← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 7496

أدب الموعظة

محمد بن إبراهيم الحمد

Полный текст (107 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

ولقد كان من حكمة نبينا محمد- ﷺ في الدعوة أنه لا يجعل الوعظ ركاما, بل كان يتحرى بالموعظة وقت حاجة الناس إليها, أو وقت نشاطهم لسماعها. أورد البخاري- رحمه الله تعالى- في كتاب العلم من صحيحه بابين في هذا الشأن. أحدهما: "باب ما كان النبي- ﷺ يتخولهم بالموعظة والعلم؛ كي لا ينفروا." وتحت هذا الباب ساق بسنده حديثين, أحدهما عن ابن مسعود- ﵁ قال: "كان النبي- ﷺ يتخولنا بالموعظة في الأيام؛ كراهة السامة علينا."١ والثاني عن أنس- ﵁ عن النبي- ﷺ قال: "يسروا, ولا تعسروا, وبشروا, ولا تنفروا". ٢ والباب الثاني: "باب من جعل لأهل العلم أياما معلومة." ثم قال: حدثنا عثمان بن أبي شيبة, قال: حدثنا حرير عن منصور عن أبي وائل قال: كان عبد الله- يعني ابن مسعود- يذكر الناس في كل خميس, فقال له رجل: يا أبا عبد الرحمن! لوددت لوذكرتنا كل يوم. قال: أما إنه يمنعني من ذلك أني أكره أن أملكم, وإني أخولكم بالموعظة, كما كان النبي- صلى الله عليه وسم- يتخولنا بها؛ مخافة السامة علينا."٣ قال ابن حجر- ﵀: في شرح الحديث الأول: "في قوله"كان يتخولنا": " والمعنى كان يراعي الأوقات في تذكيرنا, ولا يفعل ذلك كل يوم؛ لئلا نمل."٤ وقال: "وقوله: "علينا": أي السآمة الطارئة, أو ضمن معنى المشقة,

стр. 37

فعداها بعلى, والصلة محذوفة, والتقدير في الموعظة."١ وقال ابن حجر مبينا الضوابط في ذلك:"ويختلف باختلاف الأحوال والأشخاص, والضابط: الحاجة مع مراعاة وجود النشاط."٢ وجاء في صحيح البخاري عن عكرمة عن ابن عباس-﵄ قال: "حدث الناس كل جمعة مرة, فإن أبيت فمرتين, فإن أكثرت فثلاث مرار, ولا تمل الناس هذا القرآن" الحديث.٣ والعرب تقول في أمثالها: "زر غبا تزدد حبا."٤ وقال بعضهم: إذا شئت أن تقلى فزر متتابعا ... وإن شئت أن تزداد حيا فزر غبا٥ وسيأتي مزيد بيان لهذه الفقرة في الفقرة التالية. ١٣- ترك الوعظ عند من لا يرغب:فمما يحسن بالواعظ أن يحفظ على نفسه كرامتها, وألا يبذل عمله, وينشره عند من لا يقدره, أو لا يرغب فيه. ومن الحكمة في ذلك ألا يلقي إلا في مكان مناسب, وفي وقت يحسن الإلقاء فيه. أما إذا كان المكان والزمان غير مناسبين, أو كان الناس عنه منصرفين, والحديثه غير راغبين- فلا يحسن به أن يلقي. مثال ذلك أن يكون الناس في وليمة زواج, وهم يتحدثون, ويسلم بعضهم على بعض.

стр. 38

أما إذا كان المكان مهيأ والناس مستعين لسماع الموعظة فلا بأس بإلقائها وإن كان بعضهم مشتغلا عنه. جاء في صحيح البخاري عن عكرمة عن ابن عباس-﵄-قال: "ولا ألفينك تأتي القوم, وهم في حديث من حديثهم, فتقص عليهم, فتقطع عليهم حديثهم, فتملهم, ولكن أنصت فإن أمروك فحدثهم وهم يشتهونه."١ قال ابن حجر-﵀ في شرح كلام ابن عباس-﵄: "وفيه كرهة التحديث عند من لا يقبل عليه, والنهي عن قطع حديث غيره, وأنه لا ينبغي نشر العلم عند من لا يحرص عليه, ويحدث من يشتهي بسماعة؛ لأنه أجدر أن ينتفع بع."٢ وعقد الخطيب البغدادي- ﵀ في كتابه الجامع بابا عنوانه: "باب كراهة التحديث لمن لا يبغيه وأن من ضياعه بذاله لغير أهله." ثم ساق جملة من الآثار في هذا. ومن ذلك ما رواه بسنده عن مسروق-﵀ قال: "لا تنشر بزك إلا عند من يبتغيه." قال الإمام أحمد-﵀ "يعني الحديث."٣ وساق بسنده عن مطرف-﵀ أنه قال: "لا تطعم طعامك من لا يشتهيه." أي لا تحدث بالحديث من لا يريده.٤ وروي عن مغيرة –﵀ قال: "إني لأحتسب في منعي الحديث كما تحتسبون

стр. 39

في بذله."١ وهكذا يتبين لنا من خلال هذه الآثار أن الداعي لا بدله من آذان مصغية تعي ما يقول, وإلا كان كلامه هباءا منثورا. ثم إن قدر العلم والموعظة قد يخف عند الناس إذا رأوا صاحبه في موقف لا يحسد عليه, من إعراض الناس عنه, أو وقيعتهم. بل لقد بالغ بعضهم فقال: يستوجب الصفع في الدنيا ثمانية ... لا لوم في واحد منهم إذا صفعا ثم ذكر منهم: ومتحف بحديث غير سامعه ... وداخل في حديث اثنين مندفعا٢ ولا يدخل في ذلك من رأى أناسا على منكر ثم أراد الإنكار عليهم بموعظة يقولها لهم؛ فلا حرج على هذا إذا أراد تغيير المنكر خصوصا إذا كان في حدود الحكمة, ولا لوم عليه إذا كرهوا موعظته وإنكاره. فهذا المقام خلاف المقام السابق؛ إذا هو مقام إنكار, وذاك مقام موعظة عامة. ١٤- التجوز في الموعظة عند ملاحظة الملل والفتور: فمن الأدب في الموعظة, ومما يليق بالواعظ أن يتجوز في موعظته, أو أن يقطع حديثه إذا لاحظ أن الملل والفتور قد دبا إلى السامعين. وعلامة ذلك أن يرى منهم أو من بعضهم تحفزا, أو تمطيا, أو تثاؤبا, أو التفاتا, أو نحو ذلك مما لا يخفى على الواعظ الألمعي. أورد الخطيب في كتابه الجامع مسألة عنوانها "كراهة التحديث لمن عارضه

стр. 40

الكسل والفتور." ثم قال-﵀: "حق الفائذة أن تساق إلى مبتغيها, ولا تعرض إلا على الراغب فيها؛ فإذا رأى المحدث بعض الفتور من المستمع فليسكت؛ فإن بعض الأدباء قال: نشاط القائل على قد فهم السامع."١ وذكر البغوي-﵀ عن ابن مسعود- رصي الله عنه- أنه قال: "حدث القوم ما حدجوك ٢ بأبصار هم, وأقبلت عليك قلوبهم؛ فإذا انصرفت عنك قلوبهم, فلا تحدثهم." قيل وما علامة ذلك؟ قال: "إذا التفت بعضهم إلى بعض, ورأيتهم يتثاءبون فلا تحدثهم."٣ وذكره الخطيب عن ابن مسعود بلفظ: "حدث القوم ما أقبلت عليك قلوبهم؛ فإذا انصرفت قلوبهم؛ فلا تحدثهم." قيل له: وما علامة ذلك؟ قال: "إذا حدقوك بأبصارهم؛ فإذا تثاءبوا, واتكأ بعضهم على بعض فقد انصرفت قلوبهم فلا تحدثهم."٤ وأخرج الدارمي في سننه عن ابن مسعود-﵁ قوله: "إن للقلوب لنشاطا وإقبالا, وإن لها لتولية وإدبارا؛ فحدثوا الناس ما أقبلوا عليكم."٥ وأخرج الخطيب عن أبي خلدة قال: سمعت أبا العالية-﵀ يقول: "حدث الناس ما حملوا.

стр. 41

قال: قلت ما حملوا؟ قال: "ما نشطوا"١. ١٥ـ مراعاة حال الجو: فقد يكون شديد الحرارة، أو شديد البرودة. فإذا اجتمع هذا إلى ثقل الموعظة وطولها قل الانتفاع. فهذا يحمل الواعظ على أن يقتصد في كلامه خصوصا إذا كان الناس على غير موعد معه، أو كانوا قد أدوا الصلاة، ويرغبون في الخروج من المسجد. ١٦ـ معرفة النفوس، ومراعاة العقول: فذلك دليل على حسن التصرف، وسبب في القوة والتأثير؛ فالخبرة بما للطوائف والبيئات من أحوال نفسية، وإلقاء الدعوة بالثوب الملائم لهذه الأحوال موكول إلى ذكاء الواعظ. والواعظ الحكيم يحكم هذا الأمر، وينتفع به عند لقائه بالطبقات المختلفة؛ فتراه يزن عقول من يلاقونه، ويحس بما تكن صدورهم، وتنزع إليه نفوسهم، فيشهد مجالسهم، وهو على بصيرة مما وراء ألسنتهم من عقول وسرائر، وعواطف، فيتيسر له أن يسايرهم إلا أن ينحرفوا عن الرشد، ويتحامى ما يؤلمهم إلا أن يتألموا من صوت الحق. ولا ريب أن مراعاة عقول الناس وطباعهم ونزعاتهم فيما لا يقعد حقا أو يقيم باطلا ـ مظهر من مظاهر الإنسانية المهذبة، وخلق من الأخلاق التي تمم الإسلام صالحها، ومكارمها. وهذا الأمر ـ وإن كان عائدا إلى الموهبة ـ فهو كذلك يقوى وينمو على قدر ما يتقلب فيه الفكر من مشاهدات، وتجارب، ومطالعات تاريخية. وسيأتي مزيد بيان لهذا المعنى. ١٧ـ تحسس الأدواء، والبداءة بالأهم فالمهم: فالواعظ الحكيم يتحسس

стр. 42

أدواء الناس، وينظر أحوالهم، ثم ينزل موعظته على ما يلائم تلك الأحوال من مراعاة الأهم فالمهم. وهكذا كانت سيرة الأنبياء مع أقوامهم؛ فهم ﵈ ينظرون في أحوال أقوامهم، فيأمرونهم بالمعروف الذي أخلوا به، أو يحذرونهم من المنكر الذي وقعوا فيه. فذلك من حكمة الدعوة، ومما يحسن بالواعظ ألا يغفله؛ إذ لا يليق به أن يحدث الناس إلا بما يحتاجون إليه، كما لا يحسن به أن يحدثهم عن أمر وهم محتاجون إلى غيره أشد من حاجتهم إليه، وذلك كحال من يحدثهم عن أدب من الآداب، أو سنة من السنن وهم غارقون في الشرك إلى الأذقان. فهؤلاء محتاجون إلى بيان التوحيد، وخطر الشرك أشد من حاجتهم إلى غيره، وهكذا ... ولا يعني ذلك ألا يتكلم إلا بالتوحيد وفصوله وأبوابه، أو عن الشرك، ووسائله وذرائعه ونحو ذلك. وإنما المقصود بيان الأهم فالمهم وذلك يختلف من مكان إلى مكان، ومن أناس إلى أناس. ولهذا كان جميع الأنبياء ﵈ يقولون لأقوامهم: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف:٥٩] . كما قال الله ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنْ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل:٣٦] . ومع ذلك لم يغفلوا ما وقعت به تلك الأمم من المخالفات الأخرى؛ فهذا لوط ﵇ يقول لقومه: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ

стр. 43

مِنْ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف:٨٠] . وهذا شعيب ﵇ يقول لقومه: ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ [الأعراف:٨٥] . وهكذا كانت سيرة نبينا محمد ﵊ حيث كان يراعي أحوال الناس، وينزل مواعظه على أحوالهم، كما كان يقدم الأهم فالمهم. والأمثلة على ذلك كثيرة جدا، ولعل من أجلاها، وأوضحها ما جاء في حديث ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ لما بعث معاذا إلى اليمن قال له: "إنك تأتي قوما من أهل الكتاب؛ فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله، وفي رواية إلى أن يوحدوا الله؛ فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة؛ فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم؛ فإن هم أطاعوك لذلك فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم؛ فإنه ليس بينها وبين الله حجاب" ١. ومن المراعاة لهذا الأدب أن تلاحظ المناسبات والأوقات التي يناسب فيها الحديث عن أمر من الأمور؛ كالحديث عن رمضان في أيامه، وكالحديث عن الحج في وقته، وهكذا؛ لأن النفوس تنسى إذا طال عليها الأمد؛ فإذا ذكرت تذكرت. ١٨ـ الرفق في القول، واجتناب الكلمة الجافية: فإن الخطاب اللين قد يتألف النفوس الناشزة، ويدنيها من الرشد، ويرغبها في الإصغاء للحجة أو الموعظة.

стр. 44

قال ـ تعالى ـ في خطاب هارون وموسى ﵉ ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى* فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه٤٣-٤٤] . ولقن موسى ﵇ من القول اللين أحسن ما يخاطب به جبار يقول لقومه: أنا ربكم الأعلى، فقال ـ تعالى ـ: ﴿فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى*وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى﴾ [النازعات١٨-١٩] . فأخرج الكلام معه مخرج السؤال والعرض، لا مخرج الأمر، وقال: ﴿إلى أن تزكى﴾ ولم يقل: "إلى أن أزكيك". فنسب الفعل إليه هو، وذكر لفظ التزكي دون غيره؛ لما فيه من البركة، والخير، والنماء. ثم قال: ﴿وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ﴾ أكون كالدليل بين يديك الذي يسير أمامك. وقال: ﴿إِلَى رَبِّكَ﴾ استدعاءا لإيمانه بربه الذي خلقه، ورزقه، ورباه بنعمه صغيرا وكبيرا"١. ولهذا فإن الموعظة التي تلقى في أدب، وسعة صدر، تسيغها القلوب، وتهش لها النفوس، وترتاح لها الأسماع. ولقد امتن ربنا ـ جل وعلا ـ على نبينا محمد ﷺ بأن جبله على الرفق ومحبة الرفق، وأن جنبه الغلظة، والفظاظة، فقال : ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران:١٥٩] .

стр. 45

ولقد كانت سيرته ﵊ متمثلا هذا الخلق فقد كان يأمر به ويبين فضله. قال ﷺ : "إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف، وما لا يعطي على غيره" ١. وقال ﵊: "إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه" ٢. ولما بعث أبا موسى الأشعري ومعاذا إلى اليمن قال لهما: "يسرا ولا تعسرا، وبشرا ولا تنفرا، وتطاوعا ولا تختلفا" ٣. قال الإمام أحمد ﵀: "يأمر بالرفق والخضوع، فإن أسمعوه ما يكره لا يغضب؛ فيكون يريد ينتصر لنفسه"٤. ولقد أحسن من قال: لو سار ألف مدجج في حاجة ... لم يقضها إلا الذي يترفق٥ وكان يقال: "من لانت كلمته وجبت محبته"٦. فالرفق ولين الخطاب هو المتعين حال الموعظة، وهو الأليق بحال الواعظ؛

стр. 46

لأن حال الموعظة غير حال الرد، والمناظرة، والمجادلة. ومع ذلك قد يحتاج إلى الشدة وذلك في حالات خاصة، ومن أناس مخصوصين، وفي حق من يستحق ذلك؛ فإذا كان الواعظ ذا مكانة، وكان المقام يقتضي الشدة، ولم يترتب على ذلك مفسدة ـ أخذ بهذا الأسلوب. ولهذا كان موسى ﵇ متلطفا مع فرعون غاية التلطف في بداية الأمر ـ كما مر قريبا ـ وعندما رأى من فرعون العناد والاستكبار ومحاولة الصد عن الهدى من بعد ما تبين له ـ أغلظ له في الخطاب كما في قوله ـ تعالى ـ: ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ [الإسراء:١٠٢] . فأين هذا الخطاب من الخطاب الأول؟ وكما في قوله ـ تعالى ـ ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ [العنكبوت:٤٦] . وكما قال إبراهيم ﵇ لقومه: ﴿أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [الأنبياء: ٦٧] . وكان النبي ﷺ يأخذ بهذا الأسلوب عند الحاجة إليه. ومن ذلك ما جاء في الصحيحين في قصة المرأة المخزومية التي سرقت، فعن عائشة ﵂ أن قريشا أهمتهم المرأة المخزومية التي سرقت؛ فقالوا: ومن يكلم رسول الله ﷺ ، ومن يتجرأ عليه إلا أسامة حب رسول الله ﷺ . فكلم رسول الله ﷺ فقال: "أتشفع في حد من حدود الله؟ ". ثم قام فخطب، قال: "يا أيها الناس! إنما أضل من قبلكم أنهم إذا سرق الشريف تركوه، وإذا سرق الضعيف أقاموا عليه الحد، وأيم الله لو أن فاطمة

стр. 47

بنت محمد سرقت لقعط محمد يدها" ١. وفي الصحيحين ـ أيضا ـ عن أبي هريرة ﵁ قال: "ليس صلاة أثقل على المنافقين من الفجر والعشاء، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوا، لقد هممت أن آمر المؤذن فيقيم، ثم آمر رجلا يؤم الناس، ثم آخذ شعلا من نار فأحرق على من لا يخرج إلى الصلاة بعد" ٢. ولقد بوب البخاري في كتاب الأدب من صحيحه بابا سماه: "باب: ما يجوز من الغضب والشدة لأمر الله". ثم ساق تحته خمسة أحاديث٣. وخلاصة القول أن الرفق هو الأصل، وهو الأليق بحال الواعظ ما لم تدع الحاجة إلى الشدة، وأن الشدة قد لا تلائم كل واحد، خصوصا ممن ليس له قدر سن، أو علم، أو منزلة، أو قبول عند الناس. ١٩ـ نزاهة اللسان: ومما يدخل في ذلك تجنب الفحش، والبذاءة. عن ابن مسعود ﵁ قال قال رسول الله ﷺ : "ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان، ولا الفاحش البذيء" ٤. قال النووي ﵀: "ومما ينهى عنه الفحش، وبذاءة اللسان، والأحاديث الصحيحة فيه كثيرة ومعروفة. ومعناه: التعبير عن الأمور المستقبحة بعبارة صريحة، وإن كانت صحيحة،

стр. 48

والمتكلم بها صادقا. وينبغي أن يستعمل في ذلك الكنايات، ويعبر عنها بعبارة جميلة يفهم بها الغرض. وبهذا جاء القرآن العزيز، والسنن الصحيحة المكرمة. قال ـ تعالى ـ ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة:١٨٧] . وقال ـ تعالى ـ: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ [النساء: ٢١] . وقال ـ تعالى ـ: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [البقرة:٢٣٧] . والآيات، والأحاديث الصحيحة في ذلك كثيرة. قال العلماء: فينبغي أن يستعمل في هذا ما أشبهه من العبارات التي يستحيا من ذكرها بصريح ـ اسمها ـ الكنايات المفهمة؛ فيكني عن جماع المرأة بالإفضاء، والدخول، والمعاشرة، والوقاع، ونحوها"١. وقال النووي ﵀: "وكذلك يكني عن البول والتغوط بقضاء الحاجة، والذهاب إلى الخلاء، ولا يصرح بالخراءة، والبول، ونحوهما. وكذلك ذكر العيوب، كالبرص، والبخر، والصنان، وغيرها يعبر عنها بعبارات جميلة يفهم منها الغرض. ويلحق بما ذكر من الأمثلة سواه"٢. قال القاسمي ﵀: "إياك، وما يستقبح من الكلام؛ فإنه ينفر عنك الكرام، ويؤثب عليك اللئام"٣.

стр. 49

ومما يدخل في ذلك ما كان مستنكر الظاهر، وإن كان معناه سليما بعد تدقيق النظر فيه. قال الماوردي ﵀: "وما يجري مجرى فحش القول، وهجره، ولزوم تنكبه ـ ما كان شنيع البديهة، ومستنكر الظاهر، وإن عقب التأمل سليما، وبعد الكشف، والرؤية مستقيما"١. ومما تجدر الإشارة إليه أنه لا ينبغي التصريح بالعبارات المستكرهة صراحة ما لم تدع الحاجة ـ كما مر ـ. أما إذا دعت الحاجة إلى ذلك فلا بأس به، بل هو المتعين؛ فإن تحصيل الإفهام في هذا أولى من مراعاة الأدب٢. ٢٠ـ صرف الإنكار على غير معين: فذلك مما يندرج في سلك أدب الموعظة، وهكذا كان النبي ﷺ حيث كان يأخذ في التأديب والزجر عما لا ينبغي مأخذا لطيفا، حتى إنه لا يوجه الإنكار إلى الرجل الذي صدر منه الخطأ بعينه، ما وجد في الموعظة العامة كفاية من باب قوله: "ما بال أقوام". جاء في الصحيحين عن عائشة ﵂ قالت: صنع النبي ﷺ شيئا فرخص فيه، فتنزه عنه قوم، فبلغ ذلك النبي ﷺ فخطب، فحمد الله ثم قال: "ما بال أقوام يتنزهون عن الشيء أصنعه؟ فوالله إني لأعلمهم بالله وأشدهم له خشية" ٣. وقد بوب البخاري ﵀ لهذا الحديث في "باب من لم يواجه الناس في

стр. 50

العتاب". وشكى إليه رجل رجلا حين كان يطيل بهم صلاة الغداة، فاشتد غضبه ﷺ ولكنه احتفظ بعبارته الجميلة؛ فلم يخاطب الذي كان يطيل على التعيين، بل عمم الموعظة وقال: "أيها الناس إن منكم منفرين؛ فمن صلى بالناس فليخفف؛ فإن فيهم المريض، وذا الحاجة" ١. هذا هو الأصل في تعميم الموعظة، وصرف الإنكار إلى غير معين. أما إذا احتيج إلى أن يكون الإنكار على وجه التعيين فلا بأس في ذلك، وإن كان ذلك لا يسوغ من كل أحد، ولا في حق كل أحد؛ إذ لا يسوغ إلا إذا اقتضت الحكمة ذلك، ولا يسوغ إلا ممن له منزلة، ومكانة، وكلمة مطاعة. ولهذا خاطب النبي ﷺ معاذا ﵁ على وجه التعيين. جاء في الصحيحين عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: "كان معاذ بن جبل يصلي مع النبي ﷺ ثم يرجع فيؤم قومه، فصلى ليلة مع النبي ﷺ العشاء، ثم أتى قومه فأمهم، فافتتح بسورة البقرة، فانحرف رجل، فسلم، ثم صلى وحده، وانصرف، فقالوا له: أنافقت يا فلان؟ قال: لا، والله لآتين رسول الله ﷺ فلأخبرنه، فأتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إنا أصحاب نواضح نعمل بالنهار، وإن معاذا صلى معك العشاء، ثم أتى فافتتح بسورة البقرة، فأقبل رسول الله ﷺ على معاذ فقال: "يا معاذ! أفتان أنت؟ اقرأ بكذا، واقرأ بكذا". وفي رواية: "يا معاذ! أفتان أنت ـ ثلاثا ـ اقرأ: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ و ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ ، ونحوهما". وفي رواية: "فتان، فتان، فتان" ثلاث مرار أو قال: "فتانا، فتانا، فتانا" ٢.

стр. 51

٢١ـ أن يوجه الواعظ الإنكار إلى نفسه تصريحا، وهو يعني السامع تلميحا: كأن يقول: ما لنا لا نتقي الله، ونمتثل أوامره، ونجتنب نواهيه، ونحو ذلك.. ويشير إلى هذا الأدب قوله ـ تعالى ـ فيما يقصه عن رجل يدعو قومه إلى الإيمان بالله: ﴿وَمَا لِي لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [يس:٢٢] . فإنه أراد تقريع المخاطبين؛ إذ أعرضوا عن عبادة خالقهم، وعكفوا على عبادة ما لا يغني عنهم شيئا، فأورد الكلام في صورة الإنكار على نفسه؛ تلطفا في الخطاب، وإظهارا للخلوص في النصيحة؛ حيث اختار لهم ما يختار لنفسه. ٢٢ـ مراعاة المشاعر: وقد مضى شيء من ذلك، ومن المراعاة في هذا الشأن ـ أيضا ـ أن لا يكثر الواعظ من صيغة فعل الأمر كأن يكثر في كلامه من قول: افعلوا واتركوا، ونحو ذلك؛ لأن الأمر ثقيل على النفوس خصوصا إذا كان الواعظ صغيرا، أو ليس معروفا عند السامعين. ومن المراعاة للمشاعر ألا يلفظ بالكلمات التي يمجها الذوق، وتتأذى منها الأسماع ـ كما مر ـ وألا يواجه الناس بما يكرهون، وألا يكثر من لومهم، ونقدهم، وتقريعهم، وتحميلهم ما لا يطيقون. ومن المراعاة للمشاعر أن يرفع الواعظ من قيمة السامعين، وأن يذكرهم بما عندهم من الخبر؛ حتى تنشرح صدروهم لما يلقى عليهم. ومن المراعاة للمشاعر أن يمهل الواعظ من فاتتهم الصلاة حتى يفرغوا من صلاتهم؛ حتى يتمكنوا من سماع الموعظة، ولئلا تختلط عليهم الصلاة، وذلك إذا كانت الموعظة تلقى بعد الصلاة المكتوبة. ومما يستحسن في هذا أن يستأذن الواعظ الإمام بأن يخبر المأمومين بأن موعظة ستلقى بعد قليل؛ حتى يمكث الذين أدوا الصلاة، ريثما ينتهي الذين

стр. 52

يلحقون. وإذا رأى الواعظ أن يبدأ موعظته فليخفض صوته قدر المستطاع حتى لا يشوش على المصلين. ومن مراعاة المشاعر تنزيل الناس منازلهم، فكل يعطى منزلته اللائقة به من الإجلال، والإكرام، والتوقير؛ فذلك أدعى لقبول الحق، والإذعان إليه. أخرج مسلم في مقدمة صحيحه عن عائشة ﵂ أنها قالت: "أمرنا رسول الله ﷺ أن ننزل الناس منازلهم"١. ولقد اعتنت كتب السنة بهذا المعنى، كما اعتنت بذلك أدب الطلب كثيرا. ولو ألقى القارئ نظرة في بعضها لرأى ذلك جليا. ومن ذلك على سبيل المثال: كتاب الجامع لأخلاق الراوي، وآداب السامع للخطيب البغدادي. ومما عقده من أبواب في ذلك الكتاب ـ الباب التاسع عشر، وعنوانه: "باب: توقير المحدث طلبة العلم، وأخذه نفسه بحسن الاحتمال لهم والحلم". وساق جملة من الآثار تحت هذا الباب، ومن العنوانات التي جاءت تحت هذا الباب ما يلي: ـ "إكرامه المشايخ وأهل المعرفة". ـ "تعظيم المحدث الأشراف ذوي الأنساب". ـ تعظيم من كان رأسا في طائفته وكبيرا عند أهل نحلته". ـ "إكرامه الغرباء من الطلبة وتقريبهم".

стр. 53

ـ "استقباله لهم بالترحيب". ـ تواضعه لهم". ـ "تحسين خلقه معهم". ـ "الرفق بمن جفا طبعه منهم". وتحت كل عنوان ساق ﵀ جملة من الآثار١. ومن المراعاة للمشاعر أن لا يكثر من ذكر اسم شخص ينفر منه السامعون ولو كان كلامه حقا، ويكفي في ذلك أن يورد كلامه دون ذكر لشخصه. وهذا ما يصنعه بعض العلماء كصنيع ابن أبي العز الحنفي ﵀ في كتابه "شرح العقيدة الطحاوية" حيث أورد كثيرا من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية، والعلامة ابن القيم ـ رحمهما الله ـ دون ذكر لاسميهما؛ لأن هدفه نشر الحق، ولو أنه ذكرهما بأعيانهما لربما حصل نفرة من كتابه خصوصا في ذلك الوقت. ومن المراعاة للمشاعر ـ أيضا ـ أن يورد الكلام بعزوه إلى قائله إذا كان ممن له قبول عند السامعين. ومن ذلك ألا يذم شخصا بعينه إذا كان في ذمه باسمه استثارة للسامعين ـ وإن كان ذلك المذموم يستحق الذم ـ ويكفي في ذلك أن يبين الحق فيما يراد بيانه، ويبين الباطل في ذلك دون ذكر للأشخاص ما وجد إلى ذلك سبيلا. ٢٣ـ التثبت مما يقال، والنظر في جدوى نشره: فالواعظ اللبيب لا يتكلم في شيء إلا إذا تثبت من صحته؛ فإذا ثبت لديه ذلك نظر في جدوى نشره؛ فإن في نشره حفز للخير، واجتماع عليه ـ نشره، وأظهره، وإن كان خلاف ذلك أعرض عنه، وطواه.

стр. 54

ولقد جاء النهي الصريح عن أن يحدث المرء بكل ما سمع. قال ﷺ : "كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع" ١. ويتعين هذا الأدب في وقت الفتن والملمات، فيجب على الواعظ أن يتحرى هذا الأدب؛ حتى يقرب من السلامة، وينأى عن العطب. قال الله ـ تعالى ـ ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوْ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمْ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء:٨٣] . قال الشيخ العلامة عبد الرحمن السعدي ﵀ في تفسير هذه الآية: "هذا تأديب من الله لعباده عن فعلهم هذا غير اللائق، وأنه ينبغي لهم إذا جاءهم أمر من الأمور المهمة، والمصالح العامة مما يتعلق بالأمن، وسرور المؤمنين أو بالخوف الذي فيه مصيبة عليهم ـ أن يتثبتوا، ولا يستعجلوا بإشاعة ذلك الخبر، بل يردونه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم: أهل الرأي، والعلم، والنصح، والعقل، والرزانة، الذين يعرفون الأمور، ويعرفون المصالح وضدها. فإذا رأوا في إذاعته مصلحة ونشاطا للمؤمنين، وسرورا لهم، وتحرزا من أعدائهم ـ فعلوا ذلك، وإن رأوا ما ليس فيه مصلحة، أو فيه مصلحة، ولكن مضرته تزيد على مصلحته لم يذيعوه. ولهذا قال: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ . أي يستخرجونه بفكرهم وآرائهم السديدة، وعلومهم الرشيدة. وفي هذا دليل لقاعدة أدبية، وهي أنه إذا حصل بحث في أمر من الأمور ينبغي أن يولى من هو أهل ذلك، ويجعل إلى أهله، ولا يتقدم بين أيديهم؛

стр. 55

فإنه أقرب إلى الصواب، وأحرى للسلامة من الخطأ. وفيه النهي عن العجلة والتسرع لنشر الأمور من حين سماعها، والأمر بالتأمل قبل الكلام، والنظر فيه هل هو مصلحة فيقدم عليه الإنسان أم لا فيحجم عنه؟ "١. وقال ﵀ في موضع آخر حاثا على التثبت، والتدبر، والتأمل قال: "وفي قوله ـ تعالى ـ ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه:١١٤] أدب طالب العلم، وأنه ينبغي له أن يتأنى في تدبره للعلم، ولا يستعجل بالحكم على الأشياء، ولا يعجب بنفسه، ويسأل ربه العلم النافع والتسهيل"٢. وقال ﵀: "قوله ـ تعالى ـ ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ﴾ [النور: ١٢] هذا إرشاد منه لعباده إذا سمعوا الأقوال القادحة في إخوانهم المؤمنين رجعوا إلى ما علموا من إيمانهم، وإلى ظاهر أحوالهم، ولم يلتفتوا إلى أقوال القادحين، بل رجعوا إلى الأصل، وأنكروا ما ينافيه"٣. قال ابن حبان ﵀: "أنشدني منصور بن محمد الكريزي: الرفق أيمن شيء أنت تتبعه ... والخرق أشأم شيء يقدم الرجلا وذو التثبت من حمد إلى ظفر ... من يركب الرفق لا يستحقب الزللا٤

стр. 56

هذا وسيأتي مزيد بيان لهذه الفقرة في الفقرة الآتية: ٢٤ـ ألا يحرص على إبداء رأيه في كل أمر، وألا يقول كل ما يعلم: فاللائق بالواعظ أن ينظر في العواقب، وأن يراعي المصالح؛ فلا يحسن به أن يبدي رأيه في كل صغيرة وكبيرة، ولا يلزمه أن يتكلم بكل نازلة؛ لأنه ربما لم يتصور الأمر كما ينبغي، وربما أخطأ التقدير، وجانب الصواب، والعرب تقول في أمثالها: "الخطأ زاد العجول"١. بخلاف ما إذا تريث وتأنى؛ فإن ذلك أدعى لصفاء القريحة، وأحرى لأن يختمر الرأي في الذهن، وأخلق بالسلامة من الخطأ. والعرب تمدح من يتريث، ويتأنى، ويقلّب الأمور ظهرا لبطن، وتقول فيه: "إنه لحُوّل قُلّب"٢. بل ليس من الحكمة أن يبدي رأيه في كل ما يعلم حتى لو كان متأنيا في حكمه، مصيبا في رأيه؛ فما كل رأي يجهر به، ولا كل ما يعلم يقال. بل الحكمة تقتضي أن يحتفظ الإنسان بآرائه إلا إذا استدعى المقام ذلك، واقتضته الحكمة والمصلحة. وزن الكلام إذا نطقت فإنما ... يبدي العقول أو العيوب المنطق قال أحد الحكماء: "إن لابتداء الكلام فتنة تروق وجدة تعجب؛ فإذا سكنت القريحة، وعدل التأمل، وصفت النفس ـ فليعد النظر، وليكن فرحه بإحسانه مساويا لغمّه بإساءته"٣. وقال ابن حبان ﵀: "الرافق لا يكاد يسبق كما أن العجل لا يكاد

стр. 57

يلحق وكما أن من سكت لا يكاد يندم كذلك من نطق لا يكاد يسلم. والعجل يقول قبل أن يعلم، ويجيب قبل أن يفهم، ويحمد قبل أن يجرب، ويذم بعد ما يحمد، ويعزم قبل أن يفكر، ويمضي قبل أن يعزم. والعجل تصحبه الندامة، وتعتزمة السلامة، وكانت العرب تكنّى العجلة أم الندامات١. وذكر بسنده عن عمر بن حبيب قال: "كان يقال: لا يوجد العجول محمودا، ولا الغضوب مسرورا، ولا الحر حريصا، ولا الكريم حسودا، ولا الشره غنيا، ولا الملول ذا إخوان"٢. ولهذا تتابعت نصائح الحكماء على التريث خصوصا عند إرادة الإقدام على مواقع الخطر، قال المتنبي: الرأي قبل شجاعة الشجعان ... هو أول وهي المحل الثاني فإذا هما اجتمعا لنفس مرة ... حازت من العلياء كل مكان٣ وقال: وكل شجاعة في المرء تغني ... ولا مثل الشجاعة في الحكيم٤ ٢٥ـ التمهيد والتدرج في العرض: مثال ذلك أن يقصد الواعظ إلى أمر فيه مشقة، فيضع أمامه تمهيدا يخفف وقعه، ويقلل شأنه، حتى لا تكبره النفوس، وترتخي دونه العزائم خورا. ومثال هذا ما سلكه التنزيل في التكليف بفريضة الصيام؛ حيث شرعه أولا

стр. 58

في أمر مجمل فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ﴾ [البقرة:١٨٣] . وذكر أن هذا النوع من القربة قد فرض على الأمم السالفة، فقال ـ تعالى ـ: ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٨٣] . فهو عمل مألوف، وشريعة غير خاصة، وفي هذه التذكرة ما يدخله في قبيل السنن الجارية، ويجعله أمرا هينا. ثم أشعرهم بأن أيامه في الحساب قليلة فقال ـ تعالى ـ: ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة:١٨٤] . وبعد أن هيأ النفوس لقبول فريضته قال: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنْ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة:١٨٥] . وجرى التنزيل على هذه السنة عند الترغيب في أمر صعب المركب، شديد الأثر على النفس، وهو الصبر على الأذى، ومقابلة الإساءة بالعفو؛ فأمر بالعدل في المجازاة، ونهى عن تجاوز المثل في العقوبة، فقال: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل:١٢٦] ثم بين قوله ـ تعالى ـ: ﴿وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ [النحل: ١٢٦] أن الأكمل لهم الإغضاء عن السيئة، وترك المؤاخذة عليها، فالصفح عن الأذى ـ مع القدرة على الانتقام ـ ضرب من الكرم، ومظهر من مظاهر الرحمة، وأخذ بالعزيمة الراشدة. ثم قال ـ تعالى ـ: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [النحل: ١٢٧] فرغّب في الصبر بطريق أبلغ؛ إذ وجّه الخطاب إلى الرسول ﷺ وهو أسرع الناس إلى الاستقامة على الطريقة؛ فيجدون من سنة التأسي به نشاطا للطاعة، وباعثا على التجمل بالصبر، وإن ثقلت على النفوس وطأته. ومن هذا القبيل تذكير الناس بعاقبة العمل الصالح وإن كان شاقا على

стр. 59

النفوس، كما قال ـ تعالى ـ في شأن الجهاد: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِتَالُ﴾ . ثم بين ثقله على النفوس بقوله: ﴿وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ . ثم بين أن المكروه قد يكون هو الخير فقال: ﴿وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة:٢١٦] . وبين أن الدعة وترك الجهاد محبوب للنفوس، ولكن ذلك المحبوب قد يكون شرا، فقال: ﴿وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢١٦] . ومن حسن السياسة ـ أيضا ـ ألا يجهر الواعظ ـ أحيانا ـ برأيه الصريح في صدر مقاله، خصوصا إذا كان يريد طرح أمر لم يألفه الناس. وإنما يبتدئ بما يخف على المخاطبين سماعه من المعاني الحائمة حول الغرض، ثم يعبر عن المراد بلفظ مجمل، ويدنو من إيضاحه شيئا فشيئا؛ حتى لا يفصح عنه إلا وقد ألفته نفوسهم، وهدأت له خواطرهم. وعلى هذه الطريقة جرى ذلك المؤمن من آل فرعون؛ فقد كان يكتم إيمانه، وهو يحب أن يظهره، ويدعو قومه إلى مثله، وكان يخشى ـ من التصريح بعقيدته ـ بادرة غضبهم، أو انتقامهم منه، حتى اغتنم وقت إجماعهم على قتل موسى ﵇ فرصة، وقام ينكر عليهم هذه المؤامرة المخزية، وتخلص إلى أن دعاهم إلى الإيمان بما بعث به هذا الرسول دعوة ظاهرة. قال ـ تعالى ـ ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّي اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [غافر:٢٨] . فقد فاتحهم بالإنكار على قتله وهو لا يدل على أنه مصدق برسالته؛ إذ قد

стр. 60

ينهى العاقل عن سفك دم الرجل أو اضطهاده وهو من أبغض الناس إليه؛ تألما من مشهد الظلم، أو حذرا مما ينشأ عنه من قتنة. ودل بقوله: ﴿أَنْ يَقُولَ رَبِّي اللَّهُ﴾ على ما لهذا الرجل من فضل في العقيدة، وأومأ إلى أنه لم يجيء شيئا نكرا يستحق به هذه العقوبة الصارمة، وذكّرهم إذ قال: ﴿وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ بالدلائل القائمة، على صدقه في دعوى الرسالة، وقد أخذ يتقرب بهذه الجملة في دعوتهم إلى الإيمان به، ولم يرد التظاهر بأنه من شيعته، فعزل نفسه عمن جاءهم بهذه البينات، وأضاف مجيئها إليهم خاصة، ثم استرسل في موعظته المنسوجة في أدب الإنصاف إلى أن صدع ببطلان نحلتهم، ودعاهم إلى دين الحق بقوله الصريح ـ كما في قوله تعالى فيما يقصه عنه ـ: ﴿وَيَاقَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ (٤١) تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّار﴾ غافر١. ومن التمهيد والتدرج في العرض تنزيل الأمر على أحوال السامعين، كأن يقول: ألا يحب الواحد منا أن يعيش عزيزا ذا كرامة؟ ألا يحب أن يكون بعيدا عن مواطن الهوان؟ ثم يخلص من ذلك إلى أن الإيمان والعمل الصالح كفيلان بذلك. أو أن يقول: أيرضى الواحد منا بالدنية، أيرضى بأن يساء إليه؟ أو أن يساء إلى والديه؟ أو إخوانه؟ أو أولاده؟ والجواب ـ بلا شك ـ سيكون: لا. فيقال: وكذلك الناس.

стр. 61

ويشهد لهذا ما رواه الإمام أحمد في مسنده عن أبي أمامة في قصة الشاب الذي استأذن النبي ﷺ في الزنا، فتدرج معه النبي ﷺ في خمسة أسئلة حتى اقتنع الفتى بحرمة الزنا، وخرج وقد طابت نفسه. قال أبو أمامة ﵁: "إن فتى شابا أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله ائذن لي بالزنا؛ فأقبل القوم عليه، فزجروه، قالوا: مه مه، فقال: "ادنه"، فدنا قريبا، قال: فجلس، قال: "أتحبه لأمك؟ ", قال: لا والله جعلني الله فداءك، قال: "ولا الناس يحبونه لأمهاتهم"، قال: "أفتحبه لابنتك؟ ", قال: لا والله يا رسول الله، جعلني الله فداءك، قال: "ولا الناس يحبونه لبناتهم"، قال: "أفتحبه لأختك؟ ", قال: لا والله جعلني الله فداءك، قال: "ولا الناس يحبونه لأخواتهم"، قال: "أفتحبه لعمتك؟ ", قال: لا والله جعلني الله فداءك، قال: "ولا الناس يحبونه لعماتهم"، قال: "أفتحبه لخالتك؟ ", قال: لا والله جعلني الله فداءك، قال: "ولا الناس يحبونه لخالاتهم". قال: فوضع يده عليه، وقال: "اللهم اغفر ذنبه، وطهر قلبه، وحصّن فرجه"؛ فلم يكن بعد ذلك الفتى يلتفت إلى شيء"١. ٢٦ـ براعة الأسلوب، ومراعاة مقتضيات الأحوال: فذلك مما يأخذ بالألباب، ويجعل الموعظة تأخذ طريقها إلى القلوب؛ فالعمل على إنقاذ النفوس من أودية الغواية، والإقبال بها إلى مطالع السعادة مسلك وعر، ولا يمر فيه على استقامة تامة إلى من بلغ في صناعة البيان أمدا قصيا. ولا يكفي في الدعوة أن يكون في يد القائم بها حجة، أو موعظة يليقها في

стр. 62

أي صورة شاء؛ ذلك أن المخاطبين يختلفون ذوقا، وثقافة، واختلاف زمن وبيئة. ومن اللائق أن تصاغ دعوة كل طائفة في أدب يليق بأذواقها وثقافتها؛ ذلك أن الموعظة ثقيلة على السمع، مستحرجة على النفس؛ لاعتراضها الشهوة، ومضادتها للهوى، حتى قال يونس بن عبيد: "لو أمرنا بالجزع لصبرنا"١. يشير إلى ثقل الموعظة على السمع، وجنوح النفس على مخالفتها. ولكن صوغها بأسلوب رائع يجعلها خفيفة على السمع، سهلة النفوذ إلى القلب. وقد تكون معاني الموعظة حاضرة في ذهن الشخص، ولا يجد في نفسه تأثرا بها، حتى إذا عرضت عليه تلك المعاني في أسلوب بارع وقعت منه موقع الإعجاب، حتى لكأنها معان جديدة لم يسبق له بها علم٢. ولا غرو ـ إذا ـ أن ترى الرجلين يلقيان موعظة في باب واحد، وفي غرض واحد وبينهما في التأثير ما بين السماء والأرض، وربما كان ذلك بسبب أسلوب العرض؛ فترى أن نفوس الناس قد أقبلت على أحدهما، وأساغت موعظته إساغة الظمآن للماء القراح، وتراها جفت وجفلت عن موعظة الآخر؛ فزلت عن القلوب كما زلت الصفواء بالمتنزّل. ولهذا كان حريا بالواعظ أن يكون ذا دراية بأحوال الناس، وأن يصوغ موعظته بما تقتضيه تلك الحال؛ فالناس مختلفون مشارب وعادات، وأخلاقا

стр. 63

وسنا، ومهنة ومرتبة، ولكل طائفة من الناس أحوال تقتضي نوعا من الخطاب لا تقتضيه أحوال الجماعة الأخرى؛ فالجماعة الثائرة ـ مثلا ـ تخاطب بعبارة هادئة؛ لتكون بردا وسلاما على القلوب. والجماعة الخنسة تخاطب بعبارات مثيرة للحمية، موقظة للهمة، حافزة للعزيمة. والجماعة التي شطت وركبت رأسها تخاطب بعبارة فيها قوة العزم، ونور الحق وفيها إرعادة المنذر، ويقظة المنقذ، وفيها روح الرحمة وحسن الإيثار؛ ليجتمع الترغيب مع الترهيب، ومع سيف النقمة ريحان الرحمة. ثم إن الشباب يثير حماسهم، ويوقظ قلوبهم، ويدفع إلى إقناعهم خطاب لا يثير عاطفة الشيوخ؛ لأن الملائم لهؤلاء نوع غيره. والأغنياء يلائمهم نوع من الكلام لا يقتضيه مقام الموعظة لمن ليسوا كذلك. والعلماء يجتذبهم التوقير، وعمق الكلام، ودقته. وموعظة الرؤساء تقتضي تجملا بالحياء، والرزانة، والركانة، والهدوء، كما تقتضي ابتعادا عن التملق المرزي، وعن أي مظهر من مظاهر التعالي، وتقتضي أخذا بالتلطف، وحسن المدخل، والتلميح بالاعتراض إن كان هناك ما يقتضي ذلك. وهكذا لكل جماعة نوع من الخطاب؛ فعلى الواعظ أن يجيء إليه من ناحيته؛ فذلك أدعى إلى وصوله إلى مراده١. ثم إن نفرا من الناس غير قليل يستهويهم رونق الألفاظ أكثر من حكمة معانيها؛ فلا ينبغي أن نستخف بهؤلاء، وأن ندعهم لعصبة المضلين يعرضون

стр. 64

عليهم الآراء المنحدرة في شقاء. وإذا لم يكن لأولئك المضلين سبيل على المستضعفين سوى أنهم يحبرون لهم القول تحبيرا ـ فمن الميسور على دعاة الإصلاح أن يسابقوهم في مضمار البراعة؛ فإنهم متى ألبسوا الدعوة إلى الحق والفضيلة أساليب بديعة أحرزوا الغاية، وأنقذوا أولئك المستضعفين من ضلال بعيد١. ولا يعني ذلك أن يتكلف الواعظ السجع، ويتحرى دقائق الإعراب، ووحشي اللغة. وإنما المقصود أن يلبس موعظته ثوبا جميلا يفهم، ويستحسن، ويقع موقعه في القلوب. فها هو ابن الجوزي ﵀ وهو الإمام المتمرس في الوعظ وأساليبه يقول: "فالتحقيق مع العوام صعب، ولا يكادون ينتفعون بمر الحق، إلا أن الواعظ مأمور بأن لا يتعدى الصواب، ولا يتعرض لما يفسدهم؛ بل يجذبهم إلى ما يصلح بألطف وجه. وهذا يحتاج إلى صناعة؛ فإن من العوام من يعجبه حسن اللفظ، ومنهم من يعجبه الإشارة، ومنهم من ينقاد ببيت شعر. وأحوج الناس إلى البلاغة الواعظ؛ ليجمع مطالبهم. ولكنه ينبغي أن ينظر في اللازم الواجب، وأن يعطيهم من المباح في اللفظ قدر الملح في الطعام، ثم يجتذبهم إلى العزائم، ويعرفهم الطريق الحق"٢. هذا وسيأتي مزيد بسط للأساليب التي يحسن سلوكها في الموعظة في

стр. 65

الفقرات التالية. ٢٧ـ حسن الاستفتاح: فمن أراد أن يجعل لموعظته افتتاحا حسن أن يعنى به تمام العناية، وأن يجمله بما يستطيع من وسائل التجميل المناسبة، التي تجتذب الأذهان، وتهيئ الأسماع، وتقود النفوس إلى الإقبال عليه، وإلى أن تتقبله بقبول حسن؛ فإن الفكرة الأولى عن شيء أو أمر، أو شخص تثبت وتقرّ بالنفس. ومحوها يحتاج إلى عناء؛ فإن كانت حسنة صعب تهجينها، وإن كانت سيئة صعب تزيينها. والافتتاح ـ إن وجد ـ أول ما يلقى به الواعظ الجماعة؛ فإن وقع في نفوسهم موقع القبول كانت الموعظة على غراره، واستطاع من خلاله أن يصل قلوبهم. وإن لم يصادف قبولا صعبت الحال، واحتاج الأمر إلى خبير بأحوال النفوس، حاذق في طرق العلاج، ووسائل الشفاء من ذلك النّفار وهذا الشّماس١. وقال أبو هلال العسكري ﵀: "إذا كان الابتداء حسنا بديعا ومليحا ورشيقا كان داعية الاستماع لما يجيء بعده من الكلام. ولهذا المعنى يقول الله ﴿ألم﴾ و ﴿حم﴾ ، و ﴿طس﴾ ، و ﴿كهيعص﴾ . فيقرع أسماعهم بشيء بديع ليس لهم بمثله عهد؛ ليكون ذلك داعية لهم إلى الاستماع لما بعده، والله أعلم بكتابه. ولهذا جعل أكثر الابتداءات بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ لأن النفوس تتشوق للثناء

стр. 66

على الله؛ فهو داعية الاستماع"١. هذا وإن الخطباء يختلفون في استفتاحاتهم؛ فمنهم من يستفتحها بما يشير إلى موضوعها، ويلوّح بالقصد منها. ومنهم من يبتدئ خطبته بآية، أو حديث، أو حكمة، أو مثل سائر. ومن الأساليب البديعة ما يبتدئ به بعضهم؛ حيث يبتدئ بالثناء على السامعين؛ ليهيء نفوسهم لتلقي كلامه بالقبول؛ إذ لا شيء يهز أعطاف السامعين كالثناء عليهم خصوصا إذا كان من غريب عنهم. وذلك باب واسع يصح الدخول فيه بشرط الاتزان، وضبط النفس. ومنهم من يتودد للسامعين، ويتواضع لهم، ويخاطبهم بأحسن صفاتهم، ويشعرهم بمحبتهم، وأنه ساع لما فيه مصلحتهم. ومهما يكن من أمر الافتتاح فينبغي أن يكون قصيرا موجزا؛ لئلا يشغل الذهن، ويضيغ الوقت. وينبغي ـ أيضا ـ أن لا يكون مبتذلا تمجه الأسماع، ولا تسيغه النفوس، ثم إن الافتتاح قد لا يلزم خصوصا إذا أراد الإيجاز، بل يدخل في الموضوع مباشرة. ومما ينبغي التنبيه عليه أن يتجنب الواعظ ما يزعج السامعين في مفتتح كلامه، كما كان الحجاج بن يوسف يفعل في افتتاح خطبه؛ حيث كان يبدأ بما يزعج السامعين كقوله في افتتاحاته: أنا ابن جلا وطلاع الثنايا ... متى أضع العمامة تعرفوني٢

стр. 67

ومما ينبغي ـ أيضا ـ أن يتجنب كل ما يستقبح ويستجفى من الكلام. ولهذا عني علماء البلاغة في مبادئ الكلام، وعقدوا له الفصول في كتبهم، ونبهوا على ما ينبغي للكاتب، والشاعر، والخطيب في هذا الشأن. قال أبو هلال العسكري ﵀: "قال بعض الكتاب: أحسنوا معاشر الكتاب الابتداءات؛ فإنهن دلائل البيان. وقالوا: ينبغي للشاعر أن يحترز في أشعاره، ومفتتح أقواله مما يتطير منه، ويستجفى من الكلام والمخاطبة، والبكاء، ووصف إقفار الديار، وتشتيت الألاف، ونعي الشباب، وذم الزمان لا سيما في القصائد التي تتضمن المدائح والتهاني، ويستعمل ذلك في المراثي، ووصف الخطوب الحادثة؛ فإن الكلام إذا كان مؤسسا على هذا المثال تطيّر منه سامعه، وإن كان يعلم أن الشاعر إنما يخاطب نفسه دون الممدوح"١. ثم ضرب ﵀ أمثلة على ذلك، منها قوله: "أنشد البحتري أبا سعيد قصيدة أولها: لك الويل من ليل تطاول آخره ... ووشك نوى حي تزم أباعره فقال أبو سعيد: بل الويل والحرب لك، فغيره، وجعله: "له الويل" وهو رديء ـ أيضاـ وأنشد أبو المقاتل الداعي: لا تقل بشرى ولكن بشريان ... غرة الداعي ويوم المهرجان فأوجعه الداعي ضربا، ثم قال: هلا قلت: إن تقل بشرى فعندي بشريان"٢.

стр. 68

ثم ذكر أبو هلال ﵀ أمثلة لابتداءات جياد، ومن ذلك قوله: "ومن أحكم ابتداءات العرب قول السموأل: إذا المرء لم يدنس من اللؤم عرضه ... فكل رداء يرتديه جميل وإن هو لم يحمل على النفس ضيمها ... فليس إلى حسن الثناء سبيل١ وقال بعضهم: أحكم ابتداءاتهم قول لبيد ﵁: ألا كل شيء ما خلا الله باطل ... وكل نعيم لا محالة زائل وبعضهم يجعل ابتداءات هذه القصيدة: ألا تسألان المرء ماذا يحاول ... أنحب فيقضى أم ضلال وباطل٢ ومما ينبغي تجنبه في مفتتح الموعظة تحريج المخاطبين، وإلزامهم بسماع الموعظة، وتخويفهم من القيام قبل أن يكمل موعظته خصوصا إذا كانت مفاجئة وعلى غير موعد. وذلك كأن يبدأ كلامه بإيراد ما يخوفهم من ترك سماع الموعظة، أو أن يقول إذا بدأ ثم رأى بعض الحاضرين قد انصرف: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنْ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ [المدثر:٤٩] . أن يقول في بداية كلامه: من كان يحب الله ورسوله فليجلس إلى غير ذلك من الافتتاحات التي تغلق القلوب، وتنفر من سماع الموعظة. ٢٨ـ حسن الختام: فالخاتمة هي آخر ما يلقيه الواعظ من كلامه، ولها الأثر البالغ الباقي؛ إذ هي آخر ما يعلق بالنفس، وأكثر ما يتصل بالقلب. فإن كان وقعها حسنا انسحب ذلك على الموعظة، وإلا ساء الأثر،

стр. 69

وضاعت الغاية المنشودة. ومما يحسن في الخاتمة أن يشتمل على جمال العبارة، وإصابة الغرض، وان تتضمن إيجازا لما ألقي، وأن تكون محركة للعاطفة. ٢٩ـ التنويع في أساليب الخطاب: فمما يحسن بالواعظ أن يأخذ بهذه الطريقة، فأحيانا يأتي بكلامه بصورة الاستفهام، وأخرى بصورة التقرير، وثالثة في صورة الطلب، ورابعة بإشارة، وخامسة بنداء، وهكذا ... ويحسن به ـ أيضا ـ أن يغير ولو قليلا ـ من نبرة صوته؛ ليكون ذلك مدعاة لتنشيط السامعين، وإيقاظ الغافلين١. وسيأتي مزيد بيان لهذه الفقرة فيما بعد. ٣٠ـ الترسل في الكلام وإلقاؤه مفصلا دون إبطاء أو تعجيل: فيحسن بالواعظ أن يكون مترسلا في كلامه، متمهلا في إلقائه، وأن تكون موعظته متمايزة الحروف، مفصلة الكلمات؛ فمن متممات الفصاحة ألا يعجل الرجل بالكلام، بل يلقي الكلمات مفصلة حتى تقع في الذهن كأنها عقد جيد أحكم تنسيقه. ويحسن بالواعظ ـ أيضا ـ ألا يبطئ في كلامه إبطاءا يخرجه عن طوره، ويجلب السآمة للسامعين؛ فالترسل والتمهل دون إبطاء أو تعجيل هو هدي النبي ﷺ في كلامه، ومواعظه. قالت أم المؤمنين عائشة ﵂: كان النبي ﷺ يحدث حديثا لو عدّه العادّ لأحصاه٢.

стр. 70

وقالت: إن رسول الله ﷺ لم يكن يسرد الحديث كسردكم١. قال ابن حجر ﵀ في شرح الحديث الأول: "قولها: "لو عده العاد لأحصاه": أي لو عدّ كلماته، أو مفرداته، أو حروفه لأطاق ذلك، وبلغ آخرها، والمراد بذلك المبالغة في الترتيل، والتفهيم"٢. وقال ﵀ في شرح الحديث الثاني: "قولها: "لم يكن يسرد الحديث كسردكم": أي يتابع الحديث استعجالا بعضه إثر بعض؛ لئلا يلتبس على المستمع"٣. وجاء في سنن أبي داود عن جابر ﵁ قال: "كان في كلام رسول الله ﷺ ترتيل، أو تسيل"٤. وفيه أيضا عن عائشة ﵂ قالت: "كان كلام رسول الله ﷺ كلاما فصلا يفهمه كل من سمعه"٥. قال أبو هلال العسكري ﵀: "علامة سكون نفس الخطيب ورباطة جأشه ـ هدوءه في كلامه، وتمهله في منطقه. قال ثمامة: كان يحيى بن جعفر أنطق الناس؛ فقد جمع الهدوء، والتمهل، والجزالة، والحلاوة. ولو كان في الأرض ناطق يستغني عن الإشارة لكانه"٦. وقال ابن جماعة ﵀ في أدب المتكلم: "ولا يسرد الكلام سردا، بل

стр. 71

يرتله ويرتبه، ويتمهل فيه، ليفكر فيه هو وسامعه"١. ٣١ـ ملاحظة نبرة الصوت: ويراعى في ذلك أن تكون مسموعة بوضوح، وأن تكون وسطا بين رفع الصوت الذي يخرج بصاحبه عن طوره ويؤذي المخاطبين، وبين رخاوة الصوت التي تفقد الموعظة أثرها، وتجلب التماوت للسامعين. وقد يوهب بعض الناس صوتا جهوريا فيحسن به أن يضبط نبرة صوته؛ حتى لا يرتفع أكثر من اللازم خصوصا مع وجود المكبرات. ومنهم من صوته خافت جدا؛ فيحسن به أن يحاول إسماع المخاطبين قد استطاعته. وبالجملة فإن الاعتدال في رفع الصوت وخفضه هو المطلوب. قال ابن جماعة ﵀: "ألا يرفع صوته زائدا على قدر الحاجة، ولا يخفضه خفضا لا يحصل معه كما الفائدة"٢. وقال: "والأولى ألا يجاوز صوته مجلسه، ولا يقصر عن سماع الحاضرين؛ فإن حضر معهم ثقيل السمع فلا بأس بعلو صوته بقدر ما يسمعه"٣. ثم إن الواعظ البارع يستطيع التحكم بنبرة صوته؛ فحين يحسن رفع الصوت فإنه يرفعه، وحين يحسن خفضه يخفضه. جاء في صحيح مسلم عن النبي ﷺ أنه إذا خطب احمرت عيناه، وعلا صوته، واشتد غضبه، حتى كأنه منذر جيش يقول: صبحكم ومساكم٤.

стр. 72

٣٢ـ حسن الاستخدام للتكرار: فإن للتكرار أثرا كبيرا في جذب الانتباه، وتأكيد المعاني، وتقريرها في الأذهان. والواعظ البارع يحسن استخدام التكرار، ويوقعه في موقعه اللائقة به؛ فإذا استدعى المقام التكرار، وكان فيه مزيد فائدة وتأكيد وتقرير كان لائقا حسنا. وذلك كأن يكون في الكلام موضع اهتمام، ويخشى أن يمر على أذهان السامعين دون أن يستقر في نفوسهم. وإذا كان التكرار بهذه المثابة فإنه يحسن بالواعظ أن يأخذ به عند الحاجة ما لم يجد أن المقام يستدعي الإيجاز. ولقد كان النبي ﷺ يأخذ بهذا الأسلوب، وربما أعاد الجملة ثلاث مرات إذا كان المقام يقتضي ذلك١. ولهذا عقد الإمام البخاري ﵀ في صحيحه بابا بعنوان: "باب من أعاد الحديث ثلاثا ليفهم عنه". وساق فيه عدة أحاديث، منها ما رواه عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ : أنه كان إذا سلم سلم ثلاثا، وإذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثة"٢. وعن أنس ـ أيضا ـ عن النبي ﷺ : "أنه كان إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثا؛ حتى تفهم عنه" الحديث٣. وعن عبد الله بن عمرو ﵄ قال تخلف رسول الله ﷺ في سفر سافرناه، فأدركنا وقد أرهقنا الصلاة ـ صلاة العصر ـ ونحن نتوضأ، فجعلنا نمسح على أرجلنا، فنادى بأعلى صوته: "ويل للأعقاب من النار".

стр. 73

مرتين أو ثلاثا١. والأحاديث في ذلك كثيرة منها قوله: "ألا وقول الزور، فما زال يكررها" ٢. وقال ابن عمر ﵄ قال النبي ﷺ : "هل بلغت" ثلاثا٣. وعن عبد الله بن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: "لا صام من صام الأبد، لا صام من صام الأبد، لا صام من صام الأبد" ٤. ومن الأساليب الملائمة في التكرار، أن يكون بعبارات مختلفة، وأساليب متنوعة، وأن يكون النظر فيه إلى المعنى من جوانب متعددة. أما إذا لم يكن هناك حاجة للتكرار فلا يحسن بالواعظ أن يأخذ به؛ لأنه ـ والحالة هذه ـ يعد من عيوب الكلام، ومما يورث الملالة، ويولد السآمة. وذلك كحال من يعيد الكلام أو القصة، أو بعض الجمل في الموعظة دون مسوغ لذلك، أو أن يعيد الموعظة بعينها بعد فترة وجيزة في المكان الذي ألقاها فيه؛ فالنفوس تكره المعاد، وتمل المكرر، إذا لم يكن هناك داع له. "قال محمد بن صبيح المعروف بالسماك لجاريته: كيف ترين ما أعظ الناس؟ قالت: هو حسن، إلا أنك تكرره. قال: إنما أكرره؛ ليفهمه من لم يكن فهمه. قالت: إلى أن يفهمه البطيء يثقل على سماع الذكي"٥.

стр. 74

"واستعيد١ابن عباس حديثا، فقال: لولا أني أخاف أن أغضّ من بهائه، وأريق من مائه، وأخلق من جدته ـ لأعدته"٢. وقال أبو تمام يصف قصائده: منزهة من السرق المورى ... مكرمة عن المعنى المعاد٣ وقال آخر: إذا تحدثت في قوم؛ لتؤنسهم ... من الحديث بما يمضي وما يأتي فلا تكرر حديثا إن طبعهم ... موكل بمعاداة المعادات٤ ومما يحسن التنبيه عليه أنه لا بأس بتكرار الموعظة الواحدة في أكثر من مكان؛ لأن الحاجة قد تقتضي ذلك، ولا يلزم الواعظ أن يأتي بموعظة جديدة في كل مكان. بل عليه ألا يضيق ذرعا بإعادة ما يقول، أو تكراره للموعظة إذا ألقاها في أماكن متعددة، أو ألبسها ثيابا جديدة ملائمة. ٣٣ـ توشيح الموعظة بالقرآن الكريم والأحاديث الصحيحة: فيحسن بالموعظة أن تجمل بالآيات الكريمة، والأحاديث الشريفة؛ فالكتاب العزيز، والحديث الشريف هما الذروة في البلاغة، وفيهما اللفظ الجزل، والأسلوب الرائق، والسلامة من الخطأ. كما أن لهما قوة في التأثير، ورنينا في الآذان، ورهبة في القلوب، وجمالا في الأنفس، وبهجة في المشاعر.

стр. 75

وفيهما فصل الخطاب، وقطع كل جواب، والرد على كل اعتراض. فلا يليق ـ إذا ـ أن تخلوا الموعظة من إيراد الآيات والأحاديث فيها. وكانوا يسمون الخطبة التي تخلوا من ذلك: "الشوهاء". قال الجاحظ: "وعلى أن خطباء السلف الطيب، وأهل البيان من التابعين بإحسان ما زالوا يسمون الخطبة التي لم تبتدئ بالتحميد، وتستفتح بالتحميد: "البتراء". ويسمون التي لم توشح بالقرآن، وتزين بالصلاة على النبي ﷺ : "الشوهاء". وقال عمران بن حطان: خطبت عند زياد خطبة ظننت أني لم أقصر فيها عن غاية، ولم أدع لطاعن علة؛ فمررت ببعض المجالس، فسمعت شيخا يقول: هذا الفتى أخطب العرب لو كان في خطبته شيء من القرآن. وخطب أعرابي، فلما أعجله بعض الأمر عن التصدير بالتحميد، والاستفتاح بالتمجيد قال: "أما بعد بغير ملالة لذكر الله، ولا إيثار غيره عليه فإنا نقول: بكذا، ونسأل كذا"؛ فرارا من أن تكون خطبته بتراء، أو شوهاء"١. ٣٤ـ سوق القصص الصحيحة المؤثرة: فالقصص تحمل في طياتها الدروس، والعبر، كما أنها سبيل التأسي، وطريق النظر في العواقب. والقرآن الكريم حافل بالقصص التي وردت في مواضع متعددة، وفي سياقات مختلفة. ومن تلك القصص قصص الأنبياء ﵈ كقصة نوح، وإبراهيم، ويوسق، وموسى، وعيسى، وغيرهم.
следующие страницы →