← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 7496

أدب الموعظة

محمد بن إبراهيم الحمد

Полный текст (107 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

مقدمة ... بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله, والصلاة والسلام على رسول الله, وعلى آله وصحبه ومن والاه, أما بعد: فإن الإسلام دين يدعو إلى أقوم محجة, ويرمي إلى أشرف غاية. وما دعوته إلا هداية الناس إلى سبيل الحق, وتنبيههم إلى مكان الفضيلة. وما غايته إلا أن يحيا الناس حياة طيبة في العاجل, ثم يفوزوا في الآخرة بسعادة خالدة, وعطاء غير مجذوذ في الآجل. وللحق نور باهر, وللفضيلة جمال ساحر, ولكن النفوس الناشئة في بيئة خاسرة, أو الغارقة في أهواء سافلة يقف أمامها الحق فتخاله باطلا, وتتعرض لها الفضيلة فتحسبها شيئا منكر؛ فلا يكفي في دعوة الحق أن يطرق الداعي بها المجالس, ويصدع بكلمة الحق من غير أن يشد أزرها بالحجة, ويتخير لها الأسلوب الذي يجعلها مألوفة للعقول, خفيفة الوقع على الأسماء. وفي القرآن الكريم ما يدل على أن الدعوة الصادقة لا يثبت أصلها, وتمتد فروعها, وتؤتي ثمرها – إلا أن يقوم بناؤها على أساس الحجة, ويذهب بها الداعي كل مذهب حكيم, ويأخذ فيها بكل أدب جميل. وشواهد ذلك في القرآن كثيرة, قال الله- تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥] . وكذلك دعوة النبي- ﷺ إلى الإسلام؛ فإنها كانت محفوفة بما يقرب العقول إلى قبولها, وتألف النفوس إلى سماعها؛ فكان- ﷺ يراعي في إبلاغها

стр. 2

الطرق الكفيلة بنجاحها؛ فيورد لكل مقام مقالا يناسبه, ويكسو كل معنى من المعاني ثوبا يليق به, ويخاطب كل طائفة على قدر عقولهم, ويلا قيهم بالسيرة التي هي أدعى إلى إقبالهم, وأسرع أثرا في صرفهم عن غوايتهم. ولا ريب أن الوعظ عمل جليل, وله- في نظر الشارع- مقام رفيع. فلوعظ هو الدعوة إلى ما فيه خير وصلاح, والتحذير مما فيه شر وفساد. والواعظ هو الذي يرشد الجاهلين, وينبه الغافلين, ويعالج النفوس الطائشة مع أهوائها؛ ليعيدها إلى فطرتها السليمة من الإقبال على الفضائل, والترفع عن الرذائل. ولكن القيام بهذا العمل جهاد يحتاج إلى المعية مهذبة, ودراية بالطرق الحكيمة, علاوة على العلم الذي يميز به بين الحق الباطل, ويفرق به بين المعروف والمنكر. ثم إن العلم والنباهة, وحكمة الأسلوب لا تأتي بثمرتها المنشودة إلا أن يكون الواعظ طيب السريرة, مستقيم السيرة. هذه هي آداب الموعظة, وأدواتها على سبيل الإجمال.١ أما تفصيل ذلك فسيأتي في ثنايا الصفحات التالية- إن شاء الله-. وسيلحظ القارئ الكريم أن بعض تلك الآداب داخل في بعض, وأن بعض الآثار يصلح إيراده في أكثر من موضع؛ فلهذا قد يجمل الكلام في موضع, ويفصل في موضع آخر. ثم إن تلك الآداب شاملة لأدب الواعظ في نفسه, وأدبه في موعظته,

стр. 3

وطريقة عرضه. وقبل الدخول في تفصيل تلك الآداب يحسن الوقوف على تعريف الموعظة, وورودها في القرآن, وبيان مقاصدها وحكمها. فعسى أن تكون تلك الصفحات نافعة مباركة, وأن يكتب الله لها القبول, ولصاحبها الإصابة والإخلاص؛ إنه سميع قريب, والله مستعان وعليه التكلان, والحمد لله رب العالمين. محمد بن إبراهيم الحمد ٥/٨/١٤٢٣ الزلفي ١١٩٣٢ ص. ب:٤٦٠ www.toislam.org

стр. 4

تعريف الموعظة الموعظة في اللغة: مصدر الفعل وعظ. قال ابن فارس- ﵀: "الوعظ والعين والظاء كلمة واحدة؛ الوعظ التخويف, والعظة الاسم منه" ١ وقال ابن منظور- ﵀:"الوعظ والعظة والموعظة: النصح والتذكير بالعواقب. قال ابن سيدة: هو تذكيرك للإنسان بما يلين قلبه من ثواب وعقاب".٢ وقال الراغب الأصفهاني- ﵀: "الوعظ زجر مقترن بتخويف, قال الخليل: هو التذكير بالخير فيما يرق له القلب".٣

стр. 5

ورود الموعظة في القرآن الكريم ١ ورد لفظ الموعظة في القرآن على ثلاثة عشر وجها, وهي كما يلي: ١- أوعظت ٢- أعظك ٣- أعظكم ٤- تعظون ٥- يعظكم ٦- يعظه ٧- عظهم ٨- فعظوهن ٩- توعظون ١٠- يوعظ ١١- يوعظون ١٢- الواعظين ١٣- موعظة. وإليك الآيات التي وردت في ذلك: قال الله- تعالى-: ﴿قَالُوا سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنْ الْوَاعِظِينَ﴾ [الشعراء: آية ١٣٦] . وقال: ﴿إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنْ الْجَاهِلِينَ﴾ [هود: آية ٤٦] . وقال: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ﴾ [سبأ: آية ٤٦] . وقال: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ [الأعراف: آية ١٦٤] . وقال: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ [البقرة: آية ٢٣١] . وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ [النساء: آية ٥٨] . وقال: ﴿يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: آية ٩٠] . وقال: ﴿يَعِظُكُمْ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ﴾ [النور: آية ١٧] . وقال: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ﴾ [لقمان: آية ١٣] . وقال: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ﴾ [النساء: آية ٦٣] . وقال: ﴿فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ﴾ [النساء: آية ٣٤] .

стр. 6

وقال: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ﴾ [المجادلة: آية ٣] . وقال: ﴿ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [البقرة: آية ٢٣٢] . وقال: ﴿ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [الطلاق: آية ٢] . وقال: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ﴾ [النساء: آية ٦٦] . وقال: ﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: آية ٦٦] . وقال: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ [البقرة: آية ٢٧٥] . وقال: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: آية ١٣٨] . وقال: ﴿وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: آية ٤٦] . وقال: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً﴾ [الأعراف: آية ١٣٥] . وقال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [يونس: آية ٥٧] . وقال: ﴿وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [هود: آية ١٢٠] . وقال: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل: آية ١٢٥] . وقال: ﴿وَلَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَمَثَلًا مِنْ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ [النور: آية ٣٤] .

стр. 7

مقاصد الموعظة وحكمها الموعظة باب من أبواب الدعوة إلى الله, وأسلوب من أساليب الأمر بالمعروف, والنهي عن المنكر. ويحسن ههنا إيراد مقاصد الموعظة وحكمها؛ حتى لا يظن أنها شرعت المصلحة معينه فإذا فاتت تلك المصالحة ظن أن الموعظة لم تؤت ثمرتها. ويمكن إجمال تلك المقاصد والحكم بما يلي:١ ١- إقامة حجة الله على خلقه: كما قال- تعالى-: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِأَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: آية ١٦٥] . ٢- الإعذار إلى الله- والخروج من عهدة التكليف: قال الله – تعالى في صالحي القوم الذين اعتدى بعضهم في السبت: ﴿قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: آية ١٦٤] . وقال- : ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ﴾ [الذاريات: آية ٥٤] . ٣- رجاء النفع للمأمور: كما قال- تعالى-: ﴿مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الأعراف: آية ١٦٤] . وقال- : ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات: آية ٥٥] . ٤- رجاء ثواب الله- : إذ الدعوة باب عظيم من أبواب البر. ٥- الخوف من عقاب الله- ﵎: إذ إن ترك الدعوة مؤذن بالعقوبة.

стр. 8

قال الله- تعالى-: ﴿مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: آية ٥٤] . وقال: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد: آية ٣٨] . ١- النصيحة للمؤمنين: ورحمة بهم, ومحبة الخير لهم, والرغبة في إنقاذهم مما أوقعوا به أنفسهم فيه من التعرض لغضب الله وعقوبته في الدنيا والآخرة, وهذا قريب من الثالث. ٢- إجلال الله وإعظامه, ومحبته: وأنه أهل لأن يطاع فلا يعصى, ويذكر فلا ينسى, ويشكر فلا يكفر, وأن يفتدى من انتهاك محارمه بالنفوس والأموال.

стр. 9

أدب الموعظة ... الوعظ عمل جليل- كما مر- والناس بحاجة ماسة إليه, والقائمون بالوعظ بحاجة إلى ما يذكرهم بنبل غايتهم, والسبل المعينة لهم على القيام برسالتهم. وقد مضى في المقدمة إجمال لآداب الموعظة, وفيما يلي تفصيلها. ١- التحلي بالتقوى وإخلاص النية: وذلك أمر يستمده الواعظ من قوة الإيمان بأن الله يعلم ما يسر الناس وما يعلنون, ومن علمه بأن الإخلاص عليه مدار العمل, ومن تيقنه بأن دعوته إلى فعل شيء هو تاركه أو إلى ترك شيء هو يفعله- لاتتجاوز الآذان إلى القلوب, بل قد تذهب كما يذهب الزبد جفاءا. وقد أشار القرآن المجيد إلى أن داعي الناس إلى معروف لا يفعله جدير بالتوبيخ, قال- تعالى-: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: آية ٤٤] . وقال- : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: آية ٢] . والتقوى هي التي تجعل الواعظ مخلصا فيما يأمر به, أو ينهى عنه. وللإخلاص أثر كبير في نجاح الموعظة, وانشراح الصدور للانتفاع بها على أي حال. والتقوى الصادرة عن التفقه في الدين بحق هي التي تكسو الواعظ وقارا, وحسن سمت غير مصطنع, فتمتلىء القلوب بمهابته؛ فإذا ألقى موعظة ذهبت توا إلى القلوب، وأثمرت كلما طيبا، وعملا صالحا، وخلقا فاضلا.

стр. 10

ولهذا يحسن بالواعظ أن يتعاهد إيمانه، ويعز نفسه، ويصون علمه، وأن يترفع عن السفاسف، وأن يجانب مواطن الريب، ومواضع المهانة، وأن لا يسير إلا على ما يمليه الدين، وتقتضيه الحكمة والمروءة. وجدير به أن يكون ذا نفس زكية، وساحة طاهرة نقية؛ هو بشر، وما كان لبشر أن يدعي العصمة, أو الصواب فيما يقول، ويفعل إلا الأنبياء فيما يبلغون به عن ربهم- جل وعلا-. ولا يفهم من ذلك- أيضا- أن يدع الإنسان الوعظ إذا كان مقصرا في بعض الطاعات، أو ملما ببعض المخالفات. بل عليه أن يأمر وينهى ولو كان كذلك؛ فترك أحد الواجبين ليس مسوغا لترك الآخر. إذا لم يعظ في الناس من هو مذنب فمن يعظ العاصين بعد محمد قال الحسن المطرف بن عبد الله- رحمهما الله-:"عظ أصحابك، فقال المطرف: إني أخاف أن أقوال مالا أفعل. قال الحسن: يرحمك الله، وأينا يفعل ما يقول؟ يود الشيطان لو ظفر منا بهذا؛ فلم يأمر أحد بمعروف، ولم ينه أحد عن منكر".١ وقال سعيد بن جبير- ﵀: "لو كان المرء لا يأمر بالمعروف، ولا ينهى عن المنكر حتى لا يكون فيه شيء – ما أمر أحد بمعروف، ولا نهى عن منكر".٢ قال الإمام مالك- ﵀ معلما على مقولة سعيد بن جبير: "وصدق سعيد؛

стр. 11

ومن ذا الذي ليس فيه شيء".١ وقال الطبري- ﵀: "وأما من قال: لا يأمر بالمعروف إلا من ليست فيه وصمة فإن أراد الأولى فجيد، وإلا فيستلزم سد باب الأمر بالمعروف إذا لم يكن هناك غيره".٢ وقال ابن حزم- ﵀:"ولو لم ينه عن الشر إلا من ليس فيه شيء منه، ولا أمر بالمعروف إلا من استوعبه لما نهى أحد عن شر، ولا أمر أحد بخير بعد النبي- ﷺ ".٣ وقال النووي- ﵀: "قال العلماء: لا يشترط في الآمر والناهي أن يكون كامل الحال، ممتثلا ما يأمر به، مجتنبا ما ينهى عنه. بل عليه الأمر وإن كان مخلا بما يأمر به، وإن كان متلبسا بما ينهى عنه؛ فإنه يجب عليه شيئان: أن يأمر نفسه، وينهاها، وأن يأمر غيره وينهاه؛ فإذا أخل بأحدهما كيف يباح له الإخلال بالآخر؟ ".٤ وقال شيخ محمد الأمين الشنقيطي- ﵀ بعد أن ساق بعض الآثار الواردة في ذم من يأمر بالمعروف ولا يفعله، وينهى عن المكر ويرتكبه: "واعلم أن التحقيق أن هذا الوعيد الشديد الذي ذكرنا من اندلاق الأمعاء في النار، وقرض الشفاه بمقاريض من النار ليس على الأمر بالمعروف، وإنما هو على ارتكاب المنكر عالما بذلك، ينصح الناس عليه؛ فالحق أتن الأمر غير ساقط عن صالح ولا طالح، والوعيد على المعصية لا على الأمر بالمعروف؛ لأنه في حد ذاته ليس فيه

стр. 12

إلا الخير".١ ولا يفهم مما سبق أنه لا بأس على الواعظ في ترك المعروف، وفعل المنكر، بل يجب عليه فعل المعروف، وترك المنكر، بل يجب عليه أن يكون أول ممتثل لما يأمر به، وأول منته عما ينهى عنه. ١- العلم: فعلم الواعظ بما يقول هو الذي يجعل الموعظة نقية من إيراد الأحاديث الموضوعة، أو القصص المنبوذة، أو تحسين البدع، أو إضلال الناس. قال الله- : ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنْ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف: آية ١٠٨] . فلا بد للواعظ أن يكون على بصيرة فيما يدعو إليه من فعل أو ترك. وأن يكون عالما بحال المدعو، ولهذا لما بعث الرسول- ﷺ معاذا- ﵁ إلى اليمن قال: "إنك تأتي قوما من أهل الكتاب" الحديث.٢ وما ذلك إلا ليعرف حالهم؛ ليستعد لهم. ومن البصيرة- أيضا- أن يكون على بصيرة في كيفية الدعوة، وأساليبها. ولا يفهم من ذلك أنه لابد للواعظ أن يكون عالما متبحرا، وإنما المقصود ألا يدعو إلا بما يعلم، وألا يتكلم بما لا يعلم.٣ قال النبي- ﷺ : "بلغوا عني ولو آية". ٤ ومما يتعين على الواعظ معرفته والوقوف عليه- النظر في المصالح والمفاسد. وسيأتي بيان وتفصيل لذلك في الصفحات التالية.

стр. 13

٣- لين الجانب، وبسط الوجه، والإحسان إلى الناس: فالناس يحبون لين الجانب، ولا يكلمها إلا من عل. ومن الوسائل التي لها أثر في تألف الجاهلين أو المفسدين، وتهيئتهم إلى قبول الإصلاح- بسط المعروف في وجوههم، والإحسان إليهم بأي نوع من أنواع الإحسان، وإرضاؤهم بشيء من متاع هذه الحياة الدنيا؛ فإن مواجهتهم بالجميل، ومصافحتهم براحة كريمة- قد يعطف قلوبهم نحو الداعي، ويمهد السبيل لقبول ما يعرضه من النصيحة. والنفوس مطبوعة على مصافاة من يلبسها نعمة، ويفيض عليها خيرا. والمثل هذه الحكمة ذكر الله في القرآن من مصارف الزكاة صنف المؤلفة قلوبهم. وكان النبي- ﷺ يؤثر بعض حديثي العهد بالإسلام يجانب من المال؛ للاحتفاظ ببقائهم على الهداية، يفعل ذلك حيث يظهر له أن إيمانهم لم يرسخ في قلوبهم رسوخ ما لا تزلزله الفتن. وإلى أمثال هؤلاء أشار- عليه الصلاة وسلام- بقوله: "إني لأعطي الرجل وغيره أحب إلي منه؛ خشية أن يكبه الله في النار". ١ قال شيخ الإسلام ابن تيمية- ﵀: "كما كان إعطاؤه- ﷺ المؤلفة قلوبهم مأمورا به في حقه وجوبا أو استحبابا، وإن لم يكن مأمورا به لأحد. كما كان مزاحه مع من يمزح معه من الأعراب والنساء والصبيان؛ تطييبا القلوبهم، وتفريحا لهم- مستحبا في حقه يثاب عليه وإن لم يكن أولئك

стр. 14

مأمورين بالمزاح معه، ولا منهيين عنه. فالنبي- ﷺ يبذل للنفوس من الأموال والمنافع ما يتألفها به على الحق المأمور به، ويكون المبذول مما يلتذ به الآخذ ويحبه؛ لأن ذلك وسيلة إلى غيره".١ ولهذا يحسن بالواعظ أن يكون لين العريكة, وممن يألف ويؤلف, وألا يكون جافي الطبع, قاسي القلب, متعاليا على السامعين. ويجدر به أن يترفع عن العبارات المشعرة بتعظيم النفس, كحال من يكثر من إدارج ضمير المتكلم"أنا" أو ما يقوم مقامه كأن يقوم "في رأيي",أو "حسب خبرتي",أو"هذا ترجيحنا", أو "هذا ما توصلنا إليه". ومن ذلك أن يكرر كلمة:"نقول"و "قلنا", ونحو ذلك من العبارات الفجة التي تنم عن نقص وغرور, خصوصا إذا صدرت ممن ليس له مكانة. فهذا كله مجلبة لتباعد الأنفس, وتناكر الأرواح, وقلة التأثير. ولدلا من ذلك يحسن به أن يستعمل الصيغ التي توحي بالتواضع, وعزو العلم لأصحابه, كأن يقول:"ويبدو للمتأمل كذا وكذا",أو يقول:"ولعل الصواب أن يقال: كذا وكذا" ونحو ذلك من العبارات المشعرة بالتواضع, واهتضام النفس. قال ابن المقفع: "تحفظ في مجلسك وكلامك من التطاول على الأصحاب, وطب نفسا عن كثير مما يعرض لك فيه صواب القول والرأي؛ مدارة؛ لئلا

стр. 15

يظن أصحابك أن دأبك التطاول عليهم".١ وقال شيخ عبد الرحمن السعدي – ﵀: "واحذر غاية الحذر من احتقار من تجالسه من جميع الطبقات, وازدرائه, أو الاستهزاء به قولا, أو فعلا, أو إشارة, أو تصريحا, أو تعريضا؛ فإن فيه ثلاثة محاذير: أحدهما: التحريم والإثم على فاعله. الثاني: دلالته على حمق صاحبه, وسفاهة عقله, وجهله. الثالث: أنه باب من أبوب الشر, وضرر على نفسه".٢ ٤- الصبر والحلم: فالواعظ محتاج لذلك أشد الحاجة؛ إذ هو معرض لما يثيره, ويحرك دواعي الغضب فيه. ومن مواعظ لقمان- ﵇ لابنه وهو يعظه" ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ﴾ [لقمان: آية١٧] . فلا يحسن بالواعظ أن يكون ضيق الصدر, قليل الصبر؛ ذلك أن الجماعات التي استشرى فيها الفساد كالمريض, والواعظ لها كالطبيب. وكما أن المريض قد يدفعه جهله, أو سوء تصرفه إلى أن ينال الطبيب ببعض السوء – فكذلك الجماعات التي أنهكها الشر, واستحوذ عليها الشيطان؛ فقد يدفعها ذلك أن تنال طبيب الأرواح ببعض الأذى. فإذا ضاق صدره, وقل احتماله تنغصت حياته, ولم يصدر عنه خير كثير, أو عمل كبير؛ فخير للواعظ – إذا – أن يتلقى الأذى بصدر رحب, وأفق واسع, ونفس مطمئنة.

стр. 16

وليعلم أن مهمته شاقة؛ فليستعد لها بالاستعانة بالله, وليداو كلوم النفوس بالهدوء, وسعة الصدر, ولين الجانب, ومقابلة الإساءة بالإحسان؛ فإن تلك الصفات رقية النفوس الشرسة, وبلسم الجراح الغائرة. وليستحضر أنه ما وقف أمام الناس ليخاصمهم؛ فيخصمهم, ولكن ليداي فسادهم, ويرد شاردهم؛ فليحرص على أن يؤلف القلوب والنفوس بتلك الصفات. قال الله- تعالى- في وصف نبينا محمد – ﷺ : ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: آية ١٥٩] . وقال الله- له: ﴿خُذْ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنْ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: آية ١٩٩] . وهكذا كان- ﵊ فكان يعرض دعوته في لين من القول, وكان يأخذ بالحلم, والصبر, ويقابل الجاهل بالإعراض, والمسيء بالعفو أو الإحسان. وإن أذى كثيرا كان يلحقه من مشركي قريش وسفهائهم؛ فيلقاه بالصبر؛ ولا ينال من عزمه واسترساله في الدعوة ولو شيئا قليلا. وكم من كلمة يرميه بها بعض المنافقين, أو بعض الجفاة من الأعراب, فيكون جزاؤها الصفح, أو التبسم, أو الإنعام.١ فإذا كان الواعظ على هذا النحو من المكارم أثمر وعظه, وحاز من العلياء كل مكان. كن عمر بن عبد العزيز – ﵀ يتمثل بهذه الأبيات:

стр. 17

الحلم والعلم خلتا كرم ... للمرء زين إذ هما اجتمعا صنوان لا يستتم حسنهما ... إلا بجمع بذا وذاك معا كم من وضيع سما به الحلم وال ... ـعلم فحاز السناء وارتفعا ومن رفيع البنا أضاعهما ... أخمله ما أضاع فاتضعا١ ٥- التجمل والعناية بالمظهر بلا إسراف: فهذا- وإن لم يكن من الصفات التي تقوم عليها الخطابة- أمر يحسن العناية بع؛ لأنه مطمع الأنظار. والنظر يفعل بالقلب ما يفعله الكلام في السمع؛ فهو من هذه الناحية لا ينقص اعتباره عن اعتبار الصفات الأصلية؛ فيحسن بالواعظ أن يراعي ذلك, وأن يعتني بمظهره, وطيب رائحته, وما شاكل ذلك. قال ابن حجر المكي –﵀ في معرض حديث له عن الرياء: "وقد يطلق الرياء على أمر مباح, وهو طلب نحو الجاه والتوقير بغير عبادة, كأن يقصد بزينة ثيابه الثناء عليه بالنظافة والجمالة, ونحو ذلك." إلى أن قال: "وهذا مما تستمال به القلوب؛ إذا لو سقط من أعينهم لأعرضوا عنه؛ فلزمه أن يظهر لهم محاسنه؛ لئلا يزدرون؛ فيعرضوا عنه؛ لامتداد أعين عامة الخلق إلى الظواهر دون السرائر؛ فهذا قصده – ﷺ وفيه قربه أي قربة, ويجري ذلك في العلماء ونحوهم إذا قصدوا لتحسين هيئتهم."٢ فلتجمل والعناية بالمظهر- إذا- أمر حسن؛ فالله- جميل يحب الجمال ويحب أن يرى أثر نعمته على عبده. فالتجمل والعناية بالمظهر- إذا- أمر حسن؛ فالله- جميل يحب الجمال, ويحب أن يرى أثر نعمته على عبده.

стр. 18

قال- : ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ المدثر: ٤. وقال النبي- ﷺ : "إن الله جميل يحب الجمال". ١ وإنما المحذور هو المبالغة في التجمل, وصرف الهمة للتأنق, واشتداد الكلف بحسن البزة؛ فهذا مما يقطع عن إصلاح النفس, ويدل على نقص الإنسان. قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب- ﵁:"إياكم لبستين: لبسة مشهورة, ولبسة محقورة".٢ وقال بعض الحكماء: "البس من الثياب ما لا يزدريك العظماء, ولا يعيبك الحكماء".٣ وقال الماوردي –﵀: "واعلم أن المروءة أن مكون الإنسان معتدل الحال في مراعاة الباسه من غير إكثار ولا اطراح؛ فإن اطراح مراعاتها, وترك تفقدها مهانة وذلة, وكثرة مراعاتها وصرف الهمة إلى العناية بها دناءة ونقص. وربما توهم من خلا من فضل, وعري من تمييز, أن ذلك هو المروءة الكاملة, والسيرة الفاضلة؛ لما يرى من تميزه على الأكثرين. وخروجه عن جملة العوام والمسترذلين. وخفي عليه أنه إذا تعدى طوره, وتجاوز قدره كان أقبح لذكره, وأبعث على ذمه".٤ وخلاصة القول أن الشارع قد فوض في أمر اللباس إلى حكم العادة, وما يليق بحال الإنسان؛ فإذا جرت العادة بلبس نوع من الثياب, وكان مستطيعا

стр. 19

له, فعدل عنه إلى صنف أسفل منه أو أبلى٠- قبح به الحال, وكره له؛ لأن بذاذة اللباس, ورتته مما بقذفها العيون, وتنشرز عنها الطباع, فتلقي بصاحبها إلى الهوان, والالتفات إليه بألحاظ الازدراء. وهذه الحال لا تليق بالواعظ؛ إذا هو صاحب حق, وداعية هدى؛ فلا يحسن به أن يخذل الحق الذي يحمله, والهدى الذي يدعو إليه. وأما الخروج عن المعتاد, والتطلع إلى ماهو أنفس وأغلى فمرفوض-كما مر- قال المعري: وإن كان في لبس الفتى شرف له ... فما السيف إلا غمده والحمائل١ بل تجد أكثر الناس يستخفون بمن يتعدى طور أمثاله في ملبسه, ويعدونه سفها في العقل, وطيشا مع الهوى.٢ قال الخطيب البغدادي-﵀: "وكما يكره لبس أدون الثياب فكذلك يكره لبس أرفعها؛ خوفا من الاشتهار بها, وأن تسمو إليه الأبصار فيها"٣ ٦- استعمال المداراة والبعد عن المداهنة: فالمداراة من أخلاق المؤمنين والمداهنة من صفات المنافقين, والواعظ يحتاج إلى الأخذ بالأولى, والبعد عن الثانية. وكثيرا ما يشتبه عند كثير من الناس هذان خلقان؛ ذلكم أن حدود الفضائل تقع بمقربه من أخلاق مكروهة. وهذه الحدود في نفسها واضحة جلية, إلا أن تمييز ما يدخل فيها مما هو

стр. 20

خارج عنها يحتاج إلى صفاء فطرة, أو تربية تساس بها النفس شيئا فشيئا. وكثيرا ما يتشابه على الرجل لأول النظر أمور؛ فلا يدري أهي داخلة في الفضيلة, أم هي خارجة عن حدودها؟ وربما سبق ظنه إلى غير صواب؛ فيخال ما هو من قبيل المكروه فضيلة فيرتكبه, أو يمدح غيره عليه. وهذا الشأن يجري في كثير من الأخلاق ومن ذلك-كما مر- خلق المداراة؛ إذ يشتبه بالمداهنة مع أنه يمتاز عنه امتياز الصبح من الدجى.١ وبما أن الحديث عن الموعظة وآدابها, وبما أن المدارة خلق فاضل محتاجه العاقل في حياته, وأن المداهنة خلق دنيء يزري بصاحبه, وينزل به إلى درك وسقوط- فإن معرفة المدارة وتمييزها عن المداهنة من الأهمية بمكان؛ حتى يسلك العاقل طريق المدارة, وينأى بنفسه عن المداهنة. ولا ريب أن الواعظ من أحوج الناس إلى ذلك؛ إذ هو يلاقي الناس, ويخالطهم, ويعرض عقله كثيرا أمامهم؛ فهو محتاج إلى مدارة الناس عموما, ومدارة زمانه, ومدارة مخالفية. "بعض معالم المدارة": ومما يمكن أن يميز به بين هذين الخلقين أن بذكر بعض المعالم لكل منهما, وهذه- أولا- بعض معالم المداراة.

стр. 21

١- المداراة ترجع إلى حسن اللقاء وطيب الكلام, والتودد للناس, وتجنب ما يشعر بغضب أو سخط. كل ذلك من غير ثلم للدين في جهة من الجهات. قال ابن بطال-﵀ "المداراة من أخلاق المؤمنين, وهي خفض الجناح للناس, وترك الإغلاظ لهم في القول, وذلك أقوى أسباب الألفة".١ ب- من المداراة أن يلاقيك ذو لسان, أو قلم عرف بنهش الأعراض, ولمز الأبرياء, فتطلق له جبينك, وتحييه في حفاوة؛ لعلك تحمي جانبك من قذفه, أو تجعل لدغاته خفيفة الوقع على عرضك. جاء في الصحيحين عن عروة عن عائشة- ﵂-أن رجلا استأذن على النبي- ﷺ فلما رآه قال: "بئس أخو العشيرة, وبئس ابن العشيرة". فلما جلس تطلق النبي- ﷺ في وجهه, وانبسط إليه, فلما انطلق قالت له عائشة: يا رسول الله! حين رأيت الرجل قلت له: كذا وكذا, ثم تطلقت في وجهه, وانبسطت إليه؟ قال رسول الله- ﷺ : "يا عائشة! متى عهد تني فحاشا؟ إن شر الناس عند الله منزلة يوم القيامة من تركه الناس؛ اتقاء شره" وفي رواية "من تركه الناس, أو ودعه الناس؛ اتقاء فحشه". ٢ فلقاء رسول الله- ﷺ لهذا الرجل المعروف بالبذاء من قبيل المداراة؛ لأنه لم يزد على أن لاقه بوجه طلق, أو رفق به في الخطاب. وقد سبق إلى ذهن عائشة- ﵂ أن الذي بلغ أن يقال فيه "بئس

стр. 22

أخو العشيرة, وبئس ابن العشيرة" لا يستحق هذا اللقاء, ويجب أن يكون يصيبه قسوة الخطاب, وعبوس الجبين. ولكن نظر رسول الله- ﷺ أبعد مدي, وأناته أطول أمدا؛ فهو يريد تعلم الناس كيف يملكون ما في أن فسهم؛ فلا يظهر إلا في مكان أو زمان يليق إظهاره فيه. ويريد تعليمهم أدبا من آداب الاجتماع, وهو رفق الإنسان بمن يقصد إلى زيارته في منزله, ولو كان شره في الناس فاشيا. على أن إطلاق الجبين لمثل هذا الزائر لا يمنع من إشعاره بطريق سائغ أنك غير راض عما يشيعه في الناس من أذى, ولا يعوقك أن تعالجه بالموعظة الحسية إلا أن نكون شيطانا مريدا. ج- من المدارة مراعاة أعراف الناس, وعاداتهم ما لم تخالف الشرع: وهذا الأدب يتجلى عندما يعظ الإنسان في مكان غير المكان الذي عاش فيه وألف؛ فربما رمته الغربة في بلد ما, فوجد خلائق أهل ذلك البلد وطباعهم وعاداتهم على غير ما يألف؛ فيحسن به- والحالة هذه- أن يراعي ما عليه أهل ذلك البلد, وأن يتجنب في وعظه منافرتهم, أو مخالفتهم, أو فيما اعتادوا عليه؛ فذلك من جميل المعاشرة, ومن حسن المداراة. فدارهم ما دمت في دارهم ... وأرضهم ما دمت في أرضهم وكل ذلك مشروط بألا يكون في عاداتهم محذور شرعي؛ فإن كان ثم محذور شرعي تعين تقديم الأمر الشرعي على كل عادة وعرف مع مراعاة الأسلوب الأمثل في التنبيه على ما مخالف الشرع.

стр. 23

قال ابن حزم –﵀: "وإياك ومخالفة الجليس, ومعارضة أهل زمانك فيما لا يضرك في دنياك, ولا في أخراك وإن قل؛ فإنك تستفيد بذلك الأذى والمنافرة, والعداوة. وربما أدى ذلك إلى المطالبة والضرر العظيم دون منفعة أصلا".١ ولهذا ترك النبي- ﷺ نقض الكعبة, مع رغبته فيذلك, وأن تكون على قواعد إبراهيم- عليه سلام- وما منعه من ذلك إلا خشية ألا تحتمله قريش؛ لقرب عهدهم بكفر. قال- ﵊: "يا عائشة لولا أن قومك حديث عهدهم بكفر لنقضت الكعبة؛ فجعلت لها بابين: باب يدخل الناس, وباب يخرجون". وفي رواية عن عائشة- ﵂ قالت: سألت النبي- ﷺ عن الجدر أمن البيت هو؟ قال: "نعم" قالت: فما لهم لم يدخلوه في البيت؟ قال: "إن قومك قصرت بهم النفقة" قالت: فما شأن بابه مرتفعا؟ قال: "فعل ذلك قومك؛ ليدخلوا من شاءوا, ويمنعوا من شاءوا. ولولا أن قومك حديث عهدهم بالجاهلية؛ فأخاف أن تنكر قلوبهم أن أدخل الجدر في البيت, وأن الصدق بابه بالأرض". ٢ د- من المدارة الا يستسلم الواعظ لعوارضه النفسية من حب وبغض,

стр. 24

ورضا وغضب, واستحسان وستهجان؛ إذ لو سار على أن يكاشف الناس بكل ما يعرض له من هذه الشؤون في كل وقت وعلى أي حال- لاختل الاجتماع, ولانقبضت الأيدي عن التعاون, ولشاعت البغضاء بين الناس؛ فكان من حكمة الله في خلقه أن هيأ الإنسان لأدب يتحامى به ما يحدث تقاطعا, أو يدعو إلى تخاذل؛ ذلك هو أدب المداراة؛ فهو مما يزرع المودة, ويجمع القلوب والمتنافرة. هـ- من المداراة أن يلقى الواعظ موعظة أمام ذي يد باطشة, فيمنحه جبينا طلقا, ويتجنب في حديثه ما يثير ذلك الباطش. وهذا محمد قول أبو درداء –﵁: "إنا ليكشر في وجوه أقوام, وإن قلوبنا لتلعنهم".١ وفي هذا الأثر شاهد على أن التبسم في وجه الظالم؛ اتقاء بأسه ضرب من المداراة ولا يتعداه إلى أن يكون مداهنة. و المداراة ترجع إلى ذكاء الشخص وحكمته؛ فهو الذي يراعي في مقدارها وطريقتها ما ينبغي أن يكون؛ ذلك أن لأسباب العداوة مدخلا في تفاوت مقادير المداراة, واختلاف طرقها. ز- المداراة يبتغى بها تأليف الناس في حدود ما ينبغي؛ فلا يبعدك عنها

стр. 25

قضاء بالقسط, أو لقاء للنصيحة في رفق. ج- وبالجملة فالمداراة خصلة كريمة, يحكمها الأذكياء, ولا يتعدى حدودها الفضلاء؛ فالنفوس المطبوعة على المداراة نفوس أدركت أن الناس خلقوا؛ ليكونوا في الائتلاف كالجسد الواحد, وشأن الأعضاء السليمة أن تكون ملتئمة على قدر ما فيها من حياة, ولا تنكر عضوا ركب معها في جسد إلا أن يصاب بعلة يعجز الأطباء أن يصفوا لها بعد دواءا. "بعض معالم المداهنة:" وبعد اتضحت بعض معالم المداراة يحسن أن توضح تعض معالم المداهنة؛ فإليك شيئا من ذلك. أ- المداهنة هي إظهار الرضا بما يصدر من الظالم أو الفاسق من قول باطل أو عمل مكروه؛ فهي بلادة في النفس, واستكانة للهوى, وقبول ما لا يرضى به دين, أو عقل, أو مروءة. ب- المداهنة خلق قذر, لا ينحط به إلا من قل في العلم وزنه, أو من نشأ نشأة صغار ومهانة. ج- المهانة بضم بين جناحيها الكذب, وإخلاف الوعد, وقلة الحياء. د- من المداهنة أن يدخل الرجل على من يضطره الحال إلى الثناء عليه مع استغنائه عن الدخول عليه, ثم يبدأ بإطرائه ومدحه بما ليس فيه.

стр. 26

أما إذا اضطر الإنسان إلى الدخول على ذي قوة لا يخلص من بأسه إلا أن يسمعه شيئا من المديح- فهو في سعة أن يمدحه بمقدار ما يخلص من بأس, ولا تلحقه هذه الحالة بزمرة المداهنين. و من المداهنة أن يجعل المداهن لسانة طوع بغية الوجيه, فتراه يسبق هوى الوجيه, ويعجل إلى قول ما يشتهيه الوجيه, فيمدح ما يراه الوجيه حسنا, ويذم ما يراه الوجيه سيئا؛ بغض النظر عن قناعة هذا المداهن من علمها. ز- من المداهنة أن يجعل الإنسان لسانه طوع رغبة طائفته وأتباعه دون ما نظر في رضا الخالق-جل وعلا-. هذه هي المداهنة, وتلك أحوال أهلها يراوغون, ويخاتلون, ويخادعون, ويكذبون, ويسترون وجه الحقيقة الأبلج, ولا يبالون بما يترتب على ذلك من عواقب. أما الذين يعرفون ما في المداهنة من شر, ويحزنهم أن يظهر الشر على من في استطاعته الخير- فيربأون بألسنتهم أن تساير في غير حق, ويؤثرون نصح الأمة بكافة طبقاتها بأبلغ أسلوب على أن يزينوا للناس ما ليس بزين؛ بعلمهم بأن المداهنة خيانة, وتفريط في أداء الأمانة, وأنها ضرر محض على أصحابها وعلى من يسايرونه. ثم إن الناس كبيرهم وصغيرهم يكرهون المداهنة, ويملأون أعينهم باحترام من يوقظهم لوجه الخير إذا كانوا في غفلة, ولوجه الشر إذا اشتبه عليهم. ولقد كان العلماء الأجلاء, والدعاة الصادقون يأخذون بسية المداراة,

