← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 7496

أدب الموعظة

محمد بن إبراهيم الحمد

Полный текст (107 стр.). Показаны 71–107 · переход к 76.

стр. 71

يرتله ويرتبه، ويتمهل فيه، ليفكر فيه هو وسامعه"١. ٣١ـ ملاحظة نبرة الصوت: ويراعى في ذلك أن تكون مسموعة بوضوح، وأن تكون وسطا بين رفع الصوت الذي يخرج بصاحبه عن طوره ويؤذي المخاطبين، وبين رخاوة الصوت التي تفقد الموعظة أثرها، وتجلب التماوت للسامعين. وقد يوهب بعض الناس صوتا جهوريا فيحسن به أن يضبط نبرة صوته؛ حتى لا يرتفع أكثر من اللازم خصوصا مع وجود المكبرات. ومنهم من صوته خافت جدا؛ فيحسن به أن يحاول إسماع المخاطبين قد استطاعته. وبالجملة فإن الاعتدال في رفع الصوت وخفضه هو المطلوب. قال ابن جماعة ﵀: "ألا يرفع صوته زائدا على قدر الحاجة، ولا يخفضه خفضا لا يحصل معه كما الفائدة"٢. وقال: "والأولى ألا يجاوز صوته مجلسه، ولا يقصر عن سماع الحاضرين؛ فإن حضر معهم ثقيل السمع فلا بأس بعلو صوته بقدر ما يسمعه"٣. ثم إن الواعظ البارع يستطيع التحكم بنبرة صوته؛ فحين يحسن رفع الصوت فإنه يرفعه، وحين يحسن خفضه يخفضه. جاء في صحيح مسلم عن النبي ﷺ أنه إذا خطب احمرت عيناه، وعلا صوته، واشتد غضبه، حتى كأنه منذر جيش يقول: صبحكم ومساكم٤.

стр. 72

٣٢ـ حسن الاستخدام للتكرار: فإن للتكرار أثرا كبيرا في جذب الانتباه، وتأكيد المعاني، وتقريرها في الأذهان. والواعظ البارع يحسن استخدام التكرار، ويوقعه في موقعه اللائقة به؛ فإذا استدعى المقام التكرار، وكان فيه مزيد فائدة وتأكيد وتقرير كان لائقا حسنا. وذلك كأن يكون في الكلام موضع اهتمام، ويخشى أن يمر على أذهان السامعين دون أن يستقر في نفوسهم. وإذا كان التكرار بهذه المثابة فإنه يحسن بالواعظ أن يأخذ به عند الحاجة ما لم يجد أن المقام يستدعي الإيجاز. ولقد كان النبي ﷺ يأخذ بهذا الأسلوب، وربما أعاد الجملة ثلاث مرات إذا كان المقام يقتضي ذلك١. ولهذا عقد الإمام البخاري ﵀ في صحيحه بابا بعنوان: "باب من أعاد الحديث ثلاثا ليفهم عنه". وساق فيه عدة أحاديث، منها ما رواه عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ : أنه كان إذا سلم سلم ثلاثا، وإذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثة"٢. وعن أنس ـ أيضا ـ عن النبي ﷺ : "أنه كان إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثا؛ حتى تفهم عنه" الحديث٣. وعن عبد الله بن عمرو ﵄ قال تخلف رسول الله ﷺ في سفر سافرناه، فأدركنا وقد أرهقنا الصلاة ـ صلاة العصر ـ ونحن نتوضأ، فجعلنا نمسح على أرجلنا، فنادى بأعلى صوته: "ويل للأعقاب من النار".

стр. 73

مرتين أو ثلاثا١. والأحاديث في ذلك كثيرة منها قوله: "ألا وقول الزور، فما زال يكررها" ٢. وقال ابن عمر ﵄ قال النبي ﷺ : "هل بلغت" ثلاثا٣. وعن عبد الله بن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: "لا صام من صام الأبد، لا صام من صام الأبد، لا صام من صام الأبد" ٤. ومن الأساليب الملائمة في التكرار، أن يكون بعبارات مختلفة، وأساليب متنوعة، وأن يكون النظر فيه إلى المعنى من جوانب متعددة. أما إذا لم يكن هناك حاجة للتكرار فلا يحسن بالواعظ أن يأخذ به؛ لأنه ـ والحالة هذه ـ يعد من عيوب الكلام، ومما يورث الملالة، ويولد السآمة. وذلك كحال من يعيد الكلام أو القصة، أو بعض الجمل في الموعظة دون مسوغ لذلك، أو أن يعيد الموعظة بعينها بعد فترة وجيزة في المكان الذي ألقاها فيه؛ فالنفوس تكره المعاد، وتمل المكرر، إذا لم يكن هناك داع له. "قال محمد بن صبيح المعروف بالسماك لجاريته: كيف ترين ما أعظ الناس؟ قالت: هو حسن، إلا أنك تكرره. قال: إنما أكرره؛ ليفهمه من لم يكن فهمه. قالت: إلى أن يفهمه البطيء يثقل على سماع الذكي"٥.

стр. 74

"واستعيد١ابن عباس حديثا، فقال: لولا أني أخاف أن أغضّ من بهائه، وأريق من مائه، وأخلق من جدته ـ لأعدته"٢. وقال أبو تمام يصف قصائده: منزهة من السرق المورى ... مكرمة عن المعنى المعاد٣ وقال آخر: إذا تحدثت في قوم؛ لتؤنسهم ... من الحديث بما يمضي وما يأتي فلا تكرر حديثا إن طبعهم ... موكل بمعاداة المعادات٤ ومما يحسن التنبيه عليه أنه لا بأس بتكرار الموعظة الواحدة في أكثر من مكان؛ لأن الحاجة قد تقتضي ذلك، ولا يلزم الواعظ أن يأتي بموعظة جديدة في كل مكان. بل عليه ألا يضيق ذرعا بإعادة ما يقول، أو تكراره للموعظة إذا ألقاها في أماكن متعددة، أو ألبسها ثيابا جديدة ملائمة. ٣٣ـ توشيح الموعظة بالقرآن الكريم والأحاديث الصحيحة: فيحسن بالموعظة أن تجمل بالآيات الكريمة، والأحاديث الشريفة؛ فالكتاب العزيز، والحديث الشريف هما الذروة في البلاغة، وفيهما اللفظ الجزل، والأسلوب الرائق، والسلامة من الخطأ. كما أن لهما قوة في التأثير، ورنينا في الآذان، ورهبة في القلوب، وجمالا في الأنفس، وبهجة في المشاعر.

