← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 749

عناية الإسلام بتربية الأبناء كما بينتها سورة لقمان

عرفة بن طنطاوي

Полный текст (624 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

لِابْنِهِ: ﴿يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]» (١). اهـ. قال الشوكاني: » وَمَعْنَى وَهُوَ يَعِظُهُ يُخَاطِبُهُ بِالْمَوَاعِظِ الَّتِي تُرَغِّبُهُ فِي التَّوْحِيدِ وَتَصُدُّهُ عَنِ الشِّرْكِ ﴿يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾ قَرَأَ الْجُمْهُورُ بِكَسْرِ الْيَاءِ. وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ بِإِسْكَانِهَا. وَقَرَأَ حَفْصٌ بِفَتْحِهَا، وَنَهْيُهُ عَنِ الشِّرْكِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ كَافِرًا، وَجُمْلَةُ: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ تَعْلِيلٌ لِمَا قَبْلَهَا، وَبَدَأَ فِي وَعْظِهِ بِنَهْيِهِ عَنِ الشِّرْكِ؛ لِأَنَّهُ أَهَمُّ مِنْ غَيْرِهِ» (٢). اهـ. قال أبو حيان: «ولأن لقمان كان رجلًا حكيمًا ابتدأ بابنه، وخصه بذلك أولًا لأنه أقرب الناس إليه، وأحبهم إلى قلبه، وآثرهم عنده، قيل: إن ابنه وامرأته كانا كافرين، فما زال يعظهما حتى أسلما» (٣). اهـ قال الألوسي: «﴿لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾ [لقمان: ١٣] قِيلَ: كَانَ ابْنُهُ كَافِرًا وَلِذَا نَهَاهُ عَنِ الشِّرْكِ، فَلَمْ يَزَلْ يَعِظهُ حَتَّى أَسْلَمَ، وَكَذَا قِيلَ فِي امْرَأَتِهِ وَقِيلَ: كَانَ مُسْلِمًا، وَالنَّهْيُ عَنِ الشِّرْكِ تَحْذِيرٌ لَهُ عَنْ صُدُورِهِ مِنْهُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ. ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣)﴾ [لقمان: ١٣] وَالظَّاهِر أَنَّ هَذَا مِنْ كَلَامِ لُقْمَانَ، وَيَقْتَضِيهِ كَلَامُ مسْلِمٍ فِي «صَحِيحِهِ»، وَالْكَلَامُ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ، أَوِ الِانْتِهَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، وَقِيلَ: هُوَ خَبرٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى شَأْنُهُ مُنْقَطِعٌ عَنْ كَلَامِ لُقْمَانَ مُتَّصِلٌ بِهِ فِي

стр. 422

تَأْكِيدِ الْمَعْنَى، وَكَوْنُ الشِّرْكِ ظُلْمًا لِمَا فِيهِ مِنْ وَضْعِ الشَّيْءِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ، وَكَوْنُهُ عَظِيمًا لِمَا فِيهِ مِنَ التَّسْوِيَةِ بَيْنَ مَنْ لَا نِعْمَةَ إِلَّا مِنْهُ سُبْحَانَهُ وَمَنْ لَا نِعْمَةَ لَهُ» (١). اهـ. قال الماوردي: «﴿يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] يَعْنِي: عِنْدَ اللَّهِ، وَسَمَّاهُ ظُلْمًا لِأَنَّهُ قَدْ ظَلَمَ بِهِ نَفْسَهُ، وَقِيلَ: إِنَّهُ قَالَ ذَلِكَ لِابْنِهِ وَكَانَ مُشْرِكًا» (٢). اهـ. قال البيضاوي: «﴿لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾ [لقمان: ١٣] قِيلَ: كَانَ كَافِرًا فَلَمْ يَزَلْ بِهِ حَتَّى أَسْلَمَ ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣)﴾ [لقمان: ١٣]؛ لِأَنَّهُ تَسْوِيَةٌ بَيْنَ مَنْ لَا نِعْمَةَ إِلَّا مِنْهُ وَمَنْ لَا نِعْمَةَ مِنْهُ» (٣). اهـ. قال ابن عطية الأندلسي: «وَظَاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣)﴾ [لقمان: ١٣] أَنَّهُ مِنْ كَلَامِ لُقْمَانَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ خَبَرًا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى مُنْقَطِعًا مِنْ كَلَامِ لُقْمَانَ، مُتَّصِلًا بِهِ فِي تَأْكِيدِ الْمَعْنَى، وَيُؤَيِّدُ هَذَا الْحَدِيثُ الْمَأْثُورُ: أَنَّهُ لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢] أَشْفَقَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَقَالُوا: «أَيُّنَا لَمْ يَظْلِمْ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣)﴾ [لقمان: ١٣]، فَسَكَنَ إِشْفَاقُهُمْ» (٤). اهـ. يقول الإمام ابن القيم: «فإن المشرك أجهل الجاهلين بالله؛ حيث جعل له من

стр. 423

خلقه ندًا، وذلك غاية الظلم منه، وإن كان المشرك في الواقع لم يظلم ربه، وإنما ظلم نفسه» (١). اهـ. - وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: سألت رسول الله ﷺ أيُّ الذنب أعظم عند الله؟ قال: «أن تجعل لله ندًّا وهو خلقك» (٢). والقول بأن ابن لقمان كان كافرًا قال به أكثر أهل التفسير ونقل ابن عاشور أنه قول الجمهور -يعني: جمهور المفسرين- ثم علل ترجيحه بقوله: «وَأَصْلُ النَّهْيِ عَنِ الشَّيْءِ أَنْ يَكُونَ حِينَ التَّلَبُّسِ بِالشَّيْءِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ أَوْ عِنْدَ مُقَارَبَةِ التَّلَبُّسِ بِهِ، وَالْأَصْلُ أَنْ لَا يَنْهَى عَنْ شَيْءٍ مُنْتَفٍ عَنِ الْمَنْهِيّ». اهـ. وكذلك قيل: في امرأة لقمان بأنها كانت كافرة، فما زال بهما لقمان حتى أسلما، وهذا القول: -أي: في امرأة لقمان- قال به جمع من أهل التفسير منهم على سبيل المثال لا الحصر، القرطبي والزَّمَخْشَرِيُّ المعتزلي والألوسي وغيرهم، وهذا القول ليس فيه أي إشارة في موعظة لقمان لا من قريب ولا من بعيد، مما يدل على غرابته أيضًا. يقول القرطبي: «وذكر القشيري أن ابنه وامرأته كانا كافرين فما زال يعظهما حتى أسلما» (٣). ويقول الألوسي: «قيل: كان ابنه كافرًا ولذا نهاه عن الشرك، فلم يزل يعظه

стр. 424

حتى أسلم، وكذا قيل في امرأته» (١). ومن القواعد المقررة عند أهل السنة أنه: «من دخل الإسلام بيقين لم يخرج منه إلا بيقين» نص عليها غير واحد من أهل العلم منهم: شيخ الإسلام ابن تيمية حيث يقول: «وليس لأحد أن يكفر أحدًا من المسلمين، وإن أخطا وغلط، حتى تقام عليه الحجة، وتبين له المحجة، ومن ثبت إسلامه بيقين: لم يَزُلْ ذلك عنه بالشك، بل لا يزول إلا بعد إقامة الحجة وإزالة الشبهة» (٢). والاستدلال بكلام شيخ الإسلام على مانحن بصدده لا يتطابق من كل وجه، ولكن من جهة قاعدة: «ومن ثبت إسلامه بيقين: لم يَزُلْ ذلك عنه بالشك». والحقيقة أنه يصعب الجزم بذلك، أي: بـ «القول بأن ابن لقمان كان كافرًا»، لأن دلالة القول به ظنية مأخوذة من فحوى موعظة لقمان لولده فحسب، وليس ثَمَّ دلالة قطعية تثبت دعوى كفر ابن لقمان حين وعظه تلك الموعظة، والكفر شأنه عظيم، وخطره وخَطبهُ أليم، وسوء عاقبته وخيمة، فلا يثبت إلا بدلالة قطعية الثبوت. فالتوقف في ذلك أسلم، والقول بأنه لم يكن كافرًا قال به غير واحد من أئمة التفسير وهو أسلم وأحوط وأقرب للصواب، والله أعلم. وإنما كان تحذير لقمان ولده من الشرك من باب الحرص على بقاء فطرته على التوحيد الخالص الذي جُبِلت وفُطِرت وخُلِقت عليه الخليقةُ، وليس من

