السادس: عنها أيضا قالت:
"قدم رسول الله ﷺ من غزوة تبوك أو خيبر وفي سهوتها ستر فهبت ريح فكشفت ناحية الستر عن بنات لعائشة لعب فقال: "ما هذا عائشة؟ " قالت: بناتي ورأى بينهن فرسا له جناحان من رقاع فقال: "ما هذا الذي أرى وسطهن؟ " قالت: فرس قال: "وما هذا الذي عليه؟ " قالت: جناحان قال: "فرس له جناحان؟ " قالت: "أما سمعت أن لسليمان خيلا لها أجنحة؟ " قالت: فضحك حتى رأيت نواجذه"١.
стр. 212
السابع: عنها أيضا:
أنها كانت مع رسول الله ﷺ في سفره وهي جارية [قالت: لم أحمل اللحم ولم أبدن١] فقال لأصحابه: "تقدموا" [فتقدموا] ثم قال: "تعالي أسابقك فسابقته فسبقته على رجلي" فلما كان بعد خرجت معه في سفر فقال لأصحابه: "تقدموا" ثم قال: "تعالي أسابقك ونسيت الذي كان وقد حملت اللحم" [وبدنت] فقلت: كيف أسابقك يا رسول الله ﷺ وأنا على هذه الحال؟ فقال: "لتفعلن" فسابقته فسبقني فـ[جعل يضحك و] قال: "هذه بتلك السبقة" ٢.
стр. 213
الثامن: عنها أيضا قالت:
"إن كان رسول الله ﷺ ليؤتى بالإناء فأشرب منه وأنا حائض ثم يأخذه فيضع فاه على موضع في وإن كنت لآخذ العرق فآكل منه ثم يأخذه فيضع فاه على موضع في"١.
التاسع: عن جابر بن عبد الله وجابر بن عمير قالا: قال رسول الله ﷺ :
"كل شيء ليس فيه ذكر الله فهو [لغو] وسهو ولعب إلا أربع [خصال] : ملاعبة الرجل امرأته وتأديب الرجل فرسه ومشيه بين الغرضين٢ وتعليم الرجل السباحة" ٣.
стр. 214
٤١- وصايا إلى الزوجين:
وختاما أوصي الزوجين:
أولا: أن يتطاوعا ويتناصحا بطاعة الله ﵎ واتباع أحكامه الثابتة في الكتاب والسنة ولا يقدما عليها تقليدا أو عادة غلبت على الناس أو مذهبا فقد قال : ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً﴾ [الأحزاب: ٣٦] .
ثانيا: أن يلتزم كل واحد منهما القيام بما فرض الله عليه من الواجبات والحقوق تجاه الآخر فلا تطلب الزوجة - مثلا - أن تساوي الرجل في جميع حقوقه ولا يستغل الرجل ما فضله الله تعالى به عليها من السيادة
وقد قال معاوية بن حيدة ﵁: يا رسول الله! ما حق زوجة أحدنا عليه؟ قال: "أن تطعمها إذا طعمت وتكسوها إذا اكتسيت ولا تقبح الوجه١ ولا تضرب [ولا تهجر إلا في البيت٢ كيف وقد أفضى بعضكم إلى بعض٣ إلا بما حل عليهن] " ٤.
وقال ﷺ :
"المسقطون يوم القيامة على منابر من نور على يمين الرحمن - وكلتا يديه يمين - الذين يعدلون في
стр. 217
حكمهم وأهليهم وما ولوا" ١.
فإذا هما عرفا ذلك وعملا به أحياهما الله ﵎ حياة طيبة وعاشا - ما عاشا معا - في هناء وسعادة فقد قال : ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧] .
ثالثا: وعلى المرأة بصورة خاصة أن تطيع زوجها فيما يأمرها به في حدود استطاعتها فإن هذا مما فضل الله به الرجال على النساء كما في الآيتين السابقتين: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ وقد جاءت أحاديث كثيرة صحيحة مؤكدة لهذا المعنى ومبينة بوضوح ما للمرأة وما عليها إذا هي أطاعت زوجها أو عصته فلا بد من إيراد بعضها لعل
стр. 218
فيها تذكيرا لنساء زماننا فقد قال تعالى: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ .
الحديث الأول: "لا يحل لأمرأة أن تصوم وفي رواية: لا تصم المرأة وزوجها شاهد١ إلا بإذنه [غير رمضان] ولا تأذن في بيته إلا بإذنه" ٢.
стр. 219
الثاني: "إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه١ فلم تأته فبات غضبان عليها لعنتها الملائكة حتى تصبح" وفي رواية: "أو حتى ترجع" وفي أخرى: "حتى يرضى عنها" ٢.
الثالث: "والذي نفسي محمد بيده لا تؤدي المرأة حق ربها حتى تؤدي حق زوجها ولو سألها نفسها وهي
стр. 220
على قتب١ لم تمنعه من [نفسها] " ٢.
الرابع: "لا تؤذي امرأة زوجها في الدنيا إلا قالت زوجته من الحور العين: لا تؤذيه قاتلك الله فإنما هو عندك دخيل٣ يوشك أن يفارقك إلينا" ٤.
стр. 221
الخامس: عن حصين بن محصن قال: حدثتني عمتي قالت:
"أتيت رسول الله ﷺ في بعض الحاجة فقال: "أي هذه أذات بعل؟ " قلت: نعم قال: "كيف أنت له؟ " قالت: ما آلوه١: إلا ما عجزت عنه قال: " [فانظري] أين أنت منه؟ فإنما هو جنتك ونارك" ٢.
стр. 222
السادس: "إذا صلت المرأة خمسها وحصنت فرجها وأطاعت بعلها دخلت من أي أبواب الجنة شاءت" ١.
وجوب خدمة المرأة لزوجها:
قلت: وبعض الأحاديث المذكورة آنفا ظاهرة الدلالة على وجوب طاعة الزوجة لزوجها وخدمتها إياه في حدود استطاعتها ومما لا شك فيها أن من أول ما يدخل في ذلك الخدمة في منزله وما يتعلق به من تربية أولاده ونحو ذلك وقد اختلف العلماء في هذا فقال شيخ
стр. 223
الإسلام ابن تيمية في الفتاوى ٢ / ٢٣٤ – ٢٣٥:
"وتنازع العلماء هل عليها أن تخدمه في مثل فراش المنزل ومناولة الطعام والشراب والخبز والطحن والطعام لممالكيه وبهائمه مثل علف دابته ونحو ذلك؟
فمنهم من قال:
لا تجب الخدمة. وهذا القول ضعيف كضعف قول من قال: لا تجب عليه العشرة والوطء فإن هذا ليس معاشرة له بالمعروف بل الصاحب في السفر الذي هو نظير الإنسان وصاحبه في المسكن إن لم يعاونه على مصلحته لم يكن قد عاشره بالمعروف.
وقيل - وهو الصواب -: وجوب الخدمة فإن الزوج سيدها في كتاب الله وهي عانية عنده بسنة رسول الله ﷺ كما تقدم ص ٢٧٠ وعلى العاني والعبد الخدمة ولأن ذلك هو المعروف.
ثم من هؤلاء من قال: تجب الخدمة اليسيرة ومنهم من قال: تجب الخدمة بالمعروف. وهذا هو الصواب فعليها أن تخدمه الخدمة المعروفة من مثلها
стр. 224
لمثله ويتنوع ذلك بتنوع الأحوال فخدمة البدوية ليست كخدمة القوية وخدمة القوية ليست كخدمة الضعيفة".
قلت: وهذا هو الحق إن شاء الله تعالى أنه يجب على المرأة خدمة البيت وهو قول مالك وأصبغ كما في الفتح ٩ / ٤١٨ وأبي بكر بن أبي شيبة وكذا الجوزجاني من الحنابلة كما في الاختيارات ص ١٤٥ وطائفة من السلف والخلف كما في الزاد ٤ / ٤٦ ولم نجد لمن قال بعدم الوجوب دليلا صالحا.
وقول بعضهم: "إن عقد النكاح إنما اقتضى الاستمتاع لا الاستخدام" مردود بأن الاستمتاع حاصل للمرأة أيضا بزوجها فهما متساويان في هذه الناحية ومن المعلوم أن الله ﵎ قد أوجب على الزوج شيئا آخر لزوجته ألا وهو نفقتها وكسوتها ومسكنها فالعدل يقتضي أن يجب عليها مقابل ذلك شيء آخر أيضا لزوجها وما هو إلا خدمتها إياه ولا سيما أنه القوام عليها بنص القرآن الكريم كما سبق وإذا لم تقم هي
стр. 225
بالخدمة فسيضطر هو إلى خدمتها في بيتها وهذا يجعلها هي القوامة عليه وهو عكس للآية القرآنية كما لا يخفى فثبت أنه لا بد لها من خدمته وهذا هو المراد.
وأيضا فإن قيام الرجل بالخدمة يؤدي إلى أمرين متباينين تمام التباين أن ينشغل الرجل بالخدمة عن السعي وراء الرزق وغير ذلك من المصالح وتبقى المرأة في بيتها عطلا عن أي عمل يجب عليها القيام به ولا يخفى فساد هذا في الشريعة التي سوت بين الزوجين في الحقوق بل وفضلت الرجل عليها درجة ولهذا لم يزل الرسول ﷺ شكوى ابنته فاطمة ﵍ حينما:
أتت النبي ﷺ تشكو إليه ما تلقى في يدها من الرحى وبلغها أنه جاءه رقيق فلم تصادفه فذكرت لعائشة فلما جاء أخبرته عائشة قال علي ﵁: فجاءنا وقد أخذنا مضاجعنا فذهبنا نقوم فقال: "على مكانكما" فجاء فقعد بيني وبينها حتى وجدت برد قدميه على بطني فقال: "ألا أدلكما على خير مما سألتما؟ إذا أخذتما مضاجعكما أو أويتما إلى فراشكما فسبحا ثلاثا وثلاثين واحمدا ثلاثا,
стр. 226
وثلاثين وكبرا أربعا وثلاثين فهو خير لكما من خادم" [قال علي: فما تركتها بعد قيل: ولا ليلة صفين؟ قال: ولا ليلة صفين!] .
رواه البخاري ٩ / ٤١٧ - ٤١٨.
فأنت ترى أن النبي ﷺ لم يقل لعلي: لا خدمة عليها وإنما هي عليك وهو ﷺ لا يحابي في الحكم أحدا كما قال ابن القيم ﵁ ومن شاء زيادة البحث في هذه المسألة فليرجع إلى كتابه القيم زاد المعاد ٤ / ٤٥ – ٤٦.
هذا وليس فيما سبق من وجوب خدمة المرأة لزوجها ما ينافي استحباب مشاركة الرجل لها في ذلك إذا وجد الفراغ والوقت بل هذا من حسن المعاشرة بين الزوجين ولذلك قالت السيدة عائشة ﵂:
كان ﷺ يكون في مهنة أهله يعني خدمة أهله فإذا حضرت الصلاة خرج إلى الصلاة.
رواه البخاري ٢ / ١٢٩ و٩ / ٤١٨ والترمذي ٣ / ٣١٤ وصححه والمخلص من الثالث من
стр. 227
السادس من المخلصيات ٦٦ / ١ وابن سعد ١ / ٣٦٦. ورواه في الشمائل ٢ / ١٨٥ من طريق أخرى عنها بلفظ:
"كان بشرا من البشر يفلي ثوبه ويحلب شاته ويخدم نفسه".
ورجاله رجال الصحيح وفي بعضهم ضعف١.
لكن رواه أحمد وأبو بكر الشافعي بسند قوي كما حققته في "سلسلة الأحاديث الصحيحة" رقم ٦٧٠ والله ولي التوفيق.
стр. 228
وهذا آخر ما وفقنا الله ﵎ لذكره من آداب الزفاف في هذه الرسالة.
و"سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك".