الجانّ منها، وألحقوهم بجزائر البحر وسكنوا الأرض وهم الذين قال الله لهم.
﴿إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾.
ولم يعن به الملائكة الذين في السّماء،
قال البيهقي رحمه الله تعالى فعلى هذا يحتمل إن كان خلق هؤلاء أيضا وقع من مارج من نار، أن يكونوا إنما يسمّون الجن لما ذكره الكلبي أو لموافقتهم الجن في أصل الخلقة، وخلق غيرهم من الملائكة (وقع من نور)، كما روينا من حديث عائشة. وقوله:
﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً﴾ [الصافات:١٥٨].
يحتمل أن يكون المراد به هذه القبيلة التي يقال لها الجن دون غيرهم من الملائكة).
والله تعالى أعلم قال الحليمي رحمه الله تعالى: ومما يدلّ على مفارقة الجن الملائكة أنّ الله أخبر أنّه يسأل الملائكة يوم القيامة عن المشركين فيقول لهم:
﴿أَهؤُلاءِ إِيّاكُمْ كانُوا يَعْبُدُونَ﴾ [سبأ:٤٠]
فيقول الملائكة:
﴿سُبْحانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنا مِنْ دُونِهِمْ، بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ﴾ [سبأ:٤١].
فثبت بهذا أن الملائكة غير الجن.
فقال الشيخ ﵀ ويحتمل أن يكون هذا التبري من الملأ الأعلى الذين كانوا لا يسمون جنّا. والله أعلم.
١٤٥ - أخبرنا أبو الحسين بن بشران، نا إسماعيل بن محمد الصفار، ثنا
стр. 163
أحمد بن منصور، ثنا عبد الرزاق، ثنا معمر، عن أبي إسحق، عن عمرو بن عبد الله الأصم، عن ابن مسعود ﵁ قال:
«إنّ ناركم هذه التي توقدون لجزء من سبعين جزءا من نار جهنّم وإنّ السّموم الحارّ الّتي خلق الله تعالى منها الجانّ لجزء من سبعين جزءا من نار جهنّم».
١٤٦ - أخبرنا أبو الحسين بن بشران أنبا أبو عمرو بن السماك، ثنا حنبل بن إسحق، ثنا سعيد بن سليمان، ثنا عباد، عن سفيان بن حسين، عن يعلى بن مسلم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄ قال:
«كان اسم إبليس عزازيل وكان من أشراف الملائكة من ذوي الأربعة الأجنحة ثمّ أبلس بعد».
١٤٧ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ومحمد بن موسى، قالا: ثنا أبو العباس بن يعقوب، ثنا أحمد بن عبد الجبار، ثنا وكيع، عن الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄ قال:
«كان إبليس من خزّان الجنّة وكان يدبّر أمر سماء الدّنيا».
١٤٨ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ومحمد بن موسى، قالا: ثنا أبو العباس
стр. 164
الأصم، ثنا السري بن يحيى، ثنا عثمان بن زفر، ثنا يعقوب القمّي، عن جعفر، عن سعيد بن جبير في قوله:
﴿كانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ [الكهف:٥٠] قال: كان من الجنانين الّذين يعملون في الجنّة.
قال الحليمي ﵀: ثم إن الملائكة يسمّون روحانيين-بضم الراء- وسمّى الله جبريل ﵇ «الرّوح الأمين» و «روح القدس».
وقال: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا﴾ [النبأ:٣٨].
فقيل: إن المراد به جبريل ﵇. وقيل: إنه ملك عظيم سوى جبريل يقوم وحده صفا والملائكة صفا.
ومن قال هذا قال: الرّوح جوهر، وقد يجوز أن يؤلف الله سبحانه أرواحا، فيجسّمها، ويخلق خلقا ناطقا عاقلا.
وقد يجوز أن تكون أجسام الملائكة على ما هي عليه اليوم مخترعة، كما اخترع عيسى وناقة صالح ﵉.
وقال بعض الناس إن الملائكة روحانيّون-بفتح الراء-بمعنى أنهم ليسوا محصورين في الأبنية والظلل ولكنهم في فسحة وبساطة.
وقد قيل إن ملائكة الرحمة هم الروحانيون، وملائكة العذاب هم الكرّوبيون فهذا من الكرب، وذاك من الروح والله تعالى أعلم.
قال البيهقي ﵀: وذكر وهب بن منبه أن الكروبيين سكان السماء السابعة يبكون وينتحبون.
وقد ذكرنا الأخبار التي وردت في تفسير الروح والملك الذي يسمّى روحا في الثالث عشر من كتاب «الأسماء والصفات».
وقد تكلم الناس قديما وحديثا في المفاضلة بين الملائكة والبشر. فذهب ذاهبون إلى أنّ الرسل من البشر أفضل من الرسل من الملائكة، والأولياء من البشر أفضل من الأولياء من الملائكة. وذهب آخرون إلى إنّ الملأ الأعلى مفضّلون على سكان الأرض ولكل واحد من القولين وجه.
стр. 165
١٤٩ - وقد أخبرنا أبو طاهر الفقيه أنا أبو حامد بن بلال، ثنا أبو زرعة الرازي، حدثنا هشام بن عمار، ثنا عبد ربّه بن صالح القرشي، ثنا عروة بن رويم، عن الأنصاري أنّ النبي ﷺ قال:
«لمّا خلق الله آدم ﵇ وذرّيّته، قالت الملائكة يا ربّ خلقتهم يأكلون ويشربون وينكحون ويركبون، فاجعل لهم الدّنيا ولنا الآخرة فقال الله ﵎»:
«لا أجعل من خلقته بيدي ونفخت فيه من روحي كمن قلت له كن فكان».
قال البيهقي ﵀ وقال فيه غيره عن هشام بن عمار بإسناده عن جابر بن عبد الله الأنصاري وفي ثبوته نظر.
ومن قال في الملائكة هم قبيلان أشبه أن يقول في هذا: أراد القبيل الذي كان منهم إبليس دون الملأ الأعلى وهم الأشراف والعظماء والله تعالى أعلم.
وروينا عن عبد الله بن سلام أنّه قال:
إنّ أكرم خليقة الله تعالى على الله سبحانه أبو القاسم ﷺ قال بشر قلت رحمك الله فأين الملائكة قال: (فنظر إليّ وضحك فقال: يا ابن أخي! وهل تدري ما الملائكة؟ إنّما الملائكة) خلق كخلق الأرض، وخلق السّماء، وخلق السّحاب، وخلق الجبال، وخلق الرّياح، وسائر الخلائق وإنّ أكرم الخلائق على الله تعالى أبو القاسم ﷺ .
وذكر الحديث.
١٥٠ - أخبرناه أبو الحسن المقرئ، أنا الحسن بن محمد بن إسحاق، ثنا يوسف بن يعقوب، ثنا عبد الله بن محمد بن أسماء، ثنا مهدي بن ميمون، ثنا محمد بن عبد الله بن أبي يعقوب، عن بشر بن شغاف، عن ابن سلام فذكره.
стр. 166
١٥١ - أخبرنا أبو محمد عبد الله بن يحيى بن عبد الجبار السكري ببغداد، ثنا إسماعيل بن محمد الصفار، ثنا عباس بن عبد الله التّرقفي، حدثنا حفص بن عمر، عن الحكم، عن عكرمة قال سمعت ابن عباس رضي يقول:
«إنّ الله فضّل محمّدا ﷺ على أهل السّماء وعلى الأنبياء قالوا يا ابن عبّاس ما فضله على أهل السّماء؟ قال لأنّ الله قال لأهل السّماء:
﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ فَذلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٢٩].
وقال لمحمد ﷺ :
﴿إِنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ﴾ [الفتح:١،٢].
قالوا يا ابن عباس! ما فضله على الأنبياء؟ قال لأنّ الله يقول:
﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلاّ بِلِسانِ قَوْمِهِ﴾ [إبراهيم:٤].
وقال الله تعالى لمحمد ﷺ :
﴿وَأَرْسَلْناكَ لِلنّاسِ رَسُولاً﴾ [النساء:٧٩].
فأرسله الله تعالى إلى الإنس والجن.
وكذلك رواه إبراهيم بن الحكم بن أبان عن أبيه وليس بالقوي.
ومن قال بالقول الآخر عارضه بقوله :
﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾ [الزمر:٦٥].
стр. 167
إلاّ أن يقول قائل: الخطاب وقع إليه والمراد به غيره، أو يقول إن كان هو المراد به فقد أمنه بالآية التي قرأها ابن عباس فيما روي عنه.
١٥٢ - أخبرنا أبو طاهر الفقيه، ثنا أبو حامد بن بلال، ثنا أبو الأزهر، ثنا أبو قتيبة، ثنا حماد بن سلمة عن أبي المهزم عن أبي هريرة ﵁ قال:
«المؤمن أكرم على الله من الملائكة».
كذا رواه أبو المهزم عن أبي هريرة موقوفا وأبو المهزم متروك.
