الافتتاحية
قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٦)﴾ [التحريم: ٦].
ويقول ﷺ : «كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته» (١).
ويقول ﷺ : «ما من عبدٍ استرعاه الله رعية فلم يحطها بنصيحة إلا لم يجد رائحة الجنة» (٢).
ويقول ﷺ : «مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْتَرعِيهِ اللهُ رَعِيَّة يَموتُ يَوْمَ يَمُوتُ وهو غَاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ؛ إِلا حَرَّمَ اللهُ عليه الجَنَّةَ» (٣).
стр. 2
المقدمة
إنَّ الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضل له، ومن يُضلل فلا هادي له، وأشهد أنْ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)﴾ [آل عمران: ١٠٢].
﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)﴾ [النساء: ١].
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾ [الأحزاب: ٧٠ - ٧١].
أما بعد (١):
стр. 3
أهمية الموضوع وأسباب اختياره
إن تربية الأجيال المسلمة على منهج دين الإسلام الخالص، تربية صحيحة سديدة، مهمة عظيمة ومسؤولية جسيمة، تقع مسؤوليتها على القائمين على هذا الثغر العظيم من ثغور الإسلام -ثغر التربية والتعليم-، ويقع عاتق المسؤولية على الوالدين أولًا، ثم على عاتق المربين والمصلحين القائمين على هذا الثغر العظيم، كل بحسبه ثانيًا.
وإن هذه المهمة الجسيمة تتطلب من الأبوين القيام بهذا الواجب العيني على أتم الوجوه وأكملها، أداءً للأمانة، وإعذارًا إلى الله في أداء هذا الواجب العظيم، على نحو تبرأ به الذمم ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٩)﴾ [الشعراء: ٨٩، ٨٨].
стр. 4
حقيقة الأمانة ومفهومها
فالمعنى العام للأمانة: يتناول جميع الأوامر والنواهي الشرعية.
ومما يدلُّ على ذلك: قول الله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (٧٢)﴾ [الأحزاب: ٧٢].
- أورد الحافظ ابن كثير -رحمه الله تعالى- جمعًا من أقوال السلف في تفسير لفظ: «الأمانة»، ثمّ قال: «وكل هذه الأقوال لا تنافي بينها؛ بل هي متفقة وراجعة إلى أنها: التكليف، وقبول الأوامر والنواهي بشرطها، وهو أنه إن قام بذلك أثيب، وإن تركها عوقب، فقبلها الإنسان على ضعفه وجهله وظلمه، إلا من وفق اللهُ، وبالله المستعان» (١).
- قال ابن جرير الطبري -رحمه الله تعالى- في معنى الأمانة: «وأولى الأقوال في ذلك بالصواب ما قاله الذين قالوا: إنه عُنِي بالأمانة في هذا الموضع جميع معاني الأمانات في الدين، وأمانات الناس، وذلك أن الله لم يَخُصّ بقوله: ﴿عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ﴾ [الأحزاب: ٧٢] بعض معاني الأمانات لما وصفنا» (٢).
стр. 5
- وقال القرطبي -رحمه الله تعالى: «والأمانة تعمّ جميع وظائف الدّين على الصحيح من الأقوال، وهو قول الجمهور» (١).
قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٧) وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (٢٨)﴾ [الأنفال: ٢٧ - ٢٨]، فنهى الله عن خيانة الأمانات، ومن أجلِّ تلك الأمانات وأعظمها عند الله تعالى؛ تربية الأبناء.
- ومن علامات النفاق: خيانة الأمانة. فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا، وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا: إِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ، وَإِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ» (٢).
- وقال ﷺ : «إن الله سائل كل راعٍ عما استرعاه؛ أحفظ أم ضيع؟ حتى يسأل الرجل عن أهل بيته» (٣).
وقال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (٨)﴾ [المؤمنون: ٨].
- قال العلامة محمد الأمين الشنقيطي (٤) -رحمه الله تعالى: في قول الله
стр. 6
تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (٨)﴾ [المؤمنون: ٨]:
«والأمانة تشمل: كل ما استودعك الله، وأمرك بحفظه، فيدخل فيها حفظ جوارحك من كل ما لا يُرضي الله، وحفظ ما اؤتمنت عليه من حقوق الناس .. » (١).
وإنما تكون رعاية الأمانة في الأبناء بتربيتهم وتعليمهم وتأديبهم منذ الصغر، وبإلزامهم أداء ما أوجب الله عليهم من طاعته سبحانه، وأطرهم على الحق أطرًا، وإبعادهم عن كل موجبات سخط الله وعذابه وأليم عقابه، ولا شك أن هذا الأمر-يُشعر بجسامة المسؤولية وعِظم الخطب وأن الوالدين يتحملان مسؤوليةً عظمية، وأمانة كبيرة وجسيمة، فإن قاما بواجبيهما تجاه الأبناء سعدا في الدنيا والآخرة وسعدت معهما ذريتهما، وإن قصرا وفرَّطا في واجبيهما خسرا خسرانًا مبينًا، فلم ينتفعا بذريتهما في الدنيا برًّا وإعانة وإحسانًا، وفي الآخرة كانت
стр. 7
الذرية عليهما وبالًا، وكان الحساب عليهما عسيرًا، قال تعالى: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ (٢٤)﴾ [الصافات: ٢٤]، إنها مسؤولية عظيمة فليعدا للسؤال جوابًا وللجواب صوابًا.
