لقمان نبيًّا. وتفرد بهذا القول (١).
- وقال الزَّمَخْشَرِيُّ المعتزلي (ت: ٥٣٨ هـ): «وأكثر الأقاويل أنه كان حكيمًا ولم يكن نبيًّا، ونُقِلَ عن ابن عباس ﵄ قوله: لقمان لم يكن نبيًّا ولا ملكًا ولكن كان راعيًا أسود، فرزقه الله العتق، ورضي قوله ووصيته، فقص أمره في القرآن لتمسكوا بوصيته» (٢).
- وقالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: ٣١٠ هـ): «القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾ [لقمان: ١٢] يقول تعالى ذكره: ولقد آتينا لقمان الفقه في الدّين، والعقل، والإصابة في القول.
وبنحو الّذي قلنا في ذلك قال أهل التّأويل.
بيان ممن قال بذلك:
حدّثني محمّد بن عمرٍو، قال: حدّثنا أبو عاصمٍ، قال حدّثنا عيسى، وحدّثني الحارث، قال: حدّثنا الحسن، قال: حدّثنا ورقاء، جميعًا، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾ [لقمان: ١٢] قال: الفقه والعقل والإصابة في القول من غير نبوّةٍ» (٣).
- حدّثنا بشر، قال: حدّثنا يزيد، قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة، قوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾ [لقمان: ١٢]: أي: الفقه في الإسلام. قال قتادة: ولم يكن نبيًّا، ولم يوح إليه.
стр. 387
- حدّثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدّثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا يونس، عن مجاهدٍ، في قوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾ [لقمان: ١٢] قال: الحكمة: الصّواب.
- حدّثنا ابن المثنّى، حدّثنا محمّد بن جعفرٍ، قال: حدّثنا شعبة، عن الحكم، عن مجاهدٍ، أنّه قال: كان لقمان رجلًا صالحًا، ولم يكن نبيًّا.
- حدّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدّثنا أبي، عن سفيان، عن رجلٍ، عن مجاهدٍ، في قوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾ [لقمان: ١٢] قال: القرآن (١).
- قال: حدّثنا أبي، عن سفيان، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: الحكمة: الأمانة (٢).
- وقال البقاعي: «قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾ [لقمان: ١٢] ولقد آتينا بما لنا من العظمة والحكمة -لقمان- وهو عبد من عبيدنا -الحكمة- وهو العلم المؤيد بالعمل، والعمل المحكم بالعلم» (٣).
- وقال الفخر الرازي (ت: ٦٠٦ هـ): «وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾ [لقمان: ١٢]:
الحكمة: عِبَارَةٌ عَنْ تَوْفِيقِ الْعَمَلِ بِالْعِلْمِ، فَكُلُّ مَنْ أُوتِيَ تَوْفِيقَ الْعَمَلِ بِالْعِلْمِ فَقَدْ أُوتِيَ الْحِكْمَةَ» (٤).
стр. 388
- وقال محمودُ بنُ أحمدَ بنِ موسى العَيْنِيُّ (ت: ٨٥٥ هـ): «وقال سعيد بن المسيب: كان من سودان مصر ذا مشافر، أعطاه الله الحكمة ومنعه النّبوّة» (١).
- وقال ابن قتيبة (٢) (ت: ٢٧٦ هـ): «لم يكن نبيًّا في قول أكثر النّاس وكان رجلًا صالحًا» (٣).
- وقال الشوكاني (ت: ١٢٥٠ هـ): «وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا هُوَ نَبِيٌّ أَمْ رَجُلٌ صَالِحٌ؟
فَذَهَبَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِنَبِيٍّ» (٤).
- وقال ابن الجوزي (ت: ٥٩٧ هـ): «قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾ [لقمان: ١٢] فِيهَا قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: الْفَهْمُ وَالْعَقْلُ، قَالَهُ الْأَكْثَرُونَ.
وَالثَّانِي: النُّبُوَّةُ. وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي نُبُوَّتِهِ عَلَى قَوْلَيْنِ.
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ كَانَ حَكِيمًا وَلَمْ يَكُنْ نَبِيًّا، قَالَهُ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، وَمُجَاهِدٌ، وَقَتَادَةُ.
стр. 389
وَالثَّانِي: أَنَّهُ كَانَ نَبِيًّا، قَالَهُ الشَّعْبِيُّ، وَعِكْرِمَةُ، وَالسُّدِّيُّ. هَكَذَا حَكَاهُ عَنْهُمُ الْوَاحِدِيُّ، وَلَا يُعْرَفُ، إِلَّا أَنَّ هَذَا مِمَّا تَفَرَّدَ بِهِ عِكْرِمَةُ، وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَصَحُّ» (١).
- وقال ابن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ): «وَاخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ، هَلْ كَانَ لُقْمَانُ نَبِيًّا، أَوْ عَبْدًا صَالِحًا؟ وَاللَّهُ تَعَالَى لَمْ يَذْكُرْ عَنْهُ إِلَّا أَنَّهُ آتَاهُ الْحِكْمَةَ» (٢).
- وقال القرطبي (ت: ٦٧١ هـ): «وقال سعيد بن المسيب: أعطاه الله تعالى الحكمة ومنعه النبوة; وعلى هذا جمهور أهل التأويل أنه كان وليًّا ولم يكن نبيًّا. وقال بنبوته عكرمة والشعبي; وعلى هذا تكون الحكمة النبوة.
والصواب أنه كان رجلًا حكيمًا بحكمة الله -تعالى- وهي الصواب في المعتقدات والفقه في الدين والعقل» (٣).
- وقال القاسمي (ت: ١٣٣٢ هـ): «على قول الجمهور: أنه حكيم»، و «على قول: عكرمة أنه نبي» (٤).
- وقال أبو حيان (ت: ٧٤٥ هـ): «والأكثرون على أنه لم يكن نبيًّا» (٥).
- وقال الطاهر بن عاشور (ت: ١٣٩٣ هـ): «وَقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي أَنَّ لُقْمَانَ الْمَذْكُورَ فِي الْقُرْآنِ كَانَ حَكِيمًا أَوْ (نَبِيئًا) (٦). فَالْجُمْهُورُ قَالُوا: كَانَ حَكِيمًا
стр. 390
صَالِحًا. وَيَظْهَرُ مِنَ الْآيَاتِ الْمَذْكُورَةِ فِي قِصَّتِهِ هَذِهِ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبِيئًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُمْتَنَّ عَلَيْهِ بِوَحْيٍ وَلَا بِكَلَامِ الْمَلَائِكَةِ. وَالِاقْتِصَارُ عَلَى أَنَّهُ أُوتِيَ الْحِكْمَةَ يُومِئُ إِلَى أَنَّهُ أُلْهِمَ الْحِكْمَةَ وَنَطَقَ بِهَا، وَلِأَنَّهُ لَمَّا ذُكِرَ تَعْلِيمُهُ لِابْنِهِ قَالَ تَعَالَى وَهُوَ يَعِظُهُ وَذَلِكَ مُؤْذِنٌ بِأَنَّهُ تَعْلِيمٌ لَا تَبْلِيغَ تَشْرِيعٍ» (١).
وابن عاشور وضع الأمور في نصابها، فبعد أن بَيَّنَ اختلاف السلف في نبوته وذكر رأى الجمهور مرجحًا له، أتى بما يثبت ويؤيد ترجيحه لرأي الجمهور بعدم نبوة لقمان، فقال: لِأَنَّهُ لَمْ يُمْتَنَّ عَلَيْهِ بِوَحْيٍ وَلَا بِكَلَامِ الْمَلَائِكَةِ، وقال: قال تعالى: ﴿وَهُوَ يَعِظُهُ﴾ [لقمان: ١٣] وَذَلِكَ مُؤْذِنٌ بِأَنَّهُ تَعْلِيمٌ لَا تَبْلِيغَ تَشْرِيعٍ، فيكون بذلك قد أتى بحجة دامغة تدلل على ما ذهب إليه، والحمد لله رب العالمين.
وبعد بيان القول الأول القاضي (بنفي النبوة عن لقمان)، يجتمع لدينا روايات كثيرة وأقوال عديدة من أقوال أئمة التفسير، وقد نقلوا أقوال المفسرين من التابعين وغيرهم، ومفادها ومختصرها كالتالي:
- قال ابن كثير: «عبدًا صالحًا من غير نبوة»، وقال أيضًا: «لم يكن نبيًّا» (جمهور السلف).
- وقال البيضاوي: «ولم يكن نبيًّا» (الجمهور)، ووافقه كل من النسفي، والقسطلاني، وأبو السعود.
- وقال البغوي: (الحكمة): يعني: العقل .. الخ، ولم يكن نبيًّا: (واتفق العلماء) إلا عكرمة تفرد بهذا القول.
стр. 391
- وقال الزَّمَخْشَرِيُّ المعتزلي: «عن ابن عباس ﵄ (لم يكن نبيًّا)، ولا ملكًا»، (أكثر الأقاويل).
- وقالَ الطَّبَرِيُّ: (الحكمة): الفقه في الدّين .. الخ، ورد عن مجاهدٍ قال: رجلًا صالحًا، ولم يكن نبيًّا
و (الحكمة)، ورد عنه فيها عدة أقوال:
* الفقه في الدين الخ .. من غير نبوّةٍ.
* الصواب.
* القرآن.
* الأمانة (١).
- وعن قتادة: (الحكمة): الفقه في الإسلام، ولم يكن نبيًّا، ولم يوح إليه.
- وقال البقاعي: (الحكمة): العلم المؤيد بالعمل .. الخ.
- وقال الفخر الرازي: (الْحِكْمَةَ): توْفِيقُ الْعَمَلِ بِالْعِلْمِ .. الخ.
- وقال العَيْنِيُّ: عن ابن المسيب قال: أعطاه الله الحكمة ومنعه النّبوّة.
- وقال ابن قتيبة: لم يكن نبيًّا.
- وقال الشوكاني: ذَهَبَ (أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ) إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِنَبِيٍّ.
- وقال ابن الجوزي: (الحكمة): الْفَهْمُ وَالْعَقْلُ، قَالَهُ: (الْأَكْثَرُونَ).
وَلَمْ يَكُنْ نَبِيًّا، وقال ابن سعدي: وَاللَّهُ تَعَالَى لَمْ يَذْكُرْ عَنْهُ إِلَّا أَنَّهُ آتَاهُ الْحِكْمَةَ، وقال القرطبي (الحكمة)، الصواب في المعتقدات .. الخ، وقال عن ابن المسيب:
стр. 392
منعه النبوة، وعلى هذا (جمهور أهل التأويل) أنه كان وليًّا ولم يكن نبيًّا.
- وقال القاسمي: «على قول الجمهور: أنه حكيم».
- وقال أبو حيان: لم يكن نبيًّا (الأكثرون).
- وقال الطاهر بن عاشور (ت: ١٣٩٣ هـ): كَانَ حَكِيمًا صَالِحًا (الْجُمْهُورُ).
وقبل بيان القول الثاني وما ورد فيه من روايات، يجدر التنبيه إلى أن البيان السابق من أئمة التفسير بأن لقمان أوتي الحكمة ومنع النبوة، فيه: إجماع من (الجمهور) نقله أهل التفسير، ونُقِلَ (اتفاقُ أهلِ العلمِ) على ذلك، ويكفي أنه اختيار الحبر (ابن عباس) ﵄.
ولقد وردت ألفاظ متقاربة جدًّا ومتشابهة وشبه متطابقة ومتوافقة، نبينها مقتضبة ومختصرة جدًّا، ليتضح الإجماع ويتبين للمتأمل بصورة جلية وواضحة أكثر لا تدع للتردد أو للشك مجالًا، على النحو التالي:
* (رأي الجمهور) قال به: ابن كثير، والبيضاوي، والقرطبي، وابن عاشور، والقاسمي.
* (أكثر الأقاويل) قاله: الزَّمَخْشَرِيُّ المعتزلي.
* (الأكثرون) قاله: أبو حيان، وابن كثير، وابن الجوزي.
* (اتفق العلماء) قاله: البغوي.
* (قال أهل التأويل) قاله: الطبري.
* (قول أكثر الناس) قاله: ابن قتيبة.
* (أكثر أهل العلم) قاله: الشوكاني.
стр. 393
القول الثاني: القول بنبوة لقمان:
- قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: ٣١٠ هـ) -بعد أن رجح نبوة لقمان-: «وقال آخرون: كان نبيًّا».
ثم قال: «حدّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدّثني أبي، عن إسرائيل، عن جابرٍ، عن عكرمة، قال: كان لقمان نبيًّا» (١).
- وقال محمودُ بنُ أحمدَ بنِ موسى العَيْنِيُّ (ت: ٨٥٥ هـ): «وعند الحوتي عن عكرمة: كان نبيًّا، وهو قد تفرد بهذا القول» (٢).
- وقال الألوسي (١٢٧٠ هـ): «وقال عكرمة والشعبي: كان نبيًّا والأكثرون على أنه كان في زمن داود ﵇ ولم يكن نبيًّا» (٣).
- وقال ابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ) -بعد أن ساق جملة من الآثار التي تنفي نبوة لقمان- قال مؤكدًا: «فهذه الآثار منها ما هو مصرح فيه بنفي كونه نبيًّا، ومنها ما هو مشعر بذلك; لأن كونه عبدًا قد مسَّه الرق ينافي كونه نبيًّا; لأن الرسل كانت تبعث في أحساب قومها; ولهذا كان جمهور السلف على أنه لم يكن نبيًّا، وإنما يُنقلُ كونه نبيًّا عن عكرمة -إن صح السند إليه- فإنه رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم من حديث وكيع عن إسرائيل، عن جابر، عن عكرمة فقال: كان لقمان نبيًّا، وجابر هذا هو ابن يزيد الجعفي، وهو ضعيف، والله أعلم» (٤).