стр. 425

باب أنه متلبس بالشرك كما قال سبحانه: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠]. وحتى لا تلوث فطرته النقية السوية بلوثة الشرك ودرن الكفر، فالوصية من باب درهم وقاية خير من قنطار علاج، لا من باب كونه كان كافرًا، ولقمان قرن تحذير ولده من الشرك بعلته المقترنة به وحكمته اللازمة له كما بَيَّنَ ربنا ذلك بقوله سبحانه: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣)﴾ [لقمان: ١٣]، وكذلك فعل في كل وصاياه الواردة في السورة الكريمة، وفي هذا دلالة بينة على حكمة لقمان في وعظه وتعليمه وتربيته لولده. ولا شك أن ذلك أدعى إلى قبول الولد نصح أبيه ووعظه وتعليمه والاستجابة الذاتية له. ولا يخفى على كل مُرَبٍّ حكيم، أن التحذير من الشر قبل وقوعه من أنفع وأنجع الأساليب التربوية، إذ التربية بالتحذير من الشرك والأمر باجتنابه والبعد عنه قبل وقوعه أيسر من النهي عنه بعد التلبس به والوقوع والولوج فيه، إذ إنه قد لا يسلم من تلبس بالشرك أن تقتلع جذوره بالكلية، فقد تبقى بعض آثاره ورواسبه عالقة في النفس، وقد يشق عودتها للفطرة الأولى بيضاء نقية كما خلقها الله أول مرة، ولا شك أن الواقع يشهد لذلك. وما حديث ذات أنواط عنا ببعيد فعَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ ﵁، قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﵌ إِلَى حُنَيْنٍ (١) -وَنَحْنُ حُدَثَاءُ عَهْدٍ بِكُفْرٍ- ولِلْمُشْرِكِينَ سِدْرَةٌ

стр. 426

يَعْكُفُونَ عِنْدَهَا، ويَنُوطُونَ بِهَا أَسْلِحَتَهُمْ يُقَالُ لَهَا: ذَاتُ أَنْوَاطٍ، قَالَ: فَمَرَرْنَا بِالسِّدْرَةِ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، اجْعَلْ لَنَا ذَاتَ أَنْوَاطٍ كَمَا لَهُمْ ذَاتُ أَنْوَاطٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: «اللهُ أَكْبَرُ، إِنَّهَا السُّنَنُ، قُلْتُمْ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ كَمَا قَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٨]، لَتَرْكَبُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ» (١). قال الشوكاني ﵀ ولم يكن من قصدهم أن يعبدوا تلك الشجرة أو يطلبوا منها ما يطلبه القبوريون من أهل القبور، فأخبرهم ﵌ أنّ ذلك بمنزلة الشرك الصريح، وأنه بمنزلة طلب آلهةٍ غير الله تعالى (٢). والذي يبدو جليًّا لنا أنَّ الصحابة ﵃ أجمعين إنَّما كان طلبهم بأن يجعل النبي ﵌ لهم ذاتَ أنواط كما أن للمشركين ذاتَ أنواط، وهذا يشبه سؤالَ بني إسرائيل لموسى ﵇ بقولهم: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ [الأعراف: ١٣٨]، لا

стр. 427

أنه هو الشرك بذاته؛ ذلك لأنَّ التشابه في وجهٍ أو فردٍ لا يلزم التشابه بينهما من كلِّ وجهٍ وفردٍ، وقد عذرهم النبي ﵌ ذلك لأنهم كانوا حديثي عهد بكفر. ا هـ. والمنتقل من الباطل الذي اعتاده، لا يأمن أن يكون في قلبه بقية من تلك العادة لأن الصحابة الذين طلبوا ذلك لم يكن مضى على إسلامهم إلا أيام معدودة لأنهم أسلموا يوم فتح مكة ثم خرج بهم النبي ﷺ إلى غزوة حنين فوقعت تلك الوقعة وهم في طريقهم إلى حنين (١). مخاطبة لقمان ولده بالحكمة (يا بني): - قال ابن كثير: «وهو يوصي ولده الذي هو أَشْفَقُ الناسِ عليه وأحبهم إليه، فهو حقيق أن يمنحه أفضل ما يعرف; ولهذا أوصاه أولًا بأن يعبد الله وحده ولا يشرك به شيئًا، ثم قال محذرًا له: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣)﴾ [لقمان: ١٣]» (٢). قال الألوسي: «﴿يَابَنِي﴾ تصغير إشفاق ومحبة لا تصغير تحقير» (٣). قال البقاعي: «﴿يَابَنِي﴾ خَاطَبَهُ بأحب ما يُخَاطَب به، مع إظهار الترحم والتحنن والشفقة، ليكون ذلك أدعى لقبول النصح» (٤). في معنى مخاطبة لقمان ولده بلفظ البنوة [يا بني]: لقد افتتح لقمان وصاياه التربوية والإيمانية بكلمة عظيمة تَرِقُّ الأفئدةُ

стр. 428

بسماعها، وتَرتاح النُّفوس السوية بندائها، وهي كلمة استِعطافية تتلطِّف بها الأجواء الحوارية بين الأب وفلذة كبده وثمرة فؤاده، فتَلتقِطها أُذُنه صاغيةً لها وتَشق طريقها مسرعة إلى سويداء قَلبِه، فيُحسُّها في خلجات نفسه دفئًا وحنانًا وحبًّا، وراحة وسعادةً وطمأنينةً، فتنعقد بها أواصِر من الأُلفة وروابط من المحبة، وتتصل بها حِبال من المودِّة بين الابن وأبيه، إنها كلمة (يَا بُنَيّ)، والتي تفتح للبر والسمع والانقياد والطاعة والقبول لما يلقى على مسامعه أمرًا حتمي القبول، لازم الانصياع، ومِن التذمر والتسخط والتبرم أمرًا مستبعد الوقوع. وهذا الأسلوب الأبوي غاية في التلطف والتودد، مع ما فيه من بيان لما يحمله قلب الأب من معاني الحنان والمحبة والرحمة والمودة والشفقة لأحب الخلق إلى قلبه، وإنما خاطبه بألطف العبارات، بالاستِعطاف والرحمة والرأفة، وبأرق الألفاظ لتصبح الموعظة والنصيحة والوصية أدعى للقبول، وأجدى للنفع وأوقع في النفس. وفي ذلك جذب لفؤاد ولده وفلذة كبده وترغيب وحث وتحفيز له على الاستجابة، واستمالة لفتح مسامع قلبه لتلقف ما يلقيه والده من مواعظ ونصائح بنفس راضية مطمئنة، وهي نصيحة صادقة خالصة من حظوظ النفس خالية من كل تهمة مبرأة من كل عيب ومن كل شائبة، لأنها صادرة من أب شفيق رحيم ودود حريص على صلاح ولده، فهي نصيحة خالصة صافية لا غش فيها إذ يعود نفعها أولًا على نور عينيه وفلذة كبده وثمرة فؤاده، ولا شك في تأثير تلك الموعظة في نفس الابن، وأنها وقعت بأسلوب مؤثر وفعال، وأثمرت في نفس ابنه دافعًا ذاتيًا يحمل الابن على الإذعان والانقياد لموعظة أبيه والامتثال لأمره،

стр. 429

ولا شك أن ذلك كله راجع بعد توفيق الله لما حباه الله لهذا المربي الحكيم من الحكمة التي زكاه به ومدحه بها في كتابه الكريم، كما قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾ [لقمان: ١٢]. يقول ابن رجب الحنبلي: «المواعظ سياط تضرب القلوب فتؤثر في القلوب كتأثير السياط في البدن، والضرب لا يؤثر بعد انقضائه كتأثير في حال وجوده؛ لكن يبقى أثر التأليم بحسب قوته وضعفه - فكلما قوي الضرب كانت مدة بقاء الألم أكثر» (١). قال البقاعي: «وَلَمَّا كَانَ أَصْلُ تَوْفِيَةِ حَقِّ الْحَقِّ تَصْحِيحَ الِاعْتِقَادِ وَإِصْلَاحَ الْعَمَلِ، وَكَانَ الْأَوَّلُ أَهَمَّ، قَدَّمَهُ فَقَالَ: ﴿يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ﴾ [لقمان: ١٣] أَيْ: [لَا] تُوقِعِ الشِّرْكَ لَا جَلْيًّا وَلَا خَفِيًّا، زَادَ ذَلِكَ بِإِبْرَازِ الِاسْمِ الْأَعْظَمِ الْمُوجِبِ لِاسْتِحْضَارِ جَمِيعِ صفاتِ الْجَلَالِ، تَحْقِيقًا لِمَزِيدِ الْإِشْفَاقِ. فَقَال: بِاللَّهِ، أَيِ: الْمَلِكِ الْأَعْظَمِ الَّذِي لَا كُفُؤَ لَهُ، ثُمَّ عَلَّلَ هَذَا النَّهْيَ بِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ﴾ [لقمان: ١٣] أَيْ: بِنَوْعَيْهِ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ، أَيْ: فَهُوَ ضِدُّ الْحِكْمَةِ؛ لِأَنَّهُ وَضْعُ الشَّيْءِ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ، فَظُلْمهُ ظَاهِرٌ مِنْ جِهَاتٍ عَدِيدَةٍ جِدًّا، أَظْهَرُهَا أَنَّهُ تَسْوِيَةُ الْمَمْلُوكِ الَّذِي لَيْسَ لَهُ مِنْ ذَاتِهِ إِلَّا الْعَدَمُ نِعْمَةً مِنْهُ أَصْلًا بِالْمَالِكِ الَّذِي لَهُ وُجُوبُ الْوُجُودِ، فَلَا خَيْرَ وَلَا نِعْمَةَ إِلَّا مِنْهُ، وَفِي هَذَا تَنْبِيهٌ لِقُرَيْشٍ وَكُلِّ سَامِعٍ عَلَى أَنَّ هَذِهِ وَصِيَّةٌ لَا يُعْدَلُ عَنْهَا، لِأَنَّهَا مِنْ أَبٍ حَكِيمٍ لِابْنٍ مَحْنُوٍّ عَلَيْهِ مَحْبُوبٍ، وَأَنَّ آبَاءَهُمْ لَوْ كَانُوا حُكَمَاءَ مَا فَعَلُوا إِلَّا ذَلِكَ، لِأَنَّهُ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا مَا عَلَيْهِ مَدَارُ النِّعَمِ الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ الدِّينِيَّةِ وَالدُّنْيَوِيَّةِ،

стр. 430

الْعَاجِلَةِ وَالْآجِلَةِ، وَهوَ الْأَمْنُ وَالْهِدَايَةُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ فَإِنَّهُ لَمَّا نَزَلَتْ تِلْكَ الْآيَةُ كَمَا فِي «صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ» فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ا شَقَّ ذَلِكَ عَلَى الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ فَقَالُوا: أَيُّنَا لَمْ يَلْبِسْ إِيمَانَهُ بِظُلْمٍ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّهُ لَيْسَ بِذَاكَ، أَلَمْ تَسْمَعْ إِلَى قَوْلِ لُقْمَانَ ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣)﴾ [لقمان: ١٣]» (١). وقوله سبحانه: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ الظاهر أنه من كلام لقمان، لأنه حكيم أتى بالموعظة وعللها، شأنها كشأن مواعظه كلها، وأن سياق موعظة لقمان سياق متصل لم ينقطع كما بين ابن عاشور وغيره، والله أعلم. رابعًا- بيان أنواع الشرك: والشرك ثلاثة أنواع: الأول: الشرك الأكبر . وهو مساواة غير الله بالله فيما هو من خصائصه . وهو ثلاثة أنواع، يتعلق كل نوع بأنواع التوحيد الثلاثة: ١ - الشرك في الربوبية. ٢ - الشرك في توحيد الأسماء والصفات. ٣ - الشرك في توحيد الألوهية. قال الشيخ سليمان بن عبد الله آل الشيخ: «فاعلم أن الشرك ينقسم ثلاثة أقسام بالنسبة إلى أنواع التوحيد، وكل منها قد يكون

стр. 431

أكبر وأصغر مطلقًا، وقد يكون أكبر بالنسبة إلى ما هو أصغر منه، ويكون أصغر بالنسبة إلى ما هو أكبر منه» (١). الثاني: الشرك الأصغر . تعريفه: - قال ابن سعدي: «هو جميع الأقوال والأفعال التي يتوسّل بها إلى الشرك كالغلو في المخلوق الذي لا يبلغ رتبة العبادة، كالحلف بغير الله ويسير الرياء ونحو ذلك» (٢). - وقال الشيخ عبد العزيز السلمان: «هو كلّ وسيلة وذريعة يتطرّق بها إلى الشرك الأكبر» (٣). الثالث: الشرك الخفي . تعريفه: عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم من المسيح الدجال عندي؟» قال: قلنا: بلى، قال: «الشرك الخفي؛ أن يقوم الرجل يعمل لمكان رجل» (٤). وإن المعني في بحثنا هو الشرك الأكبر لخطره وما يترتب عليه من أحكام وأمور عظام، وهو المقصود من موعظة لقمان لولده؛ لأنه مخرج من الملة، وإنْ

стр. 432

كان النهي عامًّا يشمل الشرك بنوعيه الأصغر والأكبر. وإذا أردنا أن نتأمل حقيقة الخطب الجلل المترتب على الشرك الأكبر، فلنتدبر دعاء خليل الرحمن ﵇ وتضرعه وإلحاحه على ربه أن يباعده ويجافيه عن الشرك هو وبنيه، ولقد بوب شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب في كتابه التوحيد ما يدل على ذلك فقال في الباب الرابع: باب الخوف من الشرك، وذكر هذه الآية، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ (٣٥) رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٦)﴾ [إبراهيم: ٣٥ - ٣٦]. وإبراهيم ﵇ خليل الرحمن ومن هو في مكانته ودرجته ورتبته، إنه كان أمة، وكان قدوة لهذه الأمة، اختصه الله سبحانه من دون الأنبياء أنه قدوة، قال تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٠)﴾ [النحل: ١٢٠]. وقال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل: ١٢٣]. خامسًا: بيان عواقب الشرك الأكبر وما يترتب عليه من أحكام: لما كان الشرك الأكبر أظلم الظلم ويترتب على المتلبس به أحكام شرعية عظيمة الخطب، وذلك حفظًا لضرورة الدين، وصيانة لجناب التوحيد، وتحذيرًا للعباد من عواقبه الوخيمة، ولا سيما الناشئة، وما يترتب عليه من شر محض في الدنيا، وخلود أبدي سرمدي في النار يوم التناد، كان بيان أهم تلك الأحكام واجب البيان، ومن أهمها وأبينها وأَجَلِّهَا ما يلي:

стр. 433

١ - الشرك محبط لجميع الأعمال بالكلية قال تعالى لنبيه ﷺ : ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥)﴾ [الزمر: ٦٥]. وقال سبحانه: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٨٨)﴾ [الأنعام: ٨٨]. وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٥)﴾ [المائدة: ٥]. وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢١٧)﴾ [البقرة: ٢١٧]. وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ﴾ [التوبة: ١٧]. وقال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (١٠٤) أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا (١٠٥)﴾ [الكهف: ١٠٣ - ١٠٥]. والآيات في هذا الشأن أكثر من أن تحصى ويكفي من القلادة ما أحاط بالعنق. ٢ - والكافر متى لَقِيَ ربه مشركًا كافرًا فليس له مطمع ولا أمل في أن تناله المغفرة أبدًا، وهذا مما يدل على خطورة الشرك وخطورة الوقوع فيه والتلبس به:

стр. 434

فمن مات على الشرك فلا يدخل تحت الوعد بالمغفرة المترتب على مشيئة أرحم الراحمين والتي يدخل تحتها أصحاب سائر الكبائر والموبقات والذين ماتوا دون توبة، كما قال جل في علاه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٨]. وكما قال سبحانه: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨]. وبمفهوم المخالفة إن لم ينتهوا عن الكفر فلن يغفر لهم ما قد سلف. وكما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (١٦٩)﴾ [النساء: ١٦٨ - ١٦٩]. ٣ - أن صاحبه محرم عليه الجنة وهو مخلد في النار: فالشرك الأكبر يوجب لصاحبه الخلود في النار، خلودًا أبديًّا أي: على وجه التأبيد، ويحرم عليه الجنة ابتداءً وانتهاءً والعياذ بالله، ودلائل التنزيل في الكتاب العزيز والسنة المطهرة على ذلك كثيرة معلومة ومتوافرة، بل هي من الأحكام القطعية الدلالة المعلومة من دين الإسلام بالضرورة، ومن ذلك: قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾ [البينة: ٦]. وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [المائدة: ٧٢].

стр. 435

وعن جابر بن عبد الله ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة، ومن مات يشرك بالله شيئًا دخل النار» (١). ٤ - والشرك يبيح دم المشرك وماله: وهذا حكم من أحكام الشريعة الثابتة بدلالة الكتاب والسنة مع مراعاة ضوابطه ولوازمه الشرعية، في ضوء أحكام الشريعة الغراء. يُقال ذلك حتى لا يغتر أحد من السفهاء حدثاء الأسنان سفهاء العقول والأحلام ويتجرأ على إراقة الدماء وسفكها واستحلالها بنفسه بسوء فهمٍ للنصوص أو محاولة لَيِّ عنقها تبعًا للهوى واتباعًا للشيطان وحزبه، فإن مما عُلِمَ من دين الله بالضرورة أن إقامة الحدود أمر منوط بالسلطان. قال تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥)﴾ [التوبة: ٥]. وقال ﷺ : «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم، إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله» (٢).