وفي «الصحيحين» عن عبد الله بن عمر (١) ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ
للتربية الحسنة ثمار عظيمة في الدنيا والآخرة، من أهمها:
أولًا: في الدنيا:
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا (٧٤)﴾ [الفرقان: ٧٤]، فصالح الأبناء تقرّ به العيون في حياتنا الدنيا، تقرّ به عينك في الدنيا، إذا نظرت إليه سرك، وإن أمرته أطاعك، وإن غبت عنه حفظك فيما استرعيته واستأمنته، وإن طلبته سارع وبادر إليك وبرّك، تراه عبدًا ناصحًا خيِّرًا صالحًا مصلحًا، وكان لك بعد الله نعم المعين على أمر الدنيا والدين، وكان لك نعم الناصح الأمين، فالذرية لن تكون قرة عين للوالدين في الدنيا إلا بالصلاح، والله ﵎ جعل الأبناء زينة الحياة الدنيا وبهجتها، وعونًا لوالديهم على أمر الدنيا والدين جميعًا، وعضدًا ونصيرًا على شدائد الزمان ولأواء الحياة الدنيا وكروبها وشدائدها، قال تعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا (٤٦)﴾ [الكهف: ٤٦]،
стр. 10
فالأبناء نعمة ومنَّة ربانية عظيمة، وهبة وعطية من الله تعالى جليلة، وهم زينة الحياة الدنيا وبهجتها، وهذه النعمة ذات أثر عظيم على بني آدم، فهي تلتقي مع فطرتهم وغريزتهم وجبلتهم، ولا يتم السرور والبهجة والسعادة بهذه النعمة أبدًا إلا إذا أحسن الوالدان التربية الصالحة والتنشئة الطيبة للأبناء ليصبحوا قرةَ أعين لوالديهم في الدنيا ويوم الدين.
وهم الأكباد التي تمشي على الأرض:
وإنما أولادنا بيننا … أكبادنا تمشي على الأرض
لو هَبَّتِ الريح على بعضهم … لامتنعت عيني من الغمض (١).
ثانيًا: في الآخرة: الانتفاع بدعاء الولد الصالح:
- عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: «إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له» (٢).
وقوله ﷺ : «أو ولد صالح يدعو له»، (الولد الصالح) هو: البارُّ بهما.
والولد البارُّ الذي يدعو لوالديه هو من الأعمال الصالحة التي تجري للوالدين بعد مماتهما، وتقرّ به أعينهما في اللحود والظلمات، يوم يغشاهما منه صالح الدعوات وهما في القبور بيت الوحدة والوحشة والدود، يذكرهما بدعواتٍ صالحات، ينعّمهما بها الكريم المنانُ، وتقرّ به أعينهما في الموقف بين
стр. 11
يدي الملك الديان، وإذا تأملنا كلَّ ذلك نجده ثمرة طيبة لتربية حسنة طيبة، كذلك ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾ [الأعراف: ٥٨]، أما الولد غير الصالح إذا كان لم يهتم بإصلاح نفسه وتزكيتها وحملها على طاعة الله تعالى، فهل سيهتم بوالديه برًّا ودعاءً؟ وكذلك ﴿وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا﴾ [الأعراف: ٥٨]، وفيه إشارة إلى أنه من أراد أن ينتفع بدعاء ولده له بعد الممات، فليحسن تربيته في حياته قبل الحسرة والفوات.
يجمع الله بين الآباء والأبناء الصالحين في الجنة في الدار الآخرة.
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الطور: ٢١].
قال ابن كثير ﵀: «يخبر تعالى عن فضله وكرمه، وامتنانه ولطفه بخلقه وإحسانه: أن المؤمنين إذا اتبعتهم ذرياتهم في الإيمان يلحقهم بآبائهم في المنزلة وإن لم يبلغوا عملهم، لتقر أعين الآباء بالأبناء عندهم في منازلهم، فيجمع بينهم على أحسن الوجوه، بأن يُرفع الناقصُ العملَ، بكامل العمل، ولا ينقص ذلك من عمله ومنزلته، للتساوي بينه وبين ذاك; ولهذا قال: ﴿أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الطور: ٢١]» (١).
عظم شأن الأمانة:
قال الله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب: ٧٢].
стр. 12
الأمانة: تعني حرص العبد على أداء كل واجب، وأن يبذل العبد كل سعيه وجهده في إتمامه على أحسن الوجوه وأكملها تعبدًا وتقربًا لله تعالى.
قال أبو العالية: «الأمانة: ما أمروا به ونهوا عنه» (١).
وقال الشنقيطي ﵀: «ذكر -جل وعلا- في هذه الآية الكريمة أنه عرض الأمانة، وهي التكاليف مع ما يتبعها من ثواب وعقاب على السماوات والأرض والجبال، وأنهن أبين أن يحملنها وأشفقن منها، أي: خفن من عواقب حملها أن ينشأ لهن من ذلك عذاب الله وسخطه، وهذا العرض والإباء والإشفاق كله حق، وقد خلق الله للسماوات والأرض والجبال إدراكًا يعلمه هو -جل وعلا-، ونحن لا نعلمه، وبذلك الإدراك أدركت عرض الأمانة عليها، وأبت وأشفقت، أي: خافت» (٢) انتهى.
وتفسير الأمانة بالتكاليف الشرعية:
هو قول ابن عباس، والحسن البصري، ومجاهد، وسعيد بن جبير، والضَّحَّاك بن مزاحم، وابن زيد، وأكثر المفسرين (٣).
- وقال ابن سعدي (٤) ﵀: «جميع ما أوجبه الله على عبده أمانة، على العبد
стр. 13
حفظها بالقيام التام بها، وكذلك يدخل في ذلك أمانات الآدميين، كأمانات الأموال والأسرار ونحوهما، فعلى العبد مراعاة الأمرين، وأداء الأمانتين ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨]» انتهى (١).
- والخلاصة: أن الأمانة المذكورة في الآية الكريمة هي التكاليف الشرعية، سواء أكانت من حقوق الله تعالى، أم من حقوق المخلوقين، فمن أدى تلك الحقوق أثابه الله وجزاه الجزاء الأوفى، ومن فرط فيها استحق جزاء ما قدمت
стр. 14
يداه كما قال أحكم الحاكمين: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (١٠)﴾ [الحج: ١٠].
كانت هذه المقدمة المهمة جدًّا لبيان عظم شأن أمانة تربية الأبناء ولا سيما في الصغر، ولا سيما في زمن كثرت فيه الشبهات، وانتشرت واستعرت فيه الشهوات، ذلك لينتبه الآباء والمربون لعظم الأمر وجسامة المسؤولية، فإنَّ تخلي الوالدين عن تلك المسؤولية العظيمة يلحقهما إثمًا مبينًا، ووبالًا عظيمًا وخسارة جسيمة في الدنيا والآخرة، بسبب خيانة الأمانة التي وضعها الله في أيديهم، وتضييع الوديعة التي كلفهم الله تعالى بحفظها، فمسؤولية تربية الأبناء أمانة حِمْلُها جد ثقيل وشأنها جد عظيم يترتب على خيانتها والإخلال بها حساب جد عسير: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٦)﴾ [المطففين: ٦].
لأنها تحَمُّل أمانة الفطرة الربانية بيضاء نقية: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠].
- عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه كما تنتج البهيمةُ بهيمةً جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء؟ ثم يقول أبو هريرة ﵁ واقرؤوا إن شئتم: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠]» (١).
ولقد ذكر الله تعالى لنا في كتابه المجيد وصايا لقمان الحكيم لابنه وهو يعظه: قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ
стр. 15
عَظِيمٌ (١٣)﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ (١٩)﴾ [لقمان: ١٩].
وهذه الوصايا تعد منهجًا تربويًّا إيمانيًّا حكيمًا لتربية الأبناء تربية إسلامية شاملة للدين كله، أوصى لقمان فيها ولده بنبذ الشرك المتضمن تحقيق التوحيد أولًا وهو أساس الملة، ثم بالصلاة وهي عمود الدين ثانيًا، ثم بمكارم الأخلاق وهي جماع الخير كله ثالثًا، فجمع له أصل الإيمان وأم العبادات وأساس مكارم الأخلاق والمعاملات.
قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٦)﴾ [التحريم: ٦].
- يقول الإمام الطبري في تفسير هذه الآية: «يقول تعالى ذكره: يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [التحريم: ٦] يقول: علموا بعضكم بعضًا ما تقون به من تعلمونه النار وتدفعونها عنه إذا عمل به من طاعة الله واعملوا بطاعة الله. وقوله: ﴿وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم: ٦] يقول: وعلموا أهليكم من العمل بطاعة الله ما يقون به أنفسهم من النار» (١).
وقال مقاتل: «ذلك حق عليه في نفسه وولده وأهله وعبيده وإمائه».
وقال الكيا الهراسي: «فعلينا تعليم أولادنا وأهلينا الدين والخير وما لا يستغنى عنه من الأدب، وهو قوله تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ [طه: ١٣٢]. ونحو قوله تعالى للنبي ﷺ : ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤)﴾ [الشعراء: ٢١٤]، فبدأ بالأقربين لأنهم أولى الناس بخيره ورحمته وبره وإحسانه».
стр. 16
الدراسات السابقة للموضوع
لم يقف الباحث على دراسات سابقة متكاملة ومعالجة للموضوع من كافة جوانبه في موضوع بحثي واحد، وأغلب ما وقف عليه الباحث من دراسات إما متكرر وإما يعزو بعضه إلى بعض فيكون بمثابة تحصيل حاصل، أو لم تتم معالجة البحث فيه انطلاقًا من أسسه وقواعده العلمية والتربوية معًا، وهذا لا يعني فيه الباحث ادعاء الكمال والتمام لنفسه وازدراء جهود غيره وهضمها، كلَّا وحاشا، ولكن هذا في حدود بحثه واطلاعه الضيق ونظره القاصر، ومن باب بيان السبب الداعي لخوض غمار بحث هذا الموضوع.
وَمَن ذا الَّذي تُرضى سَجاياهُ كُلّها … كَفى المَرءَ نُبلًا أَن تُعَدَّ مَعايِبُهْ (١).
ومن هذا الهدف الأسمى والمطلب الأسنى فإن الباحث قد جمع هذه المادة وقد حاول أن يقرب موضوع عناية الإسلام بتربية الأبناء كما بينتها سورة لقمان- في ضوء القرآن الكريم وصحيح السنة المطهرة وكلام أئمة التفسير وعلماء الأمة ومربيها ومصلحيها - وذلك بأسلوب ميسر ومنهجية علمية مؤصلة، نسأل الله تعالى أن يتقبلها بقبول حسن وأن ينفع بها، كاتبها وقارئها والدال عليها.
وأول شيء يبتدئ الباحث به بيانًا:
стр. 17
خطوات خطة البحث
وهي تحتوي على مقدمة وأربعة مباحث، ويندرج تحت كل مبحث عدة مطالب، وخاتمة للبحث، ثم بيان لأبرز النتائج، ثم بيان لأهم توصيات الباحث، ثم ثبت المراجع، ومجموع الفهارس.
وذلك على النحو التالي:
المبحث الأول: عناية الإسلام بتربية الأبناء.
