← Книги сунны

Книги сунны · id 748

شعب الإيمان - ت زغلول

أبو بكر البيهقي

Полный текст (3 507 стр.). Показаны 57–96 · переход к 62.

стр. 57

فأخرجوه، فيخرجون منها حمما قد امتحشوا، ويلقون في نهر الحياة أو الحيا، فينبتون فيه كما تنبت الحبّة إلى جانب السيل، ألم تروها تخرج صفراء ملتوية؟ هذا لفظ حديث ابن وهب، رواه البخاري في الصحيح عن ابن أبي أويس. ورواه مسلم عن هارون بن سعيد. قال الحليمي-رحمه الله تعالى-: ووجه هذا أن يكون في قلب واحد توحيد ليس معه خوف غالب على القلب فيردع، ولا رجاء حاضر له فيطمع، بل يكون صاحبه ساهيا، قد أذهلته الدنيا عن الآخرة، فإنه إذا كان بهذه الصفة، انفرد التوحيد في قلبه عن قرائنه التي لو كانت لكانت أبوابا من الإيمان تتكثر بالتوحيد، ويتكثر التوحيد بها إذ كانت تصديقا، والتصديق من وجه واحد أضعف من التصديق من وجوه كثيرة، فإذا كان ذلك خف وزنه، وإذا تتابعت شهاداته ثقل وزنه. وله وجه آخر: وهو أن يكون إيمان واحد في أدنى مراتب اليقين حتى إن تشكك تشكك وإنما آخر في أقصى غايات اليقين؛ فهذا يثقل وزنه، والأول يخف وزنه. وله وجه آخر: وهو أن يكون إيمان واحد ناشئا عن استدلال قوي، ونظر كامل، وإيمان آخر واقع عن الخبر، والركون إلى المخبر به على ما يذكره؛ فيكون الأول أثقل وزنا، والثاني أخف وزنا. وهذا الخبر يدل على تفاوت الناس في إيمانهم. قال الإمام الحافظ أبو بكر البيهقي-﵀-وقد روي عن عبد الرحمن بن بزرج قال سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ : «ما أخاف على أمّتي إلاّ ضعف اليقين». ٣١ - أخبرنا علي بن أحمد بن عبدان، ثنا أحمد بن عبيد الصفّار ثنا

стр. 58

أحمد بن بشر المرثدي ثنا أحمد بن عيسى ثنا عبد الله بن وهب، ثنا سعيد بن أبي أيوب، عن عبد الرحمن بن بزرج ... فذكره وهذا يدل على تفاوتهم في اليقين. أما قوله : ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة:٣]. وما ورد في معناه، فإنه لا يمنع من قولنا بزيادة الإيمان ونقصانه. لأن معنى قوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾. أي أكملت لكم وضعه، فلا أفرض عليكم من بعد ما لم أفرضه عليكم إلى اليوم، ولا أضع عنكم بعد اليوم ما قد فرضته قبل اليوم، فلا تغليظ من الآن ولا تخفيف ولا نسخ ولا تبديل. وليس معناه أنه أكمل لنا ديننا من قبل أفعالنا، لأن ذلك لو كان كذلك لسقط عن المخاطبين بالآية الدوام على الإيمان، لأن الدين قد كمل، وليس بعد الكمال شيء. فإذا كان الدوام على الإيمان مستقبلا وهو إيمان فلذلك الطاعات الباقية التي تجب شيئا فشيئا كلها إيمان، والكمال راجع إلى إكمال الشرع والوضع، لا إلى إكمال اداء المؤدين له وقيام القائمين به والله تعالى أعلم. ٣٢ - أخبرنا محمد بن عبد الرحمن بن محبوب الدهان، أنبا الحسين بن محمد بن هارون ثنا أحمد بن محمد بن نصر ثنا يوسف بن بلال ثنا محمد بن مروان، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس في هذه الآية: ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ﴾ [المائدة:٣]. يقول: يئس أهل مكّة أن ترجعوا إلى دينهم-عبادة الأوثان أبدا، ﴿فَلا تَخْشَوْهُمْ﴾ في اتباع محمد ﷺ ، ﴿وَاخْشَوْنِ﴾ في عبادة الأوثان وتكذيب

стр. 59

محمد ﷺ فلما كان واقفا بعرفات نزل عليه جبريل ﵇، وهو رافع يده والمسلمون يدعون الله تعالى ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾. يقوله: حلالكم وحرامكم، فلم ينزل بعد هذا حلال ولا حرام، ﴿وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ قال: منّتي فلم يحج معكم مشرك، ﴿وَرَضِيتُ﴾ يقول: واخترت ﴿لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً﴾. ثم مكث رسول الله ﷺ بعد نزول هذه الآية إحدى وثمانين يوما، ثم قبضه الله تعالى إليه وإلى رحمته. ٣٣ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنبا أبو الحسين علي بن محمد بن عبد الرحمن بن عيسى الدهقان بالكوفة ثنا أحمد بن حازم بن أبي عرزة الغفاري ثنا جعفر بن عون عن أبي العميس، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب أنّ رجلا من اليهود قال لعمر: يا أمير المؤمنين! آية في كتابكم تقرؤونها، لو علينا معشر اليهود نزلت لاتّخذنا ذلك اليوم عيدا. قال: أيّ آية؟ قال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً﴾ [المائدة:٣]. فقال عمر: قد عرفنا ذلك اليوم والمكان الذي أنزلت فيه على رسول الله ﷺ ؛ بعرفات يوم جمعة. رواه البخاري في الصحيح عن الحسن بن الصباح. ورواه مسلم عن عبد بن حميد كلاهما عن جعفر بن عون. وذهب بعض من قال بزيادة الإيمان ونقصانه إلى أنه إذا ارتكب معصية

стр. 60

فإنها تحبط مما تقدمها من الطاعات بقدرها وحتى ارتقى بعضهم إلى أصل الإيمان غير أنه لا يقول بالتخليد، وأمره موكول إلى الله تعالى. إن شاء عفا عنه برحمته، أو بشفاعة الشافعين، وإن شاء، عاقبه بذنوبه، ثم أدخله الجنّة برحمته. واحتج بعض من قال بقولهم: بقول الله : ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ﴾ [الحجرات:٢] الآية. إنما أراد بذلك أن رفع الصوت فوق صوته يقع معصية، فيخرج إيمان الواقع، ويحبط بعض عمله. واحتج أيضا بقوله: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى﴾ [البقرة: ٢٦٤]. قال الحليمي-رحمه الله تعالى-وقد يخرج هذا على غير ما قاله المحتج به وهو أن يكون المعنى: لا يحملنّكم أيها المهاجرون هجرتكم معه، ولا أيها الأنصار إيواؤكم إياه على أن تضيّعوا حرمته، وترفعوا أصواتكم فوق صوته فتكونوا بذلك صارفين ما تقدّم منكم من الهجرة والإيواء والنصرة عن ابتغاء وجه الله به إلى غرض غيره، ووجه سواه، فلا تستوجبوا به مع ذلك أجرا. ويخرج على وجه آخر، وهو أن يقال: ﴿لا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ﴾ [الحجرات:٢]. فإنّ ذلك قد يبلغ بكم حدّ الازراء به والاستخفاف له، فتكفروا، وتحبط أعمالكم إلا أن تتوبوا وتسلموا. وكذلك قوله: ﴿لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى﴾ [البقرة:٢٦٤] فليس على أن المنّ يحبط الصدقة، وإنما وجهه أنّ الصدقة يبتغى بها وجه الله تعالى جده، وهو المأمول منه ثوابها. فإذا منّ المتصدق على السائل، وآذاه بالتعيير فقد صرفها عن ابتغاء وجه الله تعالى بها إلى وجه السائل، فحبط أجره عند الله لهذا فضلت عند المتصدق عليه مع ذلك، لأنه إن كان حباه

стр. 61

فقد آذاه، وإن كان أعطاه، فقد أخزاه ولو كان ذلك على معنى إفساد الطاعة بالمعصية، لم يختص بالبطلان صدقته. وبسط الكلام فيه-إلى أن قال- وان من الطعن على هذا القول أن سيّئات المؤمن متناهية الجزاء وحسناته ليست بمتناهية، لأن مع ثوابها الخلود في الجنة، فلا يتوهّم أن يكون التبعة المتناهية التي يستحقها المؤمن بسيئة تأتي على ثواب حسنة لا نهاية له. فأما قول النبي ﷺ : «من اقتنى كلبا إلا كلب صيد أو ماشية فإنه ينقص من عمله كل يوم قيراطان» فإنما هو على معنى أنه ينقص من أجر عمله كل يوم قيراطان. وهو في أكثر الرواية عن ابن عمر في هذا الحديث «من أجره». وفي بعضها «من عمله». قال الحليمي وإنما هو على معنى أنه يحرم لأجل هذه السيئة بعض ثواب عمله، ولسنا ننكر جواز أن يحرم الله تعالى المؤمن بعض جزاء حسناته، ويقلّل ثوابه لأجل سيئة أو سيئات تكون منه. وإنما أنكرنا قول من يقول أن السّيّئة قد تحبط الطاعة، أو توجب إبطال ثوابها أصلا. وذلك أنه لم يأت به كتاب ولا خبر ولا يمكن أن يكون مع ثبوت الخلود للمؤمنين في الجنة. والله تعالى أعلم. قال الإمام الحافظ أبو بكر البيهقي-﵀: وأما قول النبي ﷺ : «أتدرون ما المفلس؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع. قال: إنّ المفلس من أمّتي رجل يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي وقد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا. فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه، أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثمّ طرح في النّار». فهذا إنما احتج به من قال بإحباط السيئة الحسنة،

стр. 62

ووجهه عندي-والله تعالى أعلم-أنه يعطى خصماؤه من أجر حسناته ما يوازي عقوبة سيئاته، فإن فنيت حسناته أي أجر حسناته الذي قوبل بعقوبة سيئاته أخذ من خطاياهم، فطرحت عليه وطرح في النار، كي يعذب بها إن لم يغفر له. حتى إذا انتهت عقوبة تلك الخطايا ردّ إلى الجنة بما كتب له من الخلود. ولا يعطى خصماؤه ما زاد من الأجر على ما قابل عقوبة سيئاته، لأن ذلك فضل من الله تعالى يخص به من وافى يوم القيامة مؤمنا. والله تعالى أعلم. ٣٤ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنبا أبو بكر أحمد بن سلمان الفقيه أنبا أحمد بن إبراهيم بن ملحان ثنا يحيى بن بكير ثنا الليث، عن عقيل، عن الزهري، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، عن أبي هريرة أنه قال: إن رسول الله ﷺ قال: «لا يزني الزّاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السّارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبة يرفع الناس إليه فيها أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن». ٣٥ - وبهذا الإسناد عن ابن شهاب عن سعيد وأبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي ﷺ مثل حديث أبي بكر ولم يذكر النهبة. رواه البخاري في الصحيح من حديث يحيى بن بكير؛ ورواه مسلم من وجه آخر عن الليث. وإنما أراد-والله تعالى أعلم- «وهو مؤمن» مطلق الإيمان، لكنه ناقص

стр. 63

الإيمان بما ارتكب من الكبيرة، وترك من الانزجار عنها، ولا يوجب ذلك تكفيرا بالله -مضى شرحه. وكل موضع من كتاب أو سنة ورد فيه تشديد على من ترك فريضة، أو ارتكب كبيرة، فإن المراد به نقصان الإيمان. فقد قال الله : ﴿إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ﴾ [النساء: ٤٨،١١٦]. وذكرنا في «كتاب الإيمان» من الأخبار والآثار التي تدل على صحة ما ذكرنا من التأويل ما فيه كفاية. وبالله التوفيق. وذكر الحليمي-رحمه الله تعالى-ها هنا آثار تدل على أن الطاعات من الإيمان، وإن الإيمان يزيد وينقص، وأن أهل الإيمان يتفاضلون في الإيمان، ونحن قد ذكرناها في «كتاب الإيمان» ونشير إلى طرق منها ها هنا بمشيئة الله . ٣٦ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ أنبا أبو بكر أحمد بن إسحاق الفقيه، أنبا محمد بن عيسى بن السّكن ثنا موسى بن عمران ثنا ابن المبارك، عن ابن شوذب، عن محمد بن جحادة، عن سلمة بن كهيل، عن هزيل بن شرحبيل، قال: قال عمر بن الخطاب رضي الله عن: «لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان أهل الأرض لرجح بهم». ٣٧ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ثنا أبو بكر بن إسحاق ثنا محمد بن أيوب أنبا

стр. 64

سهل بن بكار، عن محمد بن طلحة عن زبيد عن ذرّ قال: كان عمر بن الخطاب ﵁ ربما أخذ بيد الرجل والرجلين يقول: «تعالوا نزداد إيمانا». ٣٨ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو بكر بن إسحاق، أنبا بشر بن موسى، أنبا هوذة بن خليفة ثنا عوف عن عبد الله بن عمرو بن هند قال قال عليّ ﵁: «إن الإيمان يبدأ لمظة بيضاء في القلب، فكلّما ازداد الإيمان عظما، ازداد ذلك البياض. فإذا استكمل الإيمان ابيضّ القلب كلّه، وإنّ النفاق يبدو لمظة سوداء في القلب، فكلما ازداد النفاق عظما، ازداد ذلك السواد، فإذا استكمل النفاق اسودّ القلب كلّه. وايم الله! لو شققتم عن قلب مؤمن لوجدتموه أبيض، ولو شققتم عن قلب منافق لوجدتموه أسود. قال: واللمظة هي الذوقة، وهو أن يلمظ الإنسان أو الدابة شيئا يسيرا. أي يتذوّقه، فكذلك القلب يدخله من الإيمان شيء يسير ثم يتّسع فيه فيكثر. ٣٩ - أخبرنا أبو زكريا بن أبي إسحاق، ثنا أبو محمد أحمد بن عبد الله المزني، ثنا عبيد الله بن غنام بن حفص بن غياث ثنا سفيان بن وكيع ثنا

стр. 65

سفيان بن عيينة، عن محمد بن سوقة عن العلاء بن عبد الرحمن قال: قام رجل إلى علي بن أبي طالب ﵁ فقال: «يا أمير المؤمنين! ما الإيمان؟ فقال: الإيمان على أربع دعائم: على الصبر والعدل واليقين والجهاد. ثم ذكر تقسيم كل واحدة من هذه الدعائم. وقد روينا من أوجه أخر عن عليّ. ٤٠ - أخبرنا أبو بكر أحمد بن محمد الأشناني، أنبا أبو الحسن الطرائفي، ثنا عثمان بن سعيد الدارمي، ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا أبو خالد الأحمر، عن عمرو بن قيس عن أبي إسحاق، قال: قال عليّ-﵁: «الصبر من الإيمان بمنزلة الرّاس من الجسد. فإذا ذهب الصّبر ذهب الإيمان».

