٣) قيامه بالدعوة الإصلاحية:
يمكن بيان دعوة الشوكاني التجديدية الإصلاحية في ثلاثة خطوط:
١ - دعوته إلى الاجتهاد ونبذ التقليد.
٢ - دعوته إلى العقيدة السلفية.
٣ - دعوته إلى تطهير العقيدة، وتنقيتها من مظاهر الشرك الخفي (١).
٤) توليه القضاء العام:
قال عن نفسه إنه ابتلي بالقضاء في مدينة صنعاء بعد موت من كان متوليا للقضاء الأكبر بها، وكان إذ ذاك مشتغلا بعلوم الاجتهاد، والإفتاء، والتصنيف، فلم يشعر إلا بطلاب الخليفة يطالبونه بتولي منصب القضاء؛ فتردد لفترة طويلة، ثم تلقى إلحاحا من كبار العلماء والأعيان، وأجمعوا على أن الإجابة واجبة؛ فقبل. وكان في السادسة والثلاثين من عمره (٢).
آثاره العلمية ومؤلفاته:
بذل الشوكاني في التأليف جهدا عظيما، فمع اشتغاله بالتدريس، والإفتاء لم يتوقف عن التأليف. وكان يؤلف كتبه لأهداف محددة (٣) ذكرها بقوله: وإنما التصنيف الذي يستحق أن يقال له تصنيف، والتأليف الذي ينبغي لأهل العلم الذين أخذ الله عليهم بيانه، وأقام لهم على وجوبه عليهم برهانه، وهو أن ينصروا فيه الحق، ويخذلوا به الباطل، ويهدموا بحججه أركان البدع، ويقطعوا به حبائل التعصب، ويوضحوا فيه للناس ما نزل إليهم من البينات والهدى، ويبالغوا في إرشاد العباد إلى الإنصاف فيحببوا إلى قلوبهم العمل بالكتاب والسنة، وينفروهم من اتباع محض الرأي، وزائف المقال، وكاسد الاجتهاد (٤).
وذكر الشوكاني في ترجمته لنفسه عددا كبيرا من مؤلفاته بلغ عددها ستة وتسعين كتابا ورسالة (٥)، ثم قال: (هذا ما أمكن خطوره بالبال حال تحرير هذه الترجمة، ولعل ما لم يُذكر أكثر مما ذكر) (٦).
واختلف الباحثون في عدد مؤلفاته، فقيل: هي مائة وواحد وخمسون (١٥١) كتابا مخطوطا
ومطبوعا (٧)، وقيل: هي مائة وستون (١٦٠) كتابا (٨)، وأما صاحب رسالة: (الإمام الشوكاني مفسرا) فقد حصر كتبه المخطوطة والمطبوعة، وقال: إنها مائتان وسبعة وعشرون (٢٢٧) كتابا وبحثا ورسالة (٩). والأظهر ما ذكره صاحب كتاب: (الإمام الشوكاني حياته وفكره) من أن مؤلفاته تصل إلى مائتين وثمانية وسبعين (٢٧٨) مؤلفا مخطوطا ومطبوعا، منها: مائتان وأربعون (٢٤٠) مخطوطا، و ثمانية وثلاثون (٣٨) مؤلفا مطبوعا (١٠).
стр. 37
ومن أشهر مؤلفاته:
١) إتحاف الأكابر بإسناد الدفاتر.
٢) أدب الطلب ومنتهى الأرب.
٣) إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق في علم الأصول.
٤) البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع.
٥) تحفة الذاكرين بعدة الحصن الحصين من كلام سيد المرسلين.
٦) التحف في الإرشاد إلى مذهب السلف.
٧) الدرر البهية في المسائل الفقهية.
٨) الدراري المضيئة شرح الدرر البهية.
٩) در السحابة في مناقب الصحابة والقرابة.
١٠) السيل الجرار المتدفق على حدائق الأزهار.
١١) شرح الصدور بتحريم رفع القبور.
١٢) فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية في علم التفسير.
١٣) الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة.
١٤) قطر الولي على حديث الولي.
١٥) القول المفيد في أدلة الاجتهاد والتقليد.
١٦) نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار. (١).
شعره وأدبه:
الشوكاني شاعر أديب. وصف بعض نظمه بأنه اشتمل على مباحث علمية وأدبية، والقيام في نصرة الحق، وتنشيط النفس على لزوم العزة، وحفظ شرف العلم، وصيانته عن أن يبتذل أو يمتهن، والحث على الاجتهاد، والتنفير من التقليد، والحض على الإنصاف، وعدم التعصب (٢).
ونبَّه الشوكاني إلى أنه كان ينظم الشعر في بعض المواطن، فقال في ترجمته لنفسه: (وربما قال الشعر إذا دعت لذلك حاجة، كجواب ما يكتبه إليه بعض الشعراء من سؤال، أو مطارحة أدبية، أو نحو ذلك) (٣).