وفيه ستة مطالب:
المطلب الأول: تعريف التربية في اللغة والاصطلاح.
المطلب الثاني: خصائص المنهج الإسلامي التربوي.
ويتضمن ما يلي:
١ - الشمول.
٢ - التوازان.
٣ - الربانية.
٤ - الثبات والمرونة.
المطلب الثالث: روافد التربية الإسلامية وهي:
стр. 18
١ - الأسرة.
٢ - المدرسة.
٣ - المسجد.
٤ - وسائل الإعلام.
٥ - ثم دور روافد التربية مجتمعة.
المطلب الرابع: أهمية تربية الأبناء.
ويتضح ذلك في ضوء جانبين عظيمين:
الأول: تحقيق العبودية لله تعالى.
الثاني: حفظ الأمن العام في المجتمع.
وذلك في ضوء حفظ الضرورات الخمس وهي:
١ - حفظ الدين.
٢ - حفظ النفس.
٣ - حفظ العقل.
٤ - حفظ العرض.
٥ - حفظ المال
المطلب الخامس: من مظاهر عناية الإسلام بتربية الأبناء: أربعة مظاهر، وهي:
١ - اختيار الزوجين.
٢ - المعاشرة بالمعروف.
стр. 19
٣ - التربية بالقدوة.
٤ - التبكير في عملية التربية.
المطلب السادس: من أساليب القرآن في التربية:
١ - أسلوب الأمر والنهي.
٢ - أسلوب الترغيب والترهيب.
٣ - أسلوب ضرب المثل.
٤ - أسلوب القصص القرآني.
المبحث الثاني: التعريف بالسورة الكريمة
ويأتي بيانه على النحو التالي:
التعريف بالسورة الكريمة:
وفيه مطالب:
المطلب الأول: اسم السورة الكريمة وسر تسميتها:
* أولًا- اسم السورة الكريمة: (سورة لقمان).
* ثانيًا: سرُّ تسميتها.
المطلب الثاني: نزولها وعدد آياتها وكلماتها وحروفها:
ويندرج تحت هذا المطلب ما يلي:
١ - ترتيبها في المصحف الشريف.
٢ - عدد آياتها.
٣ - مواضع النسخ في السورة الكريمة.
стр. 20
٤ - ترتيبها بين السور المفتتحة بحروف الهجاء المقطعة.
٥ - أقوال العلماء في الحروف المقطعة في بداية السور.
٦ - عدد كلماتها.
٧ - عدد حروفها.
٨ - ترتيبها في النزول.
٩ - مكية السورة أو مدنيتها.
١٠ - بيان ما ورد في أسباب نزولها.
١١ - بيان ما ورد في نزول آياتها.
المطلب الثالث: الجوانب البلاغية في السورة الكريمة.
المطلب الرابع: موضوع السورة الكريمة.
وفيه بيان ما يلي:
* أولًا: مقصود السورة الكريمة.
* ثانيًا: تقسيم آيات السورة الكريمة موضوعيًّا.
* ثالثًا: أبرز موضوعات السورة الكريمة ومجمل ما حوته من الموضوعات.
وختامًا:
فإن السورة تعالج موضوع العقيدة بالتركيز على أصولها الثلاثة:
(الوحدانية - والنبوة - والبعث والنشور).
المطلب الخامس: المناسبات في السورة الكريمة.
стр. 21
المبحث الثالث: التعريف بشخصية لقمان الحكيم ﵇.
وفيه مطلبان:
المطلب الأول نسبه ونشأته
أولًا- اسمه ونسبه.
ثانيًا- نشأته.
ومن المعلوم أن ما يروى عن بني إسرائيل من الأخبار المعروفة بالإسرائيليات له ثلاث حالات.
الأول: ما جاء موافقًا لشريعتنا.
الثاني: ما جاء مخالفًا لشريعتنا.
الثالث: ما جاء مسكوتًا عنه في شرعنا.
المطلب الثاني التحقيق في أمر نبوته إثباتًا ونفيًا
وهل كان لقمان نبيًّا أو عبدًا حكيمًا لم تثبت له نبوة؟ على قولين.
القول الأول: أن لقمان كان عبدًا حكيمًا ولم يكن نبيًّا.
القول الثاني: القول بنبوة لقمان.
القول الراجح.
المبحث الرابع: المنهج التربوي كما تصوره موعظة لقمان الحكيم ﵇
وفيه أربعة مطالب:
المطلب الأول الجانب العقدي
أولًا: مفهوم العقيدة
стр. 22
ثانيًا: بيان العلة من تقديم لقمان النهي عن الشرك في موعظته لولده.
ثالثًا: بيان معنى الطاغوت.
رابعًا: بيان أن الدعوة إلى التوحيد هو نهج جميع النبيين والمرسلين.
خامسًا: أن تربية الناشئة على عقيدة التوحيد صمام أمان لهم:
سادسًا: بيان أهمية واجب المربين والمعلمين والقائمين على التعليم تجاه هذا الجانب العظيم.
سابعًا: بيان لأول مواعظ لقمان في الجانب العقدي.
المطلب الثاني الجانب التعبدي ويشتمل على الوصايا التالية
أولاً: الأمر ببرِّ الوالدين.
ثانيًا: الأمر بإقام الصلاة.
ثالثًا: الأمر بالإنابة ولزوم الجماعة واتباع سبيل المؤمنين.
رابعًا: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والترغيب في الصبر على ذلك.
المطلب الثالث الجانب الأخلاقي
أولًا: بيان مفهوم الأخلاق:
ثانيًا: مكانة الأخلاق في الإسلام:
ثالثًا: الجانب الأخلاقي في وصايا لقمان.
