← Книги сунны

Книги сунны · id 748

شعب الإيمان - ت زغلول

أبو بكر البيهقي

Полный текст (3 507 стр.). Показаны 127–166 · переход к 132.

стр. 127

النجود، عن أبي صالح، عن أبي هريرة رفعه فذكره. ورواه أيضا الحكم بن فضيل عن عطية عن أبي سعيد مرفوعا. ١١١ - أخبرنا أبو علي الروذباري، أنبا إسماعيل بن محمد الصفار، ثنا عباس بن محمد، ثنا عبيد الله بن موسى، ثنا سفيان، عن ابن جريج، عن محمد بن المرتفع عن عبد الله بن الزبير ﵄: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ، أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات:٢١]. قال: سبيل الخلاء والبول. ١١٢ - أخبرنا أبو الحسين بن بشران، أنبا أبو جعفر الرزاز، أنبا أحمد بن الوليد الفحام، ثنا أبو نعيم، ثنا سفيان، عن ابن جريج، عن عبد الله بن كثير عن ابن الزبير: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ، أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾. قال: سبيل الخلاء والبول. كذا قال. ١١٣ - وأخبرنا أبو طاهر الفقيه، أنبا أبو بكر محمد بن عمر بن حفص التاجر، ثنا السري بن خزيمة الأبيوردي، ثنا أبو نعيم، ثنا سفيان، عن ابن جريج عن محمد بن المرتفع عن ابن الزبير فذكره. ١١٤ - أخبرنا أبو زكريا بن أبي إسحاق، حدثني محمد بن محمد بن عبيد الله الأديب، ثنا محمود بن محمد، ثنا عبد الله بن الهيثم، ثنا الأصمعي قال سمعت ابن السمّاك يقول لرجل: «تبارك من خلقك فجعلك تبصر بشحم، وتسمع بعظم، وتتكلم بلحم».

стр. 128

١١٥ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ في آخرين قالوا ثنا أبو العباس الأصم، ثنا أبو أمية، ثنا أبو عاصم، ثنا صالح الناجي، عن ابن جريج، عن ابن شهاب في قوله تعالى: ﴿يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ﴾ [فاطر:١]. قال: حسن الصوت. ١١٦ - قال وحدثنا أبو أمية الطرسوسي، حدثنا محمد بن سليمان البصري، ثنا إبراهيم بن الجنيد، عن عمر بن حفص العسقلاني، عن خليد بن دعلج، عن قتادة في قوله: «يزيد فى الخلق ما يشاء» قال: الملاحة في العينين. ١١٧ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنبا الحسن بن محمد بن إسحاق قال سمعت أبا عثمان الخياط يقول ثنا ذو النون بن إبراهيم المصري قال: «إنّ الله خلق القلوب أوعية للعلم، ولولا أنّ الله سبحانه وبحمده أنطق اللسان بالبيان، وافتتحه بالكلام، ما كان الإنسان إلاّ بمنزلة البهيمة، يومئ بالرّأس، ويشير باليد». ١١٨ - أخبرنا أبو الحسين بن بشران، أنبا إسماعيل بن محمد الصفار، ثنا سعدان بن نصر، ثنا أبو معاوية، عن الأعمش عن عمرو بن مرة، عن سالم بن

стр. 129

أبي الجعد، عن أم الدرداء، عن أبي الدرداء قال: «تفكر ساعة خير من قيام ليلة». ١١٩ - وأخبرنا أبو الحسين بن بشران، أنبا إسماعيل بن محمد الصفار قال ثنا سعدان بن نصر، ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن سالم بن أبي الجعد: «قيل لأم الدرداء: ما كان أفضل أعمال أبي الدرداء؟ قالت: التفكر». ١٢٠ - أخبرنا حمزة بن عبد العزيز، أنبا أبو الفضل عبدوس بن الحسين بن منصور، حدثنا أبو حاتم محمد بن إدريس الرازي، حدثنا محمد بن حاتم الزمّي المؤدب، أنبا علي بن ثابت، عن الوازع بن نافع، (عن سالم)، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «تفكروا في آلاء الله-يعني عظمته-ولا تفكروا في الله». هذا إسناد فيه نظر. ١٢١ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنبا علي بن محمد المروزي، ثنا محمد بن إبراهيم الرازي، ثنا يحيى بن معاذ قال: «جملة التوحيد في كلمة واحدة، وهي أن لا تتصور في وهمك شيئا إلا

стр. 130

واعتقدت أن الله هو مالكه من جميع الجهات». قال البيهقي رحمه الله تعالى: فإن قال قائل: وايش الدليل على أنه سبحانه موجود؟ قيل: قد بينّا أنه أوجد العالم وأحدثه، والفعل لا يصح وقوعه إلاّ من ذوي قدرة. والقدرة لا تقوم بنفسها، فوجب أنها تقوم بقادر موجود. ولأن استحالة وقوع الفعل من معدوم كاستحالة وقوعه لا من فاعل. فلما استحال فعل لا من فاعل، استحال فعل من معدوم. وفي ذلك دليل على وجوده. فإن قال قائل: وما الدليل على أنه سبحانه قديم لم يزل؟ قيل: قد ثبت أنه موجود، ولو كان محدثا لتعلّق بغيره لا إلى نهاية، والموجود لا ينفكّ من أن يكون قديما أو محدثا. فلما فسد كونه محدثا ثبت أنه قديم. وإن شئت قلت: قد بيّنّا احتياج المحدثات إلى مقدّم يقدّم ما تقدّم منها، ومؤخّر يؤخّر ما تأخّر منها، ومخصّص يخصّص بعضها ببعض الهيئات دون بعض. فلو كان الذي يفعل ذلك بها مشاركا لها في الحدوث لشاركها في الحاجة إلى المقدّم المؤخّر المخصّص. ولو كان بهذا الوصف لاقتضى كلّ محدثا قبله، ويستحيل وجود محدثات واحد قبل واحد لا إلى أوّل لاستحالة الجمع بين الحدوث ونفي الابتداء فثبت أنه قديم لم يزل. فإن قال قائل: فما الدليل على أنه ليس بجسم، ولا جوهر، ولا عرض؟ قيل: لأنّه لو كان جسما لكان مؤلّفا. والمؤلّف شيئان، وهو سبحانه شيء واحد، لا يحتمل التأليف. وليس بجوهر، لأن الجوهر هو الحامل للأعراض، المقابل للمتضادّات، ولو كان كذلك، لكان ذلك دليلا على حدوثه، وهو سبحانه تعالى قديم لم يزل. وليس بعرض لأن العرض لا يصحّ بقاؤه، ولا يقوم بنفسه-وهو-سبحانه قائم بنفسه لم يزل موجودا ولا يصحّ عدمه. فإن قال قائل: فإذا كان القديم سبحانه شيئا لا كالأشياء، ما انكرتم أن يكون جسما لا كالأجسام؟

стр. 131

قيل له: لو لزم ذلك للزم أن يكون صورة لا كالصّور، وجسدا لا كالأجساد، وجوهرا لا كالجواهر: فلما لم يلزم ذلك، لم يلزم هذا. وبعد: فإن الشيء سمة لكل موجود، وقد سمى الله- نفسه شيئا قال الله : ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً؟ قُلِ اللهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام:١٩]. ولم يسم نفسه جسما ولا سماه به رسول الله ﷺ ، ولا اتفق المسلمون عليه ونحن فلا نسمي الله باسم لم يسم هو به نفسه ولا رسوله ولا اتفق المسلمون عليه، قال الله : ﴿وَلِلّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها، وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ سَيُجْزَوْنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف:١٨٠]. فإن قال قائل: وما الدليل على أنه لا يشبه المصنوعات، ولا يتصور في الوهم؟ قيل: لأنه لو أشبهها لجاز عليه جميع ما يجوز على المصنوعات من سمات النقص وامارات الحدث، والحاجة إلى محدث غيره. وذلك يقتضي نفيه، فوجب أنه كما وصف نفسه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]. ولأنا نجد كل صنعة فيما بيننا لا تشبه صانعها كالكتابة لا تشبه الكاتب، والبناء لا يشبه الباني، فدلّ ما ظهر لنا من ذلك على ما غاب عنّا. وعلمنا أن صنعة الباري لا تشبهه. فإن قال قائل: وما الدليل على أنه قائم بنفسه، مستغن عن غيره؟ قيل: لأن خالق هذا الوصف يوجب حاجته إلى غيره، والحاجة دليل الحدث، لأنها تكون إلى وقت ثم تبطل بحدوث ضدها. وما جاز دخول الحوادث عليه كان محدثا مثلها. وقد قامت الدلالة على قدمه. فإن قال قائل: وما الدليل على أنه حيّ عالم قادر؟ قيل: ظهور فعله دليل على حياته وقدرته وعلمه، لأنّ ذلك لا يصحّ وقوعه