стр. 436

ولقد اتفق أهل العلم على أن إقامة الحد أمر مختص بالسلطان أو نائبه. - وما عليه أهل السنة: أن إقامة الحدود حق للإمام لا غير، ولا يجوز لأحد كائنًا من كان أن ينازعه فيه. قال الإمام أحمد بن حنبل -رحمه الله تعالى: «وقسْمة الفيء، وإقامة الحدود؛ إلى الأئمة ماضٍ، ليس لأحد أن يطعن عليهم، ولا ينازعهم» (١). اهـ. يقول القرطبي: «لا خلاف أن القصاص في القتل لا يقيمه إلا أولو الأمر الذين فرض عليهم النهوض بالقصاص وإقامة الحدود وغير ذلك لأن الله سبحانه خاطب جميع المؤمنين بالقصاص ثم لا يتهيأ للمؤمنين جميعًا أن يجتمعوا على القصاص فأقاموا السلطان مقام أنفسهم في إقامة القصاص وغيره من الحدود» (٢). ويقول ابن رشد: «وأما من يقيم هذا الحد -أي: جلد شارب الخمر- فاتفقوا على أن الإمام يقيمه وكذلك الأمر في سائر الحدود» (٣). ومن حجج هؤلاء عدم وجود محاكم شرعية تقيم الحدود. وفي ذلك يقول سماحة الإمام شيخنا عبدالعزيز بن باز -رحمه الله تعالى- جوابًا عن سؤال فيمن يُجافي المستأمنين، فذكر أنهم يحالون للمحكمة الشرعية، فسئل عما لو لم تكن هناك محاكم شرعية؟

стр. 437

فقال - رحمه الله تعالى: «إذا لم توجد محاكم شرعية؛ فالنصيحة فقط، النصيحة لولاة الأمور، وتوجيههم للخير، والتعاون معهم، حتى يُحَكِّموا شرع الله، أما أن الآمر والناهي يمد يده، أو يقتل أو يضرب؛ فلا يجوز، لكن يتعاون مع ولاة الأمور بالتي هي أحسن، حتى يحكموا شرع الله في عباد الله، وإلا فواجبه النصح، وواجبه التوجيه إلى الخير، وواجبه إنكار المنكر بالتي هي أحسن، هذا هو واجبه، قال الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، ولأن إنكاره باليد بالقتل أو الضرب؛ يترتب عليه شر أكثر، وفساد أعظم بلا شك ولا ريب، لكل من سَبَرَ هذه الأمور وعرفها» (١). اهـ. والواقع الأليم الذي تعيشه الأمة الآن خير شاهد على ذلك، فإن فئة من الشباب، حدثاء أسنانُهم سفهاء عقُولُهم، نصبوا أنفسهم ولاة أمر على العباد، ومنحوا أنفسهم صلاحية ومهام السلطان أو صلاحية الإمامة العظمى في المسلمين، فكل جماعة لها قوة وشكيمة في بقعة من الأرض تعطي لنفسها تلك الصلاحيات، وتقيم الحدود على أن لها الولاية الشرعية والإمامة العظمى، وأنها مخولة بإقامة الحدود والتعزيرات، فحصل من جراء ذلك مفاسد عظيمة مشهودة للعيان. ٥ - والمشرك تحرم مناكحته: يقول تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ [البقرة: ٢٢١] الآية. ويقول تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: ١٠].

стр. 438

قال ابن كثير: «تحريم من الله على عباده المؤمنين نكاح المشركات، والاستمرار معهن» (١). اهـ. ٦ - والمشرك يحرم أكل ذبيحته: يقول تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١] الآية. ويستثنى من ذلك أهل الكتاب، فحرائر نسائهم إن كن عفيفات طاهرات غير محاربات، وذبائحهم، حلال لأهل ملتنا، يقول سبحانه: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [المائدة: ٥] الآية. ٧ - من مات مشركًا فإنه لا يرث ولا يورث بل إن ماله يفيء إلى بيت مال المسلمين: لحديث أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ وَلا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ» (٢). ٨ - من مات مشركًا فلا يغسل ولا يكفن ولا يصلى عليه، ولا يستغفر له ولا يترحم عليه، ولا يقبر في مقابر المسلمين: قال سبحانه: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١١٣) وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ (١١٤)﴾ [التوبة: ١١٣ - ١١٤]. وقال سبحانه: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّ

стр. 439

هُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ (٨٤)﴾ [التوبة: ٨٤]. ٩ - المشرك يُحرم نعمتي الأمن والاهتداء: ويقرر هذه الحقيقة قول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾ [الأنعام: ٨٢]. والظلم هنا هو الشرك كما مرّ معنا في آية لقمان، وبمفهوم المخالفة فالذين خالطوا إيمانهم بشرك ليس لهم الأمن وليسوا بمهتدين. وقوله سبحانه: ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ﴾ [آل عمران: ١٥١]. قال ابن القيم: «والمقصود أن الشرك لما كان أظلم الظلم وأقبح القبائح وأنكر المنكرات كان أبغض الأشياء إلى الله وأكرهها له وأشدها مقتًا لديه، ورتّب عليه من عقوبات الدنيا والآخرة ما لم يرتبه على ذنب سواه، وأخبر أنه لا يغفره، وأن أهله نجس، ومنعهم من قربان حَرَمِه، وحرّم ذبائحهم ومناكحتهم، وقطع الموالاة بينهم وبين المؤمنين، وجعلهم أعداءً له سبحانه ولملائكته ورسله وللمؤمنين، وأباح لأهل التوحيد أموالهم ونساءهم وأبناءهم وأن يتخذوهم عبيدًا، وهذا لأن الشرك هضم لحقّ الربوبية، وتنقيص لعظمة الألوهية» (١).

стр. 440

١٠ - والمشرك المتلبّس بالشرك ظن بربّه ظن السوء: قال تعالى: ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٦)﴾ [الفتح: ٦]. - قال ابن القيم: «فلم يجمع على أحد من الوعيد والعقوبة ما جمع على أهل الإشراك، فإنهم ظنّوا به ظنّ السوء حتى أشركوا به، ولو أحسنوا به الظنّ لوحّدوه حقّ توحيده» (١). وقال أيضًا: «فالشرك ملزوم لتنقّص الربّ سبحانه، والتنقّص لازم له ضرورة، شاء المشرِك أم أبى، ولهذا اقتضى حمدُه سبحانه وكمال ربوبيته أن لا يغفره، وأن يخلّدَ صاحبَه في العذاب الأليم ويجعله أشقى البرية، فلا تجد مشركًا إلا وهو متنقّص لله سبحانه» (٢). ١١ - والشرك يفسد العقول، فالمشركون من أفسد الناس عقولاً: وقد قال الله فيهم: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (١٠)﴾ [الملك: ١٠]. تأَمّل في نبات الأَرض وانظر … إِلى آثار ما صَنع المليكُ عيونٌ من لُجَينٍ فاتراتٌ … على أَحداقها ذهبٌ سَبِيك على قُضُب الزَّبَرْجَدِ شاهدات … بأَنَّ الله ليس له شريكُ» (٣). اهـ.

стр. 441

الوصية الثانية من وصايا لقمان لابنه في الجانب العقدي -مراقبة الله تعالى: قال تعالى: ﴿يَابُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ١٦]. ويندرج تحتها مباحث؛ منها: أولًا: مفهوم مراقبة الله تعالى لغة وشرعًا: أ- مفهوم المراقبة لغة: مصدر مأخوذ من راقب يراقب مراقبة، وتدل على الانتصاب لمراعاة الشيء. والرقيب: الحافظ. وراقب الله في أمره: أي: خافه (١). ب- مفهوم المراقبة شرعًا: قال ابن القيم: «المراقبة دوام علم العبد، وتيقّنه باطلاع الحق على ظاهره وباطنه» (٢). وقال القاسمي: «المراقبة هي ملاحظة الرقيب، وانصراف الهم إليه» (٣). - وقال المحاسبي: «المراقبة دوام علم القلب بعلم الله في السكون والحركة علمًا لازمًا مقترنًا بصفاء اليقين» (٤). وسئل الحارث المحاسِبي أيضًا عن المراقبة فقال: «علم القلب بقرب الله

стр. 442

تعالى» (١). ثانيًا- بيان لأهم معاني المراقبة الواردة في الآية الكريمة في ضوء كلام أهل التفسير: قال ابن كثير: «هَذِهِ وَصَايَا نَافِعَةٌ قَدْ حَكَاهَا اللَّهُ تَعَالَى (٢) عَنْ لُقْمَانَ الْحَكِيم،