رابعًا: التعرف على هدي وشمائل سيد المتواضعين ﷺ ، والسعي للتخلق بأخلاقه.
خامسًا: العلم بالله سبحانه وبأمره ونهيه وثوابه وعقابه، له أبلغ الأثر في صلاح
стр. 23
حال العبد واستقامته.
المطلب الرابع طبيعة العلاقة بين الجوانب الثلاثة (العقدي والتعبدي والأخلاقي).
تمهيد.
فقه الأولويات في منهج لقمان التربوي.
طبيعة العلاقة بين هذه الجوانب.
الارتباط الوثيق بين الجانب الأخلاقي والجانب التعبدي.
مقاصد الزكاة وعلاقتها بالأخلاق والعقيدة.
فريضة الحج وعلاقتها بالعقيدة والأخلاق.
العلاقة بين جوانب العقيدة والعبادة والأخلاق في شعيرة الحج.
خاتمة البحث.
١ - أبرز النتائج.
٢ - أهم التوصيات.
مجموعة الفهارس.
١ - أهم المصادر والمراجع.
٢ - فهرس الآيات.
٣ - فهرس الأحاديث والآثار.
وفيه ستة مطالب:
المبحث الأول عناية الإسلام بتربية الأبناء
المطلب الأول: تعريف التربية في اللغة والاصطلاح
المطلب الثاني: خصائص المنهج الإسلامي التربوي.
المطلب الثالث: روافد التربية الإسلامية وهي:
المطلب الرابع: أهمية تربية الأبناء.
المطلب الخامس: من مظاهر عناية الإسلام بتربية الأبناء.
المطلب السادس: من أساليب القرآن في التربية.
стр. 26
المطلب الأول: تعريف التربية في اللغة والاصطلاح .
مفهوم تربية الأبناء:
أولاً: تعريف التربية لغة:
قال ابن فارس (١) في معجم مقاييس اللّغة: «(رب) الراء والباء يدلّ على أصول: فالأول: إصلاح الشيء، والقيام عليه …
والأصل الثاني: لزوم الشيء، والإقامة عليه ..
والأصل الثالث: ضم الشيء للشيء».
وقال الفيروز آبادي (٢) في القاموس المحيط: «وربّ: جمع، وزاد، ولزم، وأقام، كأربّ، وربَّ الأمر: أصلحه … وربّ الصبيّ: ربّاه حتى أدرك».
وقال الصاحب بن العباد: «وربّني يرُبُّني ربًّا: أي: تولى أمري وملكه .. ورجُلٌ رِبِّيٌّ: حسن القيام على اليتيم .. ورببتُ المُهر والصّبيّ .. ورببت في بني فلان أرُبُّ
стр. 27
ربابة: أي: نشأتُ .. ورببت أمري أرُبُّه ربابة: أي: أصلحته» (١).
وقال ابن منظور (٢) في لسان العرب: (٢) «وربّ ولده، والصّبيّ يرُّبُه ربًّا، وربّبّه تربيبًا وتربّة. عن اللحياني: بمعنى ربّاه، وفي الحديث: لك نعمة تُربُّها (٣)، أي: وتُربّيها، تحفظُها، وتُرعيها، كما يربّي الرجل ولده … وتربّبه، وارتبّه، وربّاه
стр. 28
تربية، على تحويل التّضعيف وتربّاه، على تحويل التضعيف أيضًا: أحسن القيام عليه، ووليه حتى يفارق الطُّفُوليّة، كان ابنه أو لم يكن».
والتربية مشتقة من أصول ثلاثة:
الأصل الأول: ربا يربو، بمعنى زاد ونمى (١)، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٩].
الأصل الثاني: رَبّ يَرُبُّ بوزن مدّ يمُدّ، بمعنى أصلحه، وتولّى أمره، وساسه وقام عليه، يقال: ربّ الشيء إذا أصلحه، وربّيت القوم أي: سُستُهم (٢).
الأصل الثالث: رَبِي يَربىَ على وزن خَفِي يَخْفَى، بمعنى نشأ وترعرع (٣).
وعليه قول ابن الأعرابي:
فمن يك سائلًا عني فإني … بمكّة منزلي وبها رَبِيتُ (٤).
والأبناء لغة: جمع ابن، وأصله بنو، قال ابن فارس: «الباء والنون والواو كلمة واحدة، وهو الشيء يتولّد عن الشيء كابن الإنسان وغيره» (٥).
وتربية الأبناء: تنشئتهم وإعدادهم في جميع جوانبهم الشخصيّة (٦) وفق
стр. 29
المنهج الإسلامي لتحقيق العبودية لله (١).
مفهوم التربية في الاصطلاح:
الرَّبُّ في الأصل: التربية، وهو إنشاء الشيء حالًا فحالًا إلى حدِّ التمام (٢).
فالتربية هي: تنشئة الإنسان شيئًا فشيئًا في جميع جوانبه، ابتغاء سعادة الدارين، وفق المنهج الإسلامي (٣)، ولقد تناول الإسلام كل شؤون الفرد بالتوجيه والإرشاد والتهذيب والتعليم، فلم يدع في حياته شيئًا إلّا وقد أفاده فيه بما يصلحه، كذلك بالنسبة لحياة المجتمع لم يدع فيها أمرًا إلّا وجعل له نظامًا وهديًا؛ بحيث يضمن للناس السعادة دائمًا، والأمان في حاضر أيامهم ومستقبلها كما قال الله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨] (٤).
إنها عملية تشكيل الشخصية السوية المتكاملة في جميع جوانبها، روحيًّا، وعقليًّا، ووجدانيًّا، وخلقيًّا، واجتماعيًّا، وجسميًّا، والقادرة على التكيف مع البيئة الاجتماعية، والطبيعية التي نعيش فيها (٥).
стр. 30
«أما التربية عند ابن سعدي: فتقوم على مبدأ المجاهدة من أجل صلاح الإنسان، وإصلاحه في جميع شؤونه الدينية، والدنيوية» (١).
стр. 31
المطلب الثاني خصائص المنهج الإسلامي التربوي
١ - الشمول للقضايا (الفكرية- والعقدية- والعقلية) .
التربية الإسلامية شاملة ومتكاملة: والشمول يعني أن الدين الإسلامي شامل لكل نواحي الحياة وكل نواحي الطبيعة الإنسانية، وأنه صالح لكل زمان ومكان، بخلاف الأوضاع البشرية فغالبًا ما يكون لها وقت معين على ما فيها من خلل وغالبًا ما تكون محصورة في مكان معين وزمان معين.
* قال تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨].
* وقال تعالى: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ﴾ [الأنبياء: ١٩].
وتشمل التربية الإسلامية جميع الطاقات الانفعالية والعاطفية وتوجهها باعتدال وتوازن، كما شملت جميع الميول والطاقات والدوافع الفطرية، ووجهتها.
فمن أعظم ميزات القرآن أنه يثير هذه الانفعالات ويربيها، «كما أن التربية الإسلامية لم تعنِ بالجوانب الوجدانية والعقلية منفصلة عن بعضها البعض، فمثلًا، في أداء الصلاة نجد فيها النشاط العقلي والروحي والبدني، فالتربية
стр. 32
الإسلامية» فاعلة تشمل الإنسان بكل جوانبه وتشمل المجتمع بكل نظمه، وأوضاعه، وهي متكاملة لأن كل معالجاتها لكل ناحية وكل جانب، وكل نظام متكامل مع بعضها البعض، وتترابط بحيث تتعاون هذه الجوانب، وهذه النظم مع بعضها.
* قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾ [يس: ٨٢].
* وقال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٤٨)﴾ [المائدة: ٤٨].
«وحين يستعرض الإنسان وسائل الإسلام في التربية، يعجب للدقة العجيبة التي يتناول بها الكائن البشري، الدقة التي تتناول كل جزئية على حدة كأنها متفرغة لها، ليس في حسابها سواها، ثم الشمول على هذا المستوى من الدقة، الشمول الذي يتناول الجزئيات جميعًا، وفي وقت واحد، إنها دقة معجزة لا تصدر إلا عن الخالق المدبر العظيم».
* قال تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ [الروم: ٣٠].
٢ - التوازان: فهي شاملة الإعداد للحياة الدنيا والآخرة:
(للجسد والروح- للدنيا والآخرة - وللمصالح العامة والخاصة).
التوازن والاعتدال: يتصف المنهج الإسلامي التربوي بالاعتدال والتوازن في بناء الشخصية الإسلامية، فيراعي متطلبات الروح والمادة في الإنسان،
стр. 33
والاعتدال والتوازن في إقامة المجتمع الإسلامي، فيحافظ على مصلحة الفرد والجماعة ولا يفرط في جانب لحساب الجانب الآخر، كما يتصف المنهج الإسلامي التربوي على صعيد الحياة كلها بالتوازن بين متطلبات الحياة الدنيا ومقومات السعادة في الدار الآخرة.
يقول الله : ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ [القصص: ٧٧] (١)، وإن هذا المنهج التي يستمد قواعده من مصادره الأصلية وهي القرآن والسنة، تربية متكاملة وشاملة، فكما أنه يشمل جميع طاقات الإنسان الداخلية (جسمية وعقلية وروحية)؛ فإنه ينظر أيضًا للحياة الدنيا وللآخرة معًا.
فإن التربية نظام متكامل يهدف إلى إسعاد البشرية روحيًّا وماديًّا.
وقد تحقق هذا المبدأ واضحًا في منهج التربية الإسلامية، فقد سبقتها تربية مادية أحيانًا، وتربية أخرى روحية أحيانًا.
تهدف التربية الإسلامية إلى أن يكون الإنسان مدركًا عظمة الله في ملكوته يعمل لدنياه وآخرته في آنٍ واحد، قال الحق موجهًا أهل الإيمان أن يدعوه سبحانه راغبين في خيري الدنيا والآخرة: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (٢٠١)﴾ [البقرة: ٢٠١].
وقد عبر جرير عن هذا المعنى وهو يمدح الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز، حيث يقول:
стр. 34
فلا هو في الدنيا مضيع نصيبه … ولا عرض الدنيا عن الدين شاغله (١).
٣ - الربانية: التربية الإسلامية تربية ربانية .
