← Книги сунны

Книги сунны · id 748

شعب الإيمان - ت زغلول

أبو بكر البيهقي

Полный текст (3 507 стр.). Показаны 232–271 · переход к 237.

стр. 232

ينشأ وينمو إلى أن يبلغ غايته، ويدخل في هذا المعنى البيضة تفارق البائض ويجري عليها حكم الموت، ثم يخلق الله منها حيّا فهل هذا إلاّ إحياء الميتة، وهو أمر مشاهد والعلم به ضرورة. وقد نبّهنا الله على إحياء الموتى بما أخبر من اراءة إبراهيم ﵇ إحياء الأموات، وقد نقلته عامّة أهل الملل. وبما أخبر به عن الذين أخرجوا من ديارهم، وهم ألوف حذر الموت، فقال لهم الله: موتوا ثم أحياهم. وبما أخبر به عن الذي مرّ على قرية وهي خاوية على عروشها، قال: أنّى يحيي هذه الله بعد موتها؟ فأماته الله مائة عام، ثمّ بعثه. وبما أخبر به عن عصا موسى ﵇ وقلبه إيّاه حيّة ثم أعادتها خشبة، ثم جعلها عند محاجّة السّحرة حيّة ثم اعادتها خشبة وقد أشركت عامة أهل الملل في نقله. وبما أخبر به من شأن أصحاب الكهف الذين ضرب على آذانهم زيادة على ثلاثمائة سنة، ثم أحياهم ليدلّ قومهم عند ما أعثر عليهم على أن ما أنذروا به من البعث بعد الموت حقّ لا ريب فيه، وقد نقلنا الآثار في شرح ذلك في الأول من كتاب «البعث والنشور».

стр. 233

(٨) الثامن من شعب الإيمان وهو باب في حشر الناس بعد ما يبعثون من قبورهم إلى الموقف الذي بيّن لهم من الأرض فيقومون ما شاء الله تعالى فإذا جاء الوقت الذي يريد الله محاسبتهم فيه أمر بالكتب التي كتبتها الكرام الكاتبون بذكر أعمال الناس فأوتوها فمنهم من يؤتى كتابه بيمينه، فأولئك هم السّعداء، ومنهم من يؤتى كتابه بشماله، أو وراء ظهره، وهؤلاء هم الأشقياء، قال الله تعالى في المطففين: ﴿أَلا يَظُنُّ أُولئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ﴾ [المطففين:٤،٥]. وأخبر أن الناس يكونون يوم القيامة واقفين على أقدامهم، وأبان أنه لا حال لهم يومئذ سوى القيام. ٢٥٧ - حدثنا أبو الحسن العلوي، أخبرنا أبو حامد هو ابن الشرقي، ثنا محمد بن يحيى الذهلي، حدثنا يعقوب بن ابراهيم بن سعد، ثنا أبي، عن صالح بن كيسان، ثنا نافع أن عبد الله بن عمر قال قال رسول الله ﷺ : «يقوم النّاس يوم القيامة لربّ العالمين حتّى يغيب أحدهم في رشحه إلى أنصاف أذنيه». أخرجه مسلم في الصحيح من حديث يعقوب. ٢٥٨ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني أبو بكر بن عبد الله، أخبرنا الحسن بن سفيان، ثنا الحكم بن موسى، ثنا يحيى بن حمزة، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، قال حدثني سليم بن عامر، حدثني المقداد بن الأسود قال سمعت رسول الله ﷺ يقول:

стр. 234

«تدنى الشّمس يوم القيامة من الخلق حتّى تكون منهم كمقدار ميل». قال سليم بن عامر فو الله ما أدري ما عنى بالميل أمسافة الأرض أم الميل الذي يكحل به العين؟ قال: «فيكون النّاس على قدر أعمالهم في العرق فمنهم من يكون إلى كعبيه، ومنهم من يكون إلى ركبتيه، ومنهم من يكون إلى حقويه ومنهم من يلجمه إلجاما». قال وأومأ رسول الله ﷺ إلى فيه. رواه مسلم في الصحيح عن الحكم بن موسى. وقد ذكرنا سائر الأحاديث فيه في كتاب «البعث». قال الله : ﴿وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً. اِقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً﴾ [الإسراء:١٣،١٤]. وقال : ﴿إِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ كِراماً كاتِبِينَ يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ﴾ [الانفطار:١٠ - ١٢]. وقال تعالى: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق:١٧،١٨]. وقال ﴿هذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنّا كُنّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية:٢٩]. وأخبر أن الذين يقرأون كتبهم يقولون: ﴿مالِ هذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاّ أَحْصاها﴾ [الكهف:٤٩]. وأن من أوتي كتابه بيمينه فيقول: ﴿هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ فِي﴾

стр. 235

﴿جَنَّةٍ عالِيَةٍ﴾ [الحاقة:١٩ - ٢٢]. ﴿وَأَمّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ فَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ وَلَمْ أَدْرِ ما حِسابِيَهْ يا لَيْتَها كانَتِ الْقاضِيَةَ﴾ [الحاقة:٢٥ - ٢٧]. ﴿فَأَمّا مَنْ أُوتِيَ-كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِساباً يَسِيراً وَيَنْقَلِبُ إِلى أَهْلِهِ مَسْرُوراً وَأَمّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ وَراءَ ظَهْرِهِ فَسَوْفَ يَدْعُوا ثُبُوراً وَيَصْلى سَعِيراً﴾ [الانشقاق:٧ - ١٢]. وإذا وقف الناس على أعمالهم من الصحف التي يؤتونها حوسبوا بها، ولعل ذلك-والله أعلم-لأن الناس إذا بعثوا لا يكونون ذاكرين لأعمالهم فإن الله قال: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللهُ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا أَحْصاهُ اللهُ وَنَسُوهُ﴾ [المجادلة: ٦]. فإذا ذكروها ووقفوا عليها حوسبوا عليها. وقد جاء في كيفية المحاسبة أخبار ذكرناها في كتاب «البعث والنشور» منها ما: ٢٥٩ - أخبرنا أبو الحسين بن بشران، ثنا أبو جعفر محمد بن عمرو الرزاز، ثنا عبد الله بن محمد بن شاكر، ثنا أبو أسامة، ثنا الأعمش، عن خيثمة بن عبد الرحمن، عن عدي بن حاتم قال: قال رسول الله ﷺ : «ما منكم من أحد إلاّ سيكلّمه ربّه ليس بينه وبينه حجاب ولا ترجمان، فينظر أيمن منه فلا يرى شيئا إلاّ شيئا قدّمه، وينظر أشأم منه فلا يرى إلاّ شيئا قدّمه، وينظر أمامه فلا يرى إلاّ النّار. فاتّقوا النّار ولو بشقّ تمرة». رواه البخاري في الصحيح عن يوسف بن موسى عن أبي أسامة. وفي هذا دليل على أنه يحاسب المكلفين بنفسه، وأنه يخاطبهم معا، ولا يخاطبهم واحدا بعد واحد، وعلى هذا تدل سائر الأحاديث عن النبي ﷺ غير أنّ تكليمه

стр. 236

أهل رحمته مما يزيدهم بشارة وكرامة، وتكليمه أهل عقوبته مما يزيدهم خسارة وحسرة، قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [يس:٦٠]. مع سائر ما ورد فيه من الكتاب والسنة. وقد قيل إنه يأمر ملائكته بمحاسبة الخلق بأمره، وقد قيل إنه يتولّى حساب المؤمنين بنفسه ويأمر الملائكة بمحاسبة الكفار. وما دل عليه ظاهر ما ذكرناه من السنة الصحيحة، وأشرنا إليه أصحّ الأقاويل في ذلك والله أعلم. وإذا انتهى الحساب كان بعده وزن الأعمال لأن الوزن للجزاء. ٢٦٠ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: سمعت أبا إسحاق إبراهيم بن محمد بن يحيى يقول سمعت (أبا عبد الله محمد بن إبراهيم العبدوي يقول سمعت إبراهيم بن أبي طالب يقول: سمعت) إسحاق بن إبراهيم بن مخلد الحنظلي يقول سمعت أبي يقول سمعت أبا سيف الزاهد يقول: (ما أحبّ أن يلي حسابنا غير الله لأنّ الكريم يتجاوز). ٢٦١ - وأخبرنا أبو الحسين بن بشران أنا الحسين بن صفوان، ثنا ابن أبي الدنيا، حدثني الحسين بن عمرو، عن يحيى بن يمان، قال: قال سفيان الثوري: «ما أحبّ انّ حسابي جعل إلى والدي ربّي خير لي من والدي». قال البيهقي ﵀ وقد روي معناه في حديث مسند لكنّه يشبه أن يكون موضوعا فلم أجسر على نقله، ثم إني نقلته لشهرته بين المذكرين وأنا ابرأ من عهده. ٢٦٢ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ في التاريخ، حدثنا أبو محمد الحسن بن محمد بن إسحاق الأزهري، ثنا محمد بن زكريا الغلابي، ثنا