стр. 66

٤١ - أخبرنا أبو بكر الأشناني، ثنا أبو الحسن الطرائفي، أنبا عثمان بن سعيد، ثنا عبد الله بن رجاء البصري، ثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي ليلى، قال: قال حجر بن عدي: سمعت علي بن أبي طالب ﵁ يقول: «الوضوء نصف الإيمان». ٤٢ - أخبرنا أبو بكر الأشناني، أنبا أبو الحسن الطرائفي، ثنا عثمان بن سعيد الدارمي، ثنا أبو بكر بن أبي شيبة ثنا ابن نمير، ثنا محمد بن أبي إسماعيل عن معقل الخثعمي قال: أتى عليّا ﵁ رجل وهو في الرحبة، فقال: يا أمير المؤمنين! ما ترى في امرأة لا تصلي؟ قال: «من لم يصلّ فهو كافر». ٤٣ - أخبرنا أبو بكر الأشناني، أنبا أبو الحسن الطرائفي، ثنا عثمان بن سعيد، ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا شريك عن عاصم عن زرّ عن عبد الله بن مسعود قال: «من لم يصل فلا دين له». وقد روينا عن بريدة بن حصيب عن النبي ﷺ أنه قال: «العهد الذي بيننا وبينهم الصّلاة؛ فمن تركها فقد كفر». وإنما أراد-والله تعالى أعلم-كفرا يكون نقيض الإيمان لله تعالى بترك

стр. 67

شعبة من شعبه، ولم يرد به كفرا يكون نقيض الإيمان بالله إذا لم يجحد فرضها، ويشبه أن يكون تخصيصه الصّلاة بالذكر لوجوب القتل بتركها كوجوبه بترك الإيمان بالله تعالى. ٤٤ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ أنبا أبو بكر بن إسحاق أنبا بشر بن موسى ثنا أبو نعيم ثنا الأعمش، عن جامع بن شداد، عن الأسود بن هلال قال: قال معاذ بن جبل لأصحابه: «اجلسوا بنا نؤمن-أظنّه قال-ساعة، أي نذكر الله». ٤٥ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنبا أبو بكر بن إسحاق، أنبا محمد بن أيوب أنبا عبد الله بن الجرّاح، وثنا محمد بن فضيل، عن أبيه، عن شباك، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله أنه قال: «اجلسوا بنا نزدد إيمانا». ٤٦ - أخبرنا عبد الله، أنبا أبو بكر، أنبا محمد بن أيوب ثنا عبد الله بن الجراح، ثنا ابن الحمّاني ثنا شريك، عن هلال الوزّان، عن عبد الله بن عكيم، عن عبد الله-يعني ابن مسعود-أنه كان يقول: «اللهمّ زدني إيمانا وفقها».

стр. 68

٤٧ - أخبرنا أبو نصر بن قتادة، أنبا أبو منصور النضروي، ثنا أحمد بن نجدة، ثنا سعيد بن منصور شريك ... فذكره بإسناده نحوه وزاد «يقينا وعلما». ٤٨ - حدثنا أبو الحسن محمد بن الحسين بن داود العلوي إملاء، أنبا عبد الله بن محمد بن الحسن النصرآباذي، ثنا عبد الله بن هاشم، ثنا وكيع ثنا الأعمش عن أبي ظبيان، عن علقمة، قال عبد الله بن مسعود: «الصّبر نصف، الإيمان، واليقين الإيمان». وقد روي هذا من وجه آخر غير قويّ مرفوعا. وروينا عن ابن مسعود من أقواله في هذا المعنى شواهد، وهو في «كتاب الإيمان» مذكور. من أراد الوقوف عليه، رجع إليه إن شاء الله. ٤٩ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنبا أبو بكر بن إسحاق، أنبا بشر بن موسى، ثنا أبو نعيم، حدثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن صلة بن زفر، عن عمّار قال:

стр. 69

«ثلاثة من جمعهنّ فقد جمع الإيمان: الإنفاق من الإقتار، والإنصاف من النّفس، وبذل السّلام للعالم». ٥٠ - أخبرنا أبو عبد الله، أنبا أبو بكر بن إسحاق ثنا محمد بن أيّوب، أنبا أحمد بن يونس، أنبا شيخ أهل المدينة، عن صفوان بن سليم، عن عطاء بن يسار أن عبد الله بن رواحة قال لصاحب له: «تعال حتّى نؤمن ساعة. قال: أو لسنا بمؤمنين؟. قال: بلى، ولكنّا نذكر الله فنزداد إيمانا». ٥١ - أخبرنا أبو عبد الله الحسين بن عبد الله البيهقي، أخبرنا أبو حامد أحمد بن محمد بن الحسين البيهقي ثنا داود بن الحسين البيهقي ثنا حميد بن زنجويه، ثنا

стр. 70

الحجّاج بن نصير ثنا حماد بن نجيح، عن أبي عمران الجوني، قال سمعت جندب البجليّ، قال: «كنا فتيانا حزاورة مع نبيّنا ﷺ ، فتعلّمنا الإيمان قبل أن نتعلّم القرآن، ثم تعلّمنا القرآن، فازددنا به إيمانا، وإنكم اليوم تعلّمون القرآن قبل الإيمان». ٥٢ - قال (١): وحدثنا حميد بن زنجويه ثنا عبيد الله بن موسى أنبا إسرائيل، عن منصور، عن طلحة، عن أبي حازم عن أبي هريرة قال: «ثلاث من الإيمان: أن يحتلم الرّجل في اللّيلة الباردة، فيقوم فيغتسل لا يراه إلا الله، والصّوم في اليوم الحارّ، وصلاة الرّجل في الأرض الفلاة لا يراه إلا الله». ٥٣ - أخبرنا أبو بكر الأشناني، أنبا أبو الحسن الطرائفي، ثنا عثمان بن سعيد ثنا أحمد بن يونس ثنا إسماعيل بن عيّاش الحمصي، عن عبد الوهاب بن مجاهد، عن أبيه عن ابن عباس وأبي هريرة قالا: «الإيمان يزداد وينقص». ٥٤ - وبإسناده ... قال ثنا إسماعيل بن عيّاش ثنا حريز بن عثمان

стр. 71

الرحبي، عن أبي حبيب الحارث بن مخمر، عن أبي الدرداء قال: «الإيمان يزداد وينقص». ٥٥ - وبإسناده ... ثنا إسماعيل بن عيّاش، عن صفوان بن عمرو، عن عبد الله بن ربيعة الحضرمي، عن أبي هريرة قال: «الإيمان يزداد وينقص». ٥٦ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنبا أبو بكر بن إسحاق، ثنا الحسن بن علي بن زياد ثنا أبو نصر التمّار ثنا حمّاد بن سلمة وأخبرنا أبو بكر الأشناني، أنبا الطرائفي ثنا عثمان بن سعيد ثنا أبو بكر بن أبي شيبة ثنا عفان ثنا حماد بن سلمة، عن أبي جعفر الخطمي، عن أبيه عن جدّه عمير بن حبيب بن خماشة أنه قال: «الإيمان يزيد وينقص، فقيل له: وما زيادته؟ وما نقصانه؟ قال: إذا ذكرنا ربّنا وخشيناه فذلك زيادته، وإذا غفلنا ونسينا وضيّعنا فذلك نقصانه ... هذا لفظ حديث عفان». ٥٧ - أخبرنا الأشناني، أنبا الطرائفي ثنا عثمان بن سعيد ثنا أبو بكر بن أبي

стр. 72

شيبة ثنا محمد بن فضيل، عن أبيه، عن شباك عن إبراهيم عن علقمة أنه كان يقول لأصحابه: «امشوا بنا نزداد إيمانا». ٥٨ - وبإسناده ... ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا وكيع، عن سفيان، عن هشام بن عروة، عن أبيه قال: «ما نقصت أمانة عبد قطّ إلاّ نقص من إيمانه». ٥٩ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ أنبا أبو بكر بن إسحاق أنبا محمد بن أيّوب، أنبا شيبان، أنبا جرير ثنا عيسى بن عاصم، عن عديّ بن عديّ أن عمر بن عبد العزيز كتب إليه: «أمّا بعد! فإنّ للإيمان حدودا وشرائع وفرائض. من استكملها استكمل الإيمان، ومن لم يستكملها، لم يستكمل الإيمان». ٦٠ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنبا أبو بكر بن إسحاق، أنبا بشر بن موسى ثنا عبد الصمد بن حسّان ثنا سفيان، عن يزيد بن أبي زياد، عن مجاهد قال: «الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص». ٦١ - أخبرنا أبو بكر الأشناني، أنبا أبو الحسن الطرائفي ثنا عثمان بن

стр. 73

سعيد قال حدّثت عن علي بن المديني، عن خلف بن خليفة، عن ليث، عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة:٢٦٠]. قال: «أزداد إيمانا إلى إيماني». ورويناه أيضا عن سعيد بن جبير وإبراهيم النخعي. ٦٢ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنبا أبو بكر بن إسحاق، أنبا يوسف بن يعقوب، أنبا سليمان بن حرب، ثنا أبو هلال ثنا بكر بن عبد الله المزني قال: قال عيسى: ﵊ لبعض الحواريين: «أرني يدك يا قصير الإيمان». وهذا حين مشى على الماء، فتبعه واحد. فذهب يضع رجله، فإذا هو قد انغمر، فقال له عيسى ﵊: «هات يدك يا قصير الايمان»: ٦٣ - أخبرنا أبو بكر الأشناني أنبا أبو الحسن الطرائفي، ثنا عثمان بن سعيد ثنا أحمد بن يونس ثنا أبو شهاب، عن ليث، عن عبد الرحمن بن سابط قال: «والله ما أرى إيمان أهل الأرض يعدل إيمان أبي بكر ﵁، ولا أرى إيمان مكّة يعدل إيمان عطاء». ٦٤ - أخبرنا أبو عبد الله البيهقي، أنبا أبو حامد أحمد بن محمد بن

стр. 74

الحسين البيهقي، حدثنا داود بن الحسين البيهقي، حدثنا حميد بن زنجويه، ثنا يعقوب بن إسحاق بن أبي عباد ثنا نافع بن عمر قال: «قيل لابن أبي مليكة إنّه يجالسك رجل يزعم أنّ إيمانه مثل إيمان جبريل ﵇. قال: والله! لقد فضّل الله جبريل في الثناء فقال: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ، ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ، مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ، وَما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ﴾ [التكوير:١٩ - ٢٢]. وتزعمون انّ إيمان (مهران) (١) -رجل كان يضرب في الخمر كلّ ساعة- مثل إيمان جبريل ﵇». ٦٥ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب الأصمّ ثنا أبو عتبة ثنا بقية أنبا عبد الملك بن أبي النعمان-شيخ من أهل الجزيرة-عن ميمون بن مهران قال: «خاصمه رجل في الإرجاء، قال: فبينما هما على ذلك إذ سمعا امرأة تغنّي فقال ميمون: أين إيمان هذه من إيمان مريم بنت عمران؟. قال: فلمّا قالها له انصرف الرّجل، ولم يزد عليه شيئا». ٦٦ - أخبرنا أبو عبد الله البيهقي أنبا أحمد بن محمد بن الحسين ثنا داود بن الحسين، ثنا حميد بن زنجويه ثنا عبيد الله بن موسى أنبا أبو بشر الحلبي، عن الحسن قال: «ليس الإيمان بالتّحلّي ولا بالتّمنّي، ولكن ما وقر في القلب، وصدّقته الأعمال. من قال حسنا، وعمل غير صالح، ردّه الله على قوله، ومن قال حسنا، وعمل صالحا، رفعه العمل». ذلك بأن الله تعالى قال:

стр. 75

﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر:١٠] قال الإمام الحافظ أبو بكر البيهقي ﵀: وقد روينا أيضا قولنا في الإيمان عن محمد بن الحنفية، وعطاء بن أبي رباح، والحسن، وابن سيرين، وعبيد بن عمير، ووهب بن منبه، وحبيب بن أبي ثابت، وغيرهم من أئمة المسلمين: الأوزاعي، ومالك، وسفيان بن عيينة، والفضيل بن عياض، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن إبراهيم الحنظلي، ومحمد بن إسماعيل البخاري وغيرهم ﵏. ٦٧ - أخبرنا أبو سعيد بن أبي عمرو، أنبا أبو العباس الأصم، أنبا الربيع قال: قال الشافعي رحمه الله تعالى: في مسألة ذكرها في كتاب السير: «الصّلاة من الإيمان». وقال: في التّسمية على الذّبيحة والصّلاة على النّبي ﷺ : ولا أكره مع تسميته على الذّبيحة أن يقول: صلّى الله على رسوله، بل أحبّه له، لأنّ ذكر الله والصّلاة على رسول الله إيمان بالله، وعبادة له، يؤجر عليها إن شاء الله تعالى من قالها. وروينا عن يوسف بن عبد الأحد عن الربيع بن سليمان قال سمعت الشافعي يقول: «الإيمان قول وّ عمل، يزيد وينقص». ٦٨ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثني الزبير بن عبد الواحد، حدثني يوسف ... فذكره.

стр. 76

٦٩ - أخبرنا أبو الحسين بن بشران أنبا أبو علي الحسين بن صفوان، أنبا عبد الله بن محمد بن أبي الدنيا ثنا إبراهيم بن سعيد ثنا عبد الصمد بن النعمان ثنا هارون البربري عن عبد الله بن عبيد بن عمير قال: «الإيمان قائد، والعمل سائق، والنّفس حرون فإذا ونى قائدها، لم تستقم لسائقها، وإذا ونى سائقها لم تستقم لقائدها. ولا يصلح هذا إلا مع هذا حتى تقدّم على الخير الإيمان بالله مع العمل لله، والعمل لله مع الإيمان بالله. تابعه قبيصة بن عقبة عن هارون. ٧٠ - أخبرنا أبو الحسين بن بشران أنبا إسماعيل بن محمد الصفّار ثنا محمد بن إسحاق الصّغاني ثنا يعلى بن عبيد ثنا أبو سنان، عن الضحاك في قوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ، وَالْعَمَلُ الصّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر:١٠]. قال: العمل الصالح يرفع الكلام الطيب.

стр. 77

باب الاستثناء في الإيمان . ٧١ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنبا أبو العباس محمد بن أحمد بن محبوب، ثنا سعيد بن مسعود، ثنا عبيد الله بن موسى أنبا شعبة، عن سلمة بن كهيل، عن إبراهيم، عن علقمة، قال: قال رجل عن عبد الله بن مسعود: «أنا مؤمن». قال: «قل إنّي في الجنّة! ولكنّا نقول: آمنّا بالله وملائكته وكتبه ورسله». ٧٢ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني محمد بن عليّ بن دحيم الشّيباني ثنا إبراهيم بن إسحاق الزّهري ثنا عبيد الله بن موسى ثنا إسرائيل، عن منصور، عن إبراهيم، قال: قال رجل لعلقمة: «أمؤمن أنت؟. قال: أرجو إن شاء الله». وقد روينا هذا عن جماعة من الصّحابة والتابعين والسّلف الصّالح رضي الله تعالى عنهم أجمعين. وروينا عن معاذ بن جبل ﵁ انه خطبهم فقال: «أنتم المؤمنون، أنتم أهل الجنّة، والله إنّي لأطمع أن يكون عامّة من تصيبون من أهل فارس والرّوم في الجنّة، لأنّ أحدهم يعمل لكم العمل

стр. 78

فتقول: أحسنت، رحمك الله! أحسنت، بارك الله فيك! والله يقول»: ﴿وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [الشورى:٢٦]. ٧٣ - أخبرنا أبو محمد المؤمّلي، أنبا أبو عثمان البصري، ثنا محمد بن عبد الوهاب نا يعلى بن عبيد ثنا الأعمش، عن شقيق، عن سلمة بن سبرة، قال: «خطبنا معاذ ... فذكره». وفي هذا انه يخاطب الجماعة بذلك، ولم يعيّن به شخصا، وقد رجع في آخر الحديث إلى الاستثناء في دخول الجنّة فقال: «إنّي لأطمع». ٧٤ - وأخبرنا أبو عبد الله بن عبد الله السّديري، أنبا أبو حامد الخسروجردي، ثنا داود بن الحسين الخسروجردي ثنا حميد بن زنجويه ثنا أبو شيخ الحرّاني ثنا محمّد بن سلمة، عن محمّد بن إسحاق، عن سعيد بن يسار، قال: «بلغ عمر بن الخطّاب ﵁ أنّ رجلا يزعم انّه مؤمن فكتب إلى أميره أن ابعثه إليّ. فلمّا قدم عليه، قال: أنت الّذي تزعم انّك مؤمن؟. قال: نعم، والله يا أمير المؤمنين! قال: ويحك! وممّ ذاك؟. قال: أو لم تكونوا مع رسول الله ﷺ أصنافا: مشرك، ومنافق، ومؤمن. فمن أيّهم كنت؟. قال: فمدّ عمر يده إليه معرفة لما قال حتى أخذ بيده.

стр. 79

٧٥ - وبإسناده حدثنا حميد بن زنجويه، ثنا هشام بن عمار، ثنا صدقة بن خالد، ثنا عثمان بن الأسود. قال: قلت لعطاء بن أبي رباح: الرجل يقول: لا أدري أمؤمن أنا أم لا؟ قال: سبحان الله! قال الله تعالى: ﴿(الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ)﴾ [البقرة:٣]. فهو الغيب فمن آمن بالغيب، فهو مؤمن بالله. قال الإمام الحافظ أبو بكر البيهقي-﵀-فهذا الذي روينا من إطلاق معاذ، وما روي مرسلا من تصويب عمر، وقول عطاء في تسمية من آمن بالله وبرسوله، بالمؤمن يرجع إلى الحال. قال الحليمي-رحمه الله تعالى-: لا ينبغي للمؤمن أن يمتنع من تسمية نفسه مؤمنا في الحال لأجل ما يخشاه من سوء العاقبة-نعوذ بالله منه-لأنّ ذلك وإن وقع وحبط ما قدّم من إيمانه، فليس ينقلب الموجود منه معدوما من أصله وإنّما يحبط أجره، ويبطل ثوابه. وبسط الكلام في شرح ذلك. وأما من أنكر من السلف إطلاق اسم الإيمان، فالموضع الذي يليق به ما قال: ان يقول الواحد: أنا مؤمن، وأعيش مؤمنا، وأموت مؤمنا، وألقى الله مؤمنا، ولا يستثني كان. ولذلك قال ابن مسعود: قل إنّي في الجنّة. لأنّ من مات مؤمنا، كان في الجنّة، وليس كلّ من كان مؤمنا ساعة من عمره أو يوما أو سنة، كان في الجنّة، فعلمنا أن عبد الله إنّما قال هذا لمن اتّكل على إيمانه، فقطع بأنّه مؤمن مطلق في عامّة أحواله وأوقاته، فلا يعيش إلاّ مؤمنا، ولا يموت إلاّ مؤمنا، ولم يكل أمره إلى الله . فأما قول المؤمن: أنا الآن مؤمن فليس ممّا ينكر، وإنّما يصحّ الاستثناء إذا كان الخبر عن المستقبل خاصة، فيكون المعنى أرجو أن يمنّ عليّ بالتثبت ولا يسلبني هدايته بعد أن آتانيها. قال: وللاستثناء موضع آخر يصحّ فيه ويحسن، وهو أن يردّ على كمال الإيمان لا على أصله وأسّه، كما روي أن رجلا سأل قتادة: أمؤمن أنت؟ فقال:

стр. 80

أما أنا فأؤمن بالله، وملائكته، وبكتبه، وبرسله، وبالبعث بعد الموت، وبالقدر خيره وشرّه أما الصفة التي ذكرها الله : ﴿(إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ ... )﴾ قرأ الآيات إلى قوله- ﴿(أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا، لَهُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ)﴾ [الأنفال:٢ - ٤]. فلا أدري أنا منهم أو لا. فقد أبان قتادة أنه قد آمن الإيمان الذي يبعده عن الكفر، ولكنه لا يدري استكمل الأوصاف التى حكى الله تعالى بها قوما من المؤمنين، فأوجب لهم بها المغفرة والدرجات وكان ذلك مشككا منه في الاستكمال الذي يوجب له الدرجات، لا في مجانية الكفر الذي يسقط عنه العذاب فمن وضع الاستثناء في أحد هذين الموضعين فليس من الشكاك. قال: الحافظ أبو بكر البيهقي-﵀: وقد روينا معنى هذا عن الحسن البصري. ٧٦ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثني أبو أحمد الحافظ، ثنا أبو العباس محمد بن شاذان الهاشمي، ثنا أحمد بن نصر المقري الزاهد ثنا عبد الله بن عبد الجبار الحمصي، ثنا بقية بن الوليد عن تمام بن نجيح قال: سأل رجل الحسن البصري عن الإيمان فقال: «الإيمان إيمانان، فإن كنت تسألني عن الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، والجنّة، والنار، والبعث، والحساب، فأنا مؤمن». وإن كنت تسألني عن قول الله : ﴿(إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ ... )﴾ الآيات، قرأ إلى ﴿(أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا)﴾ [الأنفال:٢ - ٤]. فو الله ما أدري أنا منهم أو لا.

стр. 81

٧٧ - أخبرنا أبو منصور الفقيه، أنبا أبو أحمد بن إسحاق الحافظ، قال سمعت أبا العباس الثقفي يقول: سمعت قتيبة بن سعيد يقول: «هذا قول الأئمة المأخوذ في الإسلام والسنة بقولهم فذكر الحكاية قال: «والإيمان يتفاضل، والإيمان قول وعمل ونيّة. والصلاة من الإيمان، والزكاة من الإيمان، والحجّ من الإيمان وإماطة الأذى عن الطّريق من الإيمان». ونقول: «النّاس عندنا مؤمنون بالاسم الذي سمّاهم الله في الإقرار والحدود والمواريث، ولا نقول: حقّا، ولا نقول: عند الله، ولا نقول: كإيمان جبريل وميكائيل، فإن إيمانهما متقبّل». قال: الإمام الحافظ البيهقي-﵀: وروينا عن وكيع انه قال: كان سفيان الثوري يقول: أنا مؤمن، وأهل القبلة كلّهم مؤمنون في النكاح والدية والمواريث. ولا يقول: أنا مؤمن عند الله . والمراد بهذا-والله أعلم-انّ الله يعلم إلى ما يصير أمره في المستقبل وهو لا يعلم، فيكل الأمر فيما لا يعلم إلى عالمه، ويخبر عما هو عليه في الحال-وبالله تعالى التوفيق.

стр. 82

باب ألفاظ الإيمان . قال الله : ﴿(وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَراءٌ مِمّا تَعْبُدُونَ، إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ، وَجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ ... )﴾ [الزخرف:٢٦ - ٢٧] الآية. قيل: وهي قول لا إله إلا الله. وروينا عن النبي ﷺ انه قال: «أمرت أن أقاتل النّاس حتّى يقولوا لا إله إلاّ الله، فإذا قالوها، عصموا منّي دماءهم وأموالهم إلا بحقّها. وحسابهم على الله ». ٧٨ - أخبرنا أبو طاهر الفقيه، أنبا حاجب بن أحمد الطوسي، ثنا عبد الرحيم بن منيب ثنا جرير بن عبد الحميد، أنبا سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «لأعطينّ الرّاية غدا رجلا يحبّ الله ورسوله يفتح الله عليه». قال سهيل: «أحسبه خيبر». -قال عمر: «فما أحببت الإمارة قطّ حتّى يومئذ فدعا عليّا فبعثه». ثم قال: «اذهب فقاتل حتّى يفتح الله عليك ولا تلتفت». قال عليّ ﵁: «على ماذا أقاتل النّاس؟ قال: «قاتلهم حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأنّ محمدا عبده ورسوله. فإذا فعلوا ذلك فقد (عصموا منكم) (١) دماءهم وأموالهم إلاّ بحقّها، وحسابهم على الله .

стр. 83

أخرجه مسلم في الصحيح من وجه آخر عن سهيل. ٧٩ - وفيما أنبأني أبو عبد الله الحافظ إجازة أنبا أبو العباس الأصم أنبا الربيع قال: قال الشافعي-رحمه الله تعالى-: «الإقرار بالإيمان وجهان فمن كان من أهل الأوثان، ومن لا دين له يدّعي انّه دين نبّوة، فإذا شهد أن لا إله إلاّ الله، وأنّ محمدا عبده ورسوله، فقد أقرّ بالإيمان، ومتى رجع عنه قتل، ومن كان على دين اليهودية والنّصرانية، فهولاء يدّعون دين موسى وعيسى عليهما الصلاة والسّلام، وقد بدّلوا منه، وقد أخذ عليهم فيه الإيمان بمحمّد رسول الله ﷺ ، فكفروا بترك الإيمان به، واتباع دينه مع ما كفروا به من الكذب على الله قبله، فقد قيل لي إنّ فيهم من هو مقيم على دينه يشهد أن لا إله إلاّ الله، ويشهد أنّ محمدا رسول الله، ويقول لم يبعث إلينا. فإن كان فيهم أحد هكذا فقال أحد منهم: أشهد أن لا إله إلاّ الله، وأنّ محمدا رسول الله، لم يكن هذا مستكمل الإقرار بالإيمان حتى يقول: وإنّ دين محمد حقّ أو فرض، وأبرأ مما خالف دين محمد ﷺ أو دين الإسلام. فإذا قال هذا، فقد استكمل الإقرار بالإيمان». وبسط الكلام فيه. وعلى قياس هذا فكل من تلفّظ بكلام محتمل لم يكن ذلك منه صريح إقرار بالإيمان حتى يأتي بما يخرجه عن حدّ الاحتمال. وقد بسط الحليمي-رحمه الله تعالى-الكلام في شرحه. وقد ينعقد الإيمان بغير القول المعروف إذا أتى بما يؤدّي معناه، وما ذكرنا من الآية دلالة على ذلك. قال البيهقي-﵀: وقد روينا في حديث المقداد بن الأسود انه قال: (يا رسول الله! أرأيت إن لقيت رجلا من الكفّار، فقاتلني، فضرب إحدى يديّ بالسيف، فقطعها، ثم لاذ منّي بشجرة فقال: أسلمت لله، أقتله يا رسول الله! بعد ان قالها؟ فقال رسول الله ﷺ : «لا تقتله».

стр. 84

فقلت يا رسول الله! إنّه قطع يدي، ثمّ قال ذلك بعد، أقتله؟ فقال: «لا تقتله، فإن قتلته فإنّه بمنزلتك قبل أن تقتله، وإنّك بمنزلته قبل أن يقول الكلمة التي قال». ٨٠ - أخبرناه أبو عبد الله الحافظ أنبا أبو بكر بن إسحاق الفقيه ثنا أحمد ابن إبراهيم بن ملحان ثنا ابن بكير، ثنا الليث، عن ابن شهاب، عن عطاء بن يزيد الليثي، عن عبيد الله بن عديّ بن الخيار، عن المقداد بن الأسود انه قال يا رسول الله! ... فذكره. أخرجاه في الصحيح. وروينا في حديث عقبة بن مالك في قصة شبيهة بقصة المقداد غير انه قال: «فقال إنّي مسلم». فذكر ما كان من النبي ﷺ من إعراضه عن قاتله وقوله: «إنّ الله أبى عليّ من قتل مؤمنا». فصل فيمن كفّر مسلما . ٨١ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنبا أبو الوليد الفقيه أنبا الحسن بن سفيان ثنا أبو بكر بن أبي شيبة ثنا محمد بن بشر وعبد الله بن نمير قالا ثنا

стр. 85

عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، أن النبي ﷺ قال: «إذا كفّر الرّجل أخاه فقد باء بها أحدهما». رواه مسلم في الصحيح عن أبي بكر بن أبي شيبة. وفي رواية عبد الله بن دينار عن ابن عمر: «إن كان كما قال، وإلاّ رجعت إليه». قال الحليمي-رحمه الله تعالى-: إذا قال ذلك مسلم لمسلم، فهذا على وجهين: إن أراد أنّ الدّين الذي يعتقده كفر، كفر بذلك؛ وإن أراد انّه كافر في الباطن، ولكنه يظهر الإيمان نفاقا، لم يكفر. وإن لم يرد شيئا، لم يكفر. لأنّ ظاهره أنه رماه بما لا يعلم في نفسه مثله. قال: البيهقي-﵀: قد روينا عن عمر بن الخطاب-رضي الله تعالى عنه-انه قال: في حاطب بن أبي بلتعة حين خان رسول الله ﷺ بالكتابة إلى مكة: «دعني أضرب عنق هذا المنافق». فسماه عمر منافقا، ولم يكن منافقا. فقد صدّقه النبي ﷺ فيما أخبر عن نفسه، ولم يصر به عمر كافرا، لأنه اكفره بالتأويل، وكان ما ذهب إليه عمر محتمل.

стр. 86

باب القول في إيمان المقلّد والمرتاب . المقلّد من تديّن ما تدين لأنه دين آبائه، وقرابته، وأهل بلده، وليس عنده وراء ذلك حجّة يأوي إليها. والمرتاب من يقول: اعتقدت الإسلام، وتابعت أهله احتياطا لنفسي، فإن كان حقا فقد فزت، وإن لم يكن من ذلك شيء لم يضرني. وواحد من هذين ليس بمسلم. وبسط الحليمي-رحمه الله تعالى-الكلام فيه، قال: والمؤمن الذي ليس بمقلّد رجلان: أحدهما: الذي يعرف الله-تعالى جدّه-بالدّلائل والحجج معرفة تامّة لا شك معها، وعرف رسول الله ﷺ بالحجج الدالّة على صدقه، ثم اعترف بالله ورسوله، وقبل عن رسوله جميع ما جاء به من عنده، وأسلم نفسه بالطاعة له فيما أمره به، ونهاه عنه. والآخر: من يؤمن بالله إجابة لدعوة نبيّه بعد قيام الحجّة على نبوّته وبسط الكلام فيه إلى أن قال: ثم ينظر، فإن كان المؤمن قبل أن آمن يثبت الله-تعالى جدّه-إلاّ أنه يلحد في أسمائه وصفاته، كان إيمانه الحادث ترك ذلك الإلحاد لما يقوله النبيّ ﷺ ويدعوه إليه. وإن كان قبل ذلك لا يدين، ويرى أن لا صانع للعالم، وأنه لم يزل على ما هو عليه الآن، فوجه إيمانه بالله لدعوة نبيّه هو أن النبي ﷺ ذكر أنّ للعالم إلها واحدا لم يزل ولا يزال، ولا يشبه شيئا، قادرا لا يعجزه شيء، عالما، حكيما، كان ولا شيء غيره، وأبدع كل موجود سواه، واخترعه اختراعا لا من أصل، وأنّه أرسله إلى الناس ليعرّفه إليهم، وينبّههم على آثار خلقه التي يرونها ويعقلون عنها، ويدعوهم إلى طاعته وعبادته، وأنّ دلالته على صدقه هي ما أيّده به من

стр. 87

كذا وكذا مما لا يستطيع النّاس-وإن تظاهروا-أن يأتوا بمثله، وإنّه إذا كان واحد من الناس تجمعه وايّاهم البشرية ثم يجمعه وأهل بلده الهواء والأرض والماء، وكان ما عدا هذا-الذي يذكر أنه تأيد به ليكون دلالة على صدقه-لا يباين فيه أحدا من الناس، ويحتاج من الطعام والشراب إلى مثل ما يحتاجون إليه، ولا يقدر من الأشياء المعتادة إلا على ما يقدرون عليه، ويعجز عما يعجزون عنه؛ وجب أن يعلموا أنّه من فضل هذا الإله الذي اختصّ به فما هو خارج عن قضية العادات، عاجز مثلهم، وإنه وإن كان عاجزا عنه وقد وجد به وظهر على يده حتى انّه ليس من صنعه ولكن من صنع غيره. ولا جائز أن يكون ذلك الغير من جنسه، أو مثله، أو في القدرة نظيره، إذ لو كان كذلك لاستحال وجوده من غيره كما استحال وجوده منه. وفي ذلك ما يوجب أن يكون من صنع صانع لا يفعل الاشياء بمثل القوة والقدرة التي بها صنع الصنّاع المشاهدون، وأنه كما لم يشبه صنعه صنعهم، فكذلك هو غير مشبه إياهم، ولا جائز عليه من معاني النقص ما هو جائز عليهم، فانتظمت حجته هذه إثبات الصانع على من يجهله ولا يعترف به، وإثبات رسالته من عنده. فمن استسلم لحجته، وصدّقه في جميع قوله، وآمن بجملة دعوته، كان إثبات الرسول والمرسل منه معا في مقام واحد. فهذا وجه الإيمان بالله إجابة لدعوة رسوله إليه، وهذا إجابة بحجّة. ومن هذا الوجه كان إيمان عامّة المستجيبين للأنبياء والرسل صلوات الله وسلامه عليهم. ثم قد كان فيهم من تنبّه بعد، فرأى، ونظر، وبحث فبصّره الله تعالى من الدلائل ما شدّ به أزره، وعصم دينه، وقوى يقينه، وطلب من هذا العلم ما ينصر به الدين، ويجادل به أعداءه وينصب به للدفع عنه. ٨٢ - أخبرنا أبو الحسين علي بن محمد المقرئ، أنبا الحسن بن

стр. 88

محمد بن إسحاق أنبا يوسف بن يعقوب، ثنا نصر بن علي، ثنا وهب بن جرير، ثنا أبي عن محمد بن إسحاق، حدثني الزهري، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وعن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وعن عروة بن الزبير ﵁ وصلب الحديث عن أبي بكر بن عبد الرحمن، عن أم سلمة-زوج النبي ﷺ -قالت: «أنّ النبيّ ﷺ -لما فتن أصحابه بمكّة-أشار عليهم أن يلحقوا بأرض الحبشة-فذكر الحديث بطوله ... إلى ان قال: فكلّمه جعفر-يعني النجاشي قال: كنّا على دينهم-يعني دين أهل مكّة-حتى بعث الله فينا رسولا نعرف نسبه، وصدقه، وعفافه، فدعانا إلى أن نعبد الله وحده، ولا نشرك به شيئا، ونخلع ما يعبد قومنا وغيرهم من دونه، وأمرنا بالمعروف، ونهانا عن المنكر، وأمرنا بالصّلاة، والصّيام، والصّدقة، وصلة الرّحم، وكلّ ما يعرف من الأخلاق الحسنة، وتلا علينا تنزيلا جاءه من الله لا يشبهه شيء غيره، فصدّقناه، وآمنّا به، وعرفنا أنّ ما جاء به هو الحق من عند الله . قال: ففارقنا عند ذلك قومنا وآذونا وفتنونا، فلما بلغ منّا ما يكره، ولم نقدر على الامتناع، أمرنا نبيّنا ﷺ بالخروج إلى بلادك. اختيارا لك على من سواك لتمنعنا منهم. فقال النجاشيّ: هل معكم مما أنزل عليه شيء تقرأونه عليّ؟ قال جعفر: نعم، فقرأ «كهيعص» فلما قرأها، بكى النجاشيّ حتى أخضل لحيته، وبكت أساقفته حتى اخضلوا مصاحفهم. وقال النجاشيّ: إن هذا الكلام والكلام الذي جاء به عيسى ليخرجان من مشكاة واحدة». ٨٣ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ومحمد بن موسى، قالا أنا أبو العباس

стр. 89

محمد بن يعقوب، نا العباس بن محمد الدوري، ثنا فضيل بن عبد الوهاب، ثنا شريك، عن سماك عن أبي ظبيان عن ابن عباس قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ قال: «بم كنت نبيّا؟. قال: ارأيت إن دعوت شيئا من هذه النخلة فأجابني، تؤمن بي؟ قال: نعم. فدعاه، فأجابه فآمن به وأسلم». وكذا رواه محمد بن سعيد بن الأصبهاني عن شريك وأتم من هذا، ورواه أيضا عن الأعمش عن أبي ظبيان. وقد ذكرنا شواهد هذا في كتاب «دلائل النبوة»، وذكرنا فيه من إيمان من آمن حين وقف على صدق النبي ﷺ ، ومعجزته ما يكشف عن صحّة ما قاله الحليمي-رحمه الله تعالى-. ٨٤ - أخبرنا أبو طاهر الفقيه أنبا أبو بكر محمد بن الحسين القطان، أنبا أحمد بن يوسف السلمي، ثنا محمد بن يوسف الفريابي، ثنا سفيان، عن جعفر بن برقان، عن عمر بن عبد العزيز-﵁-أنه سأله رجل عن شيء من الأهواء فقال: «عليك بدين الأعرابي والغلام في الكتّاب واله عمن سواه». قال الإمام البيهقي-﵀: وهذا الذي قاله عمر بن عبد العزيز قاله غيره من السلف-في النهي عن الخوض في مسائل الكلام-فإنما هو لأنهم رأوا أنه لا يحتاج إليه لتبيين صحّة الدين في أصله، إذ كان رسول الله ﷺ إنما بعث مؤيّدا بالحجج فكانت مشاهدتها للذين شاهدوها، وبلاغها المستفيض ومن بلغه كافيا في إثبات التوحيد والنّبوّة معا عن غيرها. ولم يأمنوا أن يوسع الناس في علم الكلام، وأن

стр. 90

يكون فيهم من لا يكمل عقله ويضعف رأيه فيرتبك في بعض ضلالة الضالين، وشبه الملحدين، ولا يستطيع منها مخرجا كالرجل الضعيف غير الماهر بالسباحة إذا وقع في ماء غامر قويّ، لم يؤمن أن يغرق فيه، ولا يقدر على التخلّص منه، ولم ينهوا عن علم الكلام لأنّ عينه مذموم، أو غير مفيد. وكيف يكون العلم الذي يتوصل به إلى معرفة الله ، وعلم صفاته ومعرفة رسله، والفرق بين النبي الصادق وبين المتنبّئ الكاذب عليه مذموما أو مرغوبا عنه؟. ولكنهم لإشفاقهم على الضّعفاء لئلا يبلغوا ما يريدون منه فيضلّوا، نهوا عن الاشتغال به. ثم بسط الحليمي-رحمه الله تعالى-الكلام في التحريض على تعلّمه إعدادا لأعداء الله . وقال غيره في نهيهم عن ذلك إنما هو لأنّ السّلف من أهل السنّة والجماعة كانوا يكتفون بمعجزات الرسل صلوات الله عليهم على الوجه الذي بيّنّا. وإنما يشتغل في زمانهم بعلم الكلام أهل الأهواء، فكانوا ينهون عن الاشتغال بكلام أهل الأهواء. ثم إنّ أهل الأهواء كانوا يدّعون على أهل السنة أنّ مذاهبهم في الأصول تخالف المعقول. فقيّض الله تعالى جماعة منهم للاشتغال بالنظر والاستدلال حتى تبحروا فيه، وبينوا بالدلائل النيرة والحجج الباهرة أن مذاهب أهل السنة توافق المعقول، كما هي موافقة لظاهر الكتاب والسنة، إلا أنّ الإيجاب يكون بالكتاب والسنة فيما يجوز في العقل أن يكون غير واجب، دون العقل. وقد كان من السلف من يشرع في علم الكلام ويردّ به على أهل الأهواء. ٨٥ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني أحمد بن سهل، ثنا إبراهيم بن معقل ثنا حرملة، ثنا ابن وهب، ثنا مالك أنه دخل يوما على عبد الله بن يزيد بن هرمز فذكر قصة-ثم قال: وكان-يعني ابن هرمز-بصيرا بالكلام، وكان يردّ على أهل الأهواء وكان من أعلم الناس بما اختلفوا فيه من هذه الأهواء.

стр. 91

باب القول فيمن يكون مؤمنا بإيمان غبره . ٨٦ - أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ، أنبا أبو عبد الله بن يعقوب، ثنا محمد بن شاذان، ثنا قتيبة بن سعيد، ثنا عبد العزيز بن محمد، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة ٨٧ ﵁-أن رسول الله ﷺ قال: «كلّ إنسان تلده أمّه على الفطرة، أبواه يهوّدانه، أو ينصّرانه، أو يمجّسانه، فإن كانا مسلمين فمسلم». «كلّ إنسان تلده أمّه يلكزه الشّيطان في حضنيه إلاّ مريم وابنها». رواه مسلم في الصحيح عن قتيبة. وقد حكينا عن الشافعي-رحمه الله تعالى-أنه قال: «كلّ مولود يولد على الفطرة». هي الفطرة التي فطر الله تعالى عليها الخلق، فجعلهم رسول الله ﷺ -ما لم يفصحوا بالقول، فيختاروا أحد القولين: الإيمان أو الكفر-لا حكم لهم في أنفسهم، إنما الحكم لهم بآبائهم. فما كان آباؤهم يوم يولدون فهم بحاله إما مؤمن فعلى إيمانه؛ أو كافر فعلى كفره.

стр. 92

فذهب الشافعيّ-﵀-في هذا إلى أنّ الله تعالى خلق المولود لا حكم له في نفسه، وإنما هو تبع لوالديه في الدّين في حكم الدنيا حتى يعرب عن نفسه بعد البلوغ. وأمّا في الآخرة فمنهم من ألحقهم بآبائهم في حكم الآخرة أيضا؛ ومنهم من ألحق ذراري المسلمين بهم، وزعم أنّ أولاد المشركين خدم أهل الجنة. ومنهم من توقّف في الجميع، ووكل أمرهم إلى الله . وهذا أشبه الأقاويل بالسّنن الصحيحة، والله تعالى أعلم. وقد ذكرنا أقاويل السلف في ذلك، وما احتج به كلّ فريق منهم في آخر «كتاب القدر»، فمن أحبّ الوقوف عليه رجع إليه إن شاء الله تعالى. ومتى ما أسلم الأبوان أو أحدهما، صار الولد مسلما بإسلام أبويه أو أحدهما. وقد ذكرنا في «كتاب السنن» إسلم من صار مسلما بإسلام أبويه أو أحدهما من أولاد الصحابة. وإذا سبي الصغير من دار الحرب، ومعه أبواه، أو أحدهما، فدينه دين من معه من أبويه. وإن سبي وحده فدينه دين السابي لأنه وليّه الذي أولى به منه، فقام في دينه مقام أبويه، كما قام في الولاية والكفالة مقامهما. والله تعالى أعلم.

стр. 93

باب القول فيمن يصحّ إيمانه أو لا يصحّ . قال الله تعالى: ﴿وَإِذا بَلَغَ الْأَطْفالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾ [النور:٥٩]. فأخبر أنه إنما يثبت عليهم الفرض في إيذانهم في الاستئذان إذا بلغوا. قال: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ -إلى قوله- ﴿لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة:١٦٤]. وفي موضع آخر ﴿لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ﴾ [آل عمران:١٩٠]. وخاطب بالفرائض من عقلها. ٨٧ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو بكر بن إسحاق، أنبا محمد بن أيوب، ثنا أبو الوليد الطيالسي، وموسى بن إسماعيل قالا: ثنا حماد بن سلمة، عن حماد، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة عن النبي ﷺ قال: «رفع القلم عن ثلاثة: عن الصّبيّ حتى يحتلم؛ وعن المعتوه حتى يفيق؛ وعن النّائم حتى يستيقظ». وأما ما روي من إسلام عليّ، وصلاته مع النبي ﷺ ، فقد قال الحليمي- رحمه الله تعالى-: لما أمره رسول الله ﷺ بالإسلام والصلاة فهو أحد شيئين: أما أن يكون خصّه بالخطاب، لما صار من أهل التمييز والمعرفة دون سائر الصغار، ليكون ذلك كرامة له ومنقبة، فلما توجّه عليه الخطاب والدعوة، صحت منه الإجابة، وسائر الصغار لا يتوجه عليهم الخطاب والدعوة فلا يصح منهم الإسلام. أو يكون خطاب النبي ﷺ إياه بالدعاء إلى الإسلام والصلاة يومئذ على أنه بالغ عنده، لأن البلوغ بالسن ليس مما شرع في أول الإسلام، بل ليس يحفظ

стр. 94

قبل قصة ابن عمر في أحد والخندق في ذلك شيء. فالظاهر أن الناس كانوا يجرون في ذلك على رأيهم وما تعارفوه من أن الصبي من لا يمكن أن يولد له. والرجل من يمكن أن يولد له وكان علي-﵁-ابن عشر سنين لما أسلم. وظاهر قول من قال إنه ابن عشر: أنه استكمل عشرا ودخل في الحادي عشر. ومن بلغ هذا السن فقد يمكن أن يولد له. فلما شرع البلوغ بعد ذلك بالسن نظر إلى السن التي كل من بلغها جاز أن يولد له دون السن التي يندر ممن بلغها الإيلاد وكان من قصرت سنوه عن ذلك الحد صغيرا في الحكم ولم يجز أن يصح إسلامه والله تعالى أعلم. وقد ذكرنا في «كتاب السنن» وفي «كتاب الفضائل» سائر ما قيل فيه.

стр. 95

باب الدعاء إلى الإسلام . ٨٨ - أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحافظ أنبا محمد بن إبراهيم المزكي ... وأخبرنا أبو صالح بن أبي طاهر العنبري، أنبا جدي يحيى بن منصور قالا ثنا أحمد بن سلمة، ثنا إسحاق بن إبراهيم أنبا وكيع ثنا زكريا بن إسحاق المكي. عن يحيى بن عبد الله بن صيفي، عن أبي معبد، عن ابن عباس: «أنّ رسول الله ﷺ لما بعث معاذا إلى اليمن قال له رسول الله ﷺ : إنّك لتأتي قوما أهل كتاب، فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله، فإن هم أجابوك لذلك فأعلمهم أنّ الله افترض عليهم خمس صلوات في كلّ يوم وليلة، فإن هم أجابوك لذلك، فأعلمهم أنّ الله قد افترض عليهم صدقة في أموالهم، تؤخذ من أغنيائهم فتردّ في فقرائهم، فإن هم أجابوا لذلك، فإيّاك وكرائم أموالهم وإياك ودعوة المظلوم، فإنّها ليس بينها وبين الله حجاب». رواه البخاري عن يحيى بن موسى عن وكيع. ورواه مسلم عن إسحاق بن إبراهيم وغيره. ودعاء من لم تبلغه الدعوة مستحقّ، ودعاء من بلغته الدعوة إذا لم يحتج إلى التثبت في قهرهم مستحبّ. وقد مضى الكلام وما ورد فيه من الأخبار في «كتاب السنن».

стр. 96

(١) الأوّل من شعب الإيمان. وهو باب في الإيمان بالله . ٨٩ - قال: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنبا أبو بكر أحمد بن إسحاق الفقيه أنبا أبو مسلم، ثنا محمد بن كثير، ثنا سفيان، عن سهيل بن أبي صالح، عن عبد الله بن دينار، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «الإيمان بضع وستّون، أو بضع وسبعون أفضلها لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الاذى عن الطّريق، والحياء شعبة من الإيمان». قال الحليمي رحمه الله تعالى: وهذه الشهادة فرض تجمع الاعتقاد بالقلب، والاعتراف باللسان. والاعتقاد والإقرار وإن كانا عملين يعملان بجارحتين مختلفتين، فإنّ نوع العمل واحد، والمنسوب منه إلى القلب، هو المنسوب إلى اللسان. والمنسوب إلى اللسان، هو المنسوب إلى القلب، كما أنّ المكتوب-مما جمع بين كتبه وقوله- هو المقول، والمقول هو المكتوب. قال: والعمل الصالح بالاعتقاد والإقرار مجموع عدة أشياء: ١ - أحدها: إثبات البارئ ﷻ ، ليقع به مفارقة التعطيل. ٢ - والثاني: إثبات وحدانيته، لتقع به البراءة من الشرك. ٣ - والثالث: إثبات أنّه ليس بجوهر ولا عرض، ليقع به البراءة من التشبيه. ٤ - والرابع: إثبات أنّ وجود كلّ ما سواه كان معدوما من قبل إبداعه له، واختراعه إياه، ليقع به البراءة من قول من يقول بالعلة والمعلول. ٥ - والخامس: إثبات أنه مدبّر ما أبدع ومصرّفه على ما يشاء ليقع به
следующие страницы →