← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 749

عناية الإسلام بتربية الأبناء كما بينتها سورة لقمان

عرفة بن طنطاوي

Полный текст (624 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

الخصيصة البارزة لرسالة الإسلام، لا توجد في شريعة سماوية ولا وضعية، ولكن الشريعة الإسلامية، التي ختم الله بها الشرائع الربانية والرسالات السماوية، أودع الله سبحانه فيها عنصر الثبات والخلود، وعنصر المرونة والتطور معًا، وهذا من بدائع الإعجاز في هذه الشريعة الربانية، وآية من آياته، عمومها وخلودها، وبقائها وصلاحها لكل زمان ومكان. ونستطيع أن نحدد مجال الثبات، ومجال المرونة، في شريعة الإسلام ورسالته الشاملة الخالدة، فنقول: إن الثبات يكون على الأهداف والغايات، والمرونة تكون في الوسائل والأساليب، الثبات يكون على الأصول والكليات، والمرونة تكون في الفروع والجزئيات. الثبات يكون على القيم الدينية والأخلاقية، والمرونة تكون في الشؤون الدنيوية والعلمية. دلائل الثبات والمرونة في مصادر الإسلام وأحكامه. إن للثبات والمرونة مظاهر ودلائل شتى، نجدها في مصادر الإسلام، وشريعته وتاريخه، يتجلى هذا الثبات في «المصادر الأصلية النصية القطعية للتشريع» من كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ ، فالقرآن الكريم هو المصدر والأصل الأول للشريعة الإسلامية، والسنة هي الشرح النظري، والبيان العملي للقرآن الكريم، وهي المصدر الثاني، وكلاهما مصدر إلهي محفوظ، لا يسع مسلمًا الإعراض عنه، قال : ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [النور: ٥٤]، وقال جل شأنه: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [النور: ٥١] والآيات الكريمة في هذا الصدد كثيرة ومعلومة.

стр. 37

وتتجلى المرونة في «المصادر الاجتهادية» التي اختلف فقهاء الأمة في مدى الاحتجاج بها ما بين موسع ومضيق ومقل ومكثر، مثل: الإجماع، والقياس، والاستحسان، والمصالح المرسلة، وأقوال الصحابة، وشرع من قبلنا، وغير ذلك من مآخذ الاجتهاد، وطرائق الاستنباط. وفي أحكام الشريعة نجدها تنقسم إلى قسمين بارزين: أ- قسم يمثل الثبات والخلود. ب- وقسم يمثل المرونة والتطور. نجد الثبات يتمثل في عقائد الإيمان الأساسية الخمس، من الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وهي التي ذكرها الله في غير موضع من كتابه المجيد، كقوله سبحانه: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ [البقرة: ١٧٧]، وقوله جل في علاه: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١٣٦)﴾ [النساء: ١٣٦]، وفي أركان الإسلام العملية الخمسة من الشهادتين وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت الحرام، وهي التي صح عن الرسول ﷺ أن الإسلام بُني عليها. وفي المحرمات اليقينية من السحر، وقتل النفس، والزنى، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات، والتولي يوم الزحف والغصب والسرقة والغيبة والنميمة وغيرها مما يثبت بقطعي القرآن والسنة. وفي أمهات الفضائل من الصدق، والأمانة، والعفة، والصبر، والوفاء بالعهد،

стр. 38

والحياء، وغيرها من مكارم الأخلاق التي اعتبرت في القرآن والسنة من شعب الإيمان. وفي شرائع الإسلام القطعية في شؤون الزواج، والطلاق، والميراث والحدود، والقصاص، ونحوها من نظم الإسلام التي ثبتت بنصوص قطعية الثبوت قطعية الدلالة فهذه الأمور ثابتة، تزول الجبال ولا تزول. الثبات والمرونة في هدي القرآن: والذي يتدبر القرآن الكريم، يجد في آياته الكريمة دلائل جمة، على هذه الخصيصة البارزة، من خصائص الأمة المسلمة، وهي: الجمع بين الثبات والمرونة جمعًا متوازنًا عادلًا. وإذا كان بالمثال يتضح المقال، فلا بأس أن نذكر هنا بعض الأمثلة التي توضح ما قيل: يتمثل الثبات في مثل قوله تعالى في وصف مجتمع المؤمنين: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: ٣٨]، وفي قوله لرسوله ﷺ : ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] فلا يجوز لحاكم، ولا لمجتمع، أن يلغي الشورى من حياته السياسية والاجتماعية، ولا يحل لسلطان أن يقود الناس رغم أنوفهم إلى ما يكرهون، بالتسلط والجبروت. وتتمثل المرونة، في عدم تحديد شكل معين للشورى، يلتزم به الناس في كل زمان وفي كل مكان فيتضرر المجتمع بهذا التقييد الأبدي، إذا تغيرت الظروف بتغير البيئات أو الأعصار أو الأحوال، فيستطيع المؤمنون في كل عصر أن ينفذوا ما أمر الله به من الشورى بالصورة التي تناسب حالهم وأوضاعهم، وتلائم موقعهم من التطور، دون أي قيد يلزمهم بشكل جامد.

стр. 39

ب- يتمثل الثبات في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: ٥٨]. وقوله سبحانه: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [المائدة: ٤٩]. فأوجب التقيد بالعدل والالتزام بكل ما أنزل الله، والحذر من اتباع الأهواء، وكل هذا مما لا مجال للتساهل فيه، فهو يمثل جانب الثبات قطعًا في مجال الحكم والقضاء. وتتمثل المرونة في عدم الالتزام بشكل معين للقضاء والتقاضي، وهل يكون من درجة أو أكثر؟ وهل يسير على أسلوب القاضي المفرد أم على أسلوب المحكمة الجماعية؟ وهل يكون هناك محكمة جنايات وأخرى للمدنيات. إلخ، كل هذا متروك لاجتهاد أولي الأمر، وأهل الحل والعقد في مثل هذه الأمور، وليس للشارع قصد فيه إلا إقامة العدل، ورفع الظلم، وتحقيق المصلحة، ودرء المفسدة. لقد اهتم الشارع بالنص على المبدأ والهدف، ولكنه لم يعتن بالنص على الوسيلة والأسلوب، وذلك ليدع الفرصة، ويفسح الطريق للإنسان كي يختار لنفسه الأسلوب المناسب، والصورة الملائمة لزمنه وبيئته، ووضعه وحالته. الثبات والمرونة في الهدي النبوي. وإذا تأملنا في السنة المطهرة ـ قولًا وفعلًا وتقريرًا - وجدناها حافلة بشتى الأمثلة والدلائل التي يتمثل فيها الثبات والمرونة جنبًا إلى جنب.

