
وأخرج مالك عن عمر أنه قال: "اللهم قد ضعفت قوتي، وكبرت سني، وانتشرت رعيتي، فاقبضني إليك غير مضيع ولا مقصر. فما جاوز ذلك الشهر حتى قبض".
وأخرج أحمد عن عليم الكندي قال: "كنت مع أبي عبس الغفاري على سطح، فرأى قوما يتحملون ٣ من الطاعون، فقال: يا طاعون خذني إليك. ثلاثا يقولها، فقال له عليم: لم تقول هذا؟ ألم يقل رسول الله ﷺ : لا يتمنى أحدكم الموت، فإنه عند ذلك انقطاع عمله، ولا يرد فيستعتب؟ فقال أبو عبس: أنا سمعت رسول الله ﷺ يقول: بادروا بالموت ستا، إمارة السفهاء، وكثرة الشرط، وبيع الحكم، واستخفافا بالدم، وقطيعة الرحم، ونشوا اتخذوا القرآن مزامير، يقدمون الرجل ليغنيهم بالقرآن، وإن كان أقلهم فقها" ٤.
وللحاكم عن الحسن عن ابن عمر مثله، وأخرج ابن سعد عن أبي هريرة مثله، لكن ذكر
стр. 3
التهاون بالذنب بدل الدم، وللطبراني عن عمرو بن عبسة: "لا يتمنى أحدكم الموت، إلا أن يثق بعمله، فإن رأيتم في الإسلام ستا فتمنوا الموت، وإن كانت نفسك بيدك فأرسلها"، فذكر كما تقدم.
وأخرج الحاكم في المستدرك عن ابن عمرو مرفوعا: "تحفة المؤمن الموت".
ولأحمد وسعيد عن محمود بن لبيد مرفوعا: "اثنتان يكرههما ابن آدم، يكره الموت والموت خير له من الفتنة، ويكره قلة المال وقلة المال أقل للحساب" ١.
وأخرج أبو نعيم عن عمر بن عبد العزيز قال: "إنما خلقتم للأبد، ولكنكم تنقلون من دار إلى دار".
وأخرج سعيد في سننه عن علي في قوله: ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقاً﴾ ٢ قال: "هي الملائكة تنزع أرواح الكفار. ﴿وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطاً﴾ ٣ هي الملائكة تنشط أرواح الكفار ما بين الأظفار والجلد حتى تخرجها. ﴿وَالسَّابِحَاتِ سَبْحاً﴾ ٤ هي الملائكة تسبح بأرواح المؤمنين بين السماء والأرض. ﴿فَالسَّابِقَاتِ سَبْقاً﴾ ٥ هي الملائكة يسبق بعضها بعضا بأرواح المؤمنين إلى الله".
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقاً﴾ ٦ قال: "هي أنفس الكفار تنزع ثم تنشط ثم تغرق في النار".
وأخرج عن الربيع بن أنس في قوله: ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقاً وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطاً﴾ ٧ قال: "هاتان الآيتان للكفار عند نزع النفس، تنشط نشطا عنيفا مثل سفود جعلته في صوف فكان خروجه شديدا، ﴿وَالسَّابِحَاتِ سَبْحاً (فَالسَّابِقَاتِ سَبْقاً﴾ ٨ قال: هاتان للمؤمنين".
стр. 4
وأخرج عن السندي في قوله: ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقاً﴾ ١ قال: "النفس حين تغرق في الصدر".
وأخرج مسلم عن ابن مسعود قال: لما أسري برسول الله ﷺ فانتهى إلى سدرة المنتهى، وإليها ينتهي ما يعرج من الأرواح - وفي حديث الإسراء عن أبي هريرة: "ثم انتهى إلى سدرة، فقيل له: هذه السدرة ينتهي إليها كل أحد خلا من أمتك على سبيلك". أخرجه ابن جرير وابن أبي حاتم.
ولمسلم عن أبي هريرة قال: "إذا خرج روح المؤمن تلقاها ملكان فصعدا بها، فذكر من طيبها، وتقول أهل السماء: روح طيبة جاءت من قبل الأرض، صلى الله عليك وعلى جسد كنت تعمرينه. فينطلقون به إلى ربه تعالى، ثم يقول: انطلقوا به إلى آخر الأجل. وإن الكافر إذا خرجت روحه، فذكر من نتنها، وذكر لعنا، ويقول أهل السماء: روح خبيثة جاءت من قبل الأرض، فيقال: انطلقوا به إلى آخر الأجل".
ولأحمد وابن حبان والحاكم وغيرهم عنه أن النبي ﷺ قال: "إن المؤمن إذا قبض أتته ملائكة الرحمة بحرير أبيض، فيقولون: اخرجي راضية مرضيا عنك إلى روح الله وريحان ورب غير غضبان، فتخرج كأطيب ريح المسك، حتى إنه ليناوله بعضهم بعضا فيشمونه حتى يأتوا به باب السماء فيقولون: ما أطيب هذه الريح التي جاءت من قبل الأرض! كلما أتوا سماء قالوا ذلك، حتى يأتوا به أرواح المؤمنين، فلهم أفرح به من أحدكم بغائبه إذا قدم عليه، فيسألونه: ما فعل فلان؟ فيقولون: دعوه حتى يستريح، فإنه كان في غم الدنيا، فإذا قيل لهم: ما أتاكم؟ فإنه قد مات، يقولون: ذهب به إلى أمه الهاوية. وأما الكافر فتأتيه ملائكة
стр. 5
العذاب بمسح، فيقولون: اخرجي ساخطة مسخوطا عليك إلى عذاب الله وسخطه، فتخرج كأنتن ريح جيفة، فينطلقون إلى باب الأرض، فيقولون: ما أنتن هذه الريح!. كلما أتوا على أرض قالوا ذلك، حتى يأتوا به أرواح الكفار".
وأخرج هناد وعبد في تفسيره، والطبراني بسند رجاله ثقات، عن عبد الله بن عمرو قال: "إذا قتل العبد في سبيل الله، فأول قطرة تقع على الأرض من دمه يكفِّر الله له ذنوبه كلها، ثم يرسل الله بريطة ١ من الجنة، فتقبض فيها نفسه، وبجسد من الجنة حتى تركب فيه روحه، ثم يعرج مع الملائكة كأنه كان معهم منذ خلقه الله، حتى يؤتى به الرحمن، فيسجد قبل الملائكة، ثم تسجد الملائكة بعده، ثم يغفر له ويطهر، تم يؤمر به إلى الشهداء، فيجدهم في رياض خفر وقباب من حرير، عندهم ثور وحوت يلقنانهم كل يوم بشيء لم يلقناه بالأمس، يظل الحوت في أنهار الجنة، فإذا أمسى وكزه الثور بقرنه، فذكاه، فأكلوا من لحمه، فوجدوا في طعم لحمه كل رائحة من ريح الجنة، ويبيت الثور نافشا ٢ في الجنة، يأكل من ثمر الجنة، فاذا أصبح غدا عليه الحوت فذكاه بذنبه، فأكلوا من لحمه، فوجدوا في طعم لحمه كل ثمرة من الجنة، ينظرون إلى منازلهم، يدعون الله بقيام الساعة.
وإذا توفى الله العبد المؤمن، أرسل إليه ملكين بخرقة من الجنة وريحان من ريحان الجنة، فقالا: أيتها النفس الطيبة. اخرجي إلى روح وريحان
стр. 6
ورب غير غضبان، اخرجي فنعم ما قدمت، فتخرج كأطيب رائحة مسك وجدها أحدكم بأنفه، وعلى أرجاء السماء ملائكة يقولون: سبحان الله! لقد جاء من الأرض اليوم ريح طيبة، فلا يمر بباب إلا فتح له، ولا ملك إلا صلى عليه وشفع، حتى يؤتى به ربه (فتسجد الملائكة قبله، ثم يقولون: ربنا، هذا عبدك فلان، توفي وأنت أعلم به، فيقول: مروه بالسجود، فتسجد النسمة، ثم يدعى ميكائيل فيقال: اجعل هذه النسمة مع أنفس المؤمنين، حتى أسألك عنها يوم القيامة، فيؤمر بقبره، فيوسع له، طوله سبعون، وعرضه سبعون، وينبذ فيه الريحان، ويبسط له فيه الحرير، وإن كان معه شيء من القرآن نوره، والا جعل له مثل نور الشمس، ثم يفتح له باب إلى الجنة، فينظر إلى مقعده من الجنة، بكرة وعشيا.
وإذا توفى الله العبد الكافر، أرسل إليه ملكين وأرسل إليه بقطعة بجاد ١ أنتن من كل نتن، وأخشن من كل خشن، فقالا: أيتها النفس الخبيثة، اخرجي إلى جهنم وعذاب أليم ورب عليك ساخط، اخرجي، فساء ما قدمت، فتخرج كأنتن جيفة وجدها أحدكم بأنفه قط، وعلى أرجاء السماء ملائكة يقولون: سبحان الله! لقد جاء من الأرض جيفة ونسمة خبيثة، لا يفتح لها باب السماء، فيؤمر بجسده، فيضيق عليه في القبر، ويملأ حيات مثل أعناق البخت تأكل لحمه، فلا تدع من عظامه شيئا، ثم يرسل الله ملائكة صما عميا، معهم فطاطيس ٢ من حديد، لا يبصرونه
стр. 7
فيرحمونه، ولا يسمعون صوته فيرحمونه، فيضربونه، ويخبطونه، ويفتح له باب من النار، فينظر إلى مقعده من النار، بكرة وعشية، يسأل الله أن يديم ذلك عليه، فلا يصير إلى ما وراءه من النار".
وأخرج البيهقي وغيره عن أبي موسى قال: "تخرج نفس المؤمن وهي أطيب ريحا من المسك" ١ الحديث، وأخرجه أبو داود بنحوه، وفيه: "فيصعد به من الباب الذي كان يصعد عمله منه" وفي آخره في الكافر: "فيردوه إلى أسفل الأرضين الثرى".
وأخرج ابن أبي حاتم وغيره عن ابن عباس في قوله: ﴿وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ﴾ ٢ قال: "قيل من يرقى بروحه، ملائكة الرحمة أو ملائكة العذاب؟ ".
وفي الصحيحين: حديث الرجل الذي اختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب ٣. وأخرج سعيد في سننه عن الحسن قال: "إذا احتضر المؤمن حضره خمسمائة ملك، فيقبضون روحه، فيعرجون به إلى السماء، فتلقاهم أرواح المؤمنين الماضية، فيريدون أن يستخبروه، فتقول لهم الملائكة: ارفقوا به، فإنه خرج من كرب عظيم، ثم يستخبرونه، حتى يستخبر الرجل عن أخيه وعن صاحبه، فيقول: هو كما عهدت، حتى يستخبرونه عن إنسان قد مات قبله، فيقول: أوما أتى عليكم؟ فيقولون: أوقد هلك؟ فيقول: إي والله، فيقولون: قد ذهب به إلى أمه الهاوية، فبئست الأم، وبئست المربية".
стр. 8
وللحاكم في المستدرك عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف: "أن أباه مرض مرضا، فأغمي عليه، حتى ظنوا أنه قد فاضت نفسه، حتى قاموا من عنده، وجللوه ثوبا، ثم أفاق، فقال: إنه أتاني ملكان فظان غليظان، فقالا: انطلق بنا نحاكمك إلى العزيز الأمين، فذهبا به، فلقيهما ملكان، هما أرق منهما وأرحم، فقالا: أين تذهبان؟ قالا: نحاكمه إلى العزيز الأمين، فقالا: دعاه، فإنه ممن سبقت له السعادة وهو في بطن أمه، وعاش بعد ذلك شهرا، ثم توفي (".
وقال سعيد في سننه: حدثنا سفيان عن عطاء: "أن سلمان أصاب مسكا، فاستودعه امرأته، فلما حضره الموت، قال: أين الذي كنت استودعتك؟ قالت: هو ذا. قال: فأديفيه ١ بالماء ورشيه حول فراشي، فإنه يحضرني خلق من خلق الله لا يأكلون الطعام، ولا يشربون الشراب، ويجدون الريح".
وأخرج ابن أبي الدنيا عن مكحول قال: قال عمر: "احضروا موتاكم، وذكروهم، فإنهم يرون ما لا ترون".
ولسعيد عن الحسن عن عمر: "احضروا موتاكم، ولقنوهم لا إله إلا الله، فإنهم يرون ويقال لهم".
وله عن مكحول عنه: "لقنوا موتاكم لا إله إلا الله، واعقلوا ما تسمعون من المطيعين، فإنه يجلى لهم أمور صادقة".
ولابن أبي شيبة عن يزيد بن شجرة الصحابي قال: "ما من ميت يموت حتى يمثل له جلساؤه عند موته، إن كانوا أهل لهو فأهل لهو، وإن كانوا أهل ذكر فأهل ذكر".
стр. 9
ولابن أبي الدنيا عن مجاهد نحوه، وذكر البيهقي قول الرجل حين لقن: اشرب واسقني، وقول الآخر: ده يازده.
وأخرج ابن أبي الدنيا عن حنظلة بن الأسود قال: "مات مولاي، فجعل يغطي وجهه مرة، ويكشفه أخرى، فذكرت ذلك لمجاهد، فقال: بلغنا أن نفس المؤمن لا تخرج حتى يعرض عليه عمله، خيره وشره".
وأخرج ابن عساكر عن عبد الرحمن ١: "أن معاذ بن جبل طعن ابنه عام عمواس، فمات، فصبر واحتسب، فلما طعن في كفه قال: حبيب جاء على فاقة، لا أفلح من ندم، قال: فقلت يا معاذ هل ترى شيئا ٢؟ شكر لي ربي حسن عزائي. أتاني روح ابني، فبشرني أن محمدا ﷺ في مائة صف من الملائكة المقربين والشهداء والصالحين، يصلون على روحي، ويسوقوني إلى الجنة. ثم أغمي عليه، فرأيته كأنه يصافح قوما، ويقول: مرحبا مرحبا، أتيتكم، فقضى. فرأيته في المنام بعد ذلك حوله زحام كزحامنا على خيل بلق عليهم ثياب بيض، وهو ينادي: يا سعد بين رامح ومطعون، الحمد لله الذي أورثنا الجنة نتبوأ منها حيث نشاء، فنعم أجر العاملين، ثم انتبهت".
وأخرج الشيخان عن عبادة بن الصامت أن رسول الله صلى عليه الله وسلم قال: "من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه. فقالت عائشة ﵂: إنا نكره الموت، قال: ليس
стр. 10
ذلك، ولكن المؤمن إذا حضره الموت بشر برضوان الله وكرامته، فليس شيء أحب إليه مما أمامه، وأحب لقاء الله وأحب الله لقاءه. وإن الكافر إذا حضر بشر بعذاب الله وعقوبته، فليس شيء أكره إليه مما أمامه، وكره لقاء الله وكره الله لقاءه".
وقال آدم بن أبي إياس: حدثنا حماد بن أبي ١ سلمة عن عطاء بن السائب عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: "تلا رسول الله ﷺ هذه الآيات: ﴿فَلَوْلا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ﴾ ٢ الآيات، ثم قال: إذا كان عند الموت قيل له هذا، فإن كان من أصحاب اليمين، أحب لقاء الله" إلخ، كما تقدم، وأخرجه أحمد بمعناه، وفيه: عن عبد الرحمن حدثني فلان بن فلان أنه سمع رسول الله ﷺ .
وأخرج ابن جرير وغيره عن ابن جريج قال: قال النبي ﷺ لعائشة: "إذا عاين المؤمن الملائكة، قالوا: نرجعك إلى الدنيا؟ فيقول: إلى دار الهموم والأحزان، قدما إلى الله. وأما الكافر فيقولون: نرجعك؟ فيقول: رب ارجعون، لعلي أعمل صالحا فيما تركت".
وللترمذي وابن جرير عن ابن عباس: "من كان له مال يبلغه حج بيت ربه، أو تجب عليه فيه زكاة فلم يفعل، سأل الرجعة عند الموت. فقال رجل: يا ابن عباس اتق الله، فإنما يسأل الرجعة الكفار، فقال: سأتلو عليكم بذلك قرآنا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ﴾ ٣ الآية.
стр. 11
ولابن أبي حاتم عن عبادة في قوله ﴿فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ﴾ ١ قال: "الروح الرحمة، والريحان يتلقى به عند الموت".
وله عن "ابن عباس في قوله ﴿فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ﴾ ٢ قال: "لا يخرج الكافر من دار الدنيا حتى يشرب كأسا من حميم".
ولابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن البراء بن عازب في قوله: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ﴾ ٣ قال: "يوم يلقون ملك الموت، ليس من مؤمن تقبض روحه إلا سلم عليه".
ولابن أبي الدنيا وغيره عن ابن مسعود قال: "إذا جاء ملك الموت ليقبض روح المؤمن قال: ربك يقرئك السلام".
ولابن المبارك والبيهقي عن محمد بن كعب: إذا استنقعت نفس العبد المؤمن، جاءه ملك الموت، فقال: السلام عليك يا ولي الله، الله يقرأ عليك السلام. ثم نزع بهذه الآية: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ﴾ ٤.
ولابن جرير وغيره عن الضحاك في قوله: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ ٥ قال: يعلم أين هو قبل الموت.
стр. 12
ولابن أبي الدنيا عن جابر مرفوعا: أما قوله ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ فهي الرؤيا الحسنة ترى للمؤمن فيبشر بها في دنياه، وأما قوله ﴿وَفِي الْآخِرَةِ﴾ فبشارة المؤمن عند الموت، يبشر عند الموت أن الله قد غفر لك ولمن حملك إلى قبرك".
وأخرج البيهقي عن مجاهد في قوله ﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ﴾ ١ الآية: ذلك عند الموت.
