دفع إليه الرطبة وهي قداح على أن يقوم عليها ويسقيها حتى يخرج بزرها فما أخرج الله من شيء فالرطبة والبزر بينهما نصفان كانت معاملة جائزة.
وقال أبو ثور إذا دفع رجل إلى رجل نخلا فيه طلع أو بسر قد اخضر أو احمر أو قد انتهى وعظم وليس يطعم بعد ولم يرطب وكان يحتاج إلى سقي وتعاهد حتى يرطب ويصير ثمرا كانت هذه المعاملة جائزة وإن كان إذا عظم وانتهى لم يحتج إلى القيام عليه كانت المعاملة في ذلك باطلة وفيما دون ذلك جائزة وان عامله عليه وقد انتهى فكانت المعاملة فاسدة فقام عليه وحفظه كانت الثمرة لصاحب النخل وللعامل كراء مثله وكذلك الكرم والشجر وكل شيء له أصل قائم قال وإذا دفع الرجل إلى الرجل رطبة قد صارت قداحا مثل قول أبي يوسف وقال إن دفعها وقد انتهت ولم يخرج لها بزر فقال قم عليها حتى يخرج بزرها فما كان من شيء فبيننا١ نصفان من البزر والرطبة فهذا جائز وذلك إن خروج البزر زيادة فيها وكذلك ما كان من زيادة تحدث كان ذلك جائزا.
стр. 177
واختلفوا في حكمها إذا دفع إليه نخلا أو شجرا قد علق في الأرض ولم يطعم على أن ما خرج من شيء فبينهما على ما اشترطا
فقال مالك لا يجوز أن يساقى على شجر لم يثمر لأنه تعظم مؤونته وإنما تجوز المساقاة فيما خفت مؤونته "حدثنا بذلك يونس عن ابن وهب عنه".
وقال أبو يوسف ومحمد إذا لم يكن الشجر أطعم وان كان قد علق في الأرض فالمعاملة عليها فاسدة فإن عمل العامل فما خرج من ذلك من شيء فلرب الأرض وما عمل فله كراء مثله قالا وان دفع إليه سنين على أن
стр. 178
يقوم عليه ويلقحه فما أخرج الله من ذلك من شيء فهو والأصول بينهما نصفان كان جائزا قالا وإذا أطعم الشجر وبلغ فليس لربه أن يعطيه معاملة على أن يكون للعامل نصفه وإنما تجوز المعاملة عند ذلك على الثمرة.
وقال أبو ثور إذا كانت الأشجار والنخيل قد علقت ولم تطعم فالمعاملة على أن ما أخرج الله من شيء١ بينهما على ما تشارطا جائزة إذا كانت معاملة على سنين معلومة ولو دفعها معاملة سنين معلومة على أن ما أخرج الله فبينهما نصفان مع الأصول كانت معاملة فاسدة.
стр. 179
واختلفوا في حكم الدافع أرضه إلى رجل على أن يغرس المدفوعة إليه الأرض على أن ما أخرج الله من غرس فبينهما
فقال مالك فيما "حدثني يونس عن أشهب عنه" أنه سئل عن الرجل يعطي الرجل الأرض البيضاء فيقول له اغرس هذه نخلا أو رمانا فإذا بلغت فهي بيني وبينك فقال لا بأس بذلك لم يزل هذا من أمر الناس عندنا١ ها هنا ثم٢ قيل أرأيت الرمان أيطول ثبوتها إذا غرست ورمانها٣ فقال نعم إنها دوحة من الدوح. وقلت له إذا غرس هذا الغارس وبلغ الأصل كان له نصف ذلك إن شاء باع وان شاء قاسمه فقال نعم إذا غرسه إن شاء باع نصفه وان شاء قاسمه يصنع به ما شاء٤. فقلت له ولا يكون ذلك حتى يثبت الأصل فقال نعم.
وعلى قول الشافعي المعاملة على ذلك باطلة.
стр. 180
وهو قول أبي حنيفة.
وقال أبو يوسف ومحمد لا بأس بذلك وقالا إذا دفع رجل إلى رجل أرضا بيضاء وغرسا فقال اغرس أرضي هذه وقم عليها واسقها فما أخرج الله من شيء فهو بيننا نصفان فعمل على ذلك فما خرج من شيء فلرب الأرض وعليه كراء العامل.
وقالا إن دفع رجل إلى رجل أرضا بيضاء على أن يغرسها نخلا وشجرا وكرما سنين على أن ما أخرج الله من ذلك من شيء فهو بينهما نصفان مع الأرض فهي معاملة فاسدة فإن أخذها على هذا وعمل فيها فما أخرجت الأرض من شيء فلصاحب الأرض ولصاحب الغرس قيمة غرسه وأجر مثله لأنه حين اشترط شيئا من الأرض يغرسها كان ما غرس لصاحب الأرض.
قالا وكذلك لو قال رب الأرض أغرسها على أن ما خرج من شيء فبيننا نصفان وعلى أن لك مائة درهم أوكر حنطة أو عرضا من العروض وقالا لو دفع رجل إلى رجل أرضا بيضاء على أن يزرعها كرا من حنطة سنة ويقوم عليها ويسقيه فما أخرج الله من شيء فبينهما نصفان وعلى أن للمزارع على رب الأرض مائة درهم أو شيئا من العروض موصوفا أو بعينه فعمل على ذلك كان ما خرج من شيء لرب الأرض وللزارع عليه كر مثل كره وأجر مثله أخرجت الأرض شيئا أو لم تخرج.
وإن دفع رجل إلى رجل أرضا على أن يزرعها ويغرسها ما شاء من غلة الصيف والشتاء فما أخرج الله من شيء فبينهما نصفان وعلى أن لرب الأرض على الزارع مائة درهم فعمل على ذلك فما خرج من شيء فهو للمزارع وعليه
стр. 181
كراء مثل أرضه يأخذ من ذلك ما لزمه ويتصدق بالفضل.