стр. 394
- قال الشوكاني (ت: ١٢٥٠ هـ): «حَكَى الْوَاحِدِيُّ عَنْ عِكْرِمَةَ وَالسُّدِّيِّ وَالشَّعْبِيِّ أَنَّهُ كَانَ نَبِيًّا، وَقِيلَ: لَمْ يَقُلْ بِنُبُوَّتِهِ إِلَّا عِكْرِمَةُ فَقَطْ، مَعَ أَنَّ الرَّاوِيَ لِذَلِكَ عَنْهُ جَابِرٌ الْجُعْفِيُّ وَهُوَ ضَعِيفٌ جِدًّا» (١).
- وقال البغوي (ت: ٥١٦ هـ): «واتفق العلماء على أنه كان حكيمًا، ولم يكن نبيًّا، إلا عكرمة فإنه قال: كان لقمان نبيًّا، وتفرد بهذا القول» (٢).
- قال الثعلبي (ت: ٤٢٧ هـ): «واتفق العلماء على أنه كان حكيمًا ولم يكن نبيًّا إلا عكرمة فإنه قال: كان لقمان نبيًّا، وتفرد بهذا القول» (٣).
يوضح الباحث أن القول بنبوة لقمان مداره على قول عكرمة من رواية جابر ابن يزيد الجعفي، كما سبق بيانه، ثم يتضح أكثر ببيان الأقوال سالفة الذكر -مختصرة-، وهي خمسة أقوال، وهي شبه متوافقة ومتطابقة، على النحو التالي:
١ - ابن جرير يقول: عن جابر، عن عكرمة، قال: (كان لقمان نبيًّا).
٢ - وابن كثير يقول: إنما يُنقلُ (كونه نبيًّا) عن عكرمة -إن صح السند إليه-، عن جابر، وجابر هذا هو ابن يزيد الجعفي، وهو ضعيف.
٣ - والعيني يقول: (عن عكرمة) كان نبيًّا، وهو قد (تفرد بهذا القول).
٤ - الألوسي يقول: وقال عكرمة والشعبي: كان نبيًّا.
٥ - الشوكاني يقول بعد أن نفى قول السدي والشعبي: وَقِيلَ: لَمْ يَقُلْ بِنُبُوَّتِهِ
стр. 395
إِلَّا عِكْرِمَةُ فَقَطْ، مَعَ أَنَّ الرَّاوِيَ لِذَلِكَ عَنْهُ جَابِرٌ الْجُعْفِيُّ وَهُوَ ضَعِيفٌ جِدًّا.
ليتضح لنا بذلك وبصورة واضحة جلية أمران جليلان:
الأمر الأول: أن القول بنبوة لقمان مداره على قول عكرمة من رواية جابر الجعفي.
الأمر الثاني: بيان حال جابر الجعفي وهو: (ضَعِيفٌ جِدًّا).
من هنا لزم الأمر بيان أقوال علماء الجرح والتعديل في جابر الجعفي، ليتبين لنا صحة قول أهل التفسير فيما ما سبق بيانه من ضعفه.
- أقوال علماء الجرح والتعديل في جابر بن يزيد الجعفي (١):
- قال الحافظ ابن حجر العسقلاني (ت: ٨٥٢ هـ): «جابر بن يزيد الجعفي
(ضعفه الجمهور)، ووصفه الثوري والعجلي وابن سعد (بالتدليس)». اهـ.
- وقال الحافظ أيضًا: «وقال ابن سعد: وكان (يدلس)، وكان (ضعيفًا) في روايته» (٢).
стр. 396
- وقال الحافظ (في التقريب) أيضًا: «ضعيف رافضي» (١).
- وقال ابن حبان (ت: ٣٥٤ هـ): «كان (سبئيًّا) من أصحاب عبد الله بن سبأ، وكان يقول: إن عليًّا ﵁ يرجع إلى الدنيا».
- وقال جرير بن عبد الحميد (ت ١٨٨ هـ): «لا أستحل أن أحدث عن جابر الجعفي، وقال: هو (كذاب) يؤمن بالرجعة».
- وقال زائدة: «رافضي يشتم أصحاب رسول الله ﷺ » (٢).
- وقال محمد بن عثمان الذهبي (ت: ٧٤٨ هـ) في نظم (أسماء المدلسين):
خذ المدلسين يا ذا الفكر … جابر الجعفي ثم الزهري (٣).
- وقال محمود المقدسي في نظم (أسماء المدلسين):
والقارئ الأعمش والزهري … وابن جريج جابر الجعفي (٤).
- وذكره الشيخ حماد الأنصاري (ت: ١٤١٨ هـ)، في (التدليس
стр. 397
والمدلسون) (١).
- قال الشيخ مقبل بن هادى الوادعي (ت: ١٤٢٣ هـ): جوابًا عن سؤال وُجِّهَ إليه: السؤال- قالوا: إن الرافضة لا يكتب عنهم ولا كرامة، فكيف بجابر الجعفي، وكان يؤمن بالرجعة؟
الجواب: جابر بن يزيد الجعفي وثقه بعضهم، وهو يعتبر رافضيًّا، وقد كذبه أبو حنيفة فقال: ما رأيت أكذب منه، وكذبه غير أبي حنيفة، فجابر بن يزيد الجعفي ومن جرى مجراه لا يحتاج إليه، وقد ذكر الحافظ الذهبي-رحمه الله تعالى- في «الميزان» في ترجمة أبان بن تغلب ذكر: أن الشيعي إذا كان صدوق اللسان فإنه يؤخذ عنه، وأما الرافضة -الذين يسبون أبا بكر وعمر- قال: فلا يحتاج إليهم، قال: على أنني لا أعرف من هذا النوع أحدًا يحتاج إليه، بل الكذب شعارهم والتقية دثارهم، أو بهذا المعنى.
فالرافضة ليس هناك أحد منهم يُحتَاجُ إليه، حتى قال الأعمش: ما كنا نسميهم إلا الكذابين.
وذكر نحو هذا شريك بن عبد الله النخعي، فلعل من روى لجابر يقصد أنه يعتبر بحديثه، فعلى كلٍّ فروايته لا تصلح في الشواهد والمتابعات (٢).
стр. 398
وبعد هذا البيان الشافي الكافي، فقد تأكد وتبين جليًّا بحمد الله وتوفيقه صحة قول ابن كثير والشوكاني في تضعيف جابر بن يزيد الجعفي، فلله الحمد أولًا وآخرًا، ظاهرًا وباطنًا.
القول الراجح:
ومما يظهر جليًّا بعد النظر والتأمل في قولي الفريقين (القائلين بنبوته، والمانعين لها):
أن موطن الخلاف في نبوة لقمان إثباتًا ونفيًا، هو أن القائلين بنبوته وهم قلة، قد أولوا الحكمة بالنبوة، والقائلين بأنه: عبدٌ حكيمٌ أُوتي الحكمة ومُنِعَ النبوة وهم الأكثرون، تأولوا الحكمة بمعناها ومفهومها ومدلولها اللغوي والشرعي:
فمفهومها ومدلولها اللغوي هو: وضع الشيء في موضعه.
- قال أبو إسماعيل الهروي (ت: ٤٨١ هـ): «الحِكْمَة: اسم لإحكام وضع الشيء في موضعه» (١).
- وقال ابن القيِّم (ت: ٧٥١ هـ): «الحِكْمَة: فعل ما ينبغي، على الوجه الذي ينبغي، في الوقت الذي ينبغي» (٢).