وقد جمع ابنه أحمد (ت: ١٢٨١ هـ) شعر والده في ديوان سماه: أسلاك الجوهر، وفيه ما يربو على ٢٦٠٠ بيت (٤).
ومن شعره قوله:
أود بأن أعيش لنشر علم … قطعت به الشبيبة والمشيبا
وصنفت الدفاتر فيه حتى … إذا سهم الصواب بها مصيبا
وصارت مرجع الأعلام لما … رأوها مرتعا لهم خصيبا (٥).
وقال عن المقلدين:
فشمِّر على اسم الله في نشر سنة … لخير الورى فاصبر على ما تكابده
فإنك في دهر به قد تنكَّرت … من الدين فاعلم يا ابن ودي معاهده
إذا قلت: قال الله قال رسوله … يقولون: هذا مورد ضل وارده
فإن قلت: هذا قدَّرته مشايخ … يقولون: هذا عالم العصر واحده
أيُنكرُ معروف ويُعرفُ منكر … ويقبل في الدين المطهر جاحده (٦).
وقال أيضا في شأن التقليد:
قلبٌ تقلَّب في فنو … نٍ من جنون العشق طبعا
في ربا تلك المنازل
يذري دموع عيونه … مُحْمَرَّة وترا وشفعا
من هوى ظبي الخمائل
ما العيش إلا في ذرا الـ … أحباب والأتراب قطعا
كم على هذا دلائل
كم بين من يقضي بما … قام الدليل عليه قطعا
وفتى عن التحقيق عاطل
يروي من الرأي المجر … د كل فاقرة وشنعا
مقصوده قد قال قائل
كم بين ذاك وبين ذا … من غاية رفعا ووضعا
أين العقال من المعاقل (٧).
стр. 38
زهده:
كان منجمعا عن بني الدنيا، لم يقف بباب أمير، ولا قاض، ولا صحب أحدا من أهل الدنيا، ولا خضع لمطلب من مطالبها، بل كان مشتغلا في جميع أوقاته بالعلم درسا، وتدريسا، وإفتاء، وتصنيفا، عائشا في كنف والده (١).
وفاته:
توفي الشوكاني-رحمه الله تعالى- بصنعاء في جمادى الآخرة سنة ألف ومائتين وخمسين للهجرة (١٢٥٠ هـ) عن سبع وسبعين سنة (٢).
رابعاً: التعريف بتفسير (فتح القدير) للشوكاني.
تفسير الشوكاني (فتح القدير) فريد في بابه، حوى جواهر ابن جرير، وعمق القرطبي، وإيجاز ابن عطية (٣)، وتدقيق ابن كثير، ودرر السيوطي، وألمعية الشوكاني (٤). وهو وحيد من حيث جمعه، وترتيبه، وحسن أدائه، واستيعابه لأنواع علوم القرآن، وجمعه بين الدراية والرواية (٥).
وعنوان هذا الكتاب يشرح الطريقة، فلم يقتصر على التفسير بالمأثور، ولم يجعل همه العقليات بل هو تفسير يجمع بين الرواية التي هي إيراد المأثورات، والدراية التي هي إبداء الرأي بعد الفهم والتأمل في الآية (٦).
وأحسن ما يبين طريقة الشوكاني في تفسيره ما قاله هو عن طريقته فيه في مقدمة تفسيره، حيث قال: وطنت نفسي على سلوك طريقة هي بالقبول عند الفحول حقيقة، وها أنا أوضح لك منارها، وأبين لك إيرادها وإصدارها؛ فأقول: إن غالب المفسرين تفرقوا فريقين، وسلكوا طريقين:
الفريق الأول: اقتصروا في تفاسيرهم على مجرد الرواية، وقنعوا برفع هذه الراية.
والفريق الآخر: جرَّدوا أنظارهم إلى ما تقتضيه اللغة العربية، وما تفيده العلوم الآلية، ولم يرفعوا إلى الرواية رأسا، وإن جاءوا بها لم يصححوا لها أساسا. وكلا الفريقين قد أصاب، وأطال، وأطاب، وإن رفع عماد بيت تصنيفه على بعض الأطناب، وترك منها ما لا يتم بدونه كمال الانتصاب؛ فإن ما كان من التفسير ثابتا عن رسول الله ﷺ وإن كان المصير إليه متعينا، وتقديمه متحتما، غير أن الذي صح عنه من ذلك إنما هو تفسير آيات قليلة بالنسبة إلى جميع القرآن، ولا يختلف في مثل ذلك من أئمة هذا الشأن اثنان، وأما ما كان منها ثابتا عن الصحابة ﵃ فإن كان من الألفاظ التي قد نقلها الشرع إلى معنى مغاير للمعنى اللغوي بوجه من الوجوه فهو مقدم على غيره، وإن كان من الألفاظ التي لم ينقلها الشرع فهو كواحد من أهل اللغة الموثوق بعربيتهم، فإذا خالف المشهور المستفيض لم تقم الحجة علينا بتفسيره الذي قاله على مقتضى لغة العرب، فبالأولى تفاسير من بعدهم من التابعين، وتابعيهم، وسائر الأئمة. وأيضا كثيرا ما يقتصر الصحابي ومن بعده من السلف على وجه واحد مما يقتضيه النظم القرآني باعتبار المعنى اللغوي، ومعلوم أن ذلك لا يستلزم إهمال سائر المعاني التي تفيدها اللغة العربية، ولا إهمال ما يستفاد من العلوم التي تتبين بها دقائق العربية وأسرارها، كعلم المعاني والبيان، فإن التفسير بذلك هو تفسير باللغة لا تفسير بمحض الرأي المنهي عنه. وأيضا لا يتيسر في كل تركيب من التراكيب القرآنية تفسير ثابت عن السلف، بل قد يخلو عن ذلك كثير من القرآن، ولا اعتبار بما لم يصح كالتفسير المنقول بإسناد ضعيف، ولا بتفسير من ليس بثقة منهم وإن صح إسناده إليه، وبهذا تعرف أنه لا بد من الجمع بين الأمرين، وعدم الاقتصار على مسلك أحد الفريقين، وهذا هو المقصد الذي وطنت نفسي عليه، والمسلك الذي عزمت على سلوكه إن شاء الله، مع تعرضه للترجيح بين التفاسير المتعارضة مهما أمكن واتضح لي وجهه، وأخذي من بيان المعنى العربي والإعرابي والبياني بأوفر نصيب، والحرص على إيراد ما ثبت من التفسير عن رسول الله ﷺ ، أو الصحابة، أو التابعين، أو تابعيهم، أو الأئمة المعتبرين. وقد أذكر ما في إسناده ضعف إما لكون في المقام ما يقويه، أو لموافقته للمعنى العربي، وقد أذكر الحديث معزوا إلى راويه من غير بيان حال الإسناد؛ لأني أجده في الأصول التي نقلت عنها، كذلك كما يقع في تفسير ابن جرير، والقرطبي، وابن كثير، والسيوطي، وغيرهم، ويبعد كل البعد أن يعلموا في الحديث ضعفا ولا يبينونه، ولا ينبغي أن يقال فيما أطلقوه إنهم قد علموا ثبوته، فإن من الجائز أن ينقلوه من دون كشف عن حال الإسناد، بل هذا هو الذي يغلب به الظن؛ لأنهم لو كشفوا عنه فثبتت عندهم صحته لم يتركوا بيان ذلك كما يقع منهم كثيرا التصريح بالصحة أو الحسن، فمن وجد الأصول التي يروون عنها، ويعزون ما في تفاسيرهم إليها؛ فلينظر في أسانيدها موفقا إن شاء الله. واعلم أن تفسير السيوطي المسمى بالدر المنثور قد اشتمل على غالب ما في تفاسير السلف من التفاسير المرفوعة إلى النبي ﷺ ، وتفاسير الصحابة، ومن بعدهم، وما فاته إلا القليل النادر. وقد اشتمل هذا التفسير على جميع ما تدعو إليه الحاجة منه مما يتعلق بالتفسير مع اختصار لما تكرر لفظا واتحد معنى بقولي: ومثله، أو نحوه، وضممت إلى ذلك فوائد لم يشتمل عليها وجدتها في غيره من تفاسير علماء الرواية، أو من الفوائد التي لاحت لي من تصحيح، أو تحسين، أو تضعيف، أو تعقب، أو جمع، أو ترجيح.
стр. 39
فهذا التفسير وإن كبر حجمه فقد كثر علمه، وتوفر من التحقيق قسمه، وأصاب غرض الحق سهمه، واشتمل على ما في كتب التفاسير من بدائع الفوائد، مع زوائد فوائد وقواعد شوارد، فإن أحببت أن تعتبر صحة هذا فهذه كتب التفسير على ظهر البسيطة، انظر تفاسير المعتمدين على الرواية، ثم ارجع إلى تفاسير المعتمدين على الدراية، ثم انظر في هذا التفسير بعد النظرين؛ فعند ذلك يسفر الصبح لذي عينين، ويتبين لك أن هذا الكتاب هو لب اللباب، وعجب العجاب، وذخيرة الطلاب، ونهاية مآرب الألباب. وقد سميته: فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير (١).
المنهج العام الذي اتبعه الشوكاني في تفسير الآيات:
يبدأ في تفسيره للآية أو الوحدة غالبا كما يلي:
١ - فضائل السورة.
٢ - القراءة.
٣ - اللغة.
٤ - الإعراب ثم الشواهد.
٥ - أسباب النزول.
٦ - النسخ.
٧ - المعنى الإجمالي، وترجيح الأقوال.
٨ - الأحكام المستنبطة من الآية.
٩ - الختم بالأحاديث النبوية والآثار. (٢).
وهو مع هذا يذكر كثيرا المناسبات بين الآيات، وغيرها من أنواع المناسبات، ويدلي بدلوه؛ فيرجح، ويستظهر، ويستنبط، ويعطي نفسه حرية واسعة في الاستنباط؛ لأنه يرى نفسه مجتهدا لا يقل عن غيره من المجتهدين (٣). وكثيرا ما يقدم خلاصة لما تضمنته السورة قبل الشروع في تفسيرها (٤).
تقديم الدراية على الرواية:
إن قيل: كان الأولى تقديم الرواية على الدراية؛ فيمكن أن يُجاب على هذا بأن لتقديم الدراية وجوها:
الأول: أن الرواية التي يذكرها الشوكاني لا تستوعب كل ما في الآية مما يحتاج إلى تفسير، وكذلك لا تستوعب جميع الآيات، أما الدراية فهي بخلاف ذلك.
الثاني: أن بعض المروي ضعيف فلا يعتمد عليه.
الثالث: أنه قد يكون من باب ذكر الشيء ثم الاستدلال عليه، فلا يفهم من تقديم الدراية على الرواية الصحيحة تقديم الرأي على المأثور.
عناية الشوكاني بعلم المناسبات:
стр. 40
الشوكاني ليس معارضا للمناسبة، بل هو من المؤيدين لها، ويدل على هذا أمور:
الأول: أنه اعتنى في تفسيره كثيرا بأنواع المناسبات الداخلية، والخارجية، ومن هذه الأنواع:
١) مناسبة اختيار لفظة:
استنبط الشوكاني مناسبة اختيار لفظة محددة دون غيرها في بعض المواضع، ومن الأمثلة على ذلك:
أ - استنبط مناسبة اختيار لفظ البارئ في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٥٤)﴾ [البقرة: ٥٤]، فقال: (وفي ذكر البارئ إشارة إلى عظيم جرمهم، أي: فتوبوا إلى الذي خلقكم وقد عبدتم معه غيره) (١).
ب - استنبط مناسبة اختيار لفظ (يرجون) في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢١٨)﴾ [البقرة: ٢١٨]، فقال: (وقوله: ﴿يَرْجُونَ﴾ معناه يطمعون، وإنما قال: يرجون بعد تلك الأوصاف المادحة التي وصفهم بها؛ لأنه لا يعلم أحد في هذه الدنيا أنه صائر إلى الجنة ولو بلغ في طاعة الله كل مبلغ) (٢).
٢) المناسبة بين المقسم والمقسم به:
نبه الشوكاني على نوع هام من أنواع المناسبات هو التناسب والترابط بين المقسم به والمقسم عليه، إذ اختيار المقسم به تراعى فيه الصفة التي تناسب الموقف (٣).
ومثال ذلك: في قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ (٧) إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ (٨)﴾ [الذاريات: ٧ - ٨]. حيث قال: (﴿إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ (٨)﴾ هذا جواب القسم بالسماء ذات الحبك، أي أنكم يا أهل مكة لفي قول مختلف متناقض في محمد ﷺ بعضكم يقول: إنه شاعر، وبعضكم يقول: إنه ساحر، وبعضكم يقول: إنه مجنون. ووجه تخصيص القسم بالسماء المتصفة بتلك الصفة؛ تشبيه أقوالهم في اختلافها باختلاف طرائق السماء) (٤).
стр. 41
٣) مناسبة ختم الآية:
فللشوكاني عناية باستنباط مناسبة ختم الآية لموضوعها، والآية قد تختم باسم من أسماء الله الحسنى، أو تختم بخاتمة تناسب موضوعها.
أولا: الأمثلة على مناسبة ختم الآية باسم من أسماء الله الحسنى:
أ - استنبط الشوكاني مناسبة ختم قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى … السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٩)﴾ [البقرة: ٢٩] بأن الله بكل شيء عليم، فقال: (وإنما أثبت لنفسه سبحانه أنه بكل شيء عليم لأنه يجب أن يكون عالما بجميع ما ثبت أنه خالقه) (١).
ب - استنبط الشوكاني مناسبة ختم قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢٩)﴾ [آل عمران: ١٢٩] بأن الله غفور رحيم، فقال: قال الشوكاني ﵀: (وفي قوله: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢٩)﴾ إشارة إلى أن رحمته سبقت غضبه، وتبشير لعباده بأنه المتصف بالمغفرة والرحمة على وجه المبالغة، وما أوقع هذا التذييل الجليل، وأحبه إلى قلوب العارفين بأسرار التنزيل) (٢).
