← Тафсир

Тафсир · id 750

استنباطات الشوكاني في تفسيره فتح القدير

خلود شاكر فهيد العبدلي

Полный текст (565 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

المملكة العربية السعودية وزارة التعليم العالي جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية كلية أصول الدين قسم القرآن وعلومه استنباطات الشوكاني في تفسيره "فتح القدير" جمعاً ودراسة رسالة مقدمة لنيل درجة الدكتوراه في القرآن وعلومه إعداد الطالبة خلود شاكر فهيد العبدلي إشراف د. يوسف بن عبد العزيز الشبل الأستاذ المشارك بقسم القرآن وعلومه العام الجامعي: ١٤٣٤/ ١٤٣٥ هـ

стр. 2

المقدمة وتتضمن: • أهمية موضوع البحث وأسباب اختياره. • أهداف البحث. • حدود البحث. • الدراسات السابقة. • خطة البحث. • منهج البحث.

стр. 3

المقدمة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ رب يسر وأعن. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على خير خلق الله أجمعين، وعلى آله وصحبه ومن سار على سبيله ونهجه واستن بسنته إلى يوم الدين. أما بعد. فإن الاستنباط من القرآن الكريم علم جليل من علوم القرآن، وهو ثمرة لفهم كلام الله تعالى وتدبره. وفي المعاني المتوصل إليها بالاستنباط هدايات قرآنية عقدية، وفقهية، وأصولية، وتربوية ينتفع بها الناظر إليها والعامل بها. وقد ظهر هذا العلم في عهد النبي ﷺ فكان للصحابة الكرام ﵃ استنباطات دقيقة من القرآن الكريم. وكذا كان لمن جاء من بعدهم من التابعين وتابعيهم ﵃. واستمرت عناية العلماء بالاستنباط من القرآن فظهرت في تآليفهم المختلفة عموما، وفي تفاسير القرآن خصوصا، فالمتأمل في كتب التفسير يقف على استنباطات كثيرة عند المفسرين المتقدمين منهم والمتأخرين كلٌ بحسب ما يفتح الله عليه. قال ابن العربي (١) - عن المعاني المستنبطة -: (أن تستدلَّ من مدلول اللفظ على نظير المعنى، وهذا بابٌ جرى في كتب التفسير كثيراً) (٢). وقال الشوكاني: (فإن المعاني المأخوذة من كتاب الله سبحانه كثير العدد، يستخرج منها كل عالم بحسب استعداده، وقدر ملكته في العلوم) إلى أن قال: (فإن القرآن جميعه حتى قصصه، وأمثاله لا يخلو من فوائد متعلقة بالأحكام الشرعية، ولطائف لا يأتي الحصر عليها، لها مدخل في الدين) (٣). وإن جمع مواضع الاستنباط من القرآن عند أحد المفسرين ممن كان ذا شهرة كبيرة، ومكانة عالية بين علماء التفسير وأصول الفقه فيه إبراز لهذا العلم من علوم القرآن من وجه، كما فيه بيان لبراعة المفسر من وجه آخر؛ لذا عقدت العزم - متوكلة على الله مستعينة به- على اختيار موضوع: استنباطات الشوكاني في تفسيره "فتح القدير" جمعاً ودراسة

стр. 4

أهمية الموضوع: ١ - القيمة العلمية لهذا الموضوع لتعلقه بعلم الاستنباط الذي هو علم من علوم القرآن وثمرة تدبر كلام الله تعالى. ٢ - شهرة الشوكاني ﵀ ومكانته بين العلماء، فهو مفسر فقيه أصولي، له (إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول)، وهذا مما يزيد من أهمية استنباطاته؛ لارتباط الاستنباط بأصول الفقه. ٣ - مكانة تفسير الشوكاني ﵀ بين كتب التفسير، فقد أودع فيه مؤلفه دررا حقيق بطالب علم التفسير الإفادة منها. ٤ - في دراسة استنباطات الشوكاني ﵀ تأصيل قرآني لها، وهذا مما لا تخفى أهميته. ٥ - البحث في هذا الموضوع يستلزم الاطلاع بتوسع على عدد من العلوم الشرعية المتعلقة بأنواع الاستنباط المختلفة العقدية، والفقهية، والأصولية، والاستنباطات في علوم القرآن. ٦ - تتيح دراسة استنباطات الشوكاني ﵀ وموازنتها باستنباطات المفسرين التعرف على مناهج وطرق العلماء في الاستنباط، وتسهم في بناء شخصية الباحث في هذا العلم من علوم القرآن. أسباب اختيار الموضوع: ١ - أهميته السابق ذكرها وهذه الأهمية من أهم أسباب اختيار الموضوع. ٢ - أن في بحث هذا الموضوع ودراسته تدبراً لكتاب الله. ٣ - الإسهام في إثراء المكتبة القرآنية بكتاب مستقل يضم كل ما يتعلق بالاستنباط عند الشوكاني ﵀ في تفسيره. أهداف البحث: ١ - جمع ودراسة استنباطات الشوكاني من القرآن الكريم من خلال تفسيره. ٢ - دراسة منهج الشوكاني في الاستنباط. ٣ - … إبراز هذا العلم من علوم القرآن من وجه، وإبراز براعة المفسر فيه من وجه آخر. حدود البحث: جمع ودراسة استنباطات الشوكاني من خلال تفسيره "فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير". وبتتبع استنباطات الشوكاني في تفسيره وقفت على مائتين وتسعة عشر استنباطا. والمراد بالاستنباط استخراج ما خفي من النص بإحدى الدلالات كدلالة الالتزام، أو النص ونحو ذلك، فلا يدخل في البحث ما دل عليه النص دلالة ظاهرة.

стр. 5

الدراسات السابقة: بعد البحث والسؤال في الأقسام المتخصصة بالجامعات السعودية، والمراكز العلمية تبين لي أن موضوع الاستنباط عند الشوكاني لم تسبق دراسته. إلا أن هناك دراسات عنيت بدراسة الاستنباط عند عدد من المفسرين غير الشوكاني. وهناك دراسات أخرى عنيت بتفسير الشوكاني دون إفراد استنباطاته بالبحث، وسيأتي بيانها. فأما دراسة موضوع الاستنباط عند المفسرين فقد سجل في رسائل علمية نوقش بعض منها، وبعضها لا يزال قيد الإعداد. ١ - الاستنباط عند الإمام ابن عطية الأندلسي في تفسيره "المحرر الوجيز" دراسة نظرية تطبيقية، عواطف البساطي، إشراف: أ. د: أمين باشا، دكتوراه، جامعة أم القرى، ١٤٣٠ هـ. (نوقشت). ٢ - استنباطات الشيخ عبد الرحمن السعدي من القرآن الكريم عرض ودراسة، سيف الحارثي، إشراف: أ. د: أحمد سعد الخطيب، دكتوراه، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، ١٤٣٠ هـ. (نوقشت). ٣ - الاستنباط قواعده وتطبيقاته عند ابن العربي المالكي في تفسيره (أحكام القرآن)، إيمان أسيد أركوبي، إشراف: د. ناصر بن محمد المنيع، ماجستير، جامعة الملك سعود، ١٤٣٠ هـ. (نوقشت). ٤ - مجموعة رسائل في جامعة أم القرى: رسائل ماجستير في: الاستنباط عند البغوي، ومحمد الأمين الشنقيطي، وابن عثيمين. ورسائل دكتوراه في: الاستنباط عند القصاب، والبيضاوي، وأبي السعود، وابن عاشور، والقاسمي، ورسالة الاستنباط عند محمد أبي زهرة (نوقشت). ٥ - مجموعة رسائل في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية: رسائل دكتوراه عن: استنباطات ابن جزي في تفسيره (نوقشت)، واستنباطات الشربيني، واستنباطات ابن كثير، ورسالتا ماجستير إحداهما في استنباطات السمعاني، والثانية في استنباطات الدوسري. وجميع الرسائل السابقة -كما هو ظاهر- تبحث في استنباطات عدد من المفسرين غير الشوكاني. وأما الدراسات التي عنيت بتفسير الشوكاني، فمدارها حول بيان منهج الشوكاني في تفسيره، وتحقيق القراءات في تفسيره، وجمع اختياراته، وبيان الدخيل، إضافة إلى جمع علوم القرآن عنده. وتفصيلها على النحو التالي: ١ - "الإمام الشوكاني مفسرا"، محمد حسن الغماري، إشراف: أ. د. السيد أحمد صقر، دكتوراه، جامعة أم القرى، ١٤٠٠ هـ. وهي رسالة في التعريف بالشوكاني، وبيان منهجه في التفسير. ٢ - الإمام الشوكاني وإيراده للقراءات في تفسيره، أحمد عبدالله المقري، إشراف: عبد القادر شيبة الحمد، ماجستير، الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، ١٤٠٥ هـ. وهي رسالة في تحقيق القراءات الَّتي تعرض لها الشوكاني في تفسيره، من حيث بيان المتواتر منها والشاذ، وليس فيها شيء عن استنباطات الشوكاني في تفسيره التي هي مقصود بحثي هذا. ٣ - اختيارات الإمام الشوكاني في التفسير من خلال كتابه فتح القدير من أول الكتاب إلى نهاية سورة الإسراء تحقيق ودراسة، علي بن حميد السناني، إشراف: أ. د. محمد بن بكر عابد، دكتوراه، الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، ١٤١٩ هـ.

стр. 6

٤ - اختيارات الإمام الشوكاني في التفسير من خلال كتابه فتح القدير من أول سورة الكهف إلى آخر سوره الناس عرض ودراسة، فايز حبيب الترجمي، إشراف: د. عبد الله بن عمر الشنقيطي، دكتوراه، الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، ١٤٢٠ هـ. وهما رسالتان في جمع اختيارات الشوكاني وترجيحاته في التفسير مع دراستها. ٥ - الدخيل في تفسير فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير للإمام الشوكاني من أول فاتحة الكتاب إلى الآية ١٤١ من سوره البقرة، لولوه عبدالله بن عبدالعزيز القضيبي، أ. د. عبدالغفور محمود مصطفى، دكتوراه، كلية الآداب للبنات بالرياض، ١٤١٥ هـ. ٦ - الدخيل في تفسير فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير للإمام الشوكاني من الآية ١٤٢ من سوره البقرة إلى نهاية السورة، منيرة عبدالله بن صالح الحبيب، أ. د. هاشم عبدالفتاح جودة، دكتوراه، كلية الآداب للبنات بالرياض، ١٤١٥ هـ. ٧ - الدخيل في تفسير فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير للإمام الشوكاني تحقيق ودراسة من أول سوره آل عمران إلى قوله تعالى: (لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون وما تنفقوا من شيء فإن الله به عليم) من الآيه ٩٢ من سوره آل عمران، فاطمة سليمان بن سعد العكوز، إشراف: د. لولوه عبدالله بن عبدالعزيز القضيبي، ماجستير، كلية الآداب للبنات بالرياض، ١٤٢٠ هـ. ٨ - الدخيل في تفسير فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير للإمام الشوكاني في سورة آل عمران، من قوله تعالى: كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلى نهاية السورة، دلال سليمان بن زيد المسلم، إشراف: د. لولوه عبدالله بن عبدالعزيز القضيبي، ماجستير، كلية الآداب للبنات بالرياض، ١٤٢٤ هـ. ٩ - الدخيل في تفسير فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير للإمام الشوكاني سورة النساء، فاطمة سليمان بن سعد العكوز، إشراف: أ. د. زاهر بن عواض الألمعي، دكتوراه، كلية الآداب للبنات بالرياض، ١٤٢٦ هـ. وهذه الرسائل عنيت بدراسة الدخيل في تفسير الشوكاني، وهو موضوع يختلف عن المقصود من بحثي هذا. ١٠ - علوم القرآن عند الشوكاني جمعا ودراسة، إيمان بنت محمد بن فواز الصميل، إشراف: أ. د. بدر بن ناصر بن بدر البدر، ماجستير، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، ١٤٢٨ هـ. وهي رسالة في استخراج الموضوعات المتعلقة بعلوم القرآن من مصنفات الشوكاني المطبوعة ودراستها، مع إبراز منهجه في علوم القرآن.

стр. 7

١١ - "الشوكاني ومنهجه في التفسير"، علاء صالح القيسي، ماجستير، جامعة بغداد، كلية العلوم الإسلامية، ١٩٩١ م. ١٢ - "الإمام الشوكاني وأثره في الدراسات الإسلامية"، أمينة أبو الفيال، ماجستير، جامعة محمد الخامس بالمغرب، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، الرباط، ١٩٨٩ م. والرسالتان الأخيرتان لم أقف عليهما - بعد البحث - لوجودهما خارج المملكة، ولا يوجد في المراكز العلمية كمركز الملك فيصل وغيره إلا المعلومات التي ذكرتها عنهما. والظاهر من عنوانيهما اختلاف موضوعيهما عن الموضوع المراد بحثه؛ إذ هذا البحث يختص بإفراد استنباطات الشوكاني في تفسيره بالجمع والدراسة وهو ما لم تخصه الرسالتان بالإفراد كما هو ظاهر من عنوانيهما، والله أعلم. فيتأكد مما سبق أن هذا الموضوع لم يفرد بالبحث، إذ ليس في الدراسات السابقة إفراد استنباطاته بالجمع والدراسة التي هي مقصود هذا البحث. وأحسب أن إفراد هذا الموضوع من موضوعات علوم القرآن بالجمع والدراسة من خلال تفسير ذي مكانة عالية كتفسير الشوكاني ﵀ إضافة أرجو أن تكون ضمن سلسلة الخدمات التي عنيت بهذا التفسير. خطة البحث: يتكون البحث من: مقدمة، وتمهيد، وبابين، تعقبهما الخاتمة، والفهارس. المقدمة: وتتضمن: ١ - أهمية موضوع البحث وأسباب اختياره. ٢ - أهداف البحث. ٣ - حدود البحث. ٤ - الدراسات السابقة. ٥ - خطة البحث. ٦ - منهج البحث. التمهيد: ويشمل: أولاً: تعريف الاستنباط، ونشأته. ثانياً: أهميته، وعلاقته بالتفسير. ثالثاً: التعريف بالشوكاني. رابعاً: التعريف بتفسير "فتح القدير" للشوكاني. الباب الأول: منهج الشوكاني في الاستنباط من خلال تفسيره "فتح القدير". وفيه ثلاثة فصول: الفصل الأول: أقسام الاستنباط عند الشوكاني في تفسيره. وفيه ثلاثة مباحث: المبحث الأول: الاستنباط باعتبار موضوع المعنى المستنبط. وفيه ثمانية مطالب: المطلب الأول: الاستنباطات في التفسير. المطلب الثاني: الاستنباطات في علوم القرآن. المطلب الثالث: الاستنباطات العقدية. المطلب الرابع: الاستنباطات الأصولية. المطلب الخامس: الاستنباطات الفقهية. المطلب السادس: الاستنباطات اللغوية. المطلب السابع: الاستنباطات في الرقائق. المطلب الثامن: الاستنباطات التربوية السلوكية. المبحث الثاني: الاستنباط باعتبار ظهور النص المستنبط منه وخفائه.

стр. 8

المبحث الثالث: الاستنباط باعتبار الإفراد والتركيب. الفصل الثاني: دلالات وطرق الاستنباط عند الشوكاني في تفسيره. وفيه ستة مباحث: المبحث الأول: الاستنباط بدلالة النص (مفهوم الموافقة). المبحث الثاني: الاستنباط بدلالة المفهوم (مفهوم المخالفة). المبحث الثالث: الاستنباط بدلالة الالتزام. المبحث الرابع: الاستنباط بدلالة التضمن. المبحث الخامس: الاستنباط بدلالة الاقتران. المبحث السادس: الاستنباط بدلالة المطرد من أساليب القرآن. الفصل الثالث: القيمة العلمية لاستنباطات الشوكاني. وفيه مبحثان: المبحث الأول: تأثر الشوكاني باستنباطات المفسرين قبله، وموقفه منها. المبحث الثاني: مميزات استنباطات الشوكاني. الباب الثاني: جمع ودراسة استنباطات الشوكاني في تفسيره من أول سورة الفاتحة إلى آخر سورة الناس. وفيه جمع استنباطات الشوكاني الواردة في تفسيره مرتبة حسب ترتيب الآيات المستنبط منها من أول سورة الفاتحة إلى آخر القرآن الكريم، ثم دراستها وتحليلها والحكم عليها. الخاتمة: وفيها أهم نتائج البحث، وتوصياته. الفهارس: • فهرس الآيات القرآنية. • فهرس المعاني المستنبطة. (مرتبة حسب ترتيب الآيات المستنبط منها). • فهرس الأحاديث والآثار. • فهرس الأعلام. • ثبت المصادر والمراجع. • فهرس الموضوعات والمسائل العلمية. منهج البحث: سلكت في هذا البحث المنهج الاستقرائي التحليلي، وذلك وفق ما يلي: ١ - التزمت كتابة الآيات القرآنية بالرسم العثماني، مع عزوها إلى سورها بأرقام آياتها، ووضعها بين قوسين مزهرين. ٢ - خرِّجت الأحاديث من مظانها، فإن كان الحديث في الصحيحين أو أحدهما أكتفيت بذلك. وإن كان في غيرهما خرجته من مظانه، وحكمت عليه مستعينة بحكم العلماء. مع تخصيص الأحاديث بذكرها بين علامتي تنصيص " ". ٣ - وضعت عناوين جانبية لرؤوس الموضوعات ما دعت الحاجة لذلك. ٤ - وثقت ما أنقله من نصوص بوضع النص المنقول بين قوسين ()، مع الإحالة إلى مصادره في الحاشية. فإن تصرفت فيه نبهت على ذلك في الحاشية. ٥ - اكتفيت بجعل المعلومات الكاملة عن المصدر في ثبت المصادر لئلا أثقل حواشي البحث. ٦ - عرَّفت بالفرق والأماكن. ٧ - عزوت الأبيات الشعرية إلى قائليها، مع توثيقها. ٨ - شرحت غريب الألفاظ. ٩ - ترجمت ترجمة موجزة للأعلام - عند ورود ذكرهم لأول مرة - عدا المشهورين، ومن كان حياً من العصريين إن ذكروا، والعصريون من كانت وفاتهم في حدود المائة سنة الماضية.

стр. 9

١٠ - وضعت الفهارس الفنية المناسبة، والتي تعين القارئ على كشف مضامين البحث بيسر. ١١ - افتتحت بعض الفصول أو المباحث أو المطالب بتمهيد إذا دعت الحاجة لذلك. ١٢ - في جمع الاستنباطات اتبعت المنهج التالي: أ - جمعت كل ما ظهر في عبارة الشوكاني أنه استنباط، فإن لم يظهر فإني لا أجمعه. وذلك كالمواضع التي عزا فيها الاستنباط للعلماء ولم يظهر تأييده له. ب - بلغت استنباطات الشوكاني مائتين وتسعة عشر (٢١٩) استنباطا، منها خمسة عشر استنباطا مكررا (١)، وقد جمعت المكرر أيضا لأسباب: ١) اختلاف وجه الاستنباط وطريقه أحيانا بين الموضع الأول والموضع المكرر، كما في استنباط ذم التقليد فإن وجهه وطريقه يختلف من موضع لآخر، فجمعت كل المواضع لأبين هذه الأوجه والطرق. ٢) اختلاف القائلين بالاستنباط؛ إذ في موضع يقول به بعض المفسرين، وفي موضع آخر يقول به آخرون، فالجمع بين مواضع الاستنباط يكشف عن جميع القائلين به. ٣) بيان ما تميز به الشوكاني من استنباط المعنى الواحد من مواضع مختلفة بطرق متعددة. ١٣ - في دراسة استنباطات الشوكاني اتبعت المنهج التالي: أ - ذكر الآية المستنبط منها. ب - ذكر استنباط الشوكاني. ت - تحليل الاستنباط ببيانه، ثم الحكم عليه بعد موازنة قوله بأقوال غيره من العلماء (٢). مع الالتزام بترتيب الاستنباطات وفق ترتيب الآيات -المستنبط منها- في المصحف.

стр. 10

وبعد: فالحمد لله الذي يسر البدء، وأعان على الإتمام. وله سبحانه الحمد من قبل ومن بعد. هذا بحثي، بدأته والحال: عسى ربي أن يهديني سواء السبيل. واليوم - بحمد الله- أتممته والحال: ولعلي مؤمل بعض ما أبـ … لغ باللطف من عزيز حميد. فاللهم ما كان من صواب، وتوفيق، وتسديد فمنك وحدك. وما كان من خلل وتقصير وخطأ فاللهم ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا. ثم شكري، وامتناني، ودعائي للنعمة التي لا يبلغها حمدي، والديَّ الكريمين حفظهما الله ومتعهما بطاعته. والشكر موصول لشيخي، وأستاذي، وموجهي، ومعيني-بعد الله- فضيلة: د. يوسف بن عبد العزيز الشبل، وإني حين أشكره أشكر فيه علما، وخلقا، وصبرا، وحلما، وتوجيها، وحرصا. شكر لا تقدر حروف النثر عليه، ولا ترتقي قصائد الشعر إليه، فليس إلا الدعاء له بأن يتولى الكريم -جل في علاه- مجازاته والإحسان إليه. والشكر كل الشكر لقسم القرآن الكريم وعلومه، ولجامعة الإمام التي أويت إليها فآوتني، وعلى إتمام هذه المرحلة العلمية أعانتني. فكيف أشكر من أحسنوا وفادتي إليهم؟ فاللهم اجزهم جميعا إدارة، وأساتذة، وإداريين، وعاملين خير ما تجزي به عبادك المحسنين. وأختم بحمد الله تعالى الذي بلغني ما آمل فجعل لي إلى الجامعة الإسلامية انتسابا كما جعل لي إلى جامعة الإمام انتسابا حيث منَّ الله تعالى على بحثي بمناقشين كريمين هما: فضيلة أ. د. محمد بن عبد العزيز العواجي وكيل كلية القرآن بالجامعة الإسلامية، وفضيلة أ. د. بدر بن ناصر البدر الأستاذ بقسم القرآن بكلية أصول الدين بجامعة الإمام، فشكر الله لهما تفضلهما بقبول مناقشة هذا البحث، وأسأل جل في علاه أن يحسن إليهما كما أحسنا إلي وأن يبارك في جهدهما وعلمهما. وأخيرا أختم بالشكر والتقدير لجامعتي جامعة الطائف، وأخص بالشكر إدارتها، ووكيل كلية الشريعة ورئيس قسم القراءات -سابقا- فضيلة د. ناصر القثامي على جميل تعاونهم، وحسن رعايتهم. هذا، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

стр. 11

التمهيد • أولاً: تعريف الاستنباط، ونشأته. • ثانياً: أهمية الاستنباط وعلاقته بالتفسير. • ثالثاً: التعريف بالشوكاني ﵀. • رابعاً: التعريف بتفسير (فتح القدير) للشوكاني. أولاً: تعريف الاستنباط، ونشأته. أ - تعريف الاستنباط: تعريف الاستنباط لغة: هو الاستخراج والإظهار بعد الخفاء. ومادة "نَبَطَ" تدور على أصل واحد، وهو استخراج شيء (١)، والانتهاء إليه (٢). فأصل الاستنباط من النَّبَط، وهو الماء الذي يَنْبُطُ من قعر البئر إِذا حُفرت، وقد نَبَطَ ماؤها، يَنْبِطُ، و يَنْبُطُ نَبْطاً، و نُبُوطاً. و أَنبطنا الماءَ أَي: استنبطناه وانتهينا إِليه. وكل ما أُظهر، فقد أُنْبِط (٣). ومنه قوله تعالى: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ (٤) [النساء: من الآية ٨٣]. قال الزجاج (٥): (معنى يستنبطونه في اللغة: يستخرجونه، وأَصله من النبَط، وهو الماء الذي يخرج من البئر في أَوّل ما يحفر) (٦). واسْتَنْبَطه، واستنبط منه علماً، وخبراً، ومالاً: استخرجه. واستنبَطَ الفَقِيهُ إِذا استخرج الفقه الباطن باجتهاده وفهمِه (٧).

стр. 12

قال ابن جرير الطبري (١): (كلُّ من أخرج شيئاً كان مُستَتِرا عن إبصار العيون، أو عن معارف القلوب فهو مستنبطٌ له) (٢). والألف والسين والتاء في استنبط تدل على تطلب الشيء لأجل حصوله، وكأن فيها معنى التكلف في إعمال العقل الذي يحتاجه المستنبط حال الاستنباط (٣). ويستفادُ من هذه المعاني اللغوية ما يأتي (٤): أولاً: الاستنباط هو الاستخراج باتفاق أهل اللغة، وهو المعنى المطابق للَّفظ. ثانياً: في الاستنباط نوعُ اجتهاد ومعاناة دلَّ عليه صيغة اللفظ المفتتحة بحروف الطلب الألف والسين والتاء، كما يدل عليه الجهد والعناء في استنباط الماء من البئر. قال ابن القيم (٥): (الاستنباط هو: استخراج الشيء الثابت الخفي الذي لا يعثر عليه كل أحد) (٦). ثالثاً: الاستنباط أقرب إلى باطن الكلام منه إلى ظاهره، وأقرب إلى المعاني منه إلى الألفاظ، وهو معنى الاستتار والتواري الذي ذكره ابن جرير. رابعا: أن الاستنباط يطلق على المحسوسات كما في استنباط الماء من البئر، وعلى المعاني كاستنباط العلم أو الفائدة بعد التأمل. تعريف الاستنباط اصطلاحا: الذي يعنينا في هذا المقام بيان المعنى الاصطلاحي للاستنباط من القرآن الكريم، وهو استخراج ما خفي من النص القرآني بطريق صحيح (٧). أي: استخراج ما خفي من المعاني، والأحكام، والحكم، والمناسبات (٨) من القرآن بطريق صحيح (٩).

стр. 13

ويمكن تعريف الاستنباط في استعمال المفسرين بأنه استخراج ما وراء ظواهر معاني الألفاظ من الآيات القرآنية. والمراد بظواهر معاني الألفاظ: ما يتوقف فهم القرآن عليها من المعاني المباشرة (١). تنبيهات: ١ - لابد أن يكون في دلالة الآية على المعنى المستنبط نوع خفاء، ولا يلزم أن يكون الخفاء شديدا، بل الخفاء هنا متفاوت، فقد يكون شديدا فلا يظهر إلا بعد تأمل طويل، وتدبر كثير، وقد يكون أقل من ذلك. ولذا نجد بعض الاستنباطات قريبة المأخذ تتضح بلا إعمال ذهن، وقد يدق مسلكها ويخفى؛ فتحتاج إلى تفهم وإعمال ذهن (٢). والمهم هنا التنبه إلى أن قربها لا ينفي كونها استنباطات. فالمعاني المستنبطة تتفاوت في القرب والبعد من معنى الآية، كما تتفاوت في الظهور والخفاء، وكل ذلك بحسب المعنى المستنبط، ووجه اتصاله بالمعنى الظاهر. وهذا التفاوت في المعاني المستنبطة يستلزم التنبيه على أنه لا يمكن عد الاستنباط معنى للآية على الاستقلال مهما اشتد قربه وظهوره من المعنى المباشر؛ لأنه تابع للمعنى الأصلي، ومترتب عليه، والتفسير شرط في وجوده ولا عكس (٣). ويمثل للاستنباط القريب باستنباط تحريم ضرب الوالدين من قوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (٢٣)﴾. قال السيوطي (٤): (وأشار بالنهي عن ذكر (أف) إلى تحريم ما فوقه بطريق الأولى) (٥).

стр. 14

وقال الشنقيطي: (فالضرب المسكوت عنه أولى بالحكم الذي هو التحريم من التأفيف المنطوق به، مع القطع بنفي الفارق) (١). (٢). ٢ - لا يشترط في المعنى المستنبط أن يكون خفيا في ذاته، فالخفاء إنما هو في دلالة الآية عليه، أما المعنى المستنبط فقد يكون ظاهرا لكن دلالة الآية عليه خفية. ويمكن أن يُمثل له بالاستنباط السابق أيضا. ٣ - يمكن تسمية الاستنباط فائدة (٣). فالفائدة قد تكون استدلالا، أي أن طريق الوصول إليها ظاهر، وقد تكون استنباطا، أي التوصل إليها بطريق خفي. والذي ظهر لي -والله أعلم- أن الفوائد أعم من الاستنباط، فكل استنباط فائدة. ويخطئ من يجعل الفوائد أعم من جهة الموضوعات، فيخص موضوع الاستنباط بالفقه دون غيره. والصحيح أن الاستنباط كالفوائد يكون في الفقه، والعقيدة، واللغة، والتربية وغيرها، ولعل هذا وجه آخر لتسمية الاستنباط فائدة. ويمكن أن يستدل على صحة ذلك بأمور: الأول: أن الرازي (٤) سمى بعض الاستنباطات الخفية فوائدا، ومن ذلك: استنباطه أن يوم القيامة ليس بشديد على المؤمنين من قوله: ﴿مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ (٨)﴾ [القمر: ٨]، قال: (﴿هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ (٨)﴾ وفيه فائدتان: إحداهما: تنبيه المؤمن أن ذلك اليوم على الكافر عسير فحسب، كما قال تعالى: ﴿فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (٩) عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ (١٠)﴾ [المدثر: ٩ - ١٠] يعني له عسر لا يسر معه … ) (٥).

стр. 15

الثاني: تسمية الشيخ السعدي بعض الاستنباطات الخفية بالفوائد، ومثال ذلك: ما استنبطه من قوله تعالى: ﴿وَقَالَ لِلَّذِي … ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ (٤٢)﴾ [يوسف: ٤٢]، قال: (ومنها-أي الفوائد-: أنه لا بأس بالاستعانة بالمخلوق في الأمور العادية التي يقدر عليها بفعله، أو قوله، وإخباره) (١). الثالث: تسمية الشيخ ابن عثيمين ما يذكره في آخر تفسيره للآية بفوائدها؛ فيذكر فوائد ظاهرة، واستنباطات خفية، وكلها يجمعها اسم فوائد. ومن الاستنباطات التي ذكرها: ما استنبطه من قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (٢٤)﴾ [البقرة: ٢٤]، قال: (من فوائد الآية … أن النار موجودة الآن؛ لقوله تعالى: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ ومعلوم أن الفعل هنا فعل ماض، والماضي يدل على وجود الشيء … ) (٢). وما استنبطه من قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٢٨)﴾ [البقرة: ١٢٨]، قال: (من فوائد الآية .... أن الأصل في العبادات أنها توقيفية) (٣). ب - نشأة الاستنباط: لم يتأخر ظهور الاستنباط من القرآن الكريم عن وقت نزول القرآن العظيم. فللصحابة ﵃ استنباطاتهم، ومن ذلك: ١ - استنبط علي ﵁، وابن عباس ﵁ بدلالة التركيب بين قوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ (٤) [البقرة: من الآية ٢٣٣]، وقوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ (٥) [الأحقاف: من الآية ١٥] أن المرأة قد تلد لستة أشهر (٦).

стр. 16

قال ابن كثير (١): (وهو استنباط قوي وصحيح) (٢). ٢ - استنبط ابن عباس ﵁ من سورة النصر أجل رسول الله ﷺ (٣)، حيث قال: "هو أجل رسول الله أعلمه إياه، ووافقه عليه عمر ﵁ بقوله: "لا أعلم منها إلا ما تقول" (٤). قال ابن القيم: (وهذا من أدق الفهم وألطفه، ولا يدركه كل أحد) (٥). ولم يفترق الاستنباط عن تفسير القرآن الكريم، فلا يكاد يخلو كتاب من كتب التفسير من استنباط من الآيات، فالاستنباط من أشد علوم القرآن ارتباطا بعلم التفسير، ولشدَّة هذا الارتباط أُلحِق به في بيان علم التفسير وموضوعاته، وربما توسع بعض العلماء فسمَّاه تفسيرا، وذلك حين يرتقي هذا المعنى المستنبط الباطن في شدة قربه وظهوره من المعنى الظاهر، فمن هنا يتوجه تسميته تفسيرا لارتباطه بمعنى الآية من هذا الجانب. قال ابن عاشور: (وموضوع التفسير: ألفاظ القرآن من حيث البحث عن معانيه، وما يستنبط منه) (٦). فالاستنباط بهذه المثابة قسيمٌ لبيان المعاني؛ وذلك بالنظر إلى جمهرة معلومات كتب التفسير التي يذكرها المفسر، وإلا فإن الاستنباط من علوم الآية التي تأتي بعد تمام التفسير الذي هو بيان المعنى.

стр. 17

وقد كان الحالُ كذلك منذ أوَّلِ نشأةِ علم التفسير وظهوره، ولا تكاد تخرج تفاسير السلف عن هذين الوجهين في الأعم الأغلب. (١). ثم إنا نجد أن بعض العلماء أفرد علم الاستنباط في مصنفات مستقلة، مثل: ١ - القصاب (٢) في كتابه: (نُكت (٣) القرآن الدالة على البيان في أنواع العلوم والأحكام). ٢ - … نجم الدين الطوفي (٤) في (الإشارات الإلهية إلى المباحث الأصولية). ٣ - السيوطي في كتابه: (الإكليل في استنباط التنْزيل). وإن كان جمع فيه بين الاستنباط والتفسير. ثم توالت المؤلفات. وكما اعتنى المتقدمون بإفراد هذا العلم بالتأليف اعتنى المتأخرون به كذلك، ومن ذلك: (كتاب جواهر الأفكار، ومعادن الأسرار المستخرجة من كلام العزيز الجبار) لعبد القادر بن أحمد بن بدران (٥). ثانياً: أهمية الاستنباط وعلاقته بالتفسير. أ - أهمية الاستنباط: لا أدل على أهمية الاستنباط من أن الله تعالى سماه علما، ومدح أهله، وأخبر أنهم أهل العلم، قال سبحانه: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا (٨٣)﴾ [النساء: ٨٣]، ولولا أن الاستنباط علم معتبَرٌ، وحجة في الشرع، لما أمر الله تعالى عباده برَدِّ ما لم يدركوا علمه نصا إلى من يدركونه بالاستنباط من أهل العلم، فالاستنباط من أهم أسباب دَرَكِ العلوم (٦).

стр. 18

قال ابن القيم: (وقد مدح الله تعالى أهل الاستنباط في كتابه، وأخبر أنهم أهل العلم) (١). ومما يدل على أهمية الاستنباط أيضا أمور: الأول: اعتناء المفسرين به. فقد اعتنى العلماء بالاستنباط من القرآن عناية بالغة تدل على أهميته، ومكانته عندهم. فلا يكاد يوجد كتاب من كتب التفسير-قديما وحديثا- إلا ويتضمن عددا كبيرا من الاستنباطات (٢). الثاني: تنوع المعاني المستنبطة، وانتفاع الناس بها، فالمعنى المستنبط قد يكون حكما فقهيا، أو عقديا، أو أدبا أخلاقيا، أو فائدة تربوية، أو فائدة علمية، أو غير ذلك مما ينفع الناس في دينهم ودنياهم. الثالث: أن الاستنباط سبيل إلى إعطاء ألفاظ القرآن حقَّها، وتوفيتها ما لها من المعاني. قال ابن القيم: (الواجب فيما علَّقَ عليه الشارعُ الأحكامَ من الألفاظ والمعاني أن لا يُتَجَاوَز بألفاظها ومعانيها، ولا يُقْصَر بِها، ويعطي اللفظ حقه والمعنى حقه، وقد مدح الله تعالى أهل الاستنباط في كتابه، وأخبر أنهم أهل العلم) (٣)، ومن حق اللفظ والمعنى استيعاب المعاني الصحيحة المتعلقة بهما من جهة نِدِّ المعنى ولوازمه وأشباهه ونظائره. (٤). الرابع: أن المعاني المأخوذة بالاستنباط أكثر من معاني الألفاظ المباشرة، بل إن من أحكام الحوادث ما لا يُعرَفُ بالنصِّ وإنما بالاستنباط، وكم من سر وحكم نبهت عليهما الإشارة، ولم تبينهما العبارة (٥). فليس كل حكم يؤخذ من اللفظ، بل أكثرها تؤخذ من جهة المعاني والاستنباط من النصوص إذ الألفاظ محصورة، ومعانيها محددة، والوقائع والمناسبات متجددة، وقد أنْزل الله تعالى كتابه الكريم صالحا لكل زمان ومكان، وتبيانا لكل شيء يتوقف عليه التكليف والتعبد، وتستقيم به حياة الناس؛ من العلوم الشرعية، والحقائق العقلية، وقد أبان عن هذا ابن عاشور: -في حديثه عن المقصد الأول من مقاصد القرآن الكريم-: (كونه شريعة دائمة، وذلك يقتضي فتح أبواب عباراته لمختلف استنباط المستنبطين؛ لتؤخذ منه أحكام الأولين والآخرين) (٦). والعناية بالاستنباط واجب مطلوب. قال النووي (٧): (فالاعتناء بالاستنباط من آكد الواجبات المطلوبة؛ لأن النصوص الصريحة لا تفي إلا بيسير من المسائل الحادثة، فإذا أهمل

стр. 19

الاستنباط فات القضاء في معظم الأحكام النازلة أو في بعضها والله أعلم) (١). وقال الجصاص (٢): (وفي هذه الآية-يعني قوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا (٨٣)﴾ - دلالة على وجوب القول بالقياس واجتهاد الرأي في الأحكام الحوادث؛ وذلك لأنه أمر برد الحوادث إلى الرسول ﷺ في حياته إذا كانوا بحضرته، وإلى العلماء بعد وفاته والغيبة عن حضرته ﷺ ، وهذا لا محالة فيما لا نص فيه؛ لأن المنصوص عليه لا يحتاج إلى استنباطه؛ فثبت بذلك أن من أحكام الله ما هو منصوص عليه، ومنها ما هو مودع في النص قد كلفنا الوصول إلى الاستدلال عليه واستنباطه، فقد حوت هذه الآية معاني: منها أن في أحكام الحوادث ما ليس بمنصوص عليه، بل مدلول عليه، ومنها أن على العلماء استنباطه، والتوصل إلى معرفته برده إلى نظائره من المنصوص) (٣). (٤). الخامس: أن الاستنباط سبب لتحصيل العلم العظيم، قال السعدي: (لا يكون المتدبر مقتصرا على مجرد معنى اللفظ بمفرده، بل ينبغي له أن يتدبر معنى اللفظ، فإذا فهمه فهما صحيحا على وجهه؛ نظر بعقله إلى ذلك الأمر، والطرق الموصلة إليه، وما لا يتم إلا به، وما يتوقف عليه، وجزم بأن الله أراده كما يجزم أنه أراد المعنى الخاص الدال عليه اللفظ، والذي يوجب الجزم له بأن الله أراده أمران: أحدهما: معرفته، وجزمه بأنه من توابع المعنى، والمتوقف عليه. والثاني: علمه بأن الله بكل شيء عليم، وأن الله أمر عباده بالتدبر والتفكر في كتابه، وقد علم تعالى ما يلزم من تلك المعاني وهو المخبر بأن كتابه هدى ونور وتبيان لكل شيء، وأنه أفصح الكلام وأجله إيضاحا، فبذلك يحصل للعبد من العلم العظيم، والخير الكثير بحسب ما وفقه الله له. وقد كان في تفسيرنا هذا كثير من هذا منَّ به الله علينا، وقد يخفى في بعض الآيات مأخذه على غير المتأمل صحيح الفكرة) (٥). (٦).

стр. 20

ب - علاقة الاستنباط بالتفسير: إذا كان التفسير: هو بيان معاني القرآن الكريم (١)؛ فإن بينه وبين الاستنباط وجه شبه، كما أن بينهما أوجه اختلاف. أولا: وجه الشبه: يُعد الاستنباط من أشد علوم القرآن ارتباطا بعلم التفسير، فهو يتفق مع التفسير في أنهما بيان للمعنى، ثم يفترقان في المعنى المُبَيَّن في كل منهما، فللتفسير المعنى الظاهر المباشر، وللاستنباط ما وراءه من المعاني الزائدة، وكلاهما من أجلِّ علوم القرآن الكريم، وألصقها بألفاظه (٢). ولشدَّة هذا الارتباط أُلحِق به في بيان علم التفسير وموضوعاته، فلا يكاد يخلو كتاب من كتب التفسير من استنباط من الآيات. وربما توسع بعض العلماء فسمَّاه تفسيرا، وذلك حين يرتقي هذا المعنى المستنبط الباطن في شدة قربه وظهوره من المعنى الظاهر، وربما أريد معه، فمن هنا يتوجه تسميته تفسيرا لارتباطه بمعنى الآية من هذا الجانب. قال ابن عاشور: (وموضوع التفسير: ألفاظ القرآن من حيث البحث عن معانيه، وما يستنبط منه) (٣). فالاستنباط بهذه المثابة قسيمٌ لبيان المعاني؛ وذلك بالنظر إلى جمهرة معلومات كتب التفسير التي يذكرها المفسر. والمقصود من أن المعنى المستنبط الباطن ربما يراد مع المعنى الظاهر للآية إنما هو لشدة قرب المعنى المستنبط وظهوره؛ إذ قد يرتفع المعنى الباطن البعيد فيكون مرادا مع المعنى الظاهر القريب لاشتراكهما في الصحة، والقبول، والدلالة، لكن لا يصل المعنى الباطن بحال إلى أن يكون مرادا دون المعنى الظاهر لئلا يكون الإغراق في معاني باطنة باطلة لا يقبلها نقل صحيح ولا عقل صريح، وكي لا يؤول التفسير إلى دعاوى ليست من الظاهر، ولا من الباطن الصحيح في شيء. (٤). ومما يدل على أن المعنى المستنبط الباطن ربما يراد مع المعنى الظاهر قول السعدي: (لا يكون المتدبر مقتصرا على مجرد معنى اللفظ بمفرده، بل ينبغي له أن يتدبر معنى اللفظ، فإذا فهمه فهما صحيحا على وجهه؛ نظر بعقله إلى ذلك الأمر، والطرق الموصلة إليه، وما لا يتم إلا به، وما يتوقف عليه، وجزم بأن الله أراده كما يجزم أنه أراد المعنى الخاص الدال عليه اللفظ، والذي يوجب الجزم له بأن الله أراده أمران: أحدهما: معرفته، وجزمه بأنه من توابع المعنى، والمتوقف عليه. والثاني: علمه بأن الله بكل شيء عليم، وأن الله أمر عباده بالتدبر والتفكر في كتابه، وقد علم تعالى ما يلزم من تلك المعاني وهو المخبر بأن كتابه هدى ونور وتبيان لكل شيء، وأنه أفصح الكلام وأجله إيضاحا) (٥).

стр. 21

ويبقى الاستنباط من علوم الآية التي تأتي بعد تمام التفسير الذي هو بيان المعنى. وبيان معنى اللفظ سابق للاستنباط منه، ولا يصح استنباط إلا على معنى صحيح ثابت للفظ، فاللفظ بمنْزلة الأساس، والاستنباط بمنْزلة البنيان (١). قال القرطبي (٢): (والنقل والسماع لا بد منه في ظاهر التفسير أولا ليتَّقي به مواضع الغلط، ثم بعد ذلك يتسع الفهم والاستنباط … ولا مطمع في الوصول إلى الباطن قبل إحكام الظاهر) (٣). ثانيا: أوجه الاختلاف: لا يمكن القول بأن الاستنباط والتفسير شيء واحد وإن كانت الصلة بينهما كبيرة. فيبقى بين الاستنباط والتفسير أوجه تميز كل واحد منهما، ومن هذه الأوجه: ١) يشترط في الاستنباط الخفاء فيما يستنبط بخلاف التفسير فلا يشترط فيه ذلك. ٢) مرجع التفسير هو اللغة وكلام السلف، ومرجع الاستنباط هو التدبر والتأمل في الآيات. ٣) التفسير مختص بمعرفة المعاني، والاستنباط مختص باستخراج ما وراء المعاني من الفوائد والأحكام الخفية. ٤) الاستنباط مستمر لا ينقطع، وأما التفسير للألفاظ فقد عُلم. قال الشنقيطي: (فكل آية من كتاب الله قد علم ما جاء فيها من النبي ﷺ ، ثم من الصحابة، والتابعين، وكبار المفسرين) (٤)، ولا يمكن لأحد ادعاء معرفة جميع ما تحمله الآية من الفوائد والأحكام. (٥). تنبيه: لا يلزم للحكم بصحة الاستنباط أن يصح مع جميع المعاني الصحيحة لتفسير الآية، ففي بعض المواطن يصح الاستنباط على أحد المعاني الراجحة في تفسير الآية (٦).

стр. 22

وفي مواطن أخرى يصح الاستنباط على جميع المعاني الصحيحة لتفسير الآية (١). ثالثاً: التعريف بالشوكاني ﵀. قال عنه تلميذه محمد صديق خان القنوجي (٢): (هو إمام الأئمة، ومفتي الأمة، بحر العلوم، وشمس الفهوم، سند المجتهدين الحفاظ، فارس المعاني والألفاظ، فريد العصر، نادر الدهر، شيخ الإسلام، قدوة الأنام، علامة الزمان، ترجمان الحديث والقرآن، علم الزهاد، أوحد العباد، قامع المبتدعين، آخر المجتهدين، رأس الموحدين، تاج المتبعين، صاحب التصانيف التي لم يسبق إلى مثلها، قاضي الجماعة، شيخ الرواية والسماعة، عالي الإسناد، السابق في ميدان الاجتهاد على الأكابر الأمجاد، المطلع على حقائق الشريعة ومواردها، العارف بغوامضها ومقاصدها) (٣). اسمه، ونسبه: هو أبو عبد الله (٤)، أو أبو علي (٥)، بدر الدين (٦)، محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني، ثم الصنعاني. (٧).

стр. 23

فأما الصنعاني فنسبة إلى صنعاء اليمن (١)، وأما الشوكاني فنسبة إلى مكان عدني (٢) هجرة شَوْكَان (٣) -وهي هجرة بينها وبين صنعاء دون مسافة يوم- بينه وبينها جبل كبير مستطيل يقال له الهجرة؛ ولذا ذكر الشوكاني أن نسبته إلى شوكان ليست حقيقية (٤). وقد ترجم الشوكاني لوالده علي بن محمد، ثم انتهى بالسلسلة إلى آدم ﵇. وذكر في أثناء ذلك نسبة والده إلى قحطان بن هود بن عامر، وإذا كانت أنساب اليمن تنتهي إلى حمير وكهلان ابني سبأ بن يشجب بن قحطان؛ فإن في هذا ما يوضح نسبه العربي اليمني (٥). مولده: ولد حسبما وُجد بخط والده، في وسط نهار يوم الاثنين الثامن والعشرين من شهر ذي القعدة سنة ثلاث وسبعين ومائة وألف للهجرة (١١٧٣ هـ) (٦). نشأته وطلبه العلم: نشأ بصنعاء في بيئة ميسورة الحال، حيث كان أبوه من العلماء الكبار، وكان يشغل منصب قاضي صنعاء؛ فتربى في بيئة تعينه على طلب العلم، بيئة علمية تهيئه لأن يكون عالما نابغا (٧). وقد تكفل والده بأمور معيشته لئلا يشتغل بغير طلب العلم. قال الشوكاني عن والده: (ولقد بلغ معي إلى حد من البر والشفقة والإعانة على طلب العلم، والقيام بما أحتاج إليه مبلغا عظيما بحيث لم يكن لي شغلة بغير الطلب، فجزاه الله خيرا، وكافأه بالحسنى) (٨). قرأ القرآن وجوَّده على جماعة من مشايخ القراء بصنعاء، وفي أثناء ذلك كان قد حفظ عدة مختصرات في الفقه، والنحو، والعروض، وآداب البحث، وعلوم اللغة. وطالعَ عدة كتب من كتب التاريخ والأدب.

стр. 24

ثم شرع في طلب العلم فدرس على والده، وعلى البارزين من العلماء في عصره في مختلف العلوم: الدينية، والعقلية، والفلكية، والرياضية، إذ وجد بيئة علمية زاخرة بالعلماء والأدباء. وظل كما يقول: يأخذ عن شيوخه حتى استوفى كل ما عندهم من كتب، بل زاد في قراءاته الخاصة على ما ليس عندهم. وكان طلبه للعلم في صنعاء نفسها، لم يرحل عنها على عادة طلاب العلم لعدم إذن أبويه له في الرحلة، فكان عند إذنهما (١). وكثيرا ما كان يقرأ على مشايخه، فإذا فرغ من كتاب قراءةً أخذه عنه تلاميذه الذين اجتمعوا عليه، وهو لا يزال في أول الطلب، بل ربما اجتمعوا على الأخذ عنه قبل أن يفرُغ من قراءة الكتاب على شيخه؛ ولذلك كانت دروسه تبلغ في اليوم والليلة ثلاثة عشر درسا، منها ما يأخذه عن مشايخه، ومنها ما يأخذه عنه تلاميذه (٢). وكان في أيام قراءته على الشيوخ وإقرائه لتلامذته يفتي أهل مدينة صنعاء، ومن وفد إليها، بل ترد عليه الفتاوى من الديار التهامية وشيوخه إذ ذاك أحياء. وكادت الفتيا تدور عليه من عوام الناس وخواصهم، واستمر يفتي من نحو العشرين من عمره فما بعد ذلك، وكان لا يأخذ على الفتيا شيئا تنزها، فإذا عوتب في ذلك قال: أنا أخذت العلم بلا ثمن فأريد إنفاقه كذلك (٣). وفي الجملة، فقد درس دراسة واسعة، واطلع اطلاعاً يندر أن يحيط به غيره، فليس من المستطاع سرد ما درسه من كتب، أو استجازه من مراجع. ومن يرجع إلى كتبه يدرك مدى ما كان عليه هذا الرجل من تنوّع في الثقافة، واتساع فيها. وقد برع في كل ذلك تقريبا، وصنَّف ودرَّس فيه. ولا غرو أنْ رأينا بعض كُتَّاب التراجم (٤) يعرِّف به فيقول: مفسر، محدث، فقيه، أصولي، مؤرخ، أديب، نحوي، منطقي، متكلم، حكيم. (٥). عقيدته: قرر الشوكاني مذهب السلف الصالح من هذه الأمة، وبيَّن أنه المذهب الحق الذي يجب اتباعه، فقال: لا ينبغي لعالم أن يدين بغير ما دان به السلف الصالح من الصحابة والتابعين وتابعيهم، من الوقوف على ما تقتضيه أدلة الكتاب والسنة، وإبراز الصفات كما جاءت، ورد علم المتشابه إلى الله سبحانه، وعدم الاعتداد بشيء من تلك القواعد المدونة في هذا العلم، المبنية على شفا جرف هار من أدلة العقل التي لا تعقل ولا تثبت إلا بمجرد الدعاوى والافتراء على العقل بما يطابق الهوى، ولا سيما إذا كانت مخالفة لأدلة الشرع الثابتة في الحديث والسنة، فإنها حينئذ حديث خرافة، ولعبة لاعب، فلا سبيل للعباد يتوصلون به إلى معرفة ما يتعلق بالرب سبحانه، وبالوعد والوعيد، والجنة والنار، والمبدأ والمعاد، إلا ما جاءت به الأنبياء -صلوات الله عليهم وسلامه- عن الله سبحانه (٦).

стр. 25

وقال أيضا: الحق الذي لا شك فيه ولا شبهة هو ما كان عليه خير القرون، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، وقد كانوا ﵏ وأرشدنا إلى الاقتداء بهم والاهتداء بهديهم-يُمرون أدلة الصفات على ظاهرها، ولا يتكلفون علم ما لا يعلمون، ولا يتأولون، وهذا المعلوم من أقوالهم، وأفعالهم، والمتقرر من مذاهبهم، لا يشك شاك في ذلك، ولا ينكره منكر، ولا يجادل فيه مجادل، وإن نزع بينهم نازع، أو نجم في عصرهم ناجم؛ أوضحوا للناس أمره؛ وبينوا لهم أنه على ضلالة، وصرحوا بذلك له في المجامع والمحافل (١). وقد وافق الشوكاني السلف في جميع أركان الإيمان الستة، وهي: الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقضاء والقدر، ولم يخالفهم إلا في مسائل قليلة، وكان رأيه في بعضها مضطربا بين كتاب وآخر كما في بعض الصفات. وتلك المسائل هي: أولا: في توحيد الألوهية: أجاز التوسل بالذات والجاه، وجعله كالتوسل بالعمل الصالح (٢)، وهذا مخالف لما قرره ودعا إليه في عدد من كتبه من محاربة الشرك وسد الذرائع المؤدية إليه (٣). ثانيا: في أسماء الله تعالى: ذهب إلى جواز تسمية الله بما ثبت من صفاته، سواء ورد التوقيف بها أو لم يرد، قال- عند شرح حديث"كانت يمين النبي ﷺ لا ومقلب القلوب" (٤) -: (والمراد بتقليب القلوب تقليب أحوالها لا ذواتها، وفيه جواز تسمية الله بما ثبت من صفاته على وجه يليق به) (٥). لكنه لم يطبق هذه القاعدة في شيء من كتبه (٦). ثالثا: في صفات الله تعالى: ١) … أوَّل بعض الصفات في تفسيره تأويلا أشعريا. والصفات التي أولها هي: الوجه (٧)، والعين (٨)، واليد (٩)، والعلو (١٠)، والمجيء (١١)،

стр. 26

والإتيان (١)، والمحبة (٢)، والغضب (٣). وهذا المنهج مناقض (٤) لمنهجه في رسالته: (التحف) في إثبات الصفات على ظاهرها من غير تحريف، ولا تعطيل، ولا تكييف، ولا تمثيل- وهو مذهب السلف رضوان الله عليهم- حيث قال: مذهب السلف من الصحابة ﵃ والتابعين وتابعيهم، هو إيراد أدلة الصفات على ظاهرها من دون تحريف لها، ولا تأويل متعسف لشيء منها، ولا جبر، ولا تشبيه ولا تعطيل يفضي إليه كثير من التأويل. وكانوا إذا سال سائل عن شيء من الصفات تلوا عليه الدليل، وأمسكوا عن القال والقيل، وقالوا: قال الله هكذا، ولا ندري بما سوى ذلك، ولا نتكلف، ولا نتكلم بما لا نعلمه، ولا أذن الله لنا بمجاوزته. فإن أراد السائل أن يظفر منهم بزيادة على الظاهر زجروه عن الخوض فيما لا يعنيه، ونهوه عن طلب ما لا يمكن الوصول إليه إلا بالوقوع في بدعة من البدع التي هي غير ما هم عليه وما حفظوه عن رسول الله ﷺ ، وحفظه التابعون عن الصحابة، وحفظه من بعد التابعين عن التابعين (٥).

стр. 27

٢) … نهج منهج أهل التفويض في صفة المعية-في رسالته (التحف)، فلم يفسرها بمعية العلم، بل زعم أن هذا التفسير شعبة من شعب التأويل المخالف لمذهب السلف (١). وهذا مخالف لما ذهب إليه في تفسيره، وفي كتابه (تحفة الذاكرين) من أن هذه المعية معية العلم، ففسرها تفسير السلف (٢). (٣). ٣) … في مسألة خلق القرآن لم يجزم برأي هل هو مخلوق أو غير مخلوق، قال: (والتمسك بأذيال الوقف، وإرجاع علم ذلك إلى عالمه هو الطريقة المثلى، وفيه السلامة والخلوص من تكفير طوائف من عباد الله، والأمر لله سبحانه) (٤). (٥). رابعا: في نواقض التوحيد: ١) … أجاز تحري الدعاء عند قبور الأنبياء والصالحين باعتبارها أماكن مباركة يستجاب الدعاء فيها (٦)، وهذا مخالف لما قرره ودعا إليه في عدد من كتبه من سد الذرائع إلى الشرك في الأموات (٧). ٢) … جعل الحلف بالقرآن كالحلف بمخلوق من مخلوقات الله (٨). خامسا: في النبوات: يرى التوقف في مسألة التفضيل بين الأنبياء والرسل (٩) ﵇. وقد كان الشوكاني يسلك طريقة السلف في الاستدلال لكل مسألة من مسائل العقيدة التي أثبتها، فيقدم الأدلة النقلية على العقلية، ويقدم المعنى الظاهر من النصوص على معنى المجاز منها، كما في كتابه (التحف)، إلا في مسألة المعية كما تقدم، وكذلك في تفسيره للاستواء وغيرها من الصفات التي أثبتها في تفسيره ولم يؤولها. أما ما يظهر في كتبه من اضطراب وتناقض في هذا الباب وغيره مما خالف فيه السلف فيمكن الاعتذار عنه بأنه نشأ وترعرع في بيئة زيدية (١٠)، وكانت دراسته داخلها ولم يخرج منها، فلعل الظروف المحيطة بهذه البيئة لم يتهيأ معها الاطلاع على كتب أئمة السلف.

стр. 28

هذا، وقد أخطأ الشوكاني فيما أخطأ، ولا يقال إلا أنه من البشر يخطئ كما يخطئون ويصيبون (١). مذهبه: تخلى الشوكاني في سن مبكرة عن التمذهب، وتحلى بمنصب الاجتهاد، وأصبح لا يتقيد بمذهب معين، بل اعتمد اعتمادا مباشرا على الكتاب والسنة مجتهدا في فهم نصوصها، ولو خالف مذهب الزيدية، أو المذاهب الأربعة كلها (٢). وقد ذكر في ترجمته لنفسه أنه ترك التقليد، واجتهد رأيه اجتهاد مطلقا غير مقيَّد وهو قبل الثلاثين (٣). ودعا إلى مذهبه الاجتهادي، وقرر أن التقليد والانتساب إلى عالم من العلماء دون غيره، والتقيد بجميع ما جاء به من رواية ورأي، وإهمال ما عداه، من أعظم ما حدث في هذه الأمة من البدع والضلالة (٤). الاجتهاد والتقليد عند الشوكاني: التقليد لغة: وضع الشيء في العنق مع الإحاطة به، ويسمى ذلك قلادة. ومنه تقليد البدن بأن يجعل في عنقها شعارا يعلم به أنها هدي (٥). ثم يستعمل في تفويض الأمر إلى الشخص استعارة، كأنه ربط الأمر بعنقه، كما قال لقيط الإيادي (٦): وقلدوا أمركم لله دركم … رحب الذراع بأمر الحرب مضطلعا (٧). وفي عرف الفقهاء: قبول قول الغير من غير معرفة دليله (٨). أو العمل بقول الغير من غير حجة (٩). أخذا من المعنى اللغوي، كأن المقلد يطوق المجتهد إثم ما غشه به في دينه، أي يجعله طوقا في عنقه (١٠). وقد عني الشوكاني بأمر التقليد كثيرا؛ فكتب فيه كتابه: (القول المفيد في أدلة الاجتهاد والتقليد)، وكتاب: (أدب الطلب ومنتهى الأرب)، وقد أشار الشوكاني لهذين الكتابين عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (١٠٤)﴾ [المائدة: ١٠٤] قال: (وفي ذلك دليل على قبح التقليد والمنع منه، والبحث في ذلك يطول، وقد أفردته بمؤلف مستقل سميته: القول المفيد في حكم التقليد، واستوفي الكلام فيه في أدب الطلب ومنتهى الأرب) (١١).

стр. 29

كما تحدث عن التقليد أيضا في مقدمة كتابه: (السيل الجرار المتدفق على حدائق الأزهار)، وكذلك في مواطن كثيرة من تفسيره (١)، وهو القائل: (وكم في الكتاب العزيز من التنبيه على هذا-يعني التقليد- والتحذير منه والتنفير عنه) (٢). وفي حكم التقليد خلاف دائر بين الجواز والمنع، ولكل دليله (٣). وقبل الحكم على ما ذهب إليه الشوكاني في حكم التقليد ينبغي التنبه إلى أمور: الأول: أن الشوكاني يذم التقليد المخالف للكتاب والسنة. فالمتتبع لكلام الشوكاني -في تفسيره- عن التقليد والمقلدين يظهر له أنه يذم التقليد المخالف للكتاب والسنة، وقد نص على هذا في مواضع كثيرة، منها: ١ - قال الشوكاني: - عند قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٤)﴾ [الأنفال: ٢٤]- (على أنه يجب على كل مسلم إذا بلغه قول الله أو قول رسوله في حكم من الأحكام الشرعية أن يبادر إلى العمل به، كائنا ما كان، ويدع ما خالفه من الرأي، وأقوال الرجال. وفي هذه الآية الشريفة أعظم باعث على العمل بنصوص الأدلة، وترك التقيد بالمذاهب وعدم الاعتداد بما يخالف ما في الكتاب والسنة كائنا ما كان) (٤).

стр. 30

٢ - قال الشوكاني: - عند قوله تعالى ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣١)﴾ [التوبة: ٣١]- (وفي هذه الآية ما يزجر من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد عن التقليد في دين الله، وتأثير ما يقوله الأسلاف على ما في الكتاب العزيز والسنة المطهرة، فإن طاعة المتمذهب لمن يقتدي بقوله، ويستن بسنته من علماء هذه الأمة، مع مخالفته لما جاءت به النصوص، وقامت به حجج الله وبراهينه، ونطقت به كتبه وأنبياؤه؛ هو كاتخاذ اليهود والنصارى للأحبار والرهبان أربابا من دون الله؛ للقطع بأنهم لم يعبدوهم، بل أطاعوهم، وحرموا ما حرموا، وحللوا ما حللوا، وهذا هو صنيع المقلدين من هذه الأمة) (١). الثاني: لا يلام الشوكاني في تشنيعه على التقليد؛ إذ نشأ في بيئة زيدية، ودرس وتفقه على علمائها، لكنه ترك التمذهب، واعتمد اعتمادا مباشرا على الكتاب والسنة (٢). وكان في زمانه جماعة من المقلدة الجامدين على التعصب في الأصول والفروع، وكان الشوكاني إماما مجتهدا، ينبذ التقليد، ويحاربه محاربة شديدة؛ لذا كان شديد الإنكار على التقليد، محاربا له بلسانه، وبنانه. ولم تزل المصاولة والمقاولة بينه وبينهم دائرة، ولم يزالوا ينددون عليه في المباحث من غير حجة؛ لذا جعل كلامه في السيل الجرار في الحقيقة موجها إليهم في التنفير عن التقليد المذموم، وإيقاظهم إلى النظر في الدليل؛ لأنه يرى تحريم التقليد (٣). فكأن ذمه للتقليد دعوة للبحث عن الحق، وتحذير من التعصب في التقليد، وتنبيه لما يفضي إليه من نزاع بين أفراد الأمة. قال الشوكاني: كان الجاهل في أيام الصحابة والتابعين وتابعيهم يسأل العالم عن الحكم الشرعي الثابت في كتاب الله أو بسنة رسوله ﷺ ؛ فيفتيه به، ويرويه له لفظا أو معنى؛ فيعمل بذلك من باب العمل بالرواية لا بالرأي، وهذا هو الهدى الذي درج عليه خير القرون، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم. حتى استدرج الشيطان بذريعة التقليد من استدرج، ولم يكتف بذلك حتى سول لهم الاقتصار على تقليد فرد من أفراد العلماء، وعدم جواز تقليد غيره، ثم توسع في ذلك، فخيل لكل طائفة أن الحق مقصور على ما قاله إمامها، وما عداه باطل، ثم أوقع في قلوبهم العداوة والبغضاء حتى إنك تجد من العداوة بين أهل المذاهب المختلفة ما لم تجده بين أهل الملل المختلفة (٤).

стр. 31

الثالث: أنه فرَّق بين التقليد والاتباع (١). فجعل من عرف دليل من أخذه عنه متبعا لا مقلدا. قال الشوكاني: (وإن استروح المقلد إلى الاستدلال بقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ … لَا تَعْلَمُونَ (٧)﴾ [الأنبياء: ٧]. فهو يقتصر على سؤال أهل العلم عن الحكم الثابت في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ حتى يبينون له كما أخذ الله عليهم من بيان أحكامه لعباده، فإن معنى هذا السؤال الذي شرع الله هو السؤال عن الحجة الشرعية، وطلبها من العالم؛ فيكون راويا وهذا السائل مسترويا، والمقلد يقر على نفسه بأنه يقبل قول العالم، ولا يطالبه بالحجة. فالآية هي دليل الاتباع لا دليل التقليد) (٢). ولأن الآية هي دليل الاتباع لا دليل التقليد؛ رد استنباط من استنبط جواز التقليد من قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ … لَا تَعْلَمُونَ (٧)﴾ فقال: (وقد اُستدل بالآية على أن التقليد جائز وهو خطأ، ولو سلم؛ لكان المعنى سؤالهم عن النصوص من الكتاب والسنة لا عن الرأي البحت، وليس التقليد إلا قبول قول الغير دون حجته) (٣). الرابع: ليس في منعه من التقليد تكليف للأمة بما لا يطيقون، إنما مراده أن يبذل كل أحد وسعه في معرفة الحق. وعلى الجاهل الذي لا يفهم ألفاظ الكتاب والسنة أن يسأل من يفطن ذلك، وحينها يكون السائل عاملا بالكتاب والسنة بواسطة المسؤول، ويرتفع عنه وصف التقليد المذموم. قال الشوكاني: (على أني أقول بعد هذا (٤) إن من كان عاطلا عن العلوم الواجب عليه أن يسأل من يثق بدينه وعلمه عن نصوص الكتاب والسنة في الأمور التي يجب عليه من عبادة أو معاملة، وسائر ما يحدث له؛ فيقول لمن يسأله: علمني أصح ما ثبت في ذلك من الأدلة حتى أعمل به، وليس هذا من التقليد في شيء؛ لأنه لم يسأل عن رأيه بل عن روايته، ولكنه لما كان لجهله لا يفطن ألفاظ الكتاب والسنة وجب عليه أن يسأل من يفطن ذلك، فهو عامل بالكتاب والسنة بواسطة المسؤول) (٥).

стр. 32

ولذا رد الشوكاني قول من قال: لو كان التقليد غير جائز؛ لكان الاجتهاد واجبا على كل فرد من أفراد العباد، وهو تكليف ما لا يطاق؛ فإن الطباع البشرية متفاوتة، وعلى فرض إنها قابلة له جميعها فوجوب تحصيله على كل فرد يؤدي إلى تبطيل المعايش التي لا يتم بقاء النوع بدونها؛ فحينئذ يشتغل الحراث والزراع والنساج والعمار ونحوهم بالعلم وتبقى هذه الأعمال شاغرة معطلة. فرد بقوله: (ويجاب عن هذا التشكيك الفاسد بأنا لا نطلب من كل فرد من أفراد العباد أن يبلغ رتبة الاجتهاد، بل المطلوب هو أمر دون التقليد، وذلك بأن يكون القائمون بهذه المعايش، والقاصرون إدراكا وفهما، كما كان عليه أمثالهم في أيام الصحابة والتابعين وتابعيهم، وهم خير القرون، والذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، وقد علم كل عالم أنهم لم يكونوا مقلدين، ولا منتسبين إلى فرد من أفراد العلماء، بل كان الجاهل يسأل العالم عن الحكم الشرعي الثابت في كتاب الله أو بسنة رسوله ﷺ ؛ فيفتيه به ويرويه له لفظا أو معنى؛ فيعمل بذلك من باب العمل بالرواية لا بالرأي، وهذا أسهل من التقليد؛ فإن تفهم دقائق علم الرأي أصعب من تفهم الرواية بمراحل كثيرة، فما طلبنا من هؤلاء العوام إلا ما هو أخف عليهم مما طلبه منهم الملزمون لهم بالتقليد، وهذا هو الهدى الذي درج عليه خير القرون، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم) (١). ومما يدل أيضا على أنه لم يطالب الأمة بما لا يطيقون أنه نبه على حكم التقليد في الأصول بما لا يشق على أفراد هذه الأمة؛ فكما راعى حالهم في معرفة الفروع راعى حالهم في معرفة الأصول، فقال: -ردا على من قال: لا يكون المرء مؤمنا حتى يخرج فيها عن جملة المقلدين- (فيا لله العجب من هذه المقالة التي تقشعر لها الجلود، وترجف عند سماعها الأفئدة، فإنها جناية على جمهور هذه الأمة المرحومة، وتكليف لهم بما ليس في وسعهم، ولا يطيقونه. وقد كفى غالب الصحابة الذين لم يبلغوا درجة الاجتهاد ولا قاربوها الإيمان الجملي، ولم يكلفهم رسول الله -وهو بين أظهرهم- بمعرفة ذلك، ولا أخرجهم عن الإيمان بتقصيرهم عن البلوغ إلى العلم بذلك بأدلته) (٢). ثم نبه على أن المقصود هو حصول العلم حتى يصير بحيث لا يتردد، وأن من أمعن النظر في أحوال العوام وجد في كثير منهم الإيمان في صدره كالجبال الرواسي (٣). (٤).

стр. 33

فإذا تقررت هذه الأمور، وعرفت؛ تبين صواب قول الشوكاني بمنع التقليد، والله تعالى أعلم. (١). ومذهب الشوكاني في التقليد هو مذهب من سبقه من المجددين والمصلحين، كالأئمة الأربعة، وشيخ الإسلام ابن تيمية (٢)، وتلميذه ابن القيم، وصاحب الدعوة السلفية في نجد الإمام محمد بن عبد الوهاب (٣)، وغيرهم (٤). شيوخه: تقدم أن الشوكاني نشأ في صنعاء التي كانت حينذاك مدينة علمية، تعقد في مساجدها الحلقات الدراسية التي يتولى التدريس فيها مشايخ العلم في مختلف العلوم الإسلامية والعربية. ومن شيوخه: ١ - أحمد بن عامر الحدائي (١١٢٧ - ١١٩٧ هـ) (٥). الفقيه الفرضي، عالم عصره، تصدر لتدريس علم الفقه والفرائض في جامع صنعاء، وقد قرأ عليه الشوكاني في الفقه والفرائض. ٢ - السيد إسماعيل بن الحسن المهدي (١١٢٠ - ١٢٠٦ هـ) (٦).

стр. 34

كان يسمى سيبويه عصره، وهو شيخ الشوكاني في العربية. واشتهر على الألسن أنه من افتتح طلبه عليه في علم العربية. ٣ - عبد الرحمن بن الحسن الأكوع (١١٣٥ - ١٢٠٦ هـ) (١). شيخ الفروع ومحققها، وسمع عليه الشوكاني صحيح البخاري. ٤ - عبد القادر بن أحمد الكوكباني (١١٣٥ - ١٢٠٧ هـ) (٢). العلامة المجتهد المطلق في كل الفنون كما وصفه الشوكاني، قرأ عليه الشوكاني في مختلف الفنون، وكان بينهما مكاتبات أدبية من نظم ونثر. ٥ - علي بن إبراهيم بن أحمد بن عامر (١١٤٣ - ١٢٠٧ هـ) (٣). كان إماما في جميع الفنون، ليس له نظير في حفظ الأشعار لأهل الجاهلية والإسلام كما وصفه الشوكاني. ٦ - الحسن بن إسماعيل المغربي (١١٤٠ - ١٢٠٨ هـ) (٤). عالم النحو والصرف والمعاني والبيان والفقه والتفسير والحديث، قرأ عليه الشوكاني بعض كتب الحديث. ٧ - القاسم بن يحيى الخولاني (١١٦٢ - ١٢٠٨ هـ) (٥). قال عنه الشوكاني: شيخنا العلامة الأكبر، برع في جميع العلوم، وفاق الأقران. وقد لازمه الشوكاني وانتفع به في أوائل الطلب. ٨ - صدِّيق علي المزجاجي الحنفي (١١٥٠ - ١٢٠٩ هـ) (٦). قرأ وتفقه في الحديث حتى صار علما في هذا الفن، وحجة في علوم الحديث، وهو مع هذا محقق في فقه الحنفية، شيخ الشوكاني بالإجازة في الحديث وغيره. ٩ - والده علي بن محمد الشوكاني (١١٣٠ - ١٢١١ هـ) (٧). قرأ عليه الفقه في أيام الصغر. ١٠ - أحمد بن محمد القابلي الحرَازي (١١٥٨ - ١٢٢٧ هـ) (٨). شيخ الفروع وأستاذ الفقه والأصول، برز في الفقه والفرائض، لازمه الشوكاني في الفقه ثلاث عشرة سنة، وقرأ عليه الفرائض أيضا. تلاميذه: تتلمذ على الشوكاني جماعة كبيرة من فضلاء العلماء، وأعلام المحققين، منهم: ١ - أخوه يحيى بن علي الشوكاني (١١٩٠ - ١٢٦٧ هـ) (٩).

стр. 35

أجازه الشوكاني إجازة عامة في جميع مؤلفاته، وجميع ما لهُ من نظم ونثر. ووصفه بأنه جيِّد النظم إلى الغاية القصوى. ٢ - محمد بن حسين الشجني الذماري (١٢٠٠ - ١٢٨٦ هـ) (١). درس على الشوكاني، واختص به، وأجازه الشوكاني إجازة عامة. ٣ - محمد بن أحمد بن سعد السودي (١١٧٨ - ١٢٣٦ هـ) (٢). لازم الشوكاني في أول طلبه، وقرأ عليه في العربية، والأصول، والحديث. ٤ - لطف الله بن أحمد جحاف (١١٨٩ - ١٢٢٣ هـ) (٣). لازم الشوكاني دهرا طويلا، وقرأ عليه في النحو، والصرف، والمعاني، والبيان، والتفسير، والحديث، والأصول والفقه، قال عنه الشوكاني: (صار من أعيان علماء العصر وهو في سن الشباب). أعماله: ١) اشتغاله بالتدريس: اشتغل الشوكاني بالتدريس في أيام الطلب، وكان في أثناء دراسته يُلقي ما يأخذه عن مشايخه إلى تلاميذه الذين اجتمعوا عليه، ولذلك كانت دروسه تبلغ في اليوم والليلة ثلاثة عشر درسا، منها ما يأخذه عن أساتذته، ومنها ما يلقيه على تلاميذه. ثم تفرغ لإفادة طلاب العلم، فكانوا يأخذون عنه في كل يوم زيادة على عشرة دروس -كما قال في ترجمته لنفسه- في فنون متعددة كالتفسير والحديث والأصول والمعاني والبيان والمنطق (٤). ٢) مباشرته للإفتاء: بدأ الشوكاني بالإفتاء في أيام قراءته على الشيوخ وإقرائه لتلامذته، وكان في العشرين من عمره، وكان يفتي أهل مدينة صنعاء، ومن وفد إليها. ومما يدل على سعة علمه، وعلو كعبه أن الفتاوى ترد إليه وشيوخه إذ ذاك أحياء. وكادت الفتيا تدور عليه من عوام الناس وخواصيهم، واستمر يفتي من نحو العشرين من عمره فما بعد ذلك، وكان لا يأخذ على الفتيا شيئا تنزها، فإذا عوتب في ذلك قال: أنا أخذت العلم بلا ثمن فأريد إنفاقه كذلك (٥).

стр. 36

٣) قيامه بالدعوة الإصلاحية: يمكن بيان دعوة الشوكاني التجديدية الإصلاحية في ثلاثة خطوط: ١ - دعوته إلى الاجتهاد ونبذ التقليد. ٢ - دعوته إلى العقيدة السلفية. ٣ - دعوته إلى تطهير العقيدة، وتنقيتها من مظاهر الشرك الخفي (١). ٤) توليه القضاء العام: قال عن نفسه إنه ابتلي بالقضاء في مدينة صنعاء بعد موت من كان متوليا للقضاء الأكبر بها، وكان إذ ذاك مشتغلا بعلوم الاجتهاد، والإفتاء، والتصنيف، فلم يشعر إلا بطلاب الخليفة يطالبونه بتولي منصب القضاء؛ فتردد لفترة طويلة، ثم تلقى إلحاحا من كبار العلماء والأعيان، وأجمعوا على أن الإجابة واجبة؛ فقبل. وكان في السادسة والثلاثين من عمره (٢). آثاره العلمية ومؤلفاته: بذل الشوكاني في التأليف جهدا عظيما، فمع اشتغاله بالتدريس، والإفتاء لم يتوقف عن التأليف. وكان يؤلف كتبه لأهداف محددة (٣) ذكرها بقوله: وإنما التصنيف الذي يستحق أن يقال له تصنيف، والتأليف الذي ينبغي لأهل العلم الذين أخذ الله عليهم بيانه، وأقام لهم على وجوبه عليهم برهانه، وهو أن ينصروا فيه الحق، ويخذلوا به الباطل، ويهدموا بحججه أركان البدع، ويقطعوا به حبائل التعصب، ويوضحوا فيه للناس ما نزل إليهم من البينات والهدى، ويبالغوا في إرشاد العباد إلى الإنصاف فيحببوا إلى قلوبهم العمل بالكتاب والسنة، وينفروهم من اتباع محض الرأي، وزائف المقال، وكاسد الاجتهاد (٤). وذكر الشوكاني في ترجمته لنفسه عددا كبيرا من مؤلفاته بلغ عددها ستة وتسعين كتابا ورسالة (٥)، ثم قال: (هذا ما أمكن خطوره بالبال حال تحرير هذه الترجمة، ولعل ما لم يُذكر أكثر مما ذكر) (٦). واختلف الباحثون في عدد مؤلفاته، فقيل: هي مائة وواحد وخمسون (١٥١) كتابا مخطوطا ومطبوعا (٧)، وقيل: هي مائة وستون (١٦٠) كتابا (٨)، وأما صاحب رسالة: (الإمام الشوكاني مفسرا) فقد حصر كتبه المخطوطة والمطبوعة، وقال: إنها مائتان وسبعة وعشرون (٢٢٧) كتابا وبحثا ورسالة (٩). والأظهر ما ذكره صاحب كتاب: (الإمام الشوكاني حياته وفكره) من أن مؤلفاته تصل إلى مائتين وثمانية وسبعين (٢٧٨) مؤلفا مخطوطا ومطبوعا، منها: مائتان وأربعون (٢٤٠) مخطوطا، و ثمانية وثلاثون (٣٨) مؤلفا مطبوعا (١٠).

стр. 37

ومن أشهر مؤلفاته: ١) إتحاف الأكابر بإسناد الدفاتر. ٢) أدب الطلب ومنتهى الأرب. ٣) إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق في علم الأصول. ٤) البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع. ٥) تحفة الذاكرين بعدة الحصن الحصين من كلام سيد المرسلين. ٦) التحف في الإرشاد إلى مذهب السلف. ٧) الدرر البهية في المسائل الفقهية. ٨) الدراري المضيئة شرح الدرر البهية. ٩) در السحابة في مناقب الصحابة والقرابة. ١٠) السيل الجرار المتدفق على حدائق الأزهار. ١١) شرح الصدور بتحريم رفع القبور. ١٢) فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية في علم التفسير. ١٣) الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة. ١٤) قطر الولي على حديث الولي. ١٥) القول المفيد في أدلة الاجتهاد والتقليد. ١٦) نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار. (١). شعره وأدبه: الشوكاني شاعر أديب. وصف بعض نظمه بأنه اشتمل على مباحث علمية وأدبية، والقيام في نصرة الحق، وتنشيط النفس على لزوم العزة، وحفظ شرف العلم، وصيانته عن أن يبتذل أو يمتهن، والحث على الاجتهاد، والتنفير من التقليد، والحض على الإنصاف، وعدم التعصب (٢). ونبَّه الشوكاني إلى أنه كان ينظم الشعر في بعض المواطن، فقال في ترجمته لنفسه: (وربما قال الشعر إذا دعت لذلك حاجة، كجواب ما يكتبه إليه بعض الشعراء من سؤال، أو مطارحة أدبية، أو نحو ذلك) (٣). وقد جمع ابنه أحمد (ت: ١٢٨١ هـ) شعر والده في ديوان سماه: أسلاك الجوهر، وفيه ما يربو على ٢٦٠٠ بيت (٤). ومن شعره قوله: أود بأن أعيش لنشر علم … قطعت به الشبيبة والمشيبا وصنفت الدفاتر فيه حتى … إذا سهم الصواب بها مصيبا وصارت مرجع الأعلام لما … رأوها مرتعا لهم خصيبا (٥). وقال عن المقلدين: فشمِّر على اسم الله في نشر سنة … لخير الورى فاصبر على ما تكابده فإنك في دهر به قد تنكَّرت … من الدين فاعلم يا ابن ودي معاهده إذا قلت: قال الله قال رسوله … يقولون: هذا مورد ضل وارده فإن قلت: هذا قدَّرته مشايخ … يقولون: هذا عالم العصر واحده أيُنكرُ معروف ويُعرفُ منكر … ويقبل في الدين المطهر جاحده (٦). وقال أيضا في شأن التقليد: قلبٌ تقلَّب في فنو … نٍ من جنون العشق طبعا في ربا تلك المنازل يذري دموع عيونه … مُحْمَرَّة وترا وشفعا من هوى ظبي الخمائل ما العيش إلا في ذرا الـ … أحباب والأتراب قطعا كم على هذا دلائل كم بين من يقضي بما … قام الدليل عليه قطعا وفتى عن التحقيق عاطل يروي من الرأي المجر … د كل فاقرة وشنعا مقصوده قد قال قائل كم بين ذاك وبين ذا … من غاية رفعا ووضعا أين العقال من المعاقل (٧).

стр. 38

زهده: كان منجمعا عن بني الدنيا، لم يقف بباب أمير، ولا قاض، ولا صحب أحدا من أهل الدنيا، ولا خضع لمطلب من مطالبها، بل كان مشتغلا في جميع أوقاته بالعلم درسا، وتدريسا، وإفتاء، وتصنيفا، عائشا في كنف والده (١). وفاته: توفي الشوكاني-رحمه الله تعالى- بصنعاء في جمادى الآخرة سنة ألف ومائتين وخمسين للهجرة (١٢٥٠ هـ) عن سبع وسبعين سنة (٢). رابعاً: التعريف بتفسير (فتح القدير) للشوكاني. تفسير الشوكاني (فتح القدير) فريد في بابه، حوى جواهر ابن جرير، وعمق القرطبي، وإيجاز ابن عطية (٣)، وتدقيق ابن كثير، ودرر السيوطي، وألمعية الشوكاني (٤). وهو وحيد من حيث جمعه، وترتيبه، وحسن أدائه، واستيعابه لأنواع علوم القرآن، وجمعه بين الدراية والرواية (٥). وعنوان هذا الكتاب يشرح الطريقة، فلم يقتصر على التفسير بالمأثور، ولم يجعل همه العقليات بل هو تفسير يجمع بين الرواية التي هي إيراد المأثورات، والدراية التي هي إبداء الرأي بعد الفهم والتأمل في الآية (٦). وأحسن ما يبين طريقة الشوكاني في تفسيره ما قاله هو عن طريقته فيه في مقدمة تفسيره، حيث قال: وطنت نفسي على سلوك طريقة هي بالقبول عند الفحول حقيقة، وها أنا أوضح لك منارها، وأبين لك إيرادها وإصدارها؛ فأقول: إن غالب المفسرين تفرقوا فريقين، وسلكوا طريقين: الفريق الأول: اقتصروا في تفاسيرهم على مجرد الرواية، وقنعوا برفع هذه الراية. والفريق الآخر: جرَّدوا أنظارهم إلى ما تقتضيه اللغة العربية، وما تفيده العلوم الآلية، ولم يرفعوا إلى الرواية رأسا، وإن جاءوا بها لم يصححوا لها أساسا. وكلا الفريقين قد أصاب، وأطال، وأطاب، وإن رفع عماد بيت تصنيفه على بعض الأطناب، وترك منها ما لا يتم بدونه كمال الانتصاب؛ فإن ما كان من التفسير ثابتا عن رسول الله ﷺ وإن كان المصير إليه متعينا، وتقديمه متحتما، غير أن الذي صح عنه من ذلك إنما هو تفسير آيات قليلة بالنسبة إلى جميع القرآن، ولا يختلف في مثل ذلك من أئمة هذا الشأن اثنان، وأما ما كان منها ثابتا عن الصحابة ﵃ فإن كان من الألفاظ التي قد نقلها الشرع إلى معنى مغاير للمعنى اللغوي بوجه من الوجوه فهو مقدم على غيره، وإن كان من الألفاظ التي لم ينقلها الشرع فهو كواحد من أهل اللغة الموثوق بعربيتهم، فإذا خالف المشهور المستفيض لم تقم الحجة علينا بتفسيره الذي قاله على مقتضى لغة العرب، فبالأولى تفاسير من بعدهم من التابعين، وتابعيهم، وسائر الأئمة. وأيضا كثيرا ما يقتصر الصحابي ومن بعده من السلف على وجه واحد مما يقتضيه النظم القرآني باعتبار المعنى اللغوي، ومعلوم أن ذلك لا يستلزم إهمال سائر المعاني التي تفيدها اللغة العربية، ولا إهمال ما يستفاد من العلوم التي تتبين بها دقائق العربية وأسرارها، كعلم المعاني والبيان، فإن التفسير بذلك هو تفسير باللغة لا تفسير بمحض الرأي المنهي عنه. وأيضا لا يتيسر في كل تركيب من التراكيب القرآنية تفسير ثابت عن السلف، بل قد يخلو عن ذلك كثير من القرآن، ولا اعتبار بما لم يصح كالتفسير المنقول بإسناد ضعيف، ولا بتفسير من ليس بثقة منهم وإن صح إسناده إليه، وبهذا تعرف أنه لا بد من الجمع بين الأمرين، وعدم الاقتصار على مسلك أحد الفريقين، وهذا هو المقصد الذي وطنت نفسي عليه، والمسلك الذي عزمت على سلوكه إن شاء الله، مع تعرضه للترجيح بين التفاسير المتعارضة مهما أمكن واتضح لي وجهه، وأخذي من بيان المعنى العربي والإعرابي والبياني بأوفر نصيب، والحرص على إيراد ما ثبت من التفسير عن رسول الله ﷺ ، أو الصحابة، أو التابعين، أو تابعيهم، أو الأئمة المعتبرين. وقد أذكر ما في إسناده ضعف إما لكون في المقام ما يقويه، أو لموافقته للمعنى العربي، وقد أذكر الحديث معزوا إلى راويه من غير بيان حال الإسناد؛ لأني أجده في الأصول التي نقلت عنها، كذلك كما يقع في تفسير ابن جرير، والقرطبي، وابن كثير، والسيوطي، وغيرهم، ويبعد كل البعد أن يعلموا في الحديث ضعفا ولا يبينونه، ولا ينبغي أن يقال فيما أطلقوه إنهم قد علموا ثبوته، فإن من الجائز أن ينقلوه من دون كشف عن حال الإسناد، بل هذا هو الذي يغلب به الظن؛ لأنهم لو كشفوا عنه فثبتت عندهم صحته لم يتركوا بيان ذلك كما يقع منهم كثيرا التصريح بالصحة أو الحسن، فمن وجد الأصول التي يروون عنها، ويعزون ما في تفاسيرهم إليها؛ فلينظر في أسانيدها موفقا إن شاء الله. واعلم أن تفسير السيوطي المسمى بالدر المنثور قد اشتمل على غالب ما في تفاسير السلف من التفاسير المرفوعة إلى النبي ﷺ ، وتفاسير الصحابة، ومن بعدهم، وما فاته إلا القليل النادر. وقد اشتمل هذا التفسير على جميع ما تدعو إليه الحاجة منه مما يتعلق بالتفسير مع اختصار لما تكرر لفظا واتحد معنى بقولي: ومثله، أو نحوه، وضممت إلى ذلك فوائد لم يشتمل عليها وجدتها في غيره من تفاسير علماء الرواية، أو من الفوائد التي لاحت لي من تصحيح، أو تحسين، أو تضعيف، أو تعقب، أو جمع، أو ترجيح.

стр. 39

فهذا التفسير وإن كبر حجمه فقد كثر علمه، وتوفر من التحقيق قسمه، وأصاب غرض الحق سهمه، واشتمل على ما في كتب التفاسير من بدائع الفوائد، مع زوائد فوائد وقواعد شوارد، فإن أحببت أن تعتبر صحة هذا فهذه كتب التفسير على ظهر البسيطة، انظر تفاسير المعتمدين على الرواية، ثم ارجع إلى تفاسير المعتمدين على الدراية، ثم انظر في هذا التفسير بعد النظرين؛ فعند ذلك يسفر الصبح لذي عينين، ويتبين لك أن هذا الكتاب هو لب اللباب، وعجب العجاب، وذخيرة الطلاب، ونهاية مآرب الألباب. وقد سميته: فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير (١). المنهج العام الذي اتبعه الشوكاني في تفسير الآيات: يبدأ في تفسيره للآية أو الوحدة غالبا كما يلي: ١ - فضائل السورة. ٢ - القراءة. ٣ - اللغة. ٤ - الإعراب ثم الشواهد. ٥ - أسباب النزول. ٦ - النسخ. ٧ - المعنى الإجمالي، وترجيح الأقوال. ٨ - الأحكام المستنبطة من الآية. ٩ - الختم بالأحاديث النبوية والآثار. (٢). وهو مع هذا يذكر كثيرا المناسبات بين الآيات، وغيرها من أنواع المناسبات، ويدلي بدلوه؛ فيرجح، ويستظهر، ويستنبط، ويعطي نفسه حرية واسعة في الاستنباط؛ لأنه يرى نفسه مجتهدا لا يقل عن غيره من المجتهدين (٣). وكثيرا ما يقدم خلاصة لما تضمنته السورة قبل الشروع في تفسيرها (٤). تقديم الدراية على الرواية: إن قيل: كان الأولى تقديم الرواية على الدراية؛ فيمكن أن يُجاب على هذا بأن لتقديم الدراية وجوها: الأول: أن الرواية التي يذكرها الشوكاني لا تستوعب كل ما في الآية مما يحتاج إلى تفسير، وكذلك لا تستوعب جميع الآيات، أما الدراية فهي بخلاف ذلك. الثاني: أن بعض المروي ضعيف فلا يعتمد عليه. الثالث: أنه قد يكون من باب ذكر الشيء ثم الاستدلال عليه، فلا يفهم من تقديم الدراية على الرواية الصحيحة تقديم الرأي على المأثور. عناية الشوكاني بعلم المناسبات:

стр. 40

الشوكاني ليس معارضا للمناسبة، بل هو من المؤيدين لها، ويدل على هذا أمور: الأول: أنه اعتنى في تفسيره كثيرا بأنواع المناسبات الداخلية، والخارجية، ومن هذه الأنواع: ١) مناسبة اختيار لفظة: استنبط الشوكاني مناسبة اختيار لفظة محددة دون غيرها في بعض المواضع، ومن الأمثلة على ذلك: أ - استنبط مناسبة اختيار لفظ البارئ في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٥٤)﴾ [البقرة: ٥٤]، فقال: (وفي ذكر البارئ إشارة إلى عظيم جرمهم، أي: فتوبوا إلى الذي خلقكم وقد عبدتم معه غيره) (١). ب - استنبط مناسبة اختيار لفظ (يرجون) في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢١٨)﴾ [البقرة: ٢١٨]، فقال: (وقوله: ﴿يَرْجُونَ﴾ معناه يطمعون، وإنما قال: يرجون بعد تلك الأوصاف المادحة التي وصفهم بها؛ لأنه لا يعلم أحد في هذه الدنيا أنه صائر إلى الجنة ولو بلغ في طاعة الله كل مبلغ) (٢). ٢) المناسبة بين المقسم والمقسم به: نبه الشوكاني على نوع هام من أنواع المناسبات هو التناسب والترابط بين المقسم به والمقسم عليه، إذ اختيار المقسم به تراعى فيه الصفة التي تناسب الموقف (٣). ومثال ذلك: في قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ (٧) إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ (٨)﴾ [الذاريات: ٧ - ٨]. حيث قال: (﴿إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ (٨)﴾ هذا جواب القسم بالسماء ذات الحبك، أي أنكم يا أهل مكة لفي قول مختلف متناقض في محمد ﷺ بعضكم يقول: إنه شاعر، وبعضكم يقول: إنه ساحر، وبعضكم يقول: إنه مجنون. ووجه تخصيص القسم بالسماء المتصفة بتلك الصفة؛ تشبيه أقوالهم في اختلافها باختلاف طرائق السماء) (٤).
следующие страницы →