ولابن أبي حاتم عنه في الآيه: ﴿أَلَّا تَخَافُوا﴾ مما تقدمون عليه من الموت وأمر الآخرة ﴿وَلا تَحْزَنُوا﴾ على ما خلفتم من أمر دنياكم من ولد وأهل أو دين، فإنه سيخلفكم في ذلك كله.
وله عن زيد بن أسلم في الآية: يبشر بها عند موته وفي قبره ويوم يبعث، فإنه لفي الجنة وما ذهبت فرحة البشارة من قلبه.
وقال سفيان: يبشر بثلاث بشارات، عند الموت، وإذا خرج من القبر، وإذا فزع.
ولمسلم عن أبي هريرة مرفوعا: "ألم تروا الإنسان إذا مات شخص بصره; قالوا: بلى. قال: فذلك حين يتبع بصره نفسه" ٢.
ولابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾ ٣ قال: "القريب ما بينه وبين أن ينظر إلى ملك الموت".
стр. 13
أخرج أحمد وغيره عن أبي سعيد أن النبي ﷺ قال: "إن الميت يعرف من يغسله ويحمله ومن يكفنه ومن يدليه في حفرته" ١. وأخرج أبو نعيم وغيره عن عمرو بن دينار قال: "ما من ميت يموت إلا روحه في يد ملك الموت ينظر إلى جسده، كيف يغسل، وكيف يكفن، وكيف يمشى به، ويقال له وهو على سريره: اسمع ثناء الناس عليك".
وأخرج ابن أبي الدنيا معناه عن جماعة من التابعين بلفظ: بيد ملك. بلا إضافة.
وللشيخين عن أنس: "أن النبي ﷺ وقف على قتلى بدر فقال: يا فلان بن فلان، يا فلان بن فلان، هل وجدتم ما وعد ربكم حقا؟ فإني وجدت ما وعدني ربي حقا. فقال عمر: يا رسول الله، كيف تكلم أجسادا لا أرواح فيها؟ فقال: ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، غير أنهم لا يستطيعون أن يردوا علي شيئا ".
ولهما عن أبي سعيد مرفوعا: "إذا وضعت الجنازة واحتملها الرجال على أعناقهم، فإن كانت صالحة قالت: قدموني، وإن كانت غير صالحة قالت: يا ويلاه. فيسمع صوتها كل شيء إلا الإنسان، ولو يسمعه الإنسان لصعق" ٢.
أخرج سعيد في سننه عن ابن عقلة قال: "إن الملائكة لتمثل أمام الجنازة ويقولون،: ما قدم فلان؟ ويقول الناس: ما ترك فلان"؟
وللترمذي وابن أبي حاتم وغيرهما عن أنس مرفوعا: "ما من إنسان إلا له بابان في السماء، باب يصعد منه عمله، وباب ينزل منه رزقه، فإذا مات العبد المؤمن، بكيا عليه" ٣.
стр. 14
ولابن جرير عن ابن عباس "أنه سئل عن قوله: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ﴾ ١ هل تبكي السماء والأرض على أحد؟ قال: نعم، إنه ليس أحد من الخلائق إلا له باب في السماء منه ينزل رزقه وفيه يصعد عمله، فإذا مات المؤمن، فأغلق بابه من السماء الذي كان يصعد فيه عمله وينزل منه رزقه، فقد بكى عليه. وإذا فقده مصلاه من الأرض التي كان يصلي فيها، ويذكر الله فيها، بكت عليه، وإن قوم فرعون لم يكن لهم في الأرض آثار صالحة، ولم يكن يصعد لهم إلى الله منهم خير، فلم تبك عليهم السماء والأرض".
ولابن أبي حاتم وغيره عن علي: "إن المؤمن إذا مات بكى عليه مصلاه من الأرض، ومصعد عمله في السماء، ثم تلا: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ﴾ ٢".
ولابن جرير عن عطاء: بكاء السماء حمرة أطرافها، ولابن أبي الدنيا عن الحسن مثله، وله مثله عن سفيان بلفظ: كان يقال.
وأخرج عن الحسن: "إن الله إذا توفى المؤمن ببلاد الغربة لم يعذبه ورحمه لغربته، وأمر الملائكة فبكته لغيبة بواكيه عنه".
وله ولابن جرير عن شريح بن عبيد الحضرمي مرفوعا: "ما مات مؤمن في غربة غابت عنه فيها بواكيه، إلا بكت عليه السماء والأرض، ثم قرأ: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ﴾ ٣ ثم قال: إنهما لا يبكيان على كافر".
стр. 15
أخرج الحاكم وغيره عن أبي سعيد: "أن النبي ﷺ مر في المدينة، فرأى جماعة يحفرون قبرا، فسأل عنه، فقيل: حبشي قد مات، فقال النبي ﷺ : لا إله إلا الله، سيق من أرضه وسمائه إلى التربة التي خلق منها! ".
وأخرج الطبراني معناه عن أبي الدرداء وابن عمر. وأخرج أبو نعيم وغيره عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "ادفنوا موتاكم وسط قوم صالحين، فإن الميت يتأذى بجار السوء، كما يتأذى الحي بجار السوء".
وروي معناه من حديث علي وابن عباس وغيرهما.
وأخرج ابن سعد عن معاوية بن صالح قال: "لما حضر عمر بن عبد العزيز الموت أوصاهم فقال: احفروا لي ولا تعمقوا، فإن خير الأرض أعلاها، وشرها أسفلها". وأخرج ابن عساكر عنه أنه قال لحفار لأخيه: احفر له على قدر طولك، أو إلى المنكب، ولا تبعد له في الأرض.
وروى ابن النجار: "أن عبد الصمد بن علي أمرهم بتعجيل بعض أهله قبل المساء، وقال: حدثني أبي عن جدي عن النبي ﷺ قال: إن ملائكة النهار أرأف من ملائكة الليل".
وفي أمالي ابن بطة عن ابن عباس مرفوعا: "لله ملك موكل بالمقابر، فإذا دفن الميت وسوي عليه وتحولوا لينصرفوا، قبض قبضة من تراب القبر، فرمى بها في أقفيتهم، وقال: انصرفوا إلى دنياكم وانسوا موتاكم".
стр. 16
وقال ابن وهب: حدثني حيي بن عبد الله عن أبي عبد الرحمن الحبلي عن ابن عمرو قال: "توفي رجل بالمدينة ممن ولد بالمدينة، فصلى عليه رسول الله ﷺ وقال: ليته مات في غير مولده. فقال رجل: ولم يا رسول الله؟ قال: إن الرجل إذا مات قيس له من مولده إلى منقطع أثره في الجنة" ١.
وأخرج ابن أبي شيبة عن قتادة: أن "أنسا دفن ابنا له، فقال: اللهم جاف الأرض عن جنبيه، وافتح أبواب السماء لروحه، وأبدله دارا خيرا من داره".
وأخرج سعيد بن منصور عن أنس: "أنه كان إذا وضع الميت في قبره قال: اللهم جاف الأرض عن جنبيه، وصعد روحه، وتقبله، وتلقه منك بروح".
وأخرج ابن ماجه والبيهقي في سننه عن ابن المسيب قال: "حضرت ابن عمر في جنازة، فلما وضعها في اللحد، قال: اللهم أجرها من الشيطان ومن عذاب القبر. فلما سوي الكثيب عليها، قام جانب القبر، ثم قال: اللهم جاف الأرض عن جنبيها، وصعد روحها، ولقها منك رضوانا، ثم قال: سمعته من رسول الله ﷺ " ٢.
وأخرج سعيد بن منصور عن ابن مسعود قال: "كان رسول الله ﷺ يقف على القبر بعد ما يسوى عليه، فيقول: اللهم نزل بك صاحبنا، وخلف الدنيا خلف ظهره، اللهم ثبت عند المسألة منطقه، ولا تبتله في قبره بما لا طاقة له به".
стр. 17
وأخرج الطبراني في الكبير وابن منده عن أبي أمامة عن رسول الله ﷺ قال: "إذا مات أحد من إخوانكم، فسويتم التراب عليه، فليقم أحدكم على رأس قبره، ثم يقول: يا فلان ابن فلانة، فإنه يسمعه ولا يجيب، ثم ليقل: يا فلان ابن فلانة، فإنه يستوي قاعدا، ثم يقول: يا فلان ابن فلانة، فإنه يقول: أرشدنا رحمك الله. ولكن لا تشعرون، فليقل: اذكر ما خرجت عليه من الدنيا: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وأنك رضيت بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد نبيا، وبالقرآن إماما.
فإن منكرا ونكيرا يأخذ كل واحد منهما بيد صاحبه، ويقول: انطلق بنا، ما نقعد عند من لقن حجته، فيكون الله حجيجه دونهما قال رجل: يا رسول الله، فإن لم يعرف أمه؟ قال: ينسبه إلى حواء، يا فلان ابن حواء"
وأخرج أحمد والحكيم الترمذي في نوادر الأصول، والبيهقي في كتاب عذاب القبر عن حذيفة قال: "كنا مع النبي ﷺ في جنازة، فلما انتهيا إلى القبر، قعد على شفتيه، فجعل يردد بصره فيه، ثم قال: يضغط فيه المؤمن ضغطة تزور منها حمائله".
وأخرج أحمد والبيهقي عن عائشة عن النبي ﷺ قال: "إن للقبر ضغطة لو كان أحد منها ناجيا نجي منها سعد بن معاذ" ١.
وأخرج أحمد والطبراني والبيهقي عن جابر بن عبد الله قال: "لما دفن سعد بن معاذ سبح النبي ﷺ وسبح الناس معه طويلا، ثم كبر وكبر الناس، تم قالوا: يا رسول الله، لم سبحت؟ قال: لقد تضايق على هذا الرجل الصالح قبره، حتى فرج الله عنه".
стр. 18
وأخرج سعيد بن منصور والحكيم الترمذي والطبراني والبيهقي عن ابن عباس: "أن النبي ﷺ يوم دفن سعد بن معاذ وهو قاعد على قبره قال: لو نجا من ضمة القبر أحد لنجا سعد بن معاذ، ولقد ضمه ضمة، ثم أرخي عنه".
وأخرج النسائي والبيهقي عن عبد الله بن عمر عن رسول الله ﷺ قال: "هذا الذي تحرك له العرش، وفتحت له أبواب السماء، وشهده سبعون ألفا من الملائكة، لقد ضم ضمة، ثم فرج عنه" ١ يعني: سعد بن معاذ. قال الحسن: تحرك له العرش فرحا به.
وأخرج الحكيم الترمذي والحاكم والبيهقي عن ابن عمر قال: "دخل رسول الله ﷺ قبر سعد بن معاذ، فاحتبس، فلما خرج قيل: يا رسول الله، ما حبسك؟ قال: ضم سعد في القبر ضمة، فدعوت الله أن يكشف عنه".
وأخرج الحكيم الترمذي والبيهقي من طريق ابن إسحاق، حدثني أمية بن عبد الله أنه سأل بعض أهل سعد: ما بلغكم من قول رسول الله ﷺ في هذا؟ فقالوا: "ذكر لنا أن رسول الله ﷺ سئل عن ذلك، فقال: كان يقصر في بعض الطهور من البول".
وأخرج الطبراني عن أنس قال: "توفيت زينب بنت رسول الله ﷺ فخرجنا معه، فرأيناه مهتما شديد الحزن، فقعد على القبر هنيهة، وجعل ينظر إلى السماء، ثم ينزل فيه، فرأيته يزداد حزنا، ثم خرج، فرأيته سري عنه، فتبسم، فسألناه، فقال: كنت أذكر
стр. 19
ضيق القبر وغمه وضعف زينب، فكان ذلك يشق علي، فدعوت الله أن يخفف عنها ففعل، ولكن ضغطها ضغطة سمعها من بين الخافقين إلا الجن والإنس".
وأخرج أيضا بسند صحيح عن أبي أيوب: "أن صبيا دفن، فقال رسول الله ﷺ : لو أفلت أحد من ضمه القبر لأفلت هذا الصبي".
وأخرج في الأوسط عن أنس: "أن النبي ﷺ صلى على صبي أو صبية، فقال: لو أن أحدا نجا من ضمة القبر لنجا هذا الصبي".
وأخرج سعيد بن منصور عن زاذان أبي عمرو قال: "لما دفن رسول الله ﷺ ابنته رقية جلس عند القبر، فتربد وجهه، ثم سري عنه، فسأله أصحابه، فقال: ذكرت ابنتي وضعفها وعذاب القبر، فدعوت الله، ففرج عنها، وأيم الله لقد ضمت ضمة سمعها من بين الخافقين".
وأخرج هناد بن السري في الزهد عن ابن أبي مليكة قال: "ما أجير من ضغطة القبر أحد، ولا سعد بن معاذ الذي منديل من مناديله خير من الدنيا وما فيها".
وأخرج أيضا عن الحسن: أن النبي ﷺ قال - حين دفن سعد بن معاذ -: "إنه ضم في القبر ضمة حتى صار مثل الشعرة - فدعوت الله أن يرفع عنه ذلك - بأنه كان لا يستبرئ من البول".
وأخرج ابن سعد أخبرنا شبابة بن سوار، أخبرني أبو معشر عن سعيد المقبري قال: "لما دفن رسول الله ﷺ سعدا، قال: لو
стр. 20
نجا أحد من ضغطة القبر لنجا سعد، لقد ضم ضمة اختلفت منها أضلاعه من أثر البول".
وقال عبد الرزاق في المصنف عن ابن عيينة عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: "أشد حديث سمعناه عن النبي ﷺ قوله في سعد بن معاذ، وقوله في أمر القبر".
وأخرج ابن أبي الدنيا وغيره: "أن نافعا مولى ابن عمر - لما حضرته الوفاة - جعل يبكي، فقيل له: ما يبكيك؟ قال: ذكرت سعدا وضغطة القبر".
وللبيهقي وغيره عن ابن المسيب: أن عائشة قالت: "يا رسول الله، إنك منذ يوم حدثتني بصوت منكر ونكير وضغطة القبر، ليس ينفعني شيء، قال: يا عائشة، إن أصوات منكر ونكير في أسماع المؤمنين كالإثمد في العين، وإن ضغطة القبر على المؤمن كالأم الشفيقة، يشكو إليها ابنها الصداع ١ ولكن- يا عائشة - ويل للمشركين في الله، كيف يضغطون في قبورهم".
وللدارمي في مسنده عن خالد بن معدان أنه قال: "بلغني أن " الم تنزيل " تجادل عن صاحبها في القبر، تقول: اللهم إن كنت من كتابك فشفعني فيه، وإن لم أكن من كتابك فامحني عنه، وإنها تكون كالطير، تجعل جناحيها عليه، فتشفع له، وتمنعه من عذاب القبر، وفي "تبارك" مثله. فكان خالد لا يبيت حتى يقرأ بهما".
стр. 21
أخرج الطبراني والبيهقي عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "ليس على أهل لا إله إلا الله وحشة عند الموت، ولا في قبورهم، ولا في منشرهم".
ولابن جرير عن جويبر قال: "مات ابن للضحاك بن مزاحم - ابن ستة أيام - فقال: إذا وضعت ابني في لحده، فأبرز وجهه، وحل عقده، فإن ابني مجلس ومسؤول، فقلت: عم يسأل؟ قال: عن الميثاق الذي أقر به في صلب آدم".
أخرج ابن ماجه والحاكم عن هانئ - مولى عثمان - قال: "كان عثمان إذا وقف على قبر بكى حتى يبل لحيته، فيقال له: تذكر الجنة والنار فلا تبكي وتبكي من هذا؟ فيقول: إن رسول الله ﷺ قال: إن القبر أول منازل الآخرة، فإن نجا منه فما بعده أيسر منه، وإن لم ينج منه فما بعده أشد منه" ١.
وقال رسول الله ﷺ : "ما رأيت منظرا إلا والقبر أفظع منه ٢".
ولابن ماجه عن البراء قال: "كنا مع رسول الله ﷺ في جنازة، فجلس على شفير قبر، فبكى وأبكى حتى بل الثرى، ثم قال: يا إخوتي، لمثل هذا فأعدوا".
ولأحمد والنسائي عن ابن عمرو قال: "توفي رجل بالمدينة، فصلى عليه رسول الله ﷺ فقال: يا ليته مات في غير مولده".
стр. 22
فقال رجل من الناس: لم يا رسول الله؟ قال: إن الرجل إذا توفي في غير مولده قيس له من مولده إلى منقطع أثره في الجنة" ١
ولابن أبي الدنيا والبيهقي عن ابن عمر مرفوعا: "القبر حفرة من حفر جهنم، أو روضة من رياض الجنة". ولابن أبي شيبة عن علي مثله موقوفا. ولأحمد وابن أبي الدنيا عن وهب: كان عيسى ﵇ واقفا على قبر، ومعه الحواريون فذكروا القبر ووحشته وظلمته وضيقه، فقال عيسى: كنتم في أضيق منه في أرحام أمهاتكم، فإذا أراد الله تعالى أن يوسع.......
ولابن أبي الدنيا عن أبي غالب - صاحب أبي أمامة - "أن فتى بالشام حضره الموت، فقال لعمه: أرأيت لو أن الله تعالى دفعني إلى والدتي ما كانت صانعة بي؟ قال: إذا والله كانت تدخلك الجنة؟ قال: فوالله، لله أرحم بي من والدتي، فقبض الفتى، فدخلت القبر مع عمه، فقلنا باللبن، فسويناه عليه، فسقطت منها لبنة، فوثب عمه فتأخر، فقلت: ما شأنك؟ فقال: ملئ قبره نورا، وفسح له مد بصره".
ولأبي داود وغيره عن عائشة قالت: "لما مات النجاشي، كنا نحدث: أنه لا يزال يرى على قبره نور".
وفي تاريخ ابن عساكر عن عبد الرحمن بن عمارة قال: "حضرت جنازة الأحنف بن قيس، فكنت فيمن نزل قبره، فلما سويته رأيته قد فسح له مد بصري، فأخبرت بذلك أصحابي، فلم يروا ما رأيت".
وعن إبراهيم الحنفي قال: "لما صلب ماهان الحنفي على بابه، كنا نرى الضوء عنده في الليل".
стр. 23
وأخرج عبد بن حميد والبزار في مسنديهما عن ابن عباس مرفوعا: "أول ما يجازى به المؤمن بعد موته أن يغفر لجميع من تبعه".
ولمسلم عن أم سلمة أن رسول الله ﷺ قال: "إن هذه القبور مملوءة على أهلها ظلمة، وإن الله ينورها بصلاتي عليهم" ١.
وأخرج الخطيب وأبو نعيم عن علي قال: قال رسول الله ﷺ : "من قال في كل يوم مائة مرة: لا إله إلا الله الملك الحق المبين،. كان له أمانا من الفقر، وأنسا في وحشة القبر، وفتحت له أبواب الجنة" وأخرجه الخطيب من حديث ابن عمر أيضا.
ولأحمد في الزهد عن كعب قال: "أوحى الله إلى موسى ﵇: تعلم الخير، وعلمه الناس، فإني منور لمعلم العلم ومتعلمه قبورهم حتى لا يستوحشوا مكانهم". ولسعيد في سننه عن الحسن قال: "قال موسى: يا رب، ما لمن عاد مريضا؟، قال: يوكل به ملائكة، يعودونه في قبره حتى يبعث".
ولأحمد عن عائشة مرفوعا: "لا يحاسب أحد يوم القيامة فيغفر له، يرى المسلم عمله في قبره" ٢.
ولمسلم عن زيد بن ثابت قال: "بينما النبي ﷺ في حائط لبني النجار، على بغلة له، ونحن معه، إذ حادت به، فكادت تلقيه، وإذا
стр. 24
أقبر - ستة، أو خمسة، أو أربعة - فقال: من يعرف أصحاب هذه الأقبر؟ فقال رجل: أنا، فقال: متى مات هؤلاء؟ قال: ماتوا في الإشراك، فقال: إن هذه الأمة تبتلى في قبورها، فلولا أن لا تدافنوا، لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر الذي أسمع" ١.
ولهما عن عائشة: أن رسول الله ﷺ قال: "إن أهل القبور يعذبون في قبورهم عذابا تسمعه البهائم" ٢.
ولأحمد وغيره عن أبي سعيد مرفوعا: "يسلط على الكافر في قبره تسعة وتسعون تنينا تلدغه حتى تقوم الساعة" ٣.
وله عن عائشة مرفوعا: "يرسل على الكافر حيتان: واحدة من قبل رأسه، والأخرى من قبل رجليه، يقرضانه قرضا، كلما فرغتا عادتا إلى يوم القيامة" ٤.
ولابن أبي شيبة وغيره عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "تنزهوا من البول، فإن عامة عذاب القبر منه".
وللبيهقي وغيره عن ميمونة قالت، قال النبي ﷺ : "يا ميمونة، تعوذي بالله من عذاب القبر، وإن من أشد عذاب القبر الغيبة والبول".
وله عن قتادة قال: "إن عذاب القبر ثلاثة، ثلث من الغيبة، وثلث من النميمة، وثلث من البول".
وله عن أبي هريرة مرفوعا نحوه، وقال: "من ثلاثة: من الغيبة والنميمة والبول، فإياكم ذلك".
стр. 25
ولابن أبي الدنيا عن الحويرث بن الرباب قال: "بينا أنا بالأثاية، إذ خرج علينا إنسان من قبر، يلتهب وجهه ورأسه نارا في جامعة من حديد، فقال: اسقني اسقني. وخرج في أثره إنسان، يقول: لا تسق الكافر، فأدركه، وأخذ بطرف له بسلسلة، فكبه، ثم جره، حتى دخلا القبر جميعا، قال الحويرث: فصارت الناقة لا أقدر منها على شيء، حتى التوت بعرق الضبية فبركت، فنزلت فصليت المغرب والعشاء، ثم ركبت، حتى أصبحت بالمدينة، فأتيت عمر بن الخطاب، فأخبرته، فقال: يا حويرث، والله ما أتهمك، ولقد أخبرتني خبرا شديدا، فأرسل عمر إلى مشيخة من أهل كنفي الصفراء قد أدركوا الجاهلية، ثم دعا الحويرث فقال: إن هذا حدثني حديثا، ولست أتهمه، حدثهم يا حويرث بما حدثتني. فحدثتهم؟ فقالوا: قد عرفنا هذا يا أمير المؤمنين، هذا رجل من بني غفار، مات في الجاهلية، ولم يكن يرى للضيف حقا".
وأخرج عن عروة قال: "بينما راكب يسير بين مكة والمدينة، إذ مر بمقبرة، فإذا رجل قد خرج من قبره، يلتهب نارا، مصفدا في الحديد، فقال: يا عبد الله، انضح، يا عبد الله، انضح، وخرج آخر يتلوه، فقال: يا عبد الله، لا تنضح، يا عبد الله، لا تنضح. وغشي على الراكب، فأصبح وقد ابيض شعره، فأخبر عثمان بذلك، فنهى أن يسافر الرجل وحده".
ولأحمد وابن خزيمة والنسائي عن أبي رافع قال: "مررت مع رسول الله ﷺ بالبقيع؟ قال: "أف، أف" فظننت أنه يريدني، فقلت: يا رسول الله، أحدثت شيئا؟ قال: "وما ذاك؟ " قلت:
стр. 26
أففت بي، قال: لا، ولكن صاحب هذا القبر - فلان - بعثته ساعيا على بني فلان، فغل درعا، فدرع الآن مثلها من النار".
ولابن أبي شيبة عن عمرو بن شرحبيل قال: "مات رجل يرون أن عنده ورعا، فأتي في قبره، فقيل: إنا جالدوك مائة جلدة من عذاب الله، قال: فبم تجلدون، فقد كنت أتوقى وأتورع؟ فقيل: خمسون. فلم يزالوا يناقصونه، حتى صار إلى جلدة، فجلد، فالتهب القبر عليه نارا، وهلك الرجل، ثم أعيد وقال: فيم جلدتموني؟ قالوا: صليت يوما وأنت على غير وضوء، ومررت بمظلوم يستغيث فلم تغثه".
وأخرجه أبو الشيخ والطحاوي عن ابن مسعود مرفوعا.
وأخرج البخاري عن سمرة قال: "كان رسول الله ﷺ مما يكثر أن يقول لأصحابه: "هل رأى أحد منكم رؤيا؟ " وإنه قال لنا ذات غداة: "إنه أتاني الليلة آتيان، فقالا لي: انطلق. فانطلقت معهما، فأخرجاني إلى الأرض المقدسة، فأتينا على رجل مضطجع، وإذا آخر قائم عليه بصخرة، وإذا هو يهوي بالصخرة لرأسه، فيثلغ رأسه، فيتدهده الحجر هاهنا، فيتبع الحجر فيأخذه، فلا يرجع إليه حتى يصح رأسه كما كان، ثم يعود فيفعل به مثل ما فعل في المرة الأولى، قلت لهما: سبحان الله! ما هذان؟ قالا لي: انطلق، فانطلقنا، فأتينا على رجل مستلق، لقفاه، وإذا آخر قائم عليه بكلوب من حديد، وإذا هو يأتي أحد شقي وجهه، فيشرشر شدقه إلى قفاه، ومنخره إلى قفاه، وعينه إلى قفاه، ثم يتحول إلى الجانب الآخر فيفعل به مثل ما فعل بالجانب الأول، فما يفرغ من ذلك الجانب حتى يصح ذلك الجانب كما كان، ثم يعود عليه فيفعل مثل ما فعل
стр. 27
المرة الأولى، قلت: سبحان الله! ما هذان؟ قالا لي: انطلق، فانطلقنا، فأتينا على مثل التنور، فإذا فيه لغط وأصوات، فاطلعنا فيه، فإذا فيه رجال ونساء عراة، فإذا هم يأتيهم لهب من أسفل منهم، فإذا أتاهم ذلك اللهب ضوضوا، قلت: ما هؤلاء؟ قالا لي: انطلق. فانطلقنا، فأتينا على نهر أحمر مثل الدم، وإذا في النهر رجل سابح يسبح، وإذا على شط النهر رجل عنده حجارة كثيرة، وإذا ذلك السابح يسبح ما سبح، ثم يأتي الذي جمع عنده الحجارة فيفغر له فاه، فيلقمه حجرا، فينطلق فيسبح، ثم يرجع إليه، كلما رجع إليه فغر له فاه، فألقمه حجرا، قلت لهما: ما هذان؟ قالا: انطلق، فأتينا على رجل كريه المرآة كأكره ما أنت راء، وإذا هو عنده نار يحشها ويسعى حولها، فقلت لهما: ما هذا؟ قالا لي: انطلق. فانطلقنا فأتينا على روضة معتمة، فيها من كل نور الربيع، وإذا بين ظهري الروضة رجل طويل لا أكاد أرى رأسه طولا في السماء، وإذا حول الرجل من أكثر ولدان رأيتهم قط، قالا لي: انطلق، فانطلقنا، فأتينا إلى روضة عظيمة، لم أر روضة قط أعظم منها، ولا أحسن، قالا لي: ارق فيها، فارتقينا، فانتهينا فيها إلى مدينة مبنية بلبن ذهب ولبن فضة فأتينا باب المدينة، فاستفتحنا، ففتح لنا، فدخلناها، فتلقانا رجال، شطر من خلقهم كأحسن ما أنت راء، وشطر كأقبح ما أنت راء، قالا لهم: اذهبوا فقعوا في ذلك النهر. فإذا نهر معترض يجري، كأن ماءه المحض في البياض، فذهبوا فوقعوا فيه، ثم رجعوا إلينا قد ذهب السوء عنهم، فصاروا في أحسن صورة، قالا لي: هذه جنة عدن، وهذاك منزلك، فسما بصري صعدا، فإذا قصر مثل الربابة البيضاء، قالا لي: هذا منزلك.
стр. 28
قلت لهما: بارك الله فيكما، ذراني، فأدخله، قالا لي: أما الآن فلا، وأنت داخله، قلت لهما: فإني رأيت منذ الليلة عجبا، فما هذا الذي رأيت؟ قالا: أما الرجل الأول الذي أتيت عليه يثلغ رأسه بالحجر، فإنه الرجل يأخذ القرآن فيرفضه، وينام عن الصلاة المكتوبة، يفعل به إلى يوم القيامة، وأما الرجل الذي أتيت عليه يشرشر شدقه إلى قفاه ومنخره إلى قفاه وعينه إلى قفاه، فإنه الرجل يغدو من بيته، فيكذب الكذبة تبلغ الآفاق، فيصنع به إلى يوم القيامة، وأما الرجال والنساء العراة الذين في مثل التنور، فإنهم الزناة والزواني، وأما الرجل الذي أتيت عليه يسبح في النهر ويلقم الحجارة، فإنه آكل الربا، وأما الرجل الكريه المرآة الذي عنده النار يحشها، فإنه مالك خازن جهنم، وأما الرجل الطويل الذي في الروضة، فإنه إبراهيم ﷺ وأما الولدان الذين حوله، فكل مولود مات على الفطرة. قالوا: يا رسول الله، وأولاد المشركين؟ قال: وأولاد المشركين. وأما القوم الذين كانوا شطر منهم حسن وشطر منهم قبيح، فإنهم قوم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا، تجاوز الله عنهم، وأنا جبريل وهذا ميكائيل".
وأخرج ابن عساكر عن علي نحوه: "فمضيت، وإذا بتل أسود عليه قوم مخبلون تنفح النار في أدبارهم، فتخرج من أفواههم ومناخرهم وآذانهم وأعينهم - إلى أن قال -:
وأما صاحب الكلوب الذي رأيت، فأولئك الذين كانوا يمشون بين المؤمنين بالنميمة، فيفسدون بينهم فهم يعذبون بها حتى يصيروا إلى النار، وأما القوم المخبلون فأولئك الذين يعملون عمل قوم لوط الفاعل والمفعول به، فهم يعذبون حتى يصيروا إلى النار".
стр. 29
وللخطيب عن أبي موسى مرفوعا: "رأيت رجالا تقرض جلودهم بمقاريض من نار، قلت: ما شأن هؤلاء؟ قال: هؤلاء الذين يتزينون إلى ما لا يحل لهم. ورأيت خباء خبيث الريح فيه صياح، قلت: ما هذا؟ قال: هن نساء يتزين إلى ما لا يحل لهن".
وللبيهقي عن أبي سعيد في حديث الإسراء قال: "ثم مضيت هنيهة، فإذا أنا بأخونة، عليها لحم مشرح، ليس يقربه أحد، وإذا أنا بأخونة، عليها لحم قد أروح ونتن، عندها أناس يأكلون منها، قلت: يا جبريل.
ما هؤلاء؟ قال: قوم من أمتك، يتركون الحلال ويأتون الحرام، ثم مضيت هنيهة، فإذا أنا بأقوام بطونهم أمثال البيوت، كلما نهض أحدهم خر، يقول: اللهم، لا تقم الساعة، وهم على سابلة آل فرعون، فتجيء السابلة، فتطأهم، فسمعتهم يضجون إلى الله، قلت: يا جبريل، من هؤلاء؟
قال: هؤلاء من أمتك الذين يأكلون الربا، ثم مضيت هنيهة، فإذا أنا بأقوام مشافرهم كمشافر الإبل، فتفتح أفواههم، ويلقمون من ذلك الجمر، ثم يخرج من أسافلهم، قلت: من هؤلاء؟، قال: هؤلاء من أمتك، الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما، ثم مضيت هنيهة، فإذا أنا بأقوام يقطع من جنوبهم اللحم، فيلقمون، فيقال: كل كما كنت تأكل من لحم أخيك، قلت: من هؤلاء؟ قال: هؤلاء اللمازون".
وله ولابن عدي عن أبي هريرة في حديث الإسراء: "ثم أتى على قوم، على أقبالهم رقاع، وعلى أدبارهم رقاع، يسرحون كما تسرح الإبل والغنم، ويأكلون الضريع والزقوم ورضف جهنم وحجارتها، قلت: من هؤلاء؟ قال: هؤلاء الذين لا يؤدون صدقات أموالهم. ثم أتى على قوم بين أيديهم لحم ينضج
стр. 30
في قدر، ولحم آخر نيئ خبيث، فجعلوا يأكلون من النيئ، ويدعون النضيج الطيب، قلت: من هؤلاء؟ قال: الرجل يقوم من عند امرأته حلالا فيأتي المرأة الخبيثة، فيبيت معها حتى يصبح، والمرأة تقوم من عند زوجها حلالا طيبا فتأتي الرجل الخبيث، فتبيت عنده حتى تصبح.
ثم أتى على رجل قد جمع حزمة عظيمة، لا يستطيع حملها، وهو يزيد عليها، فقال: ما هذا؟ قال: هذا الرجل يكون عنده أمانات الناس لا يقدر على أدائها، وهو يحمل عليها. ثم أتى على قوم تقرض ألسنتهم وشفاههم بمقاريض من حديد، كلما قرضت عادت كما كانت، لا يفتر عنهم من ذلك شيء، قال: ما هؤلاء؟ قال: خطباء الفتنة".
ولأبي داود عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "لما عرج بي، مررت بأقوام لهم أظفار من نحاس يخمشون وجوههم وصدورهم، قلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم"
وفي تاريخ ابن عساكر بسنده عن عمرو بن أسلم الدمشقي قال: "مات عندنا رجل بالثغر، فدفن، فحفر عليه في اليوم الثالث، فإذا اللبن بحاله منصوب; وليس في اللحد شيء، فسئل وكيع بن الجراح عن ذلك، فقال: سمعنا في حديث: أن من مات وهو يعمل عمل قوم لوط سار به قبره حتى يصير معهم ويحشر معهم".
ولابن أبي الدنيا عن مسروق قال: "ما من ميت يموت وهو يسرق أو يزني أو يأتي شيئا من هذه إلا جعل معه شجاعان ينهشانه في قبره".
стр. 31
وأخرج ابن خزيمة وابن حبان عن أبي أمامة - وسنده جيد - قال: "خرج علينا رسول الله ﷺ بعد صلاة الصبح، فقال: إني رأيت رؤيا - وهي حق - فاعقلوها، أتاني رجل، فأخذ بيدي، فاستتبعني، حتى أتى جبلا وعرا طويلا، فقال لي: ارقه، فقلت: لا أستطيع، فقال: إني سأسهله لك، فجعلت كلما رفعت قدمي وضعتها على درجة، حتى استويت إلى سواء الجبل. فانطلقنا، فإذا نحن برجال ونساء مشققة أشداقهم، قلت: من هؤلاء؟ قال: هؤلاء الذين يقولون ما لا يفعلون. ثم انطلقنا، فإذا نحن برجال ونساء مسمرة أعينهم وآذانهم، قلت: ما هؤلاء؟ قال: هؤلاء الذين يرون أعينهم ما لا ترى، ويسمعون آذانهم ما لا يسمعون. ثم انطلقنا، فإذا نحن بنساء معلقات بعراقيبهن، مصوبة رؤوسهن، تنهش أقدامهن الحيات، قلت: ما هؤلاء؟ قال: هؤلاء اللاتي يمنعن أولادهن ألبانهن. فانطلقنا، فإذا نحن برجال ونساء معلقين بعراقيبهم، مصوبة رؤوسهم، يلحسون من ماء قليل وحمإ، قلت: ما هؤلاء؟ قال: هؤلاء الذين يصومون ثم يفطرون قبل تحلة صومهم، ثم انطلقنا، فإذا نحن برجال ونساء أقبح شيء منظرا، وأقبحه لبوسا، وأنتنه ريحا، كأن ريحهم ريح المراحيض، قلت: من هؤلاء؟ قال: هؤلاء الزانون والزناة. ثم انطلقنا، فإذا نحن بموتى أشد شيء انتفاخا، وأقبحه ريحا، قلت: من هؤلاء؟ قال: هؤلاء موتى الكفار. ثم انطلقنا، فإذا نحن برجال تحت الشجر، قلت: من هؤلاء؟ قال: هؤلاء موتى المسلمين. ثم انطلقنا، فإذا نحن بغلمان وجوار يلعبون بين نهرين، قلت: من هؤلاء، قال: هؤلاء ذرية المؤمنين. ثم انطلقنا، فإذا نحن برجال
стр. 32
أحسن شيء وجوها، وأحسنه لبوسا، وأطيبه ريحا، كأن وجوههم القراطيس، قلت: ما هؤلاء؟ قال: هؤلاء الصديقون والشهداء والصالحون. ثم انطلقنا، فإذا نحن بثلاثة يشربون خمرا لهم، ويتغنون، قلت: من هؤلاء؟ قال: زيد بن حارثة، وجعفر بن أبي طالب، وعبد الله بن رواحة".
وأخرج ابن أبي الدنيا عن مرثد بن حوشب قال: "كنت جالسا عند يوسف بن عمر وإلى جنبه رجل - كأن شقة وجهه صفحة من حديد - فقال له يوسف: حدث مرثدا بما رأيت، قال: حفرت قبر إنسان ليلا، فلما دفن وسووا عليه، أقبل طائران أبيضان مثل البعيرين، حتى سقط أحدهما عند رأسه والآخر عنه رجليه، ثم أثاراه، ثم تدلى أحدهما في القبر والآخر على شفيره، فجئت فجلست على شفير القبر، فسمعته يقول: ألست الزائر أصهارك في ثوبين ممصرا نسجهما كبرا وتمشي الخيلاء؟ فقال: أنا أضعف من ذلك، فضربه ضربة امتلأ القبر حتى فاض ماء ودهنا، ثم أعاد وأعاد عليه القول، حتى ضربه ثلاث ضربات، ثم رفع رأسه، فنظر إلي فقال: انظروا ١ أين هو جالس، نكسه الله. ثم ضرب جانب وجهي فسقطت ليلتي، حتى أصبحت كما ترى".
وله عن أبي إسحاق الفزاري: "أنه أتاه رجل فقال: كنت أنبش القبور، وكنت أجد قوما وجوههم لغير القبلة. فكتب إلى الأوزاعي يسأله، فقال: أولئك قوم ماتوا على غير السنة".
стр. 33
وللترمذي وصححه عن عمارة بن عمير قال: "لما قتل عبيد الله بن زياد، أتي برأسه ورؤوس أصحابه فألقيت في الرحبة، فجاءت حية عظيمة، فتفرق الناس من فزعها، فتخللت الرؤوس، حتى دخلت في منخر عبيد الله بن زياد، ثم خرجت من فيه، ثم دخلت من فيه وخرجت من أنفه، ففعلت به مرارا، ثم ذهبت، ثم عادت ففعلت به مثل ذلك - مرارا - من بين الرؤوس، ولا يُدْرَى من أين جاءت ولا أين ذهبت".
وللبيهقي في الشعب عن عبد الحميد بن محمود المعولي قال: "كنت جالسا عند ابن عباس، فأتاه قوم، فقالوا: إنا خرجنا، ومعنا صاحب لنا، حتى أتينا ذا الصفاح، فمات، فهيأناه، ثم انطلقنا، فحفرنا له قبرا ولحدنا له، فلما فرغنا من لحده، فإذا نحن بأسود، قد ملأ اللحد، فتركناه، وحفرنا له مكانا آخر، فلما فرغنا من لحده، إذا نحن بأسود قد ملأ اللحد، فقال ابن عباس: ذلك عمله الذي كان يعمل، انطلقوا فادفنوه في بعضها، فوالذي نفسي بيده لو حفرتم الأرض كلها لوجدتموه فيها، فانطلقنا فدفناه في بعضها، فلما رجعنا سألنا امرأته: ما كان عمل زوجك؟ قالت: كان يبيع الطعام، فيأخذ منه كل يوم قوت أهله ثم يقرض ١ الفضل مثله فيلقيه فيه".
وروى تمام عن أبي علي محمد بن ماهان الأنصاري عن عصمة بن أبي عصمة البخاري عن أحمد بن عمار بن خالد التمار عن عصمة العباداني قال: "كنت أجول في بعض الفلوات إذ أبصرت ديرا، وإذا في الدير صومعة،
стр. 34
وإذا في الصومعة راهب، فقلت له: حدثني بأعجب ما رأيت في هذا الموضع، قال: نعم، بينما أنا ذات يوم، إذ رأيت طائرا أبيض مثل النعامة، قد وقع على تلك الصخرة، فتقيأ رأسا ثم رجلا ثم ساقا، فإذا هو كلما تقيأ عضوا من تلك الأعضاء، التأمت بعضها إلى بعض أسرع من البرق، حتى استوى رجلا جالسا، فإذا هم بالنهوض نقره الطائر نقرة قطعه أعضاء، ثم يرجع فيبتلعه، فلم يزل على ذلك أياما، فكثر تعجبي منه وازددت يقينا بعظمة الله تعالى، وعلمت أن لهذه الأجساد حياة بعد الموت. فالتفت إليه يوما، فقلت: أيها الطائر، سألتك بحق الله الذي خلقك وبرأك، ألا أمسكت عنه حتى أسائله، فيخبرني بقصته، فأجابني الطائر بصوت عربي طلق: لربي الملك وله البقاء، الذي يفني كل شيء ويبقى، أنا ملك من ملائكة الله، موكل بهذا الجسد لما أجرم، فالتفت إليه، فقلت: يا هذا الرجل المسيء إلى نفسه، ما قصتك؟ ومن أنت؟ قال: أنا عبد الرحمن بن ملجم قاتل علي، وإني لما قتلته وصارت روحي بين يدي الله، ناولني صحيفة مكتوب فيها ما عملته من الخير والشر منذ ولدتني أمي إلى أن قتلت عليا، وأمر الله هذا الملك بعذابي إلى يوم القيامة، فهو يفعل بي ما تراه. ثم سكت فنقره ذلك الطائر نقرة نثر أعضاءه بها، ثم جعل يبتلعه عضوا عضوا، ثم مضى".
قال السيوطي: هذا الإسناد ليس فيه من تكلم فيه سوى أبي علي، فقال الذهبي: إنه كان متهما. قال ابن رجب: وقد رويت هذه الحكاية من وجه آخر أخرجها ابن النجار في تاريخه، وأيضا من طريق أبي عبد الله الرازي صاحب السداسيات عن أبي بكر بن أبي الأصبع قال: قدم علينا
стр. 35
شيخ غريب. فذكر: أنه كان نصرانيا سنين، وأنه تعبد في صومعة. فذكر شبيهة بالحكاية.
وأخرج ابن الجوزي عن محمد بن يوسف الفريابي قال: "سمعت أبا سنان - وكان رجلا صالحا - يقول: عزيت رجلا بأخيه، فوجدته جزعا، فقال: إنما أجزع لما رأيت، لما دفنته، وسويت التراب عليه، إذا صوت من القبر يقول: أوه، فقلت: أخي والله، فكشفت التراب، فقيل: يا عبد الله لا تنبشه، فرددت عليه التراب، فلما ذهبت لأقوم إذا هو يقول: أوه، فقلت: والله لا تركت نبشه، فنبشته، فإذا هو مطوق بطوق من نار، قد التمع عليه القبر نارا، فطمعت أن أقطع ذلك الطوق، فضربته بيدي لأقطعه، فذهبت أصابعي. فأخرج لنا يده، فإذا أصابعه الأربع قد ذهبت، فأتيت الأوزاعي، فحدثته، قلت: يا أبا عمرو، يموت اليهودي والنصراني والكفار ولا نرى مثل هذا؟ فقال: نعم: أولئك لا شك أنهم في النار، ويريكم الله في أهل التوحيد لتعتبروا".
قال ابن القيم: وحدثنا أبو عبد الله محمد بن الحراني: "أنه خرج من داره بآمد - بعد العصر - إلى بستان، فلما كان قبل غروب الشمس، توسط القبور، وإذا قبر منها وهو جمرة نار مثل كور الزجاج، والميت في وسطه، قال: وسألت عن صاحب القبر، فإذا هو مكاس قد توفي في ذلك اليوم".
وأخرج هناد في الزهد عن مجاهد قال: "للكفار هجعة، يجدون فيها طعم النوم حتى يوم القيامة، فإذا صيح بأهل القبور، يقول الكافر: ﴿يَا وَيْلَنَا
стр. 36
مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ فيقول المؤمن إلى جنبه ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ ١.
أخرج الطبراني وغيره عن عبد الرحمن بن سمرة قال: "خرج علينا رسول الله ﷺ ذات يوم، فقال: إني رأيت البارحة عجبا رأيت رجلا من أمتي جاءه ملك الموت ليقبض روحه، فجاء بره بوالديه، فرده عنه. ورأيت رجلا من أمتي قد بسط عليه عذاب القبر، فجاءه وضوؤه فاستنقذه من ذلك. ورأيت رجلا من أمتي احتوشته الشياطين، فجاءه ذكر الله فخلصه من بينهم. ورأيت رجلا من أمتي قد احتوشته ملائكة العذاب، فجاءته صلاته فاستنقذته من أيديهم. ورأيت رجلا من أمتي يلهث عطشا، كلما ورد حوضا منع عنه، فجاءه صيامه فسقاه وأرواه. ورأيت رجلا من أمتي والنبيون قعود حلقا حلقا، كلما دنا من حلقة طردته، فجاءه اغتساله من الجنابة فأخذه بيده وأقعده إلى جنبي. ورأيت رجلا من أمتي بين يديه ظلمة، وخلفه ظلمة، وعن يمينه ظلمة، وعن يساره ظلمة، ومن فوقه ظلمة، ومن تحته ظلمة، فهو متحير فيها، فجاءه حجه وعمرته، فاستخرجاه من الظلمة، وأدخلاه في النور. ورأيت رجلا من أمتي يكلم المؤمنين ولا يكلمونه، فجاءته صلة الرحم، فقالت: يا معشر المؤمنين، كلموه.
فكلموه، ورأيت رجلا من أمتي يتقي وهج النار وشررها بيده عن وجهه، فجاءت صدقته، فصارت سترا على وجهه وظلا على رأسه. ورأيت رجلا من أمتي أخذته الزبانية من
стр. 37
كل مكان، فجاءه أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر، فاستنقذاه من أيديهم، وأدخلاه مع ملائكة الرحمة. ورأيت رجلا من أمتي جاثيا على ركبتيه، وبينه وبين الله حجاب، فجاءه حسن خلقه، فأخذ بيده وأدخله على الله. ورأيت رجلا من أمتي قد هوت صحيفته من قبل شماله، فجاءه خوفه من الله (فأخذ صحيفته فوضعها في يمينه. ورأيت رجلا من أمتي قد خف ميزانه، فجاءته أفراطه، فثقلوا ميزانه. ورأيت رجلا من أمتي قائما على شفير جهنم، فجاءه وجله من الله فاستنقذه من ذلك ومضى. ورأيت رجلا من أمتي هوى في النار. فجاءته دموعه التي بكى من خشية الله في الدنيا، فاستخرجته من النار. ورأيت رجلا من أمتي قائما على الصراط يرعد كما ترعد السعفة، فجاءه حسن ظنه بالله، فسكن رعدته ومضى. ورأيت رجلا من أمتي على الصراط يزحف أحيانا ويحبو أحيانا، فجاءته صلاته علي، فأخذته بيده، فأقامته، ومضى على الصراط. ورأيت رجلا من أمتي انتهى إلى أبواب الجنة فغلقت الأبواب دونه، فجاءته شهادة أن لا إله إلا الله، ففتحت له الأبواب وأدخلته١ الجنة. ورأيت ناسا تقرظ شفاههم، قلت: يا جبريل، من هؤلاء؟ قال: المشاؤون بالنميمة بين الناس. ورأيت رجالا معلقين بألسنتهم، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين يرمون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا".
وللترمذي وصححه، وابن ماجه عن المقدام بن معد يكرب قال: قال رسول الله ﷺ : "للشهيد عند الله ست خصال: يغفر له
стр. 38
في أول دفعة من دمه، ويرى مقعده من الجنة، ويجار من عذاب القبر، ويأمن من الفزع الأكبر، ويوضع على رأسه تاج الوقار، الياقوتة منه خير من الدنيا وما فيها، ويزوج بثنتين وسبعين زوجة من الحور العين، ويشفع في سبعين من أقاربه".
أخرج مسلم عن أنس: "أن النبي ﷺ ليلة أسري به مر بموسى ﷺ وهو قائم يصلي في قبره" ١.
ولأحمد عن عفان عن حماد عن ثابت أنه قال: "اللهم إن كنت أعطيت أحدا الصلاة في قبره، فأعطني الصلاة في قبري".
ولأبي نعيم عن جبير قال: "أنا - والله الذي لا إله إلا هو - أدخلت ثابتا البناني في لحده، ومعي حميد الطويل، فلما سوينا عليه اللبن، سقطت لبنة، فإذا أنا به يصلي في قبره".
وله ولابن جرير عن "ابن إبراهيم بن ٢ المهلبي قال: "حدثني الذين كانوا يمرون بالجص بالأسحار، قالوا: كنا إذا مررنا بجبانة قبر ثابت البناني سمعنا قراءة القرآن".
وللترمذي وحسنه عن ابن عباس قال: "ضرب بعض أصحاب النبي ﷺ خباءه على قبر، وهو لا يحسب أنه قبر، فإذا فيه إنسان يقرأ سورة الملك حتى ختمها، فأتى النبي ﷺ فأخبره فقال رسول الله ﷺ : هي المانعة، هي المنجية، تنجيه من عذاب القبر" ٣.
стр. 39
وللنسائي والحاكم عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : "نمت فرأيتني في الجنة" ١ - ولفظ النسائي: "دخلت الجنة - فسمعت صوت قارئ يقرأ، فقلت: من هذا؟ قالوا: حارثة بن النعمان فقال: رسول الله ﷺ : كذاك البر، كذاك البر، كذاك البر، وكان أبر الناس بأمه" ٢.
ولابن أبي الدنيا عن الحسن قال: "بلغني أن المؤمن إذا مات ولم يحفظ القرآن أمر حفظته أن يعلموه القرآن في قبره حتى يبعثه الله يوم القيامة مع أهله".
وله عن يزيد الرقاش نحوه، وروى السلفي معناه من مراسيل عطية العوفي.
ولابن أبي شيبة عن ابن سيرين قال: "كان ٣ يحب حسن الكفن، ويقول: إنهم يتزاورون في أكفانهم" ومعناه في مسند ابن أبي أسامة عن جابر مرفوعا، وفيه: ويتباهون ويتزاورون في قبورهم.
ولمسلم من حديثه: "إذا ولي أحدكم أخاه فليحسن كفنه" ٤ وللترمذي وابن ماجه ومحمد بن يحيى الهمداني في صحيحه عن أبي قتادة مرفوعا: "إذا ولي أحدكم أخاه فليحسن كفنه، فإنهم يتزاورون في قبورهم" ٥.
وأخرج ابن أبي الدنيا بسند لا بأس به عن راشد بن سعد: "أن رجلا توفيت امرأته، فرأى نساء في المنام، ولم ير امرأته معهن، فسألهن عنها، فقلن: إنكم قصرتم في كفنها، فهي تستحي تخرج معنا. فأتى الرجل
стр. 40
النبي ﷺ : فأخبره، قال النبي ﷺ انظر هل إلى ثقة من سبيل؟ فأتى رجلا من الأنصار قد حضرته الوفاة، فأخبره، فقال الأنصاري: إن كان أحد يبلغ الموتى بلغت. فتوفي الأنصاري، فجاء بثوبين مزودين بالزعفران، فجعلهما في كفن الأنصاري، فلما كان الليل رأى النسوة، ومعهن امرأته، وعليها الثوبان الأصفران".
وروى ابن الجوزي عن محمد بن يوسف الفريابي: "قصة المرأة التي رأت أمها في المنام، تشكو إليها الكفن، فقصوا على محمد وسألوه، وفيه: أن أمها قالت لا: اشتروا لي كفنا، وابعثوه مع فلانة، قال الفريابي: فذكرت الحديث: أنهم يتزاورون في أكفانهم، فقلت: اشتروا لها كفنا، فماتت المرأة في اليوم الذي ذكرت، ووضعوه معها".
وأخرج ابن أبي شيبة عن عمير بن الأسود: "أن معاذ بن جبل أوصى امرأته وقد خرج، فماتت فكفناها في ثياب لها خلقان، فقدم وقد رفعنا أيدينا عن قبرها، فقال: في كم كفنتموها؟ قلنا: في ثيابها الخلقان، فنبشها وكفنها في ثياب جدد وقال: أحسنوا أكفان موتاكم، فإنهم يحشرون فيها".
ولابن أبي الدنيا عن مجاهد قال: "إن الرجل ليبشر بصلاح ولده في قبره".
وقال السدى في قوله: ﴿وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ﴾ ١ الآية: "يؤتى الشهيد بكتاب، فيه ذكر من يقدم عليه من إخوانه، يبشر به، فيستبشر به كما يستبشر أهل الغائب بقدومه في الدنيا".