← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 7490

أحكام عصاة المؤمنين من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية - كجك

مروان كجك

Полный текст (133 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

والبعث بعد الموت فإنه يكفر به, وكذلك يكفر بعدم اعتقاد وجوب الواجبات الظاهرة المتواترة, وعدم تحريم المحرمات الظاهرة المتواترة. فإن قلت بالذنوب تنقسم إلى ترك مأمور به وفعل منهي عنه. قلت: لكن المأمور به إذا تركه العبد فإما أن يكون مؤمنا بوجوبه, أو لا يكون. فإن كان مؤمنا بوجوبه تاركا لأدائه فلم يترك الواجب كله, بل أدى بعضه وهو الإيمان به, وترك بعضه وهو العمل به. وكذلك المحرم إذا فعله, فإما أن يكون مؤمنا بتحريمه, أو لا يكون, فإن كان مؤمنا تحريمه فاعلا له فقد جمع بين أداء ولجب وفعل محرم, فصار له حسنة وسيئة, والكلام إنما هو فيما لا يعذر بترك الإيمان بوجوبه وتحريمه من الأمور المتواترة, وأما من لم يعتقد ذلك فيما فعله أو تركه, بتأويل أو جهل يعذر به, فالكلام في تركه هذا الاعتقاد كالكلام فيما فعله أو تركه بتأويل أو جهل يعذر به. وأما كون ترك الإيمان بهذه الشرائع كفرا, وفعل المحرم المجرد ليس كفرا: فهذا مقرر في موضعه, وقد دل على ذلك كتاب الله في قوله: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّين﴾ ١ إذ الإقرار بها مراد الاتفاق, وفي ترك الفعل نزاع. وكذلك قوله: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ ٢, فإن عدم الإيمان بوجوبه وفعله يجب أن يكون مرادا من هذا النص, كما قال من قال من السلف: هو من لا يرى حجه برا ولا تركه إثما, وأما الترك المجرد ففيه نزاع.

стр. 72

وأيضا حديث أبي بردة بن نيار لما بعثه النبي صلى لله عليه وسلم إلى من تزوج امرأة أبيه فأمره أن يضرب عنقه ويخمس ماله, فإن تخميس المال دل على أنه كان كافرا لا فاسقا, وكفره بأنه لم يحرم ما حرم الله ورسوله. وكذلك الصحابة مثل عمر وعلي وغيرهما, لما شرب الخمر قدامة بن عبد الله وكان بدريا, وتأول أنها تباح للمؤمنين المصلحين, وأنه منهم بقوله: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ ١ الآية فاتفق الصحابة على أنه إن صر قتل, وإن تاب جلد فتاب فجلد. وأما الذنوب في القرآن قطع السارق وجلد الزاني, ولم يحكم بكفرهم, وكذلك فيه اقتتال الطائفتين مع بغي أحدهما على الأخرى, والشهادة لهما بالإيمان والأخوة, وكذلك فيه قاتل النفس الذي يجب عليه القصاص جعله أخا, وقد قال الله فيه: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ ٢ فسماه أخا وهو قاتل. وقد ثبت في الصحيحين حديث أبي ذر لما قال له النبي ﷺ عن جبريل: "من قال لا إله إلا الله دخل الجنة, وإن زنا, وإن سرق, وإن شرب الخمر, على رغم أنف أبي ذر" وثبت في الصحاح حديث أبي سعيد وغيره في الشفاعة في أهل الكبائر, وقوله: "أخرجوا من النار من كان في قلبه مثقال برة من إيمان, مثقال حبة من إيمان, مثقال ذرة من إيمان". فهذه النصوص كما دلت على أن ذا الكبيرة لا يكفر مع الإيمان, وأنه يخرج من

стр. 73

النار بالشفاعة خلافا للمبتدعة من الخوارج في الأولى, ولهم وللمعتزلة في الثانية نزاع: فقد دلت على أن الإيمان الذي خرجوا به النار هو حسنة مأمور بها, وأنه لا يقاومها شيء من الذنوب.

стр. 74

الحسنات يذهبن السيئات: إن الحسنات التي هي فعل المأمور به تذهب بعقوبة الذنوب والسيئات التي هي فعل المنهي عنه, فإن فاعل المنهي يذهب إثمه بالتوبة, وهي حسنة مأمور بها, وبالأعمال الصالحة المقاومة وهي حسنات مأمور بها, وبدعاء النبي ﷺ وشفاعته ودعاء المؤمنين وشفاعتهم, وبالأعمال الصالحة التي تهدي إليه, وكل ذلك من الحسنات المأمور بها. فما من سيئة هي فعل منهي عنه إلا لها حسنة تذهبها هي فعل مأمور به حتى الكفر, سواء كان وجوديا أو عدميا, فإن حسنة الإيمان تذهبه, كما قال تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ ١, وقال النبي ﷺ : "الإسلام يجب ما كان قبله" وفي رواية "يهدم ما كان قبله" رواه مسلم. وأما الحسنات فلا تذهب ثوابها السيئات مطلقا, فإن حسنة الإيمان لا تذهب إلا بنقيضها وهو الكفر, لأن الكفر ينافي الإيمان, فلا يصير الكافر مؤمنا, فلو زال الإيمان زال ثوابه لا لوجود سيئة, ولهذا كان كل سيئة لا تذهب بعمل لا يزول ثوابه, وهذا متفق عليه بين المسلمين حتى المبتدعة والخوارج والمعتزلة, فإن الخوارج يرون الكبيرة موجبة للكفر المنافي للإيمان, والمعتزلة يرونها مخرجة له من الإيمان وإن لم يدخل بها في كفر, وأهل السنة والجماع يرون أصل إيمانه باقيا, فقد اتفقت الطوائف على أنه مع وجود إيمانه لا يزول ثوابه بشيء من

стр. 75

السيئات والكفر, وإن كانوا متفقين على أن مع وجوده لا يزول عقابه بشيء من الحسنات, فذلك لأن الكفر يكفي فيه عدم الإيمان ولا يجب أن يكون أمرا موجودا كما تقدم, فعقوبة الكفر هي ترك الإيمان, وإن انضم إليها عقوبات على ما فعله من الكفر الوجودي أيضا. وكذلك فقد روي في بعض ثواب الطاعات المأمور بها ما يدفع ويرفع عقوبة المعاصي المنهي عنها, فإذا كان جنس ثواب الحسنات المأمور بها ما يدفع عقوبة كل معصية, وليس جنس عقوبات السيئات المنهي عنها يدفع ثواب كل حسنة, ثبت رجحان الحسنات المأمور بها على ترك السيئات المنهي عنها. وفي هذا المعنى ما ورد في فضل لا إله إلا الله, وأنها تطفئ نار السيئات, مثل حديث البطاقة وغيره.

стр. 76

حكم تارك المأمور به: إن تارك المأمور به عليه قضاؤه وإن تركه لعذر, مثل ترك الصوم لمرض أو لسفر, وممثل النوم عن الصلاة ونسيانها, ومثل من ترك شيئا من نسكه الواجب فعليه دم أو عليه ما ترك إن أمكن, وأما فاعل المنهي عنه إذا كان نائما أو ناسيا أو مخطئا فهو معفو عنه, ليس عليه جبران إلا إذا اقترن به إتلاف, كقتل النفس والمال, والكفارة فيه هل وجبت جبرا, أو زجرا, أو محوا؟ فيه نزاع بين الفقهاء, فحاصله أن تارك المأمور به وإن عذر في الترك لخطأ أو نسيان فلا بد له من الإتيان بالمثل أو بالجبران من غير الجنس, بخلاف فاعل المنهي عنه, فإنه تكفي فيه التوبة إلا في مواضع لمعنى آخر, فعلم أن اقتضاء الشارع لفعل المأمور به أعظم من اقتضائه لترك المنهي عنه.

стр. 77

حكم تارك مباني الإسلام: إن مباني الإسلام الخمسة المأمور بها وإن كان ضرر تركها لا يتعدى صاحبها فإنه يقتل بتركها في الجملة عند جماهير العلماء, ويكفر أيضا عند كثير منهم أو أكثر السلف, وأما فعل المنهي عنه الذي لا يتعدى ضرره صاحبه فإنه لا يقتل به عند أحد من الأئمة, ولا يكفر به إلا إذا ناقض الإيمان, لفوات الإيمان وكونه مرتدا أو زنديقا. وذلك أن من الأئمة من يقتله ويكفره بترك كل واحدة من الخمس لأن الإسلام بني عليها, وهو قول طائفة من السلف ورواية عن أحمد اختارها بعض أصحابه. ومنهم من لا يقتله ولا يكفره غلا بترك الصلاة والزكاة, وهي رواية أخرى عن أحمد, كما دل عليه ظاهر القرآن في براءة, وحديث ابن عمر وغيره, ولأنهما منتظمان لحق الحق وحق الخلق, كانتظام الشهادتين للربوبية والرسالة, ولابد لهما من غير جنسهما, بخلاف الصيام والحج. ومنهم من يقتله بهما ويكفره بالصلاة والزكاة إذا قاتل الإمام عليها, كرواية أحمد. ومنهم من يقتله بهما ولا يكفره إلا بالصلاة. ومنهم من يقتله بهما ولا يكفره, كرواية عن أحمد, ومنهم من لا يقتله إلا بالصلاة ولا يكفره, كالمشهور من مذهب الشافعي, لإمكان الاستيفاء منه. وتكفير تارك الصلاة هو المشهور المأثور عن جمهور السلف من الصحابة والتابعين. ومورد النزاع هو فيمن أقر بوجوبها والتزم فعلها ولم يفعلها, وأما من لم يقر

стр. 78

بوجوبها فهو كفر باتفاقهم, وليس الأمر كما يفهم من إطلاق بعض الفقهاء من أصحاب أحمد وغيرهم: أنه إن جحد وجوبها كفر, وإن لم يجحد وجوبها فهو في مورد النزاع, بل هن ثلاثة أقسامك أحدها: إن جحد وجوبها فهو كافر بالاتفاق. والثاني: أن لا يجحد وجوبها, لكنه ممتنع من التزام فعلها كبرا أو حسدا, أبغضا لله ورسوله, فيقول: أعلم أن الله أوجبها على المسلمين, والرسول صادق في تبليغ القرآن’ ولكنه ممتنع عن التزام الفعل استكبارا أو حسدا للرسول, أو عصبية لدينه, أو بغضا لما جاء به الرسول, فهذا أيضا كافرا بالاتفاق, فإن إبليس لما ترك السجود المأمور به لم يكن جاحدا للإيجاب. فإن الله تعالى باشره بالخطاب, وإنما أبى واستكبر وكان من الكافرين, وكذلك أبو طالب كان مصدقا للرسول فيما بلغه لكنه ترك إتباعه حمية لدينه, وخوفا من عار الانقياد, واستكبارا على أن تعلو أسته رأسه فهذا ينبغي أن يتفطن له. ومن أطلق من الفقهاء أنه لا يكفر إلا من يجحد وجوبها فيكون الجحد عنده متناولا للتكذيب بالإيجاب ومتناولا للامتناع عن الإقرار والالتزام كما قال تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ ١, وقال: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ ٢, وإلا فمتى لم يقر ويلتزم فعلها قتل وكفؤ بالاتفاق. والثالث: أن يكون مقرا ملتزما, لكن تركها كسلا وتهاونا, أو اشتغالا بأغراض له عنها, فهذا مورد النزاع, كمن عليه دين وهو مقر بوجوبه ملتزم لأدائه, لكنه يمطل بخلا أو تهاونا.

стр. 79

وهنا قسم رابع وهو أن يتركها ولا يقر بوجوبها, ولا يجحد بوجوبها, لكن مقر بالإسلام من حيث الجملة, فهل هذا من مورد النزاع, أو من موارد الإجماع؟ ولعل كلام كثير من السلف متناولا لهذا, وهو المعرض عنها لا مقرا ولا منكرا, وإنما هو متكلم بالإسلام فهذا فيه نظر, فإن قلنا يكفر بالاتفاق, فيكون اعتقاد وجوب هذه الواجبات على التعيين من الإيمان لا يكفي فيها الاعتقاد العام, كما في الخبريات من أحوال الجنة والنار, الفرق بينهما أن الأفعال المأمور بها المطلوب فيها الفعل لا يكفي فيها الاعتقاد العام بل لا بد من اعتقاد خاص, بخلاف الأمور الخبرية, فإن الإيمان المجمل بما جاء به الرسول من صفات الرب وأمر المعاد يكفي فيه مالم ينقض الجملة بالتفصيل, ولهذا اكتفوا في هذه العقائد بالجمل وكرهوا فيهل التفصيل المفضي إلى القتال والفتنة بخلاف الشرائع المأمور بها, فإنه لا يكتفي فيها بالجمل, بل لابد من تفصيلها علما وعملا. وأما القاتل والزاني والمحارب فهؤلاء إنما يقتلون لعدوانهم على الخلق لما في ذلك من الفساد المعنوي, ومن تاب قبل القدرة عليه سقط عنه حد الله ولا يكفر أحد منهم. وأيضا فالمرتد يقتل لكفره بعد إيمانه, وإن لم يكن محاربا. فثبت أن الكفر والقتل لترك المأمور به أعظم منه لفعل المنهي عنه. وهذا الوجه قوي على المذاهب الثلاثة: مالك, والشافعي, وأحمد وجمهور السلف, ودلائله من الكتاب والسنة متنوعة, وأما على مذهب أبي حنيفة فقد يعارض بما قد يقال: إنه لا يوجب قتل أحد على ترك واجب أصلا حتى الإيمان, فإنه لا يقتل إلا المحارب لوجود الحراب منه وهو فعل المنهي عنه, ويسوي بين الكفر الأصلي والطارئ, فلا يقتل المرتد لعدم الحراب منه, ولا يقتل من ترك الصلاة أو الزكاة إلا إذا كان في طائفة ممتنعة, فيقاتلهم لوجود الحراب كما يقاتل البغاة, وأما النهي عنه فيقتل القاتل والزاني المحصن المحارب

стр. 80

إذا قتل, فيكون الجواب, من ثلاثة أوجه: أحدها: أن الاعتبار عند النزاع بالرد إلى الله وإلى الرسول, والكتاب والسنة دال على ما ذكرناه, من أن المرتد يقتل بالاتفاق وإن لم يكن من أهل القتال, إذا كان أعمى أو زمنا أو راهبا, والسير يجوز قتله بعد أسره وإن كان حرابه قد انقضى. الثاني: أن ما وجب فيه القتال إنما وجب على سبيل القصاص الذي يعتبر فيه المماثلة, فإن النفس بالنفس, كما تجب المقاصة في الأموال, فجزاء السيئة سيئة مثلها في النفوس والأموال والأعراض الأبشار, لكن إن لم يضر إلا المقتول كان قتله صائرا إلى أولياء المقتول, لأن الحق لهم كحق المظلوم من المال, وإن قتله لأخذ المال كان قتله واجبا, لأن المصلحة العامة التي هي حد الله, كما يجب قطع يد السارق لأجل حفظ الأموال, ورد المال المسروق حق لصاحبه, إن شاء أخذه وإن شاء تركه, فخرجت هذه الصور عن النقض, لم يبق ما يوجب القتل عنده بلا مماثلة إلا الزنا, وهو نوع العدوان أيضا, ووقوع القتل به نادرا لخفائه وصعوبة الحجة عليه. الثالث: أن العقوبة في الدنيا لا تدل على كبر الذنب وصغره, فإن الدنيا ليست دار الجزاء وغنما دار الجزاء هي الآخرة, ولكن شرع من العقوبات في الدنيا ما يمنع الفساد والعدوان, كما قال تعالى: ﴿مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيع﴾ ١, وقالت الملائكة: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ ٢, فهذان السببان اللذان ذكرتهما الملائكة هما اللذان كتب الله على بني إسرائيل القتل بهما, ولهذا يقرر كفار أهل الذمة

стр. 81

بالجزية, مع أن ذنبهم في ترك الإيمان أعظم باتفاق المسلمين من ذنب من نقتله من زان وقاتل. وقد وافقه على ذلك مالك وأحمد في أحد قوليه, ومع هذا يجوز القتل تعزيرا وسياسة في مواضع. وأما الشافعي فعنده نفس الكفر هو المبيح للدم, إلا أن النساء والصبيان تركوا لكونهم مالا للمسلمين, فيقتل المرتد لوجود الكفر وامتناع سببها عنده من الكفر بلا منفعة. وأما أحمد فالمبيح عنده أنواع, أما الكافر الأصلي فالمبيح عنده هو وجود الضرر منه, أو عدم النفع منه, أما الأول فالمحاربة بيد أو لسان, فلا يفتل من لا محاربة فيه بحال من النساء والصبيان, والرهبان والعميان, والزمنى ونحوهم, كما هو مذهب الجمهور, وأما المرتد فالمبيح عنده هو الكفر بعد الإيمان, وهو نوع خاص من الكفر, فإنه لو لم يقتل ذلك لكان الداخل في الدين يخرج منه, فقتله حفظ لأهل الدين وللدين, فإن ذلك يمنع من النقص ويمنعهم الخروج عنه, بخلاف من لم يدخل فيه, فإنه إن كان كتابيا أو مشبها له فقد وجد إحدى غايتي القتال في حقه, ومتى لم يكن استرقاقه ولا أخذ الجزية منه بقي كافرا لا منفعة في حياته لنفسه –لأنه يزداد إثما- ولا للمؤمنين, فيكون قتله خيرا من إبقائه. وأما تارك الصلاة والزكاة: فإذا قتل كان عنده من قسم المرتدين لأنه بالإسلام ملتزم لهذه الأفعال, فإذا لم يفعلها فقد ترك التزمه, أو لا، ها عنده من الغاية التي يمتد القتال إليها كالشهادتين, فإنه لو تكلم بإحداهما وترك الأخرى لقتل, لكن قد يفرق بينهما وأما إذا لم١ ويفرق في المرتد بين الرد المجردة فيقتل

стр. 82

إلا أن يتوب وبين الردة المغلظة فيقتل بلا استتابة. فهذه مآخذ فقهية نبهنا بها على بعض أسباب القتل, وقد تبين أنهم لا يتنازعون أن ترك المأمور به في الآخرة أعظم, وأما في الدنيا فقد ذكرنا ما تقدم.

стр. 83

تلخيص مناضرة في الحمد والشكر تلخيص مناظرة في الحمد والشكر ... "تلخيص المناظرة في "الحمد والشكر"١ بحث جرى بين شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية ﵀ وبين ابن المرحل كان الكلام في الحمد والشكر, وأن الشكر يكون بالقلب واللسان والجوارح, والحمد لا يكون إلا باللسان. فقال ابن المرحل: قد نقل بعض المصنفين –وسماه-: أن مذهب أهل السنة والجماعة: أ، الشكر لا يكون إلا بالاعتقاد. ومذهب الخوارج: أنه يكون بالاعتقاد والقول والعمل, وبنوا على هذا، من ترك الأعمال يكون كافرا, لأن الكفر نقيض الشكر, فإذا لم يكن شاكرا كان كافرا. قال الشيخ تقي الدين: هذا المذهب المحكي عن أهل السنة خطأ والنقل عن أهل السنة خطأ. فإن مذهب أهل السنة: أن الشكر يكون بالاعتقاد والقول والعمل. قال الله تعالى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْراً﴾ ٢ وقام رسول الله ﷺ حتى تورمت قدماه, فقيل له: "أتفعل هذا, وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: "أفلا أكون عبدا شكورا". قال ابن المرحل: أنا لا أتكلم في الدليل, وأسلم ضعف هذا القول, لكن أنا أنقل أنه مذهب أهل السنة. قال الشيخ تقي الدين: نسبة هذا إلى أهل السنة خطأ, فإن القول إذا ثبت ضعفه, كيف ينسب إلى أهل الحق؟

стр. 84

ثم قد صرح من شاء من العلماء المعروفين بالسنة أن الشكر يكون بالاعتقاد والقول والعمل, وقد دل على ذلك الكتاب والسنة. قلت: وباب سجود الشكر في الفقه أشهر من أن يذكر, وقد قال النبي ﷺ عن سجدة سورة (ص) "سجدها داوود توبة, ونحن نسجدها شكرا" ١. ثم من الذي قال من أئمة السنة: إن الشكر لا يكون إلا بالاعتقاد؟. قال ابن المرحل: هذا قد نقل, والنقل لا يمنع, لكن لا يستشكل. ويقال: هذا مذهب مشكل. قال شيخ تقي الدين ابن تيمية: النقل نوعان: أحدهما: أن ينقل ما سمع أو رأى. والثاني: ما ينقل باجتهاد واستنباط. وقول القائل: مذهب فلان كذا, أو مذهب أهل السنة كذا, قد يكون نسبه إليه لاعتقاده أن هذا مقتضى أصوله, وإن لم يكن فلانا قال ذلك. ومثل هذا يدخله الخطأ كثيرا. ألا ترى أن كثيرا من المصنفين يقولون: مذهب الشافعي وغيره كذا, ويكون منصوصه بخلافه؟ وعذرهم في ذلك: أنهم رأوا أن أصوله تقتضي ذلك القول, فنسبوه إلى مذهبه من أجل الاستنباط, والخوارج يكفرون بالمعاصي. ثم رأى المصنف الكفر ضد الشكر-: اعتقد أنا إذا جعلنا الأعمال شكرا لزم انتفاؤها, ومتى انتفى الشكر خلفه الكفر, ولهذا قال إنهم بنوا على ذلك التكفير بالذنوب. فلهذا أعزي إلى أهل السنة إخراج الأعمال عن الشكر. قلت: كما أن كثيرا من المتكلمين أخرج الأعمال عن الإيمان لهذه العلة.