ومفهومها ومدلولها الشرعي: ما تأولوه وبينوه من أقوال: بأن الحكمة هي: الفقه في الدين، والعقل، والأمانة، والقرآن، والعلم المقرون بالعمل الصالح، وغير ذلك.
стр. 399
من هنا كان إلقاء الضوء على كلام أهل التفسير في مفهوم ومدلول الحكمة في ضوء الآية الكريمة، مع التوسع في إلقاء الضوء على رأي القائلين بنفي ومنع النبوة عن لقمان ﵇، من الأهمية بمكان، لأن عليه الأكثرين.
ومن المعلوم أن النبوة موهوبة وليست مكتسبة، ولذا لا تثبت النبوة لأحد بأدلة ظنية الدلالة، بل لا بد من ثبوتها بأدلة قطعية الدلالة، وذلك لعظم شأنها وجليل قدرها، وهذا في حدود البحث الضيق والاطلاع القاصر من تلك الدراسة لم يثبته أحد.
والذي يطمئن إليه القلب، وتميل إليه النفس بعد هذا البحث وذاك البيان، هو القول: بأن لقمان أوتي الحكمة، ومنع النبوة، هو القول الراجح والصحيح، وهو ما عليه جمهور السلف وأكثر أئمة التفسير، وأن القول بنبوة لقمان قول مرجوح، لم يقم عليه دليل قاطع، ولا برهان ساطع.
هذا ولله الأمر من قبل ومن بعد وهو أعلى وأعلم بالصواب.
وبهذا ينتهي المبحث الثالث
والحمد لله رب العالمين.
стр. 400
المبحث الرابع المنهج التربوي كما تُصوره موعظة لقمان الحكيم ﵇ -
وفيه مطالب:
المطلب الأول: الجانب العقدي
المطلب الثاني: الجانب التعبدي.
المطلب الثالث: الجانب الأخلاقي.
المطلب الرابع: طبيعة العلاقة بين هذه الجوانب.
стр. 401
المطلب الأول: الجانب العقدي .
ويندرج تحته مباحث عدة على نحو ما يلي:
أولاً: مفهوم العقيدة:
أ- مفهوم العقيدة لغة:
العقيدة في اللغة: من العقد؛ وهو الربط، والإبرام، والإحكام، والتوثق، والشد بقوة، والتماسك، والمراصة، والإثبات؛ ومنه اليقين والجزم. والعقد نقيض الحل، ويقال: عقده يعقده عقدًا، ومنه عقدة اليمين والنكاح.
قال الله ﵎: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة: ٨٩].
والعقيدة: الحكم الذي لا يقبل الشك فيه لدى معتقده.
والعقيدة في الدين: ما يقصد به الاعتقاد دون العمل؛ كعقيدة وجود الله وبعث الرسل. والجمع: عقائد وخلاصة ما عقد الإنسان عليه قلبه جازمًا به؛ فهو عقيدة، سواء كان حقًّا، أم باطلًا (١).
стр. 402
ب- مفهوم العقيدة اصطلاحًا:
و (العقيدة) في الاصطلاح: هي الأمور التي يجب أن يصدق بها القلب، وتطمئن إليها النفس؛ حتى تكون يقينًا ثابتًا لا يمازجها ريب، ولا يخالطها شك.
أي: الإيمان الجازم الذي لا يتطرق إليه شك لدى معتقده، ويجب أن يكون مطابقًا للواقع، لا يقبل شكًّا ولا ظنًّا؛ فإن لم يصل العلم إلى درجة اليقين الجازم لا يسمى عقيدة.
وسمي عقيدة: لأن الإنسان يعقد عليه قلبه (١).
ج- تعريف العقيدة الإسلامية:
العقيدة الإسلامية: هي الإيمان الجازم بربوبية الله تعالى وألوهيته وأسمائه وصفاته، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، وسائر ما ثبت من أمور الغيب، وأصول الدين، وما أجمع عليه السلف الصالح، والتسليم التام لله تعالى في الأمر، والحكم، والطاعة، والاتباع لرسوله ﵌.
والعقيدة الإسلامية:
إذا أطلقت فهي عقيدة أهل السنة والجماعة؛ لأنها هي الإسلام الذي ارتضاه الله دينًا لعباده، وهي عقيدة القرون الثلاثة المفضلة من الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان (٢).
ولا شك أن الشرك هو أشد الظلم وأعظمه، وأكبر الكبائر، وأقبح القبائح، وأنكر المنكرات على الإطلاق كما وصفه الله تعالى في وصية لقمان بقوله:
стр. 403
﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣)﴾ [لقمان: ١٣].
ثانيًا: بيان العلة من تقديم لقمان النهي عن الشرك في موعظته لولده:
وفي بدء لقمان موعظته لولده بالنهي عن الشرك قبل الأمر بالتوحيد، علل جليلة من أهمها وأعظمها وأبينها ما يلي:
العلة الأول:
أراد لقمان أن يبين لولده أولًا ثم للمربين وسائر المصلحين ثانيًا: أن التوحيد لا يسمى توحيدًا ولا يتحقق إلا باجتناب الشرك أولًا، فنبذ الشرك والتخلي عنه والبراءة منه ومن أهله شرط صحة في قبول جميع الأعمال ومنها وأولها التوحيد الذي هو حق الله على جميع العبيد، كما قال سبحانه:
﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (٢٣)﴾ [الفرقان: ٢٣].
стр. 404
قال الحافظ ابن كثير ﵀: «﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (٢٣)﴾ [الفرقان: ٢٣]، وهذا يوم القيامة، حين يحاسب الله العباد على ما عملوه من خير وشر، فأخبر أنه لا يتحصل لهؤلاء المشركين من الأعمال -التي ظنوا أنها منجاة لهم- شيء؛ وذلك لأنها فقدت الشرط الشرعي، إما الإخلاص فيها، وإما المتابعة لشرع الله. فكل عمل لا يكون خالصًا وعلى الشريعة المرضية، فهو باطل. فأعمال الكفار لا تخلو من واحد من هذين، وقد تجمعهما معًا، فتكون أبعد من القبول حينئذ؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (٢٣)﴾ [الفرقان: ٢٣]» (١).
العلة الثانية:
أراد لقمان بيان وجوب تقديم التصفية على التربية والتخلية على التحلية، وهذه قاعدة عظيمة من قواعد التربية، فإذا أردنا أن نربي أبناءنا على التوحيد الخالص فلا بد أولًا من تصفية العقائد الشركية والكفرية وأمرهم بنبذها والبراءة منها ومن أهلها، ومن ثَمَّ نأمرهم بتحقيق التوحيد وإخلاص الوجه لله سبحانه، ومن أراد أن يزينهم بزينة الإيمان لا بد أولًا أن يخليهم من نواقضه ويجنبهم إياها ويبغضهم فيها ويداوم على تحذيرهم منها ويزجرهم عنها، ومن أراد أن يحليهم ويجملهم بالفضائل ومكارم الأخلاق ومحاسن الصفات وجميل الفعال فلا بد أولًا أن ينهاهم عن الرذائل ويجنبهم سيئ الفعال ورديء الأخلاق، وهذا ما فعله هذا العبد الحكيم لقمان ﵇ مع ولده.