стр. 75

وفيهما فصل الخطاب، وقطع كل جواب، والرد على كل اعتراض. فلا يليق ـ إذا ـ أن تخلوا الموعظة من إيراد الآيات والأحاديث فيها. وكانوا يسمون الخطبة التي تخلوا من ذلك: "الشوهاء". قال الجاحظ: "وعلى أن خطباء السلف الطيب، وأهل البيان من التابعين بإحسان ما زالوا يسمون الخطبة التي لم تبتدئ بالتحميد، وتستفتح بالتحميد: "البتراء". ويسمون التي لم توشح بالقرآن، وتزين بالصلاة على النبي ﷺ : "الشوهاء". وقال عمران بن حطان: خطبت عند زياد خطبة ظننت أني لم أقصر فيها عن غاية، ولم أدع لطاعن علة؛ فمررت ببعض المجالس، فسمعت شيخا يقول: هذا الفتى أخطب العرب لو كان في خطبته شيء من القرآن. وخطب أعرابي، فلما أعجله بعض الأمر عن التصدير بالتحميد، والاستفتاح بالتمجيد قال: "أما بعد بغير ملالة لذكر الله، ولا إيثار غيره عليه فإنا نقول: بكذا، ونسأل كذا"؛ فرارا من أن تكون خطبته بتراء، أو شوهاء"١. ٣٤ـ سوق القصص الصحيحة المؤثرة: فالقصص تحمل في طياتها الدروس، والعبر، كما أنها سبيل التأسي، وطريق النظر في العواقب. والقرآن الكريم حافل بالقصص التي وردت في مواضع متعددة، وفي سياقات مختلفة. ومن تلك القصص قصص الأنبياء ﵈ كقصة نوح، وإبراهيم، ويوسق، وموسى، وعيسى، وغيرهم.

стр. 76

ومن ذلك القصص الطواغيت، وأئمة الكفر كفرعون، وقارون، وهامان، وغيرهم. وكذلك السنة النبوية فهي مليئة بالقصص. فيحسن بالواعظ أن يأخذ بهذا الأسلوب في بعض الأحيان، وأن يحرص على صحة القصة التي يسوقها. كما يحسن أن ينوع في القصص، وأن يستنبط منها العبر، والدروس، فيورد ـ على سبيل المثال ـ قصص أهل الإيمان، وما حصل لهم من البلاء وكيف كانت العاقبة لهم. ويسوق قصص أهل الكفر والفسوق وماذا حل بهم من الشقاء، وما ينتظرهم في الآخرة من أليم العقاب وهكذا.. ويجمل به أن يربط ذلك بحاضر الناس، وأن يبين ما يحل بمن طغى وتجبر وآثر الحياة الدنيا من المَثُلات. ويحسن به ألا يبالغ في إيراد القصص، وأن يتجنب ما ليس صحيحا منها، أو ما يظن أن السامعين لن يصدقوه إذا قالها. ٣٥ـ توشية الموعظة بالحكم الرائعة، والأشعار الجميلة الرائقة: فذلك مما تهتز له النفوس، ويحسن وقعه في الأسماع، خصوصا إذا كان الاستشهاد بها مناسبا ملائما؛ فيحسن أن تجمّل المواعظ العامة أحيانا بما يناسب المقام ويتصل بالموضوع. قال محمد بن سلام عن بعض أشياخه قال: "كان عمر بن الخطاب ﵁ لا يكاد يعرض له أمر إلا أنشد فيه بيت شعر"١.

стр. 77

وكثيرا ما ينهض الرجل للعمل الصالح يكون في غفلة عنه، وما ينهبه إلا بيت شعر يحتوي على حكمة. قال ابن جريج ﵀: "ما ظننت أن الله ينفع أحدا بشعر عمر بن أبي ربيعة حتى سمعت وأنا باليمن منشدا ينشد قوله: بالله قولي له في غير معتبة ... ماذا أردت بطول المكث في اليمن إن كنت حاولت دنيا أو نعمت بها ... فما أخذت بترك الحج من ثمن فحركني ذلك على الرجوع إلى مكة، فخرجت مع الحاج وحججت"١. وجاء هذا الخبر في وفيات الأعيان أن ابن جريج قال: "كنت مع معن بن زائدة باليمن فحضر وقت الحج، ولم تحضرني نية، فخطر ببالي قول عمر بن أبي ربيعة المخزومي: بالله قولي له في غير معتبة ... ماذا أردت بطول المكث في اليمن إن كنت حاولت دنيا أو نعمت بها ... فما أخذت بترك الحج من ثمن قال: فدخلت على معن، فأخبرته أني قد عزمت على الحج، فقال لي: ما يدعوك إليه ولم تكن تذكره؟ فقلت: ذكرت بيتين لعمر بن أبي ربيعة، أنشدته إياها، فجهزني، وانطلقت"٢. ٣٦ـ صوغ التشابيه، وضرب الأمثلة: فمن الأساليب الناجعة النافعة في الوعظ صوغ التشابيه البديعة، وضرب الأمثلة الرائعة. وللتشبيه، والتمثيل أثر كبير في جعل الحقائق الخفية واضحة، والمعاني

стр. 78

الغريبة قريبة مألوفة. وعلى هذا النحو تجري كثير من نصوص الوحيين. قال الله ـ تعالى ـ في شأن المنافقين: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ [البقرة:١٧] . وقال النبي ﷺ في شأن المؤمنين وتآلفهم: "مثل المؤمنين في توادهم، وتراحمهم، وتعاطفهم مثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى" ١. ثم إن للأمثال فوائد أخرى؛ فمن ذلك أن المثل يضرب للترغيب في الممثّل به؛ حيث يكون مما تستحسنه النفوس، وترغب فيه. ومن ذلك ما ضربه الله لحال المنفق في سبيل الله؛ حيث يعود عليه الإنفاق بخير كثير فقال ـ تعالى ـ ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ﴾ [البقرة:٢٦١] . وقد يضرب المثل للتنفير من العمل؛ حيث يكون الممثّل به مما تكرهه النفوس، وتنفر منه كما ضرب الله المثل لحال المغتاب فقال ـ تعالى ـ: ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ [الحجرات:١٢] . ويضرب المثل لمدح الممثّل؛ حيث يكون في الممثل به صفات تستحسنها النفوس، وتمدح من يحرز مثلها، كما ضرب الله مثلا لحال الصحابة ﵃ فقال ﴿ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ

стр. 79

يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمْ الْكُفَّارَ﴾ [الفتح:٢٩] . فالزرع يخرج شطأه، وهو ما تفرع في شاطئيه: أي جوانبه، ثم يقوى، ويستغلظ: أي يصير بعد الدقة غليظا، وكذلك حال الصحابة؛ فإنهم كانوا في بدء الأمر قليلا، ثم أخذوا في النمو حتى استحكم أمرهم، وامتلأت القلوب؛ إعجابا بهم. ويضرب المثل للذم حيث يكون الممثّل به صفة يستقبحها الناس، ويذمون من رضي لنفسه بمثلها، كما ضرب الله مثلا لحال من آتاه الله كتابه، فنكث يده من العمل به، وانحط في أهوائه، فقال ـ تعالى ـ ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنْ الْغَاوِينَ (١٧٥) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ [الأعراف:١٧٦] . فقد مثل الله في هذه الآية بحال الكلب الذي هو من أخبث الحيوان وأخسها نفسا؛ ذلك أن المنحط في أهوائه شديد اللهف على الدنيا، قليل الصبر عنها، فلهفه نظير لهث الكلب الدائم في حال إزعاجه وتركه. وبالجملة فالكلام على أمثلة القرآن والسنة كثيرة جدا، والمقصود من ذلك بيان أن ضرب الأمثال سلاح ماض في يد الواعظ إذا أحسن استخدامه١. ٣٧ـ الحرص على الإعراب، والبعد عن اللحن قدر المستطاع: فالإعراب عماد الكلام، وجماله ووشيه؛ فيحسن بالواعظ أن يحرص على