تعتبر التربية الإسلامية ربانية المصدر فهي تستمد قواعدها وأصولها من القرآن والسنة اللذين هما وحي الله؛ فالتربية الإسلامية ربانية من حيث البداية، فهي تبدأ بتعريف الناشئ على قدرة الرب ﷻ ، وصفات كماله ونعمه، عن طريق تأمل الكون وما أودعه الله من قوى وقدرات في جميع الكائنات من حوله، والتربية الإسلامية ربانية من حيث الهدف والغاية، فهي باعتمادها على فطرة الناشئ تبرهن له إذ تلفت نظره إلى ظاهرتي الموت والحياة، وأنه لم يكن يملك أن يوجد نفسه بالشكل الذي يريد ولا أن يرحل عنها برغبته، تبرهن له على أنه تابع في وجوده وفنائه وصحته لقوة أسمى وأقدر منه؛ إنها قوة الله وإرادته، وتبين لنا التربية الإسلامية عناية الله بالإنسان من خلال توجيهه للتأمل فيما سخر الله لحياته من الكائنات التي يتعامل معها من أمطار وأنهار وزروع وبحار، وهذه العناية لم تترك الإنسان في حيرة يتساءل عن حياته وموته وعلاقته بالكون وبأخيه الإنسان؛ بل أرسل الله الرسل بشريعته وهداه ووحيه الذي ينظم للإنسان كل حياته وأهدافه وعلاقاته، فالتربية الإسلامية منهجها متكامل الربانية، فقد جمعت بين طيتها ربانية الهدف، وربانية الأساليب، وربانية المصدر، وربانية الوسائل، وربانية الوسائط.
стр. 35
والتربية الإسلامية تستمد منهجها من الوحي الإلهي (الكتاب والسنة)، ومما استنبطه العلماء المسلمون من هداياتهما، وهي تدعو إلى توحيد الله تعالى في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته وإلى اتباع رسله الكرام ﵈، وإلى مكارم الأخلاق، وإحقاق الحق وإبطال الباطل، ورفع الظلم عن المظلومين، وصلة الأرحام، وإلى نشر البر والخير بين الناس، والدعوة إلى دين الله بالحكمة والموعظة الحسنة وإلى كل فضيلة وكمال، وتصبغ الأمة بالصبغة الربانية المتكاملة التي أوحاها الله إلى رسله الكرام ﵈ وأمرهم بتبليغها لعباده كاملة تامة دون زيادة أو نقصان، قال تعالى: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ﴾ [البقرة: ١٣٨].
لقد كان التزام المسلمين الأوائل بهذه الصبغة المتكاملة خير دعاية عملية لدينهم ومبادئهم، مما جعل شعوب الأرض يدخلون في دين الله أفواجًا، وفتح الله لدينهم ولثقافتهم وأخلاقهم قلوب العباد قبل فتح الأمصار والبلاد.
٤ - الثبات والمرونة: الجمع بين الثبات والمرونة .
من أَجَلِّ وأجلى مظاهر «الوسطية»، التي تميزت بها رسالة الإسلام، وبالتالي يتميز بها المجتمع المسلم عن غيره: التوازن بين الثبات والتطور، أو (الثبات والمرونة).
فهو يجمع بينهما في تناسق مبدع، واضعًا كُلًّا منهما في موضعه الصحيح.
الثبات فيما يجب أن يخلد ويبقى، والمرونة فيما ينبغي أن يتغير ويتطور دون المساس بالثوابت الشرعية أو الأصول المرعية؛ بل تمشيًا مع القواعد الكلية للشريعة الإسلامية وعملًا بأصولها وتحقيقًا لصلاحها لكل زمان ومكان، وهذه
стр. 36
الخصيصة البارزة لرسالة الإسلام، لا توجد في شريعة سماوية ولا وضعية، ولكن الشريعة الإسلامية، التي ختم الله بها الشرائع الربانية والرسالات السماوية، أودع الله سبحانه فيها عنصر الثبات والخلود، وعنصر المرونة والتطور معًا، وهذا من بدائع الإعجاز في هذه الشريعة الربانية، وآية من آياته، عمومها وخلودها، وبقائها وصلاحها لكل زمان ومكان.
ونستطيع أن نحدد مجال الثبات، ومجال المرونة، في شريعة الإسلام ورسالته الشاملة الخالدة، فنقول: إن الثبات يكون على الأهداف والغايات، والمرونة تكون في الوسائل والأساليب، الثبات يكون على الأصول والكليات، والمرونة تكون في الفروع والجزئيات.
الثبات يكون على القيم الدينية والأخلاقية، والمرونة تكون في الشؤون الدنيوية والعلمية.
دلائل الثبات والمرونة في مصادر الإسلام وأحكامه.
إن للثبات والمرونة مظاهر ودلائل شتى، نجدها في مصادر الإسلام، وشريعته وتاريخه، يتجلى هذا الثبات في «المصادر الأصلية النصية القطعية للتشريع» من كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ ، فالقرآن الكريم هو المصدر والأصل الأول للشريعة الإسلامية، والسنة هي الشرح النظري، والبيان العملي للقرآن الكريم، وهي المصدر الثاني، وكلاهما مصدر إلهي محفوظ، لا يسع مسلمًا الإعراض عنه، قال : ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [النور: ٥٤]، وقال جل شأنه: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [النور: ٥١] والآيات الكريمة في هذا الصدد كثيرة ومعلومة.
стр. 37
وتتجلى المرونة في «المصادر الاجتهادية» التي اختلف فقهاء الأمة في مدى الاحتجاج بها ما بين موسع ومضيق ومقل ومكثر، مثل: الإجماع، والقياس، والاستحسان، والمصالح المرسلة، وأقوال الصحابة، وشرع من قبلنا، وغير ذلك من مآخذ الاجتهاد، وطرائق الاستنباط.
وفي أحكام الشريعة نجدها تنقسم إلى قسمين بارزين:
أ- قسم يمثل الثبات والخلود.
ب- وقسم يمثل المرونة والتطور.
نجد الثبات يتمثل في عقائد الإيمان الأساسية الخمس، من الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وهي التي ذكرها الله في غير موضع من كتابه المجيد، كقوله سبحانه: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ [البقرة: ١٧٧]، وقوله جل في علاه: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١٣٦)﴾ [النساء: ١٣٦]، وفي أركان الإسلام العملية الخمسة من الشهادتين وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت الحرام، وهي التي صح عن الرسول ﷺ أن الإسلام بُني عليها.