فإن كان البذر والغرس من عند رب الأرض واشترط رب الأرض على العامل مائة درهم يعطيه على أن ما خرج من شيء فبينهما كانت معاملة فاسدة وما خرج من شيء فللمزارع وعليه قيمة الغرس ومثل البذر وأجر الأرض وذلك أن المزارع كأنه اشترى غرسه وبذره واستأجر أرضه بمائة درهم ونصف ما خرج منها قالا ولو دفع رجل إلى رجل نخلا أو شجرا أو كرما فقال قم عليه واسقه ولقح نخله واكسح كرمه فما خرج من شيء فبيني وبينك ولك علي مائة درهم أو قال صاحب الأرض للعامل لي عليك مائة درهم أو قال اعمله لنفسك أو اعمله لي أو قال اعمله ولم يقل لي ولا لك فذلك كله سواء فما خرج من ذلك من شيء فهو لصاحب الأرض وللعامل كراء مثله.
وقال أبو ثور إذا دفع رجل إلى رجل أرضا بيضاء على أن يغرسها نخلا وشجرا وكرما سنين على أن ما أخرج الله من ذلك من شيء فهو بينهما نصفان وكذلك الأرض بينهما نصفان فهذه معاملة فاسدة فإن أخذها على هذا وعمل فيها فما أخرجت الأرض من ثمرة فلصاحب الغرس ويقلع غرسه ويكون له على صاحب الأرض ما بين غرسه قائما ومقلوعا وذلك أنه غره ويكون لصاحب الأرض على صاحب الغرس كراء مثل أرضه وما نقص أرضه وذلك أنه غره.
وأي موضع أفسدنا المعاملة وقد زرع أو غرس العامل فالزرع لرب البذر والغرس لربه كان اشترط الذي له البذر على الآخر دراهم أو لم يشترط أو اشترط الذي ليس له من البذر والغرس شيء أو لم يشترط وإن دفع رجل إلى رجل أرضا بيضاء وغرسا فقال اغرس أرضي هذه فما أخرج الله من شيء فلرب الأرض وعليه مثل كراء العامل.
стр. 182
واختلف الذين أجازوا المعاملة على النخل والأصول فيما يجوز اشتراطه على العدل
١فقال مالك:٢ في السنة في المساقاة التي يجوز٣ لصاحب الأرض أن يشترطها على٤ المساقي ٥سد الحظار وخم العين٦ وسرو الشرب٧ وإبار النخل وقطع الجريد٨ وجد الثمر٩ وما أشبه على أن للمساقي شطر الثمر أو أقل من ذلك أو أكثر إذا تراضيا عليه غير أن صاحب الأصل لا يشترط١٠ على من ساقى عملا جديدا يحدثه فيها من بئر يحفرها أو عين يرفعها أو غراس يغرسه يأتي به من عنده أو ضفيرة يثبتها تعظم فيها١١ وإنما ذلك بمنزلة أن يقول رب الحائط لرجل من الناس ابن لي ها هنا بيتا أو احفر لي بئرا أو أجر لي عينا أو إعمل لي عملا بنصف ثمر حائطي هذا قبل أن يطيب ثمر الحائط١٢ ويجوز بيعه فهذا بيع الثمر قبل أن
стр. 183
يبدو صلاحه وقد نهى رسول الله صلي الله عليه وسلم عن ذلك فأما إذا طاب الثمر وحل بيعه ثم قال رجل لرجل اعمل لي بعض هذه الأعمال١ بنصف ثمر حائطي٢ فإنما استأجره بشيء٣ معلوم معروف قد رآه ورضيه.
٤وأما المساقاة فإنه إن لم يكن للحائط ثمر أو قل٥ أو فسد فليس له إلا ذلك "حدثني بذلك يونس عن ابن وهب عنه"٦.
و"حدثني يونس عن أشهب قال سئل مالك" عن الشرط على الرجل الداخل في المساقاة أن٧ عليك إصلاح القفة والتل والزرنوق فقال لا بأس بذلك إلا الزرنوق فلا يشترط عليه أرأيت لو انهدم البئر أيكون عليه وسئل فقال له رجل ساقيت حائطي وشرطت على الداخل أن عليه نقل تراب قد رآه وعرفه فقال أصل السقاء ليس بجائز وما أراه حسنا في ذلك أنك شرطت عليه نقل ذلك التراب وإنما كان يكون عليك قال ولا بأس أن لا يشترط رب الحائط على الداخل الخرص ولا يصلح أن يشترطه الداخل على رب الأرض.
стр. 184
١وقال الشافعي: ٢كلما كان مستزادا في٣ الثمر من إصلاح٤ الماء وطريق الماء وتصريف الجريد٥ وأبار النخل وقطع الحشيش الذي يضر بالنخل وينشف عنه الماء حتى يضر بثمرتها جاز شرطه على المساقاة فأما سد٦ الحظار فليس فيه مستزاد٧ ولا صلاح٨ في الثمر٩ ولا يصلح شرطه على المساقي فإن قال فإن أصلح للنخل أن١٠ تسد الحظار١١ كذلك أصلح لها أن يبنى عليها١٢ حظار لم١٣ تكن وليس هذا١٤ الإصلاح من الاستزادة في شيء من النخل إنما هو دفع الداخل "حدثنا بذلك عنه الربيع"١٥.
وقال أبو يوسف ومحمد إن اشترط رب النخل أو الغرس على العامل على أن يقوم عليه ويكسحه ويلحقه ويسقيه فذلك جائز فإن اشترط عليه صرام الثمرة أو لقاط الرطب أو جداد البسر أو لقاط ما يلقط مثل الباذنجان وثمر الشجر فذلك باطل والمعاملة على هذا الشرط فاسدة فإن عمل كان له
стр. 185
كراء مثله وما أخرج النخل من شيء فلصاحبه وكذلك إن اشترط أحدهما على صاحبه الحصاد أو الدياسة أو حمله إلى موضع من المواضع كانت مزارعه فاسدة.
قال وإذا استحصد الزرع فالحصاد عليهما جميعا في المزارعة الصحيحة وكذلك لو كان قصيلا فأراد بيعه لم يكن على واحد منهما جزه وكان عليهما جميعا.
وقالا الحفظ على المزارع حتى يجف الزرع ويستحصد فإذا صار كذلك فمنعهم السلطان من الحصاد كان الحفظ عليهما جميعا وكذلك الثمر إذا صار تمرا أو إلى الجداد عليهما جميعا على قدر مالهما١.