стр. 443

لِيَمْتَثِلَهَا النَّاسُ وَيَقْتَدُوا بِهَا، فَقَالَ: ﴿يَابُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ﴾ [لقمان: ١٦] أَيْ: إِنَّ الْمَظْلَمَةَ أَوِ الْخَطِيئَةَ لَوْ كَانَتْ مِثْقَالَ حَبَّةٍ [مِنْ] خَرْدَلٍ. وَقَوْلُهُ: ﴿يَأْتِ بِهَا اللَّهُ﴾ [لقمان: ١٦] أَيْ: أَحْضَرَهَا اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِينَ يَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ، وَجَازَى عَلَيْهَا إِنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ، وَإِنَّ شَرًّا فَشَرٌّ. كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٧]. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ [الزلزلة: ٧ - ٨]. وَلَوْ كَانَتْ تِلْكَ الذَّرَّةُ مُحَصَّنَةً مُحَجَّبَةً فِي دَاخِلِ صَخْرَةٍ صَمَّاءَ، أَوْغَائِبَةٍ ذَاهِبَةٍ فِي أَرْجَاءِ السَّمَاوَاتِ أَوِ الْأَرْضِ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِهَا; لِأَنَّهُ لَا تَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَةٌ، وَلَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ; وَلِهَذَا قَال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (١٦)﴾ [لقمان: ١٦] أَيْ: لِطَيْفُ الْعِلْمِ، فَلَا تَخْفَى عَلَيْهِ الْأَشْيَاءُ وَإِنْ دَقَّتْ وَلَطُفَتْ وَتَضَاءَلَتْ (خَبِيرٌ) بِدَبِيبِ النَّمْلِ فِي اللَّيْلِ الْبَهِيمِ» (١). وقال الطبري: «وَعَنَى بِقَوْلِهِ: (مِثْقَالَ حَبَّةٍ): زِنَةَ حَبَّةٍ. فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ إِذَنْ: إِنَّ الْأَمْرَ إِنْ تَكُ زِنَةُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ عَمِلْتَهُ، فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ، أَوْ فِي

стр. 444

السَّمَوَاتِ، أَوْ فِي الْأَرْضِ، يَأْتِ بِهَا اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، حَتَّى يُوَفِّيَكَ جَزَاءَهُ، وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ. قَوْلِهِ: ﴿فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ﴾ [لقمان: ١٦] أَيْ: جَبَلٍ. ﴿يَأْتِ بِهَا اللَّهُ﴾ [لقمان: ١٦] قَالَ: يَعْلَمُهَا اللَّهُ. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (١٦)﴾ [لقمان: ١٦] أَيْ: لَطِيفٌ بِاسْتِخْرَاجِهَا، خَبِيرٌ بِمُسْتَقَرِّهَا» (١). - وقال أبو حيان: «﴿يَأْتِ بِهَا اللَّهُ﴾ [لقمان: ١٦] يوم القيامة، فيحاسب عليها. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ﴾ [لقمان: ١٦] (يتوصل علمه إلى كل خفي) ﴿خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ١٦]: (عالم بكنهه)» (٢). وقال الرازي: «﴿يَابُنَيَّ إِنَّهَا﴾ [لقمان: ١٦]: أي: الحسنة والسيئة إن كانت في الصغر مثل حبة خردل، وتكون مع ذلك الصغر في موضع حريز كالصخرة لا تخفى على الله. فَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ﴾ [لقمان: ١٦] إِشَارَةٌ إِلَى الصِّغَرِ، وَقَوْلُهُ: ﴿فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ﴾ [لقمان: ١٦] إِشَارَةٌ إِلَى الْحِجَابِ، وَقَوْلُهُ: ﴿أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ [لقمان: ١٦] إِشَارَةٌ إِلَى الْبُعْدِ فَإِنَّهَا أَبْعَدُ الْأَبْعَادِ، وَقَوْلُهُ: ﴿أَوْ فِي الْأَرْضِ﴾ [لقمان: ١٦] إِشَارَةٌ إِلَى الظُّلُمَاتِ فَإِنَّ جَوْفَ الْأَرْضِ أَظْلَمُ الْأَمَاكِنِ. وَقَوْلهُ: ﴿يَأْتِ بِهَا اللَّهُ﴾

стр. 445

[لقمان: ١٦] أَبْلَغُ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: يَعْلَمُهَا اللَّهُ; لِأَنَّ مَنْ يَظْهَرُ لَهُ الشَّيْءُ وَلَا يَقْدِرُ عَلَى إِظْهَارِهِ لِغَيْرِهِ يَكُونُ حَالُهُ فِي الْعِلْمِ دُونَ حَالِ مَنْ يَظْهَرُ لَهُ الشَّيْءَ، وَيُظْهِرُهُ لِغَيْرِهِ، فَقَوْلُهُ: ﴿يَأْتِ بِهَا اللَّهُ﴾ [لقمان: ١٦] أَيْ: يُظْهِرُهَا اللَّهُ لِلإِشْهَادِ. وَقَوْلهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ﴾ [لقمان: ١٦] (أَيْ: نَافِذُ الْقُدْرَةِ)، ﴿خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ١٦] أَيْ: عَالِمٌ بِبَوَاطِنِ الْأُمُورِ» (١). وقال ابن عطية: «وَهَذَا الْقَوْلُ مِنْ لُقْمَانَ إِنَّمَا قَصَدَ بِهِ إِعْلَامَ ابْنِهِ بِقَدْرِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى» (٢). وقال ابن سعدي: «﴿يَابُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ﴾ [لقمان: ١٦] الَّتِي هِيَ أَصْغَرُ الْأَشْيَاءِ وَأَحْقَرُهَا، ﴿فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ﴾ [لقمان: ١٦] أَيْ: فِي وَسَطِهَا ﴿أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ﴾ [لقمان: ١٦] فِي أَيِّ جِهَةٍ مِنْ جِهَاتِهِمَا ﴿يَأْتِ بِهَا اللَّهُ﴾ [لقمان: ١٦] لِسِعَةِ عِلْمِهِ، وَتَمَامِ خِبْرَتِهِ وَكَمَالِ قُدْرَتِهِ، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (١٦)﴾ [لقمان: ١٦] أَيْ: لَطِيفٌ فِي عِلْمِهِ وَخِبْرَتِهِ، حَتَّى اطَّلَعَ عَلَى الْبَوَاطِنِ وَالْأَسْرَارِ، وَخَفَايَا الْقِفَارِ وَالْبِحَارِ. وَالْمَقْصُودُ مِنْ هَذَا الْحَثُّ عَلَى مُرَاقَبَةِ اللَّهِ، وَالْعَمَلُ بِطَاعَتِهِ، مَهْمَا أَمْكَنَ، وَالتَّرْهِيبُ مِنْ عَمَلِ الْقَبِيحِ، قَلَّ أَوْ كَثُرَ» (٣). وقال ابن الجوزي: «وَفِي قَوْلِهِ: ﴿يَأْتِ بِهَا اللَّهُ﴾ [لقمان: ١٦] ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ.

стр. 446

أَحَدُهَا: يَعْلَمُهَا اللَّهُ، قَالَهُ أَبُو مَالِكٍ. وَالثَّانِي: يُظْهِرُهَا، قَالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ. وَالثَّالِثُ: يَأْتِ بِهَا اللَّهُ فِي الْآخِرَةِ لِلْجَزَاءِ عَلَيْهَا. (إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ) قَالَ الزَّجَّاجُ: لَطِيفٌ بِاسْتِخْرَاجِهَا (خَبِيرٌ) بِمَكَانِهَا. وَهَذَا مَثَلٌ لِأَعْمَالِ الْعِبَادِ، وَالْمُرَادُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَأْتِي بِأَعْمَالِهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ [الزلزلة: ٧ - ٨]» (١). وقال القاسمي: «﴿يَابُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ﴾ [لقمان: ١٦] أَيْ: إِنَّ الْخَصْلَةَ مِنَ الْإِسَاءَةِ أَوِ الْإِحْسَانِ، إِنْ تَكُ مَثَلًا فِي الصِّغَرِ كَحَبَّةِ الْخَرْدَلِ: ﴿فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ﴾ [لقمان: ١٦] أَيْ: فَتَكُنْ مَعَ كَوْنِهَا فِي أَقْصَى غَايَاتِ الصِّغَرِ، فِي أَخْفَى مَكَانٍ وَأَحْرَزِهِ، كَجَوْفِ الصَّخْرَةِ، أَوْ حَيْثُ كَانَتْ فِي الْعِلْمِ الْعُلْوِيِّ أَوِ السُّفْلِيِّ: ﴿يَأْتِ بِهَا اللَّهُ﴾ [لقمان: ١٦] أَيْ: يُحْضِرُهَا وَيُحَاسِبُ عَلَيْهَا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ﴾ [لقمان: ١٦] أَيْ: يَنْفُذُ عِلْمُهُ وَقُدْرَتُهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ: ﴿خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ١٦] أَيْ: يَعْلَمُ كُنْهَ الْأَشْيَاءِ، فَلَا يَعْسُرُ عَلَيْهِ. وَالْآيَةُ هَذِهِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ [الأنبياء: ٤٧] الْآيَةَ، وَقَوْلُهُ: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ [الزلزلة: ٧ - ٨]» (٢).

