محمد بن هارون، ثنا أحمد بن محمد بن نصر، ثنا يوسف بن بلال، ثنا محمد بن مروان، حدثني الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس قال: أنّ مقيس بن ضبابة وجد أخاه هشام بن ضبابة مقتولا في بني النجار، وكان مسلما فأتى رسول الله ﷺ فذكر ذلك له، فأرسل إليهم رسول الله ﷺ رسولا من بني فهر وقال له:
ائت بني النجار فأقرئهم منّي السّلام، وقل لهم: إنّ رسول الله ﷺ يأمركم إن علمتم قاتل هشام أن تدفعوه إلى أخيه فيقتصّ منه، وإن لم تعلموا له قاتلا أن تدفعوا إليه ديته».
فأبلغهم الفهري ذلك عن النبي ﷺ فقالوا سمعا وطاعة لله ولرسوله. والله ما نعلم له قاتلا، ولكنا نؤدّي إليه ديته، قال: فأعطوه مائة من الإبل ثم انصرفا راجعين نحو المدينة، وبينهما وبين المدينة قريب فأتى الشيطان مقيس بن ضبابة فوسوس إليه فقال: أيّ شيء صنعت؟ تقبل دية أخيك فيكون عليك سبّة، أقتل الذي معك فيكون نفس مكان نفس، وفضل بالدية قال: فرمى إلى الفهري بصخرة، فشدخ رأسه ثم ركب بعيرا منها، وساق بقيتها راجعا مكة كافرا فجعل يقول في شعره.
قتلت به فهرا وحمّلت عقله ... سراة بني النجار أرباب قارع
وأدركت ثاري واضطجعت موسدا ... وكنت إلى الأوثان أول راجع
قال فنزلت فيه هذه الآية:
﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ [النساء:٩٣] إلى آخر الآية.
قال البيهقي ﵀: وجواب آخر وهو ما روينا عن أبي مجلز لا حق بن حميد وهو من كبار التابعين أنه قال في قوله:
﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾
قال: هي جزاؤه فإن شاء الله أن يتجاوز عن جزائه فعل.
٢٩٧ - أخبرناه أبو علي الحسين بن محمد الروذباري، أنا محمد بن بكر،
стр. 268
ثنا أبو داود، حدثنا أحمد بن يونس، ثنا أبو شهاب، عن سليمان التيمي، عن أبي مجلز، لا حق بن حميد فذكره.
وقد روي هذا عن النبي ﷺ ولم يثبت إسناده.
قال البيهقي ﵀ وبلغني عن أبي سليمان الخطابي البستي ﵀ أنه قال: القرآن كله بمنزلة الكلمة الواحدة وما تقدم نزوله وما تأخر في وجوب العمل به سواء ما لم يقع بين الأول والآخر منافاة ولو جمع بين قوله: ﴿وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ﴾ وبين قوله: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها﴾ [النساء:١٩٣]. وألحق به قوله: ﴿لِمَنْ يَشاءُ﴾ لم يكن متناقضا، فشرط المشيئة قائم في الذنوب كلّها ما عدا الشرك.
وأيضا فإن قوله: ﴿فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ يحتمل أن يكون معناه ﴿فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ إن جازاه الله ولم يعف عنه. فالآية الأولى خبر لا يقع فيه الخلف والآية الأخرى وعد يرجى فيه العفو. والله أعلم.
٢٩٨ - أخبرنا أبو سعد الماليني، أنا أبو أحمد بن عدي الحافظ، قال:
سمعت عمر بن محمد الوكيل يقول: حدثني معاذ بن المثنى، ثنا سوار بن عبد الله، ثنا الأصمعي، قال: جاء عمرو بن عبيد إلى أبي عمرو بن أبي العلاء فقال له:
يا أبا عمرو! الله يخلف وعده؟ قال: لن يخلف الله وعده، قال عمرو:
فقد قال: قال أين؟ فذكر آية وعيد لم يحفظها عمرو فقال أبو عمرو: من العجمة أتيت، الوعد غير الإيعاد، ثم أنشد أبو عمرو:
وإنّي وإن أوعدته أو وعدته ... سأخلف إيعادي وأنجز موعدي
قال البيهقي ﵀ فإن قيل: فقد قال الله سبحانه:
﴿وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ ناراً خالِداً فِيها﴾ [النساء:
١٤].
قيل هكذا نقول الحدود اسم جمع وإنما يصير متعديا لحدود الله تعالى اجمع بترك الإيمان وتارك الإيمان يخلد في النار.
стр. 269
فإن قيل: قد قال:
﴿وَإِنَّ الْفُجّارَ لَفِي جَحِيمٍ يَصْلَوْنَها يَوْمَ الدِّينِ وَما هُمْ عَنْها بِغائِبِينَ﴾ [الانفطار:١٤ - ١٦].
قيل: وقد قال:
﴿إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾ [الانفطار:١٣].
والفاسق المؤمن برّ بإيمانه،
فإن قيل ليس برّا مطلقا.
قيل: وكذلك ليس بفاجر مطلقا.
فإن قيل: فجوره أحبط إيمانه.
قيل: ليس الفصل بين هذا القول وبين من يقول من المرجئة انّ إيمانه أحبط فجوره، فدلّ أنّه أراد بالفجّار الذين قابل بينهم وبين الأبرار الكفّار، لأنّ رأس البرّ الإيمان، وكذلك رأس الفجور الكفر، والذي يدل على صحة ما ذهبنا إليه قوله الله :
﴿إِنّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً﴾ [الكهف:٣٠].
وقوله: ﴿لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ﴾ [آل عمران:١٩٥].
وقوله: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً﴾ [النساء:٤٠].
وقوله: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ﴾ [الزلزلة:٧].
وقوله: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً﴾ [آل عمران:
٣٠].
وقوله: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [الحديد:٧].
وقوله: ﴿وَعَدَ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنّاتٍ﴾ [التوبة:٧٢].
وقوله: ﴿هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلاَّ الْإِحْسانُ﴾ [الرحمن:٦٠].
فهذه الآيات وما ورد منها في معناها كلها تدلّ على أن الله تعالى لا يضيع
стр. 270
أجر من أحسن عملا، وأحسن الأعمال الإيمان بالله وبرسوله.
ومن قال: بتخليد المؤمن في النار كان قد أضاع أجر عمله، ولم يجعل له عوضا. ولأنا وجدنا الله وعد على الطاعات ثوابا، وعلى المعاصي عقابا فليس لأحد أن يقول يرى ما عمل من المعاصي دون ما عمل من الطاعات، وقد عملهما جميعا إلاّ ولآخر أن يعكس ذلك فلا يجد القائل بذلك فضلا ولأنّا قد أجمعنا على حصول طاعاته، واختلفنا في زوال حكمها فلا يرفع حكم ما تيقنّاه من حصول الطاعات بمعصية لا تنفيها ولا تضادها.
واحتجوا في إبطال الشفاعة بقوله :
﴿ما لِلظّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطاعُ﴾ [غافر:١٨].
فالظالمون ها هنا هم الكافرون، ويشهد لذلك مفتتح الآية إذ هي في ذكر الكافرين فإن احتجوا بقوله: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلاّ لِمَنِ ارْتَضى﴾ [الأنبياء:٢٨].
قيل: هذا دليلنا لأنّ الفاسق مرتضى بإيمانه قال الله :
﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا﴾ [فاطر:٣٢].
واصطفينا وارتضينا واحد في اللسان ثم قال: ﴿فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ أي من المصطفين ظالم لنفسه، والظلم هو الفسق فأخبر أنّ فيهم ظالما، وقال في قصّة يونس: ﴿إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٨٧].
وقد روينا من أوجه عن النبي ﷺ في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا﴾ قال: كلهم في الجنة وهو في الجزء السابع من كتاب البعث مذكور بشواهده.
وقيل معناه: ﴿إِلاّ مَنِ ارْتَضى﴾ أن يشفعوا له كما قال: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاّ بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة:٢٥٥].
قال الحليمي ﵀: ولا تحتمل الآية غير ذلك لأنّ المرتضين عند الله لا يحتاجون إلى شفاعة ملك ولا نبي، فصحّ أنّ المعنى ما قلناه. ولا يجوز أن يقال إن الله لا يرتضي أن يشفع لصاحب الكبيرة لأنّ المذنب الذي يحتاج إلى الشفاعة، فكلّما كان ذنبه أكبر، كان إلى الشفاعة أحوج، فكيف
стр. 271
يجوز أن يكون اشتداد حاجته إلى الشفاعة حائلا بينه وبين الشفاعة؟ وليس امتناع الشفاعة للكافرين لأنّ ذنبه كبير ولكنه بجحده الباري المشفوع إليه، أو الرسول الشافع له، أو لأنّ الله تعالى أخبر أنّه لا يشفع فيه أحدا. وهذه المعاني كلها معدومة في صاحب الكبيرة من أهل القبلة.
وقوله: ﴿يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً﴾ [الانفطار:١٩]. لا يدفع الشفاعة لأنّ المراد بالملك الدفع بالقوة، وإنما الشفاعة تذلّل من الشافع للمشفوع عنده وإقامة الشفيع بذلك من المشفوع له، فلا يوم أليق به وأشبه بأحواله بيوم الدين.
وقد ورد عن سيدنا المصطفى ﷺ في إثبات الشفاعة وإخراج قوم من أهل التوحيد من النار، وإدخالهم في الجنة أخبار صحيحة قد صارت من الاستفاضة والشهرة بحيث قاربت الأخبار المتواترة، وكذلك في مغفرة الله ﵎ جماعة من أهل الكبائر دون الشرك من غير تعذيب فضلا منه ورحمة والله واسع كريم.
قال البيهقي ﵀: وقد ذكرنا هذه الأخبار في كتاب «البعث والنشور» ونحن نشير ها هنا إلى طرف منها قال لمحمد ﷺ : ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً﴾ [الإسراء:٧٩].
وروينا في الحديث الثابت عن يزيد الفقير عن جابر بن عبد الله ما دلّ على أنّ ذلك في الشفاعة وكذلك عن حذيفة بن اليمان وابن عمر وغيرهم.
٢٩٩ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو العباس ثنا العباس الدوري، ثنا محمد بن عبيد، ثنا داود-ح.
وحدثنا أبو عبد الرحمن السلمي، ثنا جدي أبو عمرو، أنا محمد بن موسى الحلواني، ثنا عمرو بن علي، ثنا وكيع بن الجراح، ثنا داود الزعافري، عن أبيه، عن أبي هريرة أنّ رسول الله ﷺ قال:
«المقام المحمود الشفاعة».
стр. 272
وفي رواية محمد بن عبيد عن النبي ﷺ في قوله: ﴿عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً﴾ قال: هو المقام الذي يشفع فيه لأمّته.
٣٠٠ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو بكر محمد بن داود بن سليمان، ثنا عبد الله بن أحمد الأهوازي، ثنا أبو بكر بن أبي شيبة في المسند، ثنا وكيع، عن إدريس الأودي، عن أبيه، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ :
﴿عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً﴾ قال الشفاعة.
٣٠١ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: سمعت أبا بكر بن داود، قال:
سمعت عبدان يقول: هذه ممّا أنكروا علينا.
٣٠٢ - حدثنا أبو بكر في كتاب التفسير، ثنا وكيع، عن داود الزعافري، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ :
﴿عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً﴾ قال الشفاعة.
قال البيهقي ﵀: إنما أنكروا عليه في الرواية الأولى لتفرده بها وأن سائر الناس رووه عن وكيع عن داود.
٣٠٣ - أخبرنا علي بن أحمد بن عبدان، ثنا أحمد بن عبيد الصفّار، ثنا الكديمي، ثنا محمد بن خالد بن عثمة، ثنا إبراهيم بن سعد، عن صالح بن كيسان، عن الزهري، عن علي بن الحسين قال: حدثني رجل من أصحاب النبي ﷺ أنه سمع النبي ﷺ يقول:
«تمدّ الأرض يوم القيامة لعظمة الرحمن جلّ ثناؤه، ولا يكون فيها لأحد إلاّ موضع قدمه، فأكون أوّل من يدعى، فأجد جبريل ﵇ قائما عن يمين الرّحمن، لا والّذي نفسي بيده ما رأى الله قبلها. قال: فأقول يا ربّ إنّ هذا جاءني فزعم انّك أرسلته إليّ. قال: وجبريل ساكت قال: فيقول :
صدق، أنا أرسلته إليك. حاجتك؟ فأقول يا ربّ إنّي تركت عبادا من عبادك قد عبدوك في أطراف البلاد، وذكروك في شعب الآكام، ينتظرون جواب ما أجيء به
стр. 273
من عندك، فيقول أما إنّي لا أخزيك فيهم. قال رسول الله ﷺ : فهذا المقام المحمود الّذي قال الله : ﴿عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً» [الإسراء:٧٩].
رواه جماعة عن إبراهيم بن سعد.
قال البيهقي ﵀: وتمامه في سائر الروايات الّتي وردت في الشفاعة وقال الله ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى﴾. [الضحى:٥].
وروينا من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أنّ النّبي ﷺ تلا قول الله في إبراهيم:
﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ [إبراهيم:٣٦].
وقال عيسى ابن مريم: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ﴾ [المائدة:١١٨] الآية. فرفع يديه وقال اللهم أمّتي أمّتي وبكى. قال الله : يا جبريل اذهب إلى محمد، وربك أعلم فسله ما يبكيك؟ فأتاه جبريل فسأله فأخبره رسول الله ﷺ بما قال: وهو أعلم فقال الله ﵎: يا جبريل اذهب إلى محمد فقل إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوءك.
٣٠٤ - أخبرناه محمد بن عبد الله الحافظ. أخبرني أبو محمد بن زياد العدل، ثنا محمد بن إسحاق، ثنا يونس بن عبد الأعلى، أنبا ابن وهب، حدثني عمرو بن الحارث أن بكر بن سوادة حدّثه عن عبد الرحمن بن جبير عن عبد الله بن عمرو فذكره.
رواه مسلم في الصحيح عن يونس.
قال البيهقي ﵀: وروينا عن يزيد الفقير، عن جابر بن عبد الله أنّ النبي ﷺ قال: «أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي فذكرهنّ وقال فيهنّ:
وأعطيت الشفاعة».
٣٠٥ - أخبرناه أبو حازم الحافظ، أنا أبو عمرو بن مطر، أنا إبراهيم بن
стр. 274
علي، أنا يحيى بن يحيى، أنا هشيم، عن سيّار عن يزيد الفقير فذكره، وهو مخرّج في الصحيحين.
٣٠٦ - أخبرنا عبد الله بن يوسف الأصبهاني، أنا أبو سعيد بن الأعرابي، قال: حدثنا الحسن بن محمد الزعفراني، ثنا روح بن عبادة، ثنا شعبة، عن قتادة، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ :
«إنّ لكلّ نبي دعوة قد دعا بها في أمّته وإنّي اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي».
رواه مسلم في الصحيح عن زهير وغيره عن روح.
وأخرجاه من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ .
وأخرجه مسلم أيضا من حديث جابر عن النبي ﷺ .
ورواه أيضا عبد الرحمن بن أبي عقيل عن النبي ﷺ .
وأخرج مسلم حديث أبي بن كعب في قصة القراءة.
قال البيهقي ﵀: وقول النبي ﷺ اللهم اغفر لأمّتي اللهم اغفر لأمّتي وتأخير الدعوة الثالثة إلى يوم يرغب إليه فيه الخلق حتّى إبراهيم ﵇.
٣٠٧ - أخبرنا أبو محمد بن يوسف، أنا أبو سعيد بن الأعرابي، ثنا الزعفراني، ثنا عفان بن مسلم، ثنا عبد الواحد بن زياد، ثنا المختار بن فلفل، ثنا أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ :
«أنا أكثر الأنبياء يوم القيامة تبعا، يجيء النّبي وليس معه مصدّق غير رجل واحد، وأنا أول شافع وأوّل مشفّع».
أخرجه مسلم من وجه آخر عن المختار.
قال البيهقي ﵀: وقد روينا في معناه عن جابر بن عبد الله، وعبد الله بن سلام، وأبيّ بن كعب، وأبي هريرة عن النبي ﷺ .
стр. 275
وهذا لأن النبي ﷺ يختصّ يوم القيامة بالشفاعة لأهل الجمع حتى يريحهم الله من مكانهم الذي أقيموا فيه، ثم يشارك غيره من الأنبياء والملائكة والصديقين في الشفاعة لآحاد المسلمين وقد قيل إنّه يكون مخصوصا أيضا من بينهم بالشفاعة لأهل الكبائر من أهل التوحيد.
٣٠٨ - أخبرنا الأستاذ أبو بكر بن فورك، أنا عبد الله بن جعفر الأصبهاني، ثنا يونس بن حبيب، ثنا أبو داود، ثنا هشام، عن قتادة، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ :
«يجمع المؤمنون يوم القيامة فيهتمّون، فيقولون لو استشفعنا إلى ربّنا حتى يريحنا من مكاننا هذا فيأتون آدم ﵇ فيقولون يا آدم أنت أبو الناس خلقك الله بيده وأسجد لك ملائكته، وعلّمك أسماء كلّ شيء، اشفع لنا إلى ربنا حتى يريحنا من مكاننا هذا فيقول إنّي لست هناكم ويذكر لهم خطيئته التي أصاب ولكن ائتوا نوحا ﵇ أول رسول بعثه الله فيأتون نوحا ﵇ فيقول لست هناكم، ويذكر خطيئته التي أصاب، ولكن ائتوا إبراهيم ﵇ خليل الرحمن، فيأتون إبراهيم ﵇ فيقول لست هناكم ويذكر لهم خطاياه، ولكن ائتوا موسى ﵇ عبدا آتاه الله التوراة وكلّمه تكليما فيأتون موسى ﵇ فيقول إنّي لست هناكم ويذكر لهم خطيئته التي أصاب، ولكن ائتوا عيسى عبد الله ورسوله وكلمة الله وروحه فيأتون عيسى ﵇ فيقول لست هناكم ولكن ائتوا محمدا ﵇ عبدا غفر الله له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر فيأتوني فأنطلق، فأستأذن على ربّي فيؤذن لي عليه، فإذا رأيت ربّي وقعت ساجدا فيدعني ما شاء الله أن يدعني ثم يقال ارفع محمد وقل يسمع وسل تعطه واشفع تشفّع فأحمد ربّي بمحامد يعلّمنيه ثم اشفع فيحدّ لي حدّا فأدخلهم الجنة ثم أرجع فإذا رأيت ربّي ﵎ وقعت له ساجدا فيدعني ما شاء الله أن يدعني ثمّ يقال ارفع محمد وقل يسمع وسل تعطه واشفع تشفع فأحمد ربّي بمحامد يعلمنيه ثم اشفع فيحدّ لي حدا فأدخلهم الجنّة ثم أرجع فإذا رأيت ربي وقعت له ساجدا فيدعني ما شاء الله أن يدعني ثم يقال:
стр. 276
ارفع محمد وقل تسمع وسل تعطه واشفع تشفّع فأحمد ربي بمحامد يعلمنيه ثم اشفع فيحد لي حدا فأدخلهم الجنة حتى أرجع فأقول يا ربّ ما بقي في النار إلاّ من حبسه القرآن أي وجب عليه الخلود».
رواه البخاري ومسلم من حديث هشام الدستوائي وغيره.
وفي حديث أبي عوانة عن قتادة «يجمع الله الناس يوم القيامة» وفي حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ في هذه القصة قال: يجمع الله يوم القيامة الأولين والآخرين في صعيد واحد فيسمعهم الداعي وينفذهم البصر وتدنو الشمس ويبلغ الناس من الغم والكرب ما لا يطيقون وما لا يحتملون ثم ذكر هذه القصة.
قال البيهقي ﵀: وهذا الحديث يجمع شفاعة النبي ﷺ لأهل الجمع حتى يريحهم من مكانهم الذي بلغوا فيه من الغم والكرب ما لا يطيقون من طول القيام في الشمس ثم شفاعته لأهل الذنوب من أمّته.
وفي رواية معبد بن هلال عن أنس بن مالك عن النبي ﷺ في هذه القصة ما دلّ على أنّ ذلك لأهل الكبائر من أمّته فإنّه قال في حديث: «فأقول ربي أمّتي أمّتي فيقال انطلق فمن كان في قلبه مثقال حبّة من برّة أو شعيرة من إيمان فأخرجه منها» وقال في المرّة الثانية: «مثقال حبّة خردل من إيمان» وفي المرة الثالثة:
«فمن كان في قلبه أدنى أدنى أدنى من مثقال حبة من خردل من إيمان فأخرجه من النار».
٣٠٩ - أخبرنا أبو الحسن علي بن محمد المقرئ، أنا الحسن بن محمد بن إسحاق، ثنا يوسف بن يعقوب، ثنا محمد بن أبي بكر، ثنا معتمر بن سليمان، عن أبيه، عن أنس قال:
يشفع محمد ﷺ حتّى يخرج من النار من كان في قلبه مثقال شعيرة من خير، ثم يشفع محمد ﷺ حتى يخرج من النار من كان في قلبه مثقال خردلة من خير. ثم يشفع محمد ﷺ حتى يخرج من النار من كان في قلبه أدنى من شطر خردلة من خير.
قال البيهقي ﵀: وفي كل ذلك دلالة على أنه يشفع لأهل الكبائر من أمّته.
стр. 277
٣١٠ - أخبرنا أبو طاهر الفقيه، أنا أبو طاهر المحمدآبادي، وأبو بكر القطان قالا حدثنا أحمد بن يوسف السلمي، ثنا عبد الرزاق ح.
وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنا أبو عبد الله محمد بن علي بن عبد الحميد الصنعاني بمكة، ثنا إسحاق بن إبراهيم بن عباد، أنا عبد الرزاق، أنا معمر، عن ثابت، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ :
«شفاعتي لأهل الكبائر من أمّتي».
وروي ذلك عن أشعث الحدّاني، ومالك بن دينار، وثابت، وقتادة، وزياد النميري، ويزيد الرقاشي عن أنس بن مالك.
٣١١ - حدثنا أبو الحسن محمد بن الحسين العلوي، أنا أبو حامد بن الشرقي، ثنا أحمد بن يوسف السلمي، ثنا أبو حفص عمرو بن أبي سلمة، ثنا زهير بن محمد، عن جعفر بن محمد عن أبيه، عن جابر قال: قال رسول الله:
«شفاعتي لأهل الكبائر من أمّتي».
قال البيهقي ﵀: وكذلك رواه الوليد بن مسلم عن زهير بن محمد وزاد أن رسول الله ﷺ تلا قوله تعالى: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلاّ لِمَنِ ارْتَضى﴾ [الأنبياء:٢٨]. فقال إنّ شفاعتي لأهل الكبائر من أمّتي.
٣١٢ - أخبرناه أبو عبد الله، ثنا أبو بكر محمد بن جعفر بن أحمد المزكي، ثنا محمد بن إبراهيم العبدي، ثنا يعقوب بن كعب الحلبي، قال:
حدثنا الوليد بن مسلم فذكره.
стр. 278
٣١٣ - وأخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحافظ، ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا أحمد بن عبد الجبار، ثنا أبو معاوية.
قال: وأخبرني أبو عمرو، ثنا عبد الله بن محمد، ثنا أبو كريب، ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ :
«لكل نبي دعوة مستجابة فتعجل كل نبي دعوته وإنّي اختبأت دعوتي شفاعة لأمّتي يوم القيامة فهي نائلة إن شاء الله تعالى من مات من أمّتي لا يشرك بالله شيئا».
رواه مسلم في الصحيح عن أبي كريب.
قال البيهقي ﵀: وكذلك رواه عمرو بن أبي سفيان عن أبي هريرة.
وبمعناه روى أبو ذر ومعاذ بن جبل وأبو موسى وعوف بن مالك وغيرهم عن النبي ﷺ .
٣١٤ - أخبرنا أبو الحسن علي بن أحمد بن عبدان، أنا أحمد بن عبيد الصفار، ثنا إسماعيل بن إسحاق، ثنا عارم بن الفضل، ثنا حماد بن زيد، عن عمرو بن دينار، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ :
«يخرج قوما من النار بالشفاعة فينبتون كأنهم الثعارير قال: قيل لعمرو وما الثعارير؟ قال: الضغابيس».
قال حماد وكان سقط فيه قال: حماد قلت لعمرو يا أبا محمد سمعت جابر بن عبد الله يقول إن الله : (يخرج قوما من النار بالشفاعة) قال:
نعم.
رواه البخاري في الصحيح عن عارم. ورواه مسلم عن أبي الربيع عن حماد.
ورواه أيضا عمران بن حصين وغيره عن النبي ﷺ ببعض معناه.
стр. 279
٣١٥ - وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، نا أبو أحمد بكر بن محمد الصيرفي، ثنا إسحاق بن الحسن الحربي، ثنا أبو نعيم الفضل بن دكين، ثنا أبو عاصم محمد بن أبي أيوب الثقفي، ثنا يزيد الفقير قال: كنت قد شغفني رأي من رأي الخوارج، وكنت رجلا شابّا فخرجنا في عصابة ذوي عدد، نريد الحجّ ثم نخرج على الناس فمررنا على المدينة. فإذا جابر بن عبد الله يحدث القوم عن رسول الله ﷺ جالسا إلى سارية وإذا قد ذكر الجهنميين فقلت له يا صاحب رسول الله ﷺ وما هذا الذي تحدثون؟ والله تعالى يقول:
﴿إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ [آل عمران:١٩٢].
و ﴿كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها أُعِيدُوا فِيها﴾ [السجدة:٢٠].
فما هذا الذي تقولون؟ فقال: أي بنّي تقرأ القرآن؟ فقلت نعم. فقال:
هل سمعت بمقام محمد ﷺ المحمود الذي يبعثه الله فيه؟ قلت: نعم. قال:
فإنه مقام محمد المحمود الذي يخرج الله به من يخرج من النار قال: ثم نعت وضع الصّراط، ومرّ الناس عليه فأخاف أن لا أكون حفظت ذلك غير أنه زعم أنّ قوما يخرجون من النار بعد أن يكونوا فيها قال: فيخرجون كأنهم عيدان السماسم فيدخلون نهرا من أنهار الجنة فيغتسلون فيه، قال: فيخرجون كأنهم القراطيس البيض قال: فرجعنا فقلنا ويحكم أترون هذا الشيخ يكذب على رسول الله ﷺ ؟ قال: فرجعنا فو الله ما خرج منّا رجل واحد.
رواه مسلم في الصحيح عن حجاج بن الشاعر عن الفضل بن دكين.
٣١٦ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنا أحمد بن سلمان الفقيه، ثنا محمد بن غالب، ثنا موسى بن إسماعيل، ثنا وهيب بن خالد، عن عمرو بن يحيى، عن أبيه، عن أبي سعيد أنّ رسول الله ﷺ قال:
«إذا دخل أهل الجنّة الجنّة وأهل النّار النّار يقول الله من كان في قلبه مثقال حبّة خردل من خير فأخرجوه فيخرجون قد امتحشوا وعادوا حمما، قال: فيلقون في نهر يقال له نهر الحياة قال فينبتون فيه كما الحبّة في حميل
стр. 280
السّيل فقال: رسول الله ﷺ ألا ترونها تنبت صفراء ملتوية».
رواه البخاري في الصحيح عن موسى بن إسماعيل.
وأخرجه مسلم من وجه آخر عن وهيب.
٣١٧ - أخبرنا الإمام أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحافظ، ثنا أبو بكر بن إسحاق، ثنا موسى يعني ابن إسحاق الأنصاري، ثنا عبد الله بن أبي شيبة، ثنا يونس بن محمد، ثنا شيبان، قال: قال قتادة سمعت أبا نضرة يحدث عن سمرة بن جندب أنه سمع رسول الله ﷺ يقول:
«إنّ منهم من تأخذه النار إلى كعبيه ومنهم من تأخذه إلى حجزته ومنهم من تأخذه إلى ترقوته».
رواه مسلم عن ابن أبي شيبة.
وفي رواية سعيد عن قتادة (ومنهم من تأخذه النّار إلى ركبتيه).
قال البيهقي ﵀: وروينا في الحديث الثابت عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ في حديث الرؤية والصراط ومرور المؤمنين عليه ثم قولهم:
«أي ربّنا اخواننا كانوا يصلّون معنا، ويصومون معنا، ويحجّون معنا، ويجاهدون معنا، قد أخذتهم النّار فيقول اذهبوا فمن عرفتم صورته فأخرجوه وتحرّم صورهم على النّار فيجدون الرّجل قد أخذته النّار إلى قدميه وإلى أنصاف ساقيه، وإلى ركبتيه وإلى حقويه، فيخرجون منها بشرا كثيرا ثمّ يعودون فيتكلّمون فيقول اذهبوا فمن وجدتم في قلبه مثقال قيراط خير فأخرجوه فيخرجون بشرا كثيرا ثم يعودون فيتكلمون فلا يزال يقول ذلك حتى يقول اذهبوا وأخرجوا من وجدتم في قلبه مثقال ذرّة فأخرجوه).
وكان أبو سعيد إذا حدّث بهذا الحديث يقول وإن لم تصدّقوني فاقرؤوا.
﴿إِنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها﴾ [النساء:٤٠].
(فيقولون: ربّنا لم نذر فيها خيرا فيقول هو: بقي أرحم الراحمين قال:
стр. 281
فيقول قد شفعت الملائكة، وشفع النبيّون، وشفع المؤمنون. فهل بقي إلاّ أرحم الرّاحمين؟ فيأخذ قبضة من النّار قال: فيخرج قوما قد عادوا حمما لم يعملوا لله عمل خير قطّ، فيطرحون في نهر الجنّة يقال له نهر الحياة، فينبتون فيه والّذي نفسي بيده كما ينبت الحبّة في حميل السّيل، ألم تروها وما يليها من الظلّ أصيفر وما يليها من الشّمس أخيضر؟ قلنا يا رسول الله كأنك كنت في الماشية؟ قال: فينبتون كذلك فيخرجون أمثال اللؤلؤ فيحلّون في رقابهم الخواتيم؟ ثمّ يرسلون في الجنة، هؤلاء الجهنّميون هؤلاء الذين أخرجهم الله من النّار بغير عمل عملوه ولا خير قدموه قال الله خذوا فلكم ما أخذتم فيأخذون حتى ينتهوا قال: ثم يقولون: لو يعطينا الله ما أخذنا! فيقول الله : إنّي أعطيتكم أفضل ممّا أخذتم قال: فيقولون: أي ربّنا وما أفضل ممّا أخذنا؟ فيقول: رضواني فلا أسخط).
٣١٨ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، وأبو زكريا بن أبي إسحاق، قالا:
حدثنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب، ثنا محمد بن عبد الوهاب، أنا جعفر بن عون، أنا هشام بن سعد، أنا زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري فذكره.
رواه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة عن جعفر بن عون.
قال البيهقي ﵀: وأخرجنا حديث سعيد بن المسيب وعطاء بن يزيد عن أبي هريرة عن النبي ﷺ في هذه القصة قال في آخرها: (فيقول له تمنّ فيتمنّى حتّى إذا انقطع به قال الله من كذا وكذا فسل، يذكره ربه حتى إذا انتهت به الأماني قال الله تعالى لك ذلك ومثله معه) قال أبو سعيد الخدري لأبي هريرة: إنّ رسول الله ﷺ قال: «لك ذلك وعشرة أمثاله».
وروينا في حديث أبي صالح عن أبي سعيد عن النبي ﷺ فيمن يخرج من النار:
«فيمكثون في الجنة حينا فيقال لهم: هل تشتهون شيئا؟ فيقولون: أن ترفع عنّا هذا الاسم فيرفع عنهم».
стр. 282
٣١٩ - أخبرنا أبو طاهر الفقيه، أنا أبو طاهر المحمدآبادي، أنا العباس بن محمد، ثنا عبيد الله بن موسى، ثنا إسرائيل، عن منصور، عن إبراهيم، عن عبيدة، عن عبد الله بن مسعود عن رسول الله ﷺ قال:
«إنّي لأعلم آخر أهل الجنّة دخولا، وآخر أهل النار خروجا من النّار، رجل يخرج حبوا فيقول له ربّه: ادخل الجنّة فيقول: أرى الجنّة ملأى فيقول له ذلك ثلاث مرّات كل ذلك يعيد: الجنّة ملأى، فيقول إنّ لك مثل الدنيا عشر مرّات».
رواه البخاري في الصحيح عن محمد بن خالد عن عبيد الله، وأخرجاه من حديث جرير عن منصور.
قال البيهقي ﵀: وقد ذكرنا هذه الأخبار في كتاب «البعث والنشور» وبعضها في أبواب الشفاعة وبعضها في أبواب «آخر من يخرج من النار» وذكرنا معها غيرها وفيما ذكرناه ها هنا كفاية وبالله التوفيق.
٣٢٠ - أخبرنا أبو محمد عبد الرحمن بن محمد بن أحمد القطّان، ثنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب الحافظ، ثنا محمد بن عبد الوهاب الفراء، أنا أبو النعمان، ثنا سلام بن مسكين، ثنا أبو ظلال، عن أنس عن رسول الله ﷺ قال:
«إنّ رجلا ينادي في النّار ألف سنة يا حنّان يا منّان فيقول الله لجبريل اذهب فأتني بعبدي هذا، قال: ذهب جبريل فوجد أهل النّار منكبّين يبكون قال: فرجع إليه فأخبر ربّه. قال: اذهب إليه فأتني به فإنّه في مكان كذا وكذا قال: فذهب فجاء به قال: يا عبدي كيف وجدت مكانك ومقيلك؟ قال: يا ربّ شرّ مكان وشرّ مقيل. قال: ردّوا عبدي. قال: ما كنت أرجو أن تعيدني إليها إذا أخرجتني منها. قال الله لملائكته: دعوا عبدي).
قال البيهقي: هكذا روي في هذا الحديث وقد روينا حديث بشر بن
стр. 283
المفضل عن أبي مسلمة، عن أبي نضرة عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ :
«أمّا أهل النّار الّذين هم أهلها فإنّهم لا يموتون فيها ولا يحيون، ولكن أناس أصابتهم النّار بذنوبهم-أو قال بخطاياهم-أماتتهم إماتة حتى إذا كانوا فحما أذن في الشفاعة فيجاء بهم ضبائر قد امتحشوا فيلقون على أنهار الجنّة ثمّ قيل يا أهل الجنّة أفيضوا عليهم من الماء فينبتون نبات الحبّة في حميل السّيل فقال رجل كأنّ رسول الله ﷺ قد كان في البادية».
٣٢١ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني أبو نضر الفقيه، ثنا نصر بن أحمد البغدادي، ثنا نصر بن علي الجهضمي قال: وأخبرني أبو النصر، ثنا جعفر بن أحمد الشاماتي، ثنا أبو الأشعث أحمد بن المقدام قالا: ثنا بشر بن المفضل فذكره.
رواه مسلم عن نصر بن علي ورواه سليمان التيمي عن أبي نضرة عن أبي سعيد أنّ النبي ﷺ خطب فأتى على هذه الآية:
﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى﴾ [طه:٧٤].
فقال معنى ما روينا وفي رواية أبي مسلمة عن أبي نضرة.
قال البيهقي ﵀: فيحتمل أن يكون هذا صنيعه ببعض أهل التوحيد الذين ارتكبوا الذنوب والخطايا، وكما في الحديث الأوّل إن صحّ إسناده صنيعه ببعضهم وكذلك ما روينا ها هنا وفي كتاب «البعث والنشور» من اختلاف حال من يخرج من النار إنما هو على حسب ذنوبهم وعلى مقدار ما أراد الله تعالى من عقوبتهم والله يعصمنا من النار بفضله ورحمته.
٣٢٢ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ومحمد بن موسى، قالا: ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا إبراهيم بن مرزوق، ثنا مسلم بن إبراهيم، ثنا خالد بن يزيد، ثنا الأشعث بن جابر، قال: قلت للحسن يا أبا سعيد قول الله :
стр. 284
﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النّارِ وَما هُمْ بِخارِجِينَ﴾ [المائدة:٣٧].
قال: فضرب بيده على فخذي فقال: إنّ أولئك أهلها إنّما هؤلاء قوم أصابوا ذنوبا لم يؤخذ منهم فينتقم منهم على الصراط ثم عفا عنهم.
وروي أنّ جابرا أجاب بمثل هذا.
٣٢٣ - أخبرنا علي بن أحمد بن عبدان، ثنا أحمد بن عبيد الصفار، ثنا سعيد بن عثمان الأهوازي، ثنا عاصم بن علي، ثنا أيوب بن عتبة، عن قيس بن طلق بن علي عن أبيه كنت من أشدّ النّاس تكذيبا بالشفاعة، حتّى أتيت جابر بن عبد الله فقرأت عليه كلّ آية أقدر عليها في ذكر خلود أهل النّار فيها. فقال لي: يا طلق أنت أعلم بكتاب الله منّي وأعلم بسنّة النبي ﷺ منّي انّ الّذي قرأت لهم أهلها ولكن هؤلاء أصابوا ذنوبا فعذّبوا ثم أخرجوا منها ونحن نقرأ كما قرأت.
وشاهده عن جابر بن عبد الله قد مضى في هذا الجزء.
٣٢٤ - أخبرنا علي بن عبدان، أنا أحمد بن عبيد الصفار، ثنا عبيد بن شريك، ثنا نعيم بن حماد، ثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ :
«يخرج قوم من النّار بعد ما امتحشوا فيدخلون الجنّة».
قال عمرو بن دينار: قال عبيد بن عمير: قال رسول الله ﷺ «يخرج قوم من النّار فيدخلون الجنة» قال: فقال له رجل يا أبا عاصم ما هذا الحديث الذي تحدث به قال: فقال عبيد بن عمير إليك عنّي يا علج! فلو لم أسمعه من ثلاثين من أصحاب النبي ﷺ ما حدّثته.
٣٢٥ - قال سفيان: قدم علينا عمرو بن عبيد ومعه رجل تابع له على هواه قال: فدخل عمرو بن عبيد الحجر فصلّى فيه وخرج صاحبه فقام على عمرو بن دينار وهو يحدّث هذا عن جابر بن عبد الله عن رسول الله ﷺ فرجع إلى عمرو بن عبيد فقال له: يا ضالّ أما كنت تخبرنا أنه لا يخرج من النار أحد، قال بلى، قال: فهوذا عمرو بن دينار يزعم أنّه سمع جابر بن عبد الله يقول: قال
стр. 285
رسول الله ﷺ «يخرج قوم من النّار فيدخلون الجنة» قال: فقال عمرو بن عبيد هذا له معنى لا نعرفه قال: وقال الرجل وأيّ معنى (يكون) لهذا قال: ثم نفض يده من يده وفارقه.
٣٢٥ م-أخبرنا أبو طاهر الفقيه، أخبرنا أبو حامد بن بلال، ثنا أبو الأزهر، ثنا يحيى بن أبي الحجاج، عن عيسى بن سنان، حدثني رجاء بن حيوة قال:
سئل جابر بن عبد الله هل كنتم تسمّون من الذنوب كفرا أو شركا أو نفاقا قال:
«معاذ الله ولكنّا نقول مؤمنين مذنبين».
قال البيهقي ﵀: وروينا في معناه عن علي بن أبي طالب وسعد بن أبي وقاص وحذيفة بن اليمان وغيرهم.
وقد ثبت بما ذكرنا ها هنا وفي كتاب «البعث» أنّ المؤمن لا يخلد في النّار بذنوبه غير أنّ القدر الذي يبقى فيها غير معلوم والذي تلحقه الشفاعة ابتداء حتى لا يعذّب أصلا غير معلوم فالذنب خطره عظيم وشأنه جسيم وربنا غفور رحيم عقابه شديد أليم.
٣٢٦ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو العباس الأصم، ثنا إبراهيم بن مرزوق، ثنا سعيد بن عامر، ثنا خشيش أبو محرز، قال: سمعت أبا عمران الجوني يقول:
(هبك تنجو بعدكم تنجو) (١).
فصل
«فيما يجاوز الله عن عباده ولا يؤاخذهم به فضلا منه ورحمة
٣٢٧ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني أبو النضر محمد بن محمد بن يوسف الفقيه، ثنا عثمان بن سعيد الدارمي، ثنا محمد بن المنهال، ثنا يزيد بن زريع-ح.
стр. 286
وأخبرنا أبو عبد الله، ثنا أبو زكريا يحيى بن محمد العنبري واللفظ له، ثنا أبو عبد الله محمد بن إبراهيم العبدي، ثنا أمية بن بسطام ثنا يزيد بن زريع، ثنا روح بن القاسم، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة قال لما نزلت على رسول الله ﷺ : ﴿لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ﴾ [البقرة:٢٨٤]. الآية، فاشتد ذلك على أصحاب رسول الله ﷺ فأتوا رسول الله ﷺ ثم بركوا على الركب ثم قالوا أي رسول الله كلّفنا من الأعمال ما نطيق: الصلاة والصيام والزكاة والصدقة. وقد نزلت عليك هذه الآية ولا نطيقها فقال رسول الله ﷺ :
«أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم: سمعنا وعصينا بل قولوا ﴿سَمِعْنا وَأَطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ قالوا: ﴿سَمِعْنا وَأَطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ»﴾.
فلما قرأها القوم وذلت بها ألسنتهم أنزل الله في أثرها:
﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ إلى قوله: ﴿غُفْرانَكَ رَبَّنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة:٢٨٥].
فلما فعلوا ذلك نسخها الله فأنزل الله :
﴿لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَها لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا﴾ قال نعم ﴿رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا﴾ قال نعم ﴿رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ﴾ قال نعم ﴿وَاعْفُ عَنّا وَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا أَنْتَ مَوْلانا فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ﴾ قال نعم.
[البقرة:٢٨٦]».
رواه مسلم في الصحيح عن أمية بن بسطام ومحمد بن المنهال.
٣٢٨ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ومحمد بن موسى، قالا ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا أحمد بن الفضل الصائغ، ثنا آدم ثنا ورقاء، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال لما نزلت ﴿وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ﴾ [البقرة:٢٨٤].
стр. 287
﴿لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَها لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة:
٢٨٦].
٣٢٩ - أخبرنا أبو الحسين بن الفضل القطان، أنا عبد الله بن جعفر، ثنا يعقوب بن سفيان، قال حدثني عبد العزيز بن عبد الله، ثنا إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب، عن سعيد بن مرجانة قال جلست إلى عبد الله بن عمر فتلا هذه الآية: ﴿لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ﴾ إلى آخرها فبكى حتى سمعت نشيجه فقمت حتى أتيت ابن عباس فأخبرته بما تلا ابن عمر فقال يغفر الله لأبي عبد الرحمن لقد وجد المسلمون منها حين نزلت مثل ما وجد عبد الله فأنزل الله :
﴿لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَها﴾ [البقرة:٢٨٦] الآية.
وكانت الوسوسة مما لا طاعة للمسلمين به فصار الأمر بعد إلى قضاء الله تعالى أنّ النفس لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت في القول والفعل.
٣٣٠ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنا أبو علي الحسين بن علي الحافظ أنا محمد بن الحسين بن مكرم بالبصرة، ثنا محمد بن الحسن بن تسنيم، ثنا روح، ثنا شعبة، عن خالد يعني الحذاء، عن مروان الأصفر، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ أحسبه ابن عمر:
﴿إِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ﴾ [البقرة:٢٨٤].
قال نسختها الآية التي بعدها.
رواه البخاري في الصحيح عن إسحاق بن منصور عن روح.
قال البيهقي ﵀ وهذا النسخ بمعنى التخصيص والتبيين فإنّ الآية الأولى وردت مورد العموم فوردت الآية التي بعدها فبيّنت أنما لا يخفى ما لا يؤاخذ به وهو حديث النفس الذي لا يستطيع العبد دفعه عن قلبه، وهذا لا يكون منه كسب في حدوثه وبقائه. وكثير من المتقدمين كانوا يطلقون عليه اسم النسخ
стр. 288
على الاتّساع بمعنى أنّه لولا الآية الأخرى لكانت الآية الأولى تدلّ على مؤاخذته بجميع ذلك.
ويحتمل أن يكون هذا خبرا مضمنا بحكم وكأنه حكم بمؤاخذة عباده بجميع ذلك وتعبّدهم به وله أن يتعبّدهم بما شاء، فلما قابلوه بالسمع والطاعة خفّف عنهم، ووضع عنهم حديث النفس فيكون قوله ﴿يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ﴾ خبرا مضمّنا لحكم أي حكم بمحاسبتكم به وهذا كقوله :
﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [الأنفال:٦٥].
أي حكم بذلك ثم قال:
﴿الْآنَ خَفَّفَ اللهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [الأنفال:٦٦].
فنسخ الحكم الأول وأثبت الثاني كذلك هذا والله أعلم.
وهذا الذي كتبته مختصر من جملة ذكرها الشيخ الإمام أبو بكر الإسماعيلي ﵀ في هذا الباب فيما أخبرنا أبو عمرو الأديب عنه وذكر فيما لا يؤاخذ به من حديث النفس معنى ما ذكرناه ثم قال وعلى هذا المعنى ما روي:
«لك النظرة الأولى وليست لك الثانية». إذا كانت الأولى لا عن قصد تعمد فإذا أعاد النظر فهو كمن حقّق الخطرة.
قال البيهقي ﵀ إذا تحقق الخطرة فهو كمن حقّق النظر وبالله التوفيق.
وقال أبو سليمان الخطابي ﵀: النسخ لا يجري فيما أخبر الله به عنه أنّه كان وأنه فعل ذلك فيما مضى لأنّه يؤدّي إلى الكذب والخلف، ويجري عند بعضهم فيما أخبر أنّه يفعله وذلك أنّ ما أخبر أنه يفعله يجوز أن يفعله بشرط، وإخباره عما فعله لا يجوز دخول الشرط فيه وهذا أصحّ الوجوه، وعليه تأوّل ابن عمر الآية ويجري ذلك مجرى العفو والتخفيف عن عباده وهو كرم منه وفضل وليس بخلف.
قال وأمّا ما تعلّق من الأخبار بالأمر والنهي فالنسخ فيه جائز عند جماعة من
стр. 289
الناس وسواء كان ذلك خبرا عن ماض أو عن زمان مستقبل.
٣٣١ - أخبرنا أبو الحسين بن بشران، أنا أبو الحسن علي بن محمد المصري، ثنا مالك بن يحيى، ثنا يزيد بن هارون، ثنا مسعر بن كدام، عن قتادة، عن زرارة بن أبي أوفى، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال:
«تجوّز لأمّتي عمّا وسوست به أنفسها أو حدثت به أنفسها ما لم تكلّم به أو تعمل به».
أخرجاه في الصحيح من حديث مسعر.
٣٣٢ - أخبرنا علي بن محمد بن عبد الله بن بشران، ثنا أبو جعفر محمد بن عمرو الرزاز، ثنا جعفر بن محمد بن شاكر، ثنا عفان، ثنا همام وحماد وأبان وأبو عوانة كلهم يحدثون عن قتادة عن زرارة بن أبي أوفى عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال:
«إنّ الله تجاوز لأمتي عمّا حدثت به أنفسها ما لم يتكلموا به أو يعملوا».
رواه مسلم في الصحيح عن سعيد بن منصور وغيره عن أبي عوانة.
وأخرجاه من أوجه أخر عن قتادة.
٣٣٣ - أخبرنا علي بن أحمد بن عبدان. ثنا أحمد بن عبيد، ثنا إسماعيل بن إسحاق، ثنا مسدّد، ثنا عبد الوارث بن سعيد-ح.
وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني عبد الرحمن بن أحمد بن حمدويه المؤذن، ثنا عبد الله بن محمد البغوي، ثنا شيبان، عن عبد الوارث بن سعيد، ثنا الجعد أبو عثمان، عن أبي رجاء العطاردي، عن ابن عباس عن النبي ﷺ فيما يروي عن ربّه قال:
«إنّ الله كتب الحسنات والسيّئات ثمّ بيّن ذلك فمن همّ بالحسنة فلم
стр. 290
يعملها كتب الله له حسنة، ومن عملها كتب الله له بها عشرا إلى سبعمائة ضعف وأضعاف كثيرة، ومن همّ بسيّئة ولم يعملها كتب الله له بها حسنة كاملة، ومن همّ بها فعملها كتب الله عليه سيّئة واحدة».
رواه مسلم في الصحيح عن شيبان بن فروخ.
٣٣٤ - أخبرنا أبو صالح بن أبي طاهر العنبري، ثنا جدي يحيى بن منصور القاضي، ثنا أحمد بن سلمة، ثنا قتيبة بن سعيد، ثنا جعفر بن سليمان الضبعي، عن الجعد أبي عثمان، عن أبي رجاء العطاردي عن ابن عباس عن رسول الله ﷺ فيما روى عن ربّه :
«إنّ ربّكم رحيم فمن همّ بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة وإن عملها كتبت له عشر أمثالها إلى سبعمائة إلى أضعاف كثيرة؛ ومن همّ بسيّئة فلم يعملها كتبت له حسنة وإن عملها كتبت عليه واحدة أو يمحوها الله ولا يهلك على الله إلا هالك».
٣٣٥ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب، ثنا يحيى بن محمد بن يحيى ثنا يحيى بن يحيى، أنا جعفر بن سليمان بهذا الإسناد نحوه.
رواه مسلم في الصحيح عن يحيى بن يحيى.
قال البيهقي ﵀ وقد روينا في حديث همام بن منبه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ في هذا الحديث في السيئة قال وإن تركها اكتبوها له حسنة إنّما تركها من جزائي وهو مذكور في باب التوبة.
٣٣٦ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ثنا جعفر بن محمد بن نصير الخلدي، ثنا موسى بن هارون، ثنا قتيبة بن سعيد أنا المغيرة بن عبد الرحمن الحزامي، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة أنّ رسول الله ﷺ قال يقول الله :
стр. 291
«إذا أراد عبدي أن يعمل سيئة فلا تكتبوها عليه حتى يعملها وإن عملها فاكتبوها بمثلها وإن تركها من أجلي فاكتبوها له حسنة فإذا أراد أن يعمل حسنة فلم يعملها فاكتبوها له حسنة فإن عملها فاكتبوها له بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف».
رواه البخاري في الصحيح عن قتيبة.
٣٣٧ - أخبرنا أبو عبد الله، وأحمد بن الحسن، ومحمد بن موسى قالوا ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا محمد بن إسحق الصغاني، ثنا أبو الجواب، عن عمار بن رزيق، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال:
«جاء رجل إلى النّبيّ ﷺ فقال يا رسول الله إنّي لأحدث نفسي بالحديث لأن أخرّ من السماء أحبّ إليّ من أن أتكلّم به قال ذلك صريح الإيمان».
رواه مسلم في الصحيح عن الصغاني.
ورواه سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة قال:
«جاء ناس من أصحاب رسول الله ﷺ فقالوا يا رسول الله إنّا نجد في أنفسنا الشيء ما نحب أن نتكلم به فقال رسول الله ﷺ : أو قد وجدتّموه؟ قالوا:
نعم. قال: «ذلك صريح الإيمان».
٣٣٨ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنا أبو بكر بن إسحاق الفقيه أنا أحمد بن سلمة، ثنا إسحاق بن إبراهيم، أنا جرير، عن سهيل بن أبي صالح فذكره.
رواه مسلم في الصحيح عن زهير بن حرب.
٣٣٩ - أخبرنا أبو طاهر الفقيه من أصل سماعه، ثنا أبو عثمان عمرو بن عبد الله البصري، ثنا أبو أحمد محمد بن عبد الوهاب قال: سمعت علي بن عثّام يقول أتيت سعير بن الخمس فسألته عن حديث الوسوسة فلم يحدثني فأدبرت أبكي ثم لقيني فقال لي حدثنا مغيرة عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله قال سألنا رسول
стр. 292
الله ﷺ عن الرجل يجد الشيء لو خرّ من السماء فتخطفه الطير كان أحبّ إليه من أن يتكلم به قال: «ذاك محض أو صريح الإيمان».
رواه مسلم في الصحيح عن يوسف بن يعقوب الصفّار عن علي بن عثام.
قال البيهقي ﵀ ورواه جرير وسليمان التيمي وأبو عوانة وأبو جعفر الرازي عن مغيرة، عن إبراهيم مرسلا وهو فيما ذكره شيخنا أبو عبد الله عن أبي علي الحافظ.
٣٤٠ - أخبرنا أبو طاهر الفقيه، أنا أبو طاهر محمد بن الحسن المحمدآبادي، ثنا أبو قلابة، ثنا أبو الوليد، ثنا شعبة، عن منصور وسليمان، عن ذرّ عن عبد الله بن شداد، عن ابن عباس أنّ رجلا قال:
«يا رسول الله تحدثني نفسي من أمر الربّ لأن أكون حممة أحبّ إليّ من أن أتكلّم به فقال أحدهما الحمد لله الّذي لم يقدر لكم إلاّ على الوسوسة فقال الآخر الحمد لله الّذي ردّ أمره إلى الوسوسة».
٣٤١ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، وأبو عبد الله إسحاق بن محمد بن يوسف السوسي، ومحمد بن موسى قالوا ثنا أبو العباس الأصم، ثنا هارون بن سليمان الأصبهاني، ثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان عن منصور، عن ذرّ، عن عبد الله بن شدّاد، عن ابن عباس أنّ رجلا قال للنبي ﷺ :
(يا رسول الله إني أجد في نفسي شيئا لأن أكون حممة أحبّ إليّ فقال: الحمد لله الّذي ردّ أمره إلى الوسوسة).
٣٤٢ - أخبرنا أبو الحسن علي بن أحمد بن عبدان، أنا أبو بكر محمد بن أحمد بن محمويه العسكري، ثنا جعفر بن محمد القلانسي، ثنا آدم بن أبي أياس، ثنا شيبان، ثنا قتادة، عن ذرّ أبي عمر، عن عبد الله بن شداد بن الهاد، عن ابن عباس أنّ رجلا قال:
стр. 293
«يا رسول الله إنّ أحدنا ليحدّث نفسه تعرض له بالشيء لأن يكون حمما أحبّ إليه من أن يتكلم به فقال رسول الله ﷺ : الله أكبر الله أكبر الحمد لله الّذي ردّ أمره إلى الوسوسة».
٣٤٣ - أخبرنا أبو الحسين بن الفضل، ثنا عبد الله بن جعفر، ثنا يعقوب بن سفيان، حدثني عبد العزيز بن عبد الله الأويسي، ثنا إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب، عن يحيى بن عمارة بن أبي حسن المازني بلغه أنّ رجالا من أصحاب رسول الله ﷺ سألوا رسول الله ﷺ عن الوسوسة التي يوسوس بها الشيطان في أنفسهم فقالوا:
«يا رسول الله أشياء نجدها في أنفسنا يسقط أحدنا من عند الثريّا أحبّ إليه من أن يتكلم به فقال النبي ﷺ : أوجدتّم ذلك؟ ذاك صريح الإيمان، إنّ الشيطان يريد أن يوقع العبد فيما دون ذلك فإذا عصم منه وقع فيما هنالك».
قال البيهقي ﵀ وإنما الإيمان اغتمامه بما وقع في قلبه مما لا طاقة له بدفعه وكراهيته له وإشفاقه محبة وبالله العصمة.
فصل
«في القصاص من المظالم»
٣٤٤ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب، ثنا محمد بن نعيم، ثنا قتيبة بن سعيد، ثنا إسماعيل بن جعفر، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة أنّ رسول الله ﷺ قال:
«قال: أتدرون من المفلس؟ قالوا: المفلس من لا درهم له ولا متاع فقال: «إنّ المفلس من أمّتي يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة ويأتي قد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه، أخذ من
стр. 294
خطاياهم فطرحت عليه ثمّ طرح في النار».
رواه مسلم في الصحيح عن قتيبة.
قال البيهقي ﵀ وقد ذكرنا متن هذا الحديث في «باب زيادة الإيمان ونقصانه» وقد ذكرنا تفسيره وهو أن من لم ير إحباط الحسنة بالسيئة في الإيمان يقول: يعطي خصمه من أجر حسناته الذي تقابل عقوبة سيّئاته ولا يذهب جميعه، لأنّ أجر حسناته لا نهاية له وعقوبة سيئاته له نهاية فلا يستحق ما لا نهاية له بما له نهاية وقوله «إن فنيت حسناته» يعني آخرها قابل منها بسببه والله أعلم.
٣٤٥ - أخبرنا أبو عمرو محمد بن عبد الله الأديب، أنا أبو بكر الإسماعيلي، أخبرني الحسن بن سفيان وأبو يعلى قالا ثنا محمد وهو ابن المنهال ثنا يزيد بن زريع ثنا سعيد، عن قتادة، عن أبي المتوكل، عن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ في هذه الآية:
﴿وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْواناً عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ [الحجر:٤٧].
قال: «يخلص المؤمنون على الصّراط فيحبسون على قنطرة بين الجنّة والنّار فيقتصّ لبعضهم من بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا حتى إذا هذّبوا ونقّوا أذن لهم في دخول الجنة فو الله إنّ أحدهم لأهدى لمنزله في الجنة من منزله في الدنيا». قال قتادة: كان يقال ما يشبّه بهم إلاّ أهل الجمع انصرفوا من جمعهم.
رواه البخاري في الصحيح عن الصلت بن محمد، عن يزيد بن زريع.
قال البيهقي ﵀ وهذا يحتمل أن يكون المراد به حتى إذا هذبوا ونقوا بأن يرضى عنهم خصماؤهم. ورضاهم قد يكون بالاقتصاص كما مضى في حديث أبي هريرة، وقد يكون بأن يثيب الله المظلوم خيرا من مظلمته ويعفو عن الظالم برحمته.
٣٤٦ - وقد روي فيه ما: حدثنا أبو محمد عبد الله بن يوسف الأصبهاني،
стр. 295
أنا أبو بكر محمد بن الحسين القطّان، ثنا علي بن الحسن بن أبي عيسى الهلالي، ثنا أبو داود الطيالسي، ثنا عبد القاهر بن السري، حدثني ابن لكنانة بن العبّاس بن مرداس السلمي، عن أبيه، عن جده عباس بن مرداس:
(أنّ رسول الله ﷺ دعا عشية عرفة لأمته بالمغفرة والرّحمة، فأكثر الدّعاء فأوحى الله إليه أني قد فعلت إلاّ الظلم بعضهم بعضا، وأمّا ذنوبهم فيما بينهم وبيني قد غفرتها، فقال: «يا ربّ إنّك قادر على أن تثيب هذا المظلوم خيرا من مظلمته، وتغفر لهذا الظالم». فلم يجبه تلك العشية فلمّا كان غداة المزدلفة أعاد الدعاء فأجابه أنّي قد غفرت لهم. قال فتبسّم رسول الله ﷺ فقال له بعض أصحابه يا رسول الله تبسّمت في ساعة لم تكن تتبسّم فيها، قال: «تبسّمت من عدوّ الله إبليس أنّه لمّا علم أنّ الله تعالى قد استجاب لي في أمّتي أهوى يدعو بالويل والثبور ويحثو التراب على رأسه»).
قال البيهقي ﵀ وهذا الحديث له شواهد كثيرة وقد ذكرناها في كتاب «البعث» فإن صحّ بشواهده ففيه الحجّة وإن لم يصحّ فقد قال الله : ﴿وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ﴾ [النساء:٤٨،١١٦] وظلم بعضهم بعضا دون الشرك.
وفي الحديث الثابت عن زيد بن وهب عن أبي ذرّ عن النبي ﷺ قال:
«أتاني جبريل فأخبرني أنه من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة» قال: قلت يا رسول الله وإن زنى وإن سرق قال: «وإن زنى وإن سرق».
٣٤٧ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا محمد بن صالح بن هانئ، ثنا السري بن خزيمة، ثنا عمر بن حفص، ثنا أبي، ثنا الأعمش، ثنا زيد بن وهب، فذكره في حديث طويل.
رواه البخاري في الصحيح عن عمر بن حفص.
وأخرجه مسلم من أوجه أحدها عن الأعمش.
قال: البيهقي ﵀ رواه أبو الأسود الديلي عن أبي ذرّ عن النبي ﷺ
стр. 296
قال: «ما من عبد قال: لا إله إلاّ الله ثمّ مات على ذلك إلاّ دخل الجنّة» قال:
قلت وإن زنى وإن سرق قال: «وإن زنى وإن سرق على رغم أنف أبي ذرّ».
وقد أخرجاه في الصحيح وله شواهد عن أبي الدرداء عن النبي ﷺ ، ثم عن عثمان بن عفان، وعبد الله بن مسعود، وعبادة بن الصامت، وجابر بن عبد الله، وغيرهم عن النبي ﷺ وليس بين هذه الأحاديث وبين حديث أبي هريرة وأبي سعيد منافاة.
وقد يكون دخوله الجنّة بعد الاقتصاص، والاقتصاص قد يكون بالتعذيب على ما طرح عليه من السيئات فيبقى مرتهنا بسيئاته وسيئات خصمه وقد يثيب الله تعالى المظلوم ويعفو عن الظالم إن صحّ الخبر الوارد به.
أما التعزيز بالنفس فما لا يرضاه عاقل، ومن لا يصبر على وجع سنّ وحمّى يوم فحقيق أن يحترز من أمر يعرّضه لعذاب وجيع وعقاب أليم، لا يعلم شدّته ولا نهايته إلا الله ، وقد جاء في حديث أبي ظلال عن أنس بن مالك عن النبي ﷺ «أنّ عبدا في جهنم ينادي ألف سنة يا حنّان يا منّان حتّى يأمر به جبريل عليه التسليم فيخرجه منها» نعوذ بالله من عذاب الله .
٣٤٨ - أخبرنا أبو سعيد بن أبي عمرو، أنا أبو عبد الله الصفّار، ثنا أبو بكر بن أبي الدنيا، ثنا محمد بن حسّان الأزرق، ثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال كان حزم بن أبي حزم يقول:
(الّلهمّ من ظلمناه بمظلمة فأثبه من مظلمتنا خيرا، واغفرها لنا ومن ظلمنا بمظلمة فأثبنا من مظلمته واغفرها له).
٣٤٩ - قال وثنا أبو بكر حدثني رجل من عبد القيس من أهل البصرة قال كانت رابعة العابدة تقول:
(الّلهمّ وهبت من ظلمني فاستوهبني مّمن ظلمت).
стр. 297
فصل
«في كيفية انتهاء الحياة الأولى وابتداء الحياة الأخرى
وصفة يوم القيامة»
قال البيهقي ﵀ اما انتهاء الحياة الأولى فإنّ لها مقدمات تسمّى أشراط الساعة وهي أعلامها: منها خروج الدجال، ونزول عيسى ابن مريم ﵇، وقتله الدجّال.
ومنها خروج يأجوج ومأجوج.
ومنها خروج دابّة الأرض.
ومنها طلوع الشمس من مغربها فهذه هي الآيات العظام.
وأمّا ما يتقدم هذه من قبض العلم، وغلبة الجهل، واستعلاء أهله وبيع الحكم، وظهور المعازف، واستفاضة شرب الخمر، واكتفاء النساء بالنساء، والرجال بالرجال، وإطالة البنيان، وإمارة الصبيان، ولعن آخر هذه الأمّة أولها، وكثرة الهرج، وغير ذلك فإنها أسباب حادثة، ورواية الأخبار المنذرة بها بعد ما صار الخبر عيانا تكلّف وقد رويناها مع ما ورد في الأعلام العظام في كتاب «البعث والنشور» فأغنى عن إعادتها ها هنا وبالله التوفيق.
وإذا انقضت الأشراط وجاء الوقت الذي يريد الله إماتة الأحياء من سكّان السموات والبحار والأرضين، أمر إسرافيل ﵇ وهو أحد حملة العرش في قول بعض أهل العلم وصاحب اللوح المحفوظ فينفخ في الصور وهو القرن.
٣٥٠ - أخبرنا أبو علي الروذباري، ثنا أبو بكر محمد بن مهرويه الرازي، ثنا عمرو بن تميم، ثنا أبو نعيم، ثنا سفيان الثوري، عن سليمان التيمي، عن أسلم العجلي، عن بشر بن شغاف، عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال سئل النبي ﷺ عن الصور قال:
стр. 298
(قرن ينفخ فيه).
٣٥١ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنا أبو الفضل بن إبراهيم، ثنا أحمد بن سلمة ثنا محمد بن بشار، ثنا محمد بن جعفر، ثنا شعبة، عن النعمان بن سالم، قال: سمعت يعقوب بن عاصم بن عروة بن مسعود قال:
سمعت رجلا قال لعبد الله بن عمرو: إنك تقول الساعة تقوم كذا وكذا فقال:
لقد هممت ألا أحدّثكم بشيء، إنما قلت إنكم ترون بعد قليل أمرا عظيما، فكان حريق البيت. فقال شعبة هذا أو نحوه قال عبد الله بن عمرو قال رسول الله ﷺ :
«يخرج الدجّال في أمّتي فيمكث فيهم أربعين لا ندري أربعين يوما أو أربعين شهرا أو أربعين عاما. فيبعث الله عيسى ابن مريم كأنه عروة بن مسعود الثقفي فيطلبه فيهلكه، ثم يلبث الناس بعده سبع سنين ليس بين اثنين عداوة. ثم يرسل الله ريحا باردا من قبل الشام، فلا يبقى أحد في قلبه مثقال ذرّة من الإيمان إلاّ قبضته، حتى لو أنّ أحدكم دخل في كبد جبل لدخلت عليه قال سمعتها من رسول الله ﷺ «ويبقى شرار الناس في خفة الطير، وأحلام السّباع، لا يعرفون معروفا ولا ينكرون منكرا فيتمثل لهم الشيطان فيقول ألا تستحيون فيأمرهم بالأوثان فيعبدونها، وهم في ذلك دارّة أرزاقهم، حسن عيشهم ثمّ ينفخ في الصور فلا يسمعه أحد إلاّ أصغى ليتا-ورفع فيدار (وهو خطأ) إحدى منكبيه-وأوّل من يسمعه يلوط حوضه فيصعق، ثم لا يبقى أحد إلاّ صعق، ثم يرسل أو ينزل الله مطرا كأنّه الطّلّ أو الظّلّ-النعمان الشاك-فينبت منه أجساد الناس ثم ينفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون ثم يقال يا أيّها الناس هلمّوا إلى ربكم ، وقفوهم إنهم مسؤولون ثم يقال أخرجوا بعث النار، فيقال كم؟ فيقال من كلّ ألف تسعمائة وتسعة وتسعون».
قال محمد بن جعفر وحدثني شعبة بهذا الحديث مرّات وعرضته عليه.
رواه مسلم في الصحيح عن محمد بن بشار.
قال البيهقي ﵀ ولم يذكر عبد الله بن عمرو في هذا الحديث سائر
стр. 299
الاعلام من خروج يأجوج ومأجوج والدابة وطلوع الشمس من مغربها، وقد ذكر غيره خروج يأجوج ومأجوج بعد نزول عيسى بن مريم وإرسال الله عليهم النغف وموتهم في قيام الساعة بعد ذلك. وذكر هو عن النبي ﷺ انّ أول الآيات خروجا طلوع الشمس من مغربها وخروج الدابة على الناس ضحى فأيهما كانت قبل صاحبتها فالأخرى على أثرها وقال من قبل نفسه: فأظن أوّلها خروجا طلوع الشمس من مغربها. وإنما قال ذلك عبد الله بن عمرو حين أخبر بقول مروان بن الحكم انّ أول الآيات خروجا الدجّال فإذا كان حديث عبد الله صحيحا فهو أولى من غيره. وهو صحيح لا شكّ فيه لصحة إسناده، والله أعلم. ولا شكّ في كون هذه الآيات قبل النفخ في الصور تقدّم بعضها أو تأخّر وكلما هو آت قريب.
٣٥٢ - أخبرنا علي بن أحمد بن عبدان، ثنا أحمد بن عبيد الصفّار، ثنا جعفر بن محمد الفريابي، ثنا أبو عمرو سعيد بن حفص خال النفيلي، ثنا موسى بن أعين، عن الأعمش، عن أبي صالح عن أبي سعيد وعن عمران يعني البارقي عن عطية عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ :
«كيف أنعم وصاحب القرن قد التقمه فأصغى سمعه وحنا جبينه ينتظر متى يؤمر فينفخ» قالوا يا رسول الله كيف نقول قال: قولوا حسبنا الله ونعم الوكيل على الله توكّلنا».
٣٥٣ - أخبرنا أبو محمد عبد الرحمن بن محمد بن بالويه المزكى، أخبرنا أبو وليد الفقيه، ثنا إبراهيم بن علي، ثنا يحيى بن يحيى، ثنا موسى بن أعين فذكر حديث أبي صالح بمعناه.
قال البيهقي ﵀ فإذا نفخ في الصّور فصعق من في السموات ومن في الأرض كما قال الله :
﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلاّ مَنْ شاءَ اللهُ﴾ [الزمر:٦٨].
стр. 300
واختلفوا في هذا الاستثناء فروي عن جابر بن عبد الله أنّه قال: موسى فيمن استثنى الله فإنه قد صعق مرّة وهذا لما في الحديث الثابت عن أبي هريرة في قصة المسلم الذي لطم اليهودي حين قال: والذي اصطفى موسى على البشر فقال النبي ﷺ : «لا تفضّلوا بين أنبياء الله فإنّه ينفخ في الصّور، فصعق من في السموات ومن في الأرض إلاّ من شاء الله، ثمّ ينفخ فيه أخرى فأكون أوّل من بعث أو في أوّل من بعث فإذا موسى آخذ بالعرش فلا أدري أحوسب بصعقة يوم الطور أم بعث قبلي».
وهذا حديث صحيح.
قال البيهقي ﵀ ووجهه عندي أنّ نبيّنا ﷺ أخبر عن رؤية جماعة من الأنبياء ليلة المعراج، وإنما يصحّ ذلك على تقدير أنّ الله تعالى ردّ إليهم أرواحهم فهم أحياء عند ربهم، فإذا نفخ في الصور النفخة الأولى صعقوا فيمن صعق ثم لا يكون ذلك موتا في جميع معانيه إلاّ في ذهاب الاستشعار فإن كان موسى ممن استثنى بقوله: ﴿إِلاّ مَنْ شاءَ اللهُ﴾ فإنه لا يذهب استشعاره في تلك الحالة والله أعلم.
وروينا عن سعيد بن جبير أنّه قال هم الشهداء ثنية الله مقلّدي السيوف حول العرش.
وروي فيه حديث مرفوع عن زيد بن أسلم عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنّه سأل جبريل ﵇ عن هذه الآية وقال: «ومن الذين لم يشأ الله أن يصعقوا؟» قال هم شهداء الله وهذا لأنّ الله أخبر في كتابه: انّهم ﴿أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران:١٦٩]. فلا يموتون في النفخة الأولى فيمن يموت من الأحياء والله أعلم.
وروينا عن زيد بن أسلم أنه قال:
(الذين استثنى الله اثنا عشر جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت وحملة العرش ثمانية).
وذهب الحليمي ﵀ إلى اختيار قول من قال إنّ الاستثناء لأجل الشهداء، ورواه عن ابن عباس، وحمل قول النبي ﷺ في موسى عليه السّلام
стр. 301
على أنّه لم يدر أبعث قبل غيره من الأنبياء تخصيصا له ﵇ كما فضل في الدنيا بالتكليم، أو قدّم بعثه على بعث غيره من الأنبياء ﵈ بقدر صعقته عند ما تجلّى ربّه للجبل إلى إن أفاق ليكون هذا جزاء له بها، وليس فيه أن يموت عند النفخة الأولى.
وضعّف قول من زعم الاستثناء لأجل الملائكة الذين سماهم لأنهم ليسوا من سكان السموات والأرض لأن العرش فوق السموات كلها وجبريل وميكائيل من الصافين المسبّحين حول العرش فلم يدخلوا في الآية.
وكذلك لا يدخل فيها الولدان والحور لأنّ الجنّة فوق السموات، والآية في سكان السموات والأرض؛ ثم قد ورد في بعض الآثار: أنه يميت حملة العرش، ويميت جبريل وميكائيل وملك الموت، ثم ينادي لمن الملك اليوم فلا يجبه أحد فيقول هو: لله الواحد القهّار.
وقد روي فيه حديث مرفوع في إسناده ضعف وقد ذكرناه في كتاب «البعث».
وأمّا الجنّة وما فيها من الحور الحيوان فإنّها خلقت للبقاء لا للفناء، وهي دار لذّة وسرور ولم يأتنا خبر بموت من فيها.
فإن قيل: قد قال الله :
﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران:١٨٥].
﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلاّ وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨].
قال الحليمي ﵀: بحتمل أن يكون معناه ما من شيء إلاّ وهو قابل للهلاك، فيهلك إن أراد الله به ذلك إلاّ وجهه، أي إلاّ هو فإنّه تعالى جدّه قديم، والقديم لا يجوز عليه الفناء، وما عداه محدث والمحدث إنما يبقى قدر ما يبقيه محدثه فإذا حبس البقاء عني (خطأ) فني. ولم يبلغنا في خبر أنه يهلك العرش ويفنيه فلتكن الجنة مثله والله أعلم.
قال البيهقي ﵀ ورويناه عن سفيان الثوري انّه قال: في تفسير هذه الآية كلّ شيء هالك إلاّ ما أريد به وجهه.
стр. 302
وفي رواية إلاّ ما ابتغى به وجهه من الأعمال الصالحة.
فإذا مات الأحياء كلهم وجاء وقت النفخة الأخرى فقد جاء في حديث الصور وهو حديث روي عن محمد بن كعب عن رجل عن أبي هريرة عن النبي ﷺ وفي إسناده مقال فذكر قصة في النفخة الأولى وما بعدها وذكر موت جبريل وميكائيل ثم موت حملة العرش وموت إسرافيل ثم موت ملك الموت، ثم ينزل ماء من تحت العرش كمني الرجال ثم يأمر السماء أن تمطر أربعين يوما، ويأمر الأجساد أن تنبت كنبات الطراثيث أو كنبات البقل، حتى إذا تكاملت أجسادهم قال الله تعالى ليحيى حملة العرش فيحيون ثم يقول ليحيى جبريل وميكائيل أظنّه وذكر معهما غيرهما، فيحيون فيأمر الله إسرافيل فيأخذ الصور فيضعه علي فيه، ثم يدعو الله بالأرواح فيؤتى بها، تتوهّج أرواح المؤمنين نورا والأخرى ظلمة فيلقيها في الصور ثم يأمر الله إسرافيل أن ينفخ فيه نفخة البعث فتخرج الأرواح كأنها النحل، قد ملأت ما بين السماء والأرض، فيقول الله وعزّتي وجلالي ليرجعنّ كلّ روح إلى جسده، فتدخل الأرواح في الخياشيم ثم تمشي في الأجساد مشي السّمّ في اللديغ ثمّ تنشقّ الأرض عنهم سراعا.
٣٥٣ - م-وهذا فيما قرئ إسناده على الاستاذ أبي إسحاق الإسفراييني وأنا أسمع أنّ أبا بكر محمد بن عبد الله الشافعي أخبرهم، ثنا أبو قلابة الرقاشي، ثنا أبو عاصم، ثنا إسماعيل بن رافع، عن محمد بن يزيد بن أبي زياد، عن محمد بن كعب القرظي عن رجل من الأنصار، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ .
وروينا في حديث آخر بإسناد ضعيف عن ابن عباس في صفة القيامة فذكر فيه صفة الصور وعظمه وعظم إسرافيل ثم قال:
فإذا بلغ الوقت الذي يريد الله أمر إسرافيل فينفخ في الصور النفخة الأولى، فتهبط النفخة من الصّور إلى السموات فيصعق سكّان السموات بحذافيرها، وسكان البحر بحذافيرها ثمّ تهبط النفخة إلى الأرض، فيصعق سكّان الأرض بحذافيرها، وجميع عالم الله وبريّته فيهنّ من الجنّ والإنس والهوام والأنعام. قال وفي الصّور من الكوى بعدد من يذوق الموت من جميع الخلائق
стр. 303
فإذا صعقوا جميعا، يقول الله يا إسرافيل من بقي؟ فيقول: بقي إسرافيل عبدك الضعيف. فيقول مت يا إسرافيل! فيموت ثمّ يقول الجبار تعالى: لمن الملك اليوم فلا هميس ولا حسيس ولا ناطق يتكلّم، ولا مجيب يفهّم، وقد مات حملة العرش وإسرافيل وملك الموت وكلّ مخلوق فيردّ الجبّار على نفسه ﴿لِلّهِ الْواحِدِ الْقَهّارِ الْيَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسابِ﴾ [غافر:١٦]. وذلك حين تمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدّل لكلماته ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ فيتم كلمته بإنفاذ قضائه على أهل أرضه وسمائه لقوله تعالى ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلاّ وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص:
٨٢].
فإما إسرافيل فيموت ثم يحيى في طرفة عين وإمّا حملة العرش فيحيون في أسرع من طرفة عين فيأمر الله تعالى إسرافيل بعد النفخة الأولى بأربعين وكذلك هو في التوراة بين النفختين أربعون، لا يدرى ما هو. فإذا انقضت الأربعون نظر الله إلى أهل السموات وإلى أهل الأرضين فيقول وعزّتي لأعيدنّكم كما بدأتكم ولأحيينّكم كما أمتّكم، ثم يأمر إسرافيل فينفخ النفخة الثانية، وقد جمعت الأرواح كلها في الصّور، فإذا نفخ خرج كلّ روح من كوّة معلومة من كوى الصّور، فإذا الأرواح تهوش بين السماء والأرض لها دويّ كدويّ النّحل، فينادي إسرافيل: يا أيّتها الجلود المتمزقة! ويا أيّتها الأعضاء المتهشّمة! ويا أيّتها العظام البالية! ويا أيّتها الأجساد المتفرّقة! ويا أيّتها الأشعار المتمرّطة! قوموا إلى موقف الحساب والعرض الأكبر فيدخل كلّ روح في جسده قال: ويمطر الله طيشا من تحت العرش على جميع الموتى، فيحيون كما تحيى الأرض الميتة بوابل السّماء، فيبعث الله الأجساد التي كانت في الدنيا من حيث كانت بعضها في بطون السباع، وبعضها من حواصل الطير وبنيان البحور وبطون الأرض وظهورها، فيدخل كلّ روح في جسده فإذا هم قيام ينظرون، فيبعث الله نارا من المشارق، فتحشر النّاس إلى المغارب إلى أرض تسمّى السّاهرة من وراء بيت المقدس أرض طاهرة لم يعمل عليها سيئة ولا خطيئة فذلك قوله:
﴿فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ فَإِذا هُمْ بِالسّاهِرَةِ﴾ [النازعات:١٣].
﴿يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ﴾ [المطففين:٦].
стр. 304
﴿وَحَشَرْناهُمْ فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً﴾ [الكهف:٤٧].
﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْناهُمْ جَمْعاً وَعَرَضْنا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكافِرِينَ عَرْضاً الَّذِينَ كانَتْ﴾ [الكهف:٩٩] الآية.
٣٥٤ - وهذا فيما أخبرناه أبو عبد الله الحافظ، أنا أبو بكر محمد بن طلحة ابن منصور القطّان، ثنا إبراهيم بن الحارث البغدادي، ثنا أبو الحسن علي بن قدامة النحوي، ثنا مجاشع بن عمرو، عن ميسرة عن عبد الكريم الجزري، قال: حدثني سعيد بن جبير أنّه سأل ابن عباس عن القيامة وما فيها فحدّثه وذكر ما كتبناه فيه وهذا إسناد ضعيف بمرّة غير أنّا قد روينا في الحديث الثابت عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال:
(بين النفختين أربعون: «قالوا يا أبا هريرة: أربعون يوما؟ قال: أبيت.
قالوا أربعون شهرا؟ قال: أبيت. قالوا: أربعون سنة؟ قال أبيت. قال ثم ينزل الله من السّماء ماء فينبتون كما ينبت البقل. قال: وليس من الإنسان بشيء إلاّ يبلي إلاّ عظما واحدا وهو عجب الذّنب وفيه تركيب الخلق يوم القيامة).
٣٥٥ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو بكر بن إسحاق، ثنا موسى بن إسحق، ثنا عبد الله بن أبي شيبة، ثنا أبو معاوية، عن الأعمش بهذا الحديث.
رواه مسلم في الصحيح عن أبي كريب عن أبي معاوية.
وأخرجه البخاري من وجه آخر عن الأعمش.
قال: البيهقي ﵀ وروينا عن أبي غالب عن أنس بن مالك مرفوعا:
«يبعث النّاس يوم القيامة والسماء تطشّ عليهم».
وروينا بإسناد صحيح عن عبد الله بن مسعود في أشراط السّاعة في النّفخة الأولى ثمّ في إرسال الله ماء من تحت العرش منيّا كمنيّ الرّجال، حتّى تنبت
стр. 305
جسمانهم ولحمانهم من ذلك الماء، ثمّ قيام ملك الصّور، نفخه فيه مّرة أخرى، وانطلاق كلّ نفس إلى جسمها ودخولها فيه ثمّ قيامهم لربّ العالمين ما يؤكّد جميع ما نقلنا والله أعلم.
٣٥٦ - أخبرنا أبو عبد الرحمن بن محبوب، أنا الحسين بن محمد بن هارون، ثنا أحمد بن محمد بن نصر، ثنا يوسف بن بلال، ثنا محمد بن مروان عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس ﴿وَيَقُولُونَ﴾ يعني أهل مكّة ﴿مَتى هذَا الْوَعْدُ﴾ يعني القيامة يقول الله ﴿ما يَنْظُرُونَ﴾ كفّار قريش إذ كذّبوا ﴿إِلاّ صَيْحَةً واحِدَةً﴾ لا تثنى ﴿تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ﴾ يتكلّمون في أسواقهم يتبايعون ﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ لا يقدرون ﴿تَوْصِيَةً﴾ كلاما ﴿وَلا إِلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ﴾ فيخيرون الكلام إليهم ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ وهي النفخة الآخرة ﴿فَإِذا هُمْ مِنَ الْأَجْداثِ﴾ يعني القبور ﴿إِلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ يخرجون من قبورهم ﴿قالُوا يا وَيْلَنا مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا﴾ يقول من منامنا يقول هذا بعضهم لبعض إذا خرجوا من القبور، وظنّوا أنّهم كانوا نياما. وذلك أنّه يرفع عنهم العذاب بين النفختين، وبينهما أربعون سنة، نسوا العذاب فقالت لهم الملائكة ﴿هذا ما وَعَدَ الرَّحْمنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ يعني وتصديق المرسلين البعث يقول الله : ﴿إِنْ كانَتْ إِلاّ صَيْحَةً واحِدَةً﴾ نفخة واحدة، ﴿فَإِذا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ﴾ [الآيات ٤٨ - ٥٣ من سورة يس]. الحساب.
قال: البيهقي ﵀ وقد روينا عن أسامة بن زيد عن الزهري، عن أنس بن مالك قال: لّما كان يوم أحد مرّ رسول الله ﷺ بحمزة بن عبد المطلب وقد جدّع ومثّل به فقال: «لولا أن تجد صفية لتركته حتى يحشره الله من بطون الطير والسباع».
٣٥٧ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ أنا عبد الله بن الحسين القاضي، ثنا الحارث بن أبي أسامة، ثنا روح، ثنا أسامة فذكره.
قال: البيهقي ﵀ وروينا في حديث مقسم عن ابن عباس غير أنّه
стр. 306
قال: (لولا جزع النساء لتركته يحشر من حواصل الطير وبطون السباع). وفي هذا كله دليل على أنّ ما أكله الناس بعضهم من بعض صار غذاء له. فقد زعم الحليمي ﵀ أنّه لا يردّ إلى أصله لكن صاحبه يعرض منه. وقد فرق بينهما بأنّه قد إنقلب من مكلّف إلى مكلّف وردّه يؤدي إلى إدخال جزء من الكافر الجنة أو جزء من المؤمن النار، وليس كذلك في غير المكلف، وإنما هو في معنى ما تأكله الأرض فيعاد وبسط الكلام فيه.
وإذا أحي الله ﵎ النّاس كلهم قاموا عجلين ينظرون ما يراد بهم لقوله تعالى:
﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر:٦٨].
وقد أخبر الله عن الكفار أنّهم يقولون:
﴿يا وَيْلَنا مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا﴾ [يس:٥٢].
وأنّهم يقولون:
﴿هذا يَوْمُ الدِّينِ﴾
فيقول لهم الملائكة:
﴿هذا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [الصافات:٢٠،٢١].
ثمّ يحشر النّاس إلى موقف العرض والحساب وهو الساهرة فقال الله :
﴿فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ فَإِذا هُمْ بِالسّاهِرَةِ﴾ [النازعات:١٣،١٤].
قال البيهقي ﵀ وروينا عن وهب بن منبه أنّه قرأ هذه الآية وهو يومئذ ببيت المقدس فقال: ها هنا الساهرة يعني بيت المقدس.
وروينا عن ابن عباس موقوفا ومرفوعا ما دلّ على أنّ الشام أرض المحشر.
وقال الفراء: الساهرة وجه الأرض كأنّها سمّيت بهذا الاسم لأنّ فيه الحيوان نومهم وسهرهم.
وروى بإسناده عن ابن عباس قال: الساهرة الأرض.