стр. 132

من ميّت ولا عاجز ولا جاهل به وإذا وقع في شيء لم يصح وقوعه من ميت ولا عاجز ولا جاهل دل ذلك على أنّه بخلاف وصف من لا يتأتى ذلك منه، ولا يكون بخلاف ذلك إلا وهو حيّ قادر عالم. فإن قال قائل: وما الدليل على أنه مريد؟ قيل: لأنه حيّ، عالم، ليس بمكره ولا مغلوب، ولا به آفة تمنعه من ذلك وكل حيّ خلا مما يضادّ العلم، ولم يكن به آفة تخرجه من الإرادة، كان مريدا مختارا قاصدا. فإن قال قائل: وما الدليل على أنه سميع بصير؟ قيل: لأنه حيّ، ويستحيل وجود حيّ يتعرّى عن الوصف بما يدرك المسموع والمرئي، أو بالآفة المانعة منه، ويستحيل تخصيصه من أحد هذين الوصفين بالآفة لأنها منع، والمنع يقتضي مانعا وممنوعا، ومن كان ممنوعا كان مغلوبا. وذلك صفة الحدث. والباري قديم لم يزل وهو سميع بصير، لم يزل ولا يزال. فإن قال قائل: وما الدليل على أنه متكلّم؟ قيل: لأنّه حيّ ليس بساكت، ولا به آفة تمنعه من الكلام، وكل حيّ كان كذلك، كان متكلما. ولأنه يستحيل لزوم الخطاب، ووجود الأمر عمن لا يصحّ منه الكلام، فوجب أن يكون متكلما. فإن قال قائل: وما الدليل على أنه لم يزل حيّا، قادرا، عالما، مريدا، سميعا. بصيرا، متكلما؟ قيل: لأنه لو لم يكن كذلك لكان موصوفا بأضدادها من موت أو عجز أو آفة، ولو كان كذلك لاستحال أن يقع منه فعل، وفي صحة الفعل منه دليل على أنه لم يزل كذلك، ولا يزال كذلك. فإن قال قائل: وما الدليل على أنّه حيّ، قادر، عالم، مريد، سميع، بصير، متكلم، له الحياة والقدرة والعلم والإرادة والسمع والبصر والكلام؟ قيل: لأنه يستحيل إثبات موجود بهذه الأوصاف مع نفي هذه الصفات

стр. 133

عنه، وحين لزم إثباته بهذه الأوصاف لزم إثبات هذه الصفات له. قال الله : ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاّ بِما شاءَ﴾ [البقرة:٢٥٥]. وقال تعالى: ﴿وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً﴾ [طه:٩٨]. وقال: ﴿وَأَنَّ اللهَ قَدْ أَحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً﴾ [الطلاق:١٢]. أي علمه قد أحاط بالمعلومات كلها-إلى سائر الآيات التي وردت في هذا المعنى. وقال: ﴿إِنَّ اللهَ هُوَ الرَّزّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات:٥٨]. فأثبت القوّة لنفسه، وهي القدرة، وأثبت العلم، فدلّ على أنه عالم بعلم، قادر بقدرة. ولأنّه لو جاز عالم لا علم له لجاز علم لا عالم به. كما أنه لو جاز فاعل لا فعل له، لجاز فعل لا لفاعل فلما استحال فاعل لا فعل له كما استحال فعل لا فاعل له، كذلك يستحيل عالم لا علم له كما يستحيل علم لا لعالم. ولأنّ العلم لو لم يكن شرطا في كون العالم عالما لم يضرّ عدمه في كل عالم، حتى يصحّ كل عالم أن يكون عالما مع عدم العلم. وحين كان شرطا في كون بعضهم عالما وجب ذلك في كل عالم لامتناع اختلاف الحقائق من الموصوفين. ولأن إحكام الفعل يمتنع مع عدم العلم منّا به كما يمتنع مع كوننا غير عالمين به، فكما وجب استواء جميع المحكمين في كونهم علماء، كذلك يجب استواءهم في كون العلم لهم لاستحالة وقوعه من غير ذي علم به منّا كاستحالة وقوعه من غير عالم به منّا. ولأن حقيقة العلم ما يعلم به العالم، وبعدمه يخرج عن كونه عالما فلو كان القديم عالما بنفسه كانت نفسه علما له. ولا يجوز أن يكون العالم في معنى العلم. فإن عارضوا ما ذكرناه من الآيات بقول الله : ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف:٧٦].

стр. 134

قلنا: لسنا نقول إنّ الله ذو علم على التنكير، وإنما نقول أنه ذو العلم على التعريف. كما نقول انه ذو الجلال والإكرام، على التعريف ولا نقول انه ذو جلال وإكرام على التنكير. فمعنى الآية إذا «وفوق كل ذي علم محدث من هو أعلم منه». فإن قالوا: فيقولون ان علمه قديم وهو قديم. قيل: من أصحابنا من لا يقول ذلك مع إثباته له أزليا. ومنهم من يقول ذلك ولا يجب به الاشتباه، لأن القديم هو المتقدم في وجوده بشرط المبالغة، والمتقدم في الوجود هو الوجود، والوجود لا يوجب الاشتباه عند أحد فكذلك المتقدم في الوجود لا يوجب الاشتباه ولأن القدم وصف مشترك. يقال «شيخ قديم» و «بناء قديم» و «عرجون قديم». فالاشتباه لا يقع بالاشتراك في الوصف المشترك. ولأنه لو كان الاشتباه يقع بالاشتراك في القدم، لكان يقع بالاشتراك في الحدث. فلما لم يقع بالاشتراك في الحدث، لم يقع بالاشتراك في القدم. ولأن عندنا حقيقة المشتبهين هما الغيران اللذان يجوز على أحدهما جميع ما يجوز على صاحبه وينوب منابه، وصفات الله تعالى ليست باغيار له. فإن قالوا: لو كان له علم لم يخل من أن يكون هو أو غيره أو بعضه؟ قيل: هذه دعوى بل ما ينكر من علم لا يجوز أن يقال هو هو لاستحالة أن يكون العلم عالما، ولا يجوز أن يقال غيره لاستحالة مفارقته له ومعنى الغيرين ما لا يستحيل مفارقة أحدهما لصاحبه بوجه. ولا يجوز أن يقال بعضه إذ ليس الموصوف به متبعضا. فإن قال: لو كان له علم لكان عرضا مكتسبا أو مضطرا إليه، وكان اعتقادا من جنس علومنا لأن ذلك حكم العلم المعقود. قيل: ليس الأمر كذلك لأن العلم لم يكن علما لأنه عرض أو بصفة مما ذكرتم وإنما كان علما، لأنّ العلم به يعلم ثم يضطر فإن كان العلم محدثا، كان علمه عرضا مكتسبا أو مضطرّا إليه.

стр. 135

وإن لم يكن محدثا لم يصحّ وصفه بما يوجب الحدث، ولما وجب أن يكون عالما غير معتقد ولا مكتسب ولا مضطر، وجب أن يكون له علم لا يصح وصفه بشيء مما ذكرتم. فإن قالوا: لو كان عالما بعلم لكان محتاجا إلى علمه. قيل: لا يجوز عليه الحاجة لأنه غنيّ، ليس علمه ولا سائر صفاته الذاتية أغيارا له، ولا ابعاضا حتّى يصحّ وصفه بالحاجة إلى غيره أو إلى بعضه. فإن قالوا: فيقولون إن علمه علم بكل ما يصحّ أن يعلم. قيل: كذلك نقول، ولذلك وصف الله تعالى علمه فقال: ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَأَنَّ اللهَ قَدْ أَحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً﴾ [الطلاق:١٢]. وأما غير الله فإنّه لا يصح أن يكون عالما بكل معلوم، فلم يصحّ أن يكون له علم بذلك. فالله يجب كونه عالما بكل معلوم، فكذلك يجب أن يكون علمه علما بكل ما يصح أن يعلم. والكلام في سائر الصفات الذاتية كالكلام في العلم، ولا يجوز في شيء من ذلك أن يقال إنه يجاوره لأن المجاورة تقتضي المماسة أو المقاربة في المكان وذلك صفة الأجسام التي هي محل الحوادث ولا يقال إنها تحلّه، لأن الحلول يقتضي المجاورة، وقد قامت الدلالة على بطلانها. ولا يقال إنها تخالفه أو تفارقه، لأن المفارقة والمخالفة فرع للغيرية والتغاير بينه وبين صفاته محال. ولا يقال إنه ملكه لأن ما يملك يصحّ أن يفعل، وصفاته أزلية لا يصح أن تفعل، ولا يقال في صفات ذاته إنها في أنفسها مختلفة ولا متفقة لأنها ليست بمتغايرة. ولا يقال إنها مع الله أو في الله، بل هي مختصّة بذاته قائمة به لم يزل موصوفا بها ولا يزال هو موصوفا بها. ولله تعالى صفات خبرية منها الوجه واليد. طريق إثباتها ورود خبر الصادق بها فنثبتها ولا نكيّفها.

