مستحيل لقوله ﷺ : "لا تجتمع أمتي على ضلالة" ومثل هذا الإجماع لا وجود له إلا في الذهن والخيال ولا أصل له في الوجود والواقع قال أبو محمد بن حزم رحمه الله تعالى في "أصول الأحكام" ٢ / ٧١ - ٧٢:
"وقد أجاز بعض أصحابنا أن يرد حديث صحيح عن النبي ﷺ ويكون الإجماع على خلافه قال: وذلك دليل على أنه منسوخ. وهذا عندنا خطأ فاحش متيقن لوجهين برهانيين ضروريين:
أحدهما: أن ورود حديث صحيح يكون الإجماع على خلافه معدوم لم يكن قط ولا هو في العالم فمن ادعى أنه موجود فليذكره لنا ولا سبيل له - والله - إلى وجوده أبدا.
والثاني: أن الله تعالى قد قال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ فمضمون عند كل من يؤمن بالله واليوم الآخر أن ما تكفل الله بحفظه فهو غير ضائع أبدا لا يشك في ذلك مسلم وكلام النبي ﷺ كله وحي بقوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ والوحي ذكر بإجماع الأمة كلها
стр. 177
والذكر محفوظ بالنص فكلامه ﵇ محفوظ بحفظ الله تعالى ضرورة منقول كله إلينا لا بد من ذلك فلو كان هذا الحديث الذي ادعى هذا القائل أنه مجمع على تركه وأنه منسوخ كما ذكر لكان ناسخه الذي اتفقوا عليه قد ضاع ولم يحفظ وهذا تكذيب لله في أنه حافظ للذكر كله ولو كان ذلك لسقط كثير مما بلغ ﵇ عن ربه وقد أبطل ذلك رسول الله ﷺ في قوله في حجة الوداع: "اللهم هل بلغت؟ " قال:
"ولسنا ننكر أن يكون حديث صحيح وآية صحيحة التلاوة منسوخين إما بحديث آخر صحيح وإما بآية متلوة ويكون الاتفاق على النسخ المذكور قد ثبت بل هو موجود عندنا إلا أننا نقول: لا بد أن يكون الناسخ لهما موجودا أيضا عندنا منقولا إلينا محفوظا عندنا مبلغا نحونا بلفظه قائم النص لدينا لا بد من ذلك وإنما الذي منعنا منه فهو أن يكون المنسوخ محفوظا منقولا مبلغا إلينا ويكون الناسخ له قد سقط ولم ينقل إلينا لفظه فهذا باطل عندنا لا سبيل إلى وجوده في العالم أبد الأبد لأنه معدوم البتة قد دخل - بأنه غير
стр. 178
كائن - في باب المحال والممتنع عندنا وبالله تعالى التوفيق".
تقديم السنة على الإجماع الذي ليس معه كتاب أو سنة
وقال العلامة المحقق ابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى:
"ولم يزل أئمة الإسلام على تقديم الكتاب على السنة والسنة على الإجماع وجعل الإجماع في المرتبة الثالثة. قال الشافعي: الحجة كتاب الله وسنة رسوله واتفاق الأئمة وقال في [كتاب اختلافه مع مالك":
"والعلم طبقات: الأولى الكتاب والسنة الثابتة ثم الإجماع فيما ليس كتابا ولا سنة ... ".
وقال ابن القيم أيضا في صدد بيان أصول فتاوى الإمام أحمد:
"ولم يكن يعني الإمام أحمد يقدم على الحديث الصحيح عملا ولا رأيا ولا قياسا ولا قول صاحب ولا عدم علمه بالمخالف الذي يسميه كثير من الناس إجماعا ويقدمونه على الحديث الصحيح! وقد كذب أحمد من
стр. 179
ادعى هذا الإجماع ولم يسغ تقديمه على الحديث الثابت وكذلك الشافعي ... ونصوص رسول الله ﷺ أجل عند الإمام أحمد وسائر أئمة الحديث من أن يقدموا عليها توهم إجماع مضمونه عدم العلم بالمخالف ولو ساغ لتعطلت النصوص وساغ لكل من لم يعلم مخالفا في حكم مسألة أن يقدم جهله بالمخالف على النصوص"١.
قلت: وهذا ما فعله البعض هنا فقدموا ما زعموه إجماعا على النصوص المتقدمة مع أنه لا إجماع في ذلك وبيانه في الوجه التالي:
الثالث: أنه قد ثبت ما ينقض بالإجماع المزعوم وهو ما روى عبد الرزاق في "المصنف" ١١ / ٧٠ / ١٩٩٣٥ وابن صاعد في "حديثه" ٣٥ / ١ - وهو بخط الحافظ ابن عساكر وابن حزم ١٠ / ٨٢ بسند صحيح عن محمد بن سيرين أنه سمع أبا هريرة يقول لابنته:
стр. 180
"لا تلبسي الذهب إني أخشى عليك اللهب".