стр. 447

وقال الشوكاني: «وَقِيلَ: إِنَّ الضَّمِيرَ فِي ﴿إِنَّهَا﴾ رَاجِعٌ إِلَى الْخَصْلَةِ مِنَ الْإِسَاءَةِ وَالْإِحْسَانِ أَيْ: إِنَّ الْخَصْلَةَ مِنَ الْإِسَاءَةِ وَالْإِحْسَانِ ﴿إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ﴾ إِلَخْ، ثُمَّ زَادَ فِي بَيَانِ خَفَاءِ الْحَبَّةِ مَعَ خِفَّتِهَا فَقَالَ: ﴿فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ﴾ فَإِنَّ كَوْنَهَا فِي الصَّخْرَةِ قَدْ صَارَتْ فِي أَخْفَى مَكَانٍ وَأَحْرَزِهِ ﴿أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ﴾ أَيْ: أَوْ حَيْثُ كَانَتْ مِنْ بِقَاعِ السَّمَاوَاتِ أَوْ مِنْ بِقَاعِ الْأَرْضِ ﴿يَأْتِ بِهَا اللَّهُ﴾ أَيْ: يُحْضِرُهَا وَيُحَاسِبُ فَاعِلَهَا عَلَيْهَا ﴿إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ﴾ لَا تَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَةٌ، بَلْ يَصِلُ عِلْمُهُ إِلَى كُلِّ خَفِيٍّ ﴿بِوَالِدَيْهِ﴾ بِكُلِّ شَيْءٍ لَا يَغِيبُ عَنْهُ شَيْءٌ» (١). وقال الرازي: «وَلَمَّا نَهَى لُقْمَانُ ابْنَهُ عَنِ الشِّرْكِ، نَبَّهَهُ عَلَى قُدْرَةِ اللَّهِ، وَأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَتَأَخَّرَ عَنْ مَقْدُورِهِ شَيْءٌ; فَقَالَ: ﴿يَابُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ﴾ الآية» (٢). ثالثًا: بيان لأهم الجوانب التربوية المستفادة من الآية الكريمة: قال تعالى: ﴿يَابُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (١٦)﴾ [لقمان: ١٦]. بعد إلقاء الضوء على بيان أهم ما ورد في الآية السابقة من معان في كلام أهل التفسير نلقي الضوء على أهم الجوانب التربوية المستفادة من الآية الكريمة: ١ - فإن من جليل وصية لقمان لابنه ووعظه له، أن حثه على مراقبة الله تعالى في سره وجهره، وأعلمه بسعة علمه تعالى واطلاعه على خلقه، وأنه سبحانه قد

стр. 448

أحاط بكل شيء علمًا، وأحصى كل شيء عددًا، وأن المظلمة والخطيئة مهما بالغ العبد في إخفائها فإن الله يَعْلَمُهَا، ويُظْهِرُهَا، ويَأْتِي بِهَا يوم القيامة للحساب فيُوَفِّيَه جَزَاءَها. ٢ - وفي الآية الكريمة توجيه للمربين لسلوك مسلك لقمان في تربية الناشئة على مراقبة الله واستحضار سعة علمه واطلاعه على أحوال وأعمال عباده وإن دقت وخفيت على عموم خلقه، يقول الله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤]. ويقول تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ (٥)﴾ [آل عمران: ٥]، ولأن الله تعالى ما ذكر مواعظ لقمان لابنه في كتابه إلا لتكون نبراسًا يُحتذى، ومثالًا تربويًّا يُتأسى به، ومنهاجًا للتربية الإيمانية الصالحة التي تُحقق الطمأنينة، وتُنال بها سعادةُ الدارين، وهذه الوصايا وتلك القواعد التربوية ليست لولد لقمان فحسب، بل هي مثال وأنموذج تربوي متكامل الأركان تام البنيان موجه لجميع الأجيال المسلمة المتعاقبة على مرّ الأزمان إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. ٣ - وفيها دعوة إلى غرس تعظيم الله وإجلاله سبحانه وخشيته في قلوب الخلق جميًعا ولا سيما في قلوب الناشئة، وبث روح المراقبة له سبحانه سرًّا وجهرًا في تلك النفوس، وهو ما قصده لقمان في موعظته لولده، فبمراقبته يكون صلاح أمر الدنيا والدين، وبمراقبته تصلح حياة الخلق معه سبحانه ومع عباده، وتصلح ذواتهم، وبمراقبته تكبح النفس جماحها وجماح شهواتها وهواها، وبمراقبته تسارع الأنفس لأداء الأمانات لأهلها والواجبات لمستحقيها.

стр. 449

وبمراقبته يُبرُ الآباءُ، وتُوصلُ الأرحامُ، وتُصانُ الأعراضُ، وتُحقنُ الدماءُ ويستتب الأمن ويتحقق كمال عبودية رب الأرض والسماء … وإذا فُقِدت المراقبةُ ضل الإنسان عن الطريق، و ضل عن سواء الصراط وضيع الأمانة، وإذا فُقِدت المراقبةُ، انتُهكت الحرماتُ، وسُفكت الدماءُ ونُهِبت الأموالُ، وضُيعت فرائضُ اللهِ تعالى وضاعت كذلك سائر حقوق عباده .. قال ابن القيم: «فمن راقب الله تعالى في سره حفظه الله في سره وعلانيته» (١). وقال مسروق بن الأجدع: «من راقب الله في خطرات قلبه؛ عصمه الله في حركات جوارحه» (٢). وما تغيرت كثير من الأنفس وظهرت الخيانات وعم كثير من الفساد والبليات وحل البلاء في كثير من المجتمعات، إلا يوم أن عُدِمت مراقبةُ الله في نفوس الكثير من الخليقة والبريات. فالمراقبة إذن من أعظم أسباب الإعانة على هجران المعاصي والمنكرات. قال ابن الجوزي: «فقلوب الجهال تستشعر البُعْد؛ ولذلك تقع منهم المعاصي، إذ لو تحققت مراقبتهم للحاضر الناظر لكفوا الأكُفَّ عن الخطايا، والمتيقظون علموا قربه فحضرتهم المراقبة، وكفتهم عن الانبساط» (٣). ٤ - والتربية على مراقبة الله تعالى واستشعار عظمته والخوف منه سبحانه تعد من أهم مقومات التربية الإيمانية العملية للناشئة، وأسس ودعائم تعبيدهم

стр. 450

لربهم وخالقهم ، ومن أهم أسباب زيادة إيمانهم وتحقيق الطمأنينة في نفوسهم، ومن أهم السبل المعينة على استقامتهم وسلوكهم الصراط المستقيم وثباتهم عليه. قال ابن القيم: «فإن الإحسان إذا باشر القلب منعه من المعاصي، فإن من عَبَدَ اللهَ كأنه يراه لم يكن ذلك إلا لاستيلاء ذِكره ومحبته وخوفه ورجائه على قلبه، بحيث يصير كأنه يشاهده، وذلك يحول بينه وبين إرادة المعصية، فضلًا عن مواقعتها» (١). ولذا كان من حكمة لقمان أن سعى لغرس روح المراقبة في نفس ولده، وبث مكانة عظمة قدرة الله تعالى وسعة علمه واطلاعه سبحانه على أفعال عباده في مكنون نفس فلذة كبده وثمرة فؤاده، وذلك لأن المراقبة من أفضل الطاعات وأعلاها وأشملها وأزكاها. قال ابن عطاء: «أفضل الطاعات مراقبة الحق على دوام الأوقات» (٢). رابعًا- بيان لأهم ثمار المراقبة: ولمراقبة الله ثمار يانعة وقطوف دانية فمن أبرزها وأجلها: ١ - المراقبة تُحقِّقُ للعبد معية الله وتأييده: ٢ - قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (١٢٨)﴾ [النحل: ١٢٨].

стр. 451

٣ - قال ابن كثير: «أي: معهم بتأييده ونصره ومعونته، وهذه معية خاصة» (١). ٢ - والمراقبة تُرَقي العبدَ لدرجة الإحسان. والإحسان كما وصفه النبي ﷺ في حديث جبريل المشهور: «أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ» (٢). قال ابن منظور ﵀: «من راقب الله أحسن عمله» (٣). وقال القصري: «إذا عرف العبد مقام الإحسان، سارع إلى طاعته قدر وُسعِهِ، فهذا حال المحب الذي يعبد الله كأنه يراه» (٤). - وقال ابن المبارك لرجل: «راقب الله تعالى»؛ فسأله عن تفسيرها، فقال: «كن أبدًا كأنك ترى الله » (٥). ٣ - والمراقبة تثمر أفضل الأعمال لأن مقامها مقام جليل. قال ابن القيم ﵀: «والمراقبة تثمر عمارة الوقت، وحفظ الأيام، والحياء، والخشية، والإنابة» (٦). ٤ - والمراقبة من أسباب حفظ الله لعبده.

