كفارات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر" فالله تعالى لا يظلم عبده شيئا, كما قال: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ, وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾ ١.
فالوعيد ينتفي عنه: إما بالتوبة, وإما بحسنات يفعلها تكافئ سيئاته, وغما بمصائب يكفر الله بها خطاياه, وإما بغير ذلك, وكما أن أحاديث الوعيد تقدم وكذلك أحاديث الوعد, فقد يقول: لا إله إلا الله, ويجحد وجوب الصلاة والزكاة, فهذا كافر يجب قتله, وقد يكون من أهل الكبائر المستوجبين للنار.
وهذه مسألة "الوعد والوعيد" من أكبر مسائل العلم. وقد بسطناها في مواضع, ولكن كتبنا هنا ما تسع الورقة.
стр. 37
نصوص الوعيد عامة: ٢
قد ثبت عن النبي ﷺ أنه لعن الخمر وشاربها, فقد ثبت أن النبي ﷺ لعن عموما شارب الخمر, ونهى في الحديث الصحيح عن لعن هذا المعين.
وهذا كما أن نصوص الوعيد عامة في أكل أموال اليتامى, والزاني, والسارق فلا نشهد بها عامة على معين, بأنه من أصحاب النار, لجواز تخلف المقتضي عن المقتضى لمعارض راجح, إما توبة, وإما حسنات ماحية, وإما مصائب مكفرة, وإما شفاعة مقبولة, وإما غير ذلك كما قررناه في غير هذا الموضع.
стр. 38
هل إخلاف الوعيد جائز: ١
قال تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ ٢ ذكر هذا بعد قوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الْأِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ, وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ, أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلاً وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ ٣ ثم قال: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ وقال تعالى: ﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً﴾ ٤.
فأخبر في هاتين الآيتين أنه لا مبدل لكلمات الله, وأخبر في الأولى أنها تمت صدقا وعدلا, وقد تواتر عن النبي ﷺ أنه كان يستعيذ ويأمر بالاستعاذة بكلمات الله التامات, وفي بعض الأحاديث "الذي لا يجاوزهن بر ولا فاجر".
وقال تعالى: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ, الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ, لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ ٥. وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا﴾ ٦ وذلك بيان أن وعد الله الذي وعده
стр. 39
رسله من كلماته التي لا مبدل لها. كما قال في أوليائه: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ﴾ فإنه ذكر أنه لا خوف عليهم ولا هم يحزنون, وأن لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة. فوعدهم بنفي المخافة والحزن, وبالبشرى في الدارين.
وقال بعد ذلك: ﴿لا مبدل لكلمات الله﴾ فكان في هذا تحقيق كلام الله الذي هو وعده, كما قال: ﴿فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ﴾ ١. وقال: ﴿وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ ٢. وقال المؤمنون: ﴿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ ٣ فإخلاف ميعاده تبديل لكماته.
يبين ذلك قوله تعالى: ﴿قَالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ, مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ ٤ فأخبر سبحانه أنه قدم إليهم بالوعيد, وقال: ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ﴾ وهذا يقتضي أنه صادق في وعيده أيضا وأن وعيده لا يبدل.
وهذا مما احتج به القائلون بأن فساق الملة لا يخرجون من النار وقد تكلمنا عليهم ف يغير هذا الموضع, لكن هذه الآية تضعف جواب من يقول: إن إخلاف الوعيد جائز, فإن قوله: ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ﴾ بعد قوله ﴿وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ﴾ دليل على أن وعيده لا يبدل, كما لا يبدل وعده.
لكن التحقيق الجمع بين نصوص الوعد والوعيد وتفسير بعضها ببعض من غير
стр. 40
تبديل شيء منها. وقد قال تعالى: ﴿سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّه﴾ ١ والله أعلم.
стр. 41
الوعيد المطلق:
الوعيد المطلق في الكتاب والسنة مشروط بثبوت شروط وانتفاء موانع, فلا يلحق التائب من الذنب باتفاق المسلمين, ولا يلحق من له حسنات تمحو سيئاته, ولا يلحق المشفوع له, والمغفور له, فإن الذنوب تزول عقوبتها التي هي جهنم بأسباب التوبة والحسنات الماحية والمصائب المكفرة –لكنها من عقوبات الدنيا- وكذلك ما يحصل في البرزخ من الشدة, وكذلك ما يحصل في عرصات القيامة, وتزول أيضا بدعاء المؤمنين: كالصلاة عليه وشفاعة الشفيع المطاع, كمن يشفع فيه سيد الشفعاء محمد: ﷺ تسليما.
وحينئذ فأي ذنب تاب منه ارتفع موجبه, ومالم يتب منه فله حكم الذنوب التي لم يتب منها, فالشدة إذا حصلت بذنوب وتاب من بعضها خفف منه بقدر ما تاب منه, بخلاف مالم يتب منه, بخلاف صاحب التوبة العامة.
والناس في غالب أحوالهم لا يتوبون توبة عامة مع حاجتهم إلى ذلك فإن التوبة واجبة على كل عبد في كل حال. لأنه دائما يظهر له ما فرط فيه من ترك مأمور أو ما اعتدى فيه من فعل محظور, فعليه أن يتوب دائما. والله أعلم.
стр. 42
اللعن
النهي عن لعن من يحب الله ورسوله: ١
كثير من الناس لا يستحضر عند التوبة إلا بعض المتصفات بالفاحشة أو مقدماتها أو بعض الظلم باللسان أو اليد, وقد يكون ما تركه من المأمور الذي يجب الله عليه في باطنه وظاهره من شعب الإيمان وحقائقه أعظم ضررا عليه مما فعله من بعض الفواحش, فإن ما أمكر الله به من حقائق الإيمان التي بها يصير العبد من المؤمنين حقا أعظم نفعا من نفع ترك بعض الذنوب الظاهرة, كحب الله ورسوله, فإن هذا أعظم الحسنات الفعلية حتى ثبت في الصحيح "أنه كان على عهد النبي ﷺ رجل يدعى حمارا, وكان يشرب الخمر, وكان كلما أتي به إلى النبي ﷺ جلده الحد, فلما كثر ذلك منه أتي به مرة فأمر بجلده فلعنه رجل فقال النبي ﷺ : "لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله" ٢.