وروى ابن عساكر ١٩ / ١٢٤ / ٢ من طريقين آخرين أن ابنة لأبي هريرة قالت له: إن الجواري يعيرني يقلن: إن أباك لا يحليك الذهب! فقال:
قولي لهن: إني أبي لا يحليني الذهب يخشى علي من اللهب.
ورواه عبد الرزاق ١٩٩٣٨ نحوه وعلقه البغوي في شرح السنة ٣ / ٢١٠ / ٨٢ وحكى الخلاف في هذه المسألة فإنه بعد أن ذكر إباحة خاتم الذهب للنساء وتحليهن به عند الأكثرين قال:
"وكره ذلك قوم".
ثم ساق حديث أسماء بنت يزيد المتقدم بعضه في المتن ص ٢٣٦ وتمامه في التعليق ٢٣٧.
وما حكاه البغوي ﵀ من الكراهة عن أولئك الذين أشار إليهم من العلماء فهي الكراهة التحريمية لأنه المعروف في اصطلاح السلف تبعا للأسلوب القرآني في عديد من الآيات الكريمة
كقوله تعالى:
стр. 181
﴿وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾ .
وقد كنت شرحت هذه المسألة الهامة في كتابي:
"تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد" ص ٤٨ - ٥٥ وذكرت هناك بعض الأمثلة فلتراجع.
وبين أيدينا مثال آخر قريب المنال وهو ما تقدم في بحث خاتم الخطبة أن الإمام أحمد والإمام إسحاق بن راهويه كرها خاتم الذهب للرجال فهذه الكراهة للتحريم أيضا لتصريح الأحاديث المتقدمة هناك به وكذلك الأمر في تحريم خاتم الذهب على النساء لأن الأدلة صريحة أيضا فمن أطلق كراهته عليهن فإنما يعني الكراهة الشرعية وهي التحريم فتأمل منصفا.
وذكر ابن عبد الحكم في سيرة عمر بن عبد العزيز ص ١٦٣ أن ابنة عمر بعثت إليه بلؤلؤة وقالت له: إن رأيت أن تبعث لي بأخت لها حتى أجعلها في أذني فأرسل إليها ثم قال لها: إن استطعت أن تجعلي هاتين الجمرتين في أذنيك بعثت لك بأخت لها!
стр. 182
ومن الظاهر أن اللؤلؤة كانت محلاة بالذهب لأنها لا تقوم بنفسها ولا تحلى عادة إلا بها ويؤيد ذلك لفظة: "الجمرتين" فإنها مستوحاة من بعض أحاديث التحريم المتقدمة كحديث بنت هبيرة فثبت بطلان دعوى الإجماع في هذه المسألة.
دعوى نسخ الأحاديث المتقدمة وإبطالها
٢- وادعى آخرون نسخ هذه الأحاديث المحرمة بمثل قوله ﷺ : "أحل الذهب والحرير لإناث أمتي ... " وهو حديث صحيح بمجموع طرقه وقد ذكرها الزيعلي في نصب الراية ٤ / ٢٢٢ - ٢٢٥ ثم حققته في تخريج كتاب الحلال والحرام للأستاذ القرضاوي رقم ٧٨ وهو ادعاء باطل لأن للنسخ شروطا كثيرة معروفة عند العلماء١ منها أن يكون الخطاب الناسخ متراخيا عن المنسوخ ومنها أن لا يمكن الجمع بينهما وهذان الشرطان منفيان هنا أما الأول فلأنه لا يعلم تأخر هذا الحديث المبيح عن
стр. 183
أحاديث التحريم وأما الثاني فلأن الجمع ممكن بسهولة بين الحديث المذكور وما في معناه وبين الأحاديث المتقدمة ذلك لأن الحديث مطلق وتلك مقيدة بالذهب الذي هو طوق أو سوار أو حلقة فهذا هو المحرم عليهن وما سوى ذلك من الذهب المقطع فهو المباح لهن وهو المراد بحديث حل الذهب لهن فهو مطلق مقيد بالأحاديث المشار إليها فلا تعارض وبالتالي فلا نسخ.
ولذلك لم نر أحدا ممن ألف في الناسخ والمنسوخ أورد الأحاديث المذكورة فيما هو منسوخ كالحافظ أبي الفرج ابن الجوزي في رسالة إخبار أهل الرسوخ في الفقه والتحديث بمقدار المنسوخ في الحديث والحافظ أبي بكر الحازمي في كتابه الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار وغيرهما بل قد أشار ابن الجوزي ﵀ في مقدمة رسالته المشارة إليها إلى رد دعوى نسخ هذه الأحاديث فقال:
"أفردت في هذا الكتاب قدر ما صح نسخه أو احتمل وأعرضت عما لا وجه لنسخه ولا احتمال فمن
стр. 184
سمع بخبر يدعى عليه النسخ وليس في هذا الكتاب فليعلم وهاء تلك الدعوى وقد تدبرته فإذا فيه أحد وعشرون حديثا".