стр. 85

قال: وهذا خطأ, لأن التكفير نوعان: أحدهما: كفر النعمة. والثاني: الكفر بالله. والكفر الذي هو ضد الشكر: إنما هو كفر النعمة لا الكفر بالله, فإذا زال الشكر خلفه كفر النعمة, لا الكفر بالله. قلت: على أنه لو كان ضد الكفر بالله, فمن ترك الأعمال شاكرا بقلبه ولسانه فقد أتى ببعض الشكر وأصله, والكفر إنما يثبت إذا عدم الشكر بالكلية, كما قال أهل السنة: إن من ترك فروع الإيمان لا يكون كافرا, حتى يترك أصل الإيمان. وهو الاعتقاد. ولا يلزم من زوال فروع الحقيقة –التي هي ذات عشب وأجزاء- زوال اسمها كالإنسان, إذا قطعت يده, أو الشجرة, إذا قطع بعض فروعها. قال الصدر ابن المرحل: فإن أصحابك قد خالفوا الحسن البصري في تسمية الفاسق كافر النعمة, كما خالفوا الخوارج في جعله كافرا بالله. قال الشيخ تقي الدين: أصحابي لم يخالفوا الحسن في هذا, فعمن تنتقل من أصحابي هذا؟ بل يجوز عندهم أن يسمى الفاسق كافر النعمة, حيث أطلقته الشريعة. قال ابن المرحل: إني أنا ظننت أن أصحابك قد قالوا هذا, لكن أصحابي قد خالفوا الحسن في هذا. قال الشيخ تقي الدين: -ولا أصحابك خالفوه, فإن أصحابك قد تأولوا أحاديث النبي ﷺ التي أطلق فيها الكفر على بعض الفسوق- مثل تارك الصلاة, وقتال المسلمين –على أن المراد به كمفر النعمة, فعلم أنهم يطلقون على المعاصي في الجملة أنها كفر النعمة, فعلم أنهم موافقون الحسن, لا مخالفوه.

стр. 86

ثم عاد ابن المرحل فقال: أنا أنقل هذا عن المصنف, والنقل ما يمنع لكن يستشكل. قال الشيخ تقي الدين: إذا دار الأمر بين أن ينسب إلى أهل السنة مذهب باطل, أو ينسب الناقل عنهم إلى تصرفه في النقل كان نسبة الناقل إلى التصرف أولى من نسبة الباطل إلى طائفة أهل الحق, مع أنهم صرحوا في غير موضع أن الشكر يكون بالقول, والعمل, والاعتقاد, وهذا أظهر من أن ينقل عن واحد بعينه. ثم إنا نعلم بالاضطرار أنه ليس من أصول أهل الحق إخراج الأعمال أن تكون شكرا لله. بل قد نص الفقهاء أن الزكاة شكر نعمة المال. وشواهد هذا أكثر من أن نحتاج إلى نقل. وتفسير الشكر بأنه يكون بالقول والعمل في الكتب التي يتكلم فيها على لفظ "الحمد" و "الشكر"مثل كتب التفسير واللغة, وشروح الحديث, يعرفه آحاد الناس, والكتاب والسنة قد دلا على ذلك. فخرج ابن المرحل إلى شيء غير هذا, فقال: الحسن البصري يسمى الفاسق منافقا, وأصحابك لا يسمونه منافقا. قال الشيخ تقي الدين له: بل يسمى منافقا النفاق الأصغر, لا النفاق الأكبر, والنفاق يطلق على النفاق الأكبر الذي هو إضمار الكفر, وعلى النفاق الأصغر الذي هو اختلاف السر والعلانية في الواجبات. قال له ابن المرحل: ومن أين قلت: إن الاسم يطلق على هذا على هذا؟. قال الشيخ تقي الدين: -هذا مشهور عند العلماء. وبذلك فسروا قول

стр. 87

النبي ﷺ "آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب, وإذا وعد أخلف, وإذا ائتمن خان" وذكر ذلك الترمذي وغيره. وحكوه عن العلماء. وقال غير واحد من السلف "كفر دون كفر, نفاق دون نفاق, وشرك دون شرك". وإذا كان النفاق جنسا تحته نوعان, فالفاسق داخل في أحد نوعيه. قال ابن المرحل: كيف تجعل النفاق اسم الجنس, وقد جعلته لفظا مشتركا, وإذا كان اسم جنس كانت متواطئا, والأسماء المتواطئة غير المشتركة, فكيف تجعله مشتركا متواطئا؟. قال الشيخ تقي الدين: أنا لم أذكر أنه مشترك, وإنما قلت يطلق على هذا وعلى هذا, والإطلاق أعم. ثم لو قلت: إنه مشترك لكان الكلام صحيحا. فإن اللفظ الواحد قد يطلق على شيئين بطريق التواطؤ, وبطريق الاشتراك. فأطلقت لفظ النفاق على إبطان الكفر, وإبطان المعصية, تارة بطريق الاشتراك وتارة بطريق التواطؤ, كما أن لفظ الوجود يطلق على الواجب والممكن, عند قوم باعتبار الاشتراك, وعند قوم باعتبار التواطؤ, ولهذا سمي مشككا. قال ابن المرحل: كيف يكون هذا؟ وأخذ في كلام لا يحسن ذكره. قال له الشيخ تقي الدين: المعاني الدقيقة تحتاج إلى إصغاء واستماع وتدبر, وذلك أن الماهيتين إذا كان بينهما قدر مشترك وقدر مميز, واللفظ يطلق على كل منهما, فقد يطلق عليها باعتبار ما به تمتاز كل ماهية عن الأخرى. فيكون مشتركا كالاشتراك اللفظي وقد يكون مطلقا باعتبار القدر المشترك بين الماهيتين. فيكون لفظا متواطئا.

стр. 88

قلت: ثم إنه في اللغة يكون موضوعا للقدر المشترك, ثم يغلب عرف الاستعمال على استعماله: في هذا تارة, وفي هذا تارة, فيبقى دالا بعرف الاستعمال على ما به الاشتراك والامتياز. وقد يكون قرينه, مثل لام التعريف, أو الاضافة, تكون هي الدالة على ما به من الامتياز. مثل ذلك: "اسم الجنس" إذا غلب في العرف على بعض أنواعه كلفظ الدابة, إذا غلب على الفرس, قد نطلقه على الفرس باعتبار القدر المشترك بينها وبين سائر الدواب, فيكون متواطئا. وقد نطلقه باعتبار خصوصية الفرس, فيكون مشتركا بين خصوص الفرس وعموم سائر الدواب, ويصير استعماله في الفرس: تارة بطريق التواطؤ, وتارة بطريق الاشتراك. وهكذا اسم الجنس إذا غلب على بعض الأشخاص وصار علما بالغلبة: مثل ابن عمر, والنجم, فقد نطلقه عليه باعتبار القدر المشترك بينه وبين سائر النجوم وسائر بني عمر. فيكون إطلاقه عليه بطريق التواطؤ, وقد نطلقه عليه باعتبار ما به يمتاز عن غيره من النجوم, ومن بني عمر. فيكون بطريق الاشتراك بين هذا المعنى الشخصي وبين المعنى النوعي. وهكذا كل اسم عام غلب على بعض أفراده, يصح استعماله في ذلك الفرد بالوضع الأول العام, فيكون بطريق التواطؤ, بالوضع الثاني, فيصير بطريق الاشتراك. ولفظ "النفاق" من هذا الباب, فإنه في الشرع إظهار الدين وإبطان خلافه, وهذا المعنى الشرعي أخص من مسمى النفاق في اللغة, فإنه في اللغة أعم من إظهار الدين. ثم إبطان ما يخالف الدين, إما أن يكون كفرا أو فسقا. فإذا أظهر أنه مؤمن وأبطن التكذيب, فهذا هو النفاق الأكبر الذي أوعد صاحبه بأنه في الدرك الأسفل من النار, وإن أظهر أنه صادق أو موف, أو أمين, وأبطن الكذب والغدر والخيانة ونحو ذلك, فهذا النفاق الأصغر الذي يكون صاحبه فاسقا.

стр. 89

فإطلاق النفاق عليهما في الأصل بطريق التواطؤ. وعلى هذا فالنفاق اسم جنس تحته نوعان. ثم إنه قد يراد به النفاق في أصل الدين, مثل قوله ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ ١ و ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ ٢ والمنافق هنا: الكافر. وقد يراد به النفاق في فروعه. مثل قوله ﷺ "آية المنافق الثلاث" ٣ وقوله "أربع من كن فيه كان منافقا خالصا" ٤ وقول ابن عمر: فيمن يتحدث عند الأمراء بحديث, ثم يخرج فيقول بخلافه "كنا نعد هذا على عهد النبي ﷺ نفاقا"٥. فإذا أردت به أحد النوعين. فإما أن يكون تخصيصه لقرينة لفظية مثل لم العهد, والإضافة. فهذا لا يخرجه عن أن يكون متواطئا كما إذا قال الرجل: جاء القاضي, وعنى به قاضي بلده. لكون اللام للعهد, كما قال سبحانه: ﴿فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ ٦ أن اللام هي أوجبت قصر الرسول على موسى, لا نفس لفظ "رسول". وإما أن يكون لغلبة الاستعمال عليه, فيصير مشتركا بين اللفظ العام والمعنى الخاص. فذلك قوله: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾ فإن تخصيص هذا اللفظ بالكافر إما أن يكون لدخول اللام التي تفيد العهد, والمنافق المعهود: هو

стр. 90

الكافر. أو تكون لغلبة هذا الاسم في الشرع على نفاق الكفر, وقوله ﷺ "ثلاث من كن فيه كان منافقا" يعني به منافقا بالمعنى العام, وهو إظهاره من الدين خلاف ما يبطن. فإطلاق لفظ "النفاق" على الكافر وعلى الفاسق إن أطلقته باعتبار ما يمتاز به عن الفاسق. كان إطلاقه عليها وعلى الفاسق باعتبار الاشتراك. وكذلك يجوز أن يراد به الكافر خاصة, ويكون متواطئا إذا كان الدال على الخصوصية غير لفظ "منافق" بل لم التعريف. وهذا البحث الشريف جار في كل لفظ عام استعمل في بعض أنواعه, إما لغلبة الاستعمال, أو لدلالة لفظية خصته بذلك النوع, مثل تعريف الإضافة, أو تعريف اللام, فإن كان لغلبة الاستعمال صح أن يقال مشترك, وإن كان لدلالة لفظية كان اللفظ كان باقيا على مواطأته. فلهذا صح أن يقال "النفاق" اسم جنس تحته نوعان, لكون اللفظ في الأصل عاما متواطئا. وصح أن يقال: هو مشترك بين النفاق في أصل الدين, وبين مطلق النفاق في الدين, لكونه في عرف الاستعمال الشرعي غلب على نفاق الكفر. لا تكفير ولا تفسيق إلا إذا قامت الحجة:١ إني من أعظم الناس نهيا عن أن ينسب معين إلى تكفير, وتفسيق, ومعصية, إلا إذا علم أنه قد قامت عليه الحجة الرسالية التي من خالفها كان كافرا تارة, وفاسقا أخرى, وعاصيا أخرى, وإني أقرر أن الله قد غفر لهذه الأمة خطأها, وذلك يعم الخطأ في المسائل الخبرية القولية والمسائل العملية.

стр. 91

وما زال السلف يتنازعون في كثير من هذه المسائل ولم يشهد أحد منهم على أحد لا بكفر ولا بفسق ولا بمعصية كما أنكر شريح قراءة من قرأ ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ﴾ ١ وقال: إن الله لا يعجب, فبلغ ذلك ابراهيم النخعي فقال: إنما شريح شاعر يعجبه علمه. كان عبد الله أعلم منه وكان يقرأ ﴿بَلْ عَجِبْتَ﴾ . وكما نازعت عائشة وغيرها من الصحابة في رؤية محمد ﷺ رؤية ربه, وقالت: من زعم أن محمدا رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية. ومع هذا لا نقول لابن عباس ونحوه من المنازعين لها, إنه مفتر على الله وكما نازعت في سماع الميت كلام الحي, وفي تعذيب الميت ببكاء أهله, وغير ذلك. وقد آل الشر بين السلف الاقتتال, مع اتفاق أهل السنة على أن الطائفتين جميعا مؤمنتان, وأن الاقتتال لا يمنع العدالة الثابتة لهم, لأن المقاتل وإن كان باغيا فهو متأول, والتأويل يمنع الفسوق. وكنت أبين لهم أنما نقل لهم عن السلف والأئمة من إطلاق القول بتكفير من يقول كذا وكذا فهو أيضا حق, لكن يجب التفريق بين الإطلاق والتعيين. وهذه أول مسألة تنازعت فيها الأمة من مسائل الأصول الكبار وهي مسألة "الوعيد" فإن نصوص القرآن في الوعيد مطلقه كقوله ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً﴾ الآية, وكذلك سائر ما ورد: من فعل كذا فله كذا. فإن هذه مطلقة عامة. وهي بمنزلة قول من قال من السلف من كذا: فهو كذا. ثم الشخص المعين يلتغي حكم الوعيد فيه, بتوبة, أو حسنات ماحية, أو مصائب مكفرة, أو شفاعة مقبولة.

стр. 92

والتكفير هو من الوعيد. فإنه وإن كان القول تكذيبا لما قاله الرسول ﷺ , لكن قد يكون الرجل حديث عهد بإسلام, أو نشأ ببادية بعيدة. ومثل هذا لا يكفر بجحد ما يجحده حتى تقوم عليه الحجة وقد يكون الرجل لم يسمع تلك النصوص, أو سمعها ولم تثبت عنده, أو عارضها عنده معارض آخر أوجب تأويلها, وإن كان مخطئا. وكنت دائما أذكر الحديث الذي في الصحيحين في الرجل الذي: "إذا أنا مت فاحرقوني, ثم اسحقوني, ثم ذروني في اليم, فوالله لئن قدر الله علي ليعذبني عذابا ما عذبه أحدا من العالمين. ففعلوا به ذلك, فقال الله له ما حملك على ما فعلت. قال: خشيتك: فغفر له" ١. فهذا رجل شك في قدرة الله, وفي إعادته إذا ذري, بل اعتقد أنه لا يعاد. وهذا كفر باتفاق المسلمين, لكن كان جاهلا لا يعلم ذلك وكان مؤمنا يخاف الله أن يعاقبه, فغفر له بذلك. والمتأول من أهل الاجتهاد الحريص على متابعة الرسول ﷺ أولى بالمغفرة من مثل هذا.