стр. 452

قال ابن القيم ﵀ أيضًا: «وأرباب الطريق مجمعون على أن مراقبة الله تعالى في الخواطر سبب لحفظها في حركات الظواهر، فمن راقب الله في سره حفظه الله في حركاته في سره وعلانيته» (١). وقيل لبعضهم: متى يهش الراعي غنمه بعصاه عن مراتع الهَلَكة؟ فقال: إذا علم أنَّ عليه رقيبًا (٢). ٥ - وبالمراقبة يتحقق للعبد رضوان الله قال تعالى: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ (٨)﴾ [البينة: ٨]. - قال أهل العلم: «ذلك لمن راقب ربه ، وحاسب نفسه وتزود لمعاده» (٣). والحمد لله رب العالمين.

стр. 453

المطلب الثاني الجانب التعبدي ويشتمل على الوصايا التالية أولًا- الأمر ببر الوالدين . ثانيًا- الأمر بإقام الصلاة. ثالثًا- الأمر بلزوم الجماعة واتباع سبيل المؤمنين. رابعًا-الترغيب في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والصبر على ذلك. أولاً-الأمر ببر الوالدين: بيان معنى بر الوالدين لغة واصطلاحًا: البر لغة: البرُّ: الخير والفضل، يقال: بَرَّ الرجلُ، يَبَرُّ بِرًّا، وِزان: عَلِمَ يعلم علمًا، فهو بَرٌّ، وبَارٌّ: أي: صادقٌ أو تقيٌّ، وهو خلاف الفاجر، وجمع البر: أبرار، وجمع البار: بررة، مثل: كافرٌ، وكفرةٌ. وبَرِرْتُ والدي، أبَرُّهُ، بِرًّا: أحسنت الطاعة إليه، ورفقت به، وتحرَّيتُ محابّه، وتوقَّيتُ مكارهه (١). والبِرُّ: ضد العقوق (٢).

стр. 454

قال ابن الأثير ﵀: «البِرُّ بالكسر الإحسان، ومنه الحديث في بر الوالدين، وهو في حقهما وحق الأقربين من الأهل ضد العقوق: وهو الإساءة إليهم والتضييع لحقهم» (١). والبر: اسم جامع للخير وأصله الطاعة (٢). وبر الوالدين اصطلاحًا هو: الإحسان إليهما (بالقلب، والقول، والفعل تقربًا لله تعالى) (٣). قال تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (١٤) وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٥)﴾ [لقمان: ١٤ - ١٥]. في ضوء تلك الوصية العظيمة نبين ما يلي: مفهوم البر: والبر: كلمة جامعة لخيري الدارين، وأما برُّ الوالدين فيُعنى به الإحسان إليهما والتعطف عليهما والتودد لهما والرفق بهما والرعاية لأحوالهما خاصة عن الكبر، وأداء حقوقهما، وطاعتهما في كل معروف وبرٍّ بنفس راضية مطمئنة.

стр. 455

والبر: ضده العقوق وهو الإساءة إليهما والتفريط في حقوقهما الواجبة لهما. ويكون بر الوالدين: بحسن معاشرتهما بالمعروف وإنزالهما منزلتهما اللائقة بهما وبإكرامهما وبإظهار البشر والبشاشة لهما، وخفض الجناح والتذلل لهما تواضعًا ورحمة بهما واعترافًا بفضلهما وتوفية لحقهما وعدم إظهار أدنى التأفف منهما، وبصلتهما وصلة أهل ودهما، والإنفاق عليهما بكرم وسخاء نفس، من غير طمع مرغوب ولا عوض مطلوب. وبعد وصية لقمان لولده بتأسيس المعتقد بالنهي عن الشرك المتضمن تحقيق التوحيد تأتي آيتا الوصية ببر الوالدين من الله تعالى تعترض ما بقي من وصاياه لولده لتؤكدا الوصية الأولى بالنهي عن الإشراك به سبحانه من جهة، ومن جهة أخرى لتبيِّنا أن الوصية بالوالدين من الله تعالى ابتداءً، فيها دلالة على شرف تلك الوصية وعلو شأنها وجلالة قدرها وعظم مكانتها عند ربنا جل في علاه. يقول ابن عطية: «هَاتَانِ الْآيَتَانِ اعْتِرَاضٌ أَثْنَاءَ وَصِيَّةِ لُقْمَانَ، وَوَجَّهَ الطَّبَرِيُّ ذَلِكَ بِأَنَّهَا مِنْ مَعْنَى كَلَامِ لُقْمَانَ، وَمِمَّا قَصَدَهُ، وَذَلِكَ غَيْرُ مُتَوَجِّهٍ; لِأَنَّ كَوْنَ الآيَتَيْنِ (١) فِي شَأْنِ سَعْدِ ابْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ حَسَبَ مَا ذَكَرَهُ بَعْدُ- يُضْعِفُ أَنْ تَكُونَ مِمَّا ﷺ الَهُ لُقْمَانُ، وَإِنَّمَا الَّذِي يُشْبَهُ أَنَّهُ اعْتِرَاضٌ أَثْنَاءَ المَوْعِظَةِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِمُفْسِدٍ لِلْأَوَّلِ مِنْهَا وَلَا لِلْآخَرِ، وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ عَادَ إِلَى الْمَوْعِظَةِ عَلَى تَقْدِيرِ إِضْمَارِ: «وَقَالَ أَيْضًا لُقْمَانُ»، ثُمَّ اخْتَصَرَ ذَلِكَ لِدَلَالَةِ

стр. 456

الْمُتَقَدِّمِ عَلَيْهِ» (١). ويقول الزَّمَخْشَرِيُّ المعتزلي: «هُوَ كَلَامٌ اعْتُرِضَ بِهِ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِطْرَادِ؛ تَأْكِيدًا لِمَا في وَصِيَّةِ لُقْمَانَ مِنَ النَّهْيِ عَنِ الشِّرْكِ» (٢). ويؤكد نفس الأمر أبو السعود فيقول: «﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ﴾ [لقمان: ١٤]: كلام مستأنف اعترض به على نهج الاستطراد في أثناء وصية لقمان تأكيدًا لما فيها من النهي عن الشرك» (٣). وكذلك يقول الشوكاني: «﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ﴾ [لقمان: ١٤] هَذِهِ الْوَصِيَّةُ بِالْوَالِدَيْنِ وَمَا بَعْدَهَا إِلَى قَوْلِهِ: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٥)﴾ [لقمان: ١٥] اعْتِرَاضٌ بَيْنَ كَلَامِ لُقْمَانَ لِقَصْدِ التَّأْكِيدِ لِمَا قَبْلَهَا مِنَ النَّهْيِ عَنِ الشِّرْكِ بِاللَّهِ» (٤). ويقول الألوسي أيضًا: «﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ﴾ [لقمان: ١٤] إلخ، كلام مستأنف اعترض به على نهج الاستطراد في أثناء وصية لقمان تأكيدًا لما فيه من النهي عن الإشراك، فهو من كلام الله لم يقله سبحانه للقمان» (٥). وهذه الآية مما كثر الإشكال فيه حتى وقع فيها خلاف واسع عند جمع من أئمة التفسير ﵏ جميعًا- وهل هي من كلام الله تعالى، أم هي من وصايا لقمان لولده؟

стр. 457

وبعد التطواف والتأمل والنظر في قرابة عشرين مؤلفًا في التفسير تبين للباحث أن الأقرب أنها من كلام الله ﵎، معترضة بين وصايا لقمان لابنه، وعليه الأكثرون، ومما رجح ذلك لدى الباحث أيضًا آية العنكبوت ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [العنكبوت: ٨]. فهي وآيتا لقمان نزلتا في سعد بن أبي وقاص ﵁، وقد سبق معنا في طيات البحث تعدد النازل والسبب واحد، وقد سبق معنا آنفًا قول كل من: ابن عطية الأندلسي، والزَّمَخْشَرِيُّ المعتزلي، وأبي السعود، والشوكاني، والألوسي. والختام بقول القرطبي ﵀ حيث يقول: «وَالصَّحِيحُ أَنَّ هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ نَزَلَتَا فِي شَأْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ كَمَا تَقَدَّمَ فِي (الْعَنْكَبُوتِ)، وَعَلَيْهِ جَمَاعَةُ الْمُفَسِّرِينَ» (١). اهـ. والله أعلم. وفي بيان المعنى العام لتك الوصية يقول ابن سعدي: «وَلَمَّا أَمَرَ بِالْقِيَامِ بِحَقِّهِ، بِتَرْكِ الشِّرْكِ الَّذِي مِنْ لَوَازِمِهِ الْقِيَامُ بِالتَّوْحِيدِ، أَمَرَ بِالْقِيَامِ بِحَقِّ الْوَالِدَيْنِ فَقَالَ: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ﴾ [العنكبون: ٨] أَيْ: عَهِدْنَا إِلَيْهِ، وَجَعَلْنَاهُ وَصِيَّةً عِنْدَهُ، سَنَسْأَلُهُ عَنِ الْقِيَامِ بِهَا، وَهَلْ حَفِظَهَا أَمْ لَا؟ فَوَصَّيْنَاهُ بِوَالِدَيْهِ وَقُلْنَا لَهُ: ﴿اشْكُرْ لِي﴾ [لقمان: ١٤] بِالْقِيَامِ بِعُبُودِيَّتِي، وَأَدَاءِ حُقُوقِي، وَأَنْ لَا تَسْتَعِينَ بِنِعَمِي عَلَى مَعْصِيَتِي. ﴿وَلِوَالِدَيْكَ﴾ [لقمان: ١٤] بِالْإِحْسَانِ إِلَيْهِمَا بِالْقَوْلِ اللَّيِّنِ، وَالْكَلَامِ اللَّطِيفِ، وَالْفِعْلِ الْجَمِيلِ، وَالتَّوَاضُعِ لَهُمَا، وَإِكْرَامِهِمَا وَإِجْلَالِهِمَا، وَالْقِيَامِ بِمَؤُونَتِهِمَا وَاجْتِنَابِ

стр. 458

الْإِسَاءَةِ إِلَيْهِمَا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، بِالْقَوْلِ وَالْفِعْلِ، فَوَصَّيْنَاهُ بِهَذِهِ الْوَصِيَّةِ، وَأَخْبَرْنَاهُ أَنْ ﴿إِلَيَّ الْمَصِيرُ (١٤)﴾ [لقمان: ١٤] أَيْ: سَتَرْجِعُ أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِلَى مَنْ وَصَّاكَ، وَكَلَّفَكَ بِهَذِهِ الْحُقُوقِ، فَيَسْأَلُكَ هَلْ قُمْتَ بِهَا؟ فَيُثِيبُكَ الثَّوَابَ الْجَزِيلَ، أَمْ ضَيَّعْتَهَا؟ فَيُعَاقِبُكَ الْعِقَابَ الْوَبِيلَ» (١). فالله ﵎ يوصي الإنسان بوالديه عمومًا، ترغيبًا له في برّهما والإحسان إليهما، كما قال الماوردي:» ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ﴾ [لقمان: ١٤] يعني: برًّا وتحننًا عليهما» (٢). ويبين له حال أمِّه خصوصًا وقت حملها له، وأنها حملته وهي تعاني من الشدة والضعف والجهد وآلام الحمل وقت تكوينه من نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، ثم عظامًا، ثم تكوينه تام الخلقة كامل البنيان. ويوضح الرازي معنى الوهن فيقول: «يَعْنِي: ضَعْفَ الْحَمْلِ، وَضَعْفَ الطَّلْقِ، وَضَعْفَ النِّفَاسِ، وَقِيلَ: ﴿وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ﴾ [لقمان: ١٤]: نُطْفَةً ثُمَّ عَلَقَةً، إِلَى آخِرِ النَّشْأَةِ» (٣). وهذا ما يؤكده القرطبي فيقول: «﴿وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ﴾ [لقمان: ١٤] أَيْ: حَمَلَتْهُ فِي بَطْنِهَا وَهِيَ تَزْدَادُ كُلَّ يَوْمٍ ضَعْفًا عَلَى ضَعْفٍ، وَقِيلَ: الْمَرْأَةُ ضَعِيفَةُ الْخِلْقَةِ ثُمَّ يُضْعِفُهَا الْحَمْلُ» (٤).

стр. 459

ويوضح الإمام الطبري معنى الوهن هنا فيقول: ضَعْفَا عَلَى ضَعْفٍ، وَشِدَّةً عَلَى شِدَّةٍ. ويقول ابْنِ عَبَّاسٍ: شِدَّةً بَعْدَ شِدَّةٍ، وَخَلْقًا بَعْدَ خَلْقٍ. ويقول الضَّحَّاكُ: ﴿وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ﴾ [لقمان: ١٤]: يَقُولُ: ضَعْفًا عَلَى ضَعْفٍ. وَكذلك قَالَ عَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ (١). ويقول قَتَادَةُ: «﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ﴾ [لقمان: ١٤] أَيْ: جَهْدًا عَلَى جَهْدٍ». ويقول مُجَاهِدٌ: «﴿وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ﴾ [لقمان: ١٤] قَالَ: وَهْنُ الْوَلَدِ عَلَى وَهْنِ الْوَالِدَةِ وَضَعْفِهَا» (٢). كل ذلك وهو يتغذى من دمها وتذهب بذلك قوتها مع ما تعانيه من الحمل والوحم وآلام الطلق والوضع والنفاس وغير ذلك، ليكون هذا البيان دافعًا لبرها والإحسان إليها من كل الوجوه جزاء ما عانت وتحملت في حملها ووضعها وإرضاعها وفطامها وسهرها وتعبها وخدمتها آناء الليل وأطراف النهار. يقول ابن سعدي: «ثُمَّ ذَكَرَ السَّبَبَ الْمُوجِبَ لِبِرِّ الْوَالِدَيْنِ فِي الْأُمِّ، فَقَالَ: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ﴾ [لقمان: ١٤] أَيْ: مَشَقَّةً عَلَى مَشَقَّةٍ، فَلَا تَزَالُ تُلَاقِي الْمَشَاقَّ، مِنْ حِينِ يَكُونُ نُطْفَةً، مِنَ الْوَحَمِ، وَالْمَرَضِ، وَالضَّعْفِ، وَالثِّقَلِ، وَتَغَيُّرِ الْحَالِ، ثُمَّ وَجَعِ الْوِلَادَةِ، ذَلِكَ الْوَجَعِ الشَّدِيدِ، ثُمَّ «فِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ» وَهُوَ مُلَازِمٌ لِحَضَانَةِ أُمِّهِ وَكَفَالَتِهَا وَرِضَاعِهَا، أَفَمَا يَحْسُنُ بِمَنْ تَحَمَّلَ عَلَى وَلَدِهِ هَذِهِ

стр. 460

الشَّدَائِدَ، مَعَ شِدَّةِ الْحُبِّ، أَنْ يُؤَكِّدَ عَلَى وَلَدِهِ، وَيُوصِيَ إِلَيْهِ بِتَمَامِ الْإِحْسَانِ إِلَيْهِ؟!» (١). يقول ابن كثير: «وَإِنَّمَا يَذْكُرُ تَعَالَى تَرْبِيَةَ الْوَالِدَةِ وَتَعَبَهَا وَمَشَقَّتَهَا فِي سَهَرِهَا لَيْلًا وَنَهَارًا، لِيُذَكِّرَ الْوَلَدَ بِإِحْسَانِهَا الْمُتَقَدِّمِ إِلَيْهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (٢٤)﴾ [الإسراء: ٢٤] ; وَلِهَذَا قَالَ: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (١٤)﴾ [لقمان: ١٤] أَيْ: فَإِنِّي سَأَجْزِيكَ عَلَى ذَلِكَ أَوْفَرَ الْجَزَاءِ» (٢). ولا شك أن ضعفها ومعاناتها الحمل وآلامه تتتابع وتتزايد كما وضح ذلك الألوسي بقوله: «فَالْمُرَادُ تَضْعُفُ ضَعْفًا مُتَزَايِدًا بِازْدِيَادِ ثِقَلِ الْحَمْلِ إِلَى مُدَّةِ الطَّلْقِ، وَقِيلَ: ضَعْفًا مُتَتَابِعًا وَهُوَ ضَعْفُ الْحَمْلِ، وَضَعْفُ الطَّلْقِ، وَضَعْفُ النِّفَاسِ» (٣). ويؤكد نفس المعنى ابن عاشور فيقول: «والوهن وهو الضعف وقلة الطاقة على تحمل شيء، فإن حمل المرأة يقارنه التعب من ثقل الجنين في البطن، والضعف من انعكاس دمها إلى تغذية الجنين، ولا يزال ذلك الضعف يتزايد بامتداد زمن الحمل فلا جرم أنه وهن على وهن، وجملة ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ﴾ [لقمان: ١٤] في موضع التعليل للوصاية بالوالدين قصدًا لتأكيد تلك الوصاية لأن تعليل الحكم يفيده تأكيدًا، ولأن في مضمون هذه الجملة ما يثير
следующие страницы →