بل قال المحقق ابن القيم في الأعلام ٣/ ٤٥٨:
إن النسخ الواقع في الأحاديث الذي أجمعت عليه الأمة لا يبلغ عشرة أحاديث البتة ولا شطرها"!
قلت: ثم ساقها وليس فيها شيء من هذه الأحاديث السابقة فثبت ضعف ادعاء احتمال نسخها فكيف الجزم بنسخها؟ وقد أشار لضعف دعوى النسخ ابن الأثير في النهاية بقوله تعليقا على حديث أسماء المشار إليه آنفا:
"قيل: كان هذا قبل النسخ فإنه قد ثبت إباحة الذهب للنساء".
فإن لفظة: "قيل" للتمريض كما هو معروف.
وقال العلامة صدر الدين علي بن علاء الحنفي بعد أن حكى كلام ابن الجوزي الآنف الذكر:
"وهذا هو الذي يشهد العقل بصدقه إذا سلم من
стр. 185
الهوى وقد ادعى كثير من الفقهاء في كثير من السنة أنها منسوخة وذلك إما لعجزه عن الجمع بينها وبين ما يظن أنه يعارضها وإما لعدم علمه ببطلان ذلك المعارض وإما لتصحيح مذهبه ودفع ما يرد عليه من جهة مخالفة ولكن نجد غيره قد بين الصواب في ذلك لأن هذا الدين محفوظ ولا تجتمع هذه الأمة على ضلالة"١.
ولقد صدق ﵀ في كل ما ذكره فأنت ترى أن هذه الأحاديث المحرمة لا تتعارض مطلقا مع حديث حل الذهب للنساء لأنه عام وتلك خاصة والخاص مقدم على العام كما هو مقرر في علم الأصول ولهذه القاعدة رجح الإمام النووي ﵁ في شرح مسلم والمجموع وجوب الوضوء من أكل لحم الإبل مع أنه مخالف لمذهبه بل ومذهب الجمهور حتى ظن بعض المتعالمين في هذا العصر أنه لا يقول بالوضوء منه عالم من علماء المسلمين! كما نشر ذلك في
стр. 186
بعض الجرائد الدمشقية سنة ١٣٨٦ هـ تقريبا.
ولما ذكرنا قال ولي الله الدهلوي في حجة الله البالغة ٢ / ١٩٠ بعد أن ذكر أحاديث التحريم وحديث الحل:
"معناه الحل في الجملة وهذا ما يوجبه مفهوم هذه الأحاديث ولم أجد لها معارضا".
وأقره صديق حسن خان في الروضة الندية ٢ / ٢١٧ – ٢١٨.
قلت: ومما يدلك على ضعف دعوى النسخ هذه أن بعض متعصبة الحنفية - وقد سبقت الإشارة إليه - لم ينظر إليها بعين الرضا مع أنه حكاها عن الجمهور الذين يقلدهم في هذه المسألة واحتج على ذلك بقوله - وقد وفق فيه -:
"إن النسخ لا يلجأ إلى القول به ما دام التوفيق بين الأحاديث ممكنا بحيث لا يرد شيء من الأدلة" وهذا حق لا ريب فيه وهو من المقرر في علم الأصول.
ولكنه مع الأسف لم يستقر عليه الدكتور بل رجع
стр. 187
إلى ادعاء النسخ معارضا بذلك الأخذ بأحاديث التحريم فقال:
"إن الفريقين لما تجاذبا دعوى النسخ احتجنا إلى النظر في التاريخ للترجيح بين المذهبين وتعيين الناسخ والمنسوخ والتاريخ يؤيد نظر الجمهور "! ".
فإنه لا شك في أن الصحابة في ابتداء الإسلام كانوا في أمس الحاجة للمال ... ولقد قسم الأنصار أموالهم مناصفة بينهم وبين المهاجرين فكان التختم بالذهب في تلك الفترة بطرا وترفا فلما مضت الأيام وفتحت على رسول الله ﷺ الفتوحات صار الناس في رخاء العيش فأباح النبي ﷺ لبس الذهب لزوال المانع "!
قلت: وجوابي عليه من وجوه:
الأول: أنه لم يذكر نصا تاريخيا يؤيد تأخر المبيح عن الحاظر يرجح به نظر الجمهور وإنما هو مجرد الدعوى أن الإباحة كانت بعد رخاء العيش فأين الدليل عليها؟!.
стр. 188
الثاني: هذه الدعوى لو صحت لزم منها أن يكون تحريم الذهب على الرجال قد شرع في الوقت الذي حرم على النساء إن لم يكن تقدم عليه وكل عاقل يفهم من قوله: في ابتداء الإسلام أنه يعني في مكة أو في أول الهجرة على أبعد تقدير وإذا كان كذلك فنحن نقطع ببطلان هذه الدعوى لأن تحريم الذهب على الرجال إنما كان في أواخر الأمر كما نص على ذلك الحافظ الذهبي في تلخيص المستدرك ٣ / ٢٣١ ومما يشهد له ما أخرجه البخاري في اللباس وأحمد في المسند ٤ / ٣٢٨ عن المسور بن مخرمة:
"أن أباه مخرمة قال له: يا بني! إنه بلغني أن النبي ﷺ قدمت عليه أقبية فهو يقسمها فاذهب بنا إليه فذهبنا إليه ... فخرج وعليه قباء من الديباج مزرر بالذهب فقال: "يا مخرمة هذا خبأته لك" فأعطاه إياه.
وإنما أسلم مخرمة عام الفتح وذلك بعد ثمان سنين ونصف من الهجرة فهذا نص على أن الذهب كان مباحا إلى ما قبل وفاته ﷺ بسنة ونصف تقريبا ولولا ذلك
стр. 189
لم يلبس ﷺ القباء المزرر بالذهب ولا وزعه على أصحابه كما هو ظاهر.
الثالث: أنه لو صح قوله: "فأباح النبي ﷺ لبس الذهب لزوال المانع" لزم منه إباحة الذهب للرجال أيضا لزوال المانع أيضا وهذا باطل لا يقوله عالم وما لزم منه باطل فهو باطل.
فإن قال: هذا غير لازم لأن علة تحريم الذهب على الرجال غير علة تحريمه على النساء.
قلنا: ما هيه؟ ولا سبيل له إلى إثباتها أبدا إلا بمثل هذه الدعوى التي أثبت بها أختها! وليست هي إلا مجرد رأي تفرد به الدكتور في آخر الزمان!
وما يلجئ بعض الناس إلى مثل هذه المضايق والآراء إلا محاولتهم التخلص من معارضة النص الشرعي لمخالفته لمذهبهم وتقليدهم وعاداتهم فيقعون فيما هو أعظم منه! ولو أنهم استسلموا لحكم الله ورسوله - كما هو المفروض في المسلم - لكان خيرا لهم ولم يقعوا في مثل ذلك.
стр. 190
وخلاصة البحث: أن القول بنسخ الأحاديث المحرمة للذهب على النساء مما لا دليل عليه بل هو مخالف لعلم الأصول والواجب الجمع بينها وبين الأحاديث المبيحة للذهب عليهن وذلك بحمل المطلق على المقيد أو العام على الخاص كما شرحنا وينتج منه أن الذهب كله حلال على النساء إلا المحلق منه كما يحرم عليهن استعمال أواني الذهب والفضة اتفاقا فلا نسخ عندنا خلافا لما فهمه الدكتور وأدار كل بحثه في كتابه عليه كما ينبئك به كلامه السابق في المعارضة المزعومة. والله الهادي لا رب سواه.
رد الأحاديث المتقدمة بأحاديث مبيحة والجواب عنها
٣- وقد يرد بعضهم هذه الأحاديث بأحاديث أخرى فيها إباحة المحلق من الذهب على النساء والجواب أن هذا كان قبل التحريم حتما وبيانه:
أن من المعلوم بداهة أن النهي عن الشيء مما يحتمل التحليل والتحريم لا يكون إلا بعد أن يكون مسبوقا بالإباحة فالتمسك بها حينئذ فيه مخالفة صريحة
стр. 191
لمنطوق الأحاديث المحرمة ومما يقرب هذا إلى المنصفين إن شاء الله تعالى أن هناك أحاديث يستفاد منها إباحة الذهب على الرجال أيضا ومع ذلك فلم يأخذ بها أحد من العلماء لمجيء النصوص المحرمة وقد سبق ذكر بعضها بل ذهبوا إلى أنها كانت قبل التحريم١ وكذلك نقول نحن في الأحاديث المبيحة للذهب المحلق للنساء ولا فرق أنها كانت قبل التحريم ومن فرق بين هذه وتلك فهو متناقض أو متلاعب!
تقييد الأحاديث المتقدمة بمن لم يؤد الزكاة ورده
٤- وأجاب بعضهم٢ بأن الوعيد الوارد في الأحاديث المتقدمة إنما هو في حق من لا يؤدي زكاة تلك الحلي دون من أداها واستدل عليه بحديث عمرو بن
стр. 192
شعيب عن أبيه عن جده أن امرأة أتت رسول الله ﷺ ومعها ابنة لها وفي يد ابنتها مسكتان أي سواران غليظتان من ذهب فقال لها: "أتعطين زكاة هذا؟ " قالت: لا قال: "أيسرك أن يسورك الله بهما يوم القيامة سوارين من نار؟! " قال: فخلعتهما فألقتهما إلى النبي ﷺ وقالت: هما لله عز ولرسوله.
أخرجه أبو داود ١ / ٢٤٤ والنسائي ١ / ٣٤٣ وأبو عبيد في الأموال رقم ١٢٦٠ وإسناده حسن وصححه ابن الملقن ٦٥ / ١ وتضعيف ابن الجوزي له في التحقيق ٦ / ١٩٧ / ١ مردود عليه.
ورواه النسائي في السنن الكبرى ق ٥ / ١ عن عمرو بن شعيب به موصولا ثم رواه عنه مرسلا وقا:
"الموصول أولى بالصواب".
والجواب: إن هذا استدلال ضعيف جدا لأن الرسول ﷺ لم ينكر في هذه القصة لبس السوارين
стр. 193
وإنما أنكر عدم إخراج زكاتهما بخلاف الأحاديث المتقدمة فإنه أنكر اللبس ولم يتعرض لإيجاب الزكاة عليها والظاهر أن هذه القصة كانت في وقت الإباحة فكأنه ﷺ تدرج لتحريمها فأوجب الزكاة عليها أولا ثم حرمها كما هو صريح الأحاديث السابقة ولا سيما الحديث الأول من رواية أبي هريرة مرفوعا:
"من أحب أن يحلق حبيبه بحلقة من نار فليحلقه حلقة من ذهب ... " إلخ فإنه لا يدل دلالة قاطعة أن التحريم لنفس التحليق وما قرن معه لا لعدم إخراج زكاتها.
والحق أن هذه القصة أفادت وجوب الزكاة على الحلي ومثلها قصة عائشة الآتية في زكاة خواتيم الفضة فهذه وتلك لا تدل على تحريم الاستعمال بل على وجوب زكاة المستعمل فالتحريم وعكسه يؤخذ من أدلة أخرى فأخذنا تحريم الذهب المحلق عليهن الأحاديث المتقدمة وأخذنا إباحة الفضة من حديث أبي هريرة المتقدم ومن حديث عائشة المشار إليها وغيرها.
стр. 194
وجملة القول أن هذا الحديث لا حجة فيه على ما ذكره المنذري لأنه لم ينص فيه على تحريم السوار إنما كان لأنه لم يؤد زكاته حتى يمكن أن يقال: إنه مفصل وتلك الأحاديث مجملة فيحمل المجمل على المفصل وإنما هي واقعة عين أفادت وجوب زكاة الحلي فلا يعارض ما أفادته الأحاديث السابقة من التحريم.
تقييد آخر للأحاديث والجواب عنه
٥- وأجاب هذا البعض أيضا بجواب آخر١ فقال: إن الوعيد المذكور إنما هو في حق من تزينت به وأظهرته واستدل بما رواه النسائي وأبو داود عن ربعي بن حراش عن امرأته عن أخت لحذيفة أن رسول الله ﷺ
стр. 195
قال:
"يا معشر النساء! أما لكن في الفضة ما تحلين به؟ أما إنه ليس منكن امرأة تتحلى ذهبا تظهره إلا عذبت به".
والجواب من وجهين:
الأول: رد الحديث من أصله لعدم ثبوته فإن في سنده امرأة ربعي وهي مجهولة كما قال ابن حزم ١٠ / ٨٣ ولذلك ضعفته في المشكاة ٤٤٠٣.
ثانيا: لو كانت العلة هي الإظهار لكان لا فرق في ذلك بين الذهب والفضة لاشتراكهما في العلة مع أن الحديث صريح في التفريق بينهما ولا قائل بحرمة خاتم الفضة على المرأة مع ظهوره فثبت بطلان التمسك بعلة الإظهار. ولهذا قال أبو الحسن السندي:
"تظهره يحتمل أن تكون الكراهة إذا ظهرت وافتخرت به لكن الفضة مثل الذهب في ذلك فالظاهر أن هذا لزيادة التقبيح والتوبيخ والكلام لإفادة حرمة الذهب يعني: المحلق على النساء مع قطع النظر عن الإظهار والافتخار".
стр. 196
وهذا كله يقال على افتراض صحة الحديث وإلا فقد عرفت ضعفه فسقط الاستدلال به أصلا.
رد الأحاديث بفعل عائشة والجواب عنه
٦- ومن أعجب ما ردت به هذه الأحاديث الصحيحة قول بعض متعصبة الحنفية:
"إن عائشة ﵂ كانت تلبس الخواتيم من الذهب كما رآها ابن أختها القاسم بن محمد وحدث بذلك وهذا الخبر عن عائشة رواه البخاري في صحيحه".
وأقول: إطلاق عزو هذا الأثر للبخاري فيه نظر لأن المعروف عند العلماء أن العزو إلى البخاري مطلقا معناه أنه في صحيحه مسند وليس كذلك أمر هذا الأثر فإنه إنما ذكره معلقا بدون إسناد وذكر الحافظ في الفتح ١٠ / ٢٧١ أنه وصله ابن سعد في الطبقات. وسكت عن سنده وهو عندي حسن فقال ابن سعد ٨ / ٤٨: أخبرنا عبد الله بن مسلمة بن قعنب: حدثنا عبد العزيز بن محمد عن عمرو بن أبي
стр. 197
عمرو قال: سألت القاسم بن محمد قلت: إن ناسا يزعمون أن رسول الله ﷺ نهى عن الأحمرين: المعصفر والذهب فقال: كذبوا والله لقد رأيت عائشة تلبس المعصفرات وتلبس خواتم الذهب.