стр. 93

هجر أهل البدع: ١ إن داعية أهل البدع يهجر فلا يستشهد ولا يروى عنه, ولا يستفتى ولا يصلى خلفه, قد يكون من هذا الباب, فإن هجره تعزير له وعقوبة له جزاء لمنع الناس من ذلك الذنب الذي هو بدعة أو غيرها, وإن كان في نفس الأمر تائبا أو معذورا, إذ الهجرة مقصودها أحد شيئين: إما ترك الذنوب المهجورة

стр. 94

وأصحابها, وإما عقوبة فاعلها ونكاله. ومن هذا الباب هجر الإمام أحمد للذين أجابوا في المحنة قبل القيد ولمن تاب بعد الإجابة, ولمن فعل بدعة ما, مع أن فيهم أئمة في الحديث والفقه والتصوف والعبادة, فإن هجره لهم والمسلمين معه لا يمنع معرفة قدر فضلهم, كما أن الثلاثة الذين خلفوا لما أمر النبي ﷺ بهجرهم لم يمنع ذلك ما كان لهم من السوابق, حتى قد قيل إن الاثنين منهما شهدا بدرا, وقد قال الله لأهل بدر: "اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم" ١ وأحدهم كعب بن مالك شاعر النبي ﷺ وأحد أهل العقبة, فهذا "أصل عظيم" أن عقوبة الدنيا المشروعة من الهجران إلى القتل لا يمنع أن يكون المعاقب عدلا أو رجلا صالحا كما بينت من الفرق بين عقوبة الدنيا المشروعة والمقدورة, وبين عقوبة الآخرة والله سبحانه أعلم.

стр. 95

ما يحبط من الأعمال:١ الذنوب إنما تقع إذا كانت النفس غير ممتثلة لما أمرت به, ومع امتثال المأمور لا تفعل المحظور, فإنهما ضدان. قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ﴾ ٢ الآية. وقال: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ ٣ فعباد الله المخلصون لا يغويهم الشيطان, و"الغي" خلاف الرشد, وهو اتباع الهوى فمن مالت نفسه إلى محرم, فليأت بعبادة الله كما آمر الله مخلصا له الدين, فإن ذلك يصرف عنه السوء والفحشاء وخشية ومحبة, والعبادة له وحده, وهذا يمنع من السيئات.

стр. 96

فإذا كان تائبا, فإن كان ناقصا, فوقعت السيئات من صاحبه كان ماحيا لها بعد الوقوع فهو كالترياق الذي يدفع أثر السم, ويرفعه بعد حصوله, وكالغذاء من الطعام والشراب, وكالاستمتاع بالحلال الذي يمنع النفس عن طلب الحرام, فإذا حصل له طلب إزالته, وكالعلم الذي يمنع من الشك, ويرفعه بعد وقوعه, وكالطب الذي يحفظ الصحة ويدفع المرض, وكذلك ما في القلب من الإيمان يحفظ بأشباهه مما يقوم به. وإذا حصل منه مرض من الشبهات والشهوات أزيل بهذه, ولا يحصل المرض إلا لنقص أسباب الصحة, وكذلك القلب لا يمرض إلا لنقص إيمانه. وكذلك الإيمان والكفران متضادان, فكل ضدين: فأحدهما يمنع الآخر تارة, ويرفعه أخرى, كالسواد والبياض كذلك الحسنات والسيئات. (ويقول) المعتزلة إن الكبيرة تحبط الحسنات حتى الإيمان. (و) قالوا: من رجحت سيئاته خلد في النار. وما ادعته المعتزلة مخالف لأقوال السلف, فإنه سبحانه ذكر حد الزاني وغيره, ولم يجعلهم كفارا حابطي الأعمال, ولا أمر بقتلهم كما أمر بقتل المرتدين, والمنافقون لم يكونوا يظهرون كفرهم, والنبي ﷺ أمر بالصلاة على الغال, وعلى قاتل نفسه, ولو كانوا كفارا ومنافقين لم تجز الصلاة عليهم, فعلم أنهم لم يحبط إيمانهم كله, وقال عمن شرب الخمر "لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله" ١ وذلك الحب من أعظم شعب الإيمان, فعلم أن إدمانه لا يذهب الشعب كلها, وثبت من وجوه كثيرة: "يخرج من النار من في قلبه مثقال ذرة من إيمان" ٢ ولو

стр. 97

حبط لم يكن في قلوبهم شيء منه. وقال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَاب﴾ ١ الآية. فجعل من المصطفين. فإذا كانت السيئات لا تحبط جميع الحسنات, فهل تحبط بقدرها وهل يحبط بعض الحسنات بذنب دون الكفر؟ فيه قولان للمنتسبين إلى السنة, منهم من ينكره, ومنهم من يثبته, كما دلت عليه النصوص, مثل قوله: ﴿لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ ٢ الآية. دل على أن هذه السيئة تبطل الصدقة, وضرب مثله بالمرائي. وقالت عائشة "أبلغي زيدا أن جهاده بطل"٣ الحديث. وأما قوله: ﴿أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُم﴾ ٤ وحديث صلاة العصر ففي ذلك نزاع. وقال تعالى: ﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ ٥ قال الحسن: بالمعاصي والكبائر, وعن عطاء: بالشرك والنفاق. وعن ابن السائب: بالرياء والسمعة, وعن مقاتل: بالمن. وذلك أن قوما منوا بإسلامهم, فما ذكر عن الحسن يدل على أن المعاصي والكبائر تحبط الأعمال. فإن قيل: لم يرد إلا إبطالها بالكفر. قيل: ذلك منهي عنه في نفسه, وموجب للخلود الدائم, فالنهي عنه لا يعبر عنه بهذا, بل يذكره على وجه التغليظ, كقوله: ﴿مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ

стр. 98

دِينِهِ﴾ ١ ونحوها, والله سبحانه في هذه وفي آية المن سماها إبطالا, ولم يسمه إحباطا, ولهذا ذكر بعدها الكفر بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ ٢. فإن قيل: المراد إذا دخلتم فيها فأتموها, وبه احتج من قال: يلزم التطوع بالشروع فيه. قيل: لو قدر أن الآية تدل على أنه منهي عن إبطال بعض العمل, فإبطاله كله أولى, بدخوله فيها فكيف وذلك قبل فراغه لا يسمى صلاة ولا صوما؟ ! ثم يقال: الإبطال يوجد قبل الفراغ أو بعده, وما ذكروه أمر بالإتمام, والإبطال هو إبطال الثواب, ولا نسلم أن من لم يتم العبادة يبطل جميع ثوابه, بل يقال: إنه يثاب على ما فعل من ذلك. وفي الحديث الصحيح حديث المفلس "الذي يأتي بالحسنات أمثال الجبال"٣.

стр. 99

التوبة من الذنوب: ١ ذهب طائفة من أهل الكلام كأبي هاشم إلى أن التوبة لا تصح من قبيح مع الإصرار على الآخر, قالوا: لأن الباعث على التوبة إن لم يكن من خشية الله لم يكن توبة صحيحة, والخشية مانعة من جميع الذنوب لا من بعضها, وحكى القاضي أبو يعلى وابن عقيل هذا رواية عن أحمد, لأن المرذوي نقل عنه أنه سئل عمن تاب من الفاحشة وقال: لو مرضت لم أعد لكن لا يدع النظر, فقال أحمد:

стр. 100

أي توبة ذه؟! قال جرير بن عبد الله سألت رسول الله ﷺ عن نظرة الفجأة, فقال: "أصرف بصرك" ١. والمعروف عن أحمد وسائر الأئمة هو القول بصحة التوبة, وأحمد في هذه المسألة إنما أراد أن هذه ليست توبة عامة يحصل بسببها من التائبين توبة مطلقا, لو يرد أن ذنب هذا كذنب المصر على الكبائر, فإن نصوصه المتواترة عنه وأقواله الثابتة تنافي ذلك, وحمل كلام الإمام على ما يصدق بعضه بعضا أولى من حمله على التناقض. لاسيما إذا كان القول الآخر مبتدعا لم يعرف عن أحد من السلف, وأحمد يقول: إياك أن تتكلم في مسألة ليس لك فيها فهم, وكان من المحنة يقول: كيف أقول ما لم يقل, واتباع أحمد للسنة والآثار وقوة رغبته في ذلك, وكراهته لخلافه من الأمور المتواترة عنه يعرفها من يعرف حاله من الخاصة والعامة. وما ذكروه من أن الخشية توجب العموم. فجوابه أنه قد يعلم قبحها ولكن هواه يغلبه في أحدهما دون الآخر فيتوب من هذا دون ذلك, كمن أدى بعض الواجبات دون بعض, فإن ذلك يقبل منه. ولكن المعتزلة لهم أصل فاسد وافقوا فيه الخوارج في الحكم وإن خالفوهم في الاسم, فقالوا: إن أصحاب الكبائر يخلدون في النار ولا يخرجون منها بشفاعة

стр. 101

ولا غيرها, وعندهم يمتنع أن يكون الرجل الواحد ممن يعاقبه الله ثم يثيبه, ولهذا يقولون بحبوط جميع الحسنات بالكبيرة. وأما الصحابة وأهل السنة والجماعة فعلى أن أهل الكبائر يخرجون من النار ويشفع فيهم. وإن الكبيرة الواحدة لا تحبط جميع الحسنات ولكن قد يحبط ما يقابلها عند أكثر أهل السنة, ولا يحبط جميع الحسنات إلا الكفر, كما لا يحبط جميع السيئات إلا التوبة, فصاحب الكبيرة إذا أتى بحسنات يبتغي بها رضا الله أثابه الله على ذلك, وإن كان مستحقا للعقوبة على كبيرته. وكتاب الله يفرق بين حكم السارق والزاني وقتال المؤمنين بعضهم بعضا وبين حكم الكفار في "الأسماء والأحكام" والسنة المتواترة عن النبي ﷺ وإجماع الصحابة يدل على ذلك, كما هو مبسوط في غير هذا الموضع.

стр. 102

التوبة من بعض الذنوب: وعلى هذا تنازع الناس في قوله: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ ١ فعلى قول الخوارج والمعتزلة لا تقبل حسنة إلا ممن اتقاه مطلقا فلم يأت كبيرة, وعند المرجئة إنما يتقبل ممن اتقى الشرك. فجعلوا أهل الكبائر داخلين في اسم "المتقين" وعند أهل السنة والجماعة يتقبل العمل ممن اتقى الله فيه فعمله خالصا لله موافقا لأمر الله, فمن اتقاه في عمل تقبله منه, وإن كان عاصيا في غيره. ومن لم يتقه فيه لم يتقبله منه وإن كان مطيعا في غيره. والتوبة من بعض الذنوب دون بعض كفعل بعض الحسنات المأمور بها دون بعض إذا لم يكن المتروك شرطا في صحة المفعول كالإيمان المشروط في غيره من

стр. 103

الأعمال, كما قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً﴾ ١ وقال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ ٢ وقال: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ ٣. إن من له ذنوب فتاب من بعضها دون بعض فإن التوبة إنما تقتضي مغفرة ما تاب منه أما مالم يتب منه فهو باق فيه على حكم من لم يتب, لا على حكم من تاب, وعلمت في هذا نزاعا إلا في الكافر إذا أسلم, فإن إسلامه يتضمن التوبة من الكفر الذي تاب منه, وهل تغفر له الذنوب التي فعلها في حال الكفر ولم يتب منها في الإسلام؟ هذا فيه قولان معروفان: أحدهما: يغفر له الجميع, لإطلاق قوله ﷺ : "الإسلام يجب ما كان قبله" رواه مسلم. مع قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَف﴾ ٤. والقول الثاني: أنه لا يستحق أن يغفر له الإسلام إلا ما تاب منه, فإذا أسلم وهو مصر على كبائر دون الكفر فحكمه في ذلك حكم أمثاله من أهل الكبائر. وهذا القول هو الذي تدل عليه الأصول والنصوص, فإن في الصحيحين أن النبي ﷺ : "قال له حكيم بن حزام: يا رسول الله أنؤاخذ بما عملنا في الجاهلية؟ فقال: "من أحسن منكم في الإسلام لم يؤاخذ بما عمل في الجاهلية, ومن

стр. 104

أساء في الإسلام أخذ بالأول والآخر" فقد دل هذا النص على أنه إنما ترتفع المؤاخذة بالأعمال التي فعلت في الجاهلية عمن أحسن لا عمن لا يحسن, وإن لم يحسن أخذ بالأول والآخر, ومن لم يتب منها فلم يحسن. وقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَف﴾ ١ يدل على أن المنتهي عن شيء يغفر له ما قد سلف منه, لا يدل على أن المنتهي عن شيء يغفر له ما سلف من غيره, وذلك لأن قول القائل لغيره: إن انتهيت عن هذا الأمر غفر لك ما تقدم منه, وإذا انتهيت عن شيء غفر لك ما تقدم منه, كما يفهم مثل ذلك في قوله: "إن تبت" لا يفهم منه أنك بالانتهاء عن ذنب يغفر لك ما تقدم من غيره. وأما قول النبي ﷺ : "الإسلام يهدم ما قبله" وفي رواية "يجب ما كان قبله" فهذا قاله لما أسلم عمرو بن العاص وطلب أن يغفر له ما تقدم من ذنبه فقال له: "يا عمرو أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله, وأن التوبة تهدم ما كان قبلها, وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها" ٢ ومعلوم أن التوبة إنما توجب مغفرة ما تاب منه, لا توجب التوبة غفران جميع الذنوب. إن الإنسان قد يستحضر ذنوبا فيتوب منها وقد يتوب توبة مطلقة لا يستحضر معها ذنوبه, لكن إذا كانت نيته التوبة العامة فهي تتناول كل ما يراه ذنبا, لأن التوبة العامة تتضمن عزما بفعل المأمور وترك المحظور, وكذلك تتضمن ندما عاما على كل محظور.

стр. 105

التخليد في النار من إيمان أهل السنة: ١ يؤمن أهل السنة بأن الله على كل شيء قدير, فيقدر أن يهدي العباد ويقلب قلوبهم, وأنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن. فلا يكون في ملكه ما لا يريد ولا يعجز عن إنفاذ مراده, وأنه جال كل شيء من الأعيان والصفات والحركات. ويؤمنون أن العبد له قدرة ومشيئة وعمل, وأنه مختار, ولا يسمونه مجبورا, إذ المجبور من أكره على خلاف اختياره, والله سبحانه جعل العبد مختارا لما يفعله فهو مختار مريد, والله خالقه وخالق اختياره, وهذا ليس له نظير. فإن الله ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله. وهم في "باب الأسماء والأحكام والوعد والوعيد" وسط بين الوعيدية, الذين يجعلون أهل الكبائر من المسلمين مخلدين في النار, ويخرجوهم من الإيمان بالكلية, ويكذبون بشفاعة النبي ﷺ . وبين المرجئة الذين يقولون: إيمان الفساق مثل إيمان الأنبياء, والأعمال الصالحة ليست من الدين والإيمان. ويكذبون بالوعيد والعقاب بالكلية. فيؤمن أهل السنة والجماعة بأن فساق المسلمين معهم بعض الإيمان وأصله, وليس معهم جميع الإيمان الواجب الذي يستوجبون به الجنة, ولأنهم لا يخلدون في النار, بل يخرج منها من كان في قلبه مثقال حبة من إيمان أو مثقال خردلة من إيمان, وأن النبي ﷺ ادخر شفاعته لأهل الكبائر من أمته. وهم أيضا في "أصحاب رسول الله" ﷺ ورضي عنهم وسط بين الغالية, الذين يغالبون في علي ﵁, فيفضلونه على أبي بكر وعمر ﵄