стр. 80

تقويم لسانه وأن يتجنب اللحن خصوصا إذا كان يحيل المعنى؛ فالإعراب، وقلة اللحن يضفيان على الموعظة جمالا، وقبولا ـ خصوصا إذا كانت بين أناس يدركون ذلك ـ. ولا يعني ذلك أن تصرف الهمة إلى الإعراب، أو أن يتكلف الإنسان ذلك أكثر من اللازم، أو ألا يلقي الواعظ موعظته إلا إذا كان متمكنا من الإعراب. وإنما المقصود من ذلك السعي إلى الكمال قدر المستطاع. ٣٨ـ التذكير بمآلات الأمور: فمن الطرق المجدية في الوعظ تذكير الناس بما يصير إليه المتقون من عزّ وسلامة، وما يلحق المجرمين من خزي ومهانة وندامة. ومن التذكير ما يرجع إلى البشارة بالخير في الدنيا، والحسنى في الآخرة، ومنه ما يرجع إلى الإنذار بسوء المنقلب في هذه الدار، أو عذاب الهون في تلك الدار. وللبشارة والإنذار أثر كبير في حث المؤمنين على الحسنات، وردعهم عن السيئات. وأثر البشارة والإنذار في غير المؤمن أنهما يدعوانه إلى النظر في الدعوة، وإذا نظر بروية أدرك أنها حق؛ فيفتح لها صدره، ويمد لها عنقه مذعنا١. ٣٩ـ إعطاء الوسائل صورة ما تفضي إليه من الخير والشر: فهذا الأسلوب من الطرق الحكيمة في الحث على فعل الشيء، أو الزجر عنه. ويشهد لذلك كثير من النصوص، منها قوله ﷺ : "الدال على الخير كفاعله" ٢.

стр. 81

فقد أراك الدلالة على فعل الخير في صورة فعل الخير نفسه؛ إذ جعلها بوسيلة التشبيه بمنزلة واحدة، وذلك مما يقوي داعية الدلالة على الخير في نفسك. وكما قال ﷺ : "إن من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه". قيل: يا رسول الله! وكيف يلعن الرجل والديه؟ قال: "يسب الرجل أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه، فيسب أمه" ١. فانظر كيف عد سب الرجل لأبي الرجل أو أمه في صورة سب الرجل لوالديه، وفي ذلك من تأكيد الزجر عن إطلاق اللسان بالسب ما لا تجده في النهي عن سب الناس بطريق غير هذا الطريق٢. ٤٠ـ قرن القول ببعض الإشارات الحسية التي تناسب المعنى: فهذا مما يزيد به المعنى جلاءا، ويأخذ في النفس صورة غير صورته المجردة عن الإشارة. ولقد كان النبي ﷺ يستعين في تثبيت المعنى بالإشارة بيده إشارة مناسبة للمعنى، مما يجعل للموعظة أثرا بليغا في النفوس. والأمثلة على ذلك كثيرة، منها ما جاء في الصحيحين عن أبي موسى عن النبي ﷺ قال: "إن المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا" وشبك بين أصابعه٣. وفي صحيح البخاري عن سهل ﵁ قال رسول الله ﷺ "أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا وأشار بالسبابة والوسطى، وفرج بينهما شيئا" ٤.

стр. 82

وعن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قام عند باب حفصة فقال بيده نحو المشرق: "الفتنة من ههنا من حيث يطلع قرن الشيطان" قالها مرتين أو ثلاثا١. ٤١ـ توجيه السؤال للمخاطبين: وذلك بسؤالهم عن الشيء الذي تريد تعليمهم إياه، أو تذكيرهم به؛ لما في السؤال من تهيئة النفوس للإصغاء إلى ما يقال بعد ذلك، ولما فيه ـ أيضا ـ من تشويقها إليه؛ فيقع منها في قرار مكين. ولقد كان النبي ﷺ يأخذ بهذا الأسلوب كثيرا. جاء في الصحيحين عن معاذ بن جبل ﵁ أنه قال: "كنت رديف النبي ﷺ على حمار يقال له: عفير، فقال: "يا معاذ هل تدري ما حق الله على عباده، وما حق العباد على الله؟ ". قلت: الله ورسوله أعلم. قال: "فإن حق الله على العباد أن يعبدوه، ولا يشركوا به شيئا، وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئا". فقلت: يا رسول الله أفلا أبشر به الناس؟ قال: لا تبشرهم فيتكلوا" ٢. والأمثلة على ذلك كثيرة جدا، ومنها على سبيل الإجمال قوله ﷺ : "أتدرون أي شهر هذا؟ " ٣. وقوله: "أتدرون أي يوم هذا؟ " ٤.

стр. 83

وقوله: "أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟ " ١. وقوله: "أتدرون ماذا قال ربكم" ٢. وقوله: "أتدرون أين تغرب الشمس؟ " ٣. ومما يحسن التنبيه عليه أن هذا الأدب يليق إذا صدر من كبير لمن دونه، وإذا صدر ممن له مكانة، وقبول عند الناس عموما، أو عند من يلقي عليهم. أما من كان في بداية وعظه، أو حداثة سنه، أو من ليست له مكانة عند من يلقي عليهم ـ فقد لا يليق به هذا الأسلوب؛ لأن النفوس قد لا تستسيغ أن يوجه إليها السؤال من كل واحد. ٤٢ـ استدعاء طلب البيان: وهذا الأسلوب قريب مما قبله. وذلك أن يأتي الواعظ بالكلام على وجه الغموض يستدعي به طلب البيان، حتى إذا سئل عن ذلك، أو شعر بحاجة المخاطبين إلى الجواب ـ أجاب عن ذلك، وكشف الغموض، فيتقرر المعنى في نفوسهم بأشد مما لو أتى من أول الأمر واضحا بينا٤. ومن هذا الباب قوله ﷺ : "انصر أخاك ظالما أو مظلوما". فقال رجل: يا رسول الله! انصره إذا كان مظلوما، أفرأيت إن كان ظالما كيف أنصره؟ قال: "تحجزه، أو تمنعه من الظلم؛ فإن ذلك نصره" ٥.

стр. 84

وفي رواية "تأخذ فوق يديه" ١. ٤٣ـ إثارة العواطف، ومخاطبة الوجدان: ذلك أن مرمى الإقناع في الوعظ ليس هو الإلزام والإفحام فحسب، وإنما مرماه حمل المخاطب على الإذعان، والتسليم بطوعه، وإرادته. وذلك لا يتسنى بسوق الدلائل المنطقية جافة، ولا بإيراد البراهين العقلية عارية، بل بذلك وبإثارة العاطفة، ومخاطبة الوجدان. بل قد يستغني الواعظ عن الدلائل العقلية، ولا يمكنه بأية حال أن يستغني عن المثيرات العاطفية؛ إذ هي من أعظم الأدوات التي تعينه على التأثير في السامعين٢. ٤٤ـ استعمال أسلوب النداء، ومناداة المخاطبين بما يحبون: وذلك بشد انتباه المخاطبين، واستدعاء استجابتهم بنداءات يطلقها الواعظ في ثنايا حديثه بين الفينة والأخرى. ومن ذلك أن يقول: أيها المؤمنون، أيها الناس، معاشر المسلمين، أيها الإخوة. وإن كان هناك نسوة وجه النداء إليهن؛ ففي ذلك تنبيه، وتشويق، وتغيير لنمط الحديث. ولقد تكرر هذا المعنى كثيرا في القرآن والسنة. ومن ذلك قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران] . وقوله ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ

стр. 85

نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [النساء: ١ الآية] . والأمثلة من السنة على ذلك كثيرة، ومنها على سبيل الإيجاز ما يلي: قال ﵊: "أيها الناس اربعوا على أنفسكم" ١. وقال: "أيها الناس إليّ" ٢. وقال: "أيها الناس إنما صنعت هذا لتأتموا بي، ولتعلموا صلاتي" ٣. وقال: "أيها الناس تصدقوا" ٤. وقال: "أيها الناس عليكم بالسكينة" ٥. وقال: "أيها الناس لا تتمنوا لقاء العدو" ٦. وقال: "يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج" ٧. وقال: "يا معشر المسلمين كيف تسألون أهل الكتاب" ٨. وقال: "يا معشر النساء تصدقن" ٩. وقال: "يا معشر اليهود أسلموا تسلموا" ١٠.