١٥٣ - أخبرنا الاستاذ أبو منصور عبد القاهر بن طاهر من أصله، ثنا أبو العباس أحمد بن محمد بن أحمد العمروي إملاء، ثنا أبو بكر محمد بن حمويه بن عباد السراج، ثنا محمد بن يحيى، ثنا عبد الغفار بن عبيد الله، ثنا عبيد الله بن تمام السلمي، عن خالد الحذاء، عن بشر بن شغاف، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ :
«ما من شيء أكرم على الله من ابن آدم قال قيل يا رسول الله! ولا الملائكة؟ قال: الملائكة مجبورون بمنزلة الشّمس والقمر».
تفرد به عبيد الله بن تمام.
стр. 168
قال البخاري: عنده عجائب. ورواه غيره عن خالد الحذاء موقوفا على عبد الله بن عمرو وهو الصحيح.
١٥٤ - أخبرناه علي بن أحمد بن عبدان، أنا أحمد بن عبيد، ثنا ابن أبي قماش، ثنا وهب بن بقية عن خالد الحذاء عن بشر بن شغاف عن أبيه-قال- قال سمعت عبد الله بن عمرو يقول:
ليس شيء أكرم على الله من ابن آدم قلت الملائكة؟ قال أولئك بمنزلة الشّمس والقمر أولئك مجبورون.
١٥٥ - حدثنا أبو محمد عبد الله بن يوسف الأصبهاني، أنا أبو إسحاق إبراهيم بن محمد الدّيبلي، ثنا محمد بن علي بن زيد الصائغ، ثنا سعيد بن منصور، ثنا الحارث بن عبيد الأيادي، عن أبي عمران الجوني عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ :
«بينا أنا قاعد إذ جاء جبريل ﵇ فوكز بين كتفيّ فقمت إلى شجرة فيها مثل وكري الطّير فقعدت في أحدهما، وقعد في الآخر فسميت وارتفعت
стр. 169
حتّى إذا سدّت الخافقين وأنا أقلب طرفي، ولو شئت أن أمسّ السّماء مسست فالتفتّ، فإذا جبريل ﵇ كأنّه حلس لا طئ فعرفت فضل علمه بالله عليّ».
ورواه حماد بن سلمة عن أبي عمران الجوني عن محمد بن عمير بن عطارد عن النبي ﷺ وقال: ﷺ :
«فوقع جبريل مغشيّا عليه كأنّه حلس فعرفت فضل خشيته على خشيتي فأوحي إليّ: نبيّا ملكا أو نبيّا عبدا؟ أو إلى الجنّة؟ فأومأ إليّ جبريل وهو مضطجع أن تواضع. فقلت: لا، بل نبيّا عبدا».
١٥٦ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنا أبو عبد الله بن عبد الله الزاهد الأصبهاني، ثنا أبو السّريّ موسى بن الحسن بن عباد، ثنا حبيش بن مبشر الفقيه، قال كنّا عند يزيد بن هارون-فذكر قصة، ثم قال يزيد ثنا حماد بن سلمة، أخبرنا أبو عمران الجوني عن محمد بن عمير بن عطارد بن حاجب التميمي عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ :
«لّما أسري بي كنت أنا في شجرة وجبريل في شجرة، فغشينا من أمر الله بعض ما غشينا، فخرّ جبريل ﵇ مغشيّا عليه وثبتّ على أمري فعرفت فضل إيمان جبريل على إيماني».
١٥٧ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا أبو أسامة عبد الله بن أسامة الكلبي، ثنا محمد بن عمران بن أبي ليلى، ثنا ابن
стр. 170
أبي ليلى عن الحكم. عن مقسم، عن ابن عباس قال:
«بينما رسول الله ﷺ ومعه جبريل ﵇ يناجيه إذ انشقّ أفق السّماء فأقبل جبريل يتضاءل ويدخل بعضه في بعض، ويدنو من الأرض، فإذا ملك قد مثل بين يدي رسول الله ﷺ ، فقال يا محمد! إنّ ربّك يقرئك السّلام ويخيّرك بين أن تكون نبيّا ملكا، وبين أن تكون نبيّا عبدا، قال رسول الله ﷺ : فأشار جبريل إليّ بيده أن تواضع، فعرفت أنّه ناصح فقلت عبدا نبيّا، فعرج ذلك الملك إلى السّماء. فقلت يا جبريل! قد كنت اردت أن أسألك عن هذا فرأيت من حالك ما شغلني عن المسألة، فمن هذا يا جبريل؟ قال هذا إسرافيل خلقه الله يوم خلقه بين يديه، صافنا قدميه، لا يرفع طرفه، بينه وبين الربّ سبعون نورا، ما منها نور يدنو منه إلاّ احترق، بين يديه اللّوح المحفوظ فإذا أذن الله من السّماء أو في الأرض، ارتفع ذلك اللّوح يظرب جبينه، فينظر فيه فإن كان من عملي أمرني به، وإن كان من عمل ميكائيل أمره به، قلت يا جبريل على أيّ شيء أنت؟ قال على الرّياح والجنود. قلت على أيّ شيء ميكائيل؟ قال على النّبات. قلت:
على أيّ شيء ملك الموت؟ قال على قبض الأنفس، وما ظننت أنّه هبط إلا بقيام السّاعة، وما ذاك الذي رأيت مني إلا خوفا من قيام الساعة».
قوله بينه وبين الرب سبعون نورا يحتمل أن يريد بينه وبين عرش الرب.
١٥٨ - أخبرنا أبو محمد بن يوسف، أنا أبو حفص عمر بن محمد الجمحي بمكة، ثنا علي بن عبد العزيز، ثنا أبو نعيم، ثنا الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن عبد الرحمن بن سابط قال:
«يدّبر أمر الدنيا أربعة: جبريل وميكائيل وملك الموت وإسرافيل فأمّا جبريل فوكّل بالرّياح والجنود، وأمّا ميكائيل فوكّل بالقطر والنّبات، وأمّا ملك الموت فوكّل بقبض الأرواح، وأمّا إسرافيل فهو ينزل بالأمر عليهم».
١٥٩ - أخبرنا أبو الحسن أحمد بن الحسن، أنا حاجب بن أحمد، ثنا
стр. 171
محمد بن حماد، ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن مسلم بن صبيح، عن مسروق، قال: قال عبد الله:
«إنّ من السّموات لسماء ما فيها موضع شبر إلاّ وعليها جبهة ملك أو قدماه ثمّ قرأ:
﴿وَإِنّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ وَإِنّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾ [الصافات:١٦٥،١٦٦].
١٦٠ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، ومحمد بن موسى، قالا ثنا أبو العباس بن يعقوب، ثنا يحيى بن أبي طالب، أنا عبد الوهاب بن عطاء، أنا حميد الطويل، عن إسحاق بن عبد الله بن الحارث، عن أبي، أنّه سأل كعبا عن قوله الله:
﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء:٢٠].
﴿وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ﴾ [فصلت:٣٨].
«فقال: هل يؤذيك طرفك؟ قال: لا، قال: فهل يؤذيك نفسك؟ قال:
لا، قال: فإنّهم ألهموا التّسبيح، كما ألهمتم النّفس والطّرف».
١٦١ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا أحمد بن عبد الجبار، ثنا أبو معاوية، عن أبي إسحاق الشيباني، عن حسان بن المخارق، عن عبد الله بن الحارث بن نوفل، قال: قلت لكعب: أرأيت قول الله:
стр. 172
﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ﴾
«أما شغلهم رسالة؟ أما شغلهم عمل؟ فقال: من هذا؟ فقال: غلام من بني عبد المطّلب فأخذني فضمّني وقال: يا ابن أخي! إنّه جعل لهم التّسبيح كما جعل لكم النّفس ألست تأكل وتشرب وتجيء وتذهب وتتكلّم وأنت تتنفّس؟ فكذلك جعل لهم التّسبيح».
قال البيهقي: ومن قال فالأول زعم أنهم خلقوا بلا شهوة فمن يعبد الله وطينه معجون بالهوى والشهوة كانت عبادته أفضل، ألا ترى من ابتلي من الملائكة بالشهوة كيف وقع في المعصية؟ وذكر قصة هاروت وماروت.
١٦٢ - أخبرنا الشيخ أبو الحسن محمد بن الحسين بن داود العلوي، أنا
стр. 173
أحمد بن محمد بن الحسن الحافظ، ثنا العباس بن محمد الدوري وإبراهيم بن الحارث البغدادي، قالا: ثنا يحيى بن بكير، ثنا زهير بن محمد، عن موسى بن جبير، عن نافع مولى عبد الله بن عمر، عن عبد الله بن عمر أنه سمع رسول الله ﷺ يقول:
«إن آدم ﵇ لما أهبطه الله إلى الأرض قالت الملائكة أي رب ﴿أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ قالوا ربّنا نحن أطوع لك من بني آدم قال الله تعالى للملائكة: هلمّوا ملكين من الملائكة حتّى نهبطهما إلى الأرض فننظر كيف تعملون قالوا ربّنا هاروت وماروت، فأهبطا إلى الأرض، ومثّلت لهما الزهرة امرأة من أحسن البشر، فجاءتهما فسألاها نفسها، فقالت: لا والله حتّى تكلّما بهذه الكلمة في الإشراك، قالا: لا والله لا نشرك بالله أبدا فذهبت عنهم ثمّ رجعت بصبيّ تحمله فسألاها نفسها فقالت: لا والله حتّى تقتلا هذا الصّبيّ، فقالا: لا والله لا نقتله، فذهبت عنهما ثمّ رجعت بقدح خمر تحمله فسألاها نفسها، فقالت: لا والله حتّى تشربا هذا الخمر فشربا فسكرا فوقعا عليها، وقتلا الصّبيّ، فلمّا أفاقا قالت المرأة: والله ما تركتما ممّا أبيتما عليّ إلاّ وقد فعلتماه حين سكرتما، فخيّرا عند ذلك بين عذاب الدّنيا وعذاب الآخرة فاختارا عذاب الدّنيا».