ت - مناسبة ختم قوله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ … عَلِيًّا كَبِيرًا (٣٤)﴾ [النساء: ٣٤] بأن الله علي كبير، قال الشوكاني ﵀: (﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ … عَلِيًّا كَبِيرًا (٣٤)﴾ إشارة إلى الأزواج بخفض الجناح، ولين الجانب، أي: وإن كنتم تقدرون عليهن؛ فاذكروا قدرة الله عليكم، فإنها فوق كل قدرة والله بالمرصاد لكم) (٣).
стр. 42
ثانيا: مناسبة ختم الآية بخاتمة تناسب موضوعها.
أ - مناسبة ختم قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ [البقرة: ٣٠] بقوله: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٠)﴾، قال الشوكاني ﵀: (ولما كان سؤالهم واقعا على صفة تستلزم إثبات شيء من العلم لأنفسهم؛ أجاب الله سبحانه عليهم بقوله: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ وفي هذا الإجمال ما يغني عن التفصيل؛ لأن من علم ما لا يعلم المخاطب له كان حقيقا بأن يسلم له ما يصدر عنه. وعلى من لا يعلم أن يعترف لمن يعلم بأن أفعاله صادرة على ما يوجبه العلم وتقتضيه المصلحة الراجحة، والحكمة البالغة) (١).
ب - مناسبة ذكر الفقه عند الحديث عن إنشاء الأنفس من نفس واحدة، وجعل بعضها مستقرا، وبعضها مستودعا في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٩٧) وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ (٩٨)﴾ [الأنعام: ٩٧ - ٩٨]، قال الشوكاني ﵀: (وذكر سبحانه هاهنا ﴿يَفْقَهُونَ (٩٨)﴾، وفيما قبله ﴿يَعْلَمُونَ﴾؛ لأن في إنشاء الأنفس من نفس واحدة، وجعل بعضها مستقرا، وبعضها مستودعا من الغموض والدقة ما ليس في خلق النجوم للاهتداء، فناسبه ذكر الفقه؛ لإشعاره بمزيد تدقيق، وإمعان فكر) (٢).
٤) المناسبة بين الآيات:
أ - مناسبة قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ بعد ذكر اتخاذ الله إبراهيم ﵇ خليلا في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ … حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ … خَلِيلًا (١٢٥) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا (١٢٦)﴾ [النساء: ١٢٥ - ١٢٦]، قال: (﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ فيه إشارة إلى أنه سبحانه اتخذ إبراهيم خليلا؛ لطاعته، لا لحاجته، ولا للتكثير به، والاعتضاد بمخاللته) (٣).
стр. 43
ب - مناسبة ذكر قصتي موسى ﵇، وعيسى ﵇ بعد ذكر محبة الله للمجاهدين في سبيله في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ … بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ (٤) وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (٥) وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (٦)﴾ [الصف: ٤ - ٦]، قال: (لما ذكر سبحانه أنه يحب المقاتلين في سبيله بين أن موسى وعيسى أمرا بالتوحيد، وجاهدا في سبيل الله، وحل العقاب بمن خالفهم … ويجوز أن يكون وجه ذكر قصة موسى وعيسى بعد محبة المجاهدين في سبيل الله التحذير لأمة محمد ﷺ أن يفعلوا مع نبيهم ما فعله قوم موسى وعيسى معهما) (١).
٥) المناسبة بين سورتين (مناسبة آخر سورة بفاتحة التي تليها):
كمناسبة خاتمة سورة الأنبياء لفاتحة سورة الحج. قال الشوكاني: (لما انجر الكلام في خاتمة السورة المتقدمة إلى ذكر الإعادة وما قبلها وما بعدها؛ بدأ سبحانه في هذه السورة بذكر القيامة، وأهوالها؛ حثا على التقوى التي هي أنفع زاد فقال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾) (٢). (٣).
الثاني: أنه دعا إلى استخراج المناسبة، وإعمال الفكر لمعرفتها. قال- عند قوله تعالى: ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٤٣)﴾ [الأنعام: ١٤٣]-: (وينبغي أن ينظر في وجه تقديم المعز والضأن على الإبل والبقر، مع كون الإبل والبقر أكثر نفعا، وأكبر أجساما، وأعود فائدة، لا سيما في الحمولة والفرش اللذين وقع الإبدال منهما على ما هو الوجه الأوضح في إعراب ثمانية) (٤).
стр. 44
الثالث: أنه أثنى في كتابه (البدر الطالع) على كتاب البقاعي (١) (نظم الدرر) عند ترجمته له بقوله: (ومن أمعن النظر في كتاب المترجَم له في التفسير، الذي جعله في المناسبة بين الآي والسور؛ علم أنه من أوعية العلم، المفرطين في الذكاء، الجامعين بين علمي المعقول والمنقول. وكثيرا ما يشكل علي شيء في الكتاب العزيز فأرجع إلى مطولات التفاسير ومختصراتها، فلا أجد ما يشفي، وأرجع إلى هذا الكتاب فأجد ما يفيد في الغالب) (٢). فهذا النص دال على أن الشوكاني أخذ عن البقاعي كثيرا، فقول الشوكاني: (فأجد ما يفيد في الغالب) دال على أنه يرتضي غالب ما عند البقاعي، لكنه يدل أيضا على أن بعض ما عند البقاعي لا يرتضيه الشوكاني ربما للتكلف فيه.
والشوكاني لم يكتف بالأخذ عن البقاعي بل استنبط مناسبات لم يذكرها البقاعي مما يدل على اعتنائه بذكر المناسبات. ومن المناسبات التي ذكرها الشوكاني ولم يذكرها البقاعي: مناسبة ختم قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢٩)﴾ [آل عمران: ١٢٩] بأن الله غفور رحيم. قال الشوكاني ﵀: (وفي قوله: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢٩)﴾ إشارة إلى أن رحمته سبقت غضبه، وتبشير لعباده بأنه المتصف بالمغفرة والرحمة على وجه المبالغة، وما أوقع هذا التذييل الجليل، وأحبه إلى قلوب العارفين بأسرار التنزيل) (٣).
أما كلامه الشديد الذي ظاهره رد المناسبات، وهو قوله: (اعلم أن كثيرا من المفسرين جاءوا بعلم متكلف، وخاضوا في بحر لم يكلفوا سباحته، واستغرقوا أوقاتهم في فن لا يعود عليهم بفائدة، بل أوقعوا أنفسهم في التكلم بمحض الرأي المنهي عنه في الأمور المتعلقة بكتاب الله سبحانه، وذلك أنهم أرادوا أن يذكروا المناسبة بين الآيات القرآنية المسرودة على هذا الترتيب الموجود في المصاحف، فجاءوا بتكلفات وتعسفات يتبرأ منها الإنصاف، ويتنزه عنها كلام البلغاء فضلا عن كلام الرب سبحانه، حتى أفردوا ذلك بالتصنيف، وجعلوه المقصد الأهم من التأليف، كما فعله البقاعي في تفسيره، ومن تقدمه حسبما ذكر في خطبته، وإن هذا لمن أعجب ما يسمعه من يعرف أن هذا القرآن ما زال ينزل مفرقا على حسب الحوادث المقتضية لنزوله منذ نزول الوحي على رسول الله ﷺ إلى أن قبضه الله إليه، وكل عاقل فضلا عن عالم لا يشك أن هذه الحوادث المقتضية نزول القرآن متخالفة باعتبار نفسها، بل قد تكون متناقضة كتحريم أمر كان حلالا، وتحليل أمر كان حراما، وإثبات أمر لشخص أو أشخاص يناقض ما كان قد ثبت لهم قبله، وتارة يكون الكلام مع المسلمين، وتارة مع الكافرين، وتارة مع من مضى، وتارة مع من حضر، وحينا في عبادة، وحينا في معاملة، ووقتا في ترغيب، ووقتا في ترهيب، وآونة في بشارة، وآونة في نذارة، وطورا في أمر دنيا، وطورا في أمر آخرة، ومرة في تكاليف آتية، ومرة في أقاصيص ماضية. وإذا كانت أسباب النزول مختلفة هذا الاختلاف، ومتباينة هذا التباين الذي لا يتيسر معه الائتلاف؛ فالقرآن النازل فيها هو باعتباره نفسه مختلف كاختلافها، فكيف يطلب العاقل المناسبة بين الضب والنون، والماء والنار، والملاح والحادي، وهل هذا إلا من فتح أبواب الشك، وتوسيع دائرة الريب على من في قلبه مرض، أو كان مرضه مجرد الجهل والقصور، فإنه إذا وجد أهل العلم يتكلمون في التناسب بين جميع آي القرآن، ويفردون ذلك بالتصنيف تقرر عنده أن هذا أمر لا بد منه، وأنه لا يكون القرآن بليغا معجزا إلا إذا ظهر الوجه المقتضي للمناسبة، وتبين الأمر الموجب للارتباط، فإن وجد الاختلاف بين الآيات فرجع إلى ما قاله المتكلمون في ذلك فوجده تكلفا محضا، وتعسفا بينا انقدح في قلبه ما كان عنه في عافية وسلامة. هذا على فرض