فنهى عن لعنه مع إصراره على الشرب لكونه يحب الله ورسوله, مع أنه ﷺ لعن في الخمر عشرة: "لعن الخمر وعاصرها ومعتصرها وشاربها وساقيها وحاملها والمحمولة إليه وبائعها ومبتاعها وآكل ثمنها" ٣.
ولكن لعن المطلق لا يستلزم لعن المعين الذي قام به ما يمنع لحوق اللعنة إليه.
стр. 43
لا يجوز لعن المعين:
وبعد حديث عن معاوية ﵁ وأنه جاهد مع النبي ﷺ وكان أمينا عنده يكتب له الوحي قال١:
بل "يزيد" ابنه مع ما أحدث من أحداث, من قال فيه: إنه كافر مرتد, فقد افترى عليه, بل كان ملكا من ملوك المسلمين كسائر ملوك المسلمين, وأكثر الملوك لهم حسنات ولهم سيئات, وحسناتهم عظيمة, وسيئاتهم عظيمة, فالطاعن في واحد منهم دون نظرائه إما جاهل, وإما ظالم.
وهؤلاء لهم ما لسائر المسلمين, منهم من تكون حسناته أكثر من سيئاته, ومنهم من قد تاب من سيئاته, ومنهم من كفر الله عنه, ومنهم من قد يدخله الجنة, ومنهم من قد يعاقبه لسيئاته, ومنهم من قد يتقبل الله فيه شفاعة نبي أو غيره من الشفعاء, فالشهادة لواحد من هؤلاء بالنار هو من أقوال أهل البدع والضلال.
كما أنا نقول ما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِِيراًً﴾ ٢, فلا ينبغي لأحد أن يشهد لواحد بعينه أنه من أهل النار, لإمكان أن يتوب أو يغفر له الله بحسنات ماحية, أو مصائب مكفرة, أو شفاعة مقبولة, أو يعفو الله عنه, أو غير ذلك.
стр. 44
فهكذا الواحد من الملوك, وإن كان صدر منه ما هو ظلم فإن ذلك لا يوجب أن نلعنه ونشهد له بالنار, ومنت دخل في ذلك كان من أهل البدع والضلال, فكيف إذا كان للرجل حسنات عظيمة يرجى له بها المغفرة مع ظلمه! كما ثبت في صحيح البخاري عن ابن عمر عن النبي ﷺ أنه قال: "أول جيش يغزو قسطنطينية مغفور له" ١, وأول جيش غزاها كان أميرهم "يزيد ابن معاوية" وكان معه في الغزاة أبو أيوب الأنصاري, وتوفي هناك, وقبره هناك إلى الآن. ولهذا كان المقتصدون من أئمة السلف يقولون في يزيد وأمثاله: إنا لا نسبهم ولا نحبهم, أي لا نحب ما صدر منهم من ظلم, والشخص الواحد يجتمع فيه حسنات وسيئات, وطاعات ومعاصي, وبر وجور وشر, فيثيبه الله على حسناته, ويعاقبه على سيئاته إن شاء أو يغفر له, ويحب ما فعله من الخير ويبغض ما فعله من شر.
стр. 45
تعزيز من لعن أحدا من المسلمين
...
تعزير من لعن أحدا من المسلمين:٢
قال ﵀: رأيت في فتاوى الفقيه أبي محمد فتوى طويلة, فيها أشياء حسنة قد سئل بها مسائل متعددة قال فيها:
"ومن لعن أحدا من المسلمين عزر ذلك تعزيرا بليغا, والمؤمن لا يكون لعانا, وما أقربه من عود اللعنة عليه, قال: وأما لعن العلماء لأئمة الأشعرية فمن لعنهم عز, وعادت اللعنة عليه فمن لعن من ليس أهلا للعنة وقعت اللعنة عليه".
فالفقيه أبو محمد أيضا إنما منع اللعن, وأمر بتعزير اللاعن وهو ماذكرناه من موافقة القرآن والسنة والحديث, والرد على من خالف القرآن والسنة والحديث,
стр. 46
التكفير والتفسيق
التكفير والتفسيق
...
"التكفير والتفسيق"
فصل١: ومن أصول أهل السنة أن الدين والإيمان قول وعمل: قول القلب واللسان وعمل القلب واللسان والجوارح, وأن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية.
وهم مع ذلك لا يكفرون أهل القبلة بمطلق المعاصي والكبائر, كما يفعله الخوارج, بل الأخوة الإيمانية ثابتة مع المعاصي, كما قال في آية القصاص: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ﴾ ٢ وقال: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ, إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ ٣.
ولا يسلبون الفاسق الملي اسم الإيمان بالكلية, ولا يخلدونه في النار, كما تقوله المعتزلة, بل الفاسق يدخل في اسم الإيمان في مثل قوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ ٤.
وقد لا يدخل في اسم الإيمان المطلق كما في قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً﴾ ٥ وقوله ﷺ : "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن, ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن,
стр. 47
ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن, ولا ينتهب نهبة ذات شرف يرفع الناس إليه فيها أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن" ١.
ويقولون: هو مؤمن ناقص الإيمان, أو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته, فلا يعطى الاسم المطلق, ولا يسلب مطلق الاسم.
وسئل شيخ الإسلام أبو العباس تقي الدين بن تيمية –قدس الله روحه: عن العبد المؤمن هل يكفر بالمعصية أم لا؟ ٢
فأجاب:
لا يكفر بمجرد الذنب, فإنه ثبت بالكتاب والسنة وإجماع السلف أن الزاني غير المحصن يجلد ولا يقتل, والشارب يجلد, والقاذف يجلد, والسارق يقطع.
ولو كانوا كفارا لكانوا مرتدين ووجب قتلهم, وهذا خلاف الكتاب والسنة وإجماع السلف.
стр. 48
لا يكفر أحد حتى تقوم عليه الحجة: ١
وحقيقة الأمر في ذلك: أن القول قد يكون كفرا, فيطلق الأمر بتكفير صاحبه, ويقال من قال كذا فهو كافر, لكن الشخص المعين الذي قاله لا يحكم بكفره, حتى تقوم عليه الحجة التي يكفر تاركها.