стр. 136

وأما صفات الفعل كالخلق والرزق فإنها أغيار وهي فيما لا يزال، ولا يصح وصفه بها في الأزل. وأبى المحققون من أصحابنا أن يقولوا في الله جلّ ثناؤه أنّه لم يزل خالقا ورازقا، ولكن يقولون خالقنا لم يزل، ورازقنا لم يزل، قادرا على الخلق والرزق. لأنه لم يخلق في الأزل ثم خلق، وإذا سمّي خالقا بعد وجود الخلق، لم يوجب ذلك تغيّرا في ذاته، كما أن الرجل إذا سمّي أبا بعد أن لم يسمّ أبا، لم يوجب ذلك تغيّرا في نفسه. ومن أصحابنا من قال: يجوز القول لم يزل خالقا، رازقا على معنى أنه سيخلق وسيرزق، وبالله التوفيق. ١٢٢ - أخبرنا أبو زكريا بن أبي إسحاق، أنبا أبو الحسن الطرائفي، ثنا عثمان بن سعيد الدارمي، ثنا عبد الله بن صالح، عن معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس ﵁ في قوله: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم:٦٥]. هل تعلم للرب مثلا أو شبها. ١٢٣ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنبا أبو العباس محمد بن يعقوب «ح»

стр. 137

وأخبرنا أبو الحسين بن الفضل القطان، ثنا علي بن عبد الرحمن بن عيسى بن ماتي، قالا ثنا أحمد بن حازم بن أبي غرزة الغفاري، حدثنا خالد بن يزيد، ثنا اسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ في قوله : ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم:٦٥]. قال: ليس أحد يسمّى الرحمن غيره.

стр. 138

(٢) الثاني من شعب الإيمان وهو باب في الإيمان برسل الله صلوات الله عليهم عامة اعتقادا، وإقرارا إلا انّ الإيمان بمن عدا نبيّنا ﷺ هو الإيمان بأنهم كانوا مرسلين إلى الذين ذكروا لهم أنّهم رسل الله إليهم. وكانوا في ذلك صادقين محقين. والإيمان بالمصطفى نبينا ﷺ هو التصديق بأنه نبيّه ورسوله إلى الذين بعث فيهم، وإلى من بعدهم من الجنّ والإنس إلى قيام الساعة. قال الله تعالى: ﴿آمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحديد:٧]. فقرن الإيمان برسوله بالإيمان به. وقال: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ، كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ، لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ [البقرة:٢٨٥]. وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللهِ وَرُسُلِهِ .. ﴾. [النساء:١٥٠] الآية إلى آخرها. وفي هذه الآية أن الله جل وعز جعل الكفر ببعض رسله كفرا بجميعهم ثم جعل الكفر بجميعهم كفرا به. وقال بعد ذلك: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ﴾ [النساء:١٥٢] الآية. فثبت أن حسن المآب إنّما يكون لمن لم يفرّق بين رسل الله وآمن بجماعتهم. وقد روينا في حديث ابن عمر عن عمر بن الخطاب ﵁ عن النبي ﷺ حين سئل عن الإيمان فقال: «أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر كلّه، خيره وشرّه».

стр. 139

١٢٤ - أخبرناه أبو الحسين بن بشران، أخبرنا أبو جعفر الرزاز، ثنا عيسى بن عبد الله الطيالسي، ثنا أبو عبد الرحمن المقرئ، ثنا كهمس بن الحسن قال سمعت عبد الله بن بريدة يحدث عن يحيى بن يعمر، عن ابن عمر، عن عمر ﵄ بذلك. أخرجه مسلم في الصحيح من حديث كهمس. ١٢٥ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو زكريا يحيى بن محمد العنبري، ثنا محمد بن إبراهيم البوشنجي، ثنا أمية بن بسطام، ثنا يزيد بن زريع، ثنا روح بن القاسم، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «أمرت أن أقاتل النّاس حتّى يشهدوا أن لا إله إلاّ الله، ويؤمنوا بي وبما جئت به، فإذا فعلوا ذلك، عصموا منّي دماءهم وأموالهم إلا بحقّها، وحسابهم على الله، ». رواه مسلم في الصحيح عن أمية بن بسطام. ١٢٦ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنبا أبو الحسن علي بن محمد بن سختويه، ثنا عبد الله بن محمد بن الليث، ثنا إسحاق بن منصور، ثنا معاذ بن هشام، حدثني أبي، عن قتادة، عن أنس بن مالك ﵁ أن نبيّ الله ﷺ -ومعاذ بن جبل رديفه على الرحل-فقال: «يا معاذ! قال: لبّيك يا رسول الله، وسعديك!».

стр. 140

قال: ما من عبد يشهد أن لا إله إلاّ الله، وإنّ محمدا عبده ورسوله إلا حرّمه الله على النّار. قال: يا رسول الله! أفلا أخبر بها الناس فيستبشروا؟ قال: إذا يتّكلوا. قال فأخبر بها معاذ عند موته تأثّما. رواه مسلم في الصحيح عن إسحاق بن منصور. ١٢٧ - أخبرنا أبو الحسن علي بن عبد الله بن إبراهيم الهاشمي ببغداد، ثنا أبو عمرو عثمان بن أحمد بن السماك، ثنا عبد الله بن روح المدائني، ثنا عثمان بن عمر بن فارس، ثنا شعبة، عن قتادة قال: سمعت أنس بن مالك ﵁ يحدث عن معاذ بن جبل ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من شهد أن لا إله إلاّ الله مخلصا من قلبه، وأنّ محمّدا رسول الله، دخل الجنّة». ١٢٨ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو العباس بن يعقوب، ثنا أبو قلابة/ ح-وأخبرنا أبو زكريا بن أبي إسحاق، ثنا أبو بكر أحمد بن كامل بن خلف القاضي، ثنا عبد الملك بن محمد-يعني أبا قلابة-ثنا قريش بن أنس، ثنا حبيب بن الشهيد، عن حميد بن هلال، عن هصّان بن كاهل، عن

стр. 141

عبد الرحمن بن سمرة، عن معاذ بن جبل ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من مات يشهد أن لا إله إلا الله وانّي رسول الله، يرجع ذلك إلى قلب موقن، دخل الجنّة». ١٢٩ - وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب الحافظ، ثنا إبراهيم بن عبد الله السعدي، ثنا قريش بن أنس .... فذكره بإسناده نحوه. غير أنه قال عن عبد الرحمن بن سمرة عن معاذ بن جبل ﵁ عن النبي ﷺ . ١٣٠ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، ومحمد بن موسى قالا: ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا أحمد بن عبد الجبار، ثنا وكيع، عن المسعودي، قال أنبأني أبو عمر الدمشقي عن عبيد بن الخشخاش عن أبي ذر. «قال: قلت يا رسول الله! كم المرسلون؟ قال: ثلاثمائة وبضعة عشر جمّا غفيرا. قال: قلت آدم نبيّ كان؟ قال: نعم، نبيّ مكلّم». ١٣١ - قال وحدثنا وكيع، عن موسى بن عبيدة، عن محمد بن ثابت، عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ :

стр. 142

«صلّوا على أنبياء الله ورسله فإنّ الله بعثهم كما بعثني». وروى يحيى بن سعيد السعدي البصري-وهو ضعيف-عن ابن جريج، عن عطاء، عن عبيد بن عمير الليثي، عن أبي ذر ﵁: «قال: قلت: يا رسول الله! كم النبيّون؟ قال: مائة ألف نبي، وأربعة وعشرون ألف نبيّ. قال: قلت: كم المرسلون منهم؟ قال: ثلاثمائة وثلاثة عشر». ١٣٢ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنبا أبو الحسن علي بن الفضل السامري ببغداد، ثنا الحسن بن عرفة، ثنا يحيى بن سعيد السعدي البصري فذكره. وروي ذلك من وجه آخر غير قوي عن أبي ذر. ١٣٣ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو زكريا العنبري، ثنا محمد بن