كذا رواه زهير بن محمد، عن موسى بن جبير، عن نافع.
ورواه سعيد بن سلمة، عن موسى بن جبير.
١٦٣ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنا أبو بكر أحمد بن إسحاق بن أيوب، أنا محمد بن يونس بن موسى، ثنا عبد الله بن رجاء، ثنا سعيد بن سلمة، عن موسى بن جبير، عن موسى بن عقبة، عن سالم، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ :
стр. 174
«أشرفت الملائكة على الدّنيا فرأت بني آدم يعصون، فقالوا يا ربّ، ما أجهل هؤلاء! ما أقلّ معرفة هؤلاء بعظمتك! فقال الله تعالى: لو كنتم في مسلاخهم لعصيتموني، قالوا: كيف يكون هذا ونحن نسبّح بحمدك ونقدّس لك قال: فاختاروا منكم ملكين، قالوا: فاختاروا هاروت وماروت، ثمّ أهبطا إلى الدنيا، وركّبت فيهما شهوات بني آدم، ومثّلت لهما امرأة فما عصما حتّى واقعا المعصية، فقال الله لهما فاختارا عذاب الدّنيا أو عذاب الآخرة، فنظر أحدهما إلى صاحبه، فقال ما تقول؟ قال: أقول إنّ عذاب الدّنيا ينقطع وإنّ عذاب الآخرة لا ينقطع فاختارا عذاب الدّنيا فهما اللّذان ذكرهما الله في كتابه».
﴿وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبابِلَ هارُوتَ وَمارُوتَ﴾ [البقرة:١٠٢] الآية.
ورويناه من وجه آخر عن مجاهد، عن ابن عمر موقوفا عليه وهو أصح فإنّ ابن عمر إنما أخذه عن كعب.
١٦٤ - أخبرنا أبو طاهر الفقيه، ثنا أبو بكر محمد بن الحسين القطان، ثنا أحمد بن يوسف السلمي، ثنا محمد بن يوسف، قال ذكر سفيان عن موسى بن عقبة، عن سالم بن عبد الله، عن ابن عمر عن كعب قال:
«ذكرت الملائكة بني آدم وما يأتون من الذّنوب قال فاختاروا منكم ملكين فاختاروا هاروت وماروت فقال لهما إنّي أرسل رسولي إلى النّاس وليس بيني وبينكم رسل، انزلا، فلا تشركا بي شيئا، ولا تسرقا ولا تزنيا».
قال عبد الله: قال كعب: فما استكملا يومهما الذي نزلا فيه حتى أتيا فيه ما حرم عليهما. وهذا أشبه أن يكون محفوظا.
стр. 175
وروي في ذلك عن علي بن أبي طالب ﵁.
ومن قال بالقول الآخر أشبه أن يقول إذا كان التوفيق للطاعة والمعصية من الله ، وجب أن يكون الأفضل من كان توفيقه له وعصمته إياه أكثر، ووجدنا الطاعة التي وجودها بتوفيقه، وعصمته من الملائكة أكثر فوجب أن يكونوا كذلك.
وذكر الحليمي ﵀ توجيه القولين ولم أنقله، واختار تفضيل الملائكة، وأكثر أصحابنا ذهبوا إلى القول الأول والأمر فيه سهل، وليس فيه من الفائدة إلا معرفة الشيء على ما هو به وبالله التوفيق.
١٦٥ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ومحمد بن موسى، قالا ثنا أبو العباس الأصم، ثنا أحمد بن عبد الجبار، ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إسماعيل بن رجاء، وعن عمير مولى ابن عباس، عن ابن عباس قال:
«إنما قوله جبريل وميكائيل كقوله عبد الله وعبد الرّحمن».
١٦٦ - أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحافظ، ثنا أبو الحسين عبد الصمد بن علي بن مكرم البزار ببغداد، ثنا جعفر بن أبي عثمان الطيالسي،
стр. 176
ثنا إسحاق بن محمد الفروي، حدثنا عبد الملك بن قدامة الجمحي، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار، عن أبيه عن عبد الله بن عمر:
«أنّ عمر بن الخطّاب جاء والصّلاة قائمة فذكر قصّة امتناع أبي جحش الليثي عن الصّلاة مع النّبيّ ﷺ وفيها أنّ النبيّ ﷺ قال: اجلس حتّى أحدّثك بغنى الرّبّ ﵎ عن صلاة أبي جحش إنّ لله في سمائه ملائكة خشوعا لا يرفعون رؤوسهم حتّى تقوم السّاعة، فإذا قامت (السّاعة) (١)، رفعوا رؤوسهم، قالوا ربّنا ما عبدناك حقّ عبادتك، وإنّ لله في السّماء الثّانية ملائكة سجودا، لا يرفعون رؤوسهم حتّى تقوم السّاعة فإذا قامت السّاعة، رفعوا رؤوسهم، ثمّ قالوا ربّنا ما عبدناك حقّ عبادتك».
قال البيهقي رحمه الله تعالى قد أخرجته بطوله في مناقب عمر ﵁.
١٦٧ - أخبرنا علي بن أحمد بن عبدان، ثنا أحمد بن عبيد الصفار، ثنا عبيد بن شريك، ثنا ابن أبي مريم، ثنا عبد الله بن فرّوخ، أخبرني أسامة بن زيد، حدثني أبان بن صالح، عن مجاهد، عن ابن عباس قال:
«إنّ لله ملائكة سوى الحفظة يكتبون ما سقط من ورق الشّجر فإذا أصاب أحدكم عرجة بأرض فلاة فليناد أعينوا عباد الله يرحمكم الله تعالى».
стр. 177
(٤) الرابع من شعب الإيمان
وهو باب في الإيمان بالقرآن المنزل على نبينا
محمد ﷺ
«وسائر الكتب المنزلة على الأنبياء صلوات الله عليهم
أجمعين»
قال الله تعالى:
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ﴾ [النساء:١٣٦].
وقال: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ [البقرة:
٢٨٥].
وقال: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [البقرة:
٤].
وغير ذلك من الآيات في هذه المعنى.
وروينا في حديث ابن عمر عن عمر بن الخطاب ﵁ عن النبي ﷺ حين سئل عن الإيمان فقال:
«أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله».
والإيمان بالقرآن يتشعب شعبا: فأولاها بأنه كلام الله ﵎ وليس من وضع محمد ﷺ ولا من وضع جبريل ﵇.
الثانية: الاعتراف بأنه معجز النظم لو اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثله لم يقدروا عليه.
والثالثة: اعتقاد أن جميع القرآن الذي توفي النبي ﷺ عنه هو هذا الذي في مصاحف المسلمين لم يفت منه شيء، ولم يضع بنسيان ناس، ولا ضلال صحيفة، ولا موت قارئ، ولا كتمان كاتم، ولم يحرّف منه شيء، ولم يزد فيه حرف، ولم ينقص منه حرف. فأما الوجه الأول فإن الله قال:
стр. 178
﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً﴾ [النساء:٨٢].
وقال: ﴿وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ﴾. [الأنعام:١٥٥].
وقال: ﴿لكِنِ اللهُ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفى بِاللهِ شَهِيداً﴾ [النساء:١٦٦].
وقال: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ [الشعراء:١٩٢،١٩٤].
وقال: ﴿إِنّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [يوسف:٢].
ومعناه: والله أعلم، أنزلنا الرسول المودّى له به، فيكون الرسول منتقلا من علوّ إلى سفل مؤديا للكلام الذي حفظه وذلك بيّن في الآية قبلها وهو أنه أخبر أنه نزل به الرّوح الأمين على قلب محمد ﷺ (فيكون جبريل ﵇ منتقلا به من مقامه المعلوم إلى الأرض موديا له إلى محمد ﷺ وأخبر في الآية قبلها أنه أنزله بعلمه، وفي الآية قبلها أنه من عنده لا من عند غيره، وقال:
﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [الأعراف:٥٤].
ففصل بين المخلوق والأمر ولو كان الأمر مخلوقا لم يكن لتفصيله معنى وقال:
﴿لَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ﴾ [طه:١٢٩].
والسبق على الاطلاق (يقتضي) سبق كل شيء سواه وقال:
﴿إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل:٤٠].
فلو كان قوله مخلوقا تعلق بقول آخر، وذلك حكم ذلك القول حتى يتعلق بما لا يتناهى، وذلك محال.
قال الأستاذ أبو بكر محمد بن الحسن بن فورك ﵀ فيما عسى أن يقال على هذا من السؤال الكلام على الحقيقة لا ينقل عنه إلا بدليل وقوله «كن» أمر بتكوين للمعدوم لا أمر تكليف بمنزلة قوله:
стр. 179
﴿كُونُوا حِجارَةً﴾ [الإسراء:٥٠].
و ﴿كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ﴾ [البقرة:٦٥].
ويكون قوله «كن» متعلقا بما يكون في الوقت الذي يكون في المعلوم أنه يكون فيه فلا يكون ذلك الوقت إلاّ كان كما يكون نفسه سامعا للصوت وقت وجود الصوت. وإن كان قبل ذلك سامعا أيضا إلا أنه يتعلق بالصوت وقت وجوده في أنه سمعه حينئذ لا قبله. والفاء في قوله «فيكون» لا تقتضي أن يكون للتعقيب مع ما علق عليه لأن ذلك جواب «إنما» فكأنه قال لا يكون قوله «كن» متعلقا بما يكون إلا كان في الحال التي علم أنه يكون فيها، وأن لا يوجب استقبال لأن ذلك مع ما بعده بمنزلة المصدر كما كان قوله:
﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة:١٨٤].
معناه والصيام خير لكم وذلك لا يقتضي استقبالا. قلنا وقد قال الله في إثبات صفة الكلام لنفسه ونفي النفاد عنه:
﴿قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً﴾ [الكهف:١٠٩].
وإنما ذكرها بلفظ الجمع على طريق التعظيم كقوله:
﴿إِنّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ [الحجر:٩].
قال البيهقي ﵀ قال:
﴿وَكَلَّمَ اللهُ مُوسى تَكْلِيماً﴾ [النساء:١٦٤].
فوكده بالتكرار وأخبر الله بما كلم به موسى فقال:
﴿يا مُوسى إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِما يُوحى إِنَّنِي أَنَا اللهُ لا إِلهَ إِلاّ أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ إلى قوله: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ [طه:١٢،٤١].
وقال: ﴿يا مُوسى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النّاسِ بِرِسالاتِي وَبِكَلامِي فَخُذْ ما آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ [الأعراف:١٤٤].
стр. 180
فهذا كلام سمعه موسى ﵇ من ربه باسماع الحق إياه بلا ترجمان كان بينه وبينه، ودله بذلك على ربوبيته، ودعاه إلى وحدانيته وعبادته وإقامة الصلاة لذكره، وأخبره أنه اصطفاه لنفسه واصطفاه برسالاته وبكلامه وأنه مبعوث إلى خلقه، فمن زعم أنه إنما سمعه من غير الله فقد زعم أن غير الله ادعى الربوبية لنفسه، ودعا موسى إلى وحدانية نفسه وذلك كفر. وإن زعم أن ذلك الغير دعا إلى الله، كذّبه قوله:
﴿إِنِّي أَنَا رَبُّكَ﴾
و ﴿إِنَّنِي أَنَا اللهُ لا إِلهَ إِلاّ أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾.
ولكان ذلك الغير يقول: «ربي وربك فاعبده» دلّ على أنه إنما سمعه ممن له الربوبية والوحدانية، ولأن الأمّة اجتمعت مع سائر أهل الملل على أن موسى كان مخصوصا بفضل كلام الله . ولو كان إنما سمعه من مخلوق لم يكن له خاصية، ولا مزية ولا فضل ولا شبه أن يكون من سمعه من جبريل أكثر خاصية منه لزيادة فضل جبريل على صوت يخلقه الله في الوقت لموسى.
وقد روينا في حديث عمر بن الخطاب ﵁، عن النبي ﷺ في قصة مناظرة آدم وموسى قال:
«فقال آدم: لموسى: أنت نبيّ بني إسرائيل الّذي كلمك الله من وراء الحجاب، لم يجعل الله بينك وبينه رسولا من خلقه».
١٦٨ - أخبرنا أبو علي الرّوذباري، أنا أبو بكر بن داسة، ثنا أبو داود، ثنا محمد بن كثير، ثنا إسرائيل، عن عثمان بن المغيرة، عن سالم-يعني ابن أبي الجعد-عن جابر بن عبد الله، قال:
стр. 181
«كان رسول الله ﷺ يعرض نفسه على النّاس بالموسم، فقال ألا رجل يحملني إلى قومه، فإنّ قريشا قد منعوني أن أبلّغ كلام ربّي ».
وروينا عن أبي بكر الصديق ﵁:
«أنّه لمّا قرأ سورة الرّوم على مشركي مكّة فقالوا هذا مما أتى به صاحبك؟ قال: لا، ولكنّه كلام الله وقوله».
وفي رواية أخرى:
«ليس بكلامي ولا كلام صاحبي ولكنّه كلام الله !».
وروينا عن عامر بن شهر أنه قال:
«كنت عند النّجاشي فقرأ ابن له آية من الإنجيل فضحك فقال أتضحك من كلام الله !»
وروينا عن خبّاب بن الأرت أنه قال:
«تقرّب ما استطعت واعلم أنّك لن تتقرّب إلى الله بشيء، أحبّ إليه من كلامه».
وروينا عن ابن مسعود أنه قال:
«أصدق الحديث كلام الله ».
وعن عمر بن الخطاب ﵁ قال:
«القرآن كلام الله ».
وعن عثمان بن عفان ﵁ قال:
«لو أنّ قلوبنا طهرت لما شبعنا من كلام الله تعالى».
وعن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال:
«ما حكّمت مخلوقا إنّما حكّمت القرآن».
وعن ابن عباس:
«أنّه صلّى على جنازة فقال رجل اللهمّ ربّ القرآن العظيم اغفر له فقال
стр. 182
ابن عبّاس ثكلتك أمّك! إنّ القرآن منه، أنّ القرآن منه»
وقد ذكرنا أسانيد هذه الآثار في كتاب «الصفات» مع سائر ما ورد فيه عن النبي ﷺ وعن أصحابه والتابعين وأتباعهم.
١٦٩ - أخبرنا أبو بكر محمد بن إبراهيم الفارسي في «التاريخ»، ثنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الله الأصبهاني، أخبرنا أبو أحمد محمد بن سليمان بن فارس، حدثنا محمد بن إسمعيل البخاري قال الحكم بن محمد أبو مروان الطبري: حدثناه سمع ابن عيينة قال: أدركت مشيختنا منذ سبعين سنة منهم عمرو بن دينار يقولون: «القرآن كلام الله ليس بمخلوق».
كذا قال البخاري عن الحكم.
ورواه سلمة بن شبيب عن الحكم بن محمد قال، حدثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار قال: سمعت مشيختنا منذ سبعين يقولون فذكر معنى هذه الحكاية.
١٧٠ - أخبرنا أبو منصور الفقيه، أنا أبو أحمد الحافظ، أخبرنا أبو عروبة السلمي، قال أخبرنا سلمة بن شبيب فذكره.
وكذلك رواه غير الحكم بن محمد عن سفيان.
قال البيهقي ﵀: مشيخة عمرو بن دينار جماعة من الصحابة منهم عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وجابر بن عبد الله، وعبد الله بن الزبير، وأكابر التابعين.
وروينا هذا القول عن علي بن الحسين، وجعفر بن محمد الصادق، ومالك بن أنس، والليث بن سعد، وسفيان بن عيينة، وحماد بن زيد، وعبد الله بن المبارك، وعبد الرحمن بن مهدي، ومحمد بن إدريس الشافعي، ويحيى بن يحيى، وأحمد بن حنبل، وأبي عبيد، ومحمد بن إسماعيل البخاري في مشيخة أجلّة سواهم، وإنما أحدث هذه البدعة الجعد بن درهم ومنه كان
стр. 183
يأخذ جهم، فذبحه خالد بن عبد الله القسري يوم الأضحى.
قال الأستاذ أبو بكر بن فورك ﵀: لو كان كلام الباري جلّ وعزّ محدثا كان قبل حدوثه موصوفا بأنه يمنع منه، كما لو كان غير عالم كان موصوفا بجهل وآفة مانعة منه ولو كان كذلك (لما) صحّ أن يتكلم في حال، كما لا يصح أن يعلم لو كان لم يزل غير عالم، فوجب أنه لم يزل متكلما لما لم يلحق به أضداد الكلام من السكوت والخرس والطفولية.
وإن شئت قلت: كلام الله سبحانه لو كان مخلوقا كان يجب أن يكون موصوفا بضده قبل خلقه له لاستحالة أن يخلو الحي من الكلام وضده، وضد الكلام لو كان قديما لم يجز عدمه، وكان يؤدي إلى إحالة وصفه بالأمر والنهي والخبر وذلك خلاف الدين.
ولأن الكلام لو كان مخلوقا كان لا يخلو من أن خلقه في نفسه أو في غيره أو في لا شيء ويستحيل أن يخلقه في لا شيء لأنه عرض والعرض لا يقوم بنفسه ويستحيل أن يخلقه في نفسه لاستحالة أن يكون محلا للحوادث، ويستحيل أن يخلقه في غيره لأنه لو كان مخلوقا في غيره لكان مضافا إلى ذلك الغير بأخص أوصافه كسائر الأعراض التي هي علم وقدرة وحياة إذا خلقها في غيره ولو كان كذلك لم يكن كلاما لله ولا أمرا له.
فإن قيل: يكون كلاما له كما يكون فعله تفضلا له وإن كان في غيره.