وهذا كما في نصوص الوعيد فإن الله يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً﴾ ٢ فهذا
стр. 49
ونحوه من نصوص الوعيد حق, لكن الشخص المعين لا يشهد عليه بالوعيد, فلا يشهد لمعين من أهل القبلة بالنار لجواز أن لا يلحقه الوعيد لفوات شرط, أو ثبوت مانع, فقد لا يكون التحريم بلغه, وقد يتوب من فعل المحرم, وقد تكون له حسنات عظيمة تمحو عقوبة ذلك المحرم, وقد يبتلى بمصائب تكفر عنه وقد يشفع قيه شفيع مطاع.
وهكذا الأقوال التي يكفر قائلها قد يكون الرجل لم تبلغه النصوص الموجبة لمعرفة الحق, وقد تكون عنده ولم تثبت عنده, أولم يتمكن من فهمها, وقد يكون قد عرضت له شبهات يعذره الله بها, فمن كان من المؤمنين مجتهدا في طلب الحق وأخطأ فإن الله يغفر له خطأه كائنا من كان, سواء كان في المسائل النظرية, أو العملية هذا الذي عليه أصحاب النبي ﷺ , وجماهير أئمة الإسلام.
стр. 50
لا أساس لتقسيم المسائل إلى أصول وفروع: ١
وما قسموا المسائل إلى مسائل أصول يكفر بإنكارها, ومسائل فروع لا يكفر بإنكارها.
فأما التفريق بين نوع وتسميته مسائل الأصول وبين نوع وتسميته مسائل الفروع فهذا الفرق ليس له اصل لا عن الصحابة, ولا عن التابعين لهم بإحسان, ولا أئمة الإسلام, وإنما هو مأخوذ عن المعتزلة وأمثالهم من أهل البدع, وعنهم تلقاه من ذكره من الفقهاء في كتبهم, وهو تفريق متناقض, فإنه يقال لمن فرق بين النوعين: ماحد مسائل الأصول التي يكفر بها المخطئ فيها؟ وما الفاصل بينها وبين مسائل الفروع؟ فإن قال: مسائل الأصول هي مسائل الاعتقاد ومسائل الفروع هي مسائل العمل. قيل له: فتنازع الناس في محمد ﷺ هل
стр. 51
رأى ربه أم لا؟ وفي أن عثمان أفضل من علي, أم علي أفضل؟ وفي كثير من معاني القرآن, وتصحيح بعض الأحاديث هي من المسائل الاعتقادية العلمية, ولا كفر فيها بالاتفاق, ووجوب الصلاة والزكاة والصيام والحج وتحريم الفواحش والخمر هي مسائل عملية, والمنكر لها يكفر بالاتفاق.
وإن قال الأصول: هي المسائل القطعية, قيل له: كثير من مسائل العمل قطعية, وكثير من مسائل العلم ليست قطعية, وكون المسألة قطعية أو ظنية هو من الأمور الإضافية, وقد تكون المسألة عند رجل قطعية لظهور الدليل القاطع له, كمن سمع النص من رسول الله ﷺ , وتيقن مراده منه. وعند رجل لا تكون ظنية, فضلا عن أن تكون قطعية لعدم بلوغ النص إياه, أو لعدم ثبوته عنده, أو لعدم تمكنه من العلم بدلالته.
وقد ثبت في الصحاح عن النبي ﷺ حديث الذي قاله لأهله: "إذا أنا مت فأحرقوني, ثم اسحقوني, ثم ذروني في اليم, فوالله لئن قدر الله علي ليعذبني عذابا ما عذبه أحدا من العالمين, فأمر الله البر برد ما أخذ منه, والبحر يرد ما أخذ منه, وقال: ما حملك على ما صنعت؟ قال: خشيتك يا رب! فغفر له" ١ فهذا شك في قدرة الله وفي المعاد, بل ظن أنه لن يعود, وأنه لا يقدر الله عليه إذا فعل ذلك, وغفر الله له.
ولكن المقصود هنا أن مذاهب الأئمة مبنية على هذا التفصيل بين النوع والعين, ولهذا حكى طائفة عنهم الخلاف في ذلك, ولم يفهموا غور قولهم فطائفة تحكي عن أحمد في تكفير أهل البدع روايتين مطلقا, حتى تجعل الخلاف في تكفير المرجئة والشيعة المفضلة لعلي, وربما رجحت التكفير والتخليد في
стр. 52
النار, وليس هذا مذهب أحمد, ولا غيره من أئمة الإسلام, بل لا يختلف قوله أنه لا يكفر المرجئة الذين يقولون: الإيمان قول بلا عمل, ولا يكفر من يفضل عليا على عثمان, بل نصوصه صريحة بالامتناع من تكفير الخوارج والقدرية وغيرهم. وإنما يكفر الجهمية المنكرين لأسماء الله وصفاته, لان مناقضة أقوالهم لما جاء به الرسول ﷺ ظاهرة بينة, ولأن حقيقة قولهم تعطيل الخالق. وكان قد ابتلي بهم حتى عرف حقيقة أمرهم, وأنه يدور على التعطيل, وتكفير الجهمية مشهور عن السلف والأئمة.
لكن ما يكفر أعيانهم, فإن الذي يدعو إلى القول أعظم من الذي يقول به, والذي يعاقب مخالفه أعظم من الذي يدعو فقط, والذي يكفر مخالفه أعظم من الذي يعاقبه, ومع هذا فالذين كانوا من ولاة الأمور يقولون بقول الجهمية: إن القرآن مخلوق, وأن الله لا يرى في الآخرة وغير ذلك, ويدعون الناس إلى ذلك, ويمتحنونهم, ويعاقبونهم إذا لم يجيبوهم, ويكفرون من لم يجبهم, حتى أنهم كانوا إذا أمسكوا الأسير لم يطلقوه حتى يقر بقول الجهمية: إن القرآن مخلوق, وغير ذلك, ولا يولون متوليا ولا يعطون رزقا من بيت المال إلا لمن يقول ذلك, ومع هذا فالإمام أحمد رحمه الله تعالى ترحم عليهم, واستغفر لهم, لعلمه بأنه, لم يبن لهم أنهم مكذبون للرسول, ولا جاحدون لما جاء به, ولكن تأولوا فأخطأوا وقلدوا من قال لهم ذلك.