لكن رواه غير عبد العزيز بلفظ: "كانت تلبس الأحمرين: المذهب١ والمعصفر". أخرجه ابن سعد أيضا: وأخبرنا أبو بكر بن عبد الله بن أبي أويس عن سلميان بن بلال عن عمرو به وهذا الإسناد أصح لأن سليمان هذا أحفظ من عبد العزيز. فإن ثبت ذكر الخاتم في هذا الأثر عن عائشة فالجواب ما سيأتي وإلا فلا حجة فيه مطلقا لأن الرواية الأخرى - وهي الأصح - لا ذكر للخاتم فيها فهو على هذا مثل حديثها الآخر من طريق القاسم أيضا أن عائشة كانت تحلي بنات أختها الذهب ثم لا تزكيه. رواه أحمد في مسائل عبد الله ص ١٤٥ وسنده صحيح فهذا محمول على الذهب
стр. 198
المقطع وهو جائز لهن اتفاقا
ثم قال ذاك المذكور:
"لا يتصور أن تلبس عائشة ﵂ الذهب الملحق ورسول الله ﷺ كل يوم معها وفي بيتها ثم لا ينهاها عنه".
قلت: هذه مغالطة ظاهرة - ولعلها غير مقصودة - إذ ليس في الأثر المتقدم أن عائشة لبسته على علم منه ﷺ بل فيه أن القاسم بن محمد رآها تلبسه فمعنى ذلك أن لبسها إياه إنما كان بعد وفاته ﷺ لأن القاسم لم يدركه ﷺ .
ثم قال عطفا على ما سبق:
"أو ينهى عنه رسول الله ﷺ ولا يبلغها؟ فهذا مستحيل قطعا".
قلت: لا استحالة في ذلك إلا نظرا وهذا ليس يهمنا لأن الواقع خلافه فكم من سنن فعلية وأقوال نبوية خفيت على كبار الصحابة ﵃ ولولا صحة السند بذلك عنهم لقلنا كما قال المومأ إليه
стр. 199
هاهنا ولا يتحمل هذا التعليق الإكثار من أمثلة ذلك فلنقتصر على مثالين منها:
١- أن عائشة ترى أن الأقراء إنما هي الأطهار كما قال أحمد في المسائل ١٨٥ وروى مالك في الموطأ ٢ / ٩٦ بسند صحيح جدا عنها أنها قالت:
"تدرون ما الأقراء؟ إنما الأقراء الأطهار".
ونحوه في مسائل الإمام أحمد لابنه عبد الله ص ٢٣١.
أقول: وقد ثبت في السنة أن القرء إنما هو الحيض وبه قال الحنفية والرجل منهم فهل يرد حضرته مذهبه ولا سيما أنه موافق للسنة من أجل قول عائشة هذا؟ أم يجعل قولها دليلا على نسخ ذلك كما فعل في مسألتنا هذه؟!
٢- قالت عائشة ﵂: دخل رسول الله ﷺ فرأى في يدي فتخات من ورق فقال: "ما هذا يا عائشة؟ " فقلت: صنعتهن أتزين لك يا رسول الله! قال: "أتؤدين زكاتهن؟ " قلت: لا أو ما شاء الله قال: "هو
стр. 200
حسبك من النار".
أخرجه أبو داود ١ / ٢٤٤ وغيره وإسناده على شرط الصحيح كما قال الحافظ في التخليص ٦ / ١٩ ومحمد بن عطاء الذي في إسناده هو محمد بن عمرو بن عطاء ثقة محتج به في الصحيحين كما في الترغيب وظنه ابن الجوزي في التحقيق ١ / ١٩٨ / ١ رجلا آخر فجهله وضعف الحديث من أجل ذلك فلا يلتفت إليه.
فهذا الحديث صريح في إيجاب الزكاة على الحلي وهو حجة الذين ذهبوا إلى إيجابه ومنهم الحنفية.
ثم إنه قد ورد عن عائشة نفسها ما يعارض هذا الحديث وهو ما أخرجه مالك ١ / ٢٤٥ عن القاسم ابن محمد "راوي حديث الخاتم! " أن عائشة كانت تل بنات أخيها يتامى في حجرها لهن الحلي فلا تخرج من حليهن الزكاة. سنده صحيح جدا وتقدم نحوه من رواية أحمد.
стр. 201
فهذه مخالفة صريحة عن عائشة ﵂ لحديثها١ فإذا جاز في حقها ذلك فبالأحرى أن تخالف حديث غيرها لم تروه هي وهي على كل حال مأجورة فماذا يقول المشار إليه في هذه المخالفة؟ أيدع الحديث والمذهب لقولها أم يتمسك بالحديث ويدع قولها معتذرا عنها بأي عذر مقبول كما هو الواجب؟
وعلى كل حال فقد ظهر لكل من له قلب أن ما كان يظنه مما لا يتصور أو أنه مستحيل قطعا قد أثبتناه بالأسانيد الصحيحة ولازم ذلك أن لا يتلفت المسلم إلى أي قول يخالف ما ثبت عنه ﷺ مهما كان شأن قائله فضلا وعلما وصلاحا لانتفاء العصمة وهذا من الأسباب التي تشجعنا على الاستمرار في خطتنا من التمسك بالكتاب والسنة وعدم الاعتداد بما سواهما
стр. 202
كما صنعنا في هذه المسألة التي أسأل الله تعالى أن يوفق المسلمين للعمل بها وبكل ما ثبت عنه ﷺ .
ترك الأحاديث لعدم العلم بها بمن عمل بها وجوابه
٦- هذا ولعل فيمن ينصر السنة ويعمل بها ويدعو إليها من يتوقف عن العمل بهذه الأحاديث بعذر أنه لا يعلم أحدا من السلف قال بها فليعلم هؤلاء الأحبة أن هذا العذر قد يكون مقبولا في بعض المسائل التي يكون طريق تقريرها إنما هو الاستنباط والاجتهاد فحسب لأن النفس حينئذ لا تطمئن لها خشية أن يكون الاستنباط خطأ ولا سيما إذا كان المستنبط من هؤلاء المتأخرين الذين يقررون أمورا لم يقل بها أحد من المسلمين بدعوى أن المصلحة تقتضي تشريعها دون أن ينظروا إلى موافقتها لنصوص الشرع أولا مثل إباحة بعضهم للربا الذي سماه ب الربا الاستهلاكي واليانصيب الخيري - زعموا – ونحوهما! أما ومسألتنا ليست من هذا القبيل فإن فيها نصوصا صريحة محكمة لم يأت ما ينسخها - كما سبق بيانه - فلا يجوز ترك العمل بها للعذر المذكور ولا سيما أننا قد ذكرنا من قال بها مثل
стр. 203
أبي هريرة ﵁ وولي الله الدهلوي وغيرهما كما تقدم ولا بد أن يكون هناك غير هؤلاء ممن عمل بهذه الأحاديث لم نعرفهم لأن الله تعالى لم يتعهد لنا بحفظ أسماء كل من عمل بنص ما من كتاب أو سنة وإنما تعهد بحفظهما فقط كما قال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ فوجب العمل بالنص سوءا علمنا من قال به أو لم نعلم ما دام لم يثبت نسخه كما هو الشأن في مسألتنا هذه.
وأختم هذا البحث بكلمة طيبة للعلامة المحقق ابن القيم رحمه الله تعالى لها مساس كبير بما نحن فيه قال: في إعلام الموقعين ٣ / ٤٦٤ – ٤٦٥:
"وقد كان السلف الطيب يشتد نكيرهم وغضبهم على من عارض حديث رسول الله ﷺ برأي أو قياس أو استحسان أو قول أحد من الناس كائنا من كان ويهجرون فاعل ذلك وينكرون على من يضرب له الأمثال ولا يسوغون غير الانقياد له ﷺ والتسليم والتلقي بالسمع والطاعة ولا يخطر بقلوبهم التوقف في قبوله حتى يشهد له عمل أو قياس أو يوافق قول فلان وفلان
стр. 204
بل كانوا عاملين بقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ وبقوله تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ وبقوله تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ﴾ وأمثالها فدفعنا إلى زمان إذا قيل لأحدهم: ثبت عن النبي ﷺ أنه قال كذا وكذا يقول: من قال هذا؟ دفعا في صدر الحديث ويجعل جهله بالقائل حجة له في مخالفته وترك العمل به ولو نصح نفسه لعلم أن هذا الكلام من أعظم الباطل وأنه لا يحل له دفع سنن رسول الله ﷺ بمثل هذا الجهل وأقبح من ذلك عذره في جهله إذ يعتقد أن الإجماع منعقد على مخالفة تلك السنة وهذا سوء ظن بجماعة المسلمين إذ ينسبهم إلى اتفاقهم على مخالفة سنة رسول الله ﷺ وأقبح من ذلك عذره في دعوى هذا الإجماع وهو جهله وعدم علمه بمن قال بالحديث فعاد الأمر إلى تقديم جهله على السنة. والله المستعان".
стр. 205
٤٠- وجوب إحسان عشرة الزوجة:
ويجب عليه أن يحسن عشرتها ويسايرها فيما أحل الله لها - لا فيما حرم - ولا سيما إذا كانت حديثة السن وفي ذلك أحاديث:
الأول: قوله ﷺ :
"خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي" ١.
الثاني: قوله ﷺ في خطبة حجة الوداع:
стр. 206
" ... ألا واستوصوا بالنساء خيرا فإنهن عوان عندكم ليس تملكون منهن شيئا غير ذلك إلا أن يأتين بفاحشة مبينة١ فإن فعلن فاهجروهن في المضاجع واضربوهن ضربا غير مبرح فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا. إلا إن لكم على نسائكم حقا ولنسائكم عليكم حقا فأما حقكم على نسائكم فلا يوطئن فرشكم من تكروهن ولا يأذن في بيوتكم لمن تكرهون ألا وحقهن عليكم أن تحسنوا إليهن في كسوتهن وطعامهن" ٢.
стр. 207
الثالث: قوله ﷺ :
"لا يفرك أي لا يبغض مؤمن مؤمنة إن كره منها خلقا رضي منها آخر" ١.
الرابع: قوله ﷺ :
"أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا وخيارهم خيارهم لنسائهم" ٢.
стр. 208
الخامس: عن عائشة ﵂ قالت:
"دعاني رسول الله ﷺ [والحبشة يلعبون بحرابهم في المسجد] [في يوم عيد] فقال لي: ["يا حميراء! ١ أتحبين أن تنظري إليهم؟ " فقلت: نعم] ٢.فأقامني
стр. 209
وراءه] فطأطأ لي منكبيه لأنظر إليهم [فوضعت ذقني على عاتقه وأسندت وجهي إلى خده] فنظرت من فوق منكبيه وفي رواية: من بين أذنه وعاتقه [وهو يقول:
стр. 210
"دونكم يا بني أرفدة"] فجعل يقول: "يا عائشة! ما شبعت"؟ فأقول: لا لأنظر منزلتي عنده] حتى شبعت.
قالت: ومن قولهم يومئذ: أبا القاسم طيبا] وفي رواية: [حتى إذا مللت قال: "حسبك؟ " قلت نعم قال: "فاذهبي" وفي أخرى: [قلت: لا تعجل فقام لي ثم قال: "حسبك؟ " قلت: لا تعجل [ولقد رأيته يرواح بين قدميه] قالت: ما بي حب النظر إليهم ولكن أحببت أن يبلغ النساء مقامه لي ومكاني منه [وأنا جارية] [فاقدروا قدر الجارية [العربة] الحديثة السن الحريصة على اللهو] [قالت: فطلع عمر فتفرق الناس عنها والصبيان فقال النبي ﷺ : "رأيت شياطين الإنس والجن فروا من عمر"] [قالت عائشة: قال ﷺ يومئذ: "لتعلم يهود أن في ديننا فسحة"] ١.
стр. 211
السادس: عنها أيضا قالت:
"قدم رسول الله ﷺ من غزوة تبوك أو خيبر وفي سهوتها ستر فهبت ريح فكشفت ناحية الستر عن بنات لعائشة لعب فقال: "ما هذا عائشة؟ " قالت: بناتي ورأى بينهن فرسا له جناحان من رقاع فقال: "ما هذا الذي أرى وسطهن؟ " قالت: فرس قال: "وما هذا الذي عليه؟ " قالت: جناحان قال: "فرس له جناحان؟ " قالت: "أما سمعت أن لسليمان خيلا لها أجنحة؟ " قالت: فضحك حتى رأيت نواجذه"١.
стр. 212
السابع: عنها أيضا:
أنها كانت مع رسول الله ﷺ في سفره وهي جارية [قالت: لم أحمل اللحم ولم أبدن١] فقال لأصحابه: "تقدموا" [فتقدموا] ثم قال: "تعالي أسابقك فسابقته فسبقته على رجلي" فلما كان بعد خرجت معه في سفر فقال لأصحابه: "تقدموا" ثم قال: "تعالي أسابقك ونسيت الذي كان وقد حملت اللحم" [وبدنت] فقلت: كيف أسابقك يا رسول الله ﷺ وأنا على هذه الحال؟ فقال: "لتفعلن" فسابقته فسبقني فـ[جعل يضحك و] قال: "هذه بتلك السبقة" ٢.
стр. 213
الثامن: عنها أيضا قالت:
"إن كان رسول الله ﷺ ليؤتى بالإناء فأشرب منه وأنا حائض ثم يأخذه فيضع فاه على موضع في وإن كنت لآخذ العرق فآكل منه ثم يأخذه فيضع فاه على موضع في"١.
التاسع: عن جابر بن عبد الله وجابر بن عمير قالا: قال رسول الله ﷺ :
"كل شيء ليس فيه ذكر الله فهو [لغو] وسهو ولعب إلا أربع [خصال] : ملاعبة الرجل امرأته وتأديب الرجل فرسه ومشيه بين الغرضين٢ وتعليم الرجل السباحة" ٣.
стр. 214
٤١- وصايا إلى الزوجين:
وختاما أوصي الزوجين:
أولا: أن يتطاوعا ويتناصحا بطاعة الله ﵎ واتباع أحكامه الثابتة في الكتاب والسنة ولا يقدما عليها تقليدا أو عادة غلبت على الناس أو مذهبا فقد قال : ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً﴾ [الأحزاب: ٣٦] .
ثانيا: أن يلتزم كل واحد منهما القيام بما فرض الله عليه من الواجبات والحقوق تجاه الآخر فلا تطلب الزوجة - مثلا - أن تساوي الرجل في جميع حقوقه ولا يستغل الرجل ما فضله الله تعالى به عليها من السيادة