стр. 86

ومن اللطف في الموعظة أن ينادي الواعظ من يعظهم بلقبهم الشريف، وأن ينعتهم بوصف شأنه أن يبعث صاحبه على قبول الموعظة. وهذا الأدب مقتبس من مثل قوله ـ تعالى ـ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ، وقوله : ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ﴾ ، وقوله: ﴿يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾ ، وقوله: ﴿يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ . وقد وصف النبي ﷺ هرقل في كتاب دعوته إلى الإسلام بعظيم الروم١. ٤٥ـ الجمع بين الخوف والرجاء: فلا بد للواعظ أن يجمع بين هذين الأمرين في موعظته؛ إذ هما جناحا العبادة، ولا تستقيم أحوال العباد إلا بالجمع بينهما، والواعظ الحكيم يحسن الجمع بينهما في موعظته؛ لأن الخوف يردعهم عن التمادي في المعاصي، والرجاء يفتح لهم أبواب التوبة، والإقبال على العمل. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "فلا يحل لأحد أن يقنط من رحمة الله ولا أن يقنط الناس من رحمته؛ لذا قال بعض السلف: وإن الفقيه كل الفقيه الذي لا يؤيس الناس من رحمة الله، ولا يجرؤهم على معاصي الله"٢. قال الله : ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾ [الحجر٤٩] . ومن فقه الإمام مسلم ﵀ أنه ساق في صحيحه حديثين عظيمين متتاليين: أحدهما يناسب الخوف وهو حديث المرأة التي سجنت الهرة، والآخر يناسب الرجاء وهو حديث المرأة البغي التي سقت كلبا.

стр. 87

وإليك الحديثين مع تعليق الزهري ﵀. قال النبي ﷺ : "عذبت امرأة في هرة سجنتها حتى ماتت، فدخلت النار؛ لا هي أطعمتها وسقتها إذ حبستها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض" ١. وقال ﷺ : "بينما كلب يطيف٢بركية٣كاد يقتله العطش، إذ رأته بغي من بغايا بني إسرائيل فنزعت موقها٤، واستقت له به، فسقته إياه، فغفر لها به" ٥. قال الزهري ﵀: "لئلا يتكل رجل، ولا ييأس رجل"٦. ٤٦ـ مراعاة المصالح والمفاسد: فلا يكفي مجرد سرد النصوص، وتنزيلها على أحوال معينة، خصوصا عند الفتن واشتباه الأمور. ولا يكفي إلقاء الكلمة دونما نظر في عواقبها، وما تحدثه من أثر. بل لابد من الروية، والاستنارة بأقوال أهل العلم، واستشارة أهل الفقه والبصيرة، ولابد من النظر في المصالح والمفاسد. قال الشيخ السعدي ﵀: قوله: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتْ الذِّكْرَى﴾ [الأعلى:٩] مفهوم الآية أنه إذا ترتب على التذكير مضرة أرجح ترك التذكير؛ خوف وقوع المنكر"٧.

стр. 88

وقال ابن القيم ﵀: "فإذا كان إنكار المنكر يستلزم ما هو أنكر منه، وأبغض إلى الله ورسوله فإنه لا يسوغ إنكاره، وإن كان الله يبغضه، ويمقت أهله". وقال: "ومن تأمل ما جرى في الإسلام من الفتن الكبار والصغار رآها من إضاعة هذا الأصل وعدم الصبر على منكر، فطلب إزالته، فتولد منه ما هو أكبر منه؛ فقد كان رسول الله ﷺ يرى بمكة أكبر المنكرات ولا يستطيع تغييرها". بل لما فتح الله مكة، وصارت دار إسلام عزم على تغيير البيت، ورده على قواعد إبراهيم، ومنعه من ذلك ـ مع قدرته عليه ـ خشية وقوع ما هو أعظم منه، من عدم احتمال قريش لذلك، لقرب عهدهم بالإسلام، وكونهم حديثي عهد بكفر"١. وقال ﵀: "فإنكار المنكر أربع درجات: الأولى: أن يزول ويخلفه ضده. والثانية: أن يقلّ، وإن لم يزل بالجملة. والثالثة: أن يخلفه ما هو مثله. والرابعة: أن يخلفه ما هو شر منه. فالدرجتان الأوليان مشروعتان، والثالثة محل اجتهاد، والرابعة محرمة. فإذا رأيت أهل الفجور والفسوق يلعبون الشطرنج كان إنكارك عليهم من عدم الفقه والبصيرة إلا إذا نقلتهم منه إلى ما هو أحب إلى الله ورسوله كرمي النشاب، وسباق الخيل، ونحو ذلك. وإذا رأيت الفساق قد اجتمعوا على لهو، أو لعب، أو سماع مكاء وتصدية فإن نقلتهم إلى طاعة الله فهو المراد. وإلا كان تركهم على ذلك خيرا من أن تفرغهم لما هو أعظم من ذلك؛

стр. 89

فكان ما هم فيه شاغلا لهم عن ذلك. وكما إذا كان الرجل مشتغلا بكتب المجون ونحوها، وخفت من نقله عنها انتقاله إلى كتب البدع والضلال والسحر فدعه وكتبه الأولى، وهذا باب واسع. وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية ـ قدس الله روحه ونور ضريحه ـ يقول: مررت أنا وبعض أصحابي في زمن التتار بقوم منهم يشربون الخمر؛ فأنكر عليهم من كان معي؛ فأنكرت عليه، وقلت له: إنما حرم الله الخمر؛ لأنها تصد عن ذكره وعن الصلاة، وهؤلاء يصدهم الخمر عن قتل النفوس، وسبي الذرية، وأخذ الأموال؛ فدعهم"١. وهذا وسيأتي مزيد بيان لهذا في الفقرة التالية. ٤٧ـ تحديث الناس بما يعقلون: فمن السياسة والحكمة في الدعوة أن يخاطب كل قوم بما يفهمون، وأن يتحامى مخاطبة أحد بما لا يحتمله عقله؛ فذلك أدعى لقبول الموعظة، والبعد عن مواطن النفرة والتكذيب. قال أمير المؤمنين علي ﵁: "حدثوا الناس بما يعرفون أتريدون أن يكذب الله ورسوله؟ "٢. وقال ابن مسعود ﵁: "ما أنت بمحدث قوما حديثا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة"٣. وقال ابن الجوزي ﵀: "من المخاطرات العظيمة تحديث العوام بما لا تحتمله عقولهم، أو بما قد رسخ في نفوسهم ضده"٤.

стр. 90

وقال: "فالله الله أن تحدث مخلوقا من العوام بما لا يحتمله دون احتيال وتلطف؛ فإنه لا يزول ما في نفسه، ويخاطر المحدث له بنفسه"١. ومما يعين على فهم السامعين، وعقلهم لما يلقى إليهم، ووقوعه في قرارات نفوسهم ـ أن تكون الموعظة بألفاظ مأنوسة، وتأليف محكم، ومعان بارزة. وهكذا كانت مواعظ النبي ﷺ وخطبه؛ فهي مصوغة بألفاظ مألوفة، ومعان قريبة المأخذ. وهي مع قرب معانيها من أذهان الجمهور قد حازت في مراقي البلاغة الأمد الأسمى٢. وقال أبو هلال العسكري ﵀: "فمدار البلاغة على تخير اللفظ، وتخيره أصعب من جمعه وتأليفه"٣. وقال: "قال أبو داود: رأس الخطابة الطبع، وعمودها الدربة، وجناحها رواية الكلام، وحليها الإعراب، وبهاؤها تخير الكلام، والمحبة مقرونة بقلة الاستكراه"٤. ولهذا فإن الواعظ البارع هو الذي يصوغ موعظته بما تحتمله العقول؛ فللعامة لغة، وللخاصة لغة، للكبار لغة، وللصغار لغة، وللرجال لغة، وللنساء لغة، وهكذا، وقد مر شيء من هذا القبيل في فقرة ماضية. ومن تحديث الناس بما يعقلون أن تكون الموعظة ملائمة لكافة الطبقات؛ إذ هي تلقى على طبقات من الناس متفاوتة في العلم والفهم؛ فيحسن بالواعظ ألا يتعرض في موعظته إلى المسائل التي قد يتعثر فهمها على كثير منهم، أو أن

стр. 91

يتناولوها على غير وجهها. وكانت خطب الرسول ﷺ جارية على هذا النحو؛ بحيث يستوي في فهمها الطبقات المختلفة دون أن يجدوا فيها ما ينبو عنه الفكر، أو يحار فيه العقل١. ولقد كان الصحابة ﵃ يراعون هذا الأدب لحكيم؛ فقد روى البخاري في صحيحه عن ابن عباس ﵄ قال: "كنت أقرئ رجالا من المهاجرين منهم عبد الرحمن بن عوف، فبينما أنا في منزله بمنى وهو عند عمر بن الخطاب في آخر حجة حجها إذ رجع إلي عبد الرحمن فقال لو رأيت رجلا أتى أمير المزمنين اليوم فقال: يا أمير المؤمنين هل لك في فلان يقول: لو قد مات عمر لقد بايعت فلانا؛ فوالله ما كانت بيعة أبي بكر إلا فلتة، فتمت. فغضب عمر ثم قال: إني ـ إن شاء الله ـ لقائم العشية في الناس، فمحذرهم هؤلاء الذين يريدون أن يغصبوهم أمورهم. قال عبد الرحمن: فقلت: يا أمير المؤمنين! لا تفعل؛ فإن الموسم يجمع رعاع الناس وغوغاءهم؛ فإنهم هم الذين يغلبون على قربك حين تقوم في الناس، وأنا أخشى أن تقوم فتقول مقالة يطيرها عنك كل مطير، وأن لا يعوها، وأن لا يضعوها على مواضعها؛ فأمهل حتى تقدم المدينة؛ فإنها دار الهجرة والسنة فتخلص بأهل الفقه وأشراف الناس، فتقول ما قلت متمكنا، فيعي أهل العلم مقالتك، ويضعونها على مواضعها. فقال عمر: أما والله ـ إن شاء الله ـ لأقومن بذلك أول مقام أقومه بالمدينة"الحديث٢. ومما يحسن في هذا الصدد أن يبتعد عن مواطن الخلاف؛ فإن ذكره قد لا

стр. 92

يناسب الموعظة؛ لأنها تلقى على عامة، وقد يكون ذلك مضلة لأفهامهم، مبعدا لهم عن الهدى. ٤٨ـ الاعتدال في الطرح، والحذر من المبالغة وتضخيم الأمور: فيحسن بالواعظ أن يكون متزنا في طرحه بعيدا عن التهويل والتهوين؛ لأن الحقيقة تضيع بين ذلك، والعرب تقول في أمثالها: "خير الناس هذا النمط الأوسط" يعني بين المقصر والغالي١. ومما يدل على حكمة الواعظ، ورجحان عقله، وحرصه على الحقيقة ـ لزومه الاعتدال، وألا يسرف في مدح ولا ذم، ولا في وعد ولا وعيد؛ فإن الإسراف مظنة الكذب، والاعتدال مظنة الصدق. ٤٩ـ انشراح الصدر للنقد الهادف: فالواعظ المخلص من يسعى لإرضاء الله ـ جل وعلا ـ فتراه يبذل كل سبب في سبيل نفع الناس؛ ابتغاء الأجر من الله؛ ولهذا لا تراه يتأذى من ملحوظة تقدم إليه ولو صاغها مقدمها في جفاء وغلظة؛ بل تراه يفرح بالنقد الهادف كفرحه بالثناء الصدق، بل ربما طلب ذلك من غيره، وهذا مما يرفع قدره، ويرتقي بعلمه، ووعظه. وهذا هو دأب الأكابر والعظماء. وقال عمر بن عبد العزيز لمولاه مزاحم ـ رحمهما الله ـ "إن الولاة جعلوا العيون على العوام، وأنا أجعلك عيني على نفسي؛ فإن سمعت مني كلمة تربأ بي عنها، أو أفعالا لا تحبها ـ فعظني عنده، وانهني عنه"٢. ٥٠ـ الإقبال على الله، وإحسان معاملته فذلك من أعظم الأسرار لنجاح الواعظ، ومن أكبر أسباب توفيقه وإعانته، وإقبال الناس عليه،

стр. 93

قال أبو حازم ﵀: "لا يحسن عبد فيما بينه وبين الله ـ تعالى ـ إلا أحسن الله فيما بينه وبين العباد، ولا يعور١ فيما بينه وبين الله ـ تعالى ـ إلا عور الله فيما بينه وبين العباد، ولمصانعة وجه واحد أيسر من مصانعة الوجوه كلها؛ إنك إذا صانعت الله مالت الوجوه كلها إليك، وإذا أفسدت ما بينك وبينه شنأتك الوجوه كلها"٢. وقال ابن الجوزي ﵀: "وإن قلوب الناس لتعرف حال الشخص، وتحبه أو تأباه، وتذمه، أو تمدحه وفق ما يتحقق بينه وبين الله ـ تعالى ـ فإنه يكفيه كل هم، ويدفع عنه كل شر. وما أصلح عبد ما بينه وبين الخلق دون أن ينظر إلى الحق إلا انعكس مقصوده، وعاد حامده ذاما"٣. وقال ﵀: "فمن أصلح سريرته فاح عبير فضله، وعبقت القلوب بنشر طيبه، فالله الله في السرائر؛ فإنه ما ينفع مع فسادها صلاح ظاهر"٤. ٥١ـ احتساب الأجر: فالواعظ الناصح المخلص يلقي الموعظة من رضوان الله لا يلقي لها بالا، وربما كانت سببا لهداية ضال، أو ردع متماد، أو إنهاض متكاسل، أو فتح باب من أبواب الخير، أو إغلاق لباب من أبواب الشر؛ فإذا ألقى الناس السمع للواعظ أفادوا منه كل بحسبه. ولا ريب أن الدال على الخير كفاعله، فكم من الأجور العظيمة المتنوعة التي ينالها الواعظ من جراء وعظه وتذكيره، وهذا مما يبعثه إلى مزيد من

стр. 94

البذل، ومضاعفة الجهد. ٥٢ـ ألا ينتظر الوعظ الشكر إلا من خالقه: لا ريب أن شكر الناس من شكر الله، وأنه لا يشكر الله من لا يشكر الناس. وريب أن شكر المحسن على إحسانه مطلوب، وأنه مما تنشرح له الصدور، وتزداد إقبالا على إقبال. ولا أحد أحسن قولا، ولا أولى بأن يشكره غيره من الداعي إلى الله؛ إذ هو الذي يقدم للناس حياتهم الحقة. ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنْ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت:٣٣] . ولكن قد يحصل في بعض الأحيان أن يقابل الواعظ بشيء من الجحود، والكنود، والجفاء. فإذا مرت بك هذه الحال ـ أيها الواعظ ت فلم تنصف، ولم تعط قدرك، ورد عليك فضلك باليمين والشمال ـ فلا يكبر ذلك في صدرك ويحملك على ترك الوعظ، والنصح، بل قابل ذلك بصدر رحب، ونفس راضية، وانتظر الشكر من خالقك؛ فعملك ـ هذا ـ ﴿عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى﴾ [طه:٥٢] . قال ابن حزم ﵀ بعد أن تحدث عن مذاهب الناس في طرد الهم: "وجدت العامل للآخرة إن امتحن بمكروه في تلك السبيل لم يهتم بل يسر؛ إذ رجاءه في عاقبة ما ينال عون له على ما يطلب، وزايد في الغرض الذي إياه يقصد.

стр. 95

ووجدته إن عاقه عما هو بسبيله عائق لم يهتم؛ إذ ليس مواخذا بذلك؛ فهو غير مؤثر في ما يطلب. ورأيته إن قصد بالأذى سر، وإن نكبته نكبة سر، وإن تعب فيما سلك فيه سر؛ فهو في سرور أبدا، وغيره بخلاف ذلك أبدا؛ فاعلم أنه مطلوب واحد، وهو طرد الهم، وليس إليه إلا طريق واحد، وهو العمل لله ـ تعالى ـ. فما عدا هذا فسخف وضلال"١. ٥٣ـ الحذر من الورع الخادع الكاذب: ومن ذلك أن يدع الداعي الوعظ؛ حذرا من أن يخالط قصده الرياء، والتطلع للسمعة؛ فيقلص نور إخلاصه، ويفوته ثواب الله في الدار الآخرة. وريب أن شأن الإخلاص عظيم، وأن عليه مدار العمل. ولكن ترك الدعوة بمثل هذا الوسواس ورع خادع. وما على الواعظ إلا أن يجاهد نفسه، وأن يأخذها بالإخلاص ما استطاع؛ فمخافة الرياء تجاه فائدة الدعوة إلى الخير لاغية، لأن تلك المخافة متوقعة، وفائدة الدعوة حاصلة ـ بإن الله ـ فلا تقدم المفسدة المتوقعة على الفائدة الحاصلة. ولو ركن كل داع إلى هذا الخاطر لتعطلت الدعوة، ولقلت المجاهدة، ولظفر الشيطان بما أراد. ومما يجدر التنبيه عليه أن الخوف من الرياء إنما يعظم في بدايات الإنسان الأولى؛ فإذا استمر على دعوته، ووعظه، ونفعه للناس لم يكد ذلك الخاطر يمر على باله. وإليك هذه النصيحة الذهبية من إمام الوعظ في زمانه الإمام ابن الجوزي

стр. 96

رحمه الله حيث يقول: "ما زالت نفسي تنازعني بما يوجبه مجلس الوعظ، وتوبة التائبين، ورؤية الزاهدين ـ إلى الزهد والانقطاع عن الخلق، والانفراد بالآخرة. فتأملت ذلك، فوجدت عمومه من الشيطان؛ فإن الشيطان يرى أنه لا يخلو لي مجلس من خلق لا يحصون يبكون ويندبون على ذنبهم، ويقوم ـ في الغالب ـ جماعة يتوبون، ويقطعون شعور الصبا، وربما اتفق خمسون ومائة. ولقد تاب عندي في بعض الأيام أكثر من مائة، وعمومهم صبيان قد نشؤوا على اللعب، والانهماك في المعاصي. فكأن الشيطان ـ لبعد غوره في الشر ـ رآني أجتذب إلي من أجتذب منه؛ فأراد أن يشغلني عن ذلك بما يزخرفه؛ ليخلو هو بمن اجتذبه من يده. ولقد حسن لي الانقطاع عن المجالس، وقال: لا يخلو من تضنع للخلق. فقلت: أما زخرفة الألفاظ وتزويقها، وإخراج المعنى من مستحسن العبارة ـ ففضيلة لا رذيلة. وأما أن أقصد الناس بما لا يجوز في الشرع فمعاذ الله"١. إلى أن قال ﵀: "وأما الانقطاع فينبغي أن تكون العزلة عن الشر لا عن الخير، والعزلة عن الشر واجبة على كل حال. وأما تعليم الطالبين، وهداية المريدين فإنه عبادة العالم. وإن من تغفيل بعض العلماء إيثاره للتنفل بالصلاة والصوم عن تصنيف الكتاب، أو تعليم علم ينفع؛ لأن ذلك بذر يكثر ريعه، ويمتد زمان نفعه. وإنما تميل النفس إلى ما يزخرفه الشيطان من ذلك لمعنيين: أحدهما: حب البطالة؛ لأن الانقطاع عندها أسهل.

стр. 97

والثاني: حب المدحة؛ فإنها إذا توسمت بالزهد كان ميل العوام إليها أكثر. فعليك بالنظر في الشرب الأول؛ فكن من الشرب المتقدم وهم الرسول ﷺ وأصحابه ﵃. فهل نقل عن أحد منهم ما ابتدعه جهلة المتزهدين والمتصوفة من الانقطاع عن العلم، والانفراد عن الخلق؟! وهل كان شغل الأنبياء إلا معاناة الخلق، وحثهم على الخير، ونهيهم على الشر؟!. إلا أن ينقطع من ليس بعالم بقصد الكف عن الشر؛ فذلك مرتبة المحتمي يخاف شر التخليط؛ فأما الطبيب العالم بما يتناوله فإنه ينتفع بما يناله"١. ٥٤ـ الحذر من اليأس: فربما بذل الواعظ نصحه، وحرص على هداية الناس. وبعد ذلك قد لا يرى نتيجة الوعظ. وهذه فرصة الشيطان التي تجعله يلقي في روع الواعظ أن لا فائدة مما تقول، وأنه خير لك أن تدع الوعظ. فيحسن بالواعظ أن يتفطن لهذا المدخل، وأن يحسن ظنه بالله، وأن يستحضر أن الموعظة الحسنة والعمل الصالح ـ عموما ـ لا يذهبان سدى. فإذا لم تظهر النتائج عاجلا ظهرت آجلا، وإذا لم يذهب الشر كله خف وقعه، ولم يستطر شرره. وربما لو ترك الوعظ والإرشاد لتمادى الغافلون. وكثيرا ما يستخف الناس بالأمر تلقى له الموعظة أو تؤلف فيه المقالة؛ فإذا تتابع الترغيب فيه، أو التحذير منه ـ ولو من الناصح الواحد ـ أخذ الناس

стр. 98

يعنون بشأنه، ويتداعون للعمل به، أو الإقلاع عنه. وما سطع الإيمان في نفس إلا كانت كالبلد الطيب ﴿يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾ ؛ فابذر ـ أيها الواعظ ـ في النفوس من الحكمة والموعظة الحسنة ما شئت أن تبذر؛ فلا تريك إلا نيات صالحة، وأعمالا راضية. ثم إن مبلغ جهد الإنسان إنما هو البلاغ، والهداية بيد الله قال ﴿إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾ [الشورى٤٩] . وقال: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٧٢] . وقال: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ [الشورى:٤٩] . وقال: ﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس:٩٩] . ٥٥ـ أن يستشعر الواعظ أنه هو المقصود الأول من موعظته، وأنه مفتقر إلى الله فذلك يدعوه إلى ربط القول بالعمل، ويردعه عن التمادي في الإعجاب، ويبعثه إلى الانطراح بين يدي الله وسؤاله أن لا يكله إلى نفسه طرفة عين. كما أن ذلك يقوده إلى التواضع، والزراية على النفس. كل ذلك من أسباب توفيقه وتسديده. فما أجمل أن يكون الواعظ كثير الانكسار والتذلل لله وما أروع أن يستحضر معنى قوله ـ عندما يقول في مستهل موعظته ـ: "أوصيكم ونفسي بتقوى الله ". ولقد كان العلماء الربانيون العالمون بالله وبأمره يأخذون بهذه السيرة؛ فتراهم يستشعرون بأنهم أولى الناس بالتذكرة، وأنهم أخوف الناس على أنفسهم، وأرجاهم لغيرهم.

стр. 99

قال أبو حازم سلمة بن دينار ﵀: "أفضل خصلة ترجى للمؤمن أن يكون أشد الناس خوفا على نفسه، وأرجاه لكل مسلم"١. ويقول مخاطبا نفسه مرزيا عليها: "يا أعرج! ينادى يوم القيامة: يا أهل خطيئة كذا وكذا فتقوم معهم، ثم ينادي: يا أهل خطيئة كذا وكذا فتقوم معهم؛ فأراك يا أعرج تريد أن تقوم مع أهل كل خطيئة"٢. وقد رئي أبو الحسين الرازي ت ٣٠٤ ﵀ في المنام بعد موته فقيل له: ما فعل الله بك؟ فقال: "غفر لي بقولي عند الموت: اللهم إني نصحت الناس قولا، وخنت نفسي فعلا؛ فهب خيانة فعلي لنصح قولي"٣. وها هو ابن الجوزي وهو من أكبر أئمة الوعظ يكثر البكاء على نفسه، واستشعار تقصيره في جنب الله . يقول ﵀: "إلهي! لا تعذب لسانا يخبر عنك، ولا عينا تنظر إلى علوم تدل عليك، ولا يدا تكتب حديث رسولك؛ فبعزتك لا تدخلني النار"٤. ويقول مبتهلا إلى الله "ارحم عبرة تترقرق على ما فاتها منك، وكبدا تحترق على بعدها عنك"٥. وفي كتابه صيد الخاطر نماذج كثيرة من هذا القبيل، وإليك حرفا منها، يقول ﵀: "إخواني! لنفسي أقول؛ فمن له شرب معي فليرد: أيتها النفس! لقد أعطاك الله ما لم تؤملي، وبلغك ما لم تطلبي، وستر عليك من قبيحك ما لو

стр. 100

فاح ضجت المشام١، فما هذا الضجيج من فوات كما الأغراض أمملوكة أنت أم حرة؟! أما علمت أنك في دار التكليف؟! وهذا الخطاب ينبغي أن يكون للجهاد فأين دعواك المعرفة؟! أتراه لو هبت نفخة فأخذت البصر كيف كانت تطيب لك الدنيا؟! وا أسفا عليك! لقد عشيت البصيرة التي هي أشرف، وما علمت كم أقول: عسى، ولعل، وأنت في الخطأ إلى قدام. قربت سفينة العمر من ساحل القبر ومالك في المركب بضاعة تربح، تلاعبت في بحر العمر ريح الضعف؛ فغرقت تلفيق القوى، وكأن قد فصلت المركب، بلغت نهاية الأجل وعين هواك تتلفت إلى الصبا! بالله عليك لا تشمتي بك الأعداء! هذا أقل الأقسام، وأوفى منها أن أقول: بالله عليك لا يفوتنك قدم سابق مع قدرتك على قطع المضمار. الخلوة الخلوة، واستحضري قرين العقل، وجولي في حيرة الفكر، واستدركي صبابة الأجل قبل أن تميل بك الصبابة٢عن الصواب. واعجبا! كلما صعد العمر نزلت! وكلما جد الموت هزلت! أتراك ممن ختم له بفتنة، وقضيت عليه عند آخر عمره المحنة؟! كان أول عمرك خيرا من الأخير، كنت في زمن الشباب أصلح في زمن أيام المشيب ... ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت٤٣] .

стр. 101

نسأل الله ما لا يحصل إلا به، وهو توفيقه، إنه سميع مجيب"١. وقال ابن الجوزي ﵀: "ولقد تاب على يدي في مجالس الذكر أكثر من مائتي ألف، وأسلم على يدي أكثر من مائتي نفس، وكم سالت عين متكبر بوعظي لم تكن تسيل، ويحق لمن تلمح هذا أن يرجو التمام. وربما لاحت أسباب الخوف بنظري إلى تقصيري وزللي. ولقد جلست يوما فرأيت حولي أكثر من عشرة آلاف ما فيهم إلا من رق قلبه، أو دمعت عينه فقلت لنفسي: كيف بك إن نجو وهلكت؟ ! فصحت بلساني وجدي: إلهي وسيدي! إن قضيت علي بالعذاب غدا فلا تعلمهم بعذابي؛ صيانة لكرمك، لا لأجلي؛ لأن لا يقولوا عذب من دلّ عليه. إلهي قد قيل لنبيك ﷺ اقتل ابن أبي المنافق فقال: "لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه" ٢. إلهي! فاحفظ حسن عقائدهم فيّ بكرمك أن تعلمهم بعذاب الدليل عليك٣، حاشا والله يا رب ـ من تكدير الصافي"٤. وقال ﵀ في موضع آخر: "تفكرت في نفسي يوما تفكرا محقق فحاسبتها قبل أن تحاسب، ووزنتها قبل أن توزن؛ فرأيت اللطف الرباني. فمنذ الطفولة إلى الآن أرى لطفا بعد لطف، وسترا على قبيح وعفوا

стр. 102

عما يوجب عقوبة، وما أرى لذلك إلا شكرا باللسان. ولقد تفكرت في خطايا لو عوقبت ببعضها لهلكت سريعا، ولو كشف للناس بعضها لاستحييت. ولا يعتقد معتقد عند سماع هذا أنها من كبائر الذنوب حتى يظن في ما يظن في الفساق، بل هي ذنوب قبيحة في حق مثلي وقعت بتأويلات فاسدة؛ فصرت إذا دعوت أقول: اللهم بحمدك وسترك علي اغفر لي. ثم طالبت نفسي بالشكر على ذلك فما وجدته كما ينبغي. ثم أنا أتقاضى القدر مراداتي، ولا أتقاضى بصبر على مكروه، ولا بشكر على نعمة؛ فأخذت أنوح على تقصيري في شكر المنعم، وكوني أتلذذ بإيراد العلم من غير تحقيق عمل به، وقد كنت أرجو مقامات الكبار فذهب العمر وما حصل المقصود؛ فوجدت أبا الوفاء ابن عقيل قد ناح نحو ما نحت؛ فأعجبتني نياحته١فكتبتها ههنا. قال لنفسه: يا رعناء! تقومّمين الألفاظ؛ ليقال: مناظر، وثمرة هذا أن يقال: يا مناظر، كما يقال للمصارع: الفارة. ضيعت أعز الأشياء وأنفسها عند العقلاء ـ وهي آخر أيام العمر ـ حتى شاع لك بين من يموت غدا اسم مناظر، ثم ينسى الذاكر والمذكور إذا درست القلوب، هذا إن تأخر الأمر إلى موتك، بل ربما نشأ شاب أفره منك، فموهوا له، وصار الاسم له، والعقلاء٢ عن الله تشاغلوا بما إذا انطووا نشرهم٣،

стр. 103

وهو العمل بالعلم، والنظر الخالص لنفوسهم. أف لنفسي! وقد سطرت عدة مجلدات في فنون١العلم، وما عبق بها ضيلة٢. إن نوظرت شمخت، وإن نوصحت تعجرفت٣، وإن لاحت الدنيا طارت إليها طيران الرخم، وسقطت عليها سقوط الغراب على الجيف؛ فليتها أخذت أخذ المضطر من الميتة، توفر في المخالطة عيوبا تبلى، ولا تحتشم نظر الحق إليها، وإن انكسر لها غرض تضجرت٤، وإن أمدت بالنعم اشتغلت عن المنعم. أف والله مني، اليوم على وجه الأرض وغدا تحتها. والله إن نتن جسدي بعد ثلاث تحت التراب أقل من نتن خلائقي وأنا بين الأصحاب. والله إنني قد بهرني حلم هذا الكريم عني؛ كيف يسترني وأنا أتهتك، ويجمعني وأنا أتشتت؟! وغدا يقال: مات الحبر العالم الصالح، ولو عرفوني حق معرفتي بنفسي ما دفنوني. والله لأنادين على نفسي نداء المكشفين معائب الأعداء، ولأنوحن نوح

стр. 104

الثاكلين للأبناء؛ إذ لا نائح لي ينوح علي هذه المصائب المكتومة والخلال المغطاة التي قد سترها من خبرها، وغطاها من علمها. والله ما أجد لنفسي خلة استحسن أن أقول متوسلا بها: اللهم اغفر لي كذا بكذا. والله ما التفت قط إلا وجدت منه ـ سبحانه ـ برا يكفيني، ووقاية تحميني مع تسلط الأعداء، ولا عرضت حاجة فمددت يدي إلا قضاها. هذا فعله معي وهو رب غني عني، وهذا فعلي وأنا عبد فقير إليه!! ولا عذر لي فأقول: ما دريت، أو سهوت، والله لقد خلقني خلقا صحيحا سليما، ونور قلبي بالفطنة، حتى إن الغائبات والمكنونات تنكشف لفهمي. فوا حسرتاه على عمر انقضى فيما لا يطابق الرضا، وا حرماني لمقامات الرجال الفطناء، يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله، وا شماتة العدو بي، وا خيبة من أحسن الظن بي إذا شهدت الجوارح علي، وا خذلاني عند إقامة الحجة. سخر ـ والله ـ مني الشيطان وأنا الفطن. اللهم توبة خالصة من هذه الأقذار، ونهضة صادقة لتصفية ما بقي من الأكدار، وقد جئت بعد الخمسين وأنا من خلق المتاع، وأبي العلم إلا أن يأخذ بي إلى معدن الكرم، وليس لي وسيلة إلا التأسف والندم؛ فوالله ما عصيتك جاهلا بمقدار نعمتك، ولا ناسيا لما أسلفت من كرمك؛ فاغفر لي

стр. 105

سالف فعلي"١. فهذا كلام ابن عقيل ﵀ وهذه زرايته على نفسه مع أنه هو هو في العلم والفضل والتفنن، بل يكفي أنه كتب كتاب "الفنون" الذي بلغ ثمانمائة مجلد٢. وهذا شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وهو من هو في الزهد والعلم والورع والعبادة والجهاد ها هو يضرب مثالا رائعا في المسكنة، والافتقار، والتذلل لله . يقول تلميذه العلامة ابن القيم ﵀ في معرض حديث له في منزلة الخشوع في كتابه الماتع مدارج السالكين: "فلا شيء أنفع للصادق من التحقق بالمسكنة، والفاقة والذل، وأنه لا شيء، وأنه ممن لم يصح له بعد الإسلام حتى يدعي الشرف فيه. ولقد شاهدت من شيخ الإسلام ابن تيمية ـ قدس الله روحه ـ من ذلك أمرا لم أشاهده من غيره، وكان يقول كثيرا: مالي شيء، ولا مني شيء، ولا في شيء، وكان كثيرا ما يتمثل بهذا البيت: أنا المكدي وابن المكدي ... وهكذا كان أبي وجدي وكان إذا أثني عليه في وجهه يقول: والله إني إلى الآن أجدد إسلامي كل وقت، وما أسلمت بعد إسلاما جيدا.

стр. 106

وبعث إلي في آخر عمره قاعدة في التفسير بخطه، وعلى ظهرها أبيات بخطه من نظمه: أنا الفقير إلى رب البريات ... أنا المسيكين في مجموع حالاتي أنا الظلوم لنفسي وهي ظالمتي ... والخير إن يأتنا من عند يأتي لا أستطيع لنفسي جلب منفعة ... ولا عن النفس لي دفع المضرات وليس لي دونه رب يدبرني ... ولا شفيع إذا حاطت خطيئاتي إلا بإذن من الرحمن خالقنا ... إلى الشفيع كما قد جا في الآيات ولست أملك شيئا دونه أبدا ... ولا شريك أنا في بعض ذرات ولا ظهير له طي يستعين به ... كما يكون لأرباب الولايات والفقر لي وصف ذات لازم أبدا ... كما الغنى أبدا وصف له ذاتي وهذه الحال حال الخلق أجمعهم ... وكلهم عنده عبد له آتي فمن بغى مطلبا من غير خالقه ... فهو الجهول الظلوم المشرك العاتي والحمد لله ملء الكون أجمعه ... ما كان منه وما من بعد قد يأتي١

стр. 107

الخاتمة الحمد لله الذي تتم بنعمته الصالحات، وبعد: ففي خاتمة التطواف في تفصيل أدب الموعظة أتوجه بالشكر إلى المولى ـ جل وعلا ـ على تيسيره وإعانته. وأسأله أن يجعل هذا الكتاب خالصا لوجهه، نافعا لعباده، موافقا لسنة نبيه ﷺ . وبعد شكر الله أشكر كل من أعان على هذا العمل بمشورة، أو تصحيح، أو مراجعة، أو ما جرى مجرى ذلك، وأسأل الله أن يجزيهم خيرا الجزاء وأن يجعل ذلك ذخرا لهم يوم يلقونه. كما أعتذر للقراء الكرام إن كان هناك من إثقال، أو إملال، وآمل منهم موافاة أخيهم بما يرونه من ملحوظة، أو زيادة فائدة. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.