ولقمان هنا يوجه المربين والدعاة والمصلحين من بعده إلى خطر الشرك وعظم شأن التوحيد، وأن تصحيح المعتقد مقدم على كل أمر ذي بال في العملية التربوية، سواء كان في الجانب التعبدي، أو الجانب الأخلاقي، أو الجانب الدعوي، أو الجانب الاجتماعي، أو في غير ذلك من الجوانب التربوية والإصلاحية، وأن صلاح هذه الجوانب وإرساء قواعدها التربوية في نفوس الناشئة متوقف على سلامة وصحة المعتقد المتمثل في نبذ الشرك وتحقيق التوحيد كما تبين معنا ذلك آنفًا.
ولذا كان من حكمة لقمان ﵇ أن بدأ موعظته لابنه بالنهي عن الشرك والتحذير منه قبل الأمر ببقية الفضائل من بر الوالدين وطاعتهما في المعروف ومراقبة الله وخشيته وبقية الفضائل الواردة في موعظته، وهذه هي قاعدة التخلية
стр. 405
قبل التحلية، أو التصفية قبل التربية كما مر معنا وإنما تكرر ذلك الأمر لأهميته ومكانته.
قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٦].
فالاستمساك بالعروة الوثقى لا يتحقق إلا بالكفر بالطاغوت أولًا، وهو نبذ كل ما يعبد من دون الله ﵎ والبراءة منه ومن أهله.
ثالثًا- بيان معنى الطاغوت:
قال ابن منظور: «الطاغوتُ: ما عُبِدَ من دون الله ، وكلُّ رأْسٍ في الضلالِ طاغوتٌ .. » (١).
وقال الإمام ابن القيم: «والطاغوت: كل ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع» (٢).
وقال العلامة الفقيه شيخنا ابن عثيمين ﵀: «وأجمع ما قيل في تعريف الطاغوت: هو ما ذكره ابن القيم ﵀ بأنه: ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع» (٣).
ويقول الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀: «والطاغوت: عام في كل ما عبد من دون الله، فكل ما عُبد من دون الله، ورضي بالعبادة، من معبود، أو متبوع، أو
стр. 406
مطاع في غير طاعة الله ورسوله، فهو طاغوت» (١).
وقال ابن الجوزي: «فأما الطاغوت: فهو اسم مأخوذ من الطغيان وهو مجاوزة الحد» (٢).
وقال الألوسي: «والطاغوت: يطلق على كل باطل من معبود وغيره» (٣).
وقال الإمام المحقق سليمان بن عبد الله (٤) -رحمهما الله- في شرحه على «كتاب التوحيد»: «الطاغوت مشتق من الطغيان وهو مجاوزة الحد» (٥). اهـ.
قال الإمام عبد الله بن عبدالرحمن أبو بطين ﵀: اسم «الطاغوت يشمل: كل معبود من دون الله، وكل رأس في الضلالة يدعو إلى الباطل ويحسنه، ويشمل أيضًا: كل ما نصبه الناس بينهم بأحكام الجاهلية المضادة لحكم الله ورسوله، ويشمل أيضًا: الكاهن والساحر وسدنة الأوثان» (٦). اهـ.
стр. 407
وقال العلامة الفقيه شيخنا ابن عثيمين -رحمه الله تعالى: «الطاغوت هو: كل ما خالف حكم الله تعالى ورسوله ﷺ ، لأن ما خالف حكم الله ورسوله ﷺ فهو طغيان واعتداء على حكم من له الحكم، وإليه يرجع الأمر كله وهو الله. قال الله تعالى: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤] (١). اهـ.
ومن خلاصة ما سلف يتبين أن الشرك بالله هو أعظم الظلم وأن الكافرين كما وسمهم الله بقوله سبحانه: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٥٤)﴾ [البقرة: ٢٥٤].
ومن هنا يتضح لدينا ويتبين لنا أن الكفر هو الظلم والكافر هو الظالم، لأن الظلم وضع الشيء في غير موضعه، والكافر وَضَعَ العبوديةَ في غير موضعها وصَرَفَها للأنداد، فالكفار يؤمنون بالجبت والطاغوت ويكفرون بالله تعالى، والكافر عَبَدَ المخلوق وهجر عبادة الخالق .
وفي ضوء ما مضى يتأكد لنا أن من أهم الواجبات المتحتمات، ومن أعظم وأَجَلِّ المهمات؛ أن يعرف العبد معنى الشرك وخطره وأقسامه حتى يتم توحيده، ويسلم له إسلامه، ويصح إيمانه.
فإذا كان الشرك كما وُصِفَ، فإنه من الواجبات المتحتمات ومن أهم المهمات التي يتعين على المسلمين عمومًا والمربين والمصلحين والدعاة خصوصًا التعرف عليه وعلى أقسامه وأضراره ومفاسده وما يترتب على الوقوع والولوج فيه والتلبس به من أحكام ومفاسد ومخاطر وسوء عاقبة في الدارين، ومن ثم توجيه الناشئة وتعليمهم مخاطره ومساوئه وما يترتب على الوقوع فيه من سوء العاقبة وسوء المصير في دار السعير، ثم تنفيرهم منه وتبغيضهم فيه،
стр. 408
وأمرهم وحثهم على نبذه وهجرانه وأهله والبراءة منه ومن أهله، فهذه هي التخلية والتصفية، ثم تليها التحلية والتربية على التوحيد الخالص وتوجيه الناشئة وتعليمهم العقيدة الإسلامية الصافية الخالصة الصحيحة الخالية من شوائب الشرك والبدع والمحدثات، وأمرهم بوجوب لزوم تحقيق التوحيد قولًا وعملًا، ظاهرًا وباطنًا، وصرف العبادة كلها لله تعالى، ولأن العبادة لا تسمى عبادة ولا تصح إلا مع التوحيد، وذلك حتى يتم توحيدهم، ويسلم لهم إسلامهم، ويصح إيمانهم وانقيادهم وعبوديتهم لله الواحد القهار.
وإن العناية بتعليم عقيدة التوحيد الخالص لعموم الخلق ودعوتهم إليها ولا سيما الناشئة منهم، هو نهج النبيين والمرسلين عليهم الصلاة والسلام أجمعين، ومن بَعدهم وعلى نهجهم في كل زمان سار الأئمة الأعلام من العلماء ورثة الأنبياء والسادة المصلحين الحنفاء والمربين النجباء، فكانوا يبتدرون الناس بالدعوة إلى توحيد الله وإفراده سبحانه بالعبودية وترك عبادة ما سواه وإصلاح العقائد، ثم بعد ذلك يعلمونهم ويأمرونهم ببقية شرائع دين الله تعالى.
رابعًا- بيان أن الدعوة إلى التوحيد هو نهج جميع النبيين والمرسلين:
ولقد بَيَّنَ الله في كتابه أن رسالة النبيين والمرسلين جميعًا هي دعوة الخلق إلى توحيده وعبادته وإخلاص العمل له وحده سبحانه ونبذ عبادة ما سواه.
قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ [الأنبياء: ٢٥].
وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦].
стр. 409
فجميع النبيين المرسلين ﵈ بُعِثوا بهذه المهمة العظيمة والرسالة الجليلة، من لدن نوح ﵇ وهو أول الرسل وحتى خاتمهم نبينا محمد ﷺ .
قال الله تعالى عن نوح ﵇: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٥٩]، وكذلك قال هود وصالح وشعيب وإبراهيم ﵈ أجمعين- ومن محاسن دعوة الأنبياء والمرسلين ﵈ في هذا المضمار، عنايتهم بعقائد أبنائهم تربيًة وتعليمًا وتوجيهًا ودعوةً:
- فهذا نوح ﵇ أول رسل الله لأهل الأرض يهتف في فلذة كبده وثمرة فؤاده محذرًا له من الكفر وعاقبته ومن الكافرين ومغبة صحبتهم ومعيتهم:
﴿يَابُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ (٤٢)﴾ [هود: ٤٢].
- وهذا خليل الرحمن يوصي بنيه، وكذلك من بعده ولده يعقوب ﵇:
قال تعالى: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٣٢)﴾ [البقرة: ١٣٢] والخليل ﵇ تتابعه ذريته من بعده على نهج التوحيد ونبذ الشرك، فهذه وصية يعقوب ﵇ لبنيه وهو في إدبار من الدنيا وإقبال من الآخرة، قال تعالى: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٣)﴾ [البقرة: ١٣٣].
- وهذا يوسف الصديق ﵇ يعلنها مدويةً بين جنبتي السجن، مخاطبًا رفقاء السجن داعيًا إياهم إلى نبذ الشرك وتحقيق التوحيد، معلنًا لهم بذلك نهجه الذي تربى عليه ونهج آبائه النبيين من قبله، قال تعالى: ﴿وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ
стр. 410
وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (٣٨) يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٣٩) مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٤٠)﴾ [يوسف: ٣٨ - ٤٠].
- وهذا خاتم النبيين والمرسلين ﵊ يبين عظم شأن التوحيد معلنًا بذلك للبشرية قاطبة إلى قيام الساعة أنه لا مساومة في أصل الدين وأساس الملة، وأن سيوف أهل الإسلام وعسكر الإيمان ما سُلت في وجوه جحافل الشرك وعسكر الشيطان فأهريقت دماء، وقطعت أجسام وصارت أشلاءَ، وأزهقت أرواحٌ ويُتِّمَ أطفالٌ، ورُمِّلَتْ نساءٌ، إلا حماية لجناب التوحيد وتحقيقًا لعبودية الواحد الأحد، وإعلاءً ورفعة لكلمة التوحيد التي هي أساس الملة وأس الدين، فيقول ﷺ : «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة؛ فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله» (١).
ويوجه الأمة لحمل هذه الراية -راية التوحيد-، فيؤهل أصحابه الكرام ﵃ لحمل هذه الرسالة الخالدة -رسالة التوحيد- وتبليغها للخلق، لتقوم الأمة بهذه المهمة الجسيمة والعظيمة تأسيًا به ﷺ وبصحبه الكرام من بعده إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
* عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ب، أَنّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا بَعَثَ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ إِلَى الْيَمَنِ،
стр. 411
قَالَ: «إِنَّكَ تَأْتِي قَوْمًا أَهْلَ كِتَاب، فَادْعُهُمْ إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً فِي أَمْوَالِهِمْ تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ، وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ» (١).
ولقد اعتنى النبي ﷺ بترسيخ العقيدة في نفوس الناشئة خاصة، فها هو صلوات الله عليه وسلامه يوصي ابن عباس ﵄ فيقول له: «يا غلام، إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف» (٢).
ولا شك أن في ذلك تعليمًا للأمة بأسرها ودعوة للاقتداء به والتأسي بتربيته وتعليمه ﷺ ، والمعني بذلك أولًا هم العلماء والمربون من الدعاة وسائر الهداة المصلحين.
وفي عظيم فضل ومكانة نبذ الشرك وتحقيق التوحيد ما ورد في الحديث
стр. 412
القدسي قال الله ﵎: «يابن آدم، إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان فيك ولا أبالي، يابن آدم، لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي، يابن آدم، إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا لأتيتك بقرابها مغفرة» (١).
وفيما سبق من نصوص التنزيل دلالة واضحة على عظم شأن عقيدة التوحيد والعمل بها والدعوة إليها وتعليمها للناشئة وتربيتهم وتنشئتهم عليها وأنها نهج جميع النبيين المرسلين عليهم الصلاة والسلام.
ومما لاريب فيه أن البدء بتعليم العقيدة التي هي أساس الملة وأسّ الدين، وغرسها في نفوس الناشئة منذ نعومة أظفارهم من أوجب الواجبات وأهم المهمات المتحتمات كما أسلفنا، وإن تعليم باقي الواجبات يأتي تبعًا لأساس الملة وأصل الدين، كما أنه يجب تقديمها على كل الواجبات كما بدأ لقمان في موعظته وتعليمه ولده.
خامسًا- أن تربية الناشئة على عقيدة التوحيد صمام أمان لهم:
فالاهتمام بتعليم الناشئة عقيدة التوحيد الخالص وتربيتهم على هذا المعتقد وتنشئتهم عليه هو من أعظم وأَجَلِّ أسباب حفظهم من الأفكار المنحرفة والعقائد الدخيلة، وأقرب لقبولها لموافقتها لفطرة الله التي فطرهم وجبلهم وصبغهم عليها، وإذا تربى الناشئة على عقيدة الفرقة الناجية والطائفة المنصورة إلى قيام الساعة أهل السنة والجماعة، كان ذلك من أَجَلِّ وأعظم أسباب حفظهم من أمراض الشهوات وعلل ومزالق الشبهات ومن سبل الانحراف
стр. 413
والانجراف بكل صوره، وسلموا من الآفات الشركية والبدعية والفكرية والسلوكية والأخلاقية، لأن أهل السنة والجماعة وسطٌ بين الفرق الغالية والجافية، فكما أن أهل الإسلام فيهم الوسطية بين أهل الملل والشرائع، فكذلك أهل السنة والجماعة بين الفرق والطوائف المنسوبة للإسلام كما قال سبحانه: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣]، أي: عدولًا خيارًا، ولا شك أن الواقع يشهد لذلك.
سادسًا - بيان أهمية واجب المربين والمعلمين والقائمين على التعليم تجاه هذا الجانب العظيم:
فعلى المربين والدعاة والمصلحين والقائمين على مناهج التعليم في بلاد الإسلام فهم هذا الجانب العظيم فهمًا صحيحًا، وأن يولوه ما يستحق من العناية وما يجب عليهم تجاه الناشئة وتعليمهم عقيدة التوحيد الخالص، ووضع مناهج عقدية متلائمة مع مراحلهم العمرية تدريجيًّا منذ مراحل عمرهم الأولى، وذلك في ضوء عقيدة أهل السنة والجماعة، وهي متوافرة وبكثرة ولله الحمد، وذلك قبل أن تصل إلى فطرتهم يد الردى فتغير وتبدل ما جبلوا وما فطروا عليه من معالم التوحيد الخالص.