وقال أبو ثور على العامل سقيه وكسحه وتلقيحه فإن اشترط صاحب الأرض في ذلك صرام النخل أو لقاط الرطب أو لقاط ما يلقط مثل الباذنجان وثمر الشجر فإن في هذا قولين أحدهما إن هذا جائز كما جاز لقحه وكسحه وغير ذلك والآخر إن هذا ليس مما يكون في المعاملة وذلك أن الثمرة إذا أدركت فقد انقضت المعاملة وصارت بينهما على ما اشترطا ولكل واحد منهما أن يأخذ حقه ويلزمه من الأجرة في صرامها ولقاطها ما يصيبه بقدر ما له فيها٢.
وأجمع الذين أجازوا المساقاة على أن للرجل أن يعقد عقدة مساقاة على سنين وإن كثرت إذا كانت معلومة محصورة بقدر يبينانه.
стр. 186
ثم اختلفوا في فسخ ما تعاقدا من ذلك بينهما إذا كان المريد للفسخ أحدهما دون صاحبه
فقال مالك إذا دخل المساقي في الحائط فلا يجوز لصاحب الحائط أن يخرجه منه حتى يتم عمله في المساقاة وليس للداخل أن يخرج أيضا حتى تتم مساقاته وإن ناسا ليقولون للداخل أن يخرج إذا بدا له وما يعجبني ذلك وما أراه له حتى يفرغ من شرطه إلا أن يتراضيا "حدثني بذلك يونس عن أشهب عنه". ١قال وسئل عن المساقي يسقي الشهر ثم تنهدم البئر أو تعور العين فقال إن كان الثمر قد جف فهو على مساقاته يقاسمه وإن لم يكن جف فإن أحب الداخل أن يعمر ويكون على مساقاته وإن أحب ترك المساقاة قيل له أرأيت إن ترك المساقاة أيكون له من الثمر بقدر ما عمل وسقى فقال ما أدري.
وعلى قول الشافعي إذا تعاقدا بينهما المساقاة إلى أجل معلوم فليس لواحد منهما أن يفسخها إلا برضى الآخر واجتماعهما على الفسخ.
وقال أبو يوسف ومحمد إذا وقعت عقدة المعاملة وتراضيا في المساقاة خاصة ثم قال الذي أخذ النخل معاملة لا أعمل في هذا ولا في غيره وأنا أريد ترك هذا العمل وأعمل في غيره أو أريد أن أسافر وأبى صاحب النخل أن يدعه فإنه يجبر على ذلك وليس شيء مما ذكرنا عذرا وكذلك لو قال صاحب النخل أنا أريد أن أعمل في نخلي وأقوم عليه وأخرجك منه لم يكن ذلك له وليس لصاحب النخل أن يخرجه إلا أن يكون عليه دين فادح ليس عنده قضاه إلا من ثمن ذلك النخل.
قالا وإن خرج في الشيء الذي أخذه معاملة أو اطلع فيه شيء
стр. 187
من الثمرة ثم لزم صاحب الأرض دين فادح لم تبع الأرض وكانت المعاملة إلى مدتها حتى تنقضي.١ قالا ومن العذر أن يكون العامل رجل سوء يخاف على فساد النخل وقطع السعف فلرب الأرض إخراجه من الأرض والعذر للعامل أن يمرض مرضا شديدا لا يستطيع أن يعمل أو يضعف عن ذلك.
وقالا إذا أخذ الأرض رجل بمزارعة على أن يزرعها هذه السنة ببذره وبقره فما أخرج الله منها من شيء فلصاحب الأرض النصف وله النصف فلما صحت المزارعة بينهما ودفع إليه قال المزارع لا أريد أن أزرع هذه السنة شيئا ولا أزرع هذه الأرض وأزرع غيرها فإن هذا له ولا يجبر على زرعها وله تركها ولا يلزمه شيء.
قالا ولو دفع رجل إلى رجل أرضا وبذرا فقال اعمل لي في أرضي هذه السنة وازرعها فما خرج من شيء فلك النصف فلما وقعت المزارعة قال الذي أخذ الأرض والبذر لا حاجة لي في ذلك ولست أزرع هذه السنة شيئا لم يكن له وأجبر على أن يزرع وذلك أنه في هذا الموضع أجير.
ولو قال رب الأرض في هذه المسألة بعدما انعقدت المزارعة بينهما لست أريد أن٢ يزرع أرضي وقال العامل أنا أريد ذلك لم يجبر صاحب الأرض على ذلك وكان ذلك إليه ولو كان العامل أخذ الأرض على أن يزرعها ببذره وبقره ونفسه سنة على أن ما يخرج من شيء فبينهما نصفان فلما وقعت العقدة قال صاحب الأرض لست أريد أن يزرع أرضي هذه السنة وقال العامل أنا أريد ذلك لم يكن لصاحب الأرض أن يمنعه ذلك ولا يحول بينه وبينها إلا من
стр. 188
عذر والعذر أن يكون على صاحب الأرض دين ليس عنده قضاه إلا من١ ثمن هذه الأرض فتباع.
وقال أبو ثور إذا دفع رجل إلى رجل شيئا له أصل معاملة فأراد أن يخرج صاحب الأرض العامل قبل أن تنقضي المدة لم يكن ذلك له وكان عليه أن يدعه حتى تنقضي المدة التي بينهما ولا يكون له عذر في شيء مما نزل به حتى تمضي المدة وكذلك العامل لو قال لصاحب الأرض لا حاجة لي في العمل لم يكن ذلك له حتى تنقضي المدة وكل شيء انعقد بين اثنين فليس لأحدهما إبطاله إذا كان الشيء لا يبطل إلا بهما فأما إذا اختلفوا فالشيء بحاله لا يبطل باحدهما ولا بعذر كان من أحدهما إذا اختلفوا إلا أن يجمع أهل العلم من ذلك على شيء أو تكون سنة تبين ذلك.
فإن ضعف العامل عن القيام بذلك فأقام٢ رجلا مقامه في ذلك كان ذلك له ولم يكن لصاحب الأرض منعه من ذلك وإن قال العامل لا حاجة لي في ذلك ولم يكن عنده ما يكتري٣ به رجلا اكترى صاحب الأرض عليه رجلا يقوم مقامه فيعطيه ما يصيبه من الثمرة أو يتراضيان من ذلك على شيء.