وفي المحرمات اليقينية من السحر، وقتل النفس، والزنى، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات، والتولي يوم الزحف والغصب والسرقة والغيبة والنميمة وغيرها مما يثبت بقطعي القرآن والسنة.
وفي أمهات الفضائل من الصدق، والأمانة، والعفة، والصبر، والوفاء بالعهد،
стр. 38
والحياء، وغيرها من مكارم الأخلاق التي اعتبرت في القرآن والسنة من شعب الإيمان.
وفي شرائع الإسلام القطعية في شؤون الزواج، والطلاق، والميراث والحدود، والقصاص، ونحوها من نظم الإسلام التي ثبتت بنصوص قطعية الثبوت قطعية الدلالة فهذه الأمور ثابتة، تزول الجبال ولا تزول.
الثبات والمرونة في هدي القرآن: والذي يتدبر القرآن الكريم، يجد في آياته الكريمة دلائل جمة، على هذه الخصيصة البارزة، من خصائص الأمة المسلمة، وهي: الجمع بين الثبات والمرونة جمعًا متوازنًا عادلًا.
وإذا كان بالمثال يتضح المقال، فلا بأس أن نذكر هنا بعض الأمثلة التي توضح ما قيل: يتمثل الثبات في مثل قوله تعالى في وصف مجتمع المؤمنين: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: ٣٨]، وفي قوله لرسوله ﷺ : ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] فلا يجوز لحاكم، ولا لمجتمع، أن يلغي الشورى من حياته السياسية والاجتماعية، ولا يحل لسلطان أن يقود الناس رغم أنوفهم إلى ما يكرهون، بالتسلط والجبروت.
وتتمثل المرونة، في عدم تحديد شكل معين للشورى، يلتزم به الناس في كل زمان وفي كل مكان فيتضرر المجتمع بهذا التقييد الأبدي، إذا تغيرت الظروف بتغير البيئات أو الأعصار أو الأحوال، فيستطيع المؤمنون في كل عصر أن ينفذوا ما أمر الله به من الشورى بالصورة التي تناسب حالهم وأوضاعهم، وتلائم موقعهم من التطور، دون أي قيد يلزمهم بشكل جامد.
стр. 39
ب- يتمثل الثبات في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: ٥٨].
وقوله سبحانه: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [المائدة: ٤٩].
فأوجب التقيد بالعدل والالتزام بكل ما أنزل الله، والحذر من اتباع الأهواء، وكل هذا مما لا مجال للتساهل فيه، فهو يمثل جانب الثبات قطعًا في مجال الحكم والقضاء.
وتتمثل المرونة في عدم الالتزام بشكل معين للقضاء والتقاضي، وهل يكون من درجة أو أكثر؟ وهل يسير على أسلوب القاضي المفرد أم على أسلوب المحكمة الجماعية؟ وهل يكون هناك محكمة جنايات وأخرى للمدنيات. إلخ، كل هذا متروك لاجتهاد أولي الأمر، وأهل الحل والعقد في مثل هذه الأمور، وليس للشارع قصد فيه إلا إقامة العدل، ورفع الظلم، وتحقيق المصلحة، ودرء المفسدة.
لقد اهتم الشارع بالنص على المبدأ والهدف، ولكنه لم يعتن بالنص على الوسيلة والأسلوب، وذلك ليدع الفرصة، ويفسح الطريق للإنسان كي يختار لنفسه الأسلوب المناسب، والصورة الملائمة لزمنه وبيئته، ووضعه وحالته.
الثبات والمرونة في الهدي النبوي.
وإذا تأملنا في السنة المطهرة ـ قولًا وفعلًا وتقريرًا - وجدناها حافلة بشتى الأمثلة والدلائل التي يتمثل فيها الثبات والمرونة جنبًا إلى جنب.
стр. 40
(أ) يتمثل الثبات في رفضه ﷺ التهاون أو التنازل في كل ما يتصل بتبليغ الوحي أو يتعلق بكليات الدين، وقيمه، وأسسه العقائدية والأخلاقية.
ومهما حاول المحاولون أن يثنوا عنانه عن شيء من ذلك بالمساومات، أو التهديدات، أو غير ذلك من أنواع التأثير على النفس البشرية، فموقفه هو الرفض الحاسم، الذي علمه إياه ربه وأمره به في مواقف شتى، فحين عرض عليه المشركون أن يلتقوا في منتصف الطريق، فيقبل شيئًا من عبادتهم ويقبلوا شيئًا من عبادته، لو يعبد آلهتهم مدة، ويعبدون إلهه مدة كان الجواب الحاسم يحمله الوحي الصادق في سورة قطعت كل المساومات وحسمت كل المفاوضات، وهي قوله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٢) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٣) وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (٤) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٥) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (٦)﴾ [الكافرون: ١ - ٦].
ولما تلا عليهم آيات الله بينات، منكرة عليهم شركهم وعنادهم، ناعية ضلالهم وجحودهم، قالوا له ﷺ : ﴿ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ﴾ [يونس: ١٥]، فكان الرد القاطع تلقينًا من الله تعالى لرسوله ﷺ : ﴿قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥) قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٦)﴾ [يونس: ١٥، ١٦].
وهكذا تعلم ﷺ من وحي الله: أن لا تنازل ولا تساهل في أمور العقيدة وما يتصل بها.
وفي مقابل ذلك، نجد مرونة واسعة في مواقف السياسة ومواجهة الأعداء، بما