- يقول ابن القيم ﵀: «فإذا كان وقت نطقهم فليلقنوا لا إله إلا الله محمد رسول الله، وليكن أول ما يقرع مسامعهم معرفة الله سبحانه وتوحيده، وأنه سبحانه فوق عرشه ينظر إليهم ويسمع كلامهم، وهو معهم أينما كانوا» (١).
стр. 414
أول وصايا لقمان لابنه:
بعد هذا البيان يتبين لنا أن لقمان ﵇ لما ابتدر ابنه بتصحيح المعتقد وتأسيس الملة بهدم الشرك وبيان معالم التوحيد، لم يأت ببدع من القول؛ بل وافق بحكمته التي آتاه الله نهج النبيين والمرسلين ﵊ وسائر عباد الله المصلحين.
فكان في طليعة موعظته ووصاياه لابنه بأن حذره من الشرك ونهاه عنه، فالنهي عن الشرك متضمن لتحقيق التوحيد، كما أسلفنا وبينا، قال ربنا ﵎: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٦].
والتوحيد هو أول واجب على المكلفين، وبالتالي يكون أول واجب على المربين والدعاة والمصلحين، هو غرس عقيدة التوحيد في نفوس الناشئة وهو أول ما ابتدأ به لقمان مع ولده.
سابعًا: بيان لأول مواعظ لقمان في الجانب العقدي:
قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣)﴾ [لقمان: ١٣].
وفي ضوء بيان وصية لقمان السابقة نعرج على جوانب مهمة إيضاحًا لتلك الوصية العظيمة:
أولاً- بيان معنى الشرك لغة وشرعًا:
أ- معنى الشرك لغة:
قال ابن فارس: «الشين والراء والكاف أصلان، أحدهما يدلّ على مقارنة
стр. 415
وخلافِ انفرادٍ، والآخر يدلّ على امتداد واستقامة.
فالأول: الشركة، وهو أن يكون الشيء بين اثنين لا ينفرد به أحدهما، يقال: شاركت فلانًا في الشيء إذا صرت شريكَه، وأشركت فلانًا إذا جعلته شريكًا لك» (١).
ب- معنى الشرك شرعًا:
قال ابن سعدي: «حقيقة الشرك أن يُعْبَدَ المخلوقُ كما يُعْبَدُ اللهُ، أو يعظَّم كما يعظَّم الله، أو يُصْرَفَ له نوع من خصائص الربوبية والإلهية» (٢).
ثانيًا- إيضاح مفهوم الشرك الأكبر وبيان حقيقته في كلام علماء الأمة:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «وأصل الشرك أن تعدل بالله تعالى مخلوقاته في بعض ما يستحقه وحده، فإنه لم يعدل أحد بالله شيئًا من المخلوقات في جميع الأمور، فمن عبد غيره أو توكل عليه فهو مشرك به» (٣). اهـ.
قال ابن القيم ﵀: « .. فالشرك تشبيه المخلوق بالخالق في خصائص الإلهية، فإن من خصائص الإلهية التفرد بملك الضر والنفع والعطاء والمنع، وذلك يوجب تعليق الدعاء والخوف والرجاء، والتوكل عليه وحده، فمن علق ذلك بمخلوق فقد شبهه بالخالق .. ومن خصائص الإلهية: الكمال المطلق، الذي لا نقص فيه بوجه من الوجوه، وذلك يوجب أن تكون العبادة من جميع الوجوه كلها
стр. 416
له وحده، التعظيم والإجلال والخشية والدعاء والرجاء والإنابة والتوكل والاستعانة، وغاية الذل مع غاية الحب .. فمن جعل شيئًا من ذلك لغيره تعالى فقد شبه ذلك الغير بمن لا شبيه له ولا ند له وذلك أقبح التشبيه وأبطله، ولشدة قبحه وتضمنه غاية الظلم أخبر سبحانه عباده أنه لا يغفره» (١). اهـ.
فمن سوَّى بين الخالق والمخلوق فيما هو من خصائص الرب فهو مشرك.
قال ابن سعدي ﵀: «فإنَّ حدَّ الشرك الأكبر وتفسيره الذي يجمع أنواعه وأفراده (أن يصرِفَ العبد نوعًا أو فردًا من أفراد العبادة لغير الله) فكلُّ اعتقادٍ أو قولٍ أو عمل ثبت أنَّه مأمورٌ به من الشَّارع فصرفُه لله وحده توحيدٌ وإيمانٌ وإخلاصٌ، وصرفُه لغيره شركٌ وكفرٌ. فعليك بهذا الضَّابط للشِّرك الأكبر الَّذي لا يشذُّ عنه شيءٌ» (٢). اهـ.
قال الإمام الصنعاني ﵀: «فإفراد الله تعالى بتوحيد العبادة لا يتم إلا بأن يكون الدعاء كله له والنداء في الشدائد والرخاء لا يكون إلا لله وحده، والاستعانة بالله وحده واللجوء إلى الله والنذر والنحر له تعالى، وجميع أنواع العبادات، ومن فعل ذلك لمخلوق حي أو ميت أو جماد أو غيره، فهذا شرك في العبادة» (٣). اهـ.
وقال العلامة الإمام عبد الله بن عبد الرحمن أبو بطين: «فمن صرف لغير الله شيئًا من أنواع العبادة، فقد عبد ذلك الغير واتخذه إلهًا، وأشركه مع الله في
стр. 417
خالص حقه، وإن فرَّ من تسمية فعله ذلك تألهًا وعبادة وشركًا، ومعلوم عند كل عاقل أن حقائق الأشياء لا تتغير بتغير أسمائها.
فالشرك إنما حرم لقبحه في نفسه، وكونه متضمنًا مسبة للرب، وتنقصه وتشبيهه بالمخلوقين، فلا تزول هذه المفاسد بتغيير اسمه، كتسميته توسلًا، وتشفعًا، وتعظيمًا للصالحين، وتوقيرًا لهم ونحو ذلك، فالمشرك مشرك شاء أم أبى» (١). اهـ.
ثالثًا: بيان لأول وصايا لقمان في ضوء كلام أهل التفسير:
يقول ابن عاشور: «ابْتَدَأَ لُقْمَانُ مَوْعِظَةَ ابْنِهِ بِطَلَبِ إِقْلَاعِهِ عَنِ الشِّرْكِ بِاللَّهِ لِأَنَّ النَّفْسَ الْمُعَرَّضَةَ لِلتَّزْكِيَةِ وَالْكَمَالِ يَجِبُ أَنْ يُقَدَّمَ لَهَا قَبْلَ ذَلِكَ تَخْلِيَتُهَا عَنْ مَبَادِئِ الْفَسَادِ وَالضَّلَالِ، فَإِنَّ إِصْلَاحَ الِاعْتِقَادِ أَصْلٌ لِإِصْلَاحِ الْعَمَلِ» (٢). اهـ.
وكأن ابن عاشور يريد أن يؤكد قاعدة التخلية قبل التحلية والتصفية قبل التربية وقد مرَّ بنا ذلك منذ قليل.