стр. 189
واختلفوا في حكمهما إن باعا الثمرة قبل الجداد أو مات أحدهما استحقت الثمرة
فقال مالك وسئل عن رجل كان في حائط مساقاة على النصف فيبيع الحائط فأراد الداخل في الحائط أن يخرج منه بشيء يعطاه فقال لا يصلح
стр. 190
شيء من ذلك إلا أن يخرج بغير شيء يأخذه أو يعمل حتى تتم مساقاته أرأيت لو كان صاحب الحائط نفسه هو١ بيعه ثم أراد أن يخرج منه بشيء يعطاه فهو مثله فلا يصلح من هذا شيء إلا أن يخرج منه بغير شيء أو يقيم على مساقاته قيل له أرأيت إن كان ساقاه على النصف فلما بيع الحائط أراد أن يخرج منه بأن يعطى سدس الثمر في الجداد فقال هو بمنزلة صاحب الحائط الأول لو لم يبع "حدثني بذلك يونس عن أشهب عنه".
و"أخبرني يونس عن ابن وهب عنه" قال سئل مالك عن الرجل يبتاع الأرض وقد ساقاها صاحبها رجلا قبل ذلك بسنين فقال المساقي أنا أحق به وليس له أن يخرجني فقال ليس له أن يخرجه حتى يفرغ من سقائه إلا أن يتراضيا وأخبرني يونس عن أشهب قال سألته عن الداخل في المساقاة يموت فقال إن لم يترك مالا ورغب ورثته في المساقاة فذلك لهم إذا كانوا أمناء أقوياء على ذلك وإن ترك مالا فرغب الذي ساقاه أن يأخذ ورثته بالمساقاة فذلك له عليهم.
وقال أبو يوسف ومحمد لا يجوز أن تباع الثمرة حتى تنقضي٢ الأجرة وإن كان بسرا أو طلعا لا في دين فادح ولا في غيره قالا فإن انقضت المعاملة والبسر أخضر بحاله فالخيار في ذلك إلى صاحب العمل إن أحب أن يعمل على ذلك كان له وإن أبى كان البسر بينهما٣ نصفان إلا أن يشاء صاحب الأرض أن يعطيه قيمة ما له ويكون البسر له ولو ...
خرم
стр. 191
كتاب الغصب
مدخل
...
كتاب الغصب
من اختلاف الفقهاء
تأليف أبي جعفر محمد بن جرير بن يزيد الطبري
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ ١ الآية وقال : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً﴾ ٢ الآية فنص ﵎ تحريم أكل أموالنا بيننا في كتابه بالباطل إلا بما أباحه لنا من التجارة عن التراضي٣ بيننا في كتابه وأوجب لآكل أموال اليتامى ظلما النار.
أجمل ذكر التحريم٤ لآكلها ظلما وباطلا في محكم تنزيله وأوضح المعاني التي يستحق بها٥ آكل مال غيره اسم الآكل ظلما وباطلا وما اللازم له من الأحكام في عاجل الدنيا وفسره على لسان رسول الله عليه وسلم
стр. 192
نقل بعض ذلك التفسير الكل مجمعين عليه عامتهم وخاصتهم.
ونقل بعضه الحجة مجمعة عليه وبعضه مختلفة فيه ونحن مبينو كل ذلك إن شاء الله بعونه وقته فانا به وله وصلى الله على محمد النبي وآله وسلم.
أجمع جميع الخاصة والعامة إن الله حرم أخذ مال امرء مسلم أو معاهد بغير حق إذا كان المأخوذ منه ماله غير طيب النفس بأن يؤخذ منه ما أخذ وأجمعوا جميعا أن آخذه على السبيل١ التي وصفنا بفعله آثم وبأخذه ظالم وأجمعت الحجة التي وصفناها جميعا أن آخذه على السبيل التي وصفنا إن كان اخذه من حرز مستخفيا بأخذه وبلغ المأخوذ ما يجب فيه القطع أنه يسمى بما أخذ سارقا وإن كان أخذه مكابرة من صاحبه في صحراء أنه يسمى محاربا وقد ذكرنا في كتاب المحاربين اختلافهم في اسمه إذا أخذ ذلك مكابرة في مصر فأغنى عن إعادته في هذا الموضع.
وأنه إن اخذ ما أخذ على السبيل التي وصفنا اختلاسا من يد صاحبه أنه يسمى مختلسا وأنه إن أخذه على هذه السبيل مما اوتمن عليه أنه يسمى خائنا وأنه إن اخذه على ما ذكرنا قهرا للمأخوذ منه وقسرا بغلبة ملك أو فضل قوة انه يسمى غاصبا٢.
стр. 193
خرم
١القيمة استحسانا٢.
٣وقال أبو ثور عليه ثمنها وثمن ولدها فإن كان ثمنها أنقص مما كان يوم غصبها بنقص دخلها كان عليه ما نقصها وإنما قلنا بالثمن لأن الجارية ليست بمستهلكة فلا٤ تجوز عليه القيمة وهي في يده ولم يحكم بها للمدعي لأنها قد صارت أم ولد له ولها منه ولد فلا يصدق على إبطال حقها وحق ولدها ولم يكن له أن يطأ ولا يستمتع بجارية لغيره إلا بشراء وأما الولد فإن كان٥ وطؤه وطء زناء لم يلحق به النسب٦ ولا يصدق على نفيهم لقوله وهو ولده في الحكم وهي أم ولد له وإذا مات عتقت.
стр. 194
١وقال إذا اغتصب رجل دارا فباعها وقبضها المشتري ثم أقر الغاصب أنه اغتصبها فإن لم تكن لرب الدار بينة كان على الغاصب ثمن الدار وذلك أنه أقر أنه أتلف مالا لإنسان ولا يقدر على تخليصه فعليه ثمنه.
وقياس قول مالك إن اقراره باطل وعليه ضمان قيمة الجارية للذي أقر له بها مع قيمة الولد.