قيل: التفضل هو اسم يعم أجناسا، ونحن قلنا يضاف إليه بأخص أوصافه فإن كان قوة أضيفت إلى ما خلقت فيه وإن كان سمعا وبصرا فكذلك، فقولوا بأنه يضاف إليه باسم الأمر والنهي بلفظ الكلام والقول، فإن لم يضيفوه لا بالأخص ولا بالأعم ولا إلى الجملة ولا إلى المحل فقد افترق الأمر فيهما.
فإن قيل لو كان كلامه غير مخلوق لكان لم يزل مخبرا:
﴿إِنّا أَرْسَلْنا نُوحاً﴾ [نوح:١].
ولم يزل يرسل، ذلك كذب. قيل: أو ليس قد قال:
﴿وَقالَ الشَّيْطانُ لَمّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ﴾ [إبراهيم:
٢٢].
стр. 184
ولم يقل بعد أفهو كذب؟ فإن قال معناه سيقول.
قيل ذلك قوله:
﴿إِنّا أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ﴾ [نوح:١].
في أزله خبرا عن أن «سنرسل نوحا» قبل إرساله، فإذا أرسل يكذب خبرا عن إرساله أنه وقع من غير أن يحدث خبرا، كما أن علمه بأن سيكون الدنيا علمه بأنه كائن، وإذا كان لم يحدث علم، إنما حدث المعلوم والمخبر عنه، دون العلم والخبر.
فإن قالوا: لو كان لم يزل متكلما لكان لم يزل آمرا وأمر من ليس بموجود محال.
قيل من قال من أصحابنا لم يزل آمرا فهو يقول لم يزل آمرا له يكون على معنى إذا خلقت وبلّغت، وكمل عقلك، فافعل كذا، كأوامر الرسول ﷺ لمن يأتي بعده. ومن قال لم يزل غير آمر وإنما يكون كلامه أمرا لحدوث معنى، فنقول لا يجب إذا كان لم يزل متكلما أن يكون لم يزل آمرا لأن حقيقة الكلام غير حقيقة الأمر، ولم يكن كلاما لأنه أمر وإنما كان كلاما لأنه مسموع يفيد معاني المتكلم، وينفي السكوت والخوص، ويكون أمرا لعلة الإفهام أن كذا يلزمه أن يفعله.
فإن قيل: لو كان لم يزل متكلما لكان هاذيا إذ لا يسمع كلامه أحد.
قيل أليس المسبّح لا يسمع كلامه أحد، ولا يكون هذيا،. فإن قيل: الله يسمعه. قيل: فهو يسمع الهذيان أيضا، ولا يخرجه من أن يكون هذيانا ولأن معنى الهذيان أنه كلام لا يفيد وكلام الله يفيد المعاني الجليلة.
فإن احتجّ محتجّ بالحروف، وتأخر بعضها عن بعض، وفي ذلك دلالة على الحدث وكلام الباري ليس بحروف وإنما هو معنى موجود قائم بذاته يسمع وتفهم معانيه والحروف تكون أدلة عليه، كما تكون الكتابة امارات الكلام ودلالات عليه. وكما يعقل متكلما لا مخارج له ولا أدوات كذلك يعقل له كلاما ليس بحروف ولا أصوات وقوله:
стр. 185
﴿ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ [الأنبياء؛٢].
دليلنا، لأنه لولا أن في الأذكار ذكرا غير محدث ما كانت له فائدة كما أن من قال جاءني رجل له رأس ما كانت له فائدة إذ لا يخلو منه رجل.
ومعنى الذكر كلام الرسول ﷺ أو نفس الرسول لأنه هو الذي يأتي في الحقيقة وأما النسخ والتبديل والحفظ فكل ذلك راجع إلى الأحكام وإلى القراءة الدالة على الكلام لا إلى عين الكلام وكذلك التبعيض إنما هو في القراءة الدالة عليه والقراءة غير المقروء كما أن ذكر الله غير الله وقوله:
﴿إِنّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا﴾ [الزخرف:٣].
يريد به سمّيناه كقوله: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً﴾ [الزخرف:١٩].
يعني وصفوا الملائكة إناثا-
قال الحليمي ﵀ وقوله :
﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ [الحاقة:٤٠].
﴿وَلا بِقَوْلِ كاهِنٍ﴾ [الحاقة:٤٢].
وقال: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾ [التكوير:١٩ - ٢١].
فإنما معناه إنه لقول رسول كريم أي قول تلقاه عن رسول كريم، أو قول سمعه عن رسول كريم، إذ نزل به عليه رسول كريم، وقد قال في آية أخرى:
﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتّى يَسْمَعَ كَلامَ اللهِ﴾ [التوبة:٦].
فأثبت أن القرآن كلامه ولا يجوز أن يكون كلامه وكلام جبريل معا فدل أن معناه ما قلنا.
قال البيهقي ﵀: والمقصود من تلك الآية تكذيب المشركين فيما كانوا يزعمون من وضع النبي ﷺ هذا القرآن، ثم قد أخبر الله أنه هو
стр. 186
الذي نزل به الروح الأمين ﵇ على قلب محمد ﷺ ، وأن جبريل نزل به من عنده وبالله التوفيق.
وأما الوجه الثاني وهو الاعتراف بأنه معجز النظم فقد مضى الكلام فيه، والإعجاز عند أكثر أصحابنا يقع في قراءة القرآن فنظم حروفه ودلالاته في عين كلامه القديم ولما كان الجن والإنس عاجزين عن الإتيان بمثله، والملائكة أيضا عاجزون عن الإتيان بمثله لأنه في قول أكثر أهل العلم ليس من جنس نظوم كلام الناس ولا يهتدى إلى وجهه (ليحتذى) ويمثل وهو كتركيب الجواهر لتصير أجساما، وقلب الأعيان، إذ كما لا يقدر عليه الجن والإنس لا يقدر عليه الملائكة؛ وإنما وقع التحدي عليه للجن والإنس دون الملائكة لأن النبي ﷺ إنما أرسل إلى الجن والإنس دون الملائكة وفي ذلك ما أبان أن نظم القرآن ليس من عند جبريل ولكنه من عند اللطيف الخبير وهذا معنى كلام الحليمي ﵀. الوجه الثالث: فبيانه أن الله ضمن حفظ القرآن فقال:
﴿إِنّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ [الحجر:٩].
وقال: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت:٤١،٤٢].
فمن أجاز أن يتمكن أحد من زيادة شيء في القرآن أو نقصانه منه أو تحريفه فقد كذّب الله في خبره وأجاز الخلف فيه وذلك كفر.
وأيضا فإن ذلك لو كان ممكنا لم يكن أحد من المسلمين على ثقة من دينه ويقين مما هو متمسك به لأنه كان لا يأمن أن يكون فيما كتم من القرآن أوضاع، بنسخ شيء مما هو ثابت من الأحكام أو تبديله بغيره،
وبسط الحليمي ﵀ الكلام فيه فصح أن من تمام الإيمان بالقرآن الاعتراف بأن جميعه هو هذا المتوارث خلفا عن سلف لا زيادة فيه ولا نقصان منه وبالله التوفيق.
стр. 187
ذكر حديث جمع القرآن
١٧١ - أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحافظ، أنا أبو الحسن علي بن محمد بن سختويه، ثنا بشر بن موسى، ثنا الحسن بن موسى الأشيب، عن إبراهيم بن سعد الزهري، عن ابن شهاب-ح-
وأخبرنا أبو نصر محمد بن محمد بن علي بن مقاتل الهاشمي الفروي، ثنا أبو محمد أحمد بن عبد الله المزني، أنا أبو خليفة الفضل بن الحباب، ثنا أبو الوليد الطيالسي، ثنا إبراهيم بن سعد، ثنا ابن شهاب، عن عبيد بن السباق، عن زيد بن ثابت قال:
«أرسل إليّ أبو بكر الصّدّيق ﵁ بمقتل أهل اليمامة فإذا عمر جالس عنده فقال أبو بكر: إنّ عمر جاءني فقال: إنّ القتل قد استحرّ بقراء القرآن يوم اليمامة وإني أخشى أن يستحر القتل بالقراء في المواطن فيذهب كثير من القرآن وإنّي أرى أن تأمر بجمع القرآن، فقلت لعمر: كيف أفعل شيئا لم يفعله رسول الله ﷺ ؟ فقال عمر: هو والله خير، فلم يزل يراجعني في ذلك حتّى شرح الله لذلك صدري ورأيت في ذلك الّذي رأى عمر ﵁».
قال زيد: قال أبو بكر:
«إنّك رجل شابّ عاقل لا نتّهمك وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله ﷺ فتتّبع القرآن واجمعه».
قال زيد:
«فو الله لو كلّفوني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل عليّ ممّا أمروني به من جمع القرآن. قال قلت: وكيف تفعلون شيئا لم يفعله رسول الله ﷺ ؟ قال هو والله خير، فلم يزل أبو بكر يراجعني حتّى شرح الله صدري للّذي شرح له صدر أبي بكر وعمر قال فتتبّعت القرآن أجمعه من الرّقاع والعسب وصدور الرّجال حتّى وجدت آخر سورة التّوبة مع أبي خزيمة».
وفي رواية أبي الوليد مع خزيمة أو أبي خزيمة الأنصاري:
стр. 188
«لم أجدها مع أحد غيره».