стр. 143

عبد السّلام، ثنا إسحاق بن إبراهيم، أنبا عمرو بن محمد، ثنا إسرائيل، عن سماك بن حرب، عن عكرمة. عن ابن عباس في قوله : ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِبْراهِيمَ، إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا﴾ [مريم:٤١]. قال: كان الأنبياء من بني إسرائيل إلا عشرة: نوح، وصالح، وهود، ولوط، وشعيب، وإبراهيم، وإسماعيل، وإسحاق، ويعقوب، ومحمد ﷺ . ولم يكن من الأنبياء من له اسمان إلا إسرائيل وعيسى، فإسرائيل يعقوب، وعيسى: المسيح. قال البيهقي-﵀ والإيمان برسول الله ﷺ يتضمّن الإيمان له، وهو قبول ما جاء به من عند الله عنه والعزم على العمل به، لأنّ تصديقه في أنّه رسول الله إلزام لطاعته، وهو راجع إلى الإيمان بالله، والإيمان له. لأنه من تصديق الرسل وفي طاعة الرسول طاعة المرسل. لأنه بأمره اطاعه. قال الله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللهَ﴾ [النساء:٨٠]. قال: والنبوة اسم مشتق من النبأ، وهو الخبر إلا أنّ المراد به في هذا الموضع خبر خاص وهو الذي يكرم الله به أحدا من عباده فيميّزه عن غيره بإلقائه إليه، ويوقفه به على شريعته بما فيها من أمر، ونهي، ووعظ، وإرشاد، ووعد، ووعيد. فتكون النبوّة على هذا الخبر والمعرفة بالمخبرات الموصوفة فالنبي ﷺ هو المخبر بها. فإن انضاف إلى هذا التوقيف أمر بتبليغه الناس ودعائهم إليه كان نبيا رسولا. وإن ألقي إليه ليعمل به في خاصّته، ولم يؤمر بتبليغه والدعاء إليه، كان نبيّا ولم يكن رسولا فكل رسول نبيّ، وليس كل نبيّ رسولا. قال (١): وقد أرشد الله تعالى إلى أعلام النبوة في القرآن، كما أرشد إلى آيات الحدث الدالة على الخالق والخلق فقال عزّ اسمه:

стр. 144

﴿لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ، وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْمِيزانَ لِيَقُومَ النّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد:٢٥]. وقال: ﴿رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلاّ يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء:١٦٥]. وقال: ﴿وَلَوْ أَنّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزى﴾ [طه:١٣٤]. فأخبر تعالى انه بعث الرّسل لقطع حجّة العباد. وقيل في ذلك وجوه: أحدها: ان الحجة التي قطعت على العباد هي أن يقولوا ان الله جلّ ثناؤه إن كان خلقنا لنعبده، فقد كان ينبغي أن يبيّن لنا العبادة التي يريدها منّا ويرضاها لنا، ما هي؟ وكيف هي؟ فإنه وإن كان في عقولنا الاستجداء له، والشكر على نعمه التي أنعمها علينا فلم يكن فيها أن التذلّل والعبودية منا بماذا ينبغي أن تكون وعلى أي وجه ينبغي أن تظهر فقطعت حجّتهم بأن أمروا ونهوا وشرعت لهم الشرائع، ونهجت لهم المناهج فعرفوا ما يراد منهم وزالت الشبهة عنهم. والآخر: ان الحجة التي قطعت هي ألاّ يقولوا إنا ركّبنا تركيب شهوة وغفلة وسلط علينا الهوى، ووضعت فينا الشهوات فلو أمددنا بمن إذا سهونا نبّهنا، وإذا مال بنا الهوى إلى وجه قوّمنا لما كان منا إلا الطاعة. ولكن لما خلّينا ونفوسنا، ووكلنا إليها وكانت أحوالنا ما ذكرنا، غلبت الأهواء علينا، ولم نملك قهرها وكانت المعاصي منّا لذلك. والثالث: أن الحجة التي قطعت هي أن لا يقولوا قد كان في عقولنا حسن الإيمان والصدق والعدل وشكر المنعم، وقبح الكذب والكفر والظلم ولكن لم يكن فيها انّ من ترك الحسن إلى القبيح عذّب بالنار خالدا مخلّدا فيها وأن من ترك القبيح إلى الحسن اثيب بالجنة خالدا مخلدا فيها لأنه إذا كان لا يدرك بالعقل أن لله ﷻ خلقا هو الجنة أو خلقا هو النار الغائبة.

стр. 145

فكيف يدرك أن أحدهما معدّ للعصاة والآخر لأهل طاعته. ولو علمنا أنا نعذّب على معاص وذنوب متناهية عذابا متناهيا أو غير متناه، أو نثاب بالطاعات المتناهية ثوابا غير متناه لما كان منا إلا الطاعة. فقطع الله ﵎ هذه الحجج كلها ببعثة الرسل وبالله التوفيق. ثم إن الحليمي (١) -رحمه الله تعالى-احتج في صحة بعث الرسل بما عرف من بروج الكواكب وعددها وسيرها، ثم بما في الأرض مما يكون قوتا، وما يكون دواء لداء بعينه، وما يكون سمّا وما يختصّ بدفع ضرر السّم، وما يختص بجبر الكسر وغير ذلك من المنافع والمضار التي لا تدرك إلا بخبر. ثم بوجود الكلام من الناس، فإن من ولد أصمّ لم ينطق أبدا ومن سمع لغة ونشأ عليها تكلم بها. فبان بهذا أنّ أصل الكلام سمع، وأن أول من تكلّم من البشر تكلم عن تعليم ووحي كما قال الله : ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها﴾ [البقرة:٣١]. وقال تعالى: ﴿خَلَقَ الْإِنْسانَ، عَلَّمَهُ الْبَيانَ﴾ [الرحمن:٣،٤]. ثم إن كلّ رسول أرسله الله تعالى إلى قوم فلم يخلّه من آية أيّده بها، وحجّة آتاها إيّاه، وجعل تلك الآية مخالفة للعادات، إذ كان ما يريد الرسول إثباته بها من رسالة الله أمرا خارجا عن العادات ليستدل باقتران تلك الآية بدعواه انه رسول الله. وبسط الحليمي-رحمه الله تعالى-الكلام في ذلك إلى أن قال: والكذب على الله تعالى والافتراء عليه بدعوى الرسالة من عنده من أعظم الجنايات فلا يليق بحكمة الله تعالى أن يظهر على من تعاطى ذلك آية ناقضة للعادات فيفتتن العباد به. وقد تبرأ الله من هذا الصنيع نصا في كتابه فقال يعني نبيه ﷺ -:

стр. 146

﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ، ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ [الحاقة:٤٤ - ٤٦]. قال (١): وكلّ آية آتاها الله رسولا، فإنّه يقرّر بها عند الرسول أولا أنه رسوله حقا، ثم عند غيره، وقد يجوز أن يخصه بآية يعلم بها نبوة نفسه ثم يجعل له على قومه دلالة سواها. ومعجزات الرّسل كانت أصنافا كثيرة. وقد أخبر الله أنه أعطى موسى عليه أفضل الصلاة والسّلام تسع آيات بينات: العصا، واليد، والدم، والطوفان، والجراد، والقمّل، والضفادع والطمس، والبحر. فأما العصا فكانت حجّته على الملحدين والسحرة جميعا، وكان السحر في ذلك الوقت فاشيا. فلما انقلبت عصاه حية تسعى وتلقفت حبال السحرة وعصيّهم، علموا أن حركتها عن حياة حادثة فيها بالحقيقة وليست من جنس ما يتخيّل بالحيل، فجمع ذلك الدلالة على الصانع وعلى نبوته جميعا. وأما سائر الآيات التي لم يحتج إليها مع السحرة، فكانت دلالات على فرعون وقومه القائلين بالدهر، فأظهر الله تعالى بها صحة ما أخبرهم به موسى عليه أفضل الصلاة والسّلام من أن له ولهم ربّا وخالقا. وألان الله الحديد لداود وسخّر له الجبال والطّير وكانت تسبّح معه بالعشيّ والإشراق. واقدر عيسى بن مريم عليه أفضل الصلاة والسّلام على الكلام في المهد، وكان يتكلم فيه كلام الحكماء، وكان يحيي له الموتى ويبرئ-بدعائه أو بيده إذا مسح الأكمه والأبرص، وجعل له أن يجعل من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه، فيكون طيرا بإذن الله ثم أنه رفعه من بين اليهود لما أن أرادوا قتله وصلبه، فعصمه الله تعالى بذلك من أن يخلص ألم القتل والصلب إلى بدنه، وكان الطب عاما غالبا في زمانه. فأظهر الله تعالى بما أجراه على يديه وعجز الحذاق من الأطباء عما هو أقل من ذلك بدرجات كثيرة، أن التعويل على الطبائع

стр. 147

وإمكان ما خرج عنها باطل بأن للعالم خالقا ومدبرا، ودل بإظهاره ذلك له وبدعائه على صدقه. وبالله التوفيق. وأما المصطفى نبينا ﷺ خاتم النبيين صلوات الله عليهم وعليه وعلى آله الطيبين وصحبه أجمعين، فإنه أكثر الرسل آيات بينات. وذكر بعض أهل العلم أنّ أعلام نبوّته تبلغ ألفا. فأما العلم الذي اقترن بدعوته، ولم يزل يتزايد أيّام حياته، ودام في أمته بعد وفاته فهو القرآن المعجز المبين وحبل الله المتين الذي هو كما وصفه به من أنزله فقال: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ، لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ، تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت:٤١،٤٢]. وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ، لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ [الواقعة:٧٧ - ٨٠]. وقال: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج:٢١،٢٢]. وقال: ﴿إِنَّ هذا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ﴾ [آل عمران:٦٢]. وقال: ﴿وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأنعام:١٥٥]. وقال: ﴿إِنَّها تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ. فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ، مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ، بِأَيْدِي سَفَرَةٍ، كِرامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس:١١ - ١٦]. وقال: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً﴾ [الإسراء:٨٨]. فأبان-جلّ ثناؤه-أنه أنزله على وصف مباين لأوصاف كلام البشر لأنه منظوم وليس بمنثور، ونظمه ليس نظم الرسائل ولا نظم الخطب، ولا نظم الأشعار، ولا هو كأسجاع الكهّان. وأعلمه أن أحدا لا يستطيع أن يأتي بمثله، ثم أمره أن يتحدّاهم على الإتيان بمثله إن ادعوا أنهم يقدرون عليه أو ظنّوه. فقال تعالى:

стр. 148

﴿قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ﴾ [هود:١٣]. ثم نقصهم تسعا فقال: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [البقرة:٢٣]. فكان من الأمر ما نصفه غير أن من قبل ذلك دلالة: وهي أن النبي ﷺ كان غير مدفوع عند الموافق والمخالف عن الحصافة والمتانة وقوّة العقل والرأي. ومن كان بهذه المنزلة، وكان مع ذلك قد انتصب لدعوة الناس إلى دينه، لم يجز بوجه من الوجوه أن يقول للناس: أن ائتوا بسورة من مثل ما جئتكم به من القرآن ولن تستطيعوه. إن أتيتم به فأنا كاذب وهو يعلم من نفسه أن القرآن لم ينزل عليه ولا يأمن أن يكون في قومه من يعارضه، وإن ذلك إن كان بطلت دعواه. فهذا إلى إن يذكر ما بعده دليل قاطع على أنه لم يقل للعرب: أن أئتوا بمثله إن استطعتموه، ولن تستطيعوه إلا وهو واثق متحقق أنهم لا يستطيعونه، ولا يجوز أن يكون هذا اليقين وقع له إلا من قبل ربّه الذي أوحى إليه به، فوثق بخبره-وبالله التوفيق. وأما ما بعد هذا فهو أنّ النبيّ ﷺ قال لهم ائتوا بسورة من مثله إن كنتم صادقين، فطالت المهلة والنظرة لهم في ذلك، وتواترت الوقائع والحروب بينه وبينهم فقتلت صناديدهم، وسبيت ذراريهم ونساؤهم، وانتهبت أموالهم، ولم يتعرّض أحد لمعارضته. فلو قدروا عليها لافتدوا بها أنفسهم وأولادهم وأهاليهم وأموالهم، ولكان الأمر في ذلك قريبا سهلا عليهم إذ كانوا أهل لسان وفصاحة وشعر وخطابة، فلمّا لم يأتوا بذلك ولا ادعوه صحّ أنهم كانوا عاجزين عنه. وفي ظهور عجزهم بيان أنه في العجز مثلهم إذ كان بشرا مثلهم، لسانه لسانهم، وعادته عادتهم، وطباعه طباعهم، وزمانه زمانهم، وإذا كان كذلك، وقد جاء القرآن فوجب القطع بأنه من عند الله تعالى جدّه لا من عنده، وبالله التوفيق. فإن ذكروا سجع مسيلمة، فكلّ ما جاء به مسيلمة لا يعدو أن يكون بعضه محاكاة وسرقة، وبعضه كأساجيع الكهّان وأراجيز العرب، وقد كان النبي ﷺ يقول ما هو أحسن لفظا، وأقوم معنى، وأبين فائدة، ثم لم تقل له العرب ها أنت تتحدّانا على الإتيان بمثل القرآن وتزعم أن الإنس والجن لو اجتمعوا على أن

стр. 149

يأتوا بمثله لم يقدروا عليه ثم قد جئت بمثله مفترى بأنه ليس من عند الله، وذلك قوله: أنا النبيّ لا كذب ... أنا ابن عبد المطّلب وقوله: تالله لولا الله ما اهتدينا ... ولا تصدّقنا ولا صلّينا فأنزلن سكينة علينا ... وثبّت الأقدام إن لاقينا وقوله: إن العيش عيش الآخره ... فارحم الأنصار والمهاجره وقوله: «تعس عبد الدّينار والدّرهم، وعبد الخميصة، إن أعطي منها رضي وإن لم يعط سخط، تعس وانتكس (وإن شيك) فلا انتقش». فلم يدّع أحد من العرب أن شيئا من هذا يشبه القرآن وأن فيه كثيرا كقوله (١). وحكى الأستاذ أبو منصور الأشعري-﵀-فيما كتب إليّ عن بعض أصحابنا أنه قال: يجوز أن يكون هذا النظم قد كان فيما بينهم فعجزوا عنه عند التحدّي، فصار معجزة لأنّ إخراج ما في العادة عن العادة نقض للعادة كما أن إدخال ما ليس في العادة في الفعل نقض للعادة. وبسط الكلام في شرحه. وأيّهما كان فقد ظهرت بذلك معجزته، واعترفت العرب بقصورهم عنه وعجزهم عن الإتيان بمثله. ١٣٤ - حدثنا أبو عبد الله الحافظ، أنا أبو عبد الله محمد بن علي الصنعاني

стр. 150

بمكة، ثنا إسحاق بن إبراهيم، أنا عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب السختياني، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ أن الوليد بن المغيرة جاء إلى النبي ﷺ فقرأ عليه القرآن فكأن رقّ له، فبلغ ذلك أبا جهل-فذكر ما جرى بينهما-إلى أن قال الوليد: «والله ما فيكم رجل أعلم بالأشعار مني ولا أعلم برجزه ولا بقصيدته مني، ولا بأشعار الجن. والله ما يشبه الذي يقول شيئا من هذا، والله إنّ لقوله الذي يقول حلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنه لمثمر أعلاه مغدق أسفله، وإنه ليعلو وما يعلى وإنه ليحطم ما تحته» وذكر الحديث. قال البيهقي-﵀-هكذا حدثناه موصولا. ورواه حماد بن زيد عن أيوب، عن عكرمة مرسلا، وذكر الآية التي قرأها: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ﴾ [النحل:٩٠]. وروينا من وجه آخر عن ابن عباس أتمّ من ذلك حين اجتمع الوليد بن المغيرة ونفر من قريش، وقد حضّر الموسم ليجتمعوا على رأي واحد فيما يقولون في محمد ﷺ لوفود العرب فقالوا: «فأنت يا أبا عبد شمس! فقل وأقم رأيا نقوم به». فقال: بل أنتم فقولوا، أسمع. فقالوا: نقول كاهن. فقال: ما هو بكاهن. لقد رأيت الكهّان، فما هو بزمزمة الكاهن وسحره. فقالوا: نقول: هو مجنون. فقال: ما هو بمجنون، ولقد رأينا الجنون وعرفناه، فما هو بخنقه ولا تخالجه ولا وسوسته. فقالوا: نقول: شاعر. قال: ما هو بشاعر، ولقد عرفنا الشّعر برجزه وهزجه وقريضه ومقبوضه ومبسوطه، فما هو بالشعر.

стр. 151

قالوا: فنقول: هو ساحر. قال: فما هو بساحر لقد رأينا السّحّار وسحرهم، فما هو بنفثه ولا عقده. فقالوا: فما نقول يا أبا عبد شمس؟ قال: والله إنّ لقوله لحلاوة، وإن أصله لمغدق، وإن فرعه لجنى فما أنتم بقائلين من هذا شيئا إلا عرف أنه باطل. وإن أقرب القول أن تقولوا: ساحر يفرق بين المرء وبين أبيه، وبين المرء وبين أخيه، وبين المرء وبين زوجه، وبين المرء وبين عشيرته فتفرّقوا عنه بذلك. فأنزل الله في الوليد بن المغيرة: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً﴾. إلى قوله ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ [المدثر:١١ - ٢٦]. ١٣٥ - أخبرناه أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا أحمد بن عبد الجبار، ثنا يونس بن بكير، عن ابن إسحاق، حدثني محمد بن أبي محمد، عن سعيد بن جبير أو عكرمة، عن ابن عباس-﵄-أن الوليد بن المغيرة اجتمع ونفر من قريش ... فذكره. وقد ذكرناه في كتاب «دلائل النبوة» في الجزء الثامن منه مع سائر ما ورد عن النضر بن الحارث وعتبة بن ربيعة وغيرهما فيما قالوا عند سماع القرآن واعترفوا به من أنهم لم يسمعوا بمثله. وفي القرآن وجهان من الإعجاز: أحدهما: ما فيه من الخبر عن الغيب وذلك في قوله : ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة:٣٣، والصف: ٩]. وقوله: ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ [النور:٥٥].

стр. 152

وقوله في الروم: [الآيتان:٣ و ٤]. ﴿وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ، فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾. وغير ذلك من وعده إياه بالفتوح في زمانه وبعده، ثم كان كما أخبر. ومعلوم أنه ﷺ كان لا يعلم النجوم ولا الكهانة ولا يجالس أهلها. والآخر: ما فيه من الخبر عن قصص الأولين من غير خلاف ادعي عليه فيها فيما وقع الخبر عنه ممن كان من أهل تلك الكتب. ومعلوم أنه ﷺ كان أمّيّا لا يقرأ كتابا ولا يخطّه ولا يجالس أهل الكتاب للأخذ عنهم. وحين زعم بعضهم أنه يعلّمه بشر ردّ الله تعالى ذلك عليه فقال: ﴿لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل: ١٠٣]. ١٣٦ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ في التفسير، أنبا عبد الرحمن بن الحسن القاضي، ثنا إبراهيم بن الحسين، ثنا آدم بن أبي اياس، ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: قالت قريش: إنما يعلّم محمدا عبد لآل الحضرمي روميّ. وكان صاحب كتب. يقول الله : ﴿لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ﴾ -أي يتكلم بالرومية- ﴿وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾. ١٣٧ - وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ في «كتاب المستدرك» وقال عن مجاهد، عن ابن عباس-﵄. ١٣٨ - وبهذا الإسناد ثنا ورقاء، عن حصين بن عبد الرحمن، عن

стр. 153

عبيد الله بن مسلم بن الحضرمي، قال: كان لنا غلامان نصرانيان من أهل عين التمر يسمى أحدهما يسار والآخر جبر وكانا يقرآن كتابا لهما فربما مرّ رسول الله ﷺ فقام عليهما فقال المشركون: إنما يتعلم محمد منهما. فأنزل الله هذه الآية. وزعم الكلبي فيما روى عن أبي صالح عن ابن عباس ﵄ أنهما كانا أسلما فكان رسول الله ﷺ يأتيهما فيحدثهما ويعلمهما، وكانا يقرآن كتابهما بالعبرانية. قال البيهقي-﵀-ومن تعلق بهذا الضعيف لم يسكت عن شيء يتهمه به فدل على أنهم لو اتهموه بشيء مما نفيناه عنه لذكروه ولم يسكتوا عنه. وبالله التوفيق. وبسط الحليمي (١) -رحمه الله تعالى-كلامه في الإشارة الى ما في كتاب الله من أنواع العلوم وما في ذلك من الإعجاز. ثم إن له ﷺ وراء القرآن من الآيات الباهرة إجابة الشجرة إياه لما دعاها، وتكلم الذراع المسمومة إياه. وازدياد الطعام لأجله حتى أصاب منه ناس كثير، وخروج الماء من بين أصابعه في المخضب حتى توضأ منه ناس كثير، وحنين الجذع، وظهور صدقه في مغيبات كثيرة أخبر عنها، وغير هذه مما قد ذكر ودوّن، وفي الواحد منها كفاية غير أن الله-جل ثناؤه-لما جمع له بين أمرين: أحدهما: بعثه إلى الجن والإنس عامة. والآخر: ختمه النبوة به، ظاهر له بين الحجج حتى إن شذّت واحدة عن فريق، بلغتهم أخرى. وإن لم تنجع واحدة نجعت أخرى، وإن درست على الأيام واحدة بقيت أخرى. ولله في كل حال الحجة البالغة، وله الحمد على نظره لخلقه ورحمته إياهم كما يستحقه. وذكر الحليمي (٢) ﵀-فصولا في الكهنة ومسترقي السمع.

стр. 154

وقد ذكرنا في كتاب «دلائل النبوة» ما ورد في ذلك من الأخبار ما وجد من الكهنة والجن في تصديق نبينا ﷺ وإشاراتهم إلى أوليائهم الإنس بالإيمان به. ولا يجوز على مؤمني الجن أن يحملوا أولياءهم على الكذب على الله، أو على متابعة من يكذب على الله، وعلى كفارهم أن يأمروا أولياءهم بالإيمان بمن كفروا به، فدلّ على أن أمر من آمن به منهم إنما هو لمعرفة وقعت له بصدقه لمن آمن به من الإنس. وبالله التوفيق. ١٣٩ - أخبرنا علي بن أحمد بن عبدان أنا أحمد بن عبيد الصفار، ثنا عبيد بن شريك، ثنا يحيى-هو ابن بكير-، ثنا الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، أنه قال: قال سعيد بن المسيب: أن أبا هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «بعثت بجوامع الكلم، ونصرت بالرّعب، وبينا أنا نائم أتيت بمفاتيح خزائن الأرض فوضعت في يدي». قال أبو هريرة: فذهب رسول الله ﷺ وأنتم تنتثلونها. قال ابن شهاب: وبلغني أن جوامع الكلم أن الله تعالى جمع له الأمور الكثيرة التي كانت تكتب في الكتب قبله في الأمر الواحد والأمرين أو نحو ذلك. رواه البخاري في الصحيح عن ابن بكير. وأخرجه مسلم من حديث يونس عن ابن شهاب. ١٤٠ - أخبرنا أبو طاهر الفقيه، أنا أبو طاهر محمد بن الحسن المحمد آبادي، ثنا أبو بكر عمر بن حفص السدوسي، ثنا عاصم بن علي، ثنا جويرية بن بشير الهجيمي، قال سمعت الحسن قرأ يوما هذه الآية: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ .. ﴾. [النحل:٩٠] إلى آخرها.

стр. 155

ثم وقف فقال: إن الله جمع لكم الخير كله والشر كله في آية واحدة فو الله ما ترك «العدل والإحسان» من طاعة الله شيئا إلاّ جمعه، ولا ترك «الفحشاء والمنكر والبغي» من معصية الله شيئا إلاّ جمعه.

стр. 156

(٣) الثالث من شعب الإيمان «وهو باب في الإيمان بالملائكة» والإيمان بالملائكة ينتظم معاني: أحدها: التصديق بوجودهم. والآخر: إنزالهم منازلهم، وإثبات أنّهم عباد الله وخلقه كالإنس والجنّ مأمورون مكلّفون لا يقدرون إلاّ على ما يقدرهم الله تعالى عليه، والموت جائز عليهم ولكن الله تعالى جعل لهم أمدا بعيدا، فلا يتوفّاهم حتى يبلغوه، ولا يوصفون بشيء يؤدّي وصفهم به إلى إشراكهم بالله تعالى جدّه، ولا يدعون آلهة كما ادّعتهم الأوائل. والثالث: الاعتراف بأنّ منهم رسل الله يرسلهم إلى من يشاء من البشر. وقد يجوز أن يرسل بعضهم إلى بعض، ويتبع ذلك الاعتراف بأن منهم حملة العرش، ومنهم الصافّون، ومنهم خزنة الجنّة، ومنهم خزنة النّار، ومنهم كتبة الأعمال، ومنهم الّذين يسوقون السّحاب، وقد ورد القرآن بذلك كله أو بأكثره. قال الله تعالى في الإيمان بهم خاصة: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ [البقرة:٢٨٥]. وروينا عن ابن عمر عن عمر ﵄ عن النبي ﷺ حين سئل عن الإيمان فقال: «أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله». فصل «في معرفة الملائكة» قال الحليمي رحمه الله تعالى: من الناس من ذهب إلى أنّ الأحياء العقلاء النّاطقين فريقان: إنس وجنّ؛ وكل واحد من الفريقين صنفان: أخيار

стр. 157

وأشرار فأخيار الإنس يدعون أبرارا، ثم ينقسمون إلى رسل وغير رسل، وأشرارهم يدعون فجّارا، ثم ينقسمون إلى كفّار وغير كفّار. وأخيار الجنّ يسمّون ملائكة، ثم ينقسمون إلى رسل وغير رسل. وأشرارهم يدعون شياطين، ثم قد يستعار هذا الاسم لفجار الإنس تشبيها لهم بفجار الجنّ. وقد يحتمل هذا التفسير وجها آخر، وهو: أنّ الجنّ منهم سكان الأرض ومنهم سكان السماء. فالذين هم سكان السّماء: يدعون الملأ الأعلى، ويدعون الملائكة. والذين هم سكّان الأرض هم الجن بالإطلاق وينقسمون إلى أخيار وفجار ومؤمنين وكافرين. وإنّما قيل للملأ الأعلى ملائكة لأنّهم مستصلحون للرسالة التي تسمّى الولا. وأكثر الناس على أنّ الملك أصله مالك، وإنّ ملأك مقلوب، وأنه قيل لواحد الملائكة مالك بمعنى أنّه موضع للرسالة بكونه مصطفى مختارا للسماء أن يسكنها إذ كانت الرسالة منها تأتي سكان الأرض. ومن ذهب إلى هذا قال: أخبر الله أنه أمر الملائكة أن يسجدوا لآدم فسجدوا إلاّ إبليس فلو لم يكن من الملائكة، لم يكن لاستثنائه منهم معنى، ثم قال تعالى في آية أخرى: ﴿إِلاّ إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾. فأبان أن المأمورين بالسجود كانوا طبقة واحدة إلا أنّ إبليس لما عصى ولعن صار من الجن الذين يسكنون الأرض. وأيضا إن الله أخبر عن الكفار الذين قالوا إنّ الملائكة بنات الله، فقال تعالى: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً﴾ [الصافات:١٥٨]. فدلّ ذلك على أن الملائكة من الجن وأنّ النسب الذي جعلوه بين الله تعالى وبين الجن قولهم: الملائكة بنات الله: تعالى عما قالوا علوا كبيرا. وأيضا فإن الإنس هم الظاهرون والجنّ هم المجتنّون والملائكة مجتنون.

стр. 158

وأيضا فإن الله تعالى لما وصف الخلائق قال: ﴿خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ كَالْفَخّارِ وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مارِجٍ مِنْ نارٍ﴾ [الرحمن:١٤،١٥]. فلو كانت الملائكة صنفا ثالثا لما كان يدع أشراف الخلائق فلا يتمدّح بالقدرة على خلقه. قال ومن خالف هذا القول قال: إنّ سكان الأرض ينقسمون إلى إنس وجنّ، فأما من خرج عن هذا الحد لم يلحقه اسم الإنس وإن كان مرئيا ولا اسم الجنّ وإن كان غير مرئي. والذي يدل على أنّ الملائكة غير الجنّ أنّ الله لما أمر الملائكة أن يسجدوا لآدم فسجدوا إلاّ إبليس أخبر الله عن سبب مفارقته الملائكة فقال: ﴿إِلاّ إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف:٥٠]. فلو كان كلّهم جنّا لاشتركوا في الامتناع عن السجود، ولم يكن في أنّ إبليس كان من الجن ما يحمله على أن لا يسجد. وفي هذا ما أبان انّ الملائكة خير، والجن خير وانهما فريقان شتى. وإنّما دخل إبليس في الأمر الذي خوطبت به الملائكة لأنّ الله تعالى قد أذن له في مساكنة الملائكة ومجاورتهم بحسن عبادته وشدة اجتهاده فجرى في عدادهم، فلما أمرت الملائكة بالسجود لآدم، دخل في الجملة الملك الأصلي والملحق بهم غير ان مفارقته الملائكة في أصل جبلته حملته على مفارقتهم في الطاعة فلذلك قال الله : ﴿إِلاّ إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف:٥٠]. وأما قول الله : ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً﴾ [الصافات:١٥٨]. فيحتمل أن ذلك تسميتهم الأصنام الهة، ودعواهم أنها بنات الله ، وتقرّبهم بعبادتها إلى الله ، وذلك حين كان شياطين الجن

стр. 159

يدخلون أجوافها ويكلّمونهم منها، فكانوا ينسبون ذلك الكلام إلى الله ، فقال الله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً﴾. لأنّهم يسمّون الأصنام لمكان تكليم الجنة إياهم من أجوافها آلهة وادعوا أنّها بنات الله فأثبتوا بين الله تعالى وبين الجنة نسبا جهلا منهم. ١٤١ - قال البيهقي ﵀ وقد أخبرنا أبو عبد الله الحافظ في التفسير لهذه الآية. أنا عبد الرحمن بن الحسن القاضي، ثنا إبراهيم بن الحسين، ثنا آدم، ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً﴾ [الصافات:١٥٨]. قال: قال كفار قريش: الملائكة بنات الله تعالى فقال لهم أبو بكر الصديق ﵁: فمن أمهاتهم؟ فقالوا بنات سروات الجن، فقال الله : ﴿وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ [الصافات:١٥٨]. يقول: إنها ستحضر للحساب قال: والجنّة هي الملائكة. وروينا عن قتادة أنه قال: جعلوا الملائكة بنات الله من الجن وكذب أعداء الله. وعن أبي عمران الجوني قال: قالت اليهود: إن الله صاهر الجن فخرجت الملائكة. وروينا عن الكلبي أنه قال: يقول ذلك لقولهم الملائكة بنات الله يقول الله : ﴿وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾.

стр. 160

محضرون النار الذين قالوا الملائكة بنات الله. قال: ويقال نزلت هذه الآية في الزنادقة وذلك أنهم قالوا خلق الله الناس والدواب والأنعام فقال إبليس لأخلقنّ خلقا أضرهم فخلق الحيات والعقارب والسباع فذلك قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً﴾ [الصافات:١٥٨]. قالوا هو إبليس أخزاه الله، تعالى الله عما يشركون. ١٤٢ - أخبرناه أبو عبد الرحمن الدهان، أنا الحسين بن محمد بن هارون، أنا أحمد بن محمد بن نصر، ثنا يوسف بن بلال، ثنا محمد بن مروان، عن الكلبي فذكره. قال الحليمي رحمه الله تعالى: وأما قول الله . ﴿خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ كَالْفَخّارِ وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مارِجٍ مِنْ نارٍ﴾ [الرحمن:١٤،١٥]. فإنما هو بيان ما ركبه من خلق متقدم فلم تدخل الملائكة في ذلك لأنهم مخترعون، قال الله لهم: «كونوا»، فكانوا كما قال للأصل الذي منه خلق الجن والأصل الذي خلق منه الإنس هو التراب والماء والنار والهواء: «كن» فكان، فكانت الملائكة في الاختراع كأصول الجنّ والإنس لا كأعيانهم فلذلك لم يذكروا معهم. (والله أعلم). قال البيهقي رحمه الله تعالى: وأبين من هذا كله في أن الملائكة صنف غير الجن حديث عائشة ﵂. ١٤٣ - وذلك ما أخبرنا السيد أبو الحسن محمد بن الحسين العلوي، أخبرنا أبو حامد بن الشرقي، ثنا محمد بن يحيى، وأبو الأزهر وحمدان السلمي، قالوا: ثنا عبد الرزاق، ثنا معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة (رضي الله

стр. 161

عنها) قالت: قال رسول الله ﷺ : «خلقت الملائكة من نور، وخلق الجانّ من مّارج من نّار وخلق آدم ممّا وصف لكم». رواه مسلم عن محمد بن رافع عن عبد الرزاق. وفي فصله بينهما في الذكر دليل على أنه أراد نورا آخر غير نور النار والله تعالى أعلم. ١٤٤ - أخبرنا أبو طاهر الفقيه، أنا أبو بكر القطان، ثنا إبراهيم بن الحارث البغدادي، ثنا يحيى بن أبي بكير، ثنا زهير بن محمد، عن شريك بن عبد الله بن أبي نمر، عن صالح مولى التوأمة عن ابن عباس ﵄ قال: «إنّ من الملائكة قبيلة يقال لها الجنّ وكان إبليس منها وكان يسوس ما بين السّماء والأرض فسخط الله عليه فمسخه شيطانا رجيما». قال البيهقي رحمه الله تعالى فهذا إن ثبت يدل على مفارقة هؤلاء القبيلة غيرهم من الملائكة في التسمية. وزعم مقاتل بن سليمان: أن خلق إبليس وخلق هؤلاء وقع من نار السموم ومن مارج من نار، وهم كانوا خزّان الجنة، رأسهم إبليس؛ وكانوا أهل السماء الدنيا فهبطوا إلى الأرض حين اقتتلت الجن الذين كانوا سكان الأرض، وهم الذين أوحى الله إليهم: ﴿إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة:٣٠]. وزعم الكلبي: أنهم كانوا خزّان الجنان، يقال لذلك الجنة (الجن) اشتق لهم اسم من الجنة، وكان مع إبليس أقاليد الجنان وخلقه من مارج من نار وهي نار لا دخان لها فاقتتل الجن بنو الجان فيما بينهم، فبعث الله تعالى إبليس من السماء الدنيا في جند من الملائكة، فهبطوا إلى الأرض فأخرجوا الجن بني

стр. 162

الجانّ منها، وألحقوهم بجزائر البحر وسكنوا الأرض وهم الذين قال الله لهم. ﴿إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾. ولم يعن به الملائكة الذين في السّماء، قال البيهقي رحمه الله تعالى فعلى هذا يحتمل إن كان خلق هؤلاء أيضا وقع من مارج من نار، أن يكونوا إنما يسمّون الجن لما ذكره الكلبي أو لموافقتهم الجن في أصل الخلقة، وخلق غيرهم من الملائكة (وقع من نور)، كما روينا من حديث عائشة. وقوله: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً﴾ [الصافات:١٥٨]. يحتمل أن يكون المراد به هذه القبيلة التي يقال لها الجن دون غيرهم من الملائكة). والله تعالى أعلم قال الحليمي رحمه الله تعالى: ومما يدلّ على مفارقة الجن الملائكة أنّ الله أخبر أنّه يسأل الملائكة يوم القيامة عن المشركين فيقول لهم: ﴿أَهؤُلاءِ إِيّاكُمْ كانُوا يَعْبُدُونَ﴾ [سبأ:٤٠] فيقول الملائكة: ﴿سُبْحانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنا مِنْ دُونِهِمْ، بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ﴾ [سبأ:٤١]. فثبت بهذا أن الملائكة غير الجن. فقال الشيخ ﵀ ويحتمل أن يكون هذا التبري من الملأ الأعلى الذين كانوا لا يسمون جنّا. والله أعلم. ١٤٥ - أخبرنا أبو الحسين بن بشران، نا إسماعيل بن محمد الصفار، ثنا

стр. 163

أحمد بن منصور، ثنا عبد الرزاق، ثنا معمر، عن أبي إسحق، عن عمرو بن عبد الله الأصم، عن ابن مسعود ﵁ قال: «إنّ ناركم هذه التي توقدون لجزء من سبعين جزءا من نار جهنّم وإنّ السّموم الحارّ الّتي خلق الله تعالى منها الجانّ لجزء من سبعين جزءا من نار جهنّم». ١٤٦ - أخبرنا أبو الحسين بن بشران أنبا أبو عمرو بن السماك، ثنا حنبل بن إسحق، ثنا سعيد بن سليمان، ثنا عباد، عن سفيان بن حسين، عن يعلى بن مسلم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄ قال: «كان اسم إبليس عزازيل وكان من أشراف الملائكة من ذوي الأربعة الأجنحة ثمّ أبلس بعد». ١٤٧ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ومحمد بن موسى، قالا: ثنا أبو العباس بن يعقوب، ثنا أحمد بن عبد الجبار، ثنا وكيع، عن الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄ قال: «كان إبليس من خزّان الجنّة وكان يدبّر أمر سماء الدّنيا». ١٤٨ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ومحمد بن موسى، قالا: ثنا أبو العباس

стр. 164

الأصم، ثنا السري بن يحيى، ثنا عثمان بن زفر، ثنا يعقوب القمّي، عن جعفر، عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿كانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ [الكهف:٥٠] قال: كان من الجنانين الّذين يعملون في الجنّة. قال الحليمي ﵀: ثم إن الملائكة يسمّون روحانيين-بضم الراء- وسمّى الله جبريل ﵇ «الرّوح الأمين» و «روح القدس». وقال: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا﴾ [النبأ:٣٨]. فقيل: إن المراد به جبريل ﵇. وقيل: إنه ملك عظيم سوى جبريل يقوم وحده صفا والملائكة صفا. ومن قال هذا قال: الرّوح جوهر، وقد يجوز أن يؤلف الله سبحانه أرواحا، فيجسّمها، ويخلق خلقا ناطقا عاقلا. وقد يجوز أن تكون أجسام الملائكة على ما هي عليه اليوم مخترعة، كما اخترع عيسى وناقة صالح ﵉. وقال بعض الناس إن الملائكة روحانيّون-بفتح الراء-بمعنى أنهم ليسوا محصورين في الأبنية والظلل ولكنهم في فسحة وبساطة. وقد قيل إن ملائكة الرحمة هم الروحانيون، وملائكة العذاب هم الكرّوبيون فهذا من الكرب، وذاك من الروح والله تعالى أعلم. قال البيهقي ﵀: وذكر وهب بن منبه أن الكروبيين سكان السماء السابعة يبكون وينتحبون. وقد ذكرنا الأخبار التي وردت في تفسير الروح والملك الذي يسمّى روحا في الثالث عشر من كتاب «الأسماء والصفات». وقد تكلم الناس قديما وحديثا في المفاضلة بين الملائكة والبشر. فذهب ذاهبون إلى أنّ الرسل من البشر أفضل من الرسل من الملائكة، والأولياء من البشر أفضل من الأولياء من الملائكة. وذهب آخرون إلى إنّ الملأ الأعلى مفضّلون على سكان الأرض ولكل واحد من القولين وجه.

стр. 165

١٤٩ - وقد أخبرنا أبو طاهر الفقيه أنا أبو حامد بن بلال، ثنا أبو زرعة الرازي، حدثنا هشام بن عمار، ثنا عبد ربّه بن صالح القرشي، ثنا عروة بن رويم، عن الأنصاري أنّ النبي ﷺ قال: «لمّا خلق الله آدم ﵇ وذرّيّته، قالت الملائكة يا ربّ خلقتهم يأكلون ويشربون وينكحون ويركبون، فاجعل لهم الدّنيا ولنا الآخرة فقال الله ﵎»: «لا أجعل من خلقته بيدي ونفخت فيه من روحي كمن قلت له كن فكان». قال البيهقي ﵀ وقال فيه غيره عن هشام بن عمار بإسناده عن جابر بن عبد الله الأنصاري وفي ثبوته نظر. ومن قال في الملائكة هم قبيلان أشبه أن يقول في هذا: أراد القبيل الذي كان منهم إبليس دون الملأ الأعلى وهم الأشراف والعظماء والله تعالى أعلم. وروينا عن عبد الله بن سلام أنّه قال: إنّ أكرم خليقة الله تعالى على الله سبحانه أبو القاسم ﷺ قال بشر قلت رحمك الله فأين الملائكة قال: (فنظر إليّ وضحك فقال: يا ابن أخي! وهل تدري ما الملائكة؟ إنّما الملائكة) خلق كخلق الأرض، وخلق السّماء، وخلق السّحاب، وخلق الجبال، وخلق الرّياح، وسائر الخلائق وإنّ أكرم الخلائق على الله تعالى أبو القاسم ﷺ . وذكر الحديث. ١٥٠ - أخبرناه أبو الحسن المقرئ، أنا الحسن بن محمد بن إسحاق، ثنا يوسف بن يعقوب، ثنا عبد الله بن محمد بن أسماء، ثنا مهدي بن ميمون، ثنا محمد بن عبد الله بن أبي يعقوب، عن بشر بن شغاف، عن ابن سلام فذكره.

стр. 166

١٥١ - أخبرنا أبو محمد عبد الله بن يحيى بن عبد الجبار السكري ببغداد، ثنا إسماعيل بن محمد الصفار، ثنا عباس بن عبد الله التّرقفي، حدثنا حفص بن عمر، عن الحكم، عن عكرمة قال سمعت ابن عباس رضي يقول: «إنّ الله فضّل محمّدا ﷺ على أهل السّماء وعلى الأنبياء قالوا يا ابن عبّاس ما فضله على أهل السّماء؟ قال لأنّ الله قال لأهل السّماء: ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ فَذلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٢٩]. وقال لمحمد ﷺ : ﴿إِنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ﴾ [الفتح:١،٢]. قالوا يا ابن عباس! ما فضله على الأنبياء؟ قال لأنّ الله يقول: ﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلاّ بِلِسانِ قَوْمِهِ﴾ [إبراهيم:٤]. وقال الله تعالى لمحمد ﷺ : ﴿وَأَرْسَلْناكَ لِلنّاسِ رَسُولاً﴾ [النساء:٧٩]. فأرسله الله تعالى إلى الإنس والجن. وكذلك رواه إبراهيم بن الحكم بن أبان عن أبيه وليس بالقوي. ومن قال بالقول الآخر عارضه بقوله : ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾ [الزمر:٦٥].
следующие страницы →