стр. 195
واختلفوا في حكم المغصوب يجني عليه في يد الغاصب أو١ يجني أو٢ يصيبها ما ينقصها
٣فقال الشافعي: ٤إذا اغتصب رجل جارية فباعها٥ فجنى عليها أجنبي في يد المشتري أو الغاصب جناية تأتي على نفسها أو بعضها فأخذ الذي هي في٦ يده أرش الجناية٧ ثم استحقها المغصوب فهو بالخيار في أخذ أرش الجناية من يدي من أخذها إذا كانت نفسا أو تضمينه قيمتها على ما وصفنا وإن كانت جرحا فهو بالخيار في أخذ٨ أرش الجرح من الجاني والجارية من الذي
стр. 196
هي١ في٢ يده٣ أو تضمين الذي هي في٤ يده ما نقصها الجرح بالغا ما بلغ وكذلك إن كان المشتري قتلها أو جرحها فإن كان الغاصب قتلها فلمالكها عليه الأكثر من قيمتها يوم قتلها أو قيمتها في أكثر ما كانت قيمة لأنه لم يزل لها ضامنا. ٥فإن كان المغصوب ثوبا فباعه الغاصب من رجل فلبسه ثم استحقه المغصوب أخذه وكان له ما بين قيمته يوم٦ اغتصبه وبين قيمته التي نقصه إياها اللبس كأن قيمته يوم٧ غصب عشرة فنقصه اللبس خمسة فيأخذ ثوبه وخمسة وهو بالخيار في تضمين٨ الأرش للمشتري أو الغاصب فإن ضمن الغاصب فلا سبيل له على اللابس٩ وإذا١٠ اغتصب١١ جارية فأصابها عيب من السماء أو بجناية أحد فسواء وسواء أصابها ذلك عند الغاصب أو المشتري يسلك بما أصابها من العيوب١٢ التي من السماء ما يسلك بها في العيوب التي١٣ يجنيها عليها الأدميون١٤ وإذا اغتصب الرجل جارية فباعها من آخر محدث بها عند المشتري عيب ثم جاء المغصوب فاستحقها أخذها وكان بالخيار في أخذ ما
стр. 197
نقصها العيب من الغاصب١ فإن٢ أخذ منه لم يرجع على المشتري٣ وإن أخذه من المشتري رجع به المشتري على الغاصب٤ وبثمنها الذي أخذ منه لأنه لم يسلم٥ له ما اشترى وسواء كان العيب من السماء أو بجناية آدمى "حدثنا بذلك عنه الربيع".
وروى أبو ثور عن الشافعي أنه قال إذا اغتصب الرجل عبدا أو أمة فجنت٦ عليه جناية ثم جاء ربها فاستحقها أن على الغاصب أرش ما نقصها الجناية وذلك أن العبد والأمة إذا عرف بالجناية نقص من٧ أثمانها فليس على الغاصب إلا أقل الأمرين من الجناية والقيمة وذلك أن عليه أن يدفع الجارية أو العبد سليما كما أخذه.
وقال أبو حنيفة وأصحابه إذا اغتصب الرجل جارية وقيمتها ألف فجنى عليها إنسان وقيمتها ألفان ضمن ذلك رب الجارية الجاني ألفي درهم إن شاء وإن شاء ضمن الغاصب ألفا ويرجع الغاصب على الجاني بألفين فإن كان خطأ كان على عاقلته في ثلاث سنين فإذا أخذها الغاصب تصدق بألف وأخذ ألفا مكان ألفه وقالوا إن اغتصب رجل جارية أو عبدا فعطب عنده ضمن الغاصب قيمته بالغة ما بلغت ولو أن رجلا قتل عبد رجل ضمن القيمة إن كانت أقل من عشرة آلاف وإن كان أكثر ضمن عشرة آلاف إلا عشرة دراهم.
стр. 198
وإن اغتصب رجل عبدا أو أمة فجنت عنده جناية ثم جاء ربها فاستحقها قيل ادفع أو إفد فإن دفعها أو فداها كان له على الغاصب قيمتها وإن ماتت في يد الغاصب بعد الجناية كان عليه قيمتان قيمة الجارية للمولى فإذا دفعها قال١ له أولياء القتيل: هذه قيمة الجارية التي قتلت صاحبنا فيأخذونها منه ثم يرجع على الغاصب فيقول له هذه قيمة لم تسلم لي وذلك لما كان عندك من الجناية فيأخذ منه قيمة أخرى.
وإذا اغتصب دارا فسكنها أو لم يسكنها فانهدمت الدار فليس عليه شيء وذلك أنه لم يجرحها ولم يهدمها.
وقالوا في الحيوان كله إذا مات من غير أن يستخدمه أو يستعمله فعليه الضمان.
وقال أبو ثور إذا اغتصب جارية وقيمتها ألف فجنى عليها إنسان وقيمتها ألفان ضمن رب الجارية الجاني ألفين فإن لم يجده ضمن الغاصب الفي درهم وكان للغاصب أن يأخذ الجاني بقيمتها وذلك أنه استهلكها وهي في يده وقد ضمن قيمتها وإن جنت الجارية عند الغاصب جناية ثم جاء ربها فاستحقها مثل قول الشافعي.
وقال إن ماتت في يدي الغاصب بعد الجناية فإن عليه للجناية أن يدفع الثمن أو الفدية وكان عليه للمولى قيمتها وقال في الغصب إذا تلف في يدي الغاصب بجناية أو حدث من السماء مثل قول الشافعي سواء في ذلك الدور والحيوان.
وقياس قول مالك إن المغصوب إن كان عبدا أو أمة فجنى٢ عليهما
стр. 199
جان في يد الغاصب كان١ لربه أن٢ يتبع أيهما شاء إن شاء الغاصب وإن شاء الجاني فإن ضمن الغاصب رجع على الجاني بما ضمن وإن ضمن٣ الجاني لم يرجع على أحد بشيء وكذلك إن كان ثوبا وكل شيء.
стр. 200
واختلفوا في حكم غلة المغصوب
فقال مالك إذا آجر الغاصب المغصوب وكان دوابا فإن لأرباب الدواب إذا علموا ذلك كراء ما حمل عليه غرما عليه إن سلمت الدابة وإن تلفت خير أهل الدابة بين الثمن والكراء "حدثني بذلك يونس عن ابن وهب عنه" و"حدثني يونس عن أشهب عن مالك" أنه سئل عن رجل اشترى أرضا على ما يجوز له الشراء فمكثت في يده سنين يزرعها ويأكل غلتها ثم يجيء صاحبها فيستحقها وقد بذر فيها بذره وعمل فيها فيريد أن يأخذ أرضه وقد قال المشتري قد بذرت وسقيت وقد كان لي فيما مضى من السنين فهذه السنون مثلها فقال مالك ليس ذلك للذي يستحق وأرى له عليه كراء تلك السنة التي جاء فيها فقط.
وقال الشافعي:١ إذا اغتصب الرجل من الرجل٢ الدابة فاستغلها أو لم يستغلها ولمثلها غلة٣ أو دار فسكنها أو أكراها٤ أو لم يسكنها ولم يكرها ولمثلها
стр. 201
كراء أو شيئا١ ما كان مما له غلة استغله أولم يستغله انتفع به أولم ينتفع به فعليه كراء مثله من حين أخذه حتى٢ رده٣ ولا يكون لأحد غلة بضمان إلا للمالك "حدثنا بذلك عنه الربيع".
وقال أبو حنيفة وأصحابه إذا اغتصب الرجل دابة٤ رجلا فآجرها أوداره أو عبده فالأجرة للغاصب ويتصدق بها لأنه ضامن فلا يجتمع ضمان وأجرة.
وقالوا إن باع الغاصب الدابة وقد استعملها فماتت عند المشتري فأخذ رب الدابة المشتري بالقيمة فإن المشتري يرجع على الغاصب٥ ولا يكون للغاصب أن يعطي في٦ قيمتها للمشتري من غلتها شيئا إلا أن ٧يكون عنده وفاء فيعطي٨ منها.
وقال أبو ثور إذا اغتصب الرجل الدابة أو الدار أو العبد٩ فواجره فلا يحل له شيء من أجرته وأجرته فاسدة ولرب السلعة على المستأجر
стр. 202
مثل كراء سلعته ويرجع المستأجر على الغاصب بما أخذ منه من الأجرة١ وإذا اغتصب رجل شيئا فآجره فعطب عند الذي استأجره فأخذ رب السلعة٢ المستأجر بالقيمة وذلك عند عدم الغاصب فإن الإجارة فاسدة ويرجع رب السلعة على المستأجر بكراء المثل٣ وقيمة سلعته ويرجع المستأجر على الغاصب بالقيمة التي أخذت منه٤ للرقبة فقط لأنه غره.
стр. 203
واختلفوا في حكم المغصوب إذا خلطه الغاصب بشيء لا يتميز من ماله
فقال مالك إن الغاصب إذا اختلط المغصوب بما لا يتميز من ماله أن المغصوب منه والغاصب يضرب بقيمة ماله في ذلك وذلك أن يونس "حدثني عن ابن وهب عنه" أنه سئل عن الرجل يبضع معه القوم بضائع فيخلط مالهم كله ثم يموت قال يضرب كل انسان منهم في ذلك المال بقدر حقه.
وقال الشافعي:٥ في الشيء الذي يخلطه الغاصب بما اغتصب فلا يتميز٦ أو يغصب مكيال زيت فيصبه في زيت مثله أو خير منه فيقال
стр. 204
للغاصب إن شئت أعطيت مكيال١ زيت مثل زيته وإن شئت أخذت من هذا الزيت مكيالا ثم كان غير٢ مزداد إذا كان زيتك مثل زيته٣ وكنت تاركا للفضل إذا كان زيتك أكثر من زيته ولا خيار للمغصوب لأنه غير منتقص فإن كان صب ذلك المكيال في زيت شر من زيته٤ ضمن الغاصب له مثل زيته لأنه قد انتقص زيته بتصييره فيما هو شر منه٥ وإن كان صب زيته في بان أو شيرق أو دهن طيب أو سمن أو عسل ضمن في هذا كله لأنه لا يتخلص منه الزيت ولا يكون له أن يدفع إليه٦ مكيالا٧ منه وإن كان المكيال٨ منه خيرا من الزيت من قبل أنه غير الزيت٩.
قال ولو كان صبه في١٠ ماء ان خلصه منه حتى يكون زيتا لا ماء فيه١١ وتكون مخالطة الماء غير ناقصة له١٢ كان لازما للمغصوب أن يقبله وإن كانت مخالطة الماء ناقصة له في العاجل والمتعقب كان عليه أن يعطيه مكيالا مثله مكانه١٣. ١٤قال ولو غصبه زيتا فأغلاه على النار فنقص كان عليه
стр. 205
أن يسلمه إليه وما نقص مكيلته ثم إن كانت النار تنقصه شيئا في القيمة١ لم يكن عليه. ٢وقال ولو غصبه حنطة جيدة فخلطها برديئة كان كما٣ وصفت في الزيت٤ يغرم له مثلها بمثل كيلها إلا أن٥ يقدر على أن يميزها حتى تكون معروفة وإن خلطها٦ بمثلها أو أجود كان كما وصفت في الزيت٧ وإن خلطها بشعير أو ذرة أو حب غير الحنطة كان عليه أن يوخذ بتمييزها حتى يسلمها إليه بعينها بمثل كيلها وإن نقص كيلها٨ ضمنه "حدثنا بذلك عنه الربيع".
وقال أبو حنيفة وأصحابه إذا استودع رجل رجلا حنطة وآخر شعيرا فخلطهما فعلى المستودع حنطة وشعير لهما مثل ما استودعاه أو قيمة ذلك قالوا وإن كان الخلط من غيره فإن الحنطة والشعير يباعان ويقسم الثمن على قيمة حنطة هذا وعلى قيمة شعير هذا وكذلك كل غاصب خلط متاع الناس بعضه ببعض فإن باع صاحب الحنطة والشعير سلعتهما جزافا فقال صاحب الحنطة كانت حنطتي كرين وقال صاحب الشعير بل كانت كرا أو قال صاحب الشعير كان شعيري كرين وقال صاحب الحنطة بل شعيرك كان كرا أحلف كل واحد منهما لصاحبه واقتسما الثمن على ما أقر كل واحد منهما لصاحبه.
стр. 206
١وقال أبو ثور إذا خلط المستودع الحنطة والشعير كان الحنطة والشعير بين الرجلين فإن كان نقص من قيمتها شيئا٢ بالخلط كان على المستودع لأنه جان وكذلك إن كان الخلط من غير المستودع٣ فالحكم واحد وكذلك في كل جان على شيء مما يكال أو يوزن إذا خلط بعضه ببعض وإذا اختلف رب الحنطة والشعير فيما كان لهما من مبلغ الحنطة والشعير مثل قول أبي حنيفة.
стр. 207
واختلفوا حكم الغاصب يتلف ما غصب بسببه على يدي مالكه أو في مال مالكه
١فقال الشافعي: ٢إذا اغتصب رجل رجلا زعفرانا وثوبا فصبغ الثوب بالزعفران كان رب الثوب بالخيار في أن يأخذ الثوب مصبوغا لأنه زعفرانه وثوبه ولا شيء له غير ذلك أو يقوم ثوبه٣ أبيض وزعفرانه صحيحا فإن كانت قيمته ثلثين قوم ثوبه مصبوغا بزعفران فإن كانت قيمته خمسة وعشرين ضمنه٤ الخمسة لأنه أدخل عليه النقص٥ وكذلك لو كان غصبه سمنا وعسلا ودقيقا فعصده كان للمغصوب الخيار في أن يأخذه معصودا ولا شيء للغاصب في الحطب والقدر والعمل من قبل أن ما له فيه أثر٦ ولا عين أو يقوم له العسل منفردا والسمن والدقيق منفردين فإن كانت
стр. 208
قيمته عشرة وهو معصود قيمته سبعة غرامات له ثلاثة من قبل انه ادخل عليه النقص. ١وإن غصبه دابة٢ وشعيرا فعلف الدابة الشعير رد الدابة والشعير٣ لأنه هو المستهلك له وليس في الدابة عين من الشعير يأخذه إنما٤ فيها منه أثر.
٥ولو غصبه٦ طعاما فأطعمه إياه والمغصوب لا يعلم كان متطوعا٧ بالطعام وكان عليه٨ ضمان الطعام وإن كان المغصوب يعلم أنه طعامه٩ فلا شيء عليه من قبل أن سلطانه إنما كان على أخذ طعامه١٠ فقد أخذه١١ وإن اختلفا فقال المغصوب أكلته ولا أعلم أنه طعامي وقال الغاصب أكلته وأنت تعلم فالقول قول المغصوب مع يمينه إذا أمكن أن١٢ يكون يخفي ذلك بوجه من الوجوه "حدثنا بذلك عنه الربيع".
وقال أبو حنيفة وأصحابه١٣ إذا اغتصب رجل رجلا ثوبا أو
стр. 209
حنطة أو تمرا أو شئيا مما يخفى ثم إن الغاصب وهبه لربه فأكله أو لبس الثوب حتى خرقة فلا شيء على الغاصب.
قالوا فإن كان تمرا فاتخذ منه خلا ثم أهداه إلى صاحب التمر١ أو جعله نبيذا فسقاه فعليه قيمة التمر وكذلك كل شيء غيره عن حاله فهو ملك له وعليه قيمة الذي غيره٢ الجوزجاني عن محمد.
وقال أبو ثور إذا اغتصبه شيئا ثم أهداه إليه أو أطعمه إياه فلا شيء على الغاصب لأنه قد رد إليه ملكه وإن كان لا يعلم فإن كان تمرا فاتخذ منه خلا ثم أهداه إلى صاحب التمر كان عليه ما بين الخل والتمر من القيمة فإن كان الخل أكثر من قيمة التمر فهو لصاحب التمر وكذلك إن اغتصبه حنطة فجعلها سويقا أو دقيقا أو٣ سميذا أو إطرية أن نشاستج ثم أهداه إلى صاحب الحنطة فإن عليه ما بين الحنطة وما جعله من النقصان وإن كانت قيمته أكثر أو مثل قيمته فلا شيء عليه.
وقياس قول مالك في الغاصب يتلف ما غصب بسببه على يدي مالكه أو في مال مالكه إن كان استهلكه فليس له أن يرجع على الغاصب بشيء إلا أن يكون دخله عنده نقص قبل أن يجني عليه المغصوب منه فإن كان دخله نقص ضمن قيمة النقصان وكان ما بقي بعد ذلك من قيمته ساقطا عن الغاصب باستهلاك المغصوب منه إياه.
وأجمعوا جميعا أن الرجل إذا استهلك لرجل بعض ما يكال أو يوزن أن
стр. 210
عليه مثله وأنه إن لم يجد له مثله من جنسه فأراد أن يأخذه غيره بيعا بما لزمه مما لا يجوز أن ينسأ أحدهما في الآخر أنه جائز وأنه لا يجوز لهما الافتراق حتى يتقابضا وذلك مثل أن يهلك له حنطة فلم يجد المستهلك الحنطة لصاحبها حنطة مثل حنطته فأراد أن يعطيه شعيرا بحقه ورضي به صاحبه إن ذلك جائز إن تقابضا ذلك في مجلسهما الذي تبايعا فيه وإن افترقا قبل التقابض بطل البيع فيه.
стр. 211
واختلفوا في حكم المسلم يتلف خمر الذمي
فقال مالك عليه قيمتها "حدثني بذلك يونس عن ابن وهب عنه".
وقال الشافعي لا شيء على من أهلك خمرا لمسلم أو نصراني وكذلك إن قتل له خنزيرا "حدثنا بذلك عنه الربيع".
وقال أبو حنيفة وأصحابه إن اغتصب النصراني لنصراني خمرا فاستهلكها حكم عليه بقيمة الخمر فإن أسلما لم يحكم عليه بشيء وإن أسلم أحدهما لم يحكم على المسلم ولا له بقيمة خمر وإن كان خنزيرا فأسلما أو أسلم أحدهما فإنه يقضى بينهما بالقيمة رواية أبي يوسف عن أبي حنيفة روى محمد عن زفر وعافية عن أبي حنيفة أنه كان يقول إن أسلم المغصوب فطلب الخمر لم يقض له به وإن أسلم الغاصب فعليه قيمة الخمر وإن أسلما جميعا بطلت وهو قول محمد.
وقالوا إن اغتصب مسلم ذميا خمرا كانت عليه قيمتها ولا يكون عليه خمر مثلها وإن اغتصب مسلم ذميا خمرا فجعلها خلا كان له أخذها أو قيمة الخل وإن اغتصبه جلد ميتة فدبغه ثم استهلكه لم يكن عليه شيء في قول أبي حنيفة والفرق عنده بين الخمر إذا صارت خلا والجلد إذا دبغ أن صاحب الخل لو أصاب خله كان له أخذه ولم يغرم شيئا وإن صاحب
стр. 212
الجلد لو أصاب الجلد كان له أخذه ويغرم ما زاده الدابغ.
وقال أبو يوسف ومحمد عليه إن استهلكه قيمة الجلد ويعطيه صاحب الجلد قيمة الدباغ.
وقال أبو ثور إن اغتصب الذمي ذميا خمرا ثم ارتفعوا إلينا فاخترنا الحكم عليهم لم نحكم عليه إلا بما نحكم به بين المسلمين ولا نحكم عليهم بثمن خمر ولا خنزير ولا حرام وإن اغتصبها مسلم من مسلم واستهلكها فلا شيء عليه. ١قال وإن اغتصبه جلد ميتة مما يؤكل٢ لحمه فدبغه فهو للذي اغتصب منه وإن استهلكه كانت عليه قيمته وذلك أنه لما دبغه حل بيعه وكان بالدباغ متطوعا لا شيء له٣ فلما استهلكه بعد أن حل٤ كان له قيمة والخمر لا قيمة لها٥ فلا يحل بيعها.
وأجمعوا أنه إذا اغتصبه عبدا أو أمة فلا شيء على المغصوب منه.
آخر كتاب الغصب من الاختلاف والحمد لله وصلى الله على محمد وآله وسلم.
وكتب محمد بن أحمد بن إبراهيم الإمام
стр. 213
كتاب الضمان والكفالة والحوالة
مدخل
...
خرم الضمان والكفالة والحوالة
١قضائه اياه ذلك وذلك انه كان يقول الكفالة والضمان والحوالة معنى واحد وفي ضمان الضامن للمضمون له ما على غريمه وقبوله الضمان منه عنده براءة المضمون عنه من المال ووجوبه٢ له على الضامن فللضامن من أجل ذلك المطالبة بالمال الذي كان٣ عليه للمضمون له مثل الذي كان من ذلك للمضمون له على قوله.
فإن اتبع المضمون له بما كان له على غريمه الضامن فلم يقضه الضامن ما ضمن له عن صاحبه حتى قضى المكفول عنه الكفيل ما تكفل عليه لغريمه فذلك حق للكفيل كان٤ له قبل المكفول عليه يفعل به ما بدا له بمنزلة دين كان له قبل غريم له فقضاه إياه وذلك أن اتباع الغريم الكفيل براءة للمكفول عليه مما كان له قبله وتحول منه بحقه الذي كان له عليه على الكفيل وإن قضى ذلك المضمون عليه الضامن بعد اتباع الغريم بدينه الذي عليه الأصل وهو المضمون عنه كان للمضمون عنه حينئذ عندنا الرجوع على الضامن بما أعطاه من ذلك لأنه أعطاه مالا يحسب أنه لازم له إعطاؤه وهو له غير لازم فالواجب٥ عليه رده عليه وغير جائز له إنفاقه ولا التصرف به وذلك أن الضامن قد بريء من الضمان باتباع المضمون له المضمون عنه فلا شيء للضامن قبل المضمون عنه عندنا.
وأما على قول مالك فإن كان المضمون عنه أعطى الضامن ما أعطاه من
стр. 214
ذلك ليؤديه إلى المضمون له فليس للضامن إنفاقه ولا التصرف به وذلك أن الضامن في هذه الحال على قوله فيما أعطى على سبيل ما وصفت وكيل المضمون عنه في إيصال ما دفع إليه ليوصله إلى غريمه فليس له في ذلك إلا ما لوكيل الرجل في ماله وإن كان أعطاه ما أعطاه على أنه قضاء منه له ما لزمه له بسبب ضمانه عنه ما ضمن لغريمه فإن الواجب على قوله أن لا يتصرف به وأن يرده على المضمون عنه لأنه لا سبيل للمضمون١ له على الضامن في قوله ما كان المضمون عنه مليا٢ في القول الذي رجع إليه آخرا وإذا كان ذلك كذلك لم يكن للضامن في الحال التي لا سبيل للمضمون له اخذ ما للمضمون عنه على وجه الإقتضاء مما لزمه بضمانه لغرمائه ما ضمن له.
وأما على قياس قول الأوزاعي والثوري والشافعي فإنه ليس للضامن التصرف به ولا إنفاقه والواجب عليه إما رده على المضمون عنه وإما قضى غريمه ذلك عنه ليبرأ به من حقه قبله لأن قياس قولهم إنه ليس للضامن قبل المضمون عنه مال بضمانه عنه ما لم يقض غريمه الدين الذي ضمن له عنه٣.
وقال أبو حنيفة وأصحابه إن قضى المكفول عنه الكفيل المال الذي كفل عنه قبل أن يقضي المكفول له ما كفل له على صاحبه فجائز.
قالوا وللكفيل أن يتصرف به أو يكون له فضله من قبل أنه له
стр. 215
ولو هلك منه كان ضامنا له من قبل أنه أخذه على وجه الأقتضاء.
قالوا ولو اقتضاه الطالب من الذي عليه الأصل وغاب الكفيل ثم تقدم فإن للذي عليه الأصل أن يرجع بذلك على الكفيل من قبل انه أداها إلى الكفيل الأول مرة وأداها إلى الذي له الأصل.
قالوا ولو أن الذي عليه الأصل لم١ يؤدها إلى أحد ولكنه دفعها إلى الكفيل فقال أنت رسولي بها إلى فلان الطالب فهلكت من الكفيل كان الكفيل مؤتمنا في ذلك ويرجع به على الذي عليه الأصل.
قالوا ولو لم يهلك من الكفيل ولكنه عمل به فربح كان له الربح وإن وضع كانت عليه الوضيعة ويتصدق بالربح من قبل أن المال هو غاصب له قالوا ولو كان الدين طعاما فأرسل به الذي عليه الأصل مع الكفيل إلى الطالب فباعه الكفيل ثم اشترى طعاما مثله بدون ذلك فقضاه الذي٢ عليه الأصل فإن الربح له في قول أبي حنيفة.
وقال أبو حنيفة يتصدق به أحب إلي.
قال ولو كان أعطاه الطعام اقتضاه مما كفل به فباعه فربح فيه فإن الربح له ولو تصدق به كان أحب إلي وقال أبو يوسف ومحمد لا يتصدق به.
وأما على قول أبي ثور فإن المضمون عنه إذا أعطى الضامن المال الذي ضمنه عنه لغريمه فقد ملكه لأنه دين له عليه اقتضاه منه فله انفاقه والتصرف به وسواء كان قبضه ذلك من المضمون عنه قبل أدائه إلى المضمون له ما ضمن له عنه أو بعد أدائه ذلك إليه لأنه بضمانه ما ضمن عنه قد صار المضمون عنه غريما