أن نزول القرآن كان مترتبا على هذا الترتيب الكائن في المصحف، فكيف وكل من له أدنى علم بالكتاب، وأيسر حظ من معرفته يعلم علما يقينا أنه لم يكن كذلك، ومن شك في هذا وإن لم يكن مما يشك فيه أهل العلم رجع إلى كلام أهل العلم العارفين بأسباب النزول، المطلعين على حوادث النبوة؛ فإنه ينثلج صدره، ويزول عنه الريب بالنظر في سورة من السور المتوسطة فضلا عن المطولة؛ لأنه لا محالة يجدها مشتملة على آيات نزلت في حوادث مختلفة، وأوقات متباينة لا مطابقة بين أسبابها وما نزل فيها في الترتيب، بل يكفي المقصر أن يعلم أن أول ما نزل ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١)﴾ [العلق: ١]، وبعده ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ … (١)﴾ [المدثر: ١] ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١)﴾ [المزمل: ١] وينظر وينظر أين موضع هذه الآيات والسور في ترتيب المصحف، وإذا كان الأمر هكذا فأي معنى لطلب المناسبة بين آيات نعلم قطعا أنه قد تقدم في ترتيب المصحف ما أنزله الله متأخرا، وتأخر ما أنزله الله متقدما، فإن هذا عمل لا يرجع إلى ترتيب نزول القرآن، بل إلى ما وقع من الترتيب عند جمعه ممن تصدى لذلك من الصحابة، وما أقل نفع مثل هذا، وأنزر ثمرته، وأحقر فائدته، بل هو عند من يفهم ما يقول وما يقال له من تضييع الأوقات، وإنفاق الساعات في أمر لا يعود بنفع على فاعله، ولا على من يقف عليه من الناس. وأنت تعلم أنه لو تصدى رجل من أهل العلم للمناسة بين ما قاله رجل من البلغاء من خطبه ورسائله وإنشاءاته، أو إلى ما قاله شاعر من الشعراء من القصائد التي تكون تارة مدحا، وأخرى هجاء، وحينا نسيبا، وحينا رثاء، وغير ذلك من الأنواع المتخالفة، فعمد هذا المتصدي إلى ذلك المجموع فناسب بين فقره ومقاطعه، ثم تكلف تكلفا آخر فناسب بين الخطبة التي خطبها في الجهاد، والخطبة التي خطبها في الحج، والخطبة التي خطبها في النكاح، ونحو ذلك وناسب بين الإنشاء الكائن في العزاء، والإنشاء الكائن في الهناء، وما يشابه ذلك؛ لعد هذا المتصدي لمثل هذا مصابا في عقله، متلاعبا بأوقاته، عابثا بعمره الذي هو رأس ماله، وإذا كان مثل هذا بهذه المنزلة وهو ركوب الأحموقة في كلام البشر، فكيف تراه يكون في كلام الله سبحانه الذي أعجزت بلاغته بلغاء العرب، وأبكمت فصاحته فصحاء عدنان وقحطان، وقد علم كل مقصر وكامل أن الله سبحانه وصف هذا القرآن بأنه عربي، وأنزله بلغة العرب، وسلك فيه مسالكهم في الكلام، وجرى به مجاريهم في الخطاب، وقد علمنا أن خطيبهم كان يقوم المقام الواحد فيأتي بفنون متحالفة، وطرائق متباينة، فضلا عن المقامين، فضلا عن المقامات، فضلا عن جميع ما قاله ما دام حيا، وكذلك شاعرهم. ولنكتف بهذا التنبيه على هذه المفسدة التي تعثر في ساحاتها كثير من المحققين، وإنما ذكرنا هذا البحث في هذا الموطن؛ لأن الكلام هنا قد انتقل مع بني إسرائيل بعد أن كان قبله مع أبي البشر آدم ﵇، فإذا قال متكلف: كيف ناسب هذا ما قبله؛ قلنا: لا كيف.
стр. 45
فدع عنك نهبا صيح في حجراته وهات حديثا ما حديث الرواحل) (١).
فإن قوله هذا لا يكفي للقطع بأنه من المعارضين لعلم المناسبة، كيف؟ وهو ينهج في تفسيره نهجا يشد أزر القائلين به، ولا يجد فرصة لإبراز النظام إلا وينتهزها، ويقف عندها. وإنما الذي حمله على تسجيل تلك الكلمات اللاذعة هو أن الذين تبنوا فكرة التناسب لم يتعاطوها على وجهها. فالمطلع على تلك الجهود يجدها كثيرا ما تخطئ الهدف، ويجد جزءا كبيرا منها يغلب عليه لون التكلف والتعسف، فهي أقرب إلى التكلفات منها إلى المناسبات. وهذا ما هيَّج الشوكاني وأثار حميته، وجعله يشدد القول (٢).