стр. 27

ولم يكونوا يتلطخون بر جس المداهنة. ولقد تظاهرت نصوص الشرع, وتظافرت أقوال والعلماء والحكماء في الحث على المداراة, وذم المداهنة, وقد مضى شيء من ذلك. ومن ذلك ما أو رده البخاري في صحيحه, حيث أورد بابا في كتاب الأدب قال فيه: "باب المدارة مع الناس". وساق فيه أثر أبي الدرداء الماضي وحديثين. قال الحسن- ﵀: "حسن السؤال نصف العلم, ومداراة الناس نصف العقل, والقصد في المعيشة يصف المؤونة."١ وقال العتابي: "المداراة سياسة لطيفة, لا يستغني عنها ملك ولا سوقة, يجتلبون بها المنافع, ويدفعون بها المضار, فمن كثر مداراته فهو في ذمة الحمد والسلامة"٢ وقال بعضهم: "ينبغي للعاقل أن يداري زمانه مداراة السابح في الماء الجاري"٣ وقال ابن حبان-﵀ "من التمس رضا جميع الناس التمس ما لا يدرك, ولكن يقصد العاقل رضا من لا يجد عن معاشرته بدا, وإن دفعه الوقت إلى استحسان أشياء من العادات كان يستقبحها, أو استقباح أشياء كان يستحسنها ما لم يكن مأثما؛ فإن ذلك من المداراة, وما أكثر من دارى فلم

стр. 28

يسلم؛ فكيف توجد السلامة لمن يدار؟!."١ وإذا كان الأمر كذلك فإن على دعاة الإصلاح أن يراعوا هذا الجانب, وأن يحرصوا على تربية الناس على خلق المداراة؛ حبة تكون بلاد المسلمين منابت نشئ يميزون المداهنة من المداراة؛ فيخاطبون الناس في رقة وأدب, وشجاعة, ويحترمون من لا يلوث أسماعهم بالملق, ولا يكتمهم الحقائق متى اتسع المقام؛ لأن يحدثهم بصراحة.٢ هذا وسيأتي مزيد بيان وأمثلة لهذه المسألة في فقرات آتية. ٧- أخذ الأهبة والاستعداد خصوصا إذا كان الواعظ في بداياته: فعليه أن يعد للكلمة جيدا, وأن يتدرب على إلقائها, ويحسن به أن يلقيها في أماكن بعيدة عن حواضر العلم, أو في المساجد التي لا يوجد فيها أهل العلم والفضل؛ حتى لا يرتج عليه, أو تقيده حبسه. فإذا ألقى موعظته في هجرة, أو بادية, أو قرية يغلب على أهلها الجهل- كان ذلك أدعى لاسترساله في موعظته, وتدربه على الانطلاق. ويحسن بالمربين أن يدربوا من تحت أيديهم على هذه الخصلة الشريفة, وأن يتعاهدوهم بالنصح, والتهذيب, والتوجيه؛ حتى يكونوا مشاعل هدى, مصابيح دجى.

стр. 29

٨- رباطة الجأش: وهذه الخصلة تولد مع الإنسان, ويكتسبها- أيضا- بالممارسة, والمران, والدربة, كما أنها تتقوى بموجبات الإيمان. فيجمل بالواعظ أن يتصف بهذه الخصلة الحميدة؛ حتى يعتاد لقاء الجمهور, والحديث إليهم بطلاقة ويسر. ولا يجمل بالإنيان أن يسترسل مع ضعف قلبه, وقلة صبره, وخوفه من تهكم الناس؛ فليس من شرط الشجاعة ألا يجد الإنسان في نفسه الخوف من الكلام أو الإقدام؛ فذلك شعور يجده كل أحد إذا هو هم بعمل جديد, أو كبير. بل يكفي في شجاعة الرجل ألا يعظم الخوف في نفسه, حتى يمنعه من الإقدام, أو يرجع به إلى الانهزام. ثم عليه بعد ذلك أن يوطن نفسه على الصبر, وأن يحذر من تضخيم النتائج؛ فهب أنك تكلمت مرة, فأخطأت, أو لم تجد؛ ماذا في الأمر؟ لاشيء فكل أحد عرضة للخطأ بل إن الخطأ هو طريق الصواب؛ فلا تعظم شأن الخطأ في قلبك, ولا تبال بلمز الناس وعقيبهم؛ فالسلامة منهم عزيزة المنال. ثم إن الإخفاق ليس عارا إذا بذل الإنسان جهده, ولا يعد المرء مخفقا إلا إذا تخلى عن المحاولة, وتقبل الهزيمة كأنها دائمة. وبالجملة فإن الخطابة, ومقابلة الجمهور في الوعظ ضرب من ضروب الشجاعة الأدبية, والشجاعة- عموما- هي مواجهة الأمر عند الحاجة في ثبات, وليست مرادفة لعدم الخوف- كما قد يظن-. فهذا عمرو بن معدي كرب الزبيدي-وحسبك به شجاعة وإقداما-يصف نفسه, ويصور حاله في ساحات الوغى, وبين أن الخوف يداخله, ولكنه لا يحمله على الفرار, والإحجام؛ فلا ينقص ذلك من قدره؛ حيث يقول:

стр. 30

ولقد أجمع رجلي بها ... حذر الموت وإني لفرور ولقد أعطفها كارهة ... حين للنفس من الموت هرير كل ما ذلك مني خلق ... وبكل أنا بالروع جدير١ ٩- قوة الملاحظة: لأجل أن يدرك الواعظ أحوال المخاطبين حال إلقاء موعظته أهم مقبلون عليه فيسترسل في قوله, ويستمر في نهجه؟ أم هم معرضون عنه, فيتجه إلى ناحية أرى يراها أقرب إلى قلوبهم وأدنى إلى مواطن التأثير فيهم, فيحسن بالواعظ أن يكون ذا نظرات فاحصة كاشفة؛ بحيث يقرأ نمن الوجوه خطرات القلوب, ومن اللمحات ما تكنه النفوس نحنو قوله؛ ليجدد بذلك نشاطهم, ويذهب بفتوره, ولتتصل روحه بأرواحهم.٢ ١٠- حضور البديهة: لأن الواعظ قد تمر به أحوال تجبره على العدول عن كلمة إلى أخرى؛ فقد يعد كلمة, وظن أنها تناسب هؤلاء القوم؛ فإذا رآهم, أو رأى بعضهم أدرك أنها لا تناسبهم. وقد يقول كلاما فيخشى أن يفهم على غير ما أراد وهكذا ... فإذا كان حاضر البديهة أمكنه تدارك الخطأ, أو تغيير الموضوع, أو تلافي الإحراج. وهذه الخصلة تكتسب بالتجارب, والنظر, والمراس. ١١- مراعاة المدة الزمنية للموعظة: فمراعاة هذا الأدب من الأهمية بمكان؛ إذ هو مما يعين على الانتفاع بالموعظة, والإصغاء إليها بإقبال ونشاط. ولا ريب أن ذلك يختلف باختلاف الأحوال والأشخاص؛ فيختلف باعتبار

стр. 31

حال الموعظة, ويختلف باعتبار حال الواعظ, ويختلف باعتبار حال المخاطبين؛ فالموعظة المفاجئة لها حال, الموعظة المحدودة بزمان ومكان محددين لها حال, والموعظة المحدودة بعنوان لها حال. ثم إن الموعظة التي يلقيها فلان من الناس تختلف عن الموعظة التي يلقيها غير؛ فالعالم وذو المكان له حال, ومن دونه في الرتبة له حال. وكذلك السامعون؛ فالمقبلون على الموعظة لهم حال, ومن كان إقبالهم أقبل فلهم حال أخرى وهكذا ... وبناءا على ذلك فإنه قد لا يتسنى تحديد وقت ملائم للموعظة لا تزيد عنه أو تتعداه؛ فقد تقتضي الحكمة أن يطنب الواعظ, وقد تقتضي أن يوجز, وقد تقتضي أن يتوسط. وإذا روعي هذا الجانب, ووضع في موضعه عم نفعه, وعظم وقعه, والعكس. قال أبو هلال العسكر- ﵀: "والقول القصد أن الإيجاز والإطناب يحتاج إليهما في جميع الكلام, وكل نوع منه, ولكل واحد منها موضع؛ فالحاجة إلى الإيجاز في موضعه كالحاجة إلى الإطناب في مكانه؛ فمن أزال التدبير في ذلك عن جهته, واستعمل الإطناب في موضع الإيجاز, واستعمل الإيجاز في موضع الإطناب أخطأ."١ ومهما يك من شيء فإن التوسط والإيجاز هما أرب الأساليب لإساغة

стр. 32

الموعظة إلا إذا اقتضى المقام غير ذلك. وهكذا كانت خطب النبي- ﷺ فما كان يطيل؛ لأنه يخشى على الناس الملل. وكانت خطبه مع قصرها مليئة بالحكمة, والموعظة الحسنة؛ إذ تجيئ حافلة بجوامع الكلم, والجمل التي تجري على الألسنة مجرى الأمثال.١ جاء في صحيح مسلم عن جابر بن سمرة- ﵁ قال: "كنت أصلى مع رسول الله- ﷺ فكانت صلاته قصدا, وخطبته قصدا."٢ ومعنى "قصدا": أي متوسط بين الإفراط والتفريط وبين التقصير والتطويل.٣ وفي صحيح مسلم عن أبي وائل قال: "خطبنا عمار فأو جز, وأبلغ, فلما نزل قلنا: يا أبا اليقظان! لقد أبلغت, وأوجزت, فلو كنت تنفست! فقال: "إني سمعت رسول الله- ﷺ يقول: "إن طول صلاة الرجل, وقصر خطبته مئنة من فقهه؛ فأطيلوا الصلاة, وأقصروا الخطبة, وإن من البيان سحرا." ٤ ومعنى قوله: "لو كنت تنفست": أي أطلت قليلا. ومعنى: "مئنة من فقه": أي علامة.٥ ومع أن هذا هو دأب رسول الله- ﷺ في خطبة- فهو يطيل في بعض الأحيان متى اقتضى الحال الإطالة. جاء في صحيح مسلم عن عمرو بن أخطب-﵁ قال: "صلى بنا رسول الله

стр. 33

- ﷺ الفجر, وصعد المنبر, وخطبنا حتى حضرت الظهر, فنزل فصلى, ثم صعد المنبر, فخطبنا حتى حضرت العصر, ثم نزل فصلى, ثم صعد المنبر, فخطبنا حتى غربت الشمس, فأخبرنا بما كان وبما هو كائن, فأعلمنا أحفظنا."١ ومن خلال ما مضى يتبين لنا أن مدة إلقاء الموعظة أمر نسبي يرجع فيه إلى اجتهاد الواعظ, وحكمته, ويرجع فيه إلى اختلاف الأحوال والأشخاص. كما تبين لنا أن الإيجاز هو القريب المحبب إلى النفوس. ومما يمكن التفصيل فيه في هذا الشأن- أيضا- أن يقال: إذا كانت الموعظة محددة ومعلنة فلا بأس في إطالتها إذا كان الوقت المحدد يسمح بهذا. وذلك كما لو كان موعدها يستغرق ما بين المغرب والعشاء, أو كان وقتها محددا بساعة أو أكثر. وكذلك تسوغ الإطالة إذا كان الواعظ معروفا عند الناس وهم يرغبون في إطالته كالعالم الذي له منزلته أو نحو ذلك. وكذلك تسوغ الإطالة إذا طلب المخاطبون من الواعظ أن يطيل فيهم. أما إذا كانت الموعظة مفاجئة, أو كان الواعظ لا يعرفه المخاطبون, أو كانوا في مكان أو وقت ضيق فلا تسوغ الإطالة. وذلك مثل الموعظة التي تكون دبر الصلوات المكتوبة؛ فالإطالة فيها تفضي إلى الإملال, واستثقال الحديث؛ فاللائق أن تصاغ بصورة موجزة جدا, فلا يحسن بالواعظ أن يحرج الناس, ويضجرهم, ويثقل عليهم بطول حديثهم. بل يحسن به أن يحدد زمنا قصيرا حتى يحفز المخاطبين إلى البقاء السماع الموعظة, وذلك كأن يقول: لن أزيد في كلمتي هذه على خمس دقائق أو أربع أو نحوها, وأن يفي بما يقول.

стр. 34

ولأن يقال: ليته واصل خير من أن يقال: ليته سكت. ويجمل بالواعظ أن يقتصر في موعظته على الكلمات الجامعات للمعاني الكثيرة, وأن يتجنب التفصيلات التي لا داعي لها. كما يحسن به ألا يتشعب في الموعظة, بل يحسن أن يكون الموضوع واحدا؛ حتى تحصل الفائدة المرجوة منه. فلو انطلق في موعظته من آية, أو حدث, أو أثر, ثم بين المقصود من ذلك بأوجز عبارة لكان حسنا. مثال ذلك أن يأخذ قوله – تعالى-: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] ويتحدث من خلال هذه الآية عن الحكمة من خلق الجن والإنس, وعن فضل عبادة الله, وأثرها في سعادة الإنسان في دنيا وأخراه, وعن عاقبة الإعراض عن عبادة الله, وأثره في الشقاوة دنيا وأخرى وهكذا ... أو أن يأخذ قوله – تعالى-: ﴿خُذْ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنْ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: آية ١٩٩] ثم يبين كيف جمعت هذه الآية مكارم الأخلاق وهكذا ... أو أن يأخذ سورة العصر, ويبين من خلالها أصول السعادة, وأنها تكمن في العلم, والعمل به, والدعوة إليه, والصبر على الأذى فيه. أو أن يأتي بالحديث الذي رواه معاذ وأبو ذرة –﵄ عن النبي- ﷺ أنه قال: "اتق الله حيثما كنت, وأتبع السيئة الحسنة تمحها, وخالق

стр. 35

الناس بخلق حسن." ١ ثم يبين كيف جمع هذا الحديث بين حقين عظيمين من أتى بهما أفلح وسعد, والعكس. وهذان الحقان هما حق الله, وحق الناس؛ فحق الله في الجملتين الأوليين, وحق الناس في الجملة الأخيرة, وهكذا ... وكذلك الحال بالنسبة للموعظة بعد صلاة الجمعة؛ فالذي ينبغي ألا تكون إلا إذا رأى الواعظ أن الحاجة ماسة لذلك؛ فينبه إلى ما يريد التنبيه عليه, ويبين ما يريد بيانه من الأمور التي لابد أن يفقهها الناس في ذلك الوقت, وأن يكون ذلك في وقت وجيز جدا؛ لأن الناس قد استمعوا الخطبة الجمعة, وربما تكون الخطبة طويلة, كما أن بعضهم قد يكون أتى إلى المسجد مبكرا, فيثقل عليه سماع الموعظة, ويستحيي من الخروج, فيقع في حرج. ثم إن الناس يرغبون في الانتشار بعد الصلاة, وابتغاء ما عند الله- . قال الإمام أحمد-﵀: "إذا كانوا يقرؤون الكتاب يوم الجمعة على الناس بعد الصلاة أعجب إلي أن يسمع إذا كان فتحا من فتوح المسلمين, أو كان فيه شيء من أمور المسلمين فليستمع, وإن كان شيئا إنما فيه ذكرهم فلا يستمع."٢ ١٢- التخول بالموعظة: فذلك أدعى للاشتياق, وأحرى لقبول الموعظة والانتفاع بها؛ فجدير بالواعظ ألا يكثر من وعظ أناس بأعيانهم, أو يتابع عليهم الوعظ مرارا قريبا بعضها من بعض؛ فإن النفس شرود, وإن كثرى الوعظ تفقده أثره.

стр. 36

ولقد كان من حكمة نبينا محمد- ﷺ في الدعوة أنه لا يجعل الوعظ ركاما, بل كان يتحرى بالموعظة وقت حاجة الناس إليها, أو وقت نشاطهم لسماعها. أورد البخاري- رحمه الله تعالى- في كتاب العلم من صحيحه بابين في هذا الشأن. أحدهما: "باب ما كان النبي- ﷺ يتخولهم بالموعظة والعلم؛ كي لا ينفروا." وتحت هذا الباب ساق بسنده حديثين, أحدهما عن ابن مسعود- ﵁ قال: "كان النبي- ﷺ يتخولنا بالموعظة في الأيام؛ كراهة السامة علينا."١ والثاني عن أنس- ﵁ عن النبي- ﷺ قال: "يسروا, ولا تعسروا, وبشروا, ولا تنفروا". ٢ والباب الثاني: "باب من جعل لأهل العلم أياما معلومة." ثم قال: حدثنا عثمان بن أبي شيبة, قال: حدثنا حرير عن منصور عن أبي وائل قال: كان عبد الله- يعني ابن مسعود- يذكر الناس في كل خميس, فقال له رجل: يا أبا عبد الرحمن! لوددت لوذكرتنا كل يوم. قال: أما إنه يمنعني من ذلك أني أكره أن أملكم, وإني أخولكم بالموعظة, كما كان النبي- صلى الله عليه وسم- يتخولنا بها؛ مخافة السامة علينا."٣ قال ابن حجر- ﵀: في شرح الحديث الأول: "في قوله"كان يتخولنا": " والمعنى كان يراعي الأوقات في تذكيرنا, ولا يفعل ذلك كل يوم؛ لئلا نمل."٤ وقال: "وقوله: "علينا": أي السآمة الطارئة, أو ضمن معنى المشقة,

стр. 37

فعداها بعلى, والصلة محذوفة, والتقدير في الموعظة."١ وقال ابن حجر مبينا الضوابط في ذلك:"ويختلف باختلاف الأحوال والأشخاص, والضابط: الحاجة مع مراعاة وجود النشاط."٢ وجاء في صحيح البخاري عن عكرمة عن ابن عباس-﵄ قال: "حدث الناس كل جمعة مرة, فإن أبيت فمرتين, فإن أكثرت فثلاث مرار, ولا تمل الناس هذا القرآن" الحديث.٣ والعرب تقول في أمثالها: "زر غبا تزدد حبا."٤ وقال بعضهم: إذا شئت أن تقلى فزر متتابعا ... وإن شئت أن تزداد حيا فزر غبا٥ وسيأتي مزيد بيان لهذه الفقرة في الفقرة التالية. ١٣- ترك الوعظ عند من لا يرغب:فمما يحسن بالواعظ أن يحفظ على نفسه كرامتها, وألا يبذل عمله, وينشره عند من لا يقدره, أو لا يرغب فيه. ومن الحكمة في ذلك ألا يلقي إلا في مكان مناسب, وفي وقت يحسن الإلقاء فيه. أما إذا كان المكان والزمان غير مناسبين, أو كان الناس عنه منصرفين, والحديثه غير راغبين- فلا يحسن به أن يلقي. مثال ذلك أن يكون الناس في وليمة زواج, وهم يتحدثون, ويسلم بعضهم على بعض.

стр. 38

أما إذا كان المكان مهيأ والناس مستعين لسماع الموعظة فلا بأس بإلقائها وإن كان بعضهم مشتغلا عنه. جاء في صحيح البخاري عن عكرمة عن ابن عباس-﵄-قال: "ولا ألفينك تأتي القوم, وهم في حديث من حديثهم, فتقص عليهم, فتقطع عليهم حديثهم, فتملهم, ولكن أنصت فإن أمروك فحدثهم وهم يشتهونه."١ قال ابن حجر-﵀ في شرح كلام ابن عباس-﵄: "وفيه كرهة التحديث عند من لا يقبل عليه, والنهي عن قطع حديث غيره, وأنه لا ينبغي نشر العلم عند من لا يحرص عليه, ويحدث من يشتهي بسماعة؛ لأنه أجدر أن ينتفع بع."٢ وعقد الخطيب البغدادي- ﵀ في كتابه الجامع بابا عنوانه: "باب كراهة التحديث لمن لا يبغيه وأن من ضياعه بذاله لغير أهله." ثم ساق جملة من الآثار في هذا. ومن ذلك ما رواه بسنده عن مسروق-﵀ قال: "لا تنشر بزك إلا عند من يبتغيه." قال الإمام أحمد-﵀ "يعني الحديث."٣ وساق بسنده عن مطرف-﵀ أنه قال: "لا تطعم طعامك من لا يشتهيه." أي لا تحدث بالحديث من لا يريده.٤ وروي عن مغيرة –﵀ قال: "إني لأحتسب في منعي الحديث كما تحتسبون

стр. 39

في بذله."١ وهكذا يتبين لنا من خلال هذه الآثار أن الداعي لا بدله من آذان مصغية تعي ما يقول, وإلا كان كلامه هباءا منثورا. ثم إن قدر العلم والموعظة قد يخف عند الناس إذا رأوا صاحبه في موقف لا يحسد عليه, من إعراض الناس عنه, أو وقيعتهم. بل لقد بالغ بعضهم فقال: يستوجب الصفع في الدنيا ثمانية ... لا لوم في واحد منهم إذا صفعا ثم ذكر منهم: ومتحف بحديث غير سامعه ... وداخل في حديث اثنين مندفعا٢ ولا يدخل في ذلك من رأى أناسا على منكر ثم أراد الإنكار عليهم بموعظة يقولها لهم؛ فلا حرج على هذا إذا أراد تغيير المنكر خصوصا إذا كان في حدود الحكمة, ولا لوم عليه إذا كرهوا موعظته وإنكاره. فهذا المقام خلاف المقام السابق؛ إذا هو مقام إنكار, وذاك مقام موعظة عامة. ١٤- التجوز في الموعظة عند ملاحظة الملل والفتور: فمن الأدب في الموعظة, ومما يليق بالواعظ أن يتجوز في موعظته, أو أن يقطع حديثه إذا لاحظ أن الملل والفتور قد دبا إلى السامعين. وعلامة ذلك أن يرى منهم أو من بعضهم تحفزا, أو تمطيا, أو تثاؤبا, أو التفاتا, أو نحو ذلك مما لا يخفى على الواعظ الألمعي. أورد الخطيب في كتابه الجامع مسألة عنوانها "كراهة التحديث لمن عارضه

стр. 40

الكسل والفتور." ثم قال-﵀: "حق الفائذة أن تساق إلى مبتغيها, ولا تعرض إلا على الراغب فيها؛ فإذا رأى المحدث بعض الفتور من المستمع فليسكت؛ فإن بعض الأدباء قال: نشاط القائل على قد فهم السامع."١ وذكر البغوي-﵀ عن ابن مسعود- رصي الله عنه- أنه قال: "حدث القوم ما حدجوك ٢ بأبصار هم, وأقبلت عليك قلوبهم؛ فإذا انصرفت عنك قلوبهم, فلا تحدثهم." قيل وما علامة ذلك؟ قال: "إذا التفت بعضهم إلى بعض, ورأيتهم يتثاءبون فلا تحدثهم."٣ وذكره الخطيب عن ابن مسعود بلفظ: "حدث القوم ما أقبلت عليك قلوبهم؛ فإذا انصرفت قلوبهم؛ فلا تحدثهم." قيل له: وما علامة ذلك؟ قال: "إذا حدقوك بأبصارهم؛ فإذا تثاءبوا, واتكأ بعضهم على بعض فقد انصرفت قلوبهم فلا تحدثهم."٤ وأخرج الدارمي في سننه عن ابن مسعود-﵁ قوله: "إن للقلوب لنشاطا وإقبالا, وإن لها لتولية وإدبارا؛ فحدثوا الناس ما أقبلوا عليكم."٥ وأخرج الخطيب عن أبي خلدة قال: سمعت أبا العالية-﵀ يقول: "حدث الناس ما حملوا.
следующие страницы →