← Книги сунны

Книги сунны · id 748

شعب الإيمان - ت زغلول

أبو بكر البيهقي

Полный текст (3 507 стр.). Показаны 22–61 · переход к 27.

стр. 22

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وبه نستعين الحمد لله رب العالمين، وصلاته وسلامه على سيّدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، صلاة دائمة إلى يوم الدين. أخبرنا الشيخ الإمام، العالم، الحافظ، الثقة، أبو القاسم علي بن الحسن بن هبة الله بن عبد الله بن الحسين الشافعي ﵁ قراءة عليه وأنا أسمع يوم الأحد ثامن جمادى الأولى سنة إحدى وسبعين وخمسمائة بمدينة دمشق حرسها الله. قال: حدثنا الشيخ أبو القاسم زاهر بن طاهر بن محمد بن محمد الشحامي بقراءتي عليه بنيسابور. قال: أخبرنا الشيخ الإمام أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي بن موسى البيهقي الحافظ ﵁، قال: أخبرنا الإمام الحافظ أبو محمد القاسم بن الحافظ أبي القاسم علي بن الحسين الشافعيّ قراءة عليه، قال أخبرنا الفقيه أبو عبد الله محمد بن الفضل الفراويّ (١)، وأبو القاسم زاهر بن طاهر الشحاميّ (٢). وحدثني أبي وأبو الحسن علي بن سليمان المرادي، عن زاهر، قال أنبا

стр. 23

الشيخ الإمام الحافظ، شيخ السنّة أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي بن موسى البيهقي الحافظ ﵀. قال: الحمد لله الواحد، القديم، الماجد، العظيم، الواسع، العليم، الذي خلق الإنسان في أحسن تقويم، وعلّمه أفضل تعليم، وكرّمه على كثير ممّن خلق أبين تكريم. أحمده، وأستعينه، وأعوذ به من الزّلل، وأستهديه لصالح القول والعمل، وأسأله أن يصلي على النبي المصطفى، الرسول الكريم المجتبى، محمد خاتم النبيين وسيد المرسلين، وعلى آله الطّيّبين الطّاهرين، وسلم كثيرا. أما بعد! فإن الله-جلّ ثناؤه وتقدّست أسماؤه-بفضله ولطفه وفّقني لتصنيف كتب مشتملة على أخبار مستعملة في أصول الدين وفروعه، (والحمد لله على ذلك كثيرا. ثم إني أحببت تصنيف كتاب جامع لأصل الإيمان وفروعه) وما جاء من الأخبار في بيانه وحسن القيام به لما في ذلك من الترغيب والترهيب، فوجدت الحاكم أبا عبد الله الحسين بن الحسن الحليمي- رحمنا الله وإياه-أورد في «كتاب المنهاج المصنف في بيان شعب لإيمان» المشار إليها في حديث رسول الله ﷺ من حقيقة كل واحدة من شعبه، وبيان ما يحتاج إليه مستعمله من فروضه وسننه وأدبه وما جاء في معناه من الأخبار والآثار-ما فيه كفاية، فاقتديت به في تقسيم الأحاديث على الأبواب، وحكيت من كلامه عليها ما يتبيّن به المقصود من كل باب؛ إلاّ أنه-رضي الله عنا وعنه-اقتصر في ذلك على ذكر المتون، وحذف الأسانيد تحرّيا للاختصار؛ وأنا-على رسم أهل الحديث-أحب إيراد ما أحتاج إليه من المسانيد والحكايات بأسانيدها، والاقتصار على ما لا يغلب على القلب كونه كذبا. ففي الحديث الثابت عن سيدنا المصطفى ﷺ أنه قال: «من حدّث بحديث وهو يرى أنّه كذب فهو أحد الكاذبين». وحكينا عن الإمام أبي عبد الله محمد بن إدريس الشافعيّ-رحمه الله تعالى-روايته عن سفيان بن عيينة أنه قال:

стр. 24

حدثني الزهري يوما بحديث فقلت: هاته بلا إسناد. فقال الزهري: أترقى السّطح بلا سلّم! وقد ذكرت إسناد هذا الحديث وهذه الحكاية في «كتاب المدخل»، وأوردت في «كتاب الأسماء والصفات» و «كتاب الإيمان» و «القدر» و «الرؤية» و «دلائل النبوة»، «والبعث والنشور» و «عذاب القبر» و «الدعوات»، ثم في الكتب المخرّجة في السنن على ترتيب مختصر أبي إبراهيم إسماعيل بن يحيى المزني-رحمه الله تعالى-من الأخبار والآثار-ما وقعت الحاجة إليه في كل باب: فاقتصرت في هذا الكتاب على إخراج ما يتبيّن به بعض المراد، وأحلت الباقي على هذه الكتب خوفا من الملال في الإطناب. واستعنت بالله-عزّ-في ذلك وفي جميع أموري استعانة من لا حول له ولا قوة إلاّ بالله العليّ العظيم.

стр. 25

باب ذكر الحديث الذي ورد في شعب الإيمان ١ - أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن محمد بن حمدويه الحافظ- رحمه الله تعالى-ثنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب ثنا أبو عمرو أحمد بن المبارك المستملي، وأبو سعيد محمد بن شاذان الأصمّ، قالا ثنا أبو قدامة عبيد الله بن سعيد ثنا أبو عامر العقدي ثنا سليمان بن بلال، عن عبد الله بن دينار، عن أبي صالح عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال:

стр. 26

«الإيمان بضع وستّون شعبة. والحياء شعبة من الإيمان». رواه أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري في الصحيح عن عبد الله بن محمد المسندي عن أبي عامر، ورواه أبو الحسين مسلم بن الحجاج عن عبيد الله بن سعيد.

стр. 27

٢ - أخبرنا أبو صالح العنبر بن الطيّب بن محمد العنبري ابن ابنة يحيى بن منصور القاضي، أنبا جدي ثنا أحمد بن سلمة ثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، وعمرو بن زرارة الكلابي، قالا أنبا جرير، عن سهيل بن أبي صالح، عن عبد الله بن دينار، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: «الإيمان بضع وستّون أو سبعون شعبة، فأرفعها قول لا إله إلاّ الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطّريق. والحياء شعبة من الإيمان». رواه مسلم في الصحيح عن زهير بن حرب عن جرير. قال الإمام أحمد (١) رحمه الله تعالى:

стр. 28

وهذا الشكّ وقع من سهيل بن أبي صالح في «بضع وستّين» أو في «بضع وسبعين». وسليمان بن بلال قال: «بضع وستّون» لم يشكّ فيه. وروايته أصح عند أهل العلم بالحديث. غير أن بعض الرواة عن سهيل رواه من غير شك قال: « ... بضع وسبعون. أفضلها قول لا إله إلاّ الله، وأدناها إماطة الأذى والعظم عن الطّريق. والحياء شعبة من الإيمان». ٣ - أخبرنا أبو علي الحسين بن محمد بن محمد بن علي الرّوذباري، أنبأ أبو بكر محمد بن بكر ثنا أبو داود السجستاني ثنا موسى بن إسماعيل ثنا حماد بن سلمة أنبا سهيل بن أبي صالح،-فذكره من غير شك-وهذا زائد فأخذ به صاحب كتاب «المنهاج» في تقسيمه ذلك على سبعة وسبعين بابا بعد بيان صفة الإيمان وبالله التوفيق.

стр. 29

باب حقيقة الإيمان قال أبو عبد الله الحليمي-رحمه الله تعالى-: «الإيمان مشتقّ من الأمن الذي هو ضدّ الخوف» كما قال الله : ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجالاً أَوْ رُكْباناً. فَإِذا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللهَ ... ﴾. [البقرة: ٢٣٩] الآية. ومعناه والغرض الذي يراد به عند إطلاقه هو: التصديق والتحقيق. لأنّ الخبر هو القول الذي يدخله الصدق والكذب. والأمر والنهي كل واحد منهما قول، يتردّد بين أن يطاع قائله، وبين أن يعصى، فمن سمع خبرا فلم يستشعر في نفسه جواز أن يكون كذبا، وأعتقد أنه حق وصدقّ، فكأنما آمن في نفسه باعتقاد ما اعتقد فيما سمع-من أن يكون مكذوبا أو ملبسا عليه. ومن سمع أمرا أو نهيا، فاعتقد الطاعة له، فكأنما آمن في نفسه-باعتقاد ما اعتقد فيما سمع-من أن يكون مظلوما أو مستسخرا أو محمولا على ما لا يلزمه قبوله والانقياد له. فمن ذهب إلى هذا، أنزل قول القائل: آمنت بكذا-والمراد امنت نفسي-منزلة قولهم: وطنت نفسي أو حملت نفسي على كذا. أو يكون تركهم ذكر النفس في قولهم: «آمنت» اختصارا لكثرة الاستعمال، كما يقال: بسم الله -بمعنى بدأت أو أبدأ بسم الله -. قال: وفيه وجه آخر: وهو أن يكون معنى آمنت: أي آمنت مخبري أو الداعي لي من التكذيب، والخلاف بما صرّحت له به من التصديق والوفاق. ثم الإيمان الذي يراد به التصديق لا يعدّى إلى من يضاف إليه ويلصق به إلا بصلة. وتلك الصلة قد تكون باء، وقد تكون لاما. وقد ورد الكتاب بكل واحد منهما. فالإيمان بالله ثناؤه: إثباته والاعتراف بوجوده؛ والإيمان له: القبول عنه والطاعة له.

стр. 30

والإيمان بالنّبي ﷺ : إثباته والاعتراف بنبوّته. والإيمان للنّبيّ ﷺ : اتباعه وموافقته والطاعة له. ثم إن التصديق الذي هو معنى الإيمان بالله وبرسوله منقسم: فيكون منه ما يخفى وينكتم، وهو الواقع منه بالقلب، ويسمّى اعتقادا. ويكون منه ما ينجلي ويظهر، وهو الواقع باللسان، ويسمى إقرارا وشهادة. وكذلك الإيمان لله ولرسوله ينقسم إلى جليّ وخفيّ: والخفيّ منه: هو النيّات والعزائم التي لا تجوز العبادات إلاّ بها، واعتقاد الواجب واجبا، والمباح مباحا، والرخصة رخصة، والمحظور محظورا، والعبادة عبادة والحدّ حدّا ونحو ذلك. والجليّ منها: ما يقام بالجوارح إقامة ظاهرة. وهو عدة أمور: منها: الطهارة؛ ومنها: الصلاة؛ ومنها: الزكاة؛ ومنها: الصيام؛ ومنها: الحج والعمرة؛ ومنها: الجهاد في سبيل الله؛ وأمور سواها ستذكر في مواضعها إن شاء الله تعالى. وكل ذلك إيمان وإسلام، وطاعة لله ولرسوله ﷺ ، إلا أنه إيمان لله بمعنى أنه عبادة له، وإيمان للرسول بمعنى أنه قبول عنه دون عبادة له، إذ العبادة لا تجوز من أحد وتراجع لأنها خطأ إلا لله . قال: والإيمان بالله ورسوله أصل، وهو الذي ينقل من الكفر، والإيمان لله ولرسوله- ﷺ -فرع، وهو الذي يكمل بكماله الإيمان، وينقص بنقصانه الإيمان. ومعنى هذا أن أصل الإيمان إذا حصل ثم تبعته طاعة زائدة، زاد الإيمان المتقدّم

стр. 31

بها، لأنه إيمان انضم إليه إيمان كان يقتضيه، ثم إذا تبعت تلك الطاعة طاعة أخرى، ازداد الأصل المتقدم، والطاعة التي تليه بها، وعلى هذا إلى أن تكمل شعب الإيمان. قال: ونقصان الإيمان هو انفراد أصله عن بعض فروعه، أو انفراد أصله وبعض فروعه عما بقي منها مما اشتمل عليه الخطاب والتكليف، لأن النقصان خلف الزيادة. فإذا قيل لمن آمن وصلّى: زاد إيمانه، وجب أن يقال لمن آمن ووجبت عليه الصلاة فلم يصلّ-إنه ناقص الإيمان، وأنه صار بتركها مع القدرة عليها فاسقا عاصيا. وعلى هذا سائر الأركان. فأما ما يتطوع به الإنسان مما ليس بواجب عليه بمعنى تصديق العقد والقول بالفعل موجود فيه فيزداد به الإيمان، وتركه بالإضافة إلى من لم يتركه يجوز أن يسمى نقصانا، لكن لا يوجب لتاركه عصيانا. هذا معنى قوله: قال: وإذا أوجبنا أن تكون الطاعات كلها إيمانا، لم نوجب أن تكون المعاصي الواقعة من المؤمنين كفرا. وذلك أن الكفر بالله وبرسوله مقابل للإيمان به، فاذا كان الإيمان بالله وبرسوله: الاعتراف به والإثبات له؛ كان الكفر. جحوده والنّفي له والتكذيب، وأما الأعمال فإنها إيمان لله وللرسول بعد وجود الإيمان به والمراد به إقامة الطاعة على شرط الاعتراف المتقدم، فكان الذي يقابله هو الشقاق والعصيان دون الكفر. وقد ذكرت في «كتاب الإيمان» من الأخبار والآثار ما يكشف عن صحة هذه الجملة. وأنا أشير في هذا الكتاب إلى طرق منها بمشيئة الله .

стр. 32

باب الدليل على أن التصديق بالقلب والإقرار باللسان أصل الإيمان، وأن كليهما شرط في النقل عن الكفر عند عدم العجز قال الله تعالى: ﴿قُولُوا آمَنّا بِاللهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ .. ﴾. [البقرة:١٣٦]. الآية. فأمر المؤمنين أن يقولوا: آمنا بالله. وقال الله : ﴿قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا وَلَمّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات:١٤]. فأخبر أن القول العاري عن الاعتقاد ليس بإيمان، وأنه لو كان في قلوبهم إيمان، لكانوا مؤمنين لجمعهم بين التصديق بالقلب والقول باللسان. ودلت السنة على مثل ما دلّ عليه الكتاب. ٤ - أخبرنا أبو محمد جناح بن نذير بن جناح القاضي بالكوفة ثنا أبو جعفر محمد بن علي بن دحيم ثنا أبو عمرو أحمد بن حازم الغفاري أنبا يعلى بن عبيد عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر، وعن أبي صالح عن أبي هريرة قالا: قال رسول الله ﷺ :

стр. 33

«أمرت أن أقاتل النّاس حتّى يقولوا لا إله إلاّ الله، فإذا قالوها منعوا دماءهم وأموالهم إلاّ بحقها، وحسابهم على الله ». أخرجه مسلم في الصحيح من وجه آخر عن الأعمش. ٥ - أخبرنا أبو صالح بن أبي طاهر العنبري أنبا جدي يحيى بن منصور القاضي ثنا أحمد بن سلمة ثنا أحمد بن عبدة، أنبا عبد العزيز بن محمد، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن النبي قال: «أمرت أن أقاتل النّاس حتّى يشهدوا أن لا إله إلاّ الله ويؤمنوا بي، فإن شهدوا أن لا إله إلاّ الله، وآمنوا بي وبما جئت به فقد عصموا منّي دماءهم إلاّ بحقها وحسابهم على الله». رواه مسلم في الصحيح عن أحمد بن عبدة. وأخرج حديث عكرمة بن عمار عن أبي كثير عن أبي هريرة عن النبي ﷺ : «اذهب فمن لقيت يشهد أن لا إله إلا الله، مستيقنا بها قلبه فبشّره بالجنة». ٦ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنبا أبو الحسين محمد بن أحمد بن تميم القنطري، ثنا أحمد بن محمد بن عيسى القاضي، ثنا أبو حذيفة ثنا عكرمة بن عمار بإسناده ومعناه.

стр. 34

٧ - أخبرنا أبو طاهر محمد بن محمد بن محمش الفقيه، أنبا أبو حامد أحمد بن محمد بن يحيى، ثنا علي بن الحسن بن أبي عيسى الدارابجردي ثنا محمد بن عرعرة بن البرند ثنا شعبة، عن قتادة، عن أنس بن مالك، عن معاذ بن جبل أن رسول الله ﷺ قال: «من مات وهو يشهد أن لا إله إلاّ الله، وأن محمدا رسول الله، صادقا من قلبه، دخل الجنة». وروينا في هذا المعنى عن عتبان بن مالك، ورفاعة بن عرابة وغيرهما عن النبي ﷺ .

стр. 35

٨ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ثنا أبو بكر بن إسحاق، أنا العباس بن الفضل الأسفاطي ثنا أحمد بن يونس ثنا فضيل بن عياض، عن هشام عن الحسن، عن بعض أصحابه، قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يستقيم إيمان عبد حتّى يستقيم قلبه، ولا يستقيم قلبه حتّى يستقيم لسانه». ٩ - أخبرنا أبو نصر بن قتادة، أن أبو عمرو بن مطر ثنا خشنام بن بشر بن العنبر، ثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي ثنا أبو ضمرة أنس بن عياض، حدثني عبد الله بن يرفأ، عن عبد الرحمن بن فرّوخ، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : «من شهد أن لا إله إلاّ الله، وأنّ محمدا رسول الله، فذلّ بها لسانه واطمأنّ بها قلبه، لم تطعمه النّار.» ١٠ - أخبرنا حمزة بن عبد العزيز، أنبا أبو بكر محمد بن أحمد بن دلّويه، ثنا أحمد بن حفص بن عبد الله، حدثني أبي، حدثني إبراهيم بن طهمان، عن

стр. 36

عمر بن سعيد، عن سليمان، عن مجاهد أنه قال في قول الله : ﴿إِلاّ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف:٨٦]. قال: شهد بالحقّ وهو يعلم أنّ الله ربّه.

стр. 37

باب الدليل على أن الطاعات كلها إيمان قال الله في وصف المؤمنين: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً﴾ إلى قوله: ﴿أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا .. ﴾. [الأنفال:٢ - ٤]. فأخبر أن المؤمنين هم الذين جمعوا هذه الأعمال. فدل ذلك على أنها من جوامع الإيمان. قال الحليمي رحمه الله تعالى: إذا ثبت لك أن الموصوفين في هذه الآية إنما استوجبوا اسم المؤمنين حقا لمكان الأعمال التي وصفهم الله تعالى بها، ولم تكن الأعمال المتعبّد بها هذه وحدها-صحّ أن المراد بذكرها هي وما في معناها من الأعمال المفروضة أو المندوب إليها. «فالصلاة» إشارة إلى الطاعات التي تقام بالأبدان خاصة، «والإنفاق مما رزق الله» إشارة إلى الطاعات التي تقام بالأموال، و «وجل القلب» إشارة الاستقامة من كل وجه. ويدخل فيها إقامة الطاعات والانزجار عن المعاصي. قال: والآية فيمن إذا ذكر الله وجل قلبه، وليس ارتكاب المعاصي، ومخالفة الأوامر من امارات الوجل. والآية فيمن إذا تليت عليه آيات الله زادته إيمانا، وليس التخلّف عن الفرائض والقعود عن الواجبات اللوازم من زيادة الإيمان بسبيل، فصحّ أن الذين نفينا أن يكونوا مؤمنين حقا، وأوجبنا أن يكونوا ناقصي الإيمان، غير داخلين في الآية. قال الله : ﴿وَلكِنَّ اللهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيانَ﴾ [الحجرات:٧].

стр. 38

فقابل بين ما حبّبه إلينا وبين ما كرّه إلينا. ثم أفرد الإيمان بالذكر فيما حبّب، وقابله بالكفر والفسوق فيما كرّه. فدلّ ذلك على أن للإيمان ضدّين، أو أن من الإيمان ما ينقضه الكفر، ومن الإيمان ما ينقضه الفسوق. وفي ذلك ما أبان أن الطاعات كلها إيمان. ولولا ذلك لم يكن الفسوق ترك الإيمان. والله أعلم. قال الحافظ أبو بكر البيهقي-﵀: وفصل بين الفسق والعصيان. وفي ذلك دلالة على أن من المعاصي ما لا يفسق به، وإنما يفسق بارتكاب ما يكون منها من الكبائر، أو الإصرار على ما يكون منها من الصغائر. واجتناب جميع ذلك من الإيمان. وبالله التوفيق. وقال الله تعالى: ﴿وَما كانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ﴾. وأجمع المفسرون على أنه أراد به: صلاتكم إلى بيت المقدس. فثبت أنّ الصّلاة إيمان. وإذا ثبت ذلك فكل طاعة إيمان إذ لا فرق يفرق بينهما. قال الإمام أحمد البيهقي: وقد روينا في الحديث الثابت عن أبي إسحاق عن البراء بن عازب في صلاة رسول الله ﷺ بعد ما قدم المدينة قبل بيت المقدس ستّة عشر أو سبعة عشر شهرا ثم حوّلت إلى البيت، وأنه مات قبل أن تحوّل رجال، وقتلوا فلم يدر ما نقول فيهم، فأنزل الله : ﴿وَما كانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ. إِنَّ اللهَ بِالنّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٤٣]. ١١ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنا أبو النضر الفقيه ثنا عثمان بن سعيد

стр. 39

الدارمي ثنا النفيلي ثنا زهير ثنا أبو إسحاق فذكره. أخرجاه فى الصحيح من حديث زهير بن معاوية. وجعل رسول الله ﷺ الطّهور من الإيمان. ١٢ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، وأبو بكر أحمد بن محمد الأشناني قالا: أنبا أبو الحسن أحمد بن محمد بن عبدوس ثنا عثمان بن سعيد الدارمي ثنا مسلم بن إبراهيم ثنا أبان بن يزيد، عن يحيى بن أبي كثير، عن زيد بن سلاّم، عن أبي سلام، عن أبي مالك الأشعري أن رسول الله ﷺ كان يقول: «الطهور شطر الإيمان». أخرجه مسلم في الصحيح من حديث أبان بن يزيد العطار. ١٣ - أخبرنا أبو عبد الله الحسين بن عبد الله البيهقي المسديدي فيما قرأت عليه من أصله بخسروجرد قال: أنبا أبو حامد أحمد بن محمد بن الحسين البيهقي،

стр. 40

نا داود بن الحسين البيهقي ثنا حميد بن زنجويه النسوي، حدثنا أبو شيخ الحرّاني ثنا موسى بن أعين عن ليث، عن عمرو بن مرّة، عن معاوية بن سويد-قال: أراه قال:-عن أبيه-الشك من أبي شيخ-قال: كنا جلوسا عند النبي ﷺ يوما نتحدث. فقال رسول الله ﷺ : «أتدرون أيّ عرى الإيمان أوثق؟ فقالوا: الصّلاة؛ فقال: إنّ الصّلاة لحسنة، وما هي بها؛ فقالوا: الجهاد؛ فقال: إن الجهاد لحسن، وما هو به؛ فقالوا: الحجّ؛ فقال: إن الحج لحسن، وليس به؛ فقالوا: الصّيام؛ فقال: الصيّام لحسن، وليس به؛ فقال رسول الله ﷺ : أوثق عرى الإيمان أن تحبّ لله وتبغض له». ورواه جرير بن عبد الحميد، عن ليث بن أبي سليم، عن عمرو بن مرّة عن معاوية بن سويد بن مقرن عن البراء بن عازب عن النبي ﷺ . ١٤ - أخبرناه أبو منصور النخعي بالكوفة ثنا أبو جعفر بن دحيم، ثنا أحمد بن حازم أنبا عثمان بن أبي شيبة ثنا جرير ... فذكره بإسناده نحوه غير أنه قال في آخره: فذكروا شرائع الإسلام. فلما رآهم لا يصيبون قال: «إنّ أوثق عرى الإيمان أن تحب في الله وأن تبغض في الله». فجعل هذه الشرائع كلّها من الإيمان. وشاهده في الحبّ والبغض ما:

стр. 41

١٥ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ثنا محمد بن صالح بن هانئ، وإبراهيم بن عصمة، قالا نا السريّ بن خزيمة نا عبد الله بن يزيد المقرئ ثنا سعيد بن أبي أيّوب، عن أبي مرحوم عن سهل بن معاذ بن أنس الجهني، عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال: «من أعطى لله، ومنع لله، وأحب لله، وأبغض لله، وأنكح لله فقد استكمل إيمانه». وروى ذلك أيضا في حديث أبي امامة الباهلي عن النبي ﷺ في غير الإنكاح. فصرّح بأنّ هذه الخصال كلها إيمان، وأبان أن أوثق عرى الإيمان الإخلاص. ١٦ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنبا أبو بكر أحمد بن إسحاق الفقيه، أنبا علي بن عبد العزيز ثنا عبد السّلام بن صالح الهروي ثنا علي بن موسى بن

стр. 42

جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب حدثني أبي عن جعفر عن أبيه عن علي بن الحسين عن أبيه عن علي-﵃-قال: قال رسول الله ﷺ : «الإيمان معرفة بالقلب وإقرار باللّسان، وعمل بالأركان». ١٧ - وحدثنا أبو محمد عبيد بن محمد بن مهدي القشيري، أنبا أبو محمد عبد الله بن محمد بن موسى بن كعب، ثنا أبو محمد الفضل بن محمد بن المسيب البيهقي ثنا أبو الصلت الهروي عبد السّلام ومحمد بن أسلم قالا: ثنا علي بن موسى الرضا عن أبيه ... فذكره بإسناده غير أنه قال: «الإيمان إقرار باللسان، ومعرفة بالقلب، وعمل بالجوارح». وشاهد هذا الحديث ما مضى في الحديث الثابت عن النبي ﷺ في عدد شعب الإيمان. وأما قول الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ ... ﴾. فأفرد العمل الصالح بالذكر، وقد قال أيضا: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر:٣].

стр. 43

فأفرد التواصي بالحق والتواصي بالصبر بالذكر ولم يدلك ذلك على أنهما ليسا من الأعمال الصالحة، فكذلك قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾. لا يدلّ على أن عمل الصالحات ليس بإيمان، وإنما معناه أن الذين آمنوا قبل الإيمان-الناقل عن الكفر-ثم لم يقتصروا عليه ولكنهم ضمّوا إليه الصالحات فعملوها حتى ارتقى إيمانهم من درجة الأقلّ إلى الأكمل. أو نقول: ان المراد «بالذين آمنوا» الإيمان بالله وبعمل الصالحات الإيمان لله. والإيمانان متغايران على ما بيّنا. فلذلك سمّيا باسمين، والله أعلم.

стр. 44

باب الدليل على أن الإيمان والإسلام على الإطلاق عبارتان عن دين واحد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الْإِسْلامُ﴾ [آل عمران:١٩]. وقال: ﴿قُولُوا آمَنّا بِاللهِ﴾. فصحّ أن قولنا إيمان بالله إسلام. وقال في قصة لوط: ﴿فَأَخْرَجْنا مَنْ كانَ فِيها مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، فَما وَجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات:٣٥،٣٦]. فسمّاهم مرّة «مؤمنين» ومرّة «مسلمين» وإنما أراد تمييزهم عن غيرهم بأديانهم، فصحّ أنّ الإيمان والإسلام اسمان لدين واحد، وإن كانت حقيقة الإسلام: التسليم، وحقيقة الإيمان: التصديق؛ فاختلاف الحقيقة فيهما لا يمنع من أن يجعلا اسما لدين واحد، كالغيث والمطر، هما اسمان لمسمى واحد وإن كان حقيقة الغيث في اللسان غير حقيقة المطر. ١٨ - أخبرنا أبو الحسن علي بن محمد بن علي المقرئ الإسفراييني بها، أنبا الحسن بن محمد بن إسحاق ثنا يوسف بن يعقوب القاضي ثنا عمرو بن

стр. 45

مرزوق، ثنا شعبة عن أبي جمرة، عن ابن عباس ﵁: أنّ وفد عبد القيس لما قدموا على رسول الله ﷺ قال: من القوم؟ قالوا: ربيعة. قال: مرحبا بالوفد غير الخزايا ولا النادمين. قالوا: يا رسول الله: انا حيّ من ربيعة وإنا نأتيك من شقّة بعيدة، وإنه يحول بيننا وبينك هذا الحيّ من كفّار مضر، وانا لا نصل إليك إلا في شهر حرام، فمرنا بأمر فصل ندعو إليه من وراءنا، وندخل به الجنّة. قال: فقال رسول الله ﷺ : «آمركم بأربع وأنهاكم عن أربع: آمركم بالإيمان بالله وحده، أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟ شهادة أن لا إله إلاّ الله، وأنّ محمدا رسول الله، وإقام الصّلاة، وإيتاء الزّكاة، وأن تعطوا من المغانم الخمس. وأنهاكم عن أربع: عن الدّبّاء، والحنتم، والنّقير، والمزفّت-قال (١) وربما قال: المقيّر-احفظوهنّ وادعوا إليهن من وراءكم». أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح من حديث شعبة وغيره. فسمّى رسول الله ﷺ كلمة الشهادة في هذا الحديث إيمانا، وسمّاها في حديث آخر إسلاما.

стр. 46

١٩ - وذلك فيما أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب ثنا يحيى بن محمد بن يحيى وأبو عبد الله البوشنجي قالا: ثنا مسدد. وأخبرنا أبو نصر عمر بن عبد العزيز بن عمر بن قتادة من أولاد النعمان بن بشير، ثنا أبو محمد عبد الله بن أحمد بن سعد الحافظ، ثنا أبو عبد الله محمد بن إبراهيم البوشنجي ثنا أبو الحسن مسدد بن مسرهد ثنا يحيى بن سعيد، عن عثمان بن غياث، حدثني عبد الله بن بريدة، عن يحيى بن يعمر وحميد بن عبد الرحمن. قالا: لقينا عبد الله بن عمر فذكرنا له القدر وما يقولون فيه، فقال: إذا رجعتم إليهم فقولوا لهم إن ابن عمر منكم بريء، وأنتم منه برآء ثلاث مرّات ثم قال: أخبرني عمر-أو قال: حدثني عمر بن الخطاب ﵁ أنهم بينما هم جلوس عند رسول الله ﷺ جاء رجل حسن الوجه، حسن الشعر، عليه ثياب بياض، فنظر القوم بعضهم إلى بعض فقالوا: ما نعرف هذا ولا هذا صاحب سفر ثم قال: يا رسول الله! آتيك؟ قال: نعم. «قال: فجاء فوضع ركبتيه عند ركبتيه ويديه على فخذيه فقال: ما الإسلام؟ قال: الإسلام شهادة أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمدا رسول الله، وتقيم الصّلاة، وتؤتي الزّكاة، وتصوم رمضان، وتحجّ البيت.

стр. 47

قال: فما الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله وملائكته والجنّة والنّار والبعث بعد الموت والقدر كلّه. قال: فما الإحسان؟ قال: أن تعمل كأنّك ترى فإن لم تكن ترى فإنّك ترى. قال: فمتى السّاعة؟ قال: ما المسؤول عنها بأعلم من السّائل. قال: فما أشراطها؟ قال: إذا رأيت الحفاة، العراة، العالة، رعاء الشّاء، يتطاولون في البنيان، وولدت الاماء أربابهنّ. ثمّ قال: عليّ بالرّجل. فطلبوه فلم يروا شيئا. فلبث يومين أو ثلاثة ثم قال: يا ابن الخطاب! أتدري من السائل عن كذا وكذا؟ قال: الله ورسوله أعلم. قال: ذاك جبريل. جاءكم يعلّمكم أمر دينكم. قال: وسأله رجل من جهينة أو مزينة، قال: يا رسول الله! فيم نعمل؟ أفي شيء قد خلا أو مضى؟ أو شيء يستأنف الآن؟ قال: في شيء قد خلا ومضى. فقال رجل أو بعض القوم: فيم نعمل إذن؟ قال: إنّ أهل الجنّة ييسّرون لعمل أهل الجنّة، وإن أهل النّار ييسّرون لعمل أهل النّار». رواه مسلم في الصحيح عن محمد بن حاتم عن يحيى بن سعيد. قال: الإمام أبو بكر البيهقي-﵀-وفي تسمية كلمة الشهادة في هذا الحديث إسلاما، وفي الحديث الأول إيمانا دلالة على أنهما اسمان لمسمى واحد إلا أنه فسّر في هذا الحديث الإيمان بما هو صريح فيه-وهو التصديق- وفسّر الإسلام بما هو امارة له وإن كان اسم صريحه يتناول أماراته، واسم أماراته

стр. 48

يتناول صريحه، وهذا كما فصل بينهما وبين الإحسان، وإن كان الإيمان والإسلام إحسانا، والإحسان الذي فسّر بالإخلاص واليقين يكون إيمانا، والله تعالى أعلم. ٢٠ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الصّفّار، ثنا أحمد بن مهران ثنا عبيد الله بن موسى أنا حنظلة بن أبي سفيان، عن عكرمة بن خالد، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله-أظنّه قال-وأنّ محمدا رسول الله، وإقام الصّلاة، وإيتاء الزكاة، والحجّ، وصوم رمضان».، رواه البخاري في الصحيح عن عبيد الله بن موسى وقال: وأن محمدا رسول الله. ولم يذكره بعض الرواة عن عبيد الله ولا أكثرهم عن حنظلة. وأخرجه مسلم عن وجه آخر عن حنظلة. فسمى هذه الأركان الخمسة في هذه الرواية إسلاما، وقد سماهنّ في رواية أخرى إيمانا. ٢١ - أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ، أنا أبو بكر أحمد بن إسحاق الفقيه، أنا موسى بن إسحاق ثنا عبد الله بن أبي شيبة ثنا جرير بن عبد الحميد

стр. 49

عن منصور، عن سالم بن أبي الجعد، عن عطية مولى بني عامر، عن يزيد السكسكي قال: قدمت المدينة فدخلت على عبد الله بن عمر، فأتاه رجل من أهل العراق فقال يا أبا عبد الرحمن! مالك تحجّ وتعتمر، وقد تركت الغزو في سبيل الله؟ قال: ويلك! إن الإيمان بني على خمس: تعبد الله، وتقيم الصّلاة، وتوتي الزكاة، وتحجّ البيت، وتصوم رمضان. قال: فردّها عليه. فقال عبد الله: كذلك حدثنا رسول الله ﷺ ثم الجهاد بعد ذلك حسن. قال الإمام أبو بكر البيهقي ﷺ ﵀: وإنما أراد-والله أعلم-أنّ الجهاد من فروض الكفايات وليس بفرض على الأعيان. ٢٢ - أخبرنا أبو الحسن علي بن محمد بن علي المقرئ، أنبا الحسن بن محمد بن إسحاق ثنا يوسف بن يعقوب ثنا سليمان بن حرب ثنا حمّاد بن زيد، عن أيوب- وأخبرنا أبو الحسن علي بن أحمد بن عبدان أنبا أحمد بن عبيد الصفّار نا عبيد بن شريك أنا أبو صالح، أنبا الفزاريّ، أنبا سفيان بن سعيد عن أيوب عن أبي قلابة عن رجل من أهل الشام من أهل الإسلام عن أبيه قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ يسأله عن الإسلام- وفي رواية حماد قال: عن أبيه أن النبي ﷺ قال له: «أسلم تسلم. قال: وما الإسلام؟

стр. 50

قال: تسلم قلبك لله، ويسلم المسلمون من لسانك ويدك. قال: فأيّ الإسلام أفضل؟ قال: الإيمان. قال: فما الإيمان؟ قال: تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله وبالبعث بعد الموت، قال: فأيّ الإيمان أفضل؟ قال: الهجرة، قال: وما الهجرة؟ قال: أن تهجر السّوء، قال: فأيّ الهجرة أفضل؟ قال: الجهاد. قال: وما الجهاد؟ قال: أن تجاهد-أو قال: تقاتل-الكفّار إذا لقيتهم. -وفي رواية سفيان قال: تقاتل العدوّ إذا لقيتهم، ولا تغلّ ولا تجبن. -وفي رواية حماد-ثم لا تغلّ ولا تجبن، وزاد، ثم قال رسول الله ﷺ : ثمّ عملان هما من أفضل الأعمال إلاّ من عمل عملا بمثلهما-وقال بإصبعيه هكذا السبّابة والوسطى- «حجّة مبرورة أو عمرة مبرورة» قال الحليمي-رحمه الله تعالى-فأبان هذا الحديث أن الإسلام الذي أخبر الله أنه هو الدين عنده بقوله: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الْإِسْلامُ﴾ [آل عمران:١٩]. وقوله: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران:٨٥]. وقوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً﴾ [المائدة:٣]. ينظم الاعتقاد والأعمال الظاهرة لأن قوله: «الإسلام أن تسلم قلبك لله».

стр. 51

إشارة إلى تصحيح الاعتقاد وقوله: «أن يسلم المسلمون من لسانك ويدك» إشارة إلى تصحيح المعاملات الظاهرة. ثم صرّح بذلك فأخبر أن الإيمان أفضل الإسلام، وفسّره بأنه الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث، أراد أن الإيمان بالغيب أفضل من الإيمان بما يشاهد ويرى. وهذا موافق لقول الله : ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة:٣]. مدحا لهم وثناء عليهم. ثم أبان أن الاعتقاد وعامة الأعمال إيمان فقال: «أفضل الإيمان الهجرة» ثم فرّع الهجرة فدلّ ذلك على أن الطاعات كلّها إيمان، كما هي إسلام؛ وأنّ الإسلام هو الإذعان لله سواء وقع بأمر باطن أو بأمر ظاهر بعد أن يكون الأمران مما رضي الله تعالى لعباده أن يتقرّبوا به إليه. ٢٣ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ثنا الحسن بن علي بن عفان العامريّ ثنا ابن نمير عن الأعمش- وأخبرنا أبو عبد الله، أخبرني أبو النضر محمد بن محمد بن يوسف الفقيه، ثنا معاذ بن نجدة القرشي ثنا خلاّد بن يحيى ثنا سفيان، عن منصور والأعمش، عن أبي وائل، عن عبد الله بن مسعود قال: «قال رجل: يا رسول الله! أيواخذ الله الرّجل بما عمل في الجاهلية؟ قال: من أحسن في الإسلام لم يؤاخذ بما عمل في الجاهلية ومن أساء فى الإسلام أخذ بالأوّل والآخر».

стр. 52

لفظ حديث أبي النضر، رواه البخاري في الصحيح عن خلاد بن يحيى. ورواه مسلم عن محمد بن عبد الله بن نمير عن أبيه. قال الحليمي-رحمه الله تعالى-وهذا على أن الطاعات في الإيمان إيمان، وأن المعاصي في الكفر كفر، فإذا أسلم الكافر أحبط أسلامه كفره. فإن أحسن في الإسلام، أحبطت طاعاته تلك المعاصي التي قدّمها في حال كفره، وإن لم يحسن في الإسلام بقيت تلك المعاصي بحالها لم يجد ما يحبطها، فأخذ بإساءته في الإسلام وفيما قبله. وبسط الكلام في شرح ذلك. ولا يلزم على هذا إلزامه قضاء ما ترك من صوم وصلاة لأنه إذا صام وصلّى بعد ما أسلم سقط عنه ما ترك في الكفر بدلالة الحديث. وإن لم يصل ولم يصم أمر بهما وحمله على ذلك حمل له على ما إذا فعله سقط عنه ما مضى. ٢٤ - أخبرنا أبو جعفر كامل بن أحمد المستملي، وأبو نصر عمر بن عبد العزيز بن قتادة قالا: ثنا أبو العباس محمد بن إسحاق بن أيوب الصّبغي ثنا الحسن بن علي بن زياد السّريّ ثنا إسماعيل بن أبي أويس قال: حدثني مالك، عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال: «إذا أسلم العبد فحسن إسلامه كفّر الله عنه كلّ سيّئة زلفها وكتب الله له كلّ

стр. 53

حسنة كان زلفها ثمّ كان القصاص: الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، والسّيّئة بمثلها إلاّ أن يتجاوز الله ». أخرجه البخاري في الصحيح فقال: وقال مالك ... فذكره. قال الإمام الحافظ أبو بكر البيهقي ﵀: أسنده مالك وأرسله ابن عيينة. ٢٥ - أخبرناه أبو الحسين بن بشران أنا إسماعيل بن محمد الصفّار ثنا سعدان بن نصر ثنا سفيان بن عيينة، عن زيد بن أسلم سمع عطاء بن يسار يخبر عن النبي ﷺ قال: «أذا أسلم العبد فحسن إسلامه تقبل منه كلّ حسنة زلفها، وكفّر عنه كلّ سيئة زلفها. وكان في الإسلام ما كان الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة، والسيئة بمثلها أو يمحوها الله .

стр. 54

باب القول في زيادة الإيمان ونقصانه وتفاضل أهل الإيمان في إيمانهم وهذا يتفرّع على قولنا في الطاعات إنها إيمان، وهو أنها إذا كانت إيمانا كان تكاملها بكمال الإيمان وتناقصها تناقص الإيمان، وكان المؤمنون متفاضلين في إيمانهم، كما هم متفاضلون في أعمالهم، وحرم أن يقول قائل: إيماني وإيمان الملائكة والنبيّين-صلوات الله عليهم أجمعين-واحد. قال الله : ﴿لِيَزْدادُوا إِيماناً مَعَ إِيمانِهِمْ﴾ [الفتح:٤]. وقال: ﴿وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً﴾ [الأنفال:٢]. وقال: ﴿وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ إِيماناً، فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيماناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [التوبة:١٢٤]. وقال: ﴿وَيَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيماناً﴾ [المدثر:٣١]. فثبت بهذه الآيات أنّ الإيمان قابل للزيادة، وإذا كان قابلا للزيادة فعدمت الزيادة، كان عدمها نقصانا على ما مضى بيانه، ودلّت السّنّة على مثل ما دلّ عليه الكتاب. ٢٦ - أخبرنا أبو طاهر الفقيه، أنبا أبو بكر محمد بن عمر بن حفص الزاهد، ثنا السّريّ بن خزيمة الأبيوردي ثنا عبد الله بن يزيد هو المقرئ، ثنا سعيد-هو ابن أبي أيوب-، حدثني محمد بن عجلان، عن القعقاع بن حكيم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: «أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا».

стр. 55

٢٧ - وأخبرنا أبو طاهر الفقيه، أنبا أبو محمد حاجب بن أحمد الطوسي ثنا محمد بن يحيى الذّهلي ثنا يعلى بن عبيد ثنا محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا، وخياركم خياركم لنسائكم». قال الحليمي-رحمه الله تعالى-فدل هذا القول على أنّ حسن الخلق إيمان، وأنّ عدمه نقصان إيمان، وأنّ المؤمنين متفاوتون في إيمانهم، فبعضهم أكمل إيمانا من بعض. ٢٨ - أخبرنا أبو الحسين علي بن محمد بن عبد الله بن بشران، ثنا إسماعيل بن محمد الصّفّار ثنا الحسن بن علي بن عفّان ثنا ابن نمير، عن الأعمش، عن إسماعيل بن رجاء، عن أبيه، قال أخرج مروان المنبر وبدأ بالخطبة قبل الصّلاة. فقام رجل فقال: يا مروان! خالفت السّنة، أخرجت المنبر ولم يكن يخرج، وبدأت بالخطبة قبل الصلاة. فقال أبو سعيد: من هذا؟ فقالوا: فلان. فقال أبو سعيد: قد قضى هذا الذي عليه. إن رسول الله ﷺ قال: «من رأى أمرا منكرا فليغيّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه. وذلك أضعف الإيمان». أخرجه مسلم في الصحيح من حديث الأعمش. ٢٩ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو بكر بن إسحاق الفقيه أنبا

стр. 56

أحمد بن إبراهيم بن ملحان ثنا ابن بكير ثنا اللّيث، عن ابن الهاد، عن عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر أن رسول الله ﷺ قال: «يا معشر النّساء! تصدّقن، وأكثرن الاستغفار، فإني رأيتكنّ أكثر أهل النّار قالت امرأة منهنّ ومالنا يا رسول الله؟ قال: تكثرن اللّعن، وتكفرن العشير. وما رأيت من ناقصات عقل ودين أغلب لذي اللّبّ منكنّ. قالت: يا رسول الله! وما نقصان العقل والدين؟ قال: أما نقصان العقل: فشهادة امرأتين تعدل شهادة رجل، فهذا نقصان العقل. وتمكث اللّيالي لا تصلّي، وتفطر في رمضان فهذا نقصان الدّين». رواه مسلم في الصحيح عن محمد بن رمح عن الليث. وأخرجاه من حديث أبي سعيد. ٣٠ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو منصور محمد بن القاسم العتكي، ثنا الفضل بن محمد الشعراني، ثنا إسماعيل بن أبي أويس، حدثني مالك-ح. وأخبرنا أبو عمرو محمد بن عبد الله الأديب، أنبا أبو بكر الإسماعيلي، أخبرني الحسن بن سفيان ثنا هارون بن سعيد الأيلي، حدثنا عبد الله بن وهب، حدثني مالك، عن عمرو بن يحيى المازني، أخبرني أبي، عن أبي سعيد الخدري، أن رسول الله ﷺ قال: «يدخل الله أهل الجنّة الجنّة، يدخل من يشّاء برحمته، ويدخل أهل النّار النّار، ثمّ يقول: انظروا من وجدتم في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان

стр. 57

فأخرجوه، فيخرجون منها حمما قد امتحشوا، ويلقون في نهر الحياة أو الحيا، فينبتون فيه كما تنبت الحبّة إلى جانب السيل، ألم تروها تخرج صفراء ملتوية؟ هذا لفظ حديث ابن وهب، رواه البخاري في الصحيح عن ابن أبي أويس. ورواه مسلم عن هارون بن سعيد. قال الحليمي-رحمه الله تعالى-: ووجه هذا أن يكون في قلب واحد توحيد ليس معه خوف غالب على القلب فيردع، ولا رجاء حاضر له فيطمع، بل يكون صاحبه ساهيا، قد أذهلته الدنيا عن الآخرة، فإنه إذا كان بهذه الصفة، انفرد التوحيد في قلبه عن قرائنه التي لو كانت لكانت أبوابا من الإيمان تتكثر بالتوحيد، ويتكثر التوحيد بها إذ كانت تصديقا، والتصديق من وجه واحد أضعف من التصديق من وجوه كثيرة، فإذا كان ذلك خف وزنه، وإذا تتابعت شهاداته ثقل وزنه. وله وجه آخر: وهو أن يكون إيمان واحد في أدنى مراتب اليقين حتى إن تشكك تشكك وإنما آخر في أقصى غايات اليقين؛ فهذا يثقل وزنه، والأول يخف وزنه. وله وجه آخر: وهو أن يكون إيمان واحد ناشئا عن استدلال قوي، ونظر كامل، وإيمان آخر واقع عن الخبر، والركون إلى المخبر به على ما يذكره؛ فيكون الأول أثقل وزنا، والثاني أخف وزنا. وهذا الخبر يدل على تفاوت الناس في إيمانهم. قال الإمام الحافظ أبو بكر البيهقي-﵀-وقد روي عن عبد الرحمن بن بزرج قال سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ : «ما أخاف على أمّتي إلاّ ضعف اليقين». ٣١ - أخبرنا علي بن أحمد بن عبدان، ثنا أحمد بن عبيد الصفّار ثنا

стр. 58

أحمد بن بشر المرثدي ثنا أحمد بن عيسى ثنا عبد الله بن وهب، ثنا سعيد بن أبي أيوب، عن عبد الرحمن بن بزرج ... فذكره وهذا يدل على تفاوتهم في اليقين. أما قوله : ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة:٣]. وما ورد في معناه، فإنه لا يمنع من قولنا بزيادة الإيمان ونقصانه. لأن معنى قوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾. أي أكملت لكم وضعه، فلا أفرض عليكم من بعد ما لم أفرضه عليكم إلى اليوم، ولا أضع عنكم بعد اليوم ما قد فرضته قبل اليوم، فلا تغليظ من الآن ولا تخفيف ولا نسخ ولا تبديل. وليس معناه أنه أكمل لنا ديننا من قبل أفعالنا، لأن ذلك لو كان كذلك لسقط عن المخاطبين بالآية الدوام على الإيمان، لأن الدين قد كمل، وليس بعد الكمال شيء. فإذا كان الدوام على الإيمان مستقبلا وهو إيمان فلذلك الطاعات الباقية التي تجب شيئا فشيئا كلها إيمان، والكمال راجع إلى إكمال الشرع والوضع، لا إلى إكمال اداء المؤدين له وقيام القائمين به والله تعالى أعلم. ٣٢ - أخبرنا محمد بن عبد الرحمن بن محبوب الدهان، أنبا الحسين بن محمد بن هارون ثنا أحمد بن محمد بن نصر ثنا يوسف بن بلال ثنا محمد بن مروان، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس في هذه الآية: ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ﴾ [المائدة:٣]. يقول: يئس أهل مكّة أن ترجعوا إلى دينهم-عبادة الأوثان أبدا، ﴿فَلا تَخْشَوْهُمْ﴾ في اتباع محمد ﷺ ، ﴿وَاخْشَوْنِ﴾ في عبادة الأوثان وتكذيب

стр. 59

محمد ﷺ فلما كان واقفا بعرفات نزل عليه جبريل ﵇، وهو رافع يده والمسلمون يدعون الله تعالى ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾. يقوله: حلالكم وحرامكم، فلم ينزل بعد هذا حلال ولا حرام، ﴿وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ قال: منّتي فلم يحج معكم مشرك، ﴿وَرَضِيتُ﴾ يقول: واخترت ﴿لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً﴾. ثم مكث رسول الله ﷺ بعد نزول هذه الآية إحدى وثمانين يوما، ثم قبضه الله تعالى إليه وإلى رحمته. ٣٣ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنبا أبو الحسين علي بن محمد بن عبد الرحمن بن عيسى الدهقان بالكوفة ثنا أحمد بن حازم بن أبي عرزة الغفاري ثنا جعفر بن عون عن أبي العميس، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب أنّ رجلا من اليهود قال لعمر: يا أمير المؤمنين! آية في كتابكم تقرؤونها، لو علينا معشر اليهود نزلت لاتّخذنا ذلك اليوم عيدا. قال: أيّ آية؟ قال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً﴾ [المائدة:٣]. فقال عمر: قد عرفنا ذلك اليوم والمكان الذي أنزلت فيه على رسول الله ﷺ ؛ بعرفات يوم جمعة. رواه البخاري في الصحيح عن الحسن بن الصباح. ورواه مسلم عن عبد بن حميد كلاهما عن جعفر بن عون. وذهب بعض من قال بزيادة الإيمان ونقصانه إلى أنه إذا ارتكب معصية

стр. 60

فإنها تحبط مما تقدمها من الطاعات بقدرها وحتى ارتقى بعضهم إلى أصل الإيمان غير أنه لا يقول بالتخليد، وأمره موكول إلى الله تعالى. إن شاء عفا عنه برحمته، أو بشفاعة الشافعين، وإن شاء، عاقبه بذنوبه، ثم أدخله الجنّة برحمته. واحتج بعض من قال بقولهم: بقول الله : ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ﴾ [الحجرات:٢] الآية. إنما أراد بذلك أن رفع الصوت فوق صوته يقع معصية، فيخرج إيمان الواقع، ويحبط بعض عمله. واحتج أيضا بقوله: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى﴾ [البقرة: ٢٦٤]. قال الحليمي-رحمه الله تعالى-وقد يخرج هذا على غير ما قاله المحتج به وهو أن يكون المعنى: لا يحملنّكم أيها المهاجرون هجرتكم معه، ولا أيها الأنصار إيواؤكم إياه على أن تضيّعوا حرمته، وترفعوا أصواتكم فوق صوته فتكونوا بذلك صارفين ما تقدّم منكم من الهجرة والإيواء والنصرة عن ابتغاء وجه الله به إلى غرض غيره، ووجه سواه، فلا تستوجبوا به مع ذلك أجرا. ويخرج على وجه آخر، وهو أن يقال: ﴿لا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ﴾ [الحجرات:٢]. فإنّ ذلك قد يبلغ بكم حدّ الازراء به والاستخفاف له، فتكفروا، وتحبط أعمالكم إلا أن تتوبوا وتسلموا. وكذلك قوله: ﴿لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى﴾ [البقرة:٢٦٤] فليس على أن المنّ يحبط الصدقة، وإنما وجهه أنّ الصدقة يبتغى بها وجه الله تعالى جده، وهو المأمول منه ثوابها. فإذا منّ المتصدق على السائل، وآذاه بالتعيير فقد صرفها عن ابتغاء وجه الله تعالى بها إلى وجه السائل، فحبط أجره عند الله لهذا فضلت عند المتصدق عليه مع ذلك، لأنه إن كان حباه

стр. 61

فقد آذاه، وإن كان أعطاه، فقد أخزاه ولو كان ذلك على معنى إفساد الطاعة بالمعصية، لم يختص بالبطلان صدقته. وبسط الكلام فيه-إلى أن قال- وان من الطعن على هذا القول أن سيّئات المؤمن متناهية الجزاء وحسناته ليست بمتناهية، لأن مع ثوابها الخلود في الجنة، فلا يتوهّم أن يكون التبعة المتناهية التي يستحقها المؤمن بسيئة تأتي على ثواب حسنة لا نهاية له. فأما قول النبي ﷺ : «من اقتنى كلبا إلا كلب صيد أو ماشية فإنه ينقص من عمله كل يوم قيراطان» فإنما هو على معنى أنه ينقص من أجر عمله كل يوم قيراطان. وهو في أكثر الرواية عن ابن عمر في هذا الحديث «من أجره». وفي بعضها «من عمله». قال الحليمي وإنما هو على معنى أنه يحرم لأجل هذه السيئة بعض ثواب عمله، ولسنا ننكر جواز أن يحرم الله تعالى المؤمن بعض جزاء حسناته، ويقلّل ثوابه لأجل سيئة أو سيئات تكون منه. وإنما أنكرنا قول من يقول أن السّيّئة قد تحبط الطاعة، أو توجب إبطال ثوابها أصلا. وذلك أنه لم يأت به كتاب ولا خبر ولا يمكن أن يكون مع ثبوت الخلود للمؤمنين في الجنة. والله تعالى أعلم. قال الإمام الحافظ أبو بكر البيهقي-﵀: وأما قول النبي ﷺ : «أتدرون ما المفلس؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع. قال: إنّ المفلس من أمّتي رجل يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي وقد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا. فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه، أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثمّ طرح في النّار». فهذا إنما احتج به من قال بإحباط السيئة الحسنة،
следующие страницы →