وكذلك الشافعي لما قال لحفص الفرد حين قال: القرآن مخلوق: كفرت بالله العظيم. بين له أن هذا القول كفر, ولم يحكم بردة حفص بمجرد ذلك, لأنه لم يتبين له الحجة التي يكفر بها, ولو اعتقد أنه مرتد لسعى في قتله, وقد صرح في كتبه بقبول شهادة أهل الأهواء, والصلاة خلفهم.
وكذلك قال مالك ﵀ والشافعي وأحمد, في القدري: إن جحد علم الله
стр. 53
كفر, ولفظ بعضهم ناظروا القدرية بالعلم, فإن أقروا به خصموا, وإن جحدوه كفروا. وسئل أحمد عن القدري: هل يكفر؟ فقال: إن جحد العلم كفر. وحينئذ فجاحد العلم هو من جنس الجهمية. وأما قتل الداعية إلى البدع فقد يقتل لكف ضرره عن الناس, كما يقتل المحارب, وإن لم يكن في نفس الأمر كافرا, فليس كل من أمر بقتله يكون قتله لردته, وعلى هذا قتل غيلان القدري وغيره قد يكون على هذا الوجه.
стр. 54
لا يجوز تكفير المسلم بذنب فعله: ١
ولا يجوز تكفير المسلم بذنب فعله ولا بخطأ أخطأ فيه, كالمسائل التي تنازع فيها أهل القبلة, فإن الله تعالى تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ ٢ وقد ثبت في الصحيح أن الله تعالى أجاب هذا الدعاء وغفر للمؤمنين خطأهم.
والخوارج المارقون الذين أمر النبي ﷺ بقتالهم قاتلهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب أحد الخلفاء الراشدين. واتفق على قتالهم أئمة الدين من الصحابة والتابعين من بعدهم, ولم يكفرهم علي بن أبي طالب وسعد بن أبي وقاص وغيرهما من الصحابة, بل جعلوا مسلمين مع قتالهم, ولم يقاتلهم علي حتى سفكوا الدم الحرام وأغاروا على أموال المسلمين, فقاتلهم لدفع ظلمهم وبغيهم لا لأنهم كفار. ولهذا لم يسب حريمهم ولم يغنم أموالهم.
وإذا كان هؤلاء الذين ثبت ضلالهم, بالنص والإجماع لم يكفروا مع أمر الله
стр. 55
ورسوله ﷺ بقتالهم, فكيف بالطوائف المختلفين الذين اشتبه عليهم الحق في مسائل غلط فيها من هو أعلم منهم؟ فلا يحل لأحد من هذه الطوائف أن تكفر الأخرى ولا تستحل دمها ومالها, وإن كانت فيها بدعة محققة, فكيف إذا كانت المكفرة لها مبتدعة أيضا؟ وقد تكون بدعة هؤلاء أغلظ, وقد تكون بدعة هؤلاء أغلظ والغالب أنهم جميعا جهال بحقائق ما يختلفون فيه.
والأصل أن دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم محرمة من بعضهم على بعض لا تحل إلا بإذن الله ورسوله. قال النبي ﷺ لما خطبهم في حجة الوداع "إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا" ١ وقال ﷺ : "كل المسلم على المسلم حرام: دمه وماله وعرضه" ٢. وقال ﷺ : "من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فهو المسلم له ذمة الله ورسوله" ٣ وقال: "إذا التقى المسلمان بسيفهما فالقاتل والمقتول في النار" قيل يا رسول الله هذا القاتل, فما بال المقتول؟ قال: "إنه أراد قتل صاحبه" ٤ وقال: "لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض" ٥ وقال: "إذا قال المسلم لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما" ٦. وهذه الأحاديث كلها في الصحاح.
стр. 56
وإذا كان المسلم متأولاً في القتال أو التكفير لم يكفر بذلك كما قال عمر بن الخطاب لحاطب بن أبي بلتعة: يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق, فقال النبي ﷺ : "إنه قد شهد بدرا, وما يدريك أن الله قد اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم؟ " ١ وهذا في الصحيحين. وفيهما أيضا: من حديث الإفك: أن أسيد بن حضير قال لسعد بن عبادة: إنك منافق تجادل عن المنافقين, واختصم الفريقان فأصلح النبي ﷺ بينهم. فهؤلاء البدريون فيهم من قال لآخر منهم: إنك منافق, ولم يكفر النبي ﷺ لا هذا ولا هذا, بل شهد للجميع بالجنة.
وكذلك ثبت في الصحيحين عن أسامة بن زيد أنه قتل رجلا بعدما قال لا إله إلا الله وعظم النبي ﷺ ذلك لما أخبره وقال: "يا أسامة أقتلته بعدما قال لا إله إلا الله؟ " ٢ وكرر ذلك عليه حتى قال أسامة: تمنيت أني لم أكن أسلمت إلا يومئذ. ومع هذا لم يوجب عليه قودا, ولا دية, ولا كفارة, لأنه كان متأولا ظن جواز قتل ذلك القائل ظنا أنه قالها تعوذا.
فهكذا السلف قاتل بعضهم بعضا من أهل الجمل وصفين ونحوهم وكلهم مسلمون مؤمنون كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ ٣ فقد بين الله تعالى
стр. 57
أنهم مع اقتتالهم, وبغي بعضهم على بعض إخوة مؤمنون, وأمر بالإصلاح بينهم بالعدل.
ولهذا كان السلف مع الاقتتال يوالي بعضهم بعضا موالاة الدين, لا يعادون كمعاداة الكفار, فيقبل بعضهم شهادة بعض, ويأخذ بعضهم العلم عن بعض ويتوارثون ويتناكحون ويتعاملون بمعاملة المسلمين بعضهم مع بعض, مع ما كان بينهم من القتال والتلاعن وغير ذلك.
وقد ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ سأل ربه "أن لا يهلك أمته بسنة عامة فأعطاه ذلك, وسأله أن لا يسلط عليهم عدوا من غيرهم فأعطاه ذلك, وسأله أن لا يجعل بأسهم بينهم فلم يعط ذلك"١ وأخبر أن الله لا يسلط عليهم عدوا من غيرهم يغلبهم كلهم حتى يكون بعضهم يقتل بعضا وبعضهم يسبي بعضا.
وثبت في الصحيحين لما نزل قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ ٢ قال "أعوذ بوجهك" ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ قال "أعوذ بوجهك" ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ قال "هاتان أهون" ٣.
هذا مع أن الله أمر بالجماعة والائتلاف, ونهى عن البدعة والاختلاف,
стр. 58
وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ ١ وقال النبي ﷺ : "عليكم بالجماعة فإن يد الله على الجماعة" ٢ وقال: "الشيطان مع الواحد وهو مع الاثنين أبعد" ٣ وقال: "الشيطان ذئب الإنسان كذئب الغنم والذئب إنما يأخذ القاصية والنائية من الغنم" ٤.
فالواجب على المسلم إذا صار ف بمدينة من مدائن المسلمين أن يصلي معهم الجمعة والجماعة ويوالي المؤمنين ولا يعاديهم, وإن رأى بعضهم ضالا أو غاويا وأمكن أن يهديه ويرشده فعل ذلك, وإلا فلا يكلف الله نفسا إلا وسعها, وإذا كان قادرا على أن يولي في إمامة المسلمين الأفضل ولاه, وإن قدر أن يمنع من يظهر البدع والفجور منعه, وإن لم يقدر على ذلك فالصلاة خلف الأعلم بكتاب الله وسنة نبيه الأسبق إلى طاعة الله ورسوله أفضل, كما قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح: "يؤم القوم أقرأهم لكتاب الله فإن كانوا في القرآن سواء فأعلمهم بالسنة, فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة, فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سنا" ٥.
стр. 59
وإن كان في هجره لمظهر البدعة والفجور مصلحة راجحة لهجره, كما هجر النبي ﷺ الثلاثة الذين خلفوا حتى تاب الله عليهم, وأما إذا ولي غيره بغير إذنه وليس في ترك الصلاة خلفه مصلحة شرعية كان تفويت هذه الجمعة والجماعة جهلا وضلالا, وكان قد رد بدعة ببدعة.
حتى أن المصلي الجمعة خلف الفاجر اختلف الناس في إعادة الصلاة وكرهها أكثرهم, حتى فال أحمد بن حنبل في رواية عبدوس: من أعادها فهو مبتدع. وهذا أظهر القولين, لأن الصحابة لم يكونوا يعيدون الصلاة إذا صلوا خلف أهل الفجور والبدع, ولم يأمر الله تعالى قط أحدا إذا صلى كما أمر بحسب استطاعته أن يعيد الصلاة. ولهذا كان اصح قولي العلماء أن من صلى بحسب استطاعته أن لا يعيد حتى المتيمم لخشية البرد ومن عدم الماء والتراب إذا صلى بحسب حاله, والمحبوس وذووا الاعتذار النادرة والمعتادة والمتصلة والمنقطعة لا يجب على أحد منهم أن يعيد الصلاة إذا صلى الأولى بحسب استطاعته.
وقد ثبت في الصحيح أن الصحابة صلوا بغير ماء ولا تيمم لما فقدت عائشة عقدها ولم يأمرهم النبي ﷺ بالإعادة, بل أبلغ من ذلك أن من كان يترك الصلاة جهلا بوجوبها لم يأمره بالقضاء, فعمرو, وعمار لما أجنبا وعمرو لم يصل وعمار تمرغ كما تتمرغ الدابة لم يأمرها بالقضاء, والمستحاضت لما استحاضت حيضة شديدة منكرة منعتها الصلاة والصوم لم يأمرها بالقضاء.
والذين أكلوا في رمضان حتى يتبين لأحدهم الحبل الأبيض من الحبل الأسود لم يأمرهم بالقضاء, وكانوا قد غلطوا في معنى الآية فظنوا أن قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ ١ هو حبل فقال النبي
стр. 60
صلى الله عليه وسلم "إنما هو سواد الليل وبياض النهار" ولم يأمرهم بالقضاء, والمسيء في صلاته لم يأمرهم بإعادة ما تقدم من الصلوات, والذين صلوا إلا البيت المقدس بمكة والحبشة وغيرهما بعد أن نسخت "بالأمر بالصلاة إلى الكعبة" وصاروا يصلون إلى الصخرة حتى بلغهم النسخ لم يأمرهم بإعادة ما صلوا, وإن كان هؤلاء أعذر من غيرهم لتمسكهم بشرع منسوخ.
وقد اختلف العلماء في خطاب الله ورسوله هل يثبت حكمه في حق العبيد قبل البلاغ؟ علل ثلاثة أقوال, في مذهب أحمد وغيره. قيل يثبت وقيل لا يثبت, وقيل يثبت المبتدأ دون الناسخ, والصحيح ما دل عليه القرآن في قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ ١ وقوله: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ ٢ وفي الصحيحين عن النبي ﷺ "ما أحد أحب إليه العذر من الله من أجل ذلك أرسل الرسل مبشرين ومنذرين" ٣.
فالمتأول الجاهل والمعذور ليس حكمه حكم المعاند والفاجر بل جعل الله لكل شيء قدرا.
стр. 61
الكبر المباين للإيمان لا يدخل صاحبه الجنة: ١
سئل ﵀ عن معنى قوله صلى اله عليه وسلم: "لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من الكبر" هل هذا الحديث مخصوص بالمؤمنين, أم بالكفار؟ فإن قلنا مخصوص بالمؤمنين فقولنا ليس بشيء, لأن المؤمنين يدخلون الجنة بالإيمان. وإن قلنا مخصوص بالكافرين فما فائدة الحديث.
فأجاب:
لفظ الحديث في الصحيح: "لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من كبر, ولا يدخل النار من في قلبه مثقال ذرة من إيمان" فالكبر المباين للإيمان لا يدخل صاحبه الجنة كما في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ ٢ ومن هذا كبر إبليس, وكبر فرعون وغيرهما ممن كان كبره منافيا للإيمان, وكذلك كبر اليهود والذين أخبر الله عنهم بقوله: ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ﴾ ٣.
والكبر كله مباين للإيمان الواجب, فمن في قلبه مثقال ذرة من كبر لا يفعل ما أوجب الله عليه ويترك ما حرم عليه, بل كبره يوجب له جحد الحق, واحتقار الخلق, وهذا هو الكبر, الذي فسره النبي ﷺ حيث سئل في تمام الحديث, فقيل يا رسول الله! الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا, ونعله حسنا, فمن الكبر ذاك؟ فقال: "لا إن الله جميل يحب الجمال, الكبر بطر
стр. 62
الحق, وغمط الناس" ١ وبطر الحق جحده ودفعه, وغمط الناس ازدراؤهم واحتقارهم فمن في قلبه مثقال ذرة من هذا يوجب له أن يجحد الحق الذي يجب عليه أن يقربه, وأن يحتقر الناس, فيكون ظالما لهم متعديا عليهم, فمن كان مضيعا للحق الواجب, ظالما للخلق, لم يكن من أهل الجنة, ولا مستحقا لها, بل يكون من أهل الوعيد.
فقوله: "لا يدخل الجنة" متضمن لكونه ليس من أهلها, ولا مستحقا لها لكن إذا تاب, أو كانت له حسنات ماحية لذنبه, أو ابتلاه الله بمصائب كفر بها خطاياه, ونحو ذلك, زال ثمرة هذا الكبر المانع له من الجنة, فيدخلها, أو غفر الله له بفضل رحمته من ذلك الكبر نفسه, فلا يدخلها ومعه شيء من الكبر, ولهذا قال: من قال في هذا الحديث وغيره: إن المنفي هو الدخول المطلق الذي لا يكون معه عذاب, لا الدخول المقيد الذي يحصل لمن دخل النار ثم دخل الجنة, فإنه إذا أطلق في الحديث فلان في الجنة, أو فلان من أهل الجنة, كان المفهوم أنه يدخل الجنة ولا يدخل النار.
فإذا تبين هذا كان معناه أن من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر ليس هو من أهل الجنة, ولا يدخلها بلا عذاب, بل هو مستحق للعذاب لكبره, كما يستحقها غيره من أهل الكبائر, ولكن قد يعذب في النار ما شاء الله, فإنه لا يخلد في النار احد من أهل التوحيد, وهذا كقوله: "لا يدخل الجنة قاطع رحم" ٢
стр. 63
وقوله "لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا, ولا تؤمنوا حتى تحابوا, ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ افشوا السلام بينكم" ١ وأمثال هذا من أحاديث الوعيد, وعلى هذا فالحديث عام في الكفار وفي المسلمين.
وقول القائل: إن المسلمين يدخلون الجنة بالإسلام, فيقال له: ليس كل المسلمين يدخلون الجنة بلا عذاب, بل أهل الوعيد يدخلون النار, ويمكثون فيها ما شاء الله, مع كونهم ليسوا كفارا, فالرجل الذي معه شيء من الإيمان, وله كبائر قد يدخل إلى النار, ثم يخرج منها: إما بشفاعة النبي ﷺ وإما بغير ذلك: كما قال ﷺ : "شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي" ٢ وكما في الصحيح أنه قال: "أخرج من النار من في قلبه مثقال ذرة من إيمان" ٣ وهكذا الوعيد في قاتل النفس والزاني وشارب الخمر وآكل مال اليتيم ومشاهد الزور, وغير هؤلاء من أهل الكبائر, فإن هؤلاء –وإن لم يكونوا كفارا- لكنهم ليسوا من المستحقين للجنة الموعودين بها بلا عقاب.
ومذهب أهل السنة والجماعة: أن الفساق أهل الملة ليسوا مخلدين في النار كما قالت الخوارج والمعتزلة, وليسوا كاملين في الدين والإيمان والطاعة, بل لهم حسنات وسيئات يستحقون بهذا العقاب وبهذا الثواب.
стр. 64
في الكفر أغلظ, وفي الإيمان أفضل: ١
واعلم أن الكفر بعضه أغلظ من البعض, فالكافر المكذب أعظم جرما من الكافر غير المكذب, فإنه جمع بين ترك الإيمان المأمور به وبين التكذيب المنهي عنه. ومن كفر وكذب وحارب الله ورسوله والمؤمنين بيده أو لسانه أعظم جرما ممن اقتصر على مجرد الكفر والتكذيب, ومن كفر وقتل وزنا وسرق وصد وحارب كان أعظم جرما.
كما أن الإيمان بعضه أفضل من بعض, والمؤمنون فيه متفاضلون تفاضلا عظيما, وهم عند الله درجات, كما أن أولئك دركات فالمقتصدون في الإيمان أفضل من ظالمي أنفسهم, والسابقون بالخيرات أفضل من المقتصدين, ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ ... ﴾ ٢ الآيات, ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ﴾ ٣.
وإنما ذكرنا أن أصل الإيمان مأمور به, وأصل الكفر نقيضه, وهو ترك هذا الإيمان المأمور به وهذا الوجه قاطع بين.
стр. 65
حد الكبيرة والصغيرة: ١
وسئل عن الذنوب الكبائر المذكورة في القرآن والحديث. هل لها حد تعرف به؟ وهل قول من قال: إنها سبع, أو سبعة عشر, صحيحا؟ أو قول
стр. 66
من قال: إنها ما اتفقت فيها الشرائع –أعني تحريمها- أو أنها ما تسد باب المعرفة بالله؟ أو أنها ما تذهب الأموال والأبدان؟ أو أنها إنما سميت كبائر بالنسبة والإضافة إلى ما دونها؟ أو أنها لا تعلم أصلا, وأبهمت كليلة القدر؟ أو ما يحكي بعضهم أنها إلى التسعين أقرب, أو كل ما نهى الله عنه فهو كبيرة, أو أنها ما رتب عليها حد, أو ما توعد عليها النار؟
فأجاب:
الحمد لله رب العالمين. أمثل الأقوال في هذه المسألة القول المأثور عن ابن عباس, وذكره أبو عبيد, واحمد بن حنبل, وغيرهما وهو أن الصغيرة ما دون الحدين: حد الدنيا, وحد الآخرة. وهو معنى قول من قال: ما ليس فيها حد في الدنيا. وهو معنى قول من قال: كل ذنب ختم بلعنة, أو غضب, أو نار, فهو من الكبائر.
ومعنى قول القائل: وليس فيها حد في الدنيا, ولا وعيد في الآخرة, أي "وعيد خاص" كالوعيد بالنار, والغضب, واللعنة. وذلك لأن الوعيد الخاص في الآخرة كالعقوبة الخاصة في الدنيا. فكما أنه يفرق في العقوبات المشروعة للناس بين العقوبات المقدرة بالقطع, والقتل, وجلد مائة, أو ثمانين, وبين العقوبات التي يعزر الله بها العباد –في غير أمر العباد بها- بين العقوبات المقدرة: كالغضب, واللعنة, والنار. وبين العقوبات المطلقة.
وهذا "الضابط" يسلم من القوادح الواردة على غيره, فإنه يدخل كل ما ثبت في النص أنه كبيرة: كالشرك, والقتل, والزنا, والسحر, وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات. وغير ذلك من الكبائر التي فيها عقوبات مقدرة مشروعة, وكالفرار من الزحف, وأكل مال اليتيم, وأكل الربا, وعقوق الولدين, واليمين الغموس, وشهخادة الزور, فإن هذه الذنوب وأمثالها فيها وعيد خاص, كما قال في الفرار من الزحف: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى
стр. 67
فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ ١ وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً﴾ ٢ وقال: ﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ ٣ وقال: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ, أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾ ٤. وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً أُولَئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ٥.
وكذلك كل ذنب توعد صاحبه بأنه لا يدخل الجنة, ولا يشم رائحة الجنة, وقيل فيه: من فعله فليس منا, وأن صاحبه آثم, فهذه كلها من الكبائر لقوله ﷺ : "لا يدخل الجنة قاطع ... " وقوله: "لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من كبر" ٦ وقوله: "من غشنا فليس منا" ٧ وقوله: "من حمل علينا السلاح فليس منا" ٨. وقوله: "لا يزني الزاني وهو مؤمن,
стр. 68
ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن, ولا يشرب الخمر حين يشرب وهو مؤمن, ولا ينتهب نهبة ذات شرف يرفع الناس إليه فيها أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن" ١.
وذلك لأن نفي الإيمان, وكونه ليس من المؤمنين, ليس المراد به ما يقوله المرجئة: إنه ليس من خيارنا, لو ترك ذلك لم يلزم أن يكون من خيارهم وليس المراد به ما يقوله الخوارج: إنه صار كافرا, ولا ما يقوله المعتزلة: من أنه لم يبق معه من الإيمان شيء, بل هو مستحق للخلود في النار لا يخرج منها. فهذه كلها أقوال باطلة.
ولكن المؤمن المطلق في باب الوعد والوعيد, وهو المستحق لدخول الجنة بلا عقاب, هو المؤدي للفرائض, المجتنب المحارم, وهؤلاء هم المؤمنون عند الإطلاق, فمن فعل هذه الكبائر لو يكن من هؤلاء المؤمنين, إذ هو متعرض للعقوبة على تلك الكبيرة, وهذا معنى قول من قال: أراد به نفي حقيقة الإيمان, أو نفي كمال الإيمان, فإنهم لم يريدوا نفي الكمال المستحب, فإن ترك الكمال المستحب لا يوجب الذم والوعيد, والفقهاء يقولون: الغسل ينقسم إلى: كامل, ومجزئ. ثم من عدل الغسل الكامل إلى المجزئ لم يكن مذموما.
فمن أراد بقوله "نفي كمال الإيمان" أنه نفي الكمال المستحب, فقد غلط. وهو يشبه قول المرجئة, ولكن يقتضي نفي الكمال الواجب. وهذا مطرد في سائر ما نفاه الله ورسوله: مثل قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً –إلى قوله- أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً﴾ ٢ ومثل الحديث المأثور: "لا إيمان لمن لا أمانة له, ولا دين لمن لا عهد
стр. 69
له" ١ ومثل وقوله صلى اله عليه وسلم: "لا صلاة إلا بأم القرآن" ٢ وأمثال ذلك فإنه لا ينفي مسمى الاسم إلا لانتفاء بعض ما يجب في ذلك, لا لانتفاء بعض مستحباته. فيفيد هذا الكلام أن من فعل ذلك فقد ترك الواجب الذي لا يتم الإيمان الواجب إلا به, وإن كان معه بعض الإيمان. فإن الإيمان يتبعض ويتفاضل, كما قال ﷺ : "يخرج من النار من في قلبه مثقال ذرة من إيمان" ٣.
والمقصود هنا أ، نفي الإيمان والجنة, أو كونه من المؤمنين, لا يكون إلا عن كبيرة, أما الصغائر فلا تنفي هذا الاسم والحكم عن صاحبها بمجردها, فيعرف أن هذا النفي لا يكون لترك مستحب, ولا لفعل صغيرة, بل لفعل كبيرة.
стр. 70
ما يكفر به الشخص عند أهل السنة وما لا يكفر به:٤
إنه قد تقرر من مذهب أهل السنة والجماعة ما دل عليه الكتاب والسنة أنهم لا يكفرون أحدا من أهل القبلة بذنب, ولا يخرجونه من الإسلام بعمل إذا كان فعلا منهيا عنه, مثل الزنا والسرقة وشرب الخمر, مالم يتضمن ترك الإيمان, وأما إن تضمن ترك ما أمر الله بالإيمان به مثل: الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله
стр. 71
والبعث بعد الموت فإنه يكفر به, وكذلك يكفر بعدم اعتقاد وجوب الواجبات الظاهرة المتواترة, وعدم تحريم المحرمات الظاهرة المتواترة.
فإن قلت بالذنوب تنقسم إلى ترك مأمور به وفعل منهي عنه.
قلت: لكن المأمور به إذا تركه العبد فإما أن يكون مؤمنا بوجوبه, أو لا يكون. فإن كان مؤمنا بوجوبه تاركا لأدائه فلم يترك الواجب كله, بل أدى بعضه وهو الإيمان به, وترك بعضه وهو العمل به. وكذلك المحرم إذا فعله, فإما أن يكون مؤمنا بتحريمه, أو لا يكون, فإن كان مؤمنا تحريمه فاعلا له فقد جمع بين أداء ولجب وفعل محرم, فصار له حسنة وسيئة, والكلام إنما هو فيما لا يعذر بترك الإيمان بوجوبه وتحريمه من الأمور المتواترة, وأما من لم يعتقد ذلك فيما فعله أو تركه, بتأويل أو جهل يعذر به, فالكلام في تركه هذا الاعتقاد كالكلام فيما فعله أو تركه بتأويل أو جهل يعذر به.
وأما كون ترك الإيمان بهذه الشرائع كفرا, وفعل المحرم المجرد ليس كفرا: فهذا مقرر في موضعه, وقد دل على ذلك كتاب الله في قوله: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّين﴾ ١ إذ الإقرار بها مراد الاتفاق, وفي ترك الفعل نزاع. وكذلك قوله: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ ٢, فإن عدم الإيمان بوجوبه وفعله يجب أن يكون مرادا من هذا النص, كما قال من قال من السلف: هو من لا يرى حجه برا ولا تركه إثما, وأما الترك المجرد ففيه نزاع.
стр. 72
وأيضا حديث أبي بردة بن نيار لما بعثه النبي صلى لله عليه وسلم إلى من تزوج امرأة أبيه فأمره أن يضرب عنقه ويخمس ماله, فإن تخميس المال دل على أنه كان كافرا لا فاسقا, وكفره بأنه لم يحرم ما حرم الله ورسوله.
وكذلك الصحابة مثل عمر وعلي وغيرهما, لما شرب الخمر قدامة بن عبد الله وكان بدريا, وتأول أنها تباح للمؤمنين المصلحين, وأنه منهم بقوله: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ ١ الآية فاتفق الصحابة على أنه إن صر قتل, وإن تاب جلد فتاب فجلد.
وأما الذنوب في القرآن قطع السارق وجلد الزاني, ولم يحكم بكفرهم, وكذلك فيه اقتتال الطائفتين مع بغي أحدهما على الأخرى, والشهادة لهما بالإيمان والأخوة, وكذلك فيه قاتل النفس الذي يجب عليه القصاص جعله أخا, وقد قال الله فيه: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ ٢ فسماه أخا وهو قاتل.
وقد ثبت في الصحيحين حديث أبي ذر لما قال له النبي ﷺ عن جبريل: "من قال لا إله إلا الله دخل الجنة, وإن زنا, وإن سرق, وإن شرب الخمر, على رغم أنف أبي ذر" وثبت في الصحاح حديث أبي سعيد وغيره في الشفاعة في أهل الكبائر, وقوله: "أخرجوا من النار من كان في قلبه مثقال برة من إيمان, مثقال حبة من إيمان, مثقال ذرة من إيمان".
فهذه النصوص كما دلت على أن ذا الكبيرة لا يكفر مع الإيمان, وأنه يخرج من
стр. 73
النار بالشفاعة خلافا للمبتدعة من الخوارج في الأولى, ولهم وللمعتزلة في الثانية نزاع: فقد دلت على أن الإيمان الذي خرجوا به النار هو حسنة مأمور بها, وأنه لا يقاومها شيء من الذنوب.
стр. 74
الحسنات يذهبن السيئات:
إن الحسنات التي هي فعل المأمور به تذهب بعقوبة الذنوب والسيئات التي هي فعل المنهي عنه, فإن فاعل المنهي يذهب إثمه بالتوبة, وهي حسنة مأمور بها, وبالأعمال الصالحة المقاومة وهي حسنات مأمور بها, وبدعاء النبي ﷺ وشفاعته ودعاء المؤمنين وشفاعتهم, وبالأعمال الصالحة التي تهدي إليه, وكل ذلك من الحسنات المأمور بها.
فما من سيئة هي فعل منهي عنه إلا لها حسنة تذهبها هي فعل مأمور به حتى الكفر, سواء كان وجوديا أو عدميا, فإن حسنة الإيمان تذهبه, كما قال تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ ١, وقال النبي ﷺ : "الإسلام يجب ما كان قبله" وفي رواية "يهدم ما كان قبله" رواه مسلم.
وأما الحسنات فلا تذهب ثوابها السيئات مطلقا, فإن حسنة الإيمان لا تذهب إلا بنقيضها وهو الكفر, لأن الكفر ينافي الإيمان, فلا يصير الكافر مؤمنا, فلو زال الإيمان زال ثوابه لا لوجود سيئة, ولهذا كان كل سيئة لا تذهب بعمل لا يزول ثوابه, وهذا متفق عليه بين المسلمين حتى المبتدعة والخوارج والمعتزلة, فإن الخوارج يرون الكبيرة موجبة للكفر المنافي للإيمان, والمعتزلة يرونها مخرجة له من الإيمان وإن لم يدخل بها في كفر, وأهل السنة والجماع يرون أصل إيمانه باقيا, فقد اتفقت الطوائف على أنه مع وجود إيمانه لا يزول ثوابه بشيء من
стр. 75
السيئات والكفر, وإن كانوا متفقين على أن مع وجوده لا يزول عقابه بشيء من الحسنات, فذلك لأن الكفر يكفي فيه عدم الإيمان ولا يجب أن يكون أمرا موجودا كما تقدم, فعقوبة الكفر هي ترك الإيمان, وإن انضم إليها عقوبات على ما فعله من الكفر الوجودي أيضا.
وكذلك فقد روي في بعض ثواب الطاعات المأمور بها ما يدفع ويرفع عقوبة المعاصي المنهي عنها, فإذا كان جنس ثواب الحسنات المأمور بها ما يدفع عقوبة كل معصية, وليس جنس عقوبات السيئات المنهي عنها يدفع ثواب كل حسنة, ثبت رجحان الحسنات المأمور بها على ترك السيئات المنهي عنها. وفي هذا المعنى ما ورد في فضل لا إله إلا الله, وأنها تطفئ نار السيئات, مثل حديث البطاقة وغيره.