стр. 40

(أ) يتمثل الثبات في رفضه ﷺ التهاون أو التنازل في كل ما يتصل بتبليغ الوحي أو يتعلق بكليات الدين، وقيمه، وأسسه العقائدية والأخلاقية. ومهما حاول المحاولون أن يثنوا عنانه عن شيء من ذلك بالمساومات، أو التهديدات، أو غير ذلك من أنواع التأثير على النفس البشرية، فموقفه هو الرفض الحاسم، الذي علمه إياه ربه وأمره به في مواقف شتى، فحين عرض عليه المشركون أن يلتقوا في منتصف الطريق، فيقبل شيئًا من عبادتهم ويقبلوا شيئًا من عبادته، لو يعبد آلهتهم مدة، ويعبدون إلهه مدة كان الجواب الحاسم يحمله الوحي الصادق في سورة قطعت كل المساومات وحسمت كل المفاوضات، وهي قوله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٢) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٣) وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (٤) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٥) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (٦)﴾ [الكافرون: ١ - ٦]. ولما تلا عليهم آيات الله بينات، منكرة عليهم شركهم وعنادهم، ناعية ضلالهم وجحودهم، قالوا له ﷺ : ﴿ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ﴾ [يونس: ١٥]، فكان الرد القاطع تلقينًا من الله تعالى لرسوله ﷺ : ﴿قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥) قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٦)﴾ [يونس: ١٥، ١٦]. وهكذا تعلم ﷺ من وحي الله: أن لا تنازل ولا تساهل في أمور العقيدة وما يتصل بها. وفي مقابل ذلك، نجد مرونة واسعة في مواقف السياسة ومواجهة الأعداء، بما

стр. 41

يتطلبه الموقف المعين، من حركة ووعي وتقدير لكل الجوانب والملابسات، دون تزمت أو تشنج أو جمود، نجده ﷺ في يوم الأحزاب مثلًا يأخذ برأي (سلمان) ﵁ في حفر الخندق حول المدينة، ويشاور بعض رؤساء الأنصار في إمكان إعطاء بعض المهاجمين مع قريش جزءًا من ثمار المدينة، ليردهم ويفرقهم عن حلفائهم، كسبًا للوقت إلى أن يتغير الموقف، ويقول لنعيم بن مسعود الأشجعي ﵁ وقد أسلم، وأراد الانضمام إلى صفوف المسلمين: «إنما أنت رجل واحد، فخذِّل عنا ما استطعت»، فيقوم الرجل بدور له شأنه في التفريق بين قريش وغطفان ويهود بني قريظة (١)، وفي يوم الحديبية تتجلى المرونة النبوية بأروع صورها. * تتجلى في قوله ذلك اليوم: «والله لا تدعوني قريش اليوم إلى خطة يسألونني فيها صلة الرحم إلا أعطيتهم إياها» (٢). * وفي قبوله ﷺ أن يكتب في عقد الصلح: «باسمك اللهم» بدلًا من «بسم الله الرحمن الرحيم» وهي تسمية رفضتها قريش. * وفي قبوله ﷺ أن يمحو كلمة «رسول الله» بعد اسمه الكريم، على حين رفض (علي) ﵁ أن يمحوها بعد كتابتها (٣). * وفي قبوله من الشروط ما في ظاهره إجحاف بالمسلمين، وإن كان في عاقبته

стр. 42

الخير كل الخير، والسر في هذه المرونة هنا، والتشدد في المواقف السابقة: أن المواقف الأولى تتعلق بالتنازل عن العقيدة والمبدأ، فلم يقبل فيها أي مساومة أو تساهل، ولم يتنازل قيد أنملة عن دعوته. أما المواقف الأخيرة فهي تتعلق ببيان المرونة في الفقه الإسلامي، ومن هذا وذاك يتبين أن الفقه الإسلامي يجمع بين خاصتي الثبات والتطور. ولا عجب بعد ما ذكرنا من هدي القرآن الكريم وسنة الرسول ﷺ ، ومواقف الصحابة ﵃، من الثبات والمرونة؛ أن نجد الفقه الإسلامي بمختلف مدارسه ومذاهبه يسير في نفس هذا الاتجاه ثابتًا على الأصول والكليات، مرنًا متطورًا في الفروع والجزئيات. إنه لا يعطي المسلم حرية مطلقة في تنظيم حياته ولو على حساب عقائده وقيمه ومفاهيمه، كما أنه لا يقيده في كل شؤونه بتشريعات مفصلة دائمة، لا يستطيع الفكاك منها. فالفقيه المسلم، مقيد حقًّا بالنصوص المحكمة الثابتة من القرآن والسنة، وهي المجزوم بثبوتها، القواطع في دلالتها، التي أراد الشارع الحكيم أن تلتقي عندها الأفهام، ويرتفع عندها الخلاف، وينعقد عليها الإجماع، فهي أساس الوحدة الفكرية والسلوكية، للمجتمع المسلم، وهي للأمة كالجبال للأرض تمسكها أن تميد، وتحميها أن تضطرب وتتزلزل، وهذا النوع من النصوص قليل جدًّا بالنسبة إلى سائر النصوص. ومع هذا التقيد الملزم، يجد الفقيه المسلم نفسه في حرية واسعة أمام منطقتين فسيحتين، من مناطق الاجتهاد وإعمال الرأي والنظر (١).

стр. 43

ولذا فقد تمثلت عظمة الإسلام ومبادئه الخالدة في عنصر الثبات والخلود، وعنصر المرونة والتطور معًا، مما جعله صالحًا لكل زمان ومكان. فالثبات على الأهداف والغايات أضفى القدسية والاحترام على مبادئه، وأدخل الطمأنينة على نفس معتنقيه، والمرونة في الوسائل والأساليب أضفت الحيوية واستيعاب المستجدات في الشؤون الدنيوية، والعلوم التجريبية. فمثلًا الشورى والحكم بالعدل من الثوابت، أما الوسيلة فمتروكة للاجتهاد كما تبين آنفًا. والتطور والثبات ملائمان لسنن الله في الكون وفي الفطرة الإنسانية، فإن فيهما الثبات الدائم والمتغير المتحول. وبهذه الخصيصة تستطيع الأمة الإسلامية أن تستمر وترتقي في مدارج التقدم مع المحافظة على قيمها وعقائدها وأخلاقها (١).

стр. 44

المطلب الثالث روافد التربية الإسلامية هي المؤسسات التي تتولى عملية التربية مع بيان أثرها في تربية الفرد والمجتمع ويأتي من أبرز وأهم هذه المؤسسات التربوية في المجتمع: الأسرة والمسجد والمدرسة ووسائل الإعلام ونحوها من المؤسسات المختلفة التي تؤثر على تربية الناشئة سواءً كان ذلك التأثير بطريقةٍ مُباشرةٍ أو غير مباشرة. ومعنى هذا أن تربية الناشئة لا يمكن أن تتم إلا من خلال بعض المؤسسات أو الوسائط الاجتماعية المختلفة (١). ويأتي من أبرز هذه المؤسسات التربوية والتعليمية ما يلي:

стр. 45

أولا: الأسرة دور الأسرة في رعاية الأولاد: إن وجود الأسرة هو امتداد للحياة البشرية، وسر البقاء الإنساني، فكل إنسان يميل بفطرته إلى أن يَظْفَرَ ببيتٍ وزوجةٍ وذريةٍ.، ولما كانت الأسرة اللبنة الأولى في بناء المجتمع لكونها رابطة رفيعة المستوى محددة الغاية، فقد رعتها الشرائع السماوية عمومًا؛ والإسلام خصوصًا، وإن كان الإسلام تميز بالرعاية الكبرى، قال تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ﴾ [الأحزاب: ٧٢]. جاء ضمن معاني الأمانة؛ أمانة الأهل والأولاد، فيلزم الولي أن يأمر أهله وأولاده بالصلاة، ويحفظهم من محارم الله، لأنه مؤتمن ومسؤول عما استرعاه الله (١)، وإِنَّ التأكيد على أهمية دور الأسرة في رعاية الأولاد، لمن أَجَلِّ الأمور، التي يجب أن تتضافر جهود الآباء والأمهات، وأهل العلم، والدعاة، والتربويين، والإعلاميين وكل من له صلة وعناية بالتربية. للمحافظة على بناء الأسرة الصالحة في المجتمع، فهي أمانة أمام الله-تعالى- نحن مسؤولون عنها، فالمرء يُجزى على تأدية الحقوق المتعلقة بأسرته، إِنْ خيرًا فخيرٌ وإن شرًّا فشرٌّ،

стр. 46

قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ [الزلزلة: ٧، ٨]، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم: ٦]. … وانطلاقًا من هذه الأهمية الكبرى نتناول الحديث عما يلي: ١ - تعريف الأسرة. ٢ - مسؤولية الأسرة التربوية تجاه الأبناء. ٣ - أهمية المعاملة الحسنة (المعتدلة). ٤ - التحذير من أهم المخاطر التي تواجه الأسرة. أولاً - تعريف الأسرة: قال ابن منظور: «أُسرةُ الرجل: عشيرتُه ورهطُهُ الأدْنَوْنَ؛ لأنه يتقوى بهم، والأُسرةُ: عشيرةُ الرجل وأهلُ بيته» (١). وقد جاء في كتاب الله ذِكْرُ الأزواج والبنين والحفدة، بمعنى الأسرة، قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ﴾ [النحل: ٧٢]. يذكر تعالى نعمه على عبيده، بأن جعل لهم من أنفسهم أزواجًا من جنسهم وشكلهم، ولو جعل الأزواج من نوع آخر لما حصل ائتلاف ومودة ورحمة، ولكن من رحمته خلق من بني آدم ذكورًا وإناثًا، وجعل الإناث أزواجًا

стр. 47

للذكور (١). يقول ابن سعدي ﵀: «يُخبر تعالى عن منَّتِه العظيمة على عباده، حيث جعل لهم أزواجًا، ليسكنوا إليها، وجعل لهم من أزواجهم، أولادًا تَقَرُّ بهم أعينُهم ويخدمُونهُم، ويقضُون حوائِجَهم، وينتفعون بهم من وجوه كثيرة، ورزقهم من الطيبات من المآكل، والمشارب، والنعم الظاهرة، التي لا يقدر العباد أن يحصوها» (٢). وتُعد الأسرة أهم المؤسسات التربوية الاجتماعية التي لها الكثير من الوظائف، وعليها العديد من الواجبات الأساسية حيث تُعتبر بمثابة المحضن الأول الذي يعيش الناشئ فيها أطول فترةٍ من حياته، كما أنه يأخذ عن الأُسرة العقيدة، والأخلاق، والأفكار، والعادات، والتقاليد، وغير ذلك من السلوكيات الإيجابية أو السلبية. وللأسرة وظائف كثيرة ومتنوعة لا سيما أنها تُعنى بتنمية ورعاية جميع الجوانب الشخصية للناشئ في مراحل عمره المختلفة. ويجب أن يعلم الوالدان أن الله تعالى قد استرعاهم رعية، ووجب عليهم أداء الأمانة كما أمرهم الله تعالى بذلك في محكم التنزيل، وجاءت السنَّة النبوية مؤكدة لهذا الأمر في كثير من الأحاديث الصحيحة، كما جاءت نصوص الوحي بالوعيد لمن لم يحط رعيته بنصح، ولمن فرَّط في الأمانة التي ائتمنه الله عليها. فعن مَعْقِلِ بْنِ يسار المُزنيِّ ﵁ قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: «مَا مِنْ

стр. 48

عَبْدٍ يَسْتَرعِيهِ اللهُ رَعِيَّة يَموتُ يَوْمَ يَمُوتُ وهو غَاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ إِلا حَرَّمَ اللهُ عليه الجَنَّةَ»، وفي رواية: «فَلَمْ يَحُطْها بِنَصِيحَةٍ إِلا لَمْ يَجِدْ رَائِحَةَ الجَنَّةِ» (١)، وعلى الرغم من اشتراك الأسرة المسلمة مع غيرها من الأسر في أداء بعض الوظائف التربوية؛ إلا أن للأُسرة المسلمة بعضًا من الوظائف التربوية المميزة، انطلاقًا من دينها ودافعًا من عقيدتها التي تؤمن بها. ثانيًا-مسؤولية الأسرة التربوية تجاه الأبناء: للأسرة المسلمة مسؤولية ووظائف تربوية مميزة من أبرزها ما يلي: ١) العمل على تزويد المجتمع المسلم بالذرية الصالحة التي رغب فيها ديننا الحنيف والتي تكون عاملًا قويًا في تحقق واستمرار الحياة الأُسرية، وضمان استقرارها. ٢) تحقيق عوامل السكون النفسي والطمأنينة لجميع أفراد الأسرة حتى تتم عملية تربيتهم في جوٍّ مُفعمٍ بالسعادة والسرور بعيدًا عن القلق والتوتر والاضطراب والضياع. ويأتي ذلك تحقيقًا لقوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الروم: ٢١]. ٣) حُسن تربية الأبناء والقيام بواجب التنشئة الاجتماعية السليمة والتربية الإيمانية الإيجابية السديدة، والعمل على صيانة فطرتهم عن الانحراف

стр. 49

والضلال، تحقيقًا لقوله ﷺ : «كُلُّ مولودٍ يُولدُ على الفطرة فأبواهُ يُهوِّدانِهِ، أو يُنصِّرانِهِ، أو يُمجِّسانِهِ كما تُنتَج البهيمةُ بهيمةً جمعاء، هل تحسُّون فيها من جدعاء؟» (١). يقول ابن حجر ﵀: «يريد أنها تُولد لا جدع فيها، وإنما يجدعها أهلُها» (٢). يقول الغزالي (٣): «فالأولاد قلوبهم الطاهرة جواهر نفيسة خالية من كل نقش وصورة، وهم قابلون لكل ما ينقش عليها، فإن عُوِّدُوا الخير والمعروف نشأوا عليه، وسُعِدوا في الدنيا والآخرة، وشاركوا في ثواب والديهم، وإن عُوِّدُوا الشر والباطل، شقُوا وهلكُوا، وكان الوِزْرُ في رقبة والديهم، والوالي لهم» (٤).

стр. 50

٤) توفير مقومات التربية الإسلامية الصحيحة والعناية بمختلف الجوانب الشخصية للناشئة (عقديًّا، وروحيًّا، وعقليًّا، وجسميًّا). والحرص على توازن وتكامل تلك المقومات لما لتكاملها وتوازنها من الأثر الكبير في تنشئة وتكوين الشخصية المسلمة السوية، والعمل على تفاعلها وتكيفها وتعاملها مع المجتمع بمختلف فئاته وطبقاته بصورةٍ إيجابيةٍ سليمة وسديدة، وبصفة دائمة مستديمة.

стр. 51

٥) الحرص على توعية الناشئة بكل نافعٍ ومفيد، والعمل على تصحيح مفاهيمهم المغلوطة والتي أغلبها يلقى عليهم عبر وسائل الإعلام ووسائل التواصل والتقنية الحديثة المختلفة وغيرها، وحمايتهم من كل ما يُهدد سلامتهم وسلامة قلوبهم وعقولهم من الغزو العقائدي والفكري والخلقي، وتعليمهم الأخلاق الإسلامية الكريمة والصفات الطيبة الحميدة، والآداب الفاضلة، والعادات والشيم الحسنة، وتربيتهم عليها عمليًّا، حتى يشبوا عليها ويألفوها، ويتعودوا على مبدأ التحلي بالفضائل ومكارم الأخلاق، والتخلي عن الرذائل وسفاسف الأمور. ٦) العمل على إكساب الناشئة الخبرات الأساسية والمهارات الأولية اللازمة لتحقيق تكيفهم وتفاعلهم المطلوب مع الحياة ومتطلباتها ومستجداتها، وإكسابهم الثقة بالنفس، والقدرة على التعامل مع الآخرين، وتربيتهم وتدريبهم على تحمل المسؤولية منذ نعومة أظفارهم بحسب إمكاناتهم وبقدر ما يطيقون ويتحملون من الأعمال بلا إفراط ولا تفريط عملًا بقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣]، أي: عدولًا خيارًا، وكذلك إزجاء وملء أوقاتهم بكل ما يعود نفعه عليهم وعلى مجتمعاتهم وأمتهم بكل خير، يقول النبي ﷺ : «نعمتانِ مغبونٌ فيهما كثيرٌ من الناس، الصِّحة والفراغ» (١)، وكذلك الحرص على تعويدهم حضور حلق العلم ومجالس الذكر، والحرص على إلحاقهم بحلق تحفيظ القرآن الكريم، وإعانتهم على حفظ ما يتيسر لهم من سنة النبي الكريم ﷺ ، والاطلاع على سيرته العطرة المباركة ليتعلموا هديه في عبادته

стр. 52

ومعاملاته، وكذلك ليتعلموا شمائله الكريمة، وصفاته الطيبة، وأخلاقه الحميدة، وسمته الحسن ﷺ ، وكذلك سير أئمة الهدى ومصابيح الدجى من أصحابه الكرام وأنصاره على دينه ﵃ وكذلك سير أعلام وأئمة الإسلام وسير الصالحين وسير كل من له قدم صدق في نصرة دين الله وإعلاء كلمته في الأرض، وكذلك الاستماع إلى الدروس العلمية والمواعظ النافعة، والحرص كذلك على تعليمهم الأذكار الموظفة وإلى كل ما من شأنه النفع والإعانة على تربيتهم والأخذ بأيديهم إلى الصراط المستقيم وثباتهم عليه حتى يلقوا ربهم، ليعذروا بعد ذلك في أداء تلك الأمانة العظيمة والتي سيسألون عنها بين يدي جبار السموات والأرض، يقول ﷺ : «ألا كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته، فالإمام الذي على الناس راعٍ، وهو مسؤول عن رعيته، والرجل راعٍ على أهل بيته، وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة راعية على أهل بيت زوجها وولده، وهي مسؤولة عنهم» (١)، وكذلك من أوجب الواجبات على الوالدين عمومًا وعلى الأب خصوصًا عدم تمكين الأبناء من المحرمات بأنواعها أو التساهل بحجة أنه ما يزال صغيرًا أو غير ذلك من الحجج الواهية. يقول ابن القيم ﵀: «والصبي وإن لم يكن مكلفًا: فوليُّه مكلَّف، لا يحل له تمكينه من المحرَّم، فإنه يعتاده، ويعسر فطامه عنه» (٢). وذلك تحقيقًا واستجابة لأمر ربنا القائل في محكم التنزيل: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم: ٦].

стр. 53

- قال أميرُ المؤمنين عليٌّ ﵁: «أدِّبوهم وعلِّموهمُ الخيرَ». - وقال قتادةُ (١) ﵀: «تأمرهم بطاعة الله، وتنهاهم عن معصية الله، وأن تقوم عليهم بأمر الله، وتأمرهم به، وتساعدهم عليه، فإذا رأيتَ لله معصية؛ زجرتَهم عنها» (٢). - قال ابن سعدي -رحمه الله تعالى: «ووقاية الأنفس بإلزامها أمر الله امتثالًا ونهيه اجتنابًا والتوبة عما يسخط الله ويوجب العذاب، ووقاية الأهل، والأولاد بتأديبهم وتعليمهم وإجبارهم على أمر الله، فلا يسلم العبد إلا إذا قام بما أمر الله به في نفسه وفيمن تحت ولايته من الزوجات والأولاد وغيرهم ممن هم تحت ولايته وتصرفه» (٣). - وقال ابن مسعود ﵁: «إن الله سائل كل ذي رعية فيما استرعاه، أقام أمر الله فيهم أم أضاعه؟ حتى إن الرجل ليسأل عن أهل بيته» (٤).

стр. 54

وهذه الرعاية التي فرضها الله على الآباء وسيسألهم عنها يوم القيامة تتمثل في أداء الحقوق والواجبات. - ويقول ابن القيم ﵀ أيضًا: «فمن أهملَ تعليمَ ولدِهِ ما ينفعه، وَتَرَكَهَ سُدى، فقد أَساءَ إليه غايةَ الإساءة، وأكثرُ الأولادِ إِنما جاء فسادُهُم من قِبَلِ الآباءِ وإهمالِهِم لهم، وتركِ تعليمِهِم فرائضَ الدينِ وَسُنَنَه، فأضاعوهم صغارًا، فلم ينتفعوا بأنفسِهِم ولم ينفعوا آباءَهُم كِبَارًا» (١). - وقال ابن حجر (٢) -رحمه الله تعالى: «وهو مسؤول عنهم لأنه أُمر أن

стр. 55

يحرص على وقايتهم من النار، وامتثال أوامر الله واجتناب مناهيه» (١).

стр. 56

وقال: قال مجاهد: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ﴾ [التحريم: ٦] أوصوا أنفسكم وأهليكم بتقوى الله وأدبوهم (١) فلا أعز على الإنسان من نفسه ولا أقرب له من أهله، ولا سعادة تعدل سعادة نجاة الإنسان وأهله يوم القيامة، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [الطور: ٢١]. وفي المقابل فإن خسارتهم يوم القيامة تعد خسارة عظيمة، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الزمر: ١٥]. لذا فمن أولى أولويات الآباء في تربية الأبناء، وأوجب الواجبات في رعايتهم، وأحق الحقوق هو حقهم في البناء الإيماني الذي يؤهلهم لما ينتظرهم في دنياهم وآخرتهم. ولا شك أن من كان في إيمانه أعمق كان في كل جوانب حياته أنجح، فلا أقل من أن يعرف كيف يستعين بربه في جميع أموره، وهو الأكثر يقينًا حال استعانته، وإن كان يجهل طريق الوصول لما يريد فإنه يعلم كيف يسأل الله أن يعلمه ويهديه إلى سواء السبيل.