ومن الأمثلة على المناسبات التي يأباها الشوكاني:
١) ما ذكره البقاعي من مناسبة قوله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)﴾ [البقرة: ١٦٣] لما قبله، فإن فيه تكلفا يأباه الشوكاني؛ ولذا استنبط مناسبة أخرى هي أقرب للصواب (٣).
٢) مناسبة تخصيص الطير، والعدد أربعة بالذكر في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٦٠)﴾ [البقرة: ٢٦٠]، قال الشوكاني: (وخص الطير بذلك قيل: لأنه أقرب أنواع الحيوان إلى الإنسان، وقيل: إن الطير همته الطيران في السماء، والخليل كانت همته العلو، وقيل غير ذلك من الأسباب الموجبة لتخصيص الطير. وكل هذه لا تسمن ولا تغني من جوع، وليست إلا خواطر أفهام، وبوادر أذهان لا ينبغي أن تجعل وجوها لكلام الله، وعللا لما يرد في كلامه. وهكذا قيل: ما وجه تخصيص هذا العدد، فإن الطمأنينة تحصل بإحياء واحد، فقيل: إن الخليل إنما سأل واحدا على عدد العبودية فأعطي أربعا على قدر الربوبية، وقيل: إن الطيور الأربعة إشارة إلى الأركان الأربعة التي منها تتركب أركان الحيوان، ونحو ذلك من الهذيان) (٤).
стр. 46
٣) مناسبة إيراد قصة ابني آدم ﵇ في سياق الحديث عن مفاسد بني إسرائيل وظلمهم في قوله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٢٧)﴾ [المائدة: ٢٧] فإن العلماء أطالوا فيها واختصر الشوكاني، فقال ﵀: (وجه اتصال هذا بما قبله التنبيه من الله على أن ظلم اليهود ونقضهم المواثيق والعهود هو كظلم ابن آدم لأخيه، فالداء قديم، والشر أصيل) (١). فهذا مثال آخر على عدم التكلف في المناسبة.
ولا يُعترض على هذا بأنه ربط بين موضوعين مختلفين؛ لأن ربطه لا تكلف فيه.
٤) مناسبة ذكر الاستعاذة بعد ذكر العمل الصالح والجزاء في قوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧) فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٩٨)﴾ [النحل: ٩٧ - ٩٨]، قال الشوكاني ﵀: (ثم لما ذكر سبحانه العمل الصالح والجزاء عليه أتبعه بذكر الاستعاذة التي تخلص بها الأعمال الصالحة عن الوساوس الشيطانية، فقال: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٩٨)﴾ والفاء لترتيب الاستعاذة على العمل الصالح. وقيل: هذه الآية متصلة بقوله: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ (٢) [النحل: من الآية ٨٩]، والتقدير: فإذا أخذت في قراءته فاستعذ) (٣).
стр. 47
والقول الثاني هو قول القرطبي (١). ولعل مخالفة الشوكاني القرطبي في ذكر المناسبة هنا مع إفادته كثيرا من تفسيره ما يدل على أن بعض المناسبات يأباها الشوكاني. ولعل هذا يصلح لأن يكون مثالا للتكلف الذي يأباه الشوكاني في تطلب المناسبة؛ لأن القول الثاني فيه ربط للآية بآية بعيدة عنها في الترتيب، وإهمال لمناسبتها للآية المتصلة بها.
بقي توجيه كلام الشوكاني المتقدم، والذي ظاهره أنه ينفي المناسبة، فالباحثة إيمان الصميل ذكرت أن الشوكاني بالغ في رد أمر ثم لم يستطع الانفكاك عنه، فظهر ذلك في تطبيقاته لعلم المناسبات في تفسيره (٢).
والأولى أن يحمل كلامه على المناسبات التي فيها تكلف، وتطلب ربط آيات بعيدة عن بعضها في الترتيب؛ لأن في كلامه ما يدل على أنه ينفي تطلب المناسبة بين الموضوعات المختلفة، والتي يصعب الوصول إلى معرفة وجه الربط بينها. أما ما عدا هذه الصورة فهو لا يرده ولا ينكره.
والقول بالمناسبة بين آيات مختلفة الموضوع فيه تكلف لا يليق بالعالم، قال ابن عاشور: الانتقال من غرض إلى غرض في آي القرآن لا تلزم له قوة ارتباط؛ لأن القرآن ليس كتاب تدريس يرتب بالتبويب، وتفريع المسائل بعضها على بعض، ولكنه كتاب تذكير وموعظة … فقد يجمع به الشيء للشيء من غير لزوم ارتباط، وتفرع مناسبة (٣).
стр. 48
• الباب الأول:
منهج الشوكاني في الاستنباط من خلال تفسيره "فتح القدير"
وفيه ثلاثة فصول:
• الفصل الأول: أقسام الاستنباط عند الشوكