ويعتقدون أنه الإمام المعصوم دونهما, وأن الصحابة ظلموا وفسقوا, وكفروا الأمة بعدهم كذلك, وربما جعلوه نبيا أو إلها, وبين الجافية الذين يعتقدون كفره, وكفر عثمان ﵄, ويستحلون دمائهم ودما من تولاهما, ويستحبون سب علي وعثمان ونحوهما, ويقدحون في خلافة علي ﵁ وإمامته.
وكذلك في سائر "أبواب السنة" هم وسط, لأنهم متمسكون بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ . وما اتفق عليه السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان.
أئمة الدين لا يقولون بالتخليد في النار بمطلق الذنوب:١
قول الخوارج الذين يكفرون بمطلق الذنوب ويخلدون في النار, وقول من يخلدهم في النار ويجزم بأن الله لا يغفر لهم إلا بالتوبة, ويقول ليس معهم من الإيمان شيء, لم يذهب إليهما أحد من أئمة أهل الفقه والحديث بل هما من الأقوال المشهورة عن أهل البدع.
وكذلك قول من وقف في أهل الكبائر من غلاة المرجئة وقال لا أعلم أن أحدا منهم يدخل النار, هو أيضا من الأقوال المبتدعة, بل السلف والأئمة متفقون على ما تواترت به النصوص من أنه لا بد أن يدخل النار قوم من أهل القبلة, ثم يخرجون منها, وأما من جزم بأنه لا يدخل النار أحد من أهل القبلة فهذا لا نعرفه قولا واحدا. وبعده قول من يقول: ما ثم عذاب أصلا وإنما هو تخويف لا حقيقة له, وهذا من أقوال الملاحدة والكفار.
وربما احتج بعضهم بقوله: ﴿ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ﴾ ٢ فيقال لهذا:
стр. 107
التخويف إنما يكون تخويفا إذا كان هناك مخوف يمكن وقوعه بالمخوف, فإن لم يكن هناك ما يمكن وقوعه امتنع التخويف, لكن يكون حاصله إيهام الخائفين بما لا حقيقة له, كما توهم الصبي الصغير, ومعلوم أن مثل هذا لا يحصل به تخويف لعقلاء المميزين, لأنهم إذا علموا أنه ليس شيء مخوف زال الخوف: وهذا شبيه بما تقول "الملاحدة" المتفلسفة والقرامطة ونحوهم, من أن الرسل صلوات الله وسلامه عليهم: خاطبوا الناس بإظهار أمور من الوعيد لا حقيقة لها في الباطن, وإنما هي أمثال مضروبة لتفهم حال النفس بعد المفارقة, وما أظهروه لهم من الوعد والوعيد وإن كان لا حقيقة له فإنما يعلق لمصلحتهم في الدنيا, إذ كان لا يمكن تقويمهم إلا بهذه الطريقة.
أصناف ثلاثة من أمة محمد: ظالم لنفسه, ومقتصد, وسابق للخيرات:١
ذكر الله تعالى "أولياءه" المقتصدين والسابقين في سورة فاطر في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِير ُ, جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ, وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ, الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ﴾ ٢ لكن هذه الأصناف الثلاثة في أمة محمد ﷺ خاصة كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِير﴾ .
وأمة محمد ﷺ هم الذين أورثوا الكتاب بعد الأمم المتقدمة, وليس ذلك مختصا
стр. 108
بحفاظ القرآن, بل كل من آمن بالقرآن فهو من هؤلاء, وقسمهم الله إلى ظالم لنفسه, ومقتصد, وسابق, بخلاف الآيات التي في الواقعة والمطففين والانفطار, فإنه دخل فيها جميع الأمم المتقدمة كافرهم ومؤمنهم وهذا التقسيم لأمة محمد ﷺ ف"الظالم لنفسه" أصحاب الذنوب المصرون عليها, ومن تاب من ذنبه, أي ذنب كان, توبة صحيحة لم يخرج بذلك عن السابقين, و"المقتصد" المؤدي للفرائض المجتنب للمحارم, و"السابق للخيرات" هو المؤدي للفرائض والنوافل, كما في تلك الآيات, ومن تاب من ذنبه أي ذنب كان توبة صحيحة لم يخرج بذلك عن السابقين والمقتصدين كما في قوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ, الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ, وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ, أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ ١ و"المقتصد" المؤدي للفرائض المجتنب للمحارم, و"السابق للخيرات" هو المؤدي للفرائض والنوافل كما في تلك الآيات.
وقوله ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾ ٢ مما يستدل به أهل السنة على أنه لا يخلد في النار أحد من أهل التوحيد.
وأما دخول كثير من أهل الكبائر النار فهذا مما تواترت به السنن عن النبي ﷺ كما تواترت بخروجهم من النار وشفاعة نبينا محمد ﷺ وشفاعة غيره. فمن قال: إن أهل الكبائر مخلدون في النار وتأول الآية على أن السابقين هم الذين
стр. 109
يدخلونها وأن المقتصد أو الظالم لنفسه لا يدخلها, كما تأول من المعتزلة فهو مقابل بتأويل المرجئة الذين لا يقطعون بدخول أحد من أهل الكبائر النار, ويزعمون أن أهل الكبائر قد يدخل جميعهم الجنة من غير عذاب, وكلاهما مخالف للسنة المتواترة عن النبي ﷺ ولإجماع سلف الأمة وأئمتها.
وقد دل على فساد قول "الطائفتين" قول الله تعالى في آيتين من كتابه وهو قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ ١ فأخبر تعالى أنه لا يغفر الشرك وأخبر أنه يغفر ما دونه لمن يشاء, ولا يجوز أن يراد بذلك التائب كما يقوله من يقوله من المعتزلة لأن الشرك يغفره الله لمن تاب, وما دون الشرك يغفر الله أيضا للتائب فلا تعلق بالمشيئة, ولهذا لما ذكر المغفرة للتائبين قال تعالى ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ٢ هنا عمم المغفرة وأطلقها, فإن الله يغفر للعبد أي ذنب تاب منه فمن تاب من الشرك غفر الله له ومن تاب من الكبائر غفر الله له وأي ذنب تاب العبد منه غفر الله له. ففي آية التوبة عمم وأطلق, وفي تلك الآية خصص وعلق, فخص الشرك بأنه لا يغفره, وعلق ما سواه على المشيئة. ومن الشرك التعطيل للخالق وهذا يدل على فساد قول من يجزم بالمغفرة لكل مذنب, ونبه بالشرك على ما هو أعظم منه كتعطيل الخالق, أو يجوز أن لا يعذب بذنب, فإنه لو كان كذلك لما ذكر أنه يغفر البعض دون البعض, ولو كان كل ظالم لنفسه مغفورا له بلا توبة ولا حسنات ماحية لم يعلق ذلك بالمشيئة.
وقوله تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ دليل على أنه يغفر البعض
стр. 110
دون البعض, فبظل النفي والوقف العام.
стр. 111
الظلم المطلق يتناول الكفر وما دونه: ١
إن الظلم المطلق يتناول الكفر, ولا يختص بالكفر, بل يتناول ما دونه أيضا, وكل بحسبه كلفظ "الذنب" و"الخطيئة" و"المعصية" فإن هذا يتناول الكفر والفسوق والعصيان, كما في الصحيحين عن عبد الله بن مسعود قال: قلت يا رسول الله أي الذنب أعظم؟ قال: "أن تجعل لله ندا وهو خلقك" قلت: ثم أي؟ قال: "ثم أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك". قلت ثم أي؟ قال: "ثم أن تزاني بحليلة جارك" ٢, فأنزل الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً, يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً, إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً, وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَاباً﴾ ٣.
فهذا الوعيد بتمامه على الثلاثة, ولكل عمل قسط منه, فلو أشرك ولم يقتل ولم يزن, كان عذابه دون ذلك, ولو زنى وقتل ولم يشرك, كان له من هذا العذاب نصيب, كما في قوله: ﴿وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَاباً﴾ ٤. ولم يذكر: "أبدا".
стр. 112
وقد قيل: إن لفظ "التأبيد" لم يجيء إلا مع الكفر, وقال الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً, يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً, لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولاً﴾ ١. فلا ريب أن هذا يتناول الكافر الذي لم يؤمن بالرسول. وسبب نزول الآية كان في ذلك, فإن الظلم المطلق يتناول ذلك ويتناول ما دونه بحسبه.
فمن خال مخلوقا في خلاف أمر الله ورسوله, كان له من هذا الوعيد نصيب, كما قال تعالى: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ ٢, وقال تعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَاب﴾ ٣. قال الفضيل بن عياض: حدثنا الليث عن مجاهد: هي المودات التي كانت بينهم لغير الله, فإن المخالة تحاب وتواد, ولهذا قال: "المرء على دين خليله" , فإن المتحابين يحب أحدهما ما يجب الآخر بحسب الحب, فإن اتبع أحدهما صاحبه على محبته ما يبغضه الله ورسوله, نقص من دينهما بحسب ذلك إلى أن ينتهي إلى الشرك الأكبر, قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ﴾ ٤.
والذين قدموا محبة المال الذي كنزوه, والمخلوق الذي اتبعوه, على محبة الله ورسوله, كان فيهم من الظلم والشرك بحسب ذلك. فلهذا ألزمهم محبوبهم كما في الحديث, يقول الله تعالى: " أليس عدلا مني أن أولي كل رجل منكم ماكان
стр. 113
يتولاه في الدنيا". وقد ثبت في "الصحيح" يقول: "ليذهب كل قوم إلى ما كانوا يعبدون, فمن كان يعبد الشمس الشمس, ومن كان يعبد القمر القمر, ومن كان يعبد الطواغيت الطواغيت, ويمثل للنصارى المسيح, ولليهود عزير, فيتبع كل قوم ما كانوا يعبدون وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها" فهؤلاء " أهل الشرك الأكبر".
وأما "عبيد المال" الذين كنزوه, وعبيد الرجل الذين أطاعوهم في معاصي الله فأولئك يعذبون عذابا دون عذاب أولئك المشركين, إما في عرصات القيامة, وإما في جهنم, ومن أحب شيئا دون الله عذب به. وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ ١. فالكفر المطلق هو الظلم المطلق, ولهذا لا شفيع لأهله يوم القيامة كما نفى الشفاعة في هذه الآية, وفي قوله: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ, يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ ٢. وقال: ﴿فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ, وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ, قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ ,تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ, إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ, وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ, وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ, فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ, وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ, فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ٣.
стр. 114
فساق أهل الملة: ١
إن أهل السنة متفقون على أن الفساق أهل الملة –وإن دخلوا النار, أو استحقوا دخولها فإنهم- لا بد أن يدخلوا الجنة فيجتمع فيهم الثواب والعقاب, ولكن الخوارج والمعتزلة تنكر ذلك, وترى أن من استحق العقاب لا يستحق الثواب. والمسألة مشهورة.
وأما جواز الدعاء للرجل وعليه فبسط هذه المسألة في الجنائز, فإن موتى المسلمين يصلى عليهم برهم وفاجرهم, وإن لعن الفاجر مع ذلك بعينه أو بنوعه لكن الحال الأول أوسط وأعدل, وبذلك أجبت المغل بولاي, لما قدموا دمشق في الفتنة الكبيرة, وجرت بيني وبينه وبين غيره مخاطبات, فسألني فيما سألني: ما تقولون في يزيد؟ فقلت: لا نسبه ولا نحبه, فإنه لم يكن رجلا صالحا فنحبه ونحن لا نسب أحدا من المسلمين بعينه. فقال: أفلا تلعنونه؟ أما كان ظالما؟ أما قتل الحسين؟.
فقلت له: نحن إذا ذكر الظالمون كالحجاج بن يوسف وأمثاله: نقول كما قال الله في القرآن: ﴿أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ ٢ ولا نحب أن نلعن أحدا بعينه, وقد لعنه قوم من العلماء, وهذا مذهب يسوغ فيه الاجتهاد, لكن ذلك القول أحب إلينا وأحسن.
وأما من قتل الحسين أو أعان على قتله أو رضي بذلك فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين, لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا.
стр. 115
لم نؤمر أن ننقب عن قلوب الناس ١:
في الصحيحين عن أبي سعيد قال: بعث علي بن أبي طالب إلى النبي ﷺ مت اليمن بذهبية في أدم مقروض لو تحصل من ترابها فقال: فقسمها بين أربعة نفر, فقال رجل من أصحابه كنا أحق بهذا من هؤلاء قال: فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: "ألا تأمنونني وأنا أمين في السماء يأتيني خبر من السماء صباحا ومساء" قال: فقام رجل غائر العينين مشرف الوجنتين, ناشز الجبهة, كث اللحية محلوق الرأس, مشمر الإزار. فقال: يا رسول الله! اتق الله, فقال: "ويلك أولست أحق أهل الأرض أن يتقي الله؟! " قال: ثم ولى الرجل, فقال خالد بن الوليد, يا رسول الله ألا أضرب عنقه؟ فقال: "لا: لعله أن يكون يصلي" قال خالد: وكم من مصل يقول بلسانه ما ليس في لقبه. فقال رسول الله ﷺ : "إني لم أومر أن أنقب عن قلوب الناس, ولا أشق بطونهم" قال ثم نظر إليه وهو مقف فقال: "إنه يخرج من ضئضئ هذا قوم يتلون كتاب الله رطبا لا يجاوز حناجرهم, يمرقون من الذين كما يمرق السهم من الرمية قال: أظنه قال! "لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد" ٢. اللفظ لمسلم.
стр. 116
لا يخلد في النار من في قلبه مثقال ذرة من إيمان: ١
وأما ظالم لنفسه من أهل الإيمان: فمعه من ولاية الله بقدر إيمانه وتقواه, كما معه من ضد ذلك بقدر فجوره إذ الشخص الواحد قد يجتمع فيه الحسنات المقتضية للثواب, والسيئات المقتضية للعقاب, حتى يمكن أن يثاب ويعاقب,
стр. 117
وهذا قول جميع أصحاب رسول الله ﵌, وأئمة الإسلام وأهل السنة والجماعة الذين يقولون: إنه لا يخلد في النار من في قلبه مثقال ذرة من إيمان.
وأما القائلون بالتخليد كالخوارج والمعتزلة القائلين إنه لا يخرج من النار من دخلها من أهل القبلة, وإنه لا شفاعة للرسول ولا لغيره في أهل الكبائر, لا قبل دخول النار ولا بعده, فعندهم لا يجتمع في الشخص الواحد ثواب وعقاب, وحسنات وسيئات, بل من أثيب لا يعاقب, ومن عوقب لم يثب, ودلائل هذا الأصل من الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة كثير ليس هذا موضعه وقد بسطناه في مواضعه.
وينبني على هذا الأمور كثيرة, ولهذا من كان معه إيمان حقيقي فلابد أن يكون معه من هذه الأعمال بقدر إيمانه, وإن كان له ذنوب كما روى البخاري في صحيحه عن عمر بن الخطاب ﵁: "أن رجلا كان يسمى حمارا وكان يضحك النبي ﷺ . وكان يشرب الخمر, ويجلده النبي ﷺ , فأتي به مرة فقال رجل لعنه الله ما أكثر ما يؤتى به إلى النبي ﷺ : لا تلعنه فإنه لا يحب الله ورسوله"١.
فهذا يبين أن المذنب بالشرب وغيره قد يكون محبا لله ورسوله, وحب الله ورسوله أوثق عرى الإيمان, كما أن العابد الزاهد قد يكون لما في قلبه من بدعة ونفاق مسخوطا عليه عند الله ورسوله من ذلك الوجه, كمنا استفاض في الصحاح وغيرها من حديث أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وأبي سعيد الخدري وغيرهما عن النبي ﷺ وآله وسلم أنه ذكر الخوارج فقال: "يحقر أحدكم صلاته مع
стр. 118
صلاتهم, وصيامه مع صيامهم وقراءتهم مع قراءته, يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم, يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية, أينما لقيتموهم فاقتلوهم, فإن في قتلهم أجرا عند الله لمن قتلهم يوم القيامة, لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد" ١
стр. 119
بدعتا الخوارج والشيعة: ١
وكانت البدع الأولى مثل "بدعة الخوارج" إنما هي من سوء فهمهم للقرآن, لو يقصدوا معارضته لكن فهموا منه ما لم يدل عليه, فظنوا أنه يوجب تكفير أرباب الذنوب, إذ كان المؤمن هو البر التقي, قالوا: فمن لم يكن برا تقيا فهو كافر وهو مخلد في النار. ثم قالوا: وعثمان وعلي ومن والاهما ليسوا بمؤمنين, لأنهم حكموا بغير ما أنزل الله فكانت بدعتهم لها مقدمتان:
الواحدة: أن من خالف القرآن بعمل أو برأي أخطأ فيه فهو كافر.
الثانية: أن عثمان وعليا ومن والاهما كانوا كذلك, ولهذا يجب الاحتراز من تكفير المسلمين بالذنوب والخاطايا, فإنه أول بدعة ظهرت في الإسلام, فكفر أهلها المسلمين, واستحلوا دماءهم وأموالهم, وقد ثبت عن النبي ﷺ أحاديث صحيحة في ذمهم والأمر بقتالهم. قال الإمام أحمد بن حنبل ﵁: صح فيهم الحديث من عشر أوجه, ولهذا قد أخرجها مسلم في صحيحه, وأفرد البخاري قطعة منها, وهم مع هذا الذم إنما قصدوا اتباع القرآن, فكيف بمن تكون بدعته معارضة القرآن والإعراض عنه, وهو مع ذلك يكفر المسلمين, كالجهمية؟! ثم "الشيعة" لما حدثوا لم يكن الذي ابتدع التشيع, قصده الدين بل كان غرضه فاسدا, وقد قيل إنه كان منافقا زنديقا, فأصل بدعتهم مبنية
стр. 120
على الكذب على رسول الله ﷺ , وتكذيب الأحاديث الصحيحة, ولهذا لا يوجد في فرق الأمة من الكذب أكثر مما يوجد فيهم, بخلاف الخوارج فإنه لا يعرف فيهم من يكذب.
стр. 121
أول البدع ظهورا في الإسلام: ١
أول البدع ظهورا في الإسلام وأظهرها ذما في السنة والآثار: بدعة الحرورية المارقة, فإن أولهم قال للنبي ﷺ في وجهه: اعدل يا محمد فإنك لم تعدل, وأمر النبي ﷺ بقتلهم وقتالهم, وقاتلهم أصحاب النبي ﷺ مع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب.
والأحاديث عن النبي ﷺ مستفيضه بوصفهم وذمهم والأمر بقتالهم, قال أحمد بن حنبل: صح الحديث في الخوارج من عشرة أوجه, قال النبي ﷺ : "يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم, وصيامه مع صيامهم, وقراءته مع قراءتهم, يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم, يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية, أينما لقيتموهم فاقتلوهم, فإن في قتلهم أجرا عند الله لمن قتلهم يوم القيامة".
ولهم خاصتان مشهورتان فارقوا بها جماعة المسلمين وأئمتهم: أحدهما: خروجهم من السنة, وجعلهم ما ليس بسيئة سيئة, أو ما ليس بحسنة حسنة, وهذا هو الذي أظهروه في وجه النبي ﷺ حيث قال له ذو الخويصرة التميمي: اعدل فإنك لم تعدل, حتى قال له النبي ﷺ : "ويلك, ومن إذا لم أعدل؟ لقد خبت وخسرت إن لم أعدل" ٢ فقوله: فإنك لم تعدل جعل منه لفعل النبي ﷺ سفها وترك عدل, وقوله "اعدل" أمر له بما اعتقده هو
стр. 122
حسنة من القسمة التي لا تصلح, وهذا الوصف تشترك فيه البدع المخالفة للسنة, فقائلها لا بد أن يثبت ما نفته السنة, وإلا لم يكن بدعة, وهذا القدر قد يقع من بعض أهل العلم خطأ في بعض المسائل, لكن أهل البدع يخلفون السن الظاهرة المعلومة.
والخوارج جوزوا على الرسول نفسه أن يجوز ويضل في سنته ولم يوجبوا طاعته ومتابعته, وإنما صدقوه فيما بلغه من القرآن دون ما شرعه من السنة التي تخالف –بزعمهم- ظاهر القرآن.
وغالب أهل البدع غير الخوارج يتابعونهم في الحقيقة على هذا, فإنهم يرون أن الرسول لو قال بخلاف مقالتهم لما اتبعوه, كما يحكى عن عمرو بن عبيد في حديث الصادق المصدوق, وإنما يدفعون عن نفوسهم الحجة, إما برد النقل, وإما بتأويل المنقول, فيطعنون تارة في الإسناد وتارة في المتن. وإلا فهم ليسوا متبعين ولا مؤتمنين بحقيقة السنة التي جاء بها الرسول, بل ولا بحقيقة القرآن.
الفرق الثاني في الخوارج وأهل البدع: أنهم يكفرون بالذنوب والسيئات. ويترتب على تكفيرهم بالذنوب استحلال دماء المسلمين وأموالهم وأن دار الإسلام دار حرب ودارهم دار الإيمان, وكذلك يقول جمهور الرافضة: وجمهور المعتزلة والجهمية, وطائفة من غلاة المنتسبة إلى أهل الحديث والفقه ومتكلميهم.
فهذا أصل البدع التي ثبت بنص سنة رسول الله ﷺ وإجماع السلف أنها بدعة, وهو جعل العفو سيئة وجعل السيئة كفر.
فينبغي للمسلم أن يحذر من هذين الأصلين الخبيثين, ومنا يتولد عنهما من بغض المسامين وذمهم ولعنهم واستحلال دمائهم وأموالهم.
стр. 123
وهذان الأصلان هما خلاف السنة والجماعة, فمن خالف السنة فيما أتت به أو شرعته فهو مبتدع خارج عن السنة, ومن كفر المسلمين بما رآه ذنبا سواء كان دينا أو لم يكن دينا وعاملهم معاملة الكفار فهو مفارق للجماعة, وعامة البدع والأهواء إنما تنشأ من هذين الأصلين. أما الأول فشبه التأويل الفاسد أو القياس الفاسد: إما حديث بلغه عن الرسول لا يكون صحيحا, أو أثر عن غير الرسول قلده فيه ولم يكن ذلك القائل مصيبا, أو تأويل تأوله من آية من كتاب الله أو حديث عن رسول الله ﷺ صحيح أو ضعيف أو أثر مقبول أو مردود ولم يكن التأويل صحيحا, وإما قياس فاسد أو رأي رآه اعتقده صوابا وهو خطأ.
فالقياس والرأي والذوق هو عامة خطأ المتكلمة والمتصوفة وطائفة من المتفقهة.
وتأويل النصوص الصحيحة والضعيفة عامة خطأ طوائف المتكلمة والمحدثة والمقلدة والمتصوفة والمتفقهة.
وأما التكفير بذنب أو اعتقاد سني فهو مذهب الخوارج.
والتكفير باعتقاد سني مذهب الرافضة والمعتزلة وكثير من غيرهم.
وأما التكفير باعتقاد بدعي فقد بينه في غير هذا الموضع, ودون التكفير قد يقع من البغض والذم والعقوبة –وهو العدوان- أو من ترك المحبة والدعاء والإحسان وهو التفريط ببعض هذه التأويلات ما لا يسوغ, وجماع ذلك ظلم في حق الله تعالى أو في حق المخلوق, كما بينته في غير هذا الموضع, ولهذا قال أحمد بن حنبل لبعض أصحابه: أكثر ما يخطئ الناس من جهة التأويل والقياس.
стр. 124
لا يزال الخوارج يخرجون إلى زمن الدجال: ١
في مسلم٢ عن عبد الله بن رافع كاتب علي ﵁ أن الحرورية لما خرجت وهو مع علي قالوا: لا حكم إلا الله. فقال علي: كلمة حق أريد بها باطل. إن رسول الله ﷺ وصف ناسا إني لأعرف صفتهم في هؤلاء, يقولون الحق بألسنتهم لا يجاوز هذا منهم –وأشار إلى حلقه- من أبغض خلق الله إليه, منهم رجل أسود إحدى يديه طبي شاة أو حملة ثدي. فلما قتلهم علي بن أبي طالب قال: انظروا. فنظروا فلم يجدوا شيئا. فقال: ارجعوا فوالله ما كذبت ولا كُذبت –مرتين أو ثلاثا-ثم وجدوه في خربة فأتوا به وضعوه بين يديه".
وهذه العلامة التي ذكرها النبي ﷺ هي علامة أول من يخرج منهم, ليسوا مخصوصين بأولئك القوم. فإنه قد أخبر في غير هذا الحديث أنهم لا يزالون يخرجون إلى زمن الدجال. وقد اتفق المسلمون على أن الخوارج ليسوا مختصين بذلك العسكر.
وأيضا فالصفات التي وصفها تعم غير ذلك العسكر, ولهذا كان الصحابة يروون الحديث مطلقا, مثل ما في الصحيحين, عن أبي سلمة, وعطاء بن يسار: أنهما أتيا أبا سعيد فسألاه عن الحرورية: هل سمعت رسول الله ﷺ يذكرها؟ قال: لا أدري, ولكن رسول الله ﷺ يقول: "يخرج في هذه الأمة –ولم يقل منها- قوم تحقرون صلاتكم مع صلاتهم, يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم أو حلوقهم, يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية, فينظر الرامي إلى سهمه, إلى نصله, إلى رصافه, فيتمارى في الفوقة هل علق به شيء
стр. 125
من الدم" ١ اللفظ لمسلم. في الصحيحين أيضا عن أبي سعيد, قال: بينما النبي ﷺ يقسم جاء عبد الله ذو الخويصرة التميمي –وفي رواية أتاه ذو الخويصرة رجل من بني تميم-فقال: أعدل يا رسول الله. فقال: "ويلك! من يعدل إذا لم أعدل" قال عمر بن الخطاب: إئذن لي فأضرب عنقه. قال: "دعه, فإن له أصحابا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم, وصيامه مع صيامهم, يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية, ينظر إلى نصله فلا يوجد فيه شيء, ثم ينظر إلى رصافه فلا يوجد فيه شيء, ثم ينظر إلى نضيه –وهو قدحه- فلا يوجد فيه شيء, ثم ينظر إلى قذذه فلا يوجد فيه شيء, قد سبق الفرث والدم" ٢. وذكر ما في الحديث.
فهؤلاء أصل ضلالههم: اعتقادهم في أئمة الهدى وجماعة المسلمين أنهم خارجون عن العدل, وأنهم ضالون, وهذا مأخذ الخارجين عن السنة من الرافضة ونحوهم. ثم يعدون ما يرون أنه ظلم عندهم كفرا. ثم يرتبون على الكفر أحكاما ابتدعوها.
فهذه ثلاثة مقامات من الحرورية والرافضة ونحوهم, في كل مقام تركوا بعض أصول دين الإسلام, حتى مرقوا منه كما مرق السهم من الرمية, وفي الصحيحين في حديث أبي سعيد: "يقتلون أهل الإسلام, ويدعون أهل الأوثان, لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد" وهذا نعت سائر الخارجين كالرافضة ونحوهم, فإنهم يستحلون دماء أهل القبلة لاعتقادهم أنهم مرتدون أكثر مما يستحلون من دماء الكفار الذين ليسوا مرتدين, لأن المرتد شر من غيره. وفي حديث أبي سعيد أن النبي ﷺ ذكر قوما يكونون في أمته: "يخرجون في فرقة من الناس, سيماهم التحليق. قال: هم شر الخلق, أو من شر الخلق, تقتلهم أدنى
стр. 126
الطائفتين إلى الحق" وهذ السيما سيما أولهم كما كان ذو الثدية, لأن هذا لوصف لازم لهم, وأخرجا في الصحيحين حديثهم من حديث سهل بن حنيف بهذا المعنى, ورواه البخاري من حديث عبد الله بن عمر, ورواه مسلم من حديث أبي ذر, ورافع بن عمرو, وجابر بن عبد الله, وغيرهم, وروى النسائي عن أبي برزة أنه قيل له: هل سمعت رسول الله ﷺ يذكر الخوارج؟ قال: نعم. سمعت رسول الله ﷺ بأذني, ورأيته بعيني: إن رسول الله ﷺ أتي بمال فقسمه, فأعطى عن يمينه, ومن شماله, ولم يعط من وراءه شيئا, فقام رجل من ورائه, فقال: يا محمد! ما عدلت في القسمة –رجل أسود, مطموم الشعر, عليه ثوبان أبيضان- فغضب رسول الله ﷺ غضبا شديدا, وقال له: "والله لا تجدون بعدي رجلا أعدل مني" ثم قال: "يخرج في آخر الزمان قوم كأن هذا منهم, يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم, يمرقون من الإسلام كما سمرق السهم من الرمية, سيماهم التحليق, لا يزالون يخرجون حتى يخرج آخرهم من الدجال. فإذا لقيتموهم فاقتلوهم. هم شر الخلق والخليقة" وفي صحيح مسلم, عن عبد الله بن الصامت, عن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ : "إن بعدي من أمتي –أو سيكون بعدي من أمتي- قوم يقرؤون القرآن لا يجاوز حلاقيمهم يخرجون من الدين كما يخرج السهم من الرمية, ثم لا يعودون فيه, هم شر الخلق والخليقة". قال بن صامت: فلقيت رافع بن عمرو الغفاري أخا الحكم بن عمرو الغفاري, قلت: ما حديث سمعته من أبي ذر كذا وكذا؟ فذكرت له الحديث, فقال: وأنا سمعته من رسول الله ﷺ .
فهذه المعاني موجودة في أولئك الذين قتلهم علي ﵁ وفي غيرهم.
وإنما قولنا: إن عليا قاتل الخوارج بأمر رسول الله ﷺ : مثل ما يقال إن النبي ﷺ قاتل الكفار, أي قاتل جنس الكفار, وإن كان الكفر أنواعا مختلفة. وكذلك الشرك أنواع مختلفة, وإن لم تكن الآلهة التي كانت العرب تعبدها هي التي يعبدها الهند والصين والترك, لكن يجمعهم لفظ الشرك ومعناه.
стр. 127
وكذلك الخروج والمروق يتناول كل من كان في معنى أولئك, ويجب قتالهم بأمر النبي ﷺ , كما وجب قتال أولئك, وإن كان الخروج عن الدين والإسلام أنواعا مختلفة, وقد بينا أن خروج الرافضة ومروقهم أعظم بكثير.
стр. 128
الصحابة لم يكفروا الخوارج: ١
ليس في الكتاب والسنة المظهرون للإسلام إلا قسمان: مؤمن أو منافق فالمنافق في الدرك الأسفل من النار, والآخر مؤمن, ثم قد يكون ناقص الإيمان فلا يتناوله الاسم المطلق, وقد يكون تام الإيمان, وهذا يأتي الكلام عليه إن شاء الله في مسألة الإسلام والإيمان, وأسماء الفساق من أهل الملة, لكن المقصود هنا أنه لا يجعل أحد بمجرد ذنب يذنبه ولا ببدعة ابتدعها –ولو دعا الناس إليها- كافرا في الباطن, إلا إذا كان منافقا. فأما من كان في قلبه الإيمان بالرسول وبما جاء به وقد غلط في بعض تأوله من البدع, فهذا ليس بكافر أصلا, والخوارج كانوا من أظهر الناس بدعة وقتالا للأمة وتكفيرا لها, ولم يكن في الصحابة من يكفرهم لا علي بن أبي طالب ولا غيره, بل حكموا فيهم بحكمهم في المسلمين الظالمين المعتدين كما ذكرت الآثار عنهم بذلك في غير هذا الموضع.
وكذلك سائر الثنتين وسبعين فرقة, من كان منهم منافقا فهو كافر في الباطن, وإن أخطأ في التأويل كائنا ما كان خطؤه, وقد يكون في بعضهم شعبة من شعب النفاق ولا يكون فيه النفاق الذي يكون صاحبه في الدرك الأسفل من النار. ومن قال إن الثنتين وسبعين فرقة كل واحد منهم يكفر كفرا ينقل عن الملة فقد خالف الكتاب والسنة وإجماع الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين, بل وإجماع الأئمة الأربعة وغير الأربعة, فليس فيهم من كفر كل واحد من الثنتين وسبعين فرقة, وإنما يكفر بعضهم بعضا ببعض المقالات, كما قد بسط الكلام عليهم في غير هذا الموضع.
стр. 129
النزاع في تكفيرهم وتخليدهم: ١
وأما تكفيرهم وتخليدهم: ففيه أيضا للعلماء قولان مشهوران: وهما روايتان عن أحمد. وقولان في الخوارج والمارقين من الحرورية والرافضة ونحوهم, والصحيح أن هذه الأقوال التي يقولونها التي يعلم أنها مخالفة لما جاء به الرسول كفر, وكذلك أفعالهم التي هي من جنس أفعال الكفار بالمسلمين هي كفر أيضا. وقد ذكرت دلائل ذلك في غير هذا الموضع, لكن تكفير الواحد المعين منهم والحكم بتخليده في النار موقوف على ثبوت شروط التكفير وانتفاء موانعه, فإنا نطلق القول بنصوص الوعد والوعيد والتكفير والتفسيق, ولانحكم للمعين بدخوله في ذلك العام حتى يقوم فيه المقتضى الذي لا معارض له. وقد بسطت هذه القاعدة في "قاعدة التكفير".
ولهذا لم يحكم النبي ﷺ بكفر الذي قال: إذا أما مت فاحرقوني, ثم ذروني في اليم, فوالله لئن قدر الله علي ليعذبني عذابا لا يعذبه أحدا من العالمين, مع شكه في قدرة الله وإعادته, ولهذا لا يكفر العلماء من استحل شيئا من المحرمات لقرب عهده بالإسلام أو لنشأته ببادية بعيدة, فإن حكم الكفر لا يكون إلا بعد بلوغ الرسالة. وكثير من هؤلاء قد لا يكون قد بلغته النصوص المخالفة لما يراه, ولا يعلم أن الرسول بعث بذلك, فيطلق أن هذا القول كفر, ويكفر من قامت عليه الحجة التي يكفر تاركها, دون غيره. والله أعلم.
٢ وإن الأمة متفقون على ذم الخوارج وتضليلهم, وإنما تنازعوا في تكفيرهم. على قولين مشهورين في مذهب مالك وأحمد, وفي مذهب الشافعي أيضا نزاع في كفرهم
стр. 130
ولهذا كان فيهم وجهان في مذهب أحمد وغيره على الطريقة الأولى: أحدهما أنهم بغاة. والثاني أنهم كفار كالمرتدين, يجوز قتلهم ابتداء, وقتل أسيرهم, واتباع مدبرهم, ومن قدر عليه منهم استتيب كالمرتد فإن تاب وإلا فقتل: كما أن مذهبه في مانعي الزكاة إذا قاتلوا الإمام عليها, هل يكفرون مع الإقرار بوجوبها؟ على روايتين.
وهذا كله مما يبين أن قتال الصديق لمانعي الزكاة, وقتال علي للخوارج, ليس مثل القتال يوم الجمل وصفين. فكلام علي وغيره في الخوارج يقتضي أنهم ليسوا كفارا كالمرتدين عن أصل الإسلام, وهذا هو المنصوص عن الأئمة كأحمد وغيره, وليسوا مع ذلك حكمهم كحكم أهل الجمل وصفين, بل هم نوع ثالث. وهذا أصح الأقوال الثلاثة فيهم.
стр. 131
بين الخوارج والقدرية والمعتزلة: ١
كانت الخوارج قد تكلموا في تكفير أهل الذنوب من أهل القبلة, وقالوا: إنهم كفار مخلدون في النار, فخاض الناس في ذلك, وخاض في ذلك القدرية بعد موت الحسن البصري, فقال عمرو بن عبيد وأصحابه: لا هم مسلمون ولا كفار, بل لهم منزلة بين المنزلتين, وهم مخلدون في النار, فوافقوا الخوارج على أنهم مخلدون, وعلى أمن ليس معهم من الإسلام والإيمان شيء, ولكنهم يسمونهم كفارا, واعتزلوا حلقة أصحاب الحسن البصري. مثل قتادة وأيوب السختياني وأمثالهم, فسموا معتزلة من ذلك الوقت بعد موت الحسن, وقيل: إن قتادة كان يقول أولئك المعتزلة.
وتنازع الناس في "الأسماء والأحكام" أي في أسماء الدين مثل مسلم ومؤمن, وكافر وفاسق, وفي أحكام هؤلاء في الدنيا والآخرة, فالمعتزلة وافقوا الخوارج على
стр. 132
حكمهم في الآخرة دون الدنيا. فلو يستحلوا من دمائهم وأموالهم ما استحلته الخوارج, وفي الأسماء أحدثوا المنزلة بين المنزلتين, وهذه خاصة المعتزلة التي انفردوا بها, وسائر أقوالهم قد شاركهم فيها غيرهم.
стр. 133
أصول المعتزلة الخمسة: ١
أصولهم خمسة يسمونها: التوحيد, والعدل, والمنزلة بين المنزلتين, وإنفاذ الوعيد, والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
لكن معنى "التوحيد" عندهم يتضمن نفي الصفات, ولهذا سمى ابن التومرت أصحابه الموحدين. وهذا إنما هو إلحاد في أسماء الله وآياته.
ومعنى "العدل" عندهم يتضمن التكذيب بالقدر, وهو خلق أفعال العباد وإرادة الكائنات والقدرة على شيء, ومنهم من ينكر تقدم العلم والكتاب, لكن هذا قول أئمتهم, وهؤلاء منصب الزمخشري, فإن مذهبه مذهب المغيرة بن علي وأبي هاشم وأتباعهم, ومذهب أبي الحسين والمعتزلة الذين على طريقته نوعان: مسايخية وخشبية.
وأما "المنزلة بين المنزلتين" فهي عندهم أن الفاسق لا يسمى مؤمنا بوجه من الوجوه, كما لا يسمى كافرا, فنزلوه بين المنزلتين.
وأما"إنفاذ الوعيد" عندهم معناه أن فساق الملة مخلدون في النار, لا يخرجون منها بشفاعة ولا غير ذلك كما تقوله الخوارج.
و"الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" يتضمن عندهم جواز الخروج على الأئمة, وقتالهم بالسيف.