стр. 57

قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧]. ومن وفقه الله لأداء هذا الحق لأبنائه حبًّا لله وخوفًا منه فهو الذي قد أدى حق ربه وحق أبنائه على أكمل وجه، ومثله حري به أن يحسن على ذاك السؤال جوابًا: وأما من أساء وظلم فليعد للسؤال جوابًا وللجواب صوابًا. ٧) الأمر باعتناق العقيدة الصحيحة وتعلمها: تعريف الأبناء بأهمية التوحيد، وعرضه عليهم بأسلوب يسير (سهل). يناسب عقولهم ومداركهم ومراحلهم العمرية مع بثّ روح المراقبة لله والخوف منه ، مع بيان أسمائه وصفاته التي تدل على اطلاعه على خلقه وسعة علمه سبحانه بعباده، كالعليم والسميع والبصير مع بيان مدلولاتها ومعانيها، وأثرها في سلوكهم، وبيان معيته لخلقه بعلمه وسمعه ورؤيته لعباده (مع علوه جل في علاه).، قال مخاطبًا نبيه وكليمه موسى وأخاه هارون ﵇: ﴿قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: ٤٦]. - قال الحافظ ابن كثير -رحمه الله تعالى: «﴿قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: ٤٦] أَيْ: لَا تَخَافَا مِنْهُ فَإِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَع كَلَامكُمَا وَكَلَامه وَأَرَى مَكَانكُمَا وَمَكَانه لَا يَخْفَى عَلَيَّ مِنْ أَمْركُمْ شَيْء وَاعْلَمَا أَنَّ نَاصِيَته بِيَدِي فَلَا يَتَكَلَّم وَلَا يَتَنَفَّس وَلَا يَبْطِش إِلَّا بِإِذْنِي وَبَعْد أَمْرِي وَأَنَا مَعَكُمَا بِحِفْظِي وَنَصْرِي وَتَأْيِيدِي» (١).

стр. 58

٨) وكذلك حثّ الأبناء على الطهارة وتعلم صفة وضوء النبي ﷺ عمليًّا، وكذلك صفة صلاته صلوات الله وسلامه عليه، كما رغبنا ﷺ في ذلك في صحيح سنته: فـ (عَن حُمْرَانَ (١) -مَوْلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ﵄، أَنَّهُ رَأَى عُثْمَانَ دَعَا بِوَضُوءٍ -الوَضُوء بفتح الواو الماء الذي يتوضأ به، وبضمها غسل أعضاء الوضوء-، فَأَفْرَغَ عَلَى يَدَيْهِ مِن إِنَائِهِ، فَغَسَلَهُمَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ أَدْخَلَ يَمِينَهُ فِي الوَضُوءِ، ثُمَّ تَمَضْمَضَ وَاسْتنْشَقَ وَاسْتَنْثَرَ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا، وَيَدَيْهِ إِلَى المِرْفَقَيْنِ ثَلَاثًا ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ، ثُمَّ غَسَلَ كِلْتَا رِجْلَيْهِ ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَتَوَضَّأُ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا، وَقَالَ: «مَنْ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ لا يُحَدِّثُ فِيهِمَا نَفْسَهُ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» (٢). وكذلك تعليمهم إقامة الصلاة وتعويدهم على أدائها في جماعة على الوجه الصحيح والمطلوب شرعًا، عملًا بقوله ﷺ : «صلوا كما رأيتموني أصلي» (٣). واستجابة لأمره ﷺ ، القائل: «علموا أولادكم الصلاة إذا بلغوا سبعًا، واضربوهم عليها إذا بلغوا عشرًا، وفرقوا بينهم في المضاجع» (٤). وهنا تجدر الإشارة إلى أن الدور التربوي للأُسرة في عصرنا الحاضر قد

стр. 59

تقلص بعض الشيء ولم يعد بنفس المنزلة التي كان عليها من قبل، والسبب في ذلك أن هناك مؤسساتٍ اجتماعيةً أُخرى تمكنت في العصر الحاضر من مُزاحمة الأسرة والسيطرة على معظم الوقت الذي يقضيه الناشئ تحت تأثيرها، ومن هذه المؤسسات وسائل الإعلام التي تُعد بحق في عصرنا أهم وأبرز المؤسسات التربوية الاجتماعية المؤثرة تأثيرًا فاعلًا في حياة الإنسان صغيرًا كان أم كبيًرا، جاهلًا أم مُتعلمًا، ذكرًا أم أُنثى، سلبًا وإيجابًا، بخيرها وشرها، بحلوها ومرها (١). ٩) العدل بين الأولاد وحسن معاملتهم: لقد حثّنا ديننا الحنيف وأمرنا بالعدل بين الأبناء في المعاملة وفي كل عطاء معنويًّا كان أم ماديًّا، وأوامر النبي ﷺ في هذا المعنى متوافرة في سنته المطهرة. فعَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ أَبَاهُ أَتَى بِهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ إِنِّي نَحَلْتُ ابْنِي هَذَا غُلَامًا كَانَ لِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَكُلَّ وَلَدِكَ نَحَلْتَهُ مِثْلَ هَذَا؟» فَقَالَ: لَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «فَارْجِعْهُ» (٢). وفي لفظ آخر للشيخين أيضًا، عَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: تَصَدَّقَ عَلَيَّ أَبِي بِبَعْضِ مَالِهِ فَقَالَتْ أُمِّي؛ عَمْرَةُ بِنْتُ رَوَاحَةَ: لَا أَرْضَى حَتَّى تُشْهِدَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَانْطَلَقَ أَبِي إِلَى النَّبِيِّ ﷺ لِيُشْهِدَهُ عَلَى صَدَقَتِي، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَفَعَلْتَ هَذَا بِوَلَدِكَ كُلِّهِمْ؟» قَالَ: لَا، قَالَ: «اتَّقُوا اللَّهَ وَاعْدِلُوا فِي أَوْلَادِكُمْ». فَرَجَعَ أَبِي فَرَدَّ تِلْكَ الصَّدَقَةَ (٣). وفي لفظٍ لمسلم فقال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يَا بَشِيرُ، أَلَكَ

стр. 60

وَلَدٌ سِوَى هَذَا؟» قَالَ: نَعَمْ، فَقَالَ: «أَكُلَّهُمْ وَهَبْتَ لَهُ مِثْلَ هَذَا؟» قَالَ: لَا، قَالَ: «فَلَا تُشْهِدْنِي إِذًا، فَإِنِّي لَا أَشْهَدُ عَلَى جَوْرٍ» (١). - ووجه الدلالة على تحريم تفضيل بعض الأولاد على بعض من الحديث ظاهرة من وجوه: الأول: أمره بالعدل والأمر يقتضي الوجوب. الثاني: بيانه أن تفضيل أحدهم أو تخصيصه دون الباقين ظلم وجور، إضافة إلى امتناعه عن الشهادة عليه وأمره برده، وهذا كله يدل على تحريم التفضيل، والاستدلال أيضا بحجج عقلية؛ فمنها: ما ذكره ابن حجر حيث قال ﵀: «ومِن حجة مَن أوجب العدل: أن هذا مقدمة الواجب؛ لأن قطع الرحم والعقوق محرمان، فما يؤدي إليهما يكون محرمًا. والتفضيل مما يؤدي إلى ذلك» (٢). ويؤيد ذلك ما جاء في لفظٍ عند مسلم: «قَالَ فَأَشْهِدْ عَلَى هَذَا غَيْرِي»، ثُمَّ قَالَ: «أَيَسُرُّكَ أَنْ يَكُونُوا إِلَيْكَ فِي الْبِرِّ سَوَاءً؟» قَالَ: بَلَى، قَالَ: «فَلَا إِذًا» (٣). ومنها أن تفضيل بعضهم على بعض يورث العداوة والبغضاء فيما بينهم، وأيضا فيما بينهم وبين أبيهم فمنع منه، وهو في معنى السابق (٤).

стр. 61

ثالثًا- أهمية المعاملة الحسنة (المعتدلة): وتتباين معاملة الأسر لأولادهم في ثلاثة أنواع: النوع الأول: المعاملة القاسية: وتتسم بالشدة في التعامل كالزجر أو التهديد أو الضرب بدون ضوابط أو حدود مشروعة، أو الإهمال للأبناء بذريعة ظروف العمل، وكثرة الأسفار، أو غير ذلك من الحجج الواهية، فيحرم الأولاد من البرّ بهم والتعامل معهم. النوع الثاني: المعاملة اللينة: يُلَبَّى فيها كل ما يطلبه الأولاد، ويُطلق عليها «التربية المدللة» والإفراط في الدلال يؤدي إلى إيجاد شخصية فوضوية، أو كما قالوا قديمًا: «زيادة الدلال تؤدي إلى الانحلال». النوع الثالث: المعاملة المعتدلة (المعاملة الحسنة): تعتمد على المزج بين العقل والعواطف، وتوجيه النصح والإرشاد، وبهذا تتكون شخصية سليمة وصحيحة، وإذا لم يستجب الأولاد بالإرشاد والتوجيه يلجأ الأبوان إلى توبيخهم ثم هجرهم ثم حرمانهم من بعض الأشياء والأمور المحببة إليهم أحيانًا، وأخيرًا إلى ضربهم -إذا لزم الأمر -ضرب تأديب ورحمة-لا ضرب تَشَفٍّ وانتقام- لإعادتهم إلى الطريق الصحيح، وهذا النوع من المعاملة هو المعاملة الصحيحة التي ينبغي أن تسير عليها الأسرة، «وإن حبّ الطفل لا يعني بالطبع عدم تأديبه وتعليمه آداب السلوك الاجتماعي منذ الصغر، مثل تعويده على التعامل الحسن مع أصدقائه وتعويده على احترام من هو أكبر سنًّا منه، وتعميق الرقابة الذاتية لديه، أي: قدرته على تحديد الضوابط

стр. 62

لسلوكه تجاه الآخرين؛ فإذًا لا بُدَّ من التوازن بين التأديب للطفل والتعاطف معه، فكما أنه لا يصلح الخضوع الدائم لطلبات الطفل، فإنه لا يصلح استمرار الضغط عليه وكَبْتِهِ، فالتدليل الزائد لا يُعَوِّدُهُ على مواجهة صعوبات الحياة، والضغط الزائد يجعله منطويًا على نفسه مكبوتًا يعاني من الحرمان» (١). رابعًا- التحذير من أهم المخاطر التي تواجه الأسرة: مخاطر تواجه الأسرة: هناك مخاطر عديدة تواجهها الأسرة، ولا يمكن الإسهاب في تناولها، فنتناول أبرزها بإيجاز: أ-التناقض بين أقوال الوالدين وأفعالهما: إن التناقض بين أقوال الوالدين وأفعالهما يترك أثرًا سلبيًّا في نفوس الأبناء ويجعلهم في حيرة من أمرهم لما يرون من تضارب بين الأقوال والأفعال الصادرة من الوالدين، فلا تحدث القناعة الداخلية بأوامر الوالدين لدى الأبناء ولو تظاهروا بالاستجابة لتلك الأوامر ظاهريًّا، كالأب الذي يدخن أمام أبنائه ثم يحدثهم عن ضرر التدخين وأثره على صحتهم وأنه من الخبائث ونحو ذلك، أو كالأم التي تحذر أبناءها من الكذب ثم يرونها تكذب على أبيهم مثلًا. والله يقول في مثل هذا الصدد: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢)﴾ [الصف: ٢]. وسيأتي معنا مبحث التربية بالقدوة منفردًا لأهميته ومكانته وخطورته.

стр. 63

ب- الانفصام بين روافد التربية وهي (الأسرة والمدرسة والمسجد ووسائل الإعلام): وسيأتي بيان أهمية وجوب التواصل بين روافد التربية مجتمعة في ختام هذا المبحث المهم بإذن الله تعالى. ج-وجود الخادمات والمربيات في البيوت: أصبح وجود الخادمات والمربيات ظاهرة اجتماعية بارزة في المجتمع الإسلامي العربي. ولا شك أن وجود هؤلاء الخادمات والمربيات له آثاره السيئة والخطيرة في تنشئة الأبناء الدينية والأخلاقية والاجتماعية والنفسية، ولا سيما إنْ كنّ كافرات ومن ذوات الأخلاقيات المنحرفة والسلوكيات الرديئة غير الحميدة، فلا بد أن تعي كل أسرة مسلمة خطورة وجود الخادمات والمربيات الأجنبيات وبالأخص الكافرات وأبعاد ذلك -على العقيدة والأخلاق وعلى الثقافة والمفاهيم؛ بل وحتى على إضعاف اللغة العربية (لغة القرآن) سواءً على سبيل المحادثة أو الكتابة، وعلى التكوين النفسي والشخصي للأبناء، فعلى الأسرة المسلمة أن تحذر من شرورهن وخطورة وجودهن في البيوت، وأول هذه المخاطر وأهمها المخاطر العقدية المتعلقة بالعقيدة، والانحرافات عن العقيدة الإيمانية الصحيحة، وتلقين مبادئ العقائد والديانات المنحرفة للأطفال بالطريق المباشر أو غير المباشر بأداء شعائر الكفر وطقوسه أمام الأطفال مما يؤدي إلى اختلال العقيدة في نفوس الأبناء، وانحرافهم وتأثرهم بعقائد الخادمات الكافرات واصطباغهم بصبغتها، وأيضًا الحذر الشديد من المخاطر الأخلاقية واستعمال السحر والشعوذة وغيرها من الشرور، وكذلك الاحتفال

стр. 64

بأعياد الميلاد والمناسبات التي تتعلق بديانات الكفار، والتعود على شعائر الكفر وأعياد الكفر لا شك أنه نوع من أنواع انتزاع الولاء والبراء، وتقويض لعقيدة الولاء والبراء في نفوس الأولاد، والتي هي أوثق عُرَى الإيمان، وقيام الحب والبغض على غير أسس العقيدة، وأقل ما يمكن أن تحدثه الخادمة الكافرة في الإخلال بالعقيدة في نفس الولد أن توقع في نفسه حب الكفار واحترامهم، وموافقتهم على دينهم، من خلال حبه لها، وهذا هدم لمبدأ الولاء والبراء الذي تقوم عليه عقيدة المسلمين. ولله دَرُّ من قال: ولَيْسَ النَّبْتُ يَنْبُتُ فِي جِنَانٍ … كَمِثْلِ النَّبْتِ يَنْبُتُ فِي الفَلَاةِ فَكَيْفَ نَظُنُّ بِالأَبْنَاءِ خَيْرًا … إِذَا نَشَؤُوا بِحِضْنِ الجَاهِلَاتِ وَهَلْ يُرْجَى لِأَطْفَالٍ كَمَالٌ … إِذَا ارْتَضَعُوا ثُدِيَّ النَّاقِصَاتِ (١). وفي عهد دولة بني أمية كان استقدام الجواري والغلمان سببًا في الترف الذي أسقط الدولة. وأخيرًا: فإن كانت الحاجة إليهن ماسة وملحة وضرورية ولا بد منها، فلا بأس ولكن لا بد أنْ يَكنَّ مسلمات مؤمنات صالحات مستقيمات طاهرات عفيفات، ومع الضوابط الشرعية.

стр. 65

د- وسائل الإعلام: تؤكد نتائج الأبحاث والدراسات بما لا يدع مجالًا للشك أن الطفل العربي المسلم يتعرض لمؤثرات خطيرة، وأن شخصيته وهي في مراحل تكوينها تخضع لضغوط سلبية متنوعة. يقول أحد رؤوس الكفر المعاصرين: «لسنا نحن الذين سنغير العالم العربي، ولكنه ذلك الطبق الصغير الذي يرفعونه على أسطح منازلهم» (١)، وللأسف: فإن الحق ما شهدت به الأعداء: وأقول ما قاله النبي ﷺ لأبي هريرة ﵁ في قصته مع الشيطان وقد جاء يحثو من صدقة الفطر: «صدقك وهو كذوب، ذاك شيطان» (٢). وأقول ما قاله النبي ﷺ أيضًا لأُبَيِّ بن كعب ﵁ في خبره مع الشيطان وقد جاءه يسرق من تمره، قال له ﷺ : «صدقك الخبيث» (٣). فأقول: .. صدقنا وهو كذوب … صدقنا … والله … الخبيث … ذاك شيطان … (شيطان .. إنسي).

стр. 66

وسيأتي الكلام عن الإعلام بتوسع أكثر في موضعه من هذا المبحث بإذن الله تعالى. هـ- الفراغ وعدم الإفادة من الوقت: الفراغ من أهم أسباب الوقوع في المعاصي والمنكرات، والانحرافات الخلقية والسلوكية، ويرجع سبب وجود هذا الفراغ إلى: ١ - عدم معرفة الهدف الصحيح والغاية من الحياة التي بينها الله في آي التنزيل. فقال في محكم كتابه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات: ٥٦]. ٢ - وعدم وجود التصور الواضح المتكامل لهذه الحياة، والجهل بمهام المسلم ومسؤولياته في هذا الكون، فالنفس إذا لم تشغلها بالحق شغلتك بالباطل، وشغلها بالحق يكون بتزكيتها، وتهذيبها، وإلجامها عن الباطل؛ وإلا تعودت على السوء، واستمرت بالانحراف فخاب بذلك صاحبها، كما قال باريها: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (١٠)﴾ [الشمس: ٩، ١٠]. وقال الحسن البصري: «يا بن آدم، إنما أنت أيام إذا ذهب يومك ذهب بعضك». والوقت أعظم ما عنيت بحفظه … وأراه أسهل ما عليك يضيع إن الفراغ في حياة الناشئة أمره خطير، وشره مستطير، لما خص به الناشئة من خصوصيات كثيرة تختلف عن بقية مراحل عمر الإنسان، لأنها مرحلة ينشأ فيها الناشئ على ما عُوِّدَ عليه.

стр. 67

قال المعري: وينشأ ناشئ الفتيان منَّا … على ما كان عوده أبوه وما دان الفتى بحجا … ولكن يعلمه التدين أقربوه (١).

стр. 68

وقال أبو العتاهية: إنَّ الشَّباب والفراغ والجدة … مفسدة للمرء أيّ مفسدة (١). إذًا فلا بد من أمور: أولاً - استشعار أن الدنيا مزرعة الآخرة، فكما تزرع اليوم تحصد غدًا، فالزرع الطيب ينبت بإذن الله ثمرًا طيبًا، والذي لا يزرع في وقت البذار، تأوه نادمًا يوم الحصاد. - عن عبد الله بن وليد قال: سمعت عبد الرحمن بن حجيرة يحدث عن أبيه، عن ابن مسعود ﵁ أنه كان يقول إذا قعد يُذَكِّر: «إِنكم في ممر من الليل والنهار في آجال منقوصة، وأعمال محفوظة، والموت يأتي بغتة، فمن زرع خيرًا فيوشك أن يحصد رغبة، ومن زرع شرًّا فيوشك أن يحصد ندامة، ولكل زارع مثل ما زرع، لا يسبق بطيء بحظه، ولا يدرك حريص ما لم يقدر له، فإن أعطي خيرًا فالله أعطاه، ومن وقي شرًّا فالله وقاه، المتقون سادة، والفقهاء قادة، ومجالسهم زيادة» (٢).

стр. 69

هذا قول ابن مسعود ﵁، الصحابي الجليل والعالم والعابد الزاهد، فما قول المفرطين أمثالنا؟! ثانيًا - مصاحبة الجادين الحريصين على أوقاتهم، فإن القرين بالمقارن يقتدي. ثالثًا - ملء أوقات الفراغ بالأعمال الصالحة كالصلوات الخمس في المساجد فهي مما ينظم وقت الإنسان، ويكسبه الأجر العظيم، كما قال النبي ﷺ : «وانتظار الصلاة بعد الصلاة فذلكم الرباط» (١)، وقد جاء في حديث السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: «ورجل قلبه معلق بالمساجد» (٢). والمعنى: أنه ما يخرج من المسجد إلَّا ويفكر في العودة إليه، فهو يقضي وقته بين الجلوس في المسجد وانتظار وقت الصلاة ليعود إلى المسجد. ومنها: حفظ كتاب الله ومدارسته، فإنه الكتاب الذي لا تنقضي عجائبه ولا يخلق عن كثرة الرد؛ ومنها: حضور المجالس المباركة وحلق العلم، والأنشطة الشبابية في المخيمات والمكتبات والمدارس، فكل ذلك معين بإذن الله على حفظ الأوقات.

стр. 70

رابعًا - إشباع حاجات الناشئة البدنية والاجتماعية والمعرفية: ١ - فيتعلم ما حبب إليه من أنواع الرياضة المباحة التي تقوي بدنه وتعينه على طاعة ربه، كالسباحة والرماية وركوب الخيل. ٢ - ويشارك أقرانه من أقاربه وزملائه الأعمال الاجتماعية النافعة، والمتاحة ليتعود على تحمل المسؤولية والبذل لأمته في الكبر. ٣ - وكذلك تعلم بعض المهارات كإتقان علوم الحاسب الآلي، وكيفية إعداد البرامج المفيدة، والعروض الشيقة. فكم من مهارة يجهلها الإنسان لو حرص على تعلمها لفاق إخوانه وبز أقرانه! كل بما يناسب مرحلته العمرية. ٤ - وكذلك يتردد على المكتبات العامة ليطلع على النافع والمفيد من الكتب، ليتزود من المعرفة والثقافة وتتكون لديه ملكة القراءة والاطلاع، ويتم كل ذلك بتوجيه ومتابعة من والديه. ٥ - الدعاء: ولم نؤخر هذا العلاج النافع تقليلًا من شأنه، ولكن كل الجهود إذا لم يصاحبها العون والتوفيق من الله فهي خاسرة ضائعة، فمن صفات عباد الرحمن، الدعاء لذرياتهم، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ [الفرقان: ٧٤]. إذا لم يكن عون من الله للفتى … فأول ما يجني عليه اجتهاده (١).

стр. 71

يقول حافظ بن أحمد الحكمي ﵀: العِلْمُ يا صَاحِ يَسْتَغْفِر لِصَاحِبِهِ … أَهْلُ السَّمَوَاتِ وَالأَرضِينَ مِنْ لَمَمِ كَذَاكَ تَسْتَغْفِرُ الحِيتَانُ فِي لُجَجٍ … مِنَ البِحَارِ لَهُ فِي الضَّوْءِ وَالظُّلَمِ وَخَارِجٌ فِي طِلَابِ العِلْمِ مُحْتَسِبًا … مُجاهِدٌ في سَبيلِ الله أيّ كَمِي وَإنَّ أجْنِحَةَ الأَمْلَاكِ تَبْسُطُها … لِطَالِبِيهِ رِضًا مِنْهُمْ بِصُنْعِهِمِ وَالسَّالِكُونَ طَرِيقَ العِلْمِ يُسْلِكُهُمْ … إِلَى الجِنَانِ طَرِيقًا بَارِئُ النَّسَمِ والسَّامِعُ العِلْمَ والوَاعِي لِيَحْفَظَهُ … مُؤَدِّيًا ناشِرًا إيَّاهُ فِي الأُمَمِ فَيَا نَضَارَتَهُ إِذْ كَانَ مُتَّصِفًا … بِذَا بِدَعْوَةِ خَيْرِ الخَلْقِ كُلِّهِمِ كَفَاكَ فِي فَضْلِ أَهْلِ العِلْمْ أَنْ رُفِعُوا … مِنْ أَجْلِهِ دَرَجَاتٍ فَوْقَ غَيْرِهِمِ (١).

стр. 72

وأخيرًا؛ أذكر مجموعة من التوجيهات التربوية الموجزة: ١ - تخصيص وقت كافٍ للجلوس مع الأبناء، وتبادل الأحاديث الودية المتنوعة عن: السيرة النبوية والأخبار الاجتماعية والعائلية والدراسية والمسابقات الثقافية والعلمية وغيرها. ٢ - التركيز على التربية الأخلاقية والمُثُل الطيبة، وأن يكون الوالدان قدوة حسنة لأبنائهما. ٣ - احترام الأبناء عن طريق الحب والاحترام المتبادل، وتنمية الوعي، والصراحة، والوضوح. ٤ - فهم نفسية الأولاد، وإعطاؤهم الثقة في أنفسهم. ٥ - إشراك الأولاد في القيام بأدوار اجتماعية وأعمال نافعة تناسب أعمارهم وقدراتهم. ٦ - التشجيع الدائم للأولاد والاستحسان والمدح؛ بل وتقديم الهدايا والمكافآت التشجيعية كلما قَدَّموا أعمالًا نبيلة ونجاحًا في حياتهم. ٧ - عدم السخرية والتهديد بالعقاب الدائم للأبناء، متى ما أخفقوا في دراستهم أو وقعوا في أخطاء من غير قصد منهم؛ بل يتم تلمس المشكلة بهدوء، ومحاولة التغلب على الخطأ بالحكمة، والترغيب والترهيب. ٨ - عدم إظهار المخالفات والنزاعات التي تحدث بين الوالدين أمام سمع أبنائهم. ٩ - الصبر الجميل في تربية الأبناء، وتحمل ما يحدث منهم من عناد أو عصيان، والدعاء بصلاحهم وتوفيقهم.

стр. 73

ومن هنا أود التأكيد مرة أخرى، على أن دور الأسرة في رعاية الأولاد؛ هو أقوى دعائم المجتمعِ تأثيرًا في تكوينِ شخصيةِ الأبناء، وتوجيهِ سلوكِهمِ، وإعدادهم للمستقبل (١).

стр. 74

ثانيًا: المسجد يُعدُّ المسجد أبرز وأهم المؤسسات الاجتماعية التربوية التي ارتبطت بالتربية الإسلامية ارتباطًا وثيقًا منذ صدر الإسلام نظرًا لعددٍ من العوامل التي أدت في مجموعها إلى ذلك الارتباط والتلازم؛ لا سيما وأن المسجد لم يكن في المجتمع المسلم الأول مجرد مكان لأداء العبادات المختلفة فحسب؛ بل كان أشمل من ذلك، فالمسجد يتميز بأنه بيت من بيوت الله ، وقد أضاف الله المساجد إليه سبحانه إضافة تشريف وتكريم، وفي ذلك إشارة إلى أهميتها ومكانتها، وأهمية دورها التربوي في ضوء منهج الله، وفي التعرف على الله وفي الحثّ على السير إلى رضوانه وسلوك طريقه -جل وعلا- فالله يقول: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا (١٨)﴾ [الجن: ١٨]. وللمسجد دور كبير في جميع مجالات الحياة في العبادة، والعلم، والدعوة، والأخلاق، والمعاملات، والفتوى، والسلم، والحرب، واستقبال الوفود، وإعلان السياسة العامة للدولة. فقد كانت رسالة المسجد مهمة وخالدة، وسامية، لأنها رسالة الإسلام، فقد اقترن بناء الدولة الإسلامية ببناء المسجد، لأنه يتمتع بمكانة رفيعة في نفوس المسلمين، لقد كان مسجد رسول الله في المدينة هو النواة الأولى والمركز الرئيس لإقامة الدولة الإسلامية، فقد جعل رسول الله ﷺ بناءه وتأسيسه إيذانًا

стр. 75

بإقامة دولة إسلامية انطلاقها من أشرف البقاع وأطهرها، فكان المسجد مدرسة وجامعة إسلامية، معلِّمه رسول الله ﷺ ، وتلامذته أصحابه الكرام ﵃، وكان المسلمون الأوائل إذا فتحوا مصرًا من الأمصار أسسوا فيه مسجدًا جامعًا تأسيًا برسولهم الكريم صلوات الله وسلامه عليه، وإيذانًا وإعلانًا للدنيا بأن هذا البلد أصبح جزءًا من الدولة الإسلامية، وإعلانًا لسيادة دين الله في الأرض. وذلك بعكس المحتل الحديث والمعاصر الذين يرفع راية أو علمًا فوق عاصمة البلد الذي احتله دليلًا على نصره وسيادته، وسيادة الظالمين المتجبرين على المظلومين المستضعفين. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «وكانت مواضع الأئمة، ومجامع الأمة، هي المساجد، فإن النبي ﷺ أسس مسجده المبارك على التقوى، ففيه الصلاة والقراءة والذكر وتعليم العلم والخطب، وفيه السياسة وعقد الألوية والرايات، وتأمير الأمراء، وتعريف العرفاء، وفيه يجتمع المسلمون عنده لما أهمهم من أمر دينهم ودنياهم» (١). والمسجد أحب البقاع إلى الله ، فهو قلعة الإيمان، وحصن الفضيلة، وهو المدرسة التي يتعلم ويتربى فيها الناشئة، فيتخرج منهم العلماء والخلفاء والأمراء والفقهاء والقادة والمصلحون والأعلام في كل ميدان.
следующие страницы →