стр. 237

عبيد الله بن محمد التيمي، ثنا أبي، عن عمه، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة قال: قال اعرابي يا رسول الله من يحاسب الخلق يوم القيامة؟: «قال: الله، قال: الله؟ قال: الله، قال نجونا وربّ الكعبة! قال: وكيف يا اعرابيّ؟ قال: لأنّ الكريم إذا قدر عفا». ٢٦٣ - أخبرنا أبو الحسن بن علي بن محمد المقرئ الإسفراييني بها، ثنا الحسن بن محمد بن إسحاق فذكره بإسناده نحوه، تفرد به محمد بن زكريا الغلابي عن عبيد الله بن محمد بن عائشة والغلابي متروك. وقد أخبر الله ثناؤه أن المحاسبة تكون بشهادة النبيين والشهداء وقال تعالى: ﴿وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَداءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٦٩]. وقال: ﴿فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً﴾ [النساء:٤١]. فالشهيد في هذه الآية النبي ﷺ وشهيد كل أمة نبيّها وأما الشهداء في الآية قبلها فالأظهر أنهم كتبة الأعمال، تحضر الأمّة ورسولها فيقال للقوم «ماذا أجبتم المرسلين؟ ويقال للرسل ماذا أجبتم؟ فيقول الرسل لله»: ﴿لا عِلْمَ لَنا إِنَّكَ أَنْتَ عَلاّمُ الْغُيُوبِ﴾ [المائدة:١٠٩]. وكأنهم نسوا ما أجيبوا به، وتأخذ الهيبة بمجامع قلوبهم فيذهلون في تلك الساعة عن الجواب ثم يثبّتهم الله ويحدث لهم ذكرى فيشهدون بما أجابتهم به أممهم. قال البيهقي ﵀ فإن كذّبت أمّة رسولها وقالت ما أتانا من نذير؛

стр. 238

٢٦٤ - فقد أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب ثنا محمد بن عبد الوهاب الفراء أنا جعفر بن عون، ثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : «يدعى نوح ﵇ يوم القيامة، فيقال: هل بلّغت فيقول نعم! فتدعى أمّته فيقال: هل بلّغكم؟ فيقولون «ما أتانا من نّذير وما أتانا من أحد» قال: فيقال: من شهودك؟ قال: فيقول: محمد وأمّته. قال فيؤتى بكم، فتشهدون أنّه قد بلّغ. وذلكم قول الله : ﴿وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً» [البقرة:١٤٣]. رواه البخاري في الصحيح عن إسحاق بن منصور عن جعفر بن عون. وبمعناه رواه أبو أسامة عن الأعمش، ورواه أبو معاوية عن الأعمش فقال في الحديث: «يجيء النّبي يوم القيامة، ومعه الثلاثة والأربعة والرّجلان حتّى يجيء النّبي وليس معه أحد، قال: فيقال لهم: هل بلّغتم؟ فيقولون: نعم. قال: فيدعي قومهم، فيقال لهم: هل بلغوكم؟ فيقولون: لا، قال فيقال: للنّبيين: من يشهد لكم أنّكم قد بلّغتم؟ قال: فيقولون أمّة محمد ﷺ قال: فتدعى أمّة محمد فيشهدون أنّهم قد بلّغوا قال: فيقال: وما علمكم بهم أنهم قد بلّغوا؟ قال: فيقولون: جاءنا رسولنا بكتاب أخبرنا أنّهم قد بلّغوا فصدّقناه قال: فيقال: صدقتم. قال: وذلك قول الله في كتابه: ﴿وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً﴾ [البقرة:١٤٣]. ٢٦٥ - أخبرناه محمد بن عبد الله الحافظ، ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا أحمد بن عبد الجبار، ثنا أبو معاوية فذكره. فهذا فيما بين كل نبي وقومه، فأمّا كلّ واحد من القوم على الانفراد فالشّاهد عليه صحيفة عمله وكاتباها، فإنّه قد أخبر في الدّنيا بأنّ عليه ملكين

стр. 239

موكلين يحفظان أعماله وينسخانها، فأمّا إخبار الله عن شهادة الجوارح على أهلها بقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النور: ٢٤]. وقوله: ﴿وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللهَ لا يَعْلَمُ كَثِيراً مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ [فصلت:٢٢]. ﴿وَقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا قالُوا أَنْطَقَنَا اللهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [فصلت:٢١]. ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ وَتُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [يس:٦٥]. وروينا في الحديث الثابت عن أنس بن مالك قال: كنّا مع رسول الله ﷺ فضحك فقال: «أتدرون مم أضحك»؟ قال قلنا الله ورسوله أعلم. قال: من مخاطبة العبد ربّه يقول: يا ربّ ألم تجرني من الظّلم؟ قال فيقول بلى. قال فيقول فإني لا أجيز على نفسي إلاّ شاهدا منّي. قال فيقول: «كفى بنفسك اليوم عليك شهيدا» وبالكرام الكاتبين شهودا، قال فيختم على فيه ويقال لأركانه: انطقي. قال: فتنطق بأعماله. قال: ثم يخلّى بينه وبين الكلام، فيقول بعدا لكنّ وسحقا! فعنكنّ كنت أناضل». ٢٦٦ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو العباس بن يعقوب، ثنا محمد بن إسحق الصغاني، حدثني أبو بكر بن أبي النضر، ثنا أبو النضر، عن الأشجعي، عن سفيان، عن عبيد المكتّب، عن فضيل بن عمرو، عن الشعبي، عن أنس بن مالك فذكره: رواه مسلم في الصحيح عن أبي بكر بن أبي النضر.

стр. 240

وروينا في حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ حديث الرؤية قال: «فيلقى العبد فيقول أي فل؛ ألم أكرمك وأسوّدك وأزوّجك وأسخّر لك الخيل والإبل، وأذرك ترأس وتربع؟ قال فيقول: بلى أي ربّ قال فيقول أظننت إنّك ملاقي؟ فيقول: لا، فيقول إني اليوم أنساك كما نسيتني، ثم يلقى الثاني فيقول: أي فل! فذكر في السؤال والجواب مثل الأول ثم يلقى الثالث، فيقول مثل ذلك، فيقول: آمنت بك وبكتابك، وبرسولك وصليت وصمت وتصدّقت. فيقال: الآن نبعث شاهدنا عليك فيكفّر في نفسه من الّذي يشهد عليه، فيختم على فيه ويقال لفخذه انطقي! فتنطق فخذه ولحمه وعظمه بعمله ما كان. ذلك ليعذر من نفسه؛ وذلك المنافق وذلك الذي سخط الله عليه». ٢٦٧ - أخبرناه محمد بن عبد الله، ثنا أبو بكر بن إسحاق ثنا بشر بن موسى، ثنا الحميدي، ثنا سفيان، ثنا سهيل بن أبي صالح، عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ بهذا الحديث. وهو مخرج في كتاب مسلم. وفيه دلالة على أنّ بعضهم تشهد عليهم ألسنتهم، وبعضهم ينكر فيختم على أفواههم وتشهد عليهم سائر جوارحهم. ويشبه أن يكون هذا الإنكار من المنافقين كما في خبر أبي هريرة. ويشبه أن يكون منهم، وممن شاء الله ومن سائر الكافرين حين رأوا يوم القيامة فيغفر الله لأهل الإخلاص ذنوبهم، لا يتعاظم عليه ذنب أن يغفره ولا يغفر الشرك، قالوا: إنّ ربّنا يغفر الذنوب ولا يغفر الشرك، فتعالوا حتى نقول إنا كنّا أهل ذنوب ولم نكن مشركين فقال الله أما إذ كتموا الشرك فاختموا على أفواههم، فيختم على أفواههم فتنطق أيديهم، وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون. فعند ذلك عرف المشركون ان الله لا يكتم حديثا فذلك قوله:

стр. 241

﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلا يَكْتُمُونَ اللهَ حَدِيثاً﴾ [النساء:٤٢]. وهذا فيما روينا عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنّه سئل عن ذلك فذكره. وقد قال الله في سورة زلزلت: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبارَها﴾ [الزلزلة:٤]. وروينا عن أبي هريرة مرفوعا أنه سئل عن هذه الآية فقال أن تشهد على كل عبد وأمة بما عملوا على ظهرها فتقول: عمل كذا وكذا في يوم كذا وكذا فذلك أخبارها. ودلت الأخبار عن سيدنا المصطفى ﷺ على أنّ كثيرا من المؤمنين يدخلون الجنة بغير حساب، وكثيرا منهم يحاسبون حسابا يسيرا، وكثيرا منهم يحاسبون حسابا شديدا. ٢٦٨ - أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ أنا أبو جعفر محمد بن علي بن دحيم الشيباني، ثنا أحمد بن حازم بن أبي غرزة، ثنا عبد الله بن محمد بن أبي شيبة، ثنا محمد بن فضيل، ثنا حصين، قال سمعت سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : «يدخل الجنّة من أمّتي سبعون ألفا بغير حساب، ثمّ دخل، ولم يبيّن لهم، فأفاض القوم فقالوا نحن الّذين آمنّا بالله، واتّبعنا رسوله، فنحن هم، أو أولادنا الّذين ولدوا على الإسلام فإنّا نحن ولدنا في الجاهلية، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال: هم الذين لا يكتوون، ولا يسترقون، ولا يتطيّرون، وعلى ربّهم يتوكلون، فقال عكاشة بن محصن: أنا منهم يا رسول الله؟ قال نعم، ثم قال رجل آخر أنا منهم يا رسول الله؟ قال: قد سبقك بها عكاشة». رواه مسلم في الصحيح عن أبي بكر بن أبي شيبة.

стр. 242

ورواه البخاري عن عمران بن ميسرة عن ابن الفضيل. ورويناه في حديث عمرو بن حزم عن النبي ﷺ : (إنه تغيب عنهم ثلاثا لا يخرج إلا لصلاة مكتوبة فقيل له في ذلك قال: إنّ ربي وعدني أن يدخل من أمّتي الجنة سبعون ألفا لا حساب عليهم، وإنّي سألت ربّي في هذه الثلاثة الأيام المزيد فوجدت ربّي واجدا ماجدا كريما، فأعطاني مع كلّ واحد من السبعين ألفا سبعين ألفا، قال: قلت: يا ربّ وتبلغ أمّتي هذا؟ قال أكمّل لك العدد من الأعراب). وقد ذكرناه في كتاب «البعث والنشور». ٢٦٩ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو بكر بن إسحاق إملاء، ثنا أبو مسلم ويوسف بن يعقوب، قالا: ثنا سليمان بن حرب، ثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن ابن أبي ملكية، عن عائشة أنّ رسول الله ﷺ قال: «من حوسب عذّب». قالت عائشة يا رسول الله فأين قوله: ﴿فَأَمّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِساباً يَسِيراً؟﴾ [الانشقاق: ٧،٨]. قال ذلكم العرض ولكنه من نوقش الحساب عذّب. رواه البخاري في الصحيح عن سليمان. ورواه مسلم عن أبي الربيع عن حماد. ٢٧٠ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب؛ ثنا أبو زرعة الدمشقي، ثنا أحمد بن خالد الوهبي، ثنا محمد بن إسحق- أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنا أحمد بن جعفر القطيعي، ثنا عبد الله بن

стр. 243

أحمد، حدثني أبي، ثنا إسماعيل بن إبراهيم، ثنا محمد بن إسحاق حدثني عبد الواحد بن حمزة بن عبد الله بن الزبير، عن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن عائشة ﵂ قالت سمعت رسول الله ﷺ يقول في بعض صلاته: (اللهمّ حاسبني حسابا يّسيرا، فلمّا انصرف قلت يا رسول الله ما الحساب اليسير؟ قال ينظر في كتابه ويتجاوز له عنه، وإنّه من نوقش الحساب يومئذ يا عائشة هلك. وكلّ ما يصيب المؤمن يكفّر الله عنه حتى الشوكة تشوكه». ٢٧١ - أخبرنا أبو عمرو محمد بن عبد الله الأديب أنا أبو بكر الإسماعيلي، أخبرني الحسن بن سفيان، ثنا هدبة بن خالد، ثنا همام بن يحيى، ثنا قتادة، عن صفوان بن محرز، قال: كنت آخذا بيد عبد الله بن عمر فأتاه رجل فقال كيف سمعت رسول الله ﷺ يقول في النجوى قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إنّ الله يدني المؤمن يوم القيامة حتّى يضع عليه كنفه يستره من الناس فيقول أي عبدي! تعرف ذنب كذا وكذا؟ فيقول: نعم أي ربّ! حتى إذا قرّره بذنوبه ورأى في نفسه أنّه قد هلك، قال: إني قد سترتها عليك في الدنيا، وقد غفرتها لك اليوم، قال ثم أعطي كتاب حسابه، وأمّا الكافر والمنافق فيقول الاشهاد هؤلاء الّذين كذبوا على ربّهم الا لعنة الله على الظّالمين». رواه البخاري في الصحيح عن موسى بن إسماعيل عن همام. وأخرجاه من وجه آخر عن قتادة. قال البيهقي ﵀ قوله «يدني المؤمن» يريد به: يقرّبه من كرامته. وقوله «يضع عليه كنفه» يريد-والله أعلم-عطفه ورأفته ورعايته.

стр. 244

٢٧٢ - أخبرنا أبو سعيد بن أبي عمرو، أنا أبو عبد الله الصفّار، ثنا أبو بكر بن أبي الدنيا، ثنا عبد الرحمن بن صالح، ثنا جرير، عن أشعث، ثنا شمر بن عطية، في قوله: ﴿إِنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [فاطر:٣٤]. قال غفر لهم الذنوب التي عملوها وشكر لهم الخير الذي دلّهم عليه فعملوا به فأثابهم عملهم. ٢٧٣ - وأخبرنا أبو سعيد، ثنا أبو عبد الله، ثنا ابن أبي الدنيا، حدثنا إسحاق بن إبراهيم، ثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار عن طاوس قال سمعت ابن عمر يقول: كلّ ابن آدم خطّاء إلاّ ما رحم الله. ٢٧٤ - قال وأنا ابن أبي الدنيا، ثنا سعدويه، عن مبارك بن فضالة عن الحسن يقول: إنّ الله لا يجازي عبده بذنوبه والله ما جازى الله عبدا قطّ بالخير والشرّ إلاّ هلك، ولكنّ الله إذا أراد بعبد خيرا أضعف له الحسنات، وألقى عنه السّيئات. قال الحليمي ﵀ وإذا كان من المؤمنين من يكون أدنى إلى رحمة الله فيدخله الجنّة بغير حساب، فليس ببعيد أن يكون من الكفار من هو أدنى إلى سخط الله فيدخله النار بغير حساب. قال البيهقي ﵀ وقد قال الله : ﴿وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ [القصص:٧٨]. وقال: ﴿فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّماءُ فَكانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهانِ﴾ [الرحمن:٣٧]. ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ﴾ [الرحمن:٣٩]. ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي وَالْأَقْدامِ﴾ [الرحمن: ٤١].

стр. 245

وقال: ﴿اُحْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ وَما كانُوا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ فَاهْدُوهُمْ إِلى صِراطِ الْجَحِيمِ وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ﴾ [الصافات:٢٢ - ٢٤]. ﴿فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر:٩٢،٩٣]. ولا اختلاف بين هذه الآيات. ووجه الجمع بينها ما روينا عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس انه قال لا يسألهم عن عملهم كذا وكذا لأنّه أعلم بذلك منهم ولكن يقول عملتم كذا وكذا. وروينا عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس في قوله: ﴿وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ [القصص:٧٨]. يقول لا يسأل كافر عن ذنبه، كل كافر معروف بسيماه وفي قوله: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ﴾ [الرحمن:٣٩]. يعني يوم تشقق السماء وتكوّر لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جانّ، وذلك عند الفراغ من الحساب وكلّ معروف، يعرف المجرمون بسيماهم، أمّا الكافر فبسواد وجهه وزرقة عينيه وأما المؤمن فاغرّ محجّل من أثر الوضوء. ٢٧٥ - أخبرنا أبو عبد الرحمن الدهان. أنا الحسين بن محمد بن هارون، أنا اللباد، ثنا يوسف بن بلال، ثنا محمد بن مروان عن الكلبي فذكره. وقال الحليمي ﵀ معنى قوله: ﴿وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾. وقوله: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ﴾. سؤال التعرف بتمييز المؤمن عن الكافر، أي أنّ الملائكة لا تحتاج أن تسأل أحدا يوم القيامة فتقول ما كان ذنبك؟ وما كنت تصنع في الدنيا؟ حتى يتبيّن له باخباره عن نفسه انه كان مؤمنا أو كافرا، لكن المؤمنين يكونون ناضري الوجوه مشروحي الصدور، والمشركين يكونون سود الوجوه، زرقا مكروبين، فهم إذا كلّفوا سوق المجرمين إلى النار، وتمييزهم في الموقف عن المؤمنين كفتهم مناظرهم عن تعرّف ذنوبهم والله أعلم. قال البيهقي ﵀ وهذا الذي ذكره الحليمي ﵀ أشبه أن يكون

стр. 246

مأخوذا ممّا روينا عن تفسير الكلبي وبمعناه ذكره مقاتل بن سليمان في الآية الأخيرة غير أنه لم يذكر الفراغ من الحساب فقال في قوله تعالى: ﴿وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ [القصص:٧٨]. ذلك أن كفار مكة قالوا لو أنّ عندنا ذكرا يعني خبرا من الأولين بم أهلكوا؛ فأنزل الله : ﴿وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾. يقول لا يسأل مجرمو هذه الأمة عن ذنوب الأمم الماضية الذين عذّبوا في الدنيا فإن الله تعالى قد أحصى أعمالهم الخبيثة وعلمها. ٢٧٦ - أخبرنا الاستاذ أبو إسحاق، ثنا عبد الخالق بن الحسن، أنا عبد الله بن ثابت، أخبرني (أبي) عن الهذيل، عن مقاتل فذكره. ٢٧٧ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنا عبد الرحمن بن الحسن القاضي، ثنا إبراهيم بن الحسين، ثنا آدم، ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ﴾ [الرحمن:٣٩]. قال يقول لا تسأل الملائكة عن المجرم إنسا ولا جانّا يقول يعرفون بسيماهم. قال البيهقي ﵀: من زعم أنّ الكافرين غير مخاطبين بشرائع الإسلام زعم أنهم لا يسألون عما يعلمون ممّا كانت مللهم تقتضيه وإن كان في الإسلام ذنبا ويسألون عن الله وعن رسله صلوات الله عليهم وعن الإيمان في الجملة وما نقلناه عن أهل التفسير أصحّ والله أعلم.

стр. 247

فصل وإذا انقضى الحساب كان بعده وزن الأعمال لأن الوزن للجزاء فينبغي أن يكون بعد المحاسبة فإنّ المحاسبة لتقرير الأعمال، والوزن لإظهار مقاديرها ليكون الجزاء بحسبها قال الله : ﴿وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً﴾ [الأنبياء: ٤٧]. وقال: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُونَ﴾ [الأعراف:٨،٩]. وقال: ﴿فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ﴾ إلى قوله: ﴿وَهُمْ فِيها كالِحُونَ﴾ [المؤمنون:١٠١ - ١٠٤]. وقال: ﴿فَأَمّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ [القارعة:٦]. إلى آخر السورة. وقد ورد ذكر الميزان في حديث الإيمان فالإيمان به كالإيمان بالبعث وبالجنة وبالنار وسائر ما ذكر معه. ٢٧٨ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو العباس بن يعقوب، ثنا محمد بن عبد الله المنادي، ثنا يونس بن محمد، ثنا المعتمر بن سليمان، عن أبيه، عن يحيى بن يعمر، عن ابن عمر، عن عمر بن الخطاب ﵁ عن النبي ﷺ سئل عن الإيمان قال: «الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، وتؤمن بالجنّة والنّار والميزان، وتؤمن بالبعث بعد الموت، وتؤمن بالقدر خيره وشرّه». قال: يعني السائل إذا فعلت هذا فأنا مؤمن؟ قال «نعم» قال: صدقت. قال البيهقي ﵀ في الآية التي كتبناها دلالة على أن أعمال الكفار توزن لأنّه قال في آية أخرى: ﴿بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُونَ﴾ [الأعراف:٩].

стр. 248

والظلم بآيات الله الاستهزاء بها، وترك الإذعان لها، وقال في آية: ﴿فِي جَهَنَّمَ خالِدُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٣]. إلى أن قال: ﴿أَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٥]. وقال في آية: ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ وَما أَدْراكَ ما هِيَهْ؟ نارٌ حامِيَةٌ﴾ [القارعة:٩ - ١١]. وهذا الوعيد بالإطلاق لا يكون إلاّ للكفار فإذا جمع بينه وبين قوله: ﴿وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها﴾ [الأنبياء:٤٧]. ثبت أنّ الكفّار يسألون عن كل ما خالفوا به الحقّ من أصل الدين وفروعه إذ لو لم يسألوا عما وافقوا فيه أصل تدينهم من ضروب تعاطيهم ولم يحاسبوا بها لم يعتد بها في الوزن أيضا، وإذا كانت موزونة في وقت الوزن دلّ ذلك على أنهم يحاسبون بها في موقف الحساب والله أعلم. وهذا على قول من قال في الكفار انهم مخاطبون بالشرائع وهو الصحيح لأنّ الله يقول: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ [فصلت:٦]. فتوعّدهم على منع الزكوة وأخبر عن المجرمين أنهم يقال لهم: ﴿ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ؟ قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ، وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ، وَكُنّا نَخُوضُ مَعَ الْخائِضِينَ، وَكُنّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ حَتّى أَتانَا الْيَقِينُ﴾ [المدثر:٤٢ - ٤٧]. (فبان) بهذا أنّ المشركين مخاطبون بالإيمان بالبعث وبإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وأنهم مسؤولون عنها مخاطبون بها مجزون على ما أخلّوا به منها. والله أعلم. واختلفوا في كيفية الوزن، فذهب ذاهبون إلى أنّ الكافر قد يكون منه صلة الأرحام، ومواساة الناس، ورحمة الضعيف، وإغاثة اللهفان، والدفع عن المظلوم، وعتق المملوك، ونحوها مما لو كانت من المسلم لكانت برّا وطاعة،

стр. 249

فمن كان له أمثال هذه الخيرات من الكفار فإنها تجمع وتوضع في ميزانه لأنّ الله تعالى قال: ﴿فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً﴾ [الأنبياء:٤٧]. فتأخذ من ميزانه شيئا غير أن الكفر إذا قابلها رجح بها، وقد حرّم الله الجنة على الكفار، فجزاء خيراته أن يخفّف عنه العذاب فيعذّب عذابا دون عذاب كفار كأنه لم يصنع شيئا من هذه الخيرات، ومن قال بهذا احتجّ بما. ٢٧٩ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني أبو الوليد، أنا الحسن بن سفيان، ثنا محمد بن أبي بكر المقدمي. قال أبو الوليد: وأنا عبد الله بن محمد، ثنا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب قالا: ثنا أبو عوانة عن عبد الملك بن عمير، عن عبد الله بن الحارث بن نوفل، عن العباس بن عبد المطلب قال: قلت: يا رسول الله هل نفعت أبا طالب بشيء فإنه كان يحفظك ويغضب لك؟ قال: «نعم، هو في ضحضاح من النّار ولولا أنا لكان في الدّرك الأسفل من النّار». ورواه البخاري في الصحيح عن موسى بن إسماعيل عن أبي عوانة. ورواه مسلم عن محمد بن أبي بكر وابن أبي الشّوارب. قال البيهقي ﵀: وذهب ذاهبون إلى أنّ خيرات الكافر لا توزن ليجزى بها بتخفيف العذاب عنه، وإنما توزن قطعا لحجّته حتى إذا قابلها الكفر رجح بها وأحبطها، أو لا توزن أصلا ولكن يوضع كفره، أو كفره وسائر سيئاته في إحدى، كفّتيه ثم يقال له: هل لك من طاعة نضعها في الكفة الأخرى؟ فلا يجدها، فيتثاقل الميزان فترتفع الكفّة الفارغة وتبقى الكفّة المشغولة فذلك خفة ميزانه، فأما خيراته فإنّها لا تحسب بشيء منها مع الكفر. قال الله :

стр. 250

﴿وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً﴾ [الفرقان:٢٣]. وروينا عن عائشة ﵂، قالت: يا رسول الله! إن ابن جدعان كان في الجاهلية يصل الرّحم، ويطعم المسكين فهل ذاك نافعه؟ قال: «لا ينفعه، لأنّه لم يقل يوما: ربّ اغفر لي خطيئتي يوم الدّين». وروينا عن عدي بن حاتم أنّه سأل النبي ﷺ عن أبيه، فقال: «إنّ أباك طلب أمرا فأدركه». يعني الذكر. وروينا عن أنس بن مالك عن رسول الله ﷺ قال: «إنّ الله لا يظلم المؤمن حسنة. يثاب عليها في الدنيا، ويجزى بها في الآخرة. وأما الكافر فيعطى بحسناته في الدنيا حتى إذا افضى إلى الآخرة، لم يكن له حسنة يعطى بها خيرا». ٢٨٠ - أخبرناه أبو الحسين بن الفضل القطّان، أنا أحمد بن محمد بن زياد أبو سهل القطّان، ثنا إسحاق بن الحسن الحربي، حدثنا عفان، ثنا همام، عن قتادة، عن أنس أن النبي ﷺ قال: إن الله .. فذكر الحديث. وأخرجه مسلم في الصحيح من حديث همام. قال البيهقي ﵀: من قال بالأول زعم أنّ المراد بالآية والأخبار أنّه لا يكون لحسنات الكافر موقع التخليص من النار والإدخال في الجنّة، وقد يجوز أن يخفّف عنه من عذابه الّذي استوجبه بسيّئاته بما تقدّم منه في الشرك من خيراته. وقد روي في حديث مرفوع ما: ٢٨١ - حدثنا الإمام أبو الطيب سهل بن محمد بن سليمان، أنا أبو

стр. 251

عبد الله محمد بن يزيد (الجوزي) (١)، ثنا زكريا بن يحيى البزاز، ثنا زيد بن أخزم الطائي، ثنا عامر بن مدرك، ثنا عتبة بن يقظان، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : «ما أحسن من محسن، كافر أو مسلم، إلاّ أثابه الله ». قلنا يا رسول الله! وما إثابة الله الكافر؟ قال: «إن كان وصل رحما، أو تصدّق بصدقة، أو عمل حسنة أثابه الله تعالى وإثابته إيّاه المال والولد والصحة وأشباه ذلك». قال قلنا: وما أثابته في الآخرة؟ قال: «عذاب دون العذاب»، وقرأ: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ﴾ [غافر:٤٦]. قال البيهقي ﵀: وهذا ان ثبت ففيه الحجّة، وإن لم يثبت لأنّ في إسناده من لا يحتجّ به- -وحديث أبي طالب صحيح، ولا معنى لإنكار الحليمي ﵀ الحديث ولا أدري كيف ذهب عنه صحة ذلك، فقد روي من أوجه عن عبد الملك بن عمير، وروي من وجه آخر صحيح عن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ بمعناه. وقد أخرجه صاحب الصحيح وغيرهما من الأئمة في كتبهم الصحاح وإنما يصحّ لمن ذهب المذهب الثاني في خيرات الكافر أن يقول حديث أبي طالب خاصّ في التخفيف عن عذابه بما صنع إلى النبي ﷺ ، خصّ به أبو طالب لأجل النبي ﷺ تطييبا لقلبه وثوابا له في نفسه لا لأبي طالب، فإنّ حسنات أبي طالب صارت بموته على كفره هباء منثورا. ومثل هذا حديث عروة بن الزبير في اعتاق أبي لهب ثويبة وإرضاعها رسول الله ﷺ ، فلما مات أبو لهب أريه بعض أهله في النّوم بشرّ خيبة فقال له: ما لقيت؟ فقال أبو لهب: لم نر بعدكم رجاء غير أنّي سقيت في هذه منّي بعتاقتي ثويبة وأشار إلى النقيرة التي بين الإبهام والتي تليها. وهذا أيضا لأنّ الإحسان كان مرجعه إلى صاحب النبوة فلم يضيّع. والله أعلم.

стр. 252

وأما المؤمنون يحاسبون فإنّ أعمالهم توزن وهم فريقان: أحدهما المؤمنون المتقون لكبائر الذنوب فهؤلاء توضع حسناتهم في الكفة النيرة وصغائرهم-إن كانت لهم-في الكفة الأخرى، فلا يجعل الله لتلك الصغائر وزنا، وتثقل الكفّة النيّرة، وترتفع الكفّة الأخرى ارتفاع الفارغ الخالي، فيؤمر بهم إلى الجنّة ويثاب كل واحد منهم على قدر حسناته وطاعاته، كما تلونا في الآيات التي ذكرناها في الموازين. والآخر: المؤمنون المخطئون: وهم الذين يوافون القيامة بالكبائر والفواحش غير أنّهم لم يشركوا بالله شيئا، فحسناتهم توضع في الكفّة النيّرة، وآثامهم وسيّئاتهم في الكفّة المظلمة، فيكون يومئذ لكبائرهم التي جاؤوا بها ثقل، ولحسناتهم ثقل إلاّ أنّ الحسنات تكون بكل حال أثقل لأنّ معها أصل الإيمان، وليس مع السيئات كفر، ويستحيل وجود الإيمان والكفر معا لشخص واحد، ولأنّ الحسنات لم يرد بها إلا وجه الله تعالى، والسيئات لم يقصد بها مخالفة الله وعناده، بل كان تعاطيها لداعية الهوى وعلى خوف من الله وإشفاق من غضبه. فاستحال أن توازي السيئات،-وإن كثرت-حسنات المؤمن، ولكنها عند الوزن لا تخلو من تثقيل ويقع بها الميزان حتى يكون ثقلها كبعض ثقل الحسنات، فيجري أمر هؤلاء على ما ورد به الكتاب جملة، ودلّت سنة المصطفى ﷺ على تفصيلها وهو قوله : ﴿إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً﴾ [الزمر:٥٣]. وقوله: ﴿وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ﴾ [النساء:١١٦]. فيغفر لمن يشاء بفضله، ويشفّع فيمن شاء منهم بإذنه، ويعذّب من شاء منهم بمقدار ذنبه ثم يخرجه من النار إلى الجنة برحمته كما ورد به خبر الصادق. وقد دلّ الكتاب على وزن أعمال المخلّطين من المؤمنين وهو قوله : ﴿وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها وَكَفى بِنا حاسِبِينَ﴾ [الأنبياء:٤٧]. وإنما أراد-والله أعلم-أنه لا يترك له حسنة إلاّ توزن، وهذا بالمؤمن

стр. 253

المخلّط لأنّه لو تركت له حسنة لم توزن، لزاد ذلك في ثقل سيئاته فأوجب ذلك زيادة في عذابه. فأما أنّ الوزن كيف يكون؟ ففيه وجهان: أحدهما أنّ صحف الحسنات توضع في الكفّة النيّرة، وصحف السيئات في الكفّة المظلمة، لأن الأعمال لا تنسخ في صحيفة واحدة. ولا كاتبها يكون واحدا، لكن الملك الذي يكون عن اليمين، يكتب الحسنات، والملك الذي يكون على الشمال يكتب السيئات، فيتفرّد كل واحد منهما بما ينسخ، فإذا جاء وقت الوزن وضعت الصحف في الموازين، فيثقّل الله ما يحقّ تثقيله، ويحفّف ما يحقّ تخفيفه. والوجه الآخر أنه يجوز أن يحدث الله ﵎ أجساما مقدرة بعدد الحسنات والسيئات، ويميّز إحداهما عن الأخرى بصفات تعرف بها فتوزن، كما توزن الأجسام بعضها ببعض في الدنيا، والله أعلم، ويعتبر في وزن الأعمال مواقعها من رضى الله وسخطه. وذهب أهل التفسير إلى إثبات هذا الميزان بكفّتيه وجاء في الأخبار ما دلّ عليه. وقد روى الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس أنه قال: الميزان له لسان وكفّتان، يوزن فيه الحسنات والسيئات، فيؤتى بالحسنات في أحسن صورة فتوضع في كفّة الميزان، فيثقل على السيئات، قال: فيؤخذ فيوضع في الجنّة عند منازله، ثمّ يقال للمؤمن: الحق بعملك قال فينطلق إلى الجنّة، فيعرف منازله بعمله، قال: ويؤتى بالسيئات في أقبح صورة، فتوضع في كفّة الميزان فتخفّف،-والباطل خفيف-فيطرح في جهنم إلى منازله منها ويقال له: الحق بعملك إلى النار، قال: فيأتي النّار فيعرف منازله بعمله، وما أعد الله فيها من ألوان العذاب، قال ابن عباس: فلهم أعرف بمنازلهم في الجنة والنار بعملهم من القوم ينصرفون يوم الجمع راجعين إلى منازلهم. ٢٨٢ - أخبرنا أبو عبد الرحمن الدهان، أنا الحسين بن محمد بن هارون، ثنا أحمد بن محمد بن نصر، ثنا يوسف بن بلال، ثنا محمد بن مروان عن الكلبي فذكره.

стр. 254

٢٨٣ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنا عبد الله بن الحسين القاضي، ثنا الحارث بن أبي أسامة، ثنا يونس بن محمد، ثنا الليث بن سعد، حدثني عامر بن يحيى، عن أبي عبد الرحمن المعافري ثم الحبلي قال: سمعت عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله سيخلّص رجلا من أمّتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة، فينشر عليه تسعة وتسعين سجلاّ كلّ سجلّ مثل مدّ البصر، ثم يقول أتنكر من هذا شيئا؟ أظلمك كتبتي الحافظون؟ فيقول: لا يا ربّ فيقول ألك عذر؟ فيقول لا يا ربّ، فيقول: بلى إنّ لك عندنا حسنة، وإنه لا ظلم عليك اليوم. فيخرج بطاقة فيها أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنّ محمدا عبده ورسوله، فيقول يا ربّ ما هذه البطاقة مع هذه السجلاّت؟ فيقال إنك لا تظلم؛ قال: فتوضع السجلاّت في كفّة والبطاقة في كفّة، فطاشت السجلات وثقلت البطاقة ولا يثقل مع اسم الله تعالى شيء». ورواه عبد الله بن صالح عن الليث بهذا الإسناد وقال: قال رسول الله ﷺ : «سيصاح يوم القيامة برجل من أمّتي على رؤوس الخلائق ينشر عليه تسعة وتسعين سجلاّ» فذكر الحديث. فصل «في بيان كبائر الذنوب وصغائرها وفواحشها» قال الله : ﴿قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ﴾ [الأعراف:٣٧]. وقال: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ﴾ [النساء: ٣١].

стр. 255

وقال: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ إِلاَّ اللَّمَمَ﴾ [النجم: ٣٢]. وقد ورد النبي ﷺ في عدد الكبائر ما: ٢٨٤ - أخبرنا أبو زكريا بن أبي إسحاق المزكي، أنا أبو الحسين أحمد بن عثمان الآدمي، ثنا أبو إسماعيل الترمذي، ثنا الأويسي، ثنا سليمان بن بلال، عن ثور بن زيد، عن أبي الغيث، عن أبي هريرة أنّ رسول الله ﷺ قال: «اجتنبوا السّبع الموبقات قالوا: يا رسول الله وما هنّ؟ قال: الشّرك بالله، والسحر، وقتل النّفس الّتي حرّم الله إلاّ بالحقّ، وأكل الرّبا، وأكل مال اليتيم، والتّولّي يوم الزّحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات». رواه البخاري في الصحيح عن عبد العزيز بن عبد الله الأويسي. وأخرجه مسلم من وجه آخر عن سليمان. قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: وليس في تقييده ذلك بالسبع منع الزيادة عليهن وإنما فيه تأكيد اجتنابهن ثم قد ضمّ إليهن غيرهن. روينا عن عبيد بن عمير عن أبيه عن النبي ﷺ : «الكبائر تسع». فذكرهن وذكر معهن: «عقوق الوالدين واستحلال البيت الحرام». وفي الحديث الثابت عن أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ سئل عن الكبائر فقال: «الشرك بالله، وقتل النفس، وعقوق الوالدين، وقال ألا أنبّئكم بأكبر الكبائر: قوله الزّور-أو قال-شهادة الزّور بدل «قول الزور»». وروي في الحديث الثابت عن عبد الله بن عمرو قال:

стр. 256

«جاء اعرابيّ إلى رسول الله ﷺ فقال: ما الكبائر؟ قال: «الإشراك بالله» قال: ثم ماذا؟ قال: «عقوق الوالدين». قال: ثم ماذا؟ قال: «اليمين الغموس». وفي الحديث الثابت عن عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ قال: «من الكبائر شتم الرجل والديه، قالوا: يا رسول الله! وهل يشتم الرجل والديه؟ قال: «نعم، يسبّ أبا الرجل فيسبّ أباه، ويسبّ أمّه فيسبّ أمّه». وفي الحديث الثابت عن عبد الله بن مسعود قال: قلت يا رسول الله أيّ الذنب أعظم عند الله ؟ قال: «أن تجعل لله ندّا وهو خلقك، قلت: ثم ماذا؟ قال: «أن تقتل ولدك خشية أن يطعم، قلت: ثم ماذا؟ قال: أن تزاني حليلة جارك». وفي الحديث الثابت عن عبادة بن الصامت أن رسول الله ﷺ قال وحوله عصبة من أصحابه: «بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتوا ببهتان، ولا تعصوا في معروف». وقد ورد في الكتاب تحريم الميتة والدم ولحم الخنزير وسائر ما ذكر معهما، وورد فيه تحريم الخمر والميسر، وورد فيه تحريم أكل مال اليتيم، وتحريم أكل الأموال بالباطل، وتحريم قتل النفس، وتحريم الزنا والسرقة، وغير ذلك. وهو في مواضعه مذكور. وورد في السنة حديث جابر بن عبد الله عن النبي ﷺ : «ليس بين العبد وبين الشرك إلاّ ترك الصلاة». وإنما أراد والله أعلم تخصيص الصلاة لوجوب القتل بتركها. وقد أورد الحليمي ﵀ ما أوردناه ثم قال: وإذا تتبع ما في الكتاب والسنة من المحرمات كثر وإنما أوردنا هذا لنبيّن الصغائر والكبائر بيانا حاويا نأتي به على ما نحتاج إليه في هذا الباب بإذن الله. فنقول: قتل النفس بغير حق كبيرة فإن كان المقتول أبا أو ابنا أو ذا رحم في

стр. 257

الجملة أو أجنبيا متحرما بالحرمة وبالشهر الحرام فهو فاحشة. وأما الخدشة والضربة بالعصا مرّة أو مرتين فمن الصغائر. والزنا كبيرة فإن كان بحليلة الجار أو بذات محرم أو لا بواحدة من هاتين لكن بأنه في شهر رمضان أو في البلد الحرام فهو فاحشة. قال الله : ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج:٢٥]. وأما ما دون الزنا الموجب للحد فإنه من الصغائر فإن كان مع امرأة الأب أو حليلة الابن أو مع أجنبية ايم، لكن على سبيل القهر والإكراه كان كبيرة. وقذف المحصنات كبيرة وإن كانت المقذوفة أمّا أو أختا أو امرأة زانية كان فاحشة. وقذف الصغيرة والمملوكة والحرة المتهتكة من الصغائر، وكذلك القذف بالخيانة والكذب والسرقة. والفرار من الزحف كبيرة فإن كان من واحد أواثنين ضعيفين وهو أقوى منهما، أو اثنين حملا عليه بلا سلاح وهو شاك السلاح فذلك فاحشة. وعقوق الوالدين كبيرة فإن كان مع العقوق سبّ أو شتم أو ضرب فهو فاحشة، وإن كان العقوق بالاستثقال لأمرهما ونهيهما والعبوس في وجوههما والتبرم بهما مع بذل الطاعة ولزوم الصمت فهذا من الصغائر فإن كان ما يأتيه من ذلك يلجئهما إلى أن ينقبضا عنه فلا يأمرانه ولا ينهيانه، ويلحقهما من ذلك ضرر، فهذا كبيرة. والسرقة من الكبائر، وأمّا أخذ المال في قطع الطريق فاحشة، ولذلك تقطع يد السارق وتقطع يد المحارب ورجله من خلاف. وقتل النفس في قطع الطريق فاحشة، ولذلك لا يعمل عفو الوالي عنه إذا قدر عليه قبل التوبة. وسرقة الشيء التافه الحقير صغيرة، فإن كان المسروق منه مسكينا لا غنى به عما أخذ منه فذلك كبيرة، وإن لم يكن على السارق الحدّ. وأخذ أموال الناس بغير حق كبيرة فإن كان المأخوذ ماله يفتقر، أو كان أبا

стр. 258

الآخذ أو أمّه، أو كان الآخذ بالاستكراه والقهر فهو فاحشة، وكذلك إن كان على سبيل القمار فإن كان المأخوذ شيئا تافها والمأخوذ منه غنيا لا بأس عليه من ذلك فذلك صغيرة. وشرب الخمر من الكبائر، فإن استكثر الشارب منه حتى سكر أو جاهر به فذلك من الفواحش فإن مزج خمرا بمثلها من الماء، فذهبت شرّتها وشدتها فذلك من الصغائر. وترك الصلاة من الكبائر فإن صار عادة فهو من الفواحش، فإن كان أقامها ولم يؤتها حقها من الخشوع لكنه التفت فيها، أو فرقع أصابعه، أو استمع إلى حديث الناس، أو سوّى الحصى أو أكثر من مسّ الحصى من غير عذر فذلك من الكبائر، فإن اتخذه عادة فهو من الفواحش. وإن ترك إتيان الجماعة لغيرها فهو من الصغائر فإن اتخذ ذلك عادة وقصد به مباينة الجماعة والانفراد عنهم فذلك كبيرة، وإن اتفق على ذلك أهل قرية أو أهل بلد فهو من الفواحش. ومنع الزكاة كبيرة وردّ السائل صغيرة، فإن اجتمع على منعه، أو كان المنع من واحد إلاّ أنّه زاد على المنع الانتهار والاغلاظ فذلك كبيرة، وهكذا إن رأى محتاج رجلا موسعا على الطعام فرآه فتاقت إليه نفسه فسأله منه فردّه فذلك كبيرة. قال والأصل في هذا الباب أنّ كل محرم بعينه منهيّ عنه لمعنى في نفسه فإنّ تعاطيه على وجه يجمع وجهين أو أوجها من التحريم فاحشة، وتعاطيه على وجه يقصر به عن رتبة المنصوص أو تعاطي ما دون المنصوص الّذي لا يستوفي معنى المنصوص أو تعاطي المنصوص الّذي نهى عنه لأن لا يكون ذريعة إلى غيره فهذا كله من الصغائر. وتعاطي الصغير على وجه يجمع وجهين أو أوجها من التحريم كبيرة ومثال ذلك موجود فيما مضى ذكره وأعاده ها هنا وزاد فيما ذكره من الذريعة أن يدلّ رجلا على مطلوب ليقتل ظلما أو يحضره سكّينا وهذا يحرم لقوله: ﴿وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ﴾ [المائدة:٢].

стр. 259

لكنّه من الصغائر لأنّ النهي عنه لئلا يكون ذريعة للظالم للتمكن من ظلمه وكذلك سؤال الرجل لغيره الّذي لا يلزمه طاعة أن يقتل آخر ليس من الكبائر لأنّه ليس فيه إلاّ إرادة هلاكه من غير أن يكون معها فعل والله أعلم. قال البيهقي ﵀: وقد نجد اسم الفاحشة واقعا على الزنا وإن لم ينضمّ إليه زيادة حرمة لكنه لمّا رأى الله فرق بين الكبائر والفواحش في الذكر فرق هو أيضا بينهما فكلّ ما كان أفحش ذكرا جعله زائدا على الكبيرة والله أعلم. وقد فسّر مقاتل بن سليمان: الكبائر بكل ذنب ختم بالنار، والفواحش ما يقام فيه الحد في الدنيا وقد دلّ كلام الحليمي ﵀ وغيره من الأئمة على أن الإصرار على الصغيرة كبيرة. وقد وردت أخبار وحكايات على التحريض على اجتناب الصغائر خوفا من الإصرار عليها فتصير من الكبائر. ٢٨٥ - أخبرنا أبو بكر محمد بن الحسن بن فورك ﵀، ثنا عبد الله بن جعفر الأصبهاني، ثنا يونس بن حبيب، أنا أبو داود، ثنا عمران القطان، عن قتادة، عن عبد ربّه، عن أبي عياض، عن عبد الله بن مسعود أنّ رسول الله ﷺ قال: «إياكم ومحقرات الأعمال إنّهنّ ليجتمعن على الرّجل حتّى يهلكنه وأنّ رسول الله ﷺ ضرب لهنّ مثلا كمثل قوم نزلوا بأرض فلاة فحضر صنيع القوم فجعل الرجل يجيء بالعود والرجل يجيء بالعويد حتّى جمعوا من ذلك سوادا ثم أججوا نارا فأنضجت ما قذف فيها». ٢٨٦ - أخبرنا أبو الحسين بن بشران، أنا دعلج بن أحمد بن دعلج، ثنا محمد بن إسماعيل بن مهران الإسماعيلي ثنا عمرو بن عثمان، ثنا الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، قال؛ سمعت بلال بن سعد يقول: (لا تنظر إلى صغر الخطيئة، ولكن انظر من عصيت).

стр. 260

٢٨٧ - أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي، قال: سمعت منصور بن عبد الله، يقوله: سمعت أبا العباس بن عطاء يقول: تولّد ورع المتورّعين من ذكر الذرّة والخردلة وأنّ ربّنا الذي يحاسب على اللحظة والهمزة والّلمزة لمستقص في المحاسبة، وأشدّ منه أن يحاسبه على مقادير الذّرّة وأوزان الخردلة ومن يكن هكذا حسابه لحريّ أن يتّقى. ٢٨٨ - أخبرنا أبو الحسين بن الفضل القطان. ثنا عبد الله بن جعفر، ثنا يعقوب بن سفيان، ثنا زيد بن بشر، أنا ابن وهب، ثنا ابن زيد وذكر عمر وأبا بكر ابني المنكدر قال: فلمّا حضر أحدهما الوفاة بكى فقيل له ما يبكيك؟ إن كنا لنغبطك لهذا اليوم! قال: أما والله ما أبكي أن أكون أتيت شيئا ركبته من معاصي الله اجتراء على الله، ولكني أخاف أن أكون أتيت شيئا أحسبه هيّنا وهو عند الله عظيم. قال: وبكى الآخر عند الموت فقيل له مثل ذلك، فقال: إني سمعت الله يقول لقوم: ﴿وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر:٤٧]. فأنا أنظر ما ترون والله ما أدري ما يبدو لي، قال: وكان يقال محمد أخوهم أدناهم في العبادة وأيّ شيء كان محمد في زمانه! ٢٨٩ - أخبرنا أبو الحسين بن بشران، أنا أبو الحسن أحمد بن إسحاق الطيبي، ثنا إبراهيم بن الحسين الهمداني، ثنا آدم بن أبي أياس، ثنا ضمرة بن ربيعة، عن سفيان الثوري في قوله : ﴿فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ﴾ [البقرة:٢٨٤]. قال: يغفر لمن يشاء العظيم، ويعذب من يشاء على الصغير. وروي عن ابن عباس الفرق بين الصغائر والكبائر ويروى عنه أنه لم يفرق بينهما ٢٩٠ - أخبرنا أبو زكريا بن أبي إسحاق المزكي، ثنا أبو الحسن

стр. 261

الطرائفي، ثنا عثمان بن سعيد الدارمي، ثنا عبد الله بن صالح عن معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة. عن ابن عباس في قوله: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ [النساء:٣١]. قال: الكبائر كل ذنب ختمه الله بنار أو غضب أو عذاب أو لعنة. ٢٩١ - وبهذا الإسناد عن ابن عباس قال: أكبر الكبائر الشرك بالله لأنّ الله يقول: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ﴾ [المائدة:٧٢]. واليأس من روح الله لأنّ الله يقول: ﴿لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكافِرُونَ﴾ [يوسف:٨٧]. والأمن من مكر الله لأنّ الله يقول: ﴿فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ﴾ [الأعراف:٩٩]. ومنها عقوق الوالدين لأنّ الله تعالى جعل العاقّ جبّارا شقيا عصيا. وقتل النفس التي حرم الله بغير حق لأنّ الله سبحانه يقول: ﴿فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ [النساء:٩٢]. وقذف المحصنات لأنّ الله يقول: ﴿لُعِنُوا فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور:٢٣]. وأكل مال اليتيم لأنّ الله يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً﴾ [النساء:١٠]. والفرار من الزحف لأن الله تعالى يقول: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاّ مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ﴾ [الأنفال:١٦].

стр. 262

ومنها أكل الربا لأنّ الله يقول: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلاّ كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة:٢٧٥]. والسحر لأنّ الله يقول: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ﴾ [البقرة:١٠٢]. والزنا لأنّ الله يقول: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهاناً﴾ [الفرقان:٦٩]. واليمين الغموس الفاجرة لأنّ الله تعالى يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً أُولئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾ [آل عمران:٧٧]. والغلول لأنّ الله يقول: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ [آل عمران:١٦١]. ومنع الزكاة المفروضة لأنّ الله يقول: ﴿فَتُكْوى بِها جِباهُهُمْ﴾ [التوبة:٣٥]. وشهادة الزور وكتمان الشهادة فإن الله يقول: ﴿وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة:٢٨٣]. وشرب الخمر لأنّ الله عدل بها الأوثان، وترك الصلاة متعمدا، أو أشياء مما فرض الله تعالى لأنّ رسول الله ﷺ قال: «ومن ترك الصلاة متعمّدا فقد برئ من ذمّة الله ورسوله». ونقض العهد، وقطيعة الرحم لأنّ الله تعالى يقول: ﴿لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدّارِ﴾ [الرعد:٢٥]. قال البيهقي ﵀: وأما ترك الفرق بينهما ففيما:

стр. 263

٢٩٢ - أخبرنا أبو نصر بن قتادة، أنبأ أبو عمرو بن نجيد، أنا أبو مسلم الكجي، أنا عبد الرحمن بن حماد الشعيثي، ثنا ابن عون، عن محمد، عن ابن عباس قال: كل ما نهى الله عنه كبيرة. هكذا قال: وكذا قال يحيى بن عتيق وهشام، عن محمد بن سيرين، عن ابن عباس. ٢٩٣ - أخبرنا أبو الحسين بن بشران، أنا إسماعيل بن محمد الصفّار، ثنا أحمد بن منصور، ثنا عبد الرزاق، أنا معمر، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن عبيدة قال: كلّ ما عصي الله به فهو كبيرة. وقد ذكر الطرفة فقال تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ﴾ [النور:٣٠]. ٢٩٤ - وبإسناده ثنا معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه قال: قيل لابن عباس: الكبائر سبع قال: هي إلى السبعين أقرب. قال البيهقي ﵀ فيحتمل أن يكون هذا في تعظيم حرمات الله والترهيب عن ارتكابها، فأما الفرق بين الصغائر والكبائر فلا بدّ منه في أحكام الدنيا والآخرة على ما جاء به الكتاب والسنة. فصل «في أصحاب الكبائر من أهل القبلة إذا وافوا القيامة بلا توبة قدموها» قال أصحابنا ﵃ أمرهم إلى الله-تعالى جده-فإن شاء عفا عنهم مبتديا وإن شاء شفّع فيهم نبيهم ﷺ ، وإن شاء أمر بإدخالهم النار فكانوا

стр. 264

معذّبين مدة ثم أمر بإخراجهم منها إلى الجنة، إما بشفاعة وإمّا بغير شفاعة، ولا يخلّد في النار إلا الكفار، واستدلّوا بقول الله : ﴿بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ [البقرة:٨١]. وأخبر أن التخليد في النار إنّما هو لمن أحاطت به خطيئته والمؤمن صاحب الكبيرة أو الكبائر لم تحط به خطيئته، لأنّ رأس الخطايا هو الكفر، وهو غير موجود منه، فصحّ أنّه لا يخلّد في النار. فإن قيل هذا معارض بقوله : ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ [البقرة:٨٢]. فوعد الجنة من جمع بين أصل الإيمان وفروعه. وصاحب الكبيرة أو الكبائر تارك الصالحات فصحّ أنّ وعد الجنة ليس له. قيل له: المتعاطي لها إذا تاب منها ووافى القيامة تائبا تاركا للصالحات غير جامع بين الإيمان وفروعه، ومع ذلك فإنه يدخل الجنّة، وتوبته لا تقوم مقام ما ترك من الصالحات، لأنّه كان عليه أن يكون نازعا عن الشرّ أبدا. فإذا أقدم عليه وقتا، ثم نزع عنه وقتا، كان بذلك الفرد مبعضا وبعض الفرض لا يجوز أن يكون بدلا عن جميعه، وإذا جاز أن يمنّ الله تعالى على التائب فيكفّر بتوبته خطاياه، لم لا يجوز أن يمنّ على المصرّ فيكفّر بإيمانه الذي هو أحسن الحسنات خطاياه؟ ويكفّر بصلواته وما يأتي به الحسنات ما فرط منه مدّة من سيئاته؟ كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ﴾ [هود:١١٤]. ذلك وإنما افترقا في أنّ التائب مغفور له من غير تعذيب، والمصرّ قد يعذّب بذنبه مدة، ثم يدخل الجنة، لأنّ خبر الصادق بذلك ورد. واستدل أصحابنا بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ﴾ [النساء: ٤٨ و ١١٦].

стр. 265

ولا يجوز أن يفرض في خبر الله خلف وبذلك وردت السنة أيضا عن النبي ﷺ . ٢٩٥ - أخبرنا أبو طاهر الفقيه، أنا أبو حامد بن بلال، ثنا يحيى بن الربيع المكي، ثنا سفيان، عن الزهري، عن أبي إدريس، عن عبادة بن الصامت أنّ رسول الله ﷺ قال لهم في بيعة النساء: «تبايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئا ولا تسرقوا ولا تزنوا-يعني الآية كلّها-فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب فهو كفارته، ومن أصاب من ذلك شيئا فستره الله عليه فهو إلى الله إن شاء غفر له وإن شاء عذّبه». أخرجاه في الصحيح من حديث سفيان بن عيينة. قال البيهقي ﵀: قوله «في بيعة النساء» أراد كما في بيعة النساء وهو قوله : ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا جاءَكَ الْمُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ عَلى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللهِ شَيْئاً وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾ [الممتحنة:١٢]. وقوله: «من أصاب من ذلك شيئا فستره الله عليه» أراد به ما خلا الشرك كما أراد بقوله: «فعوقب به» ما خلا الشرك، فجعل الحدّ كفارة لما أصاب من الذنب بعد الشرك، وجعل ما لم يحدّ فيه موكولا إلى مشيئة الله ، إن شاء غفر له، وإن شاء عذّبه. ثم التعذيب لا يكون مؤبدا لدليل أخبار الشفاعة وما ورد في معناها من كتاب الله . فإن قيل: المعنى أنه يغفر الصغائر لمجتنب الكبائر، ولا يغفرها لمن لا يجتنب الكبائر كما قال في آية أخرى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً﴾ [النساء:٣١].

стр. 266

قيل: المراد بالكبائر التي شرط في المغفرة اجتنابها هي الشرك فهي في هذه الآية مطلقة، وتكفير السيئات بها مطلقة، وهما في الآية التي احتججنا بها في الموضعين مقيدتان فوجب الجمع بينهما وحمل المطلق على المقيد. فإن قيل قد توعّد أصحاب الكبائر بالنار والخلود فيها، ولم يستثن منهم إلا التائبين فقال: ﴿وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاّ بِالْحَقِّ﴾ إلى أن قال: ﴿إِلاّ مَنْ تابَ﴾ [الفرقان:٦٨ - ٧٠]. قيل: هذا الوعيد ينصرف إلى جميع ما تقدم ذكره فإن الله جلّ ثناؤه افتتح هذه الآية بذكر الشرك فقال: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ﴾ [الفرقان:٦٨]. فانصرف قوله: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ﴾ إلى جميع ما تقدم ذكره ومن جمع بين هذه الكبائر هذا الوعيد. والذي يدل على هذا أنّه قال: ﴿يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ﴾ وإنّما أراد-والله أعلم-أنّ من جمع بين الشرك وغيره من الكبائر، جمع عليه مع عذاب الشرك عذاب الكبائر فيصير العذاب مضاعفا عليه ثم قال: ﴿إِلاّ مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صالِحاً﴾ فذكر في التوبة الإيمان والعمل الصالح وذلك ليحبط الإيمان كفره ويحبط إصلاحه في الإيمان ما تقدم من إفساده في الكفر كما روينا فيه عن النبي ﷺ . فإن قيل: وقد قال: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها﴾ [النساء:٩٣]. قيل: قد ذهب أهل التفسير إلى أنّ هذه الآية نزلت فيمن قتل، وارتدّ عن الإسلام، وذهب بعض أصحابنا إلى أنّ الآية مقصورة على سببها. ٢٩٦ - أخبرنا أبو عبد الرحمن بن محبوب الدّهان، ثنا الحسين بن

стр. 267

محمد بن هارون، ثنا أحمد بن محمد بن نصر، ثنا يوسف بن بلال، ثنا محمد بن مروان، حدثني الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس قال: أنّ مقيس بن ضبابة وجد أخاه هشام بن ضبابة مقتولا في بني النجار، وكان مسلما فأتى رسول الله ﷺ فذكر ذلك له، فأرسل إليهم رسول الله ﷺ رسولا من بني فهر وقال له: ائت بني النجار فأقرئهم منّي السّلام، وقل لهم: إنّ رسول الله ﷺ يأمركم إن علمتم قاتل هشام أن تدفعوه إلى أخيه فيقتصّ منه، وإن لم تعلموا له قاتلا أن تدفعوا إليه ديته». فأبلغهم الفهري ذلك عن النبي ﷺ فقالوا سمعا وطاعة لله ولرسوله. والله ما نعلم له قاتلا، ولكنا نؤدّي إليه ديته، قال: فأعطوه مائة من الإبل ثم انصرفا راجعين نحو المدينة، وبينهما وبين المدينة قريب فأتى الشيطان مقيس بن ضبابة فوسوس إليه فقال: أيّ شيء صنعت؟ تقبل دية أخيك فيكون عليك سبّة، أقتل الذي معك فيكون نفس مكان نفس، وفضل بالدية قال: فرمى إلى الفهري بصخرة، فشدخ رأسه ثم ركب بعيرا منها، وساق بقيتها راجعا مكة كافرا فجعل يقول في شعره. قتلت به فهرا وحمّلت عقله ... سراة بني النجار أرباب قارع وأدركت ثاري واضطجعت موسدا ... وكنت إلى الأوثان أول راجع قال فنزلت فيه هذه الآية: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ [النساء:٩٣] إلى آخر الآية. قال البيهقي ﵀: وجواب آخر وهو ما روينا عن أبي مجلز لا حق بن حميد وهو من كبار التابعين أنه قال في قوله: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ قال: هي جزاؤه فإن شاء الله أن يتجاوز عن جزائه فعل. ٢٩٧ - أخبرناه أبو علي الحسين بن محمد الروذباري، أنا محمد بن بكر،

стр. 268

ثنا أبو داود، حدثنا أحمد بن يونس، ثنا أبو شهاب، عن سليمان التيمي، عن أبي مجلز، لا حق بن حميد فذكره. وقد روي هذا عن النبي ﷺ ولم يثبت إسناده. قال البيهقي ﵀ وبلغني عن أبي سليمان الخطابي البستي ﵀ أنه قال: القرآن كله بمنزلة الكلمة الواحدة وما تقدم نزوله وما تأخر في وجوب العمل به سواء ما لم يقع بين الأول والآخر منافاة ولو جمع بين قوله: ﴿وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ﴾ وبين قوله: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها﴾ [النساء:١٩٣]. وألحق به قوله: ﴿لِمَنْ يَشاءُ﴾ لم يكن متناقضا، فشرط المشيئة قائم في الذنوب كلّها ما عدا الشرك. وأيضا فإن قوله: ﴿فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ يحتمل أن يكون معناه ﴿فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ إن جازاه الله ولم يعف عنه. فالآية الأولى خبر لا يقع فيه الخلف والآية الأخرى وعد يرجى فيه العفو. والله أعلم. ٢٩٨ - أخبرنا أبو سعد الماليني، أنا أبو أحمد بن عدي الحافظ، قال: سمعت عمر بن محمد الوكيل يقول: حدثني معاذ بن المثنى، ثنا سوار بن عبد الله، ثنا الأصمعي، قال: جاء عمرو بن عبيد إلى أبي عمرو بن أبي العلاء فقال له: يا أبا عمرو! الله يخلف وعده؟ قال: لن يخلف الله وعده، قال عمرو: فقد قال: قال أين؟ فذكر آية وعيد لم يحفظها عمرو فقال أبو عمرو: من العجمة أتيت، الوعد غير الإيعاد، ثم أنشد أبو عمرو: وإنّي وإن أوعدته أو وعدته ... سأخلف إيعادي وأنجز موعدي قال البيهقي ﵀ فإن قيل: فقد قال الله سبحانه: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ ناراً خالِداً فِيها﴾ [النساء: ١٤]. قيل هكذا نقول الحدود اسم جمع وإنما يصير متعديا لحدود الله تعالى اجمع بترك الإيمان وتارك الإيمان يخلد في النار.

стр. 269

فإن قيل: قد قال: ﴿وَإِنَّ الْفُجّارَ لَفِي جَحِيمٍ يَصْلَوْنَها يَوْمَ الدِّينِ وَما هُمْ عَنْها بِغائِبِينَ﴾ [الانفطار:١٤ - ١٦]. قيل: وقد قال: ﴿إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾ [الانفطار:١٣]. والفاسق المؤمن برّ بإيمانه، فإن قيل ليس برّا مطلقا. قيل: وكذلك ليس بفاجر مطلقا. فإن قيل: فجوره أحبط إيمانه. قيل: ليس الفصل بين هذا القول وبين من يقول من المرجئة انّ إيمانه أحبط فجوره، فدلّ أنّه أراد بالفجّار الذين قابل بينهم وبين الأبرار الكفّار، لأنّ رأس البرّ الإيمان، وكذلك رأس الفجور الكفر، والذي يدل على صحة ما ذهبنا إليه قوله الله : ﴿إِنّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً﴾ [الكهف:٣٠]. وقوله: ﴿لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ﴾ [آل عمران:١٩٥]. وقوله: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً﴾ [النساء:٤٠]. وقوله: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ﴾ [الزلزلة:٧]. وقوله: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً﴾ [آل عمران: ٣٠]. وقوله: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [الحديد:٧]. وقوله: ﴿وَعَدَ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنّاتٍ﴾ [التوبة:٧٢]. وقوله: ﴿هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلاَّ الْإِحْسانُ﴾ [الرحمن:٦٠]. فهذه الآيات وما ورد منها في معناها كلها تدلّ على أن الله تعالى لا يضيع

стр. 270

أجر من أحسن عملا، وأحسن الأعمال الإيمان بالله وبرسوله. ومن قال: بتخليد المؤمن في النار كان قد أضاع أجر عمله، ولم يجعل له عوضا. ولأنا وجدنا الله وعد على الطاعات ثوابا، وعلى المعاصي عقابا فليس لأحد أن يقول يرى ما عمل من المعاصي دون ما عمل من الطاعات، وقد عملهما جميعا إلاّ ولآخر أن يعكس ذلك فلا يجد القائل بذلك فضلا ولأنّا قد أجمعنا على حصول طاعاته، واختلفنا في زوال حكمها فلا يرفع حكم ما تيقنّاه من حصول الطاعات بمعصية لا تنفيها ولا تضادها. واحتجوا في إبطال الشفاعة بقوله : ﴿ما لِلظّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطاعُ﴾ [غافر:١٨]. فالظالمون ها هنا هم الكافرون، ويشهد لذلك مفتتح الآية إذ هي في ذكر الكافرين فإن احتجوا بقوله: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلاّ لِمَنِ ارْتَضى﴾ [الأنبياء:٢٨]. قيل: هذا دليلنا لأنّ الفاسق مرتضى بإيمانه قال الله : ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا﴾ [فاطر:٣٢]. واصطفينا وارتضينا واحد في اللسان ثم قال: ﴿فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ أي من المصطفين ظالم لنفسه، والظلم هو الفسق فأخبر أنّ فيهم ظالما، وقال في قصّة يونس: ﴿إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٨٧]. وقد روينا من أوجه عن النبي ﷺ في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا﴾ قال: كلهم في الجنة وهو في الجزء السابع من كتاب البعث مذكور بشواهده. وقيل معناه: ﴿إِلاّ مَنِ ارْتَضى﴾ أن يشفعوا له كما قال: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاّ بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة:٢٥٥]. قال الحليمي ﵀: ولا تحتمل الآية غير ذلك لأنّ المرتضين عند الله لا يحتاجون إلى شفاعة ملك ولا نبي، فصحّ أنّ المعنى ما قلناه. ولا يجوز أن يقال إن الله لا يرتضي أن يشفع لصاحب الكبيرة لأنّ المذنب الذي يحتاج إلى الشفاعة، فكلّما كان ذنبه أكبر، كان إلى الشفاعة أحوج، فكيف

стр. 271

يجوز أن يكون اشتداد حاجته إلى الشفاعة حائلا بينه وبين الشفاعة؟ وليس امتناع الشفاعة للكافرين لأنّ ذنبه كبير ولكنه بجحده الباري المشفوع إليه، أو الرسول الشافع له، أو لأنّ الله تعالى أخبر أنّه لا يشفع فيه أحدا. وهذه المعاني كلها معدومة في صاحب الكبيرة من أهل القبلة. وقوله: ﴿يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً﴾ [الانفطار:١٩]. لا يدفع الشفاعة لأنّ المراد بالملك الدفع بالقوة، وإنما الشفاعة تذلّل من الشافع للمشفوع عنده وإقامة الشفيع بذلك من المشفوع له، فلا يوم أليق به وأشبه بأحواله بيوم الدين. وقد ورد عن سيدنا المصطفى ﷺ في إثبات الشفاعة وإخراج قوم من أهل التوحيد من النار، وإدخالهم في الجنة أخبار صحيحة قد صارت من الاستفاضة والشهرة بحيث قاربت الأخبار المتواترة، وكذلك في مغفرة الله ﵎ جماعة من أهل الكبائر دون الشرك من غير تعذيب فضلا منه ورحمة والله واسع كريم. قال البيهقي ﵀: وقد ذكرنا هذه الأخبار في كتاب «البعث والنشور» ونحن نشير ها هنا إلى طرف منها قال لمحمد ﷺ : ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً﴾ [الإسراء:٧٩]. وروينا في الحديث الثابت عن يزيد الفقير عن جابر بن عبد الله ما دلّ على أنّ ذلك في الشفاعة وكذلك عن حذيفة بن اليمان وابن عمر وغيرهم. ٢٩٩ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو العباس ثنا العباس الدوري، ثنا محمد بن عبيد، ثنا داود-ح. وحدثنا أبو عبد الرحمن السلمي، ثنا جدي أبو عمرو، أنا محمد بن موسى الحلواني، ثنا عمرو بن علي، ثنا وكيع بن الجراح، ثنا داود الزعافري، عن أبيه، عن أبي هريرة أنّ رسول الله ﷺ قال: «المقام المحمود الشفاعة».
следующие страницы →