стр. 106

ويعتقدون أنه الإمام المعصوم دونهما, وأن الصحابة ظلموا وفسقوا, وكفروا الأمة بعدهم كذلك, وربما جعلوه نبيا أو إلها, وبين الجافية الذين يعتقدون كفره, وكفر عثمان ﵄, ويستحلون دمائهم ودما من تولاهما, ويستحبون سب علي وعثمان ونحوهما, ويقدحون في خلافة علي ﵁ وإمامته. وكذلك في سائر "أبواب السنة" هم وسط, لأنهم متمسكون بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ . وما اتفق عليه السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان. أئمة الدين لا يقولون بالتخليد في النار بمطلق الذنوب:١ قول الخوارج الذين يكفرون بمطلق الذنوب ويخلدون في النار, وقول من يخلدهم في النار ويجزم بأن الله لا يغفر لهم إلا بالتوبة, ويقول ليس معهم من الإيمان شيء, لم يذهب إليهما أحد من أئمة أهل الفقه والحديث بل هما من الأقوال المشهورة عن أهل البدع. وكذلك قول من وقف في أهل الكبائر من غلاة المرجئة وقال لا أعلم أن أحدا منهم يدخل النار, هو أيضا من الأقوال المبتدعة, بل السلف والأئمة متفقون على ما تواترت به النصوص من أنه لا بد أن يدخل النار قوم من أهل القبلة, ثم يخرجون منها, وأما من جزم بأنه لا يدخل النار أحد من أهل القبلة فهذا لا نعرفه قولا واحدا. وبعده قول من يقول: ما ثم عذاب أصلا وإنما هو تخويف لا حقيقة له, وهذا من أقوال الملاحدة والكفار. وربما احتج بعضهم بقوله: ﴿ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ﴾ ٢ فيقال لهذا:

стр. 107

التخويف إنما يكون تخويفا إذا كان هناك مخوف يمكن وقوعه بالمخوف, فإن لم يكن هناك ما يمكن وقوعه امتنع التخويف, لكن يكون حاصله إيهام الخائفين بما لا حقيقة له, كما توهم الصبي الصغير, ومعلوم أن مثل هذا لا يحصل به تخويف لعقلاء المميزين, لأنهم إذا علموا أنه ليس شيء مخوف زال الخوف: وهذا شبيه بما تقول "الملاحدة" المتفلسفة والقرامطة ونحوهم, من أن الرسل صلوات الله وسلامه عليهم: خاطبوا الناس بإظهار أمور من الوعيد لا حقيقة لها في الباطن, وإنما هي أمثال مضروبة لتفهم حال النفس بعد المفارقة, وما أظهروه لهم من الوعد والوعيد وإن كان لا حقيقة له فإنما يعلق لمصلحتهم في الدنيا, إذ كان لا يمكن تقويمهم إلا بهذه الطريقة. أصناف ثلاثة من أمة محمد: ظالم لنفسه, ومقتصد, وسابق للخيرات:١ ذكر الله تعالى "أولياءه" المقتصدين والسابقين في سورة فاطر في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِير ُ, جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ, وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ, الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ﴾ ٢ لكن هذه الأصناف الثلاثة في أمة محمد ﷺ خاصة كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِير﴾ . وأمة محمد ﷺ هم الذين أورثوا الكتاب بعد الأمم المتقدمة, وليس ذلك مختصا

стр. 108

بحفاظ القرآن, بل كل من آمن بالقرآن فهو من هؤلاء, وقسمهم الله إلى ظالم لنفسه, ومقتصد, وسابق, بخلاف الآيات التي في الواقعة والمطففين والانفطار, فإنه دخل فيها جميع الأمم المتقدمة كافرهم ومؤمنهم وهذا التقسيم لأمة محمد ﷺ ف"الظالم لنفسه" أصحاب الذنوب المصرون عليها, ومن تاب من ذنبه, أي ذنب كان, توبة صحيحة لم يخرج بذلك عن السابقين, و"المقتصد" المؤدي للفرائض المجتنب للمحارم, و"السابق للخيرات" هو المؤدي للفرائض والنوافل, كما في تلك الآيات, ومن تاب من ذنبه أي ذنب كان توبة صحيحة لم يخرج بذلك عن السابقين والمقتصدين كما في قوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ, الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ, وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ, أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ ١ و"المقتصد" المؤدي للفرائض المجتنب للمحارم, و"السابق للخيرات" هو المؤدي للفرائض والنوافل كما في تلك الآيات. وقوله ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾ ٢ مما يستدل به أهل السنة على أنه لا يخلد في النار أحد من أهل التوحيد. وأما دخول كثير من أهل الكبائر النار فهذا مما تواترت به السنن عن النبي ﷺ كما تواترت بخروجهم من النار وشفاعة نبينا محمد ﷺ وشفاعة غيره. فمن قال: إن أهل الكبائر مخلدون في النار وتأول الآية على أن السابقين هم الذين

стр. 109

يدخلونها وأن المقتصد أو الظالم لنفسه لا يدخلها, كما تأول من المعتزلة فهو مقابل بتأويل المرجئة الذين لا يقطعون بدخول أحد من أهل الكبائر النار, ويزعمون أن أهل الكبائر قد يدخل جميعهم الجنة من غير عذاب, وكلاهما مخالف للسنة المتواترة عن النبي ﷺ ولإجماع سلف الأمة وأئمتها. وقد دل على فساد قول "الطائفتين" قول الله تعالى في آيتين من كتابه وهو قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ ١ فأخبر تعالى أنه لا يغفر الشرك وأخبر أنه يغفر ما دونه لمن يشاء, ولا يجوز أن يراد بذلك التائب كما يقوله من يقوله من المعتزلة لأن الشرك يغفره الله لمن تاب, وما دون الشرك يغفر الله أيضا للتائب فلا تعلق بالمشيئة, ولهذا لما ذكر المغفرة للتائبين قال تعالى ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ٢ هنا عمم المغفرة وأطلقها, فإن الله يغفر للعبد أي ذنب تاب منه فمن تاب من الشرك غفر الله له ومن تاب من الكبائر غفر الله له وأي ذنب تاب العبد منه غفر الله له. ففي آية التوبة عمم وأطلق, وفي تلك الآية خصص وعلق, فخص الشرك بأنه لا يغفره, وعلق ما سواه على المشيئة. ومن الشرك التعطيل للخالق وهذا يدل على فساد قول من يجزم بالمغفرة لكل مذنب, ونبه بالشرك على ما هو أعظم منه كتعطيل الخالق, أو يجوز أن لا يعذب بذنب, فإنه لو كان كذلك لما ذكر أنه يغفر البعض دون البعض, ولو كان كل ظالم لنفسه مغفورا له بلا توبة ولا حسنات ماحية لم يعلق ذلك بالمشيئة. وقوله تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ دليل على أنه يغفر البعض

стр. 110

دون البعض, فبظل النفي والوقف العام.
следующие страницы →