ويقول ابن عاشور: «وفَائِدَةُ ذِكْرِ الْحَالِ بِقَوْلِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ الْإِشَارَةُ إِلَى أَنَّ قَوْلَهُ هَذَا كَانَ لِتَلَبُّسِ ابْنِهِ بِالْإِشْرَاكِ، وَقَدْ قَالَ جُمْهُورُ الْمُفَسِّرِينَ: إِنَّ ابْنَ لُقْمَانَ كَانَ مُشْرِكًا فَلَمْ يَزَلْ لُقْمَانُ يَعِظُهُ حَتَّى آمَنَ بِاللَّهِ وَحْدَهُ، فَإِنَّ الْوَعْظَ زَجْرٌ مُقْتَرِنٌ بِتَخْوِيفٍ، قَالَ تَعَالَى: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا (٦٣)﴾ [النساء: ٦٣] وَيُعْرَفُ الْمَزْجُورُ عَنْهُ بِمُتَعَلِّقِ فِعْلِ الْمَوْعِظَةِ فَتَعَيَّنَ أَنَّ
هناك ذنب أعظم وأقبح منه، وليس هناك بعده ظلم أشد منه، فالشرك أعظم خطر يتهدد الإنسان ويجعله في مهب الريح عند غضب الله تعالى، والشرك ظلم عظيم، أمّا أنه ظلم فلأن فيه وضع الشيء في غير موضعه، وأما أنه «عظيم» فلما فيه من التسوية بين المنعم الحقيقي الله ، وبين من لا نعمة له ولا عبادة وهي الأصنام والأوثان» (١). اهـ.
ويتابع ابن عاشور فيقول: «وَجُمْلَةُ ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣)﴾ [لقمان: ١٣] تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ عَنْهُ وَتَهْوِيلٌ لِأَمْرِهِ، فَإِنَّهُ ظُلْمٌ لِحُقُوقِ الْخَالِقِ (٢)، وَظُلْمُ الْمَرْءِ
خلقه ندًا، وذلك غاية الظلم منه، وإن كان المشرك في الواقع لم يظلم ربه، وإنما ظلم نفسه» (١). اهـ.
- وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: سألت رسول الله ﷺ أيُّ الذنب أعظم عند الله؟ قال: «أن تجعل لله ندًّا وهو خلقك» (٢).
والقول بأن ابن لقمان كان كافرًا قال به أكثر أهل التفسير ونقل ابن عاشور أنه قول الجمهور -يعني: جمهور المفسرين- ثم علل ترجيحه بقوله: «وَأَصْلُ النَّهْيِ عَنِ الشَّيْءِ أَنْ يَكُونَ حِينَ التَّلَبُّسِ بِالشَّيْءِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ أَوْ عِنْدَ مُقَارَبَةِ التَّلَبُّسِ بِهِ، وَالْأَصْلُ أَنْ لَا يَنْهَى عَنْ شَيْءٍ مُنْتَفٍ عَنِ الْمَنْهِيّ». اهـ.
وكذلك قيل: في امرأة لقمان بأنها كانت كافرة، فما زال بهما لقمان حتى أسلما، وهذا القول: -أي: في امرأة لقمان- قال به جمع من أهل التفسير منهم على سبيل المثال لا الحصر، القرطبي والزَّمَخْشَرِيُّ المعتزلي والألوسي وغيرهم، وهذا القول ليس فيه أي إشارة في موعظة لقمان لا من قريب ولا من بعيد، مما يدل على غرابته أيضًا.
يقول القرطبي: «وذكر القشيري أن ابنه وامرأته كانا كافرين فما زال يعظهما حتى أسلما» (٣).
ويقول الألوسي: «قيل: كان ابنه كافرًا ولذا نهاه عن الشرك، فلم يزل يعظه
стр. 424
حتى أسلم، وكذا قيل في امرأته» (١).
ومن القواعد المقررة عند أهل السنة أنه: «من دخل الإسلام بيقين لم يخرج منه إلا بيقين» نص عليها غير واحد من أهل العلم منهم: شيخ الإسلام ابن تيمية حيث يقول: «وليس لأحد أن يكفر أحدًا من المسلمين، وإن أخطا وغلط، حتى تقام عليه الحجة، وتبين له المحجة، ومن ثبت إسلامه بيقين: لم يَزُلْ ذلك عنه بالشك، بل لا يزول إلا بعد إقامة الحجة وإزالة الشبهة» (٢).
والاستدلال بكلام شيخ الإسلام على مانحن بصدده لا يتطابق من كل وجه، ولكن من جهة قاعدة: «ومن ثبت إسلامه بيقين: لم يَزُلْ ذلك عنه بالشك».
والحقيقة أنه يصعب الجزم بذلك، أي: بـ «القول بأن ابن لقمان كان كافرًا»، لأن دلالة القول به ظنية مأخوذة من فحوى موعظة لقمان لولده فحسب، وليس ثَمَّ دلالة قطعية تثبت دعوى كفر ابن لقمان حين وعظه تلك الموعظة، والكفر شأنه عظيم، وخطره وخَطبهُ أليم، وسوء عاقبته وخيمة، فلا يثبت إلا بدلالة قطعية الثبوت.
فالتوقف في ذلك أسلم، والقول بأنه لم يكن كافرًا قال به غير واحد من أئمة التفسير وهو أسلم وأحوط وأقرب للصواب، والله أعلم.
وإنما كان تحذير لقمان ولده من الشرك من باب الحرص على بقاء فطرته على التوحيد الخالص الذي جُبِلت وفُطِرت وخُلِقت عليه الخليقةُ، وليس من
стр. 425
باب أنه متلبس بالشرك كما قال سبحانه: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠].
وحتى لا تلوث فطرته النقية السوية بلوثة الشرك ودرن الكفر، فالوصية من باب درهم وقاية خير من قنطار علاج، لا من باب كونه كان كافرًا، ولقمان قرن تحذير ولده من الشرك بعلته المقترنة به وحكمته اللازمة له كما بَيَّنَ ربنا ذلك بقوله سبحانه: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣)﴾ [لقمان: ١٣]، وكذلك فعل في كل وصاياه الواردة في السورة الكريمة، وفي هذا دلالة بينة على حكمة لقمان في وعظه وتعليمه وتربيته لولده.
ولا شك أن ذلك أدعى إلى قبول الولد نصح أبيه ووعظه وتعليمه والاستجابة الذاتية له.
ولا يخفى على كل مُرَبٍّ حكيم، أن التحذير من الشر قبل وقوعه من أنفع وأنجع الأساليب التربوية، إذ التربية بالتحذير من الشرك والأمر باجتنابه والبعد عنه قبل وقوعه أيسر من النهي عنه بعد التلبس به والوقوع والولوج فيه، إذ إنه قد لا يسلم من تلبس بالشرك أن تقتلع جذوره بالكلية، فقد تبقى بعض آثاره ورواسبه عالقة في النفس، وقد يشق عودتها للفطرة الأولى بيضاء نقية كما خلقها الله أول مرة، ولا شك أن الواقع يشهد لذلك.
وما حديث ذات أنواط عنا ببعيد فعَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ ﵁، قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﵌ إِلَى حُنَيْنٍ (١) -وَنَحْنُ حُدَثَاءُ عَهْدٍ بِكُفْرٍ- ولِلْمُشْرِكِينَ سِدْرَةٌ