﴿لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ خاتمة سورة براءة.
قال وكانت الصحف عند أبي بكر حياته حتى توفاه الله ثم عند عمر حياته حتى توفاه الله ثم عند حفصة بنت عمر أمّ المؤمنين. انتهى حديث الأشيب.
وزاد أبو الوليد في روايته قال إبراهيم بن سعد، حدثني ابن شهاب عن أنس بن مالك:
«أنّ حذيفة قدم على عثمان بن عفّان وكان يغازي أهل الشّام مع أهل العراق في فتح أرمينية وآذربيجان فأفزع حذيفة اختلافهم في القراءة فقال لعثمان يا أمير المؤمنين أدرك هذه الأمّة قبل أن يختلفوا في الكتاب كما اختلفت اليهود والنّصارى فبعث عثمان إلى حفصة: أن أرسلي المصحف أو قال الصحف ننسخها في المصاحف ثمّ نردها إليك فبعثت بها إليه فدعا زيد بن ثابت فأمره وأمر عبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص».
وقال غير أبي الوليد وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام.
«وأمرهم أن ينسخوا الصحف في المصاحف، وقال لهم: ما اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء فاكتبوه بلسان قريش، فإنّما نزل بلسانهم».
فكتبت الصحف في المصاحف فبعث إلى كل أفق بمصحف وأمر بما سوى ذلك من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يمحى أو يحرق.
قال ابن شهاب وأخبرني خارجة بن زيد أنه سمع زيد بن ثابت يقول:
فقدت آية من سورة الأحزاب حين نسخت الصّحف كنا نسمع رسول الله ﷺ يقرأها فالتمستها (١) فوجدتها مع خزيمة بن ثابت الأنصاري:
﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب:٢٣].
فالحقتها به في سورتها في المصحف.
قال ابن شهاب فاختلفوا يومئذ في التابوت فقال زيد بن ثابت التابوه، وقال
стр. 189
ابن الزبير وسعيد بن العاص التابوت فرفع كلامهم إلى عثمان فقال اكتبوه التابوت.
رواه البخاري في الصحيح عن موسى بن اسمعيل، عن إبراهيم بن سعد دون قول ابن شهاب، قال البيهقي ﵀ وتأليف القرآن على عهد النبي ﷺ .
روينا عن زيد بن ثابت أنه قال:
«كنّا عند رسول الله ﷺ نؤلّف القرآن من الرّقاع».
«وإنما أراد-والله تعالى أعلم-تأليف ما نزل من الآيات المتفرقة في سورتها وجمعها فيها بإشارة النبي ﷺ ثم كانت مثبتة في الصّدور، مكتوبة في الرّقاع واللخف والعسب، فجمعت منها في صحف بإشارة أبي بكر وعمر وغيرهما من المهاجرين والأنصار ثم نسخ ما جمع في الصحف في مصاحف بإشارة عثمان بن عفان على ما رسم المصطفى ﷺ .
وروينا عن سويد بن غفلة أنه قال: قال علي بن أبي طالب: يرحم الله عثمان! لو كنت أنا لصنعت في المصاحف ما صنع عثمان.
وقد ذكرنا في كتاب المدخل وفي آخر كتاب دلائل النبوة ما يقوي هذا الإجماع ويدل على صحته. والحمد لله على حفظ عباده كتابه وتركهم على الواضحة. وفقنا لمتابعة السنة ومجانبة البدعة.
١٧٢ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنا أبو بكر محمد بن المؤمّل بن الحسن بن عيسى، أنا الفضل بن محمد بن المسيب، ثنا النفيلي، ثنا سفيان بن عيينة، عن عبد العزيز بن رفيع قال:
«دخلت مع شدّاد بن معقل على ابن عباس فسألناه هل ترك رسول الله ﷺ شيئا سوى القرآن؟ قال: ما ترك سوى ما بين هذين اللّوحين ودخلنا على محمّد بن الحنفية فسألناه فقال مثل ذلك».
رواه البخاري في الصحيح عن قتيبة عن سفيان.
стр. 190
١٧٣ - أخبرنا السيد أبو الحسن محمد بن الحسين العلوي، ثنا أبو حامد أحمد بن الحسن الحافظ، ثنا محمد بن يحيى الذهلي، وأبو حاتم الرازي، قالا ثنا محمد بن يزيد بن سنان الرهاوي، ثنا يزيد بن سنان يعني أباه عن عطاء قال سمعت أبا الحجاج مجاهد بن جبر يقول سمعت سعيد بن المسيب يقول سمعت صهيبا يقول سمعت رسول الله ﷺ يقول:
«ما آمن بالقرآن من استحلّ محارمه».
١٧٤ - وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني أبو أحمد بن أبي الحسن، ثنا محمد بن إسحاق بن خزيمة، ثنا أحمد بن سعيد الرباطي، ثنا صدقة بن صادق مولى بني هاشم، ثنا مفضل بن مهلهل، عن مجاهد، عن سعيد بن المسيب قال:
سمعت صهيبا يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول:
«ما آمن بالقرآن من استحلّ حرامه».
وفي رواية أحمد «محارمه».
قال البيهقي ﵀ وأما الإيمان بسائر الكتب مع الإيمان بالقرآن فهو نظير الإيمان بسائر الرسل مع الإيمان بنبينا ﷺ وعليهم أجمعين، والذي يحقّ علينا معرفته في كلام الله أن نعرف أن كلامه صفة من صفات ذاته يقوم به، وكلامه مقروء في الحقيقة بقراءتنا، محفوظ في قلوبنا، مكتوب في
стр. 191
مصاحفنا، غير حالّ فيها؛ كما أن الله تعالى مذكور في الحقيقة بألسنتنا، معلوم في قلوبنا، معبود في مساجدنا، غير حالّ فيها. وكلام الله تعالى، ولا حد لاختلاف فيه ولا تعداد ولا حصر ولا قليل ولا كثير غير أنه إذا قرئ بالعربية سمّي قرآنا، وإذا قرئ بالسريانية سمّي إنجيلا، وإذا قرئ بالعبرانية سمّي توراة، وإنما سمي في هذه الشريعة قراءة ما سمي قرانا دون ما سمي توراة وإنجيلا، لأن الله تعالى كذب أهل التوراة والإنجيل الذين كانوا على عهد نبينا ﷺ وأخبر عن خيانتهم وتحريفهم الكلام عن مواضعه، ووضعهم الكتاب، ثم يقولون هذا من عند الله، وما هو من عند الله، ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون. فلا يأمن المسلم إذا قرأ شيئا من كتبهم أن يكون ذلك من وضع اليهود والنصارى.
١٧٥ - وقد أخبرنا أبو الحسن علي بن أحمد بن عبدان، ثنا أحمد بن عبيد الصفار، عن عبد الله بن الصقر بن نصر السكري، ثنا أبو مروان، ثنا إبراهيم بن سعد، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس قال:
«كيف تسألون أهل الكتاب عن شيء وكتابكم الّذي أنزل الله على نبيّه ﷺ أحدث الأخبار تقرؤونه محضا لم يشب، ثم يخبركم الله في كتابه أنهم قد غيّروا كتاب الله، وبدّلوه وكتبوا الكتاب بأيديهم، ثم قالوا هو من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا، ألا ينهاكم العلم الذين جاءكم عن مسألتهم والله ما رأينا رجلا منهم قط سألكم عما أنزل الله إليكم.
١٧٦ - وأخبرنا علي عن أحمد بن عبيد، ثنا عبيد بن بشر، ثنا يحيى بن بكير، ثنا الليث، عن يونس، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس قال:
«يا معشر المسلمين كيف تسألون أهل الكتاب عن شيء وكتابكم الّذي أنزل الله على نبيّكم أحدث الأخبار بالله تقرؤونه فذكر نحوه».
رواه البخاري في الصحيح عن يحيى بن بكير وعن موسى بن إسماعيل
стр. 192
عن إبراهيم بن سعد، وقد روينا عن مجالد عن الشعبي عن جابر بن عبد الله عن النبي ﷺ أنّ عمر أتاه فقال:
«إنّا نسمع أحاديث من اليهود تعجبنا أفترى ان نكتب بعضها؟
فقال: أمتهوّكون أنتم كما تهوّكت اليهود والنصارى؟ لقد جئتكم بها بيضاء نقية. ولو كان موسى حيّا ما وسعه إلا اتّباعي.
١٧٧ - أخبرناه أبو عبد الرحمن السلمي، أنا أبو الحسن الكارزي، أنا علي بن عبد العزيز، عن أبي عبيد، ثنا هشيم، أنا مجالد فذكر نحوه.
١٧٨ - قال أبو عبيد: وحدثنا معاذ عن ابن عون عن الحسن يرفعه نحو ذلك وقال: قال ابن عون فقلت للحسن متهوكون؟ قال: متحيرون.
١٧٩ - حدثنا أبو محمد بن يوسف الأصبهاني إملاء، أنا أبو سعيد أحمد بن محمد بن زياد البصري بمكة، ثنا الهيثم بن سهل التستري، ثنا حماد بن زيد، ثنا مجالد بن سعيد؛
وأخبرنا أحمد بن الحسن القاضي، ثنا أبو علي حامد بن محمد الرفّاء، ثنا محمد بن شاذان الجوهري، ثنا زكريا بن عدي، ثنا حماد بن زيد، عن مجالد، عن الشعبي، عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ .
«لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء فإنّهم لن يّهدوكم وقد ضلّوا».
زاد القاضي في روايته:
«والله لو كان موسى ﵇ حيّا ما حلّ له إلاّ أن يتبعني».
وروي عن جبير بن نفير عن عمر بن الخطاب عن النبي ﷺ في محو ما كتب من قول اليهود بريقه والنهي عن ذلك.
стр. 193
(٥) الخامس من شعب الإيمان
«وهو باب في أن القدر خيره وشره من الله »
قال الله تعالى:
﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللهِ﴾ [النساء:٧٨] قرأها.
وفي هذه الآية دلالة على أن قوله:
﴿ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء:٧٩].
معناه ما أصابك من شيء يسرّك من صحة بدن وظفر بعدوّ وسعة رزق غير ذلك، فالله مبتديك بالإحسان به إليك، وما أصابك من شيء يسوءك ويغمّك فبكسب يدك، لكن الله مع ذلك سائقه إليك، والقاضي به عليك، وهو كما قال في آية أخرى:
﴿وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى:
٣٠].
وقد يكون فيما يسوءه جراحات تصيبه، أو قتل أو أخذ مال أو هزيمة، وقد أمر في الآية الأخرى بأن يقول فيها وفيما يصيبه من خلافها.
﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللهِ﴾ [النساء:٧٨].
فدلّ أنّ ذلك كله بتقدير الله غير أنه في الآية الأخرى أخبر أنه إنما يصيبه جزاء له بما جناه على نفسه بكسبه، وليس ذلك بخلاف لما أمر به في الآية الأولى-
١٨٠ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنا أبو بكر بن إسحاق، أنا بشر بن
стр. 194
موسى، ثنا أبو عبد الرحمن المقرئ، ثنا كهمس بن الحسن، عن عبد الله بن بريدة، عن يحيى بن يعمر:
«قال: كان أوّل من قال في القدر معبد الجهني بالبصرة، قال فانطلقنا حجاجا أنا وحميد بن عبد الرحمن الحميري فلمّا قدمنا المدينة وافقنا عبد الله بن عمر وهو في المسجد فقلت يا أبا عبد الرحمن! إنّ قبلنا ناسا يقرؤون القرآن ويتقفّرون العلم ويقولون لا قدر، وإنما الأمر أنف قال فإذا لقيت أولئك فأخبرهم أنّي منهم بريء، وأنّهم منّي برآء، والذي يحلف به عبد الله بن عمر لو كان لأحدهم مثل أحد ذهبا، فأنفقه ما قبل الله منه حتّى يؤمن بالقدر كله خيره وشرّه».
حدثني عمر بن الخطاب ﵁ قال:
«بينما نحن عند رسول الله ﷺ إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشّعر، لا يرى عليه أثر سفر، ولا يعرفه منّا أحد حتّى جلس إلى رسول الله ﷺ فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفّيه على فخذيه ثمّ قال يا محمّد! أخبرني عن الإيمان ما الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره قال صدقت» وذكر الحديث.
أخرجه مسلم في صحيحه من وجه آخر عن كهمس.
ورواه يزيد بن زريع عن كهمس وقال في الحديث:
«أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله وبالقدر خيره وشرّه، حلوه ومرّه، وبالبعث بعد الموت، قال صدقت».
١٨١ - وأخبرناه محمد بن عبد الله الحافظ، أنا أبو بكر بن إسحاق، أنا أبو المثنى، ثنا محمد بن المنهال، ثنا يزيد بن زريع، ثنا كهمس فذكره.
وقد روينا عن أبي هريرة عن النبي ﷺ في هذه القصة: «وتؤمن بالقدر كله».
وروينا في الإيمان بالقدر عن علي بن أبي طالب، وعبد الله بن عمر، وأنس بن مالك، وعدي بن حاتم، عن النبي ﷺ .
стр. 195
١٨٢ - وقد أخبرنا أبو علي الحسين بن محمد الروذباري، أنا محمد بن بكر، ثنا أبو داود، ثنا محمد بن كثير، أنا سفيان، عن أبي سنان، عن وهب بن خالد الحمصي، عن ابن الديلمي قال:
«أتيت أبيّ بن كعب فقلت له وقع في نفسي شيء من القدر فحدثني بشيء لعلّ الله جلّ ثناؤه أن يذهبه من قلبي، فقال: لو أنّ الله جلّ ثناءه عذّب أهل سماواته وأهل أرضه، عذّبهم وهو غير ظالم لهم ولو رحمهم، كانت رحمته خيرا لهم من أعمالهم، ولو أنفقت مثل أحد ذهبا في سبيل الله، ما تقبّله الله منك حتّى تؤمن بالقدر، وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك وما أخطأك لم يكن ليصيبك، ولو متّ على غير هذا، لدخلت النّار، قال: ثمّ لقيت ابن مسعود فقال مثل ذلك، ثمّ أتيت حذيفة بن اليمان فقال مثل ذلك، ثمّ أتيت زيد بن ثابت فحدثني عن النبي ﷺ مثل ذلك».
وقد روينا عن عبادة بن الصامت وغيره في كيفية الإيمان بالقدر نحو ذلك.
وفي ذلك بيان أنّ المراد بالحديث الأول أن كل مقدور فالله قادره وأنّ الخير والشرّ وإن كانا ضدّين، فإن قادرهما واحد، وليس قادر الشرّ غير قادر الخير، كما تقوله الثنويّة، فإذا ثبت انّ الإيمان بالقدر شعبة من شعب الإيمان فقد دلّ الكتاب ثم السنّة على أنّ الله تعالى علم في الأزل ما يكون من عباده من خير وشرّ، ثم أمر القلم فجرى في اللوح المحفوظ بما علم. قال الله تعالى:
﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ﴾ [يس:١٢]
وقال: ﴿ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاّ فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها﴾ [الحديد:٢٢].
وقال: ﴿كانَ ذلِكَ فِي الْكِتابِ مَسْطُوراً﴾ [الإسراء:٥٨].
وروينا عن عمران بن حصين عن النبي ﷺ قال:
стр. 196
«كان الله ولم يكن شيء غيره وكتب في الذّكر كلّ شيء، ثمّ خلق السّموات والأرض».
وروينا في هذا المعنى أحاديث كثيرة، ثم إن الله جل ثناؤه خلق الخلق على ما علم منهم، وعلى ما قدره عليهم قال الله تعالى:
﴿إِنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٩].
أي بحسب ما قدرناه قبل أن نخلقه، فجرى الخلق على علمه وكتابه والسبب في نزول هذه:
١٨٣ - (ما) أخبرنا أبو الحسين بن الفضل القطّان، أنا عبد الله بن جعفر النحوي، ثنا يعقوب بن سفيان، ثنا أبو نعيم-ح-
وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنا أبو بكر بن إسحاق، أنا أبو المثنى، قال ثنا محمد بن كثير، قالا: ثنا سفيان، عن زياد بن إسماعيل السهمي، عن محمد بن عباد المخزومي عن أبي هريرة قال:
«كان مشركو قريش عند رسول الله ﷺ يخالفونه في القدر فنزلت هذه الآية».
﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ إِنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٧ - ٤٩].
أخرجه مسلم في الصحيح من حديث سفيان.
١٨٤ - أخبرنا أبو محمد عبد الله بن يوسف الأصبهاني، ثنا أبو سعيد أحمد بن محمد بن زياد البصري بمكة، ثنا الحسن بن محمد الزعفراني، ثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو، عن طاوس، سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ :
«احتجّ آدم موسى فقال موسى: يا آدم أنت أبونا خيّبتنا، أخرجتنا من
стр. 197
الجنّة، فقال له آدم: يا موسى! اصطفاك الله بكلامه وخطّ لك التّوراة أتلومني على أمر قدّره الله تعالى عليّ قبل أن يخلقني، قال فحجّ آدم موسى فحج آدم موسى».
أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح من حديث سفيان بن عيينة.
وفي هذا دليل على تقدم علم الله بما يكون من أفعال العباد وصدورها عن تقدير منه، وانه ليس لأحد من الآدميين أن يلوم أحدا على القدر المقدّر الذي لا مدفع له إلاّ على جهة التحذير للوقوع في المعصية، ولم يكن قول موسى بعد خروج آدم من دار الدنيا في وقت يكون للتحذير فيه معنى، فصار بما عارضه به آدم محجوجا بقضية المصطفى ﷺ والله أعلم.
١٨٥ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو بكر بن إسحق أنا الحسن بن محمد بن زياد، ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا أبو الأحوص، عن منصور، عن سعد بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن علي ﵁ قال:
«كنّا فى جنازة فلمّا انتهينا إلى بقيع الغرقد، قعد رسول الله ﷺ وقعدنا حوله، فأخذ عودا فنكت به في الأرض، ثمّ رفع رأسه فقال: ما منكم من نفس منفوسة إلاّ وقدّ علم مكانها من الجنّة والنّار، وشقيّة أم سعيدة، قال: فقال رجل من القوم: يا رسول الله! ألا ندع العمل ونتّكل على كتابنا، فمن كان منّا من أهل السّعادة صار إلى السّعادة ومن كان من أهل الشّقوة صار إلى الشّقاء؟ قال: فقال رسول الله ﷺ : اعملوا: فكلّ ميسّر، فمن كان من أهل الشّقوة ييسّر لعملها، ومن كان من أهل السّعادة ييسّر لعملها، ثمّ قال رسول الله ﷺ .
﴿فَأَمّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى، وَأَمّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى﴾ [الليل:٥ - ١٠].
رواه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة وأخرجه من حديث جرير بن عبد الحميد، عن منصور، ومن حديث الأعمش عن سعد.
стр. 198
١٨٦ - أخبرنا أبو طاهر الفقيه، أنا أبو طاهر محمد بن الحسن المحمدآباذي، ثنا أبو قلابة، ثنا عثمان بن عمر، أنا عزرة بن ثابت، عن يحيى بن عقيل، عن يحيى بن يعمر، عن أبي الأسود الدئلي قال: قال لي عمران بن حصين:
«أرأيت ما يعمل النّاس ويكدحون فيه، أشيء قضي عليهم من قدر قد سبق؟ أو فيما يستقبلون به ممّا آتاهم به نبيّهم وثبتت عليهم به الحجّة؟ قال لا بل شيء قضي عليهم قال: فهل يكون ذلك ظلما؟ قال ففزعت من ذلك فزعا شديدا، وقلت ليس شيئا إلاّ وهو خلق الله وملكه، لا يسأل عمّا يفعل وهم يسألون، قال فقال لي يرحمك الله! إنّي والله ما سألتك إلاّ لأحزر عقلك. إنّ رجلين-أو قال رجل-من مزينة أتى النّبيّ ﷺ فقال أرأيت ما يعملون ويكدح النّاس فيه اليوم ويعملون فيه أقضي شيء عليهم ومضى عليهم من قدر قد سبق أو فيما يستقبلون به ممّا أتاهم به نبيّهم واتّخذت عليهم به الحجّة؟ قال: لا بل شيء قضي عليهم ومضى عليهم. قال وفيما نعمل إذا؟ قال من كان خلقه الله لواحدة من المنزلتين فييسّره لها، وتصديق ذلك في كتاب الله :
﴿وَنَفْسٍ وَما سَوّاها فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها﴾ [الشمس:٧،٨].
رواه مسلم في «الصحيح» عن إسحاق بن إبراهيم عن عثمان بن عمر.
وفي هذا والذي قبله دلالة على أن العبد إنما ييسر لما خلق له، وان التيسير إنما هو بحق الملك و «لا يسأل عمّا يفعل وهم يسألون» ويشبه أن يكونوا إنما تعبدوا بهذا النوع من التعبد ليتعلق خوفهم بالباطن المغيب عنهم، فلا يتكلوا على ما يظهر من أعمالهم، ورجاءهم بالظاهر البادي لهم فيرجوا به حسن أحوالهم، والخوف والرّجاء مدرجا العبودية فيستكملوا بذلك صفة الإيمان وفي مثل هذا المعنى حديث عبد الله بن مسعود عن النبي ﷺ .
١٨٧ - أخبرناه علي بن محمد بن عبد الله بن بشران ببغداد، أنا
стр. 199
إسماعيل بن محمد الصفار، ثنا سعدان بن منصور، أنا أبو معاوية، ثنا الأعمش، عن زيد بن وهب، عن عبد الله، قال حدثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق:
«إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمّه أربعين يوما ثمّ يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث إليه الملك فينفخ فيه الروح، ثم يؤمر بأربع: بكتب رزقه وعمله وأجله، وشقيّ هو أم سعيد فو الذي لا إله غيره إنّ أحدكم ليعمل بعمل أهل النّار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب، فيختم له بعمل أهل الجنة فيدخلها، وإنّ أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيختم له بعمل أهل النار فيدخلها.
رواه مسلم في «الصحيح» عن أبي بكر بن أبي شيبة وغيره عن أبي معاوية. وأخرجه البخاري من وجه آخر عن الأعمش.
١٨٨ - حدثنا الشيخ أبو بكر بن فورك، ثنا عبد الله بن جعفر بن أحمد الأصبهاني، قال حدثني أبي، ثنا عمرو بن علي أبو حفص، ثنا أبو عبد الله الأسفاطي، قال:
«رأيت النبيّ ﷺ في المنام فقلت: يا رسول الله! بلغنا عنك حديث الأعمش عن زيد بن وهب عن عبد الله بن مسعود في القدر، فقال نعم أنا قلته، رحم الله الأعمش! رحم الله زيد بن وهب! ورحم الله عبد الله بن مسعود! ورحم الله من حدّث بهذا الحديث».
١٨٩ - أخبرنا أبو علي الروذباري أنا أبو عبد الله محمد بن أحمد بن يعقوب المتّوثي بالبصرة إملاء، ثنا أبو داود هو السجستاني، ثنا محمد بن يزيد الأعور قال:
«رأيت رسول الله ﷺ في المنام جالسا مع عمر بن الخطّاب وعلي بن أبي
стр. 200
طالب فقلت يا رسول الله حديث عبد الله بن مسعود حديث الصّادق المصدوق أريد حديث القدر، قال أنا والله الّذي لا إله إلاّ هو حدّثته به،-فأعادها ثلاثا غفر الله للأعمش-كما حدث به، غفر الله لمن حدث به قبل الأعمش وغفر الله لمن حدث به بعد الأعمش».
قال البيهقي ﵀ وفي الحديث دلالة على أن الاعتبار بما يختم عليه عمله، وإنه إنّما يختم بما سبق كتابه، وفي ذلك كلّه دلالة على أن الله يهدي من يشاء ويضلّ من يّشاء، وان أعمال عباده مخلوقة له، مكتسبة للعباد، ومما دل عليه قوله :
﴿وَاللهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات:٩٦].
وما يعمله ابن آدم ليس هو الصنم، وإنما هو حركاته واكتساباته وقد حكم بأنه خلقنا وخلق ما نعمله وهو حركاتنا واكتساباتنا.
وقال: ﴿اللهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر:٦٢].
وقال: ﴿خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما﴾ [السجدة:٤ وغيرها].
وأفعال الخلق بينهما، ولا يتناول ذلك شيئا من صفات ذاته، لأن صفات ذاته ليست بأغيار له فلا يتناولها كما لا يتناول ذاته وقال:
﴿هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللهِ﴾ [فاطر:٣].
كما قال:
﴿مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللهِ﴾ [القصص:٧١،٧٢].
فكما لا إله إلا هو كذلك لا خالق إلاّ هو وقال:
﴿فَمَنْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ كَذلِكَ يَجْعَلُ اللهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام:١٢٥].
وهذه الآية كما هي حجّة في الهداية والإضلال، فهي حجة في خلق الهداية والضلال لأنه قال: «يشرح» و «يجعل» وذلك يوجب الفعل والخلق، والآيات في هذا المعنى كثيرة وروينا عن النبي ﷺ أنّه قال:
стр. 201
«اعملوا فكلّ ميسّر لما خلق له».
وعن حذيفة بن اليمان عن النبي ﷺ : «إن الله خالق كل صانع وصنعته».
١٩٠ - أخبرنا أبو الحسن محمد بن أبي المعروف، أنا أبو سهل الاسفراييني، أنا أبو جعفر الحذّاء، ثنا علي بن المديني، ثنا مروان بن معاوية الفزاري، ثنا أبو مالك، عن ربعي بن حراش، عن حذيفة قال: قال رسول الله ﷺ :
«إنّ الله خلق كلّ صانع وصنعته»
وروينا عن أبي موسى الأشعري ﵁ انّ نبي الله ﷺ قال:
«الخير والشّرّ خليقتان ينصبان للنّاس يوم القيامة».
وروينا في هذا الباب بين أحاديث كثيرة وهي في «كتاب القدر» مذكورة؛ من أراد الوقوف عليها رجع إليها إن شاء الله تعالى.
قال أصحابنا ولأنّ الإنسان لو صحّ أن يحدث شيئا فيما يصح أن يحدث، لم يكن بعض ما يصح أن يحدث، بأن يكون محدثه بأولى من بعض، كما أن الله لما صح أن يحدث، لم يكن بعض ما يصح أن يحدث بأن يصحّ منه احداثه بأولى من بعض؛ ولأنّ الإنسان محدث، والمحدث لا يصح أن يحدث كما أن الحركة لا يصح أن تتحرّك.
ولأن هذه الحوادث التي هي تقع على وجوه لا يقصدها ككون الكفر قبيحا من الكافر غير واقع على قصده لأن الكافر يقصد أن يقع كفره حسنا غير قبيح ولا يقع إلا قبيحا. فدل أن قاصدا قصد إيقاعه قبيحا، لأنّه يستحيل أن يقع كذلك من غير فاعل فعله على ما هو به. وكذلك الإيمان يقع متعبا مؤلما ولو قصد المؤمن أن يقع على خلاف هذا الوجه لم يتأتّ منه ذلك، دلّ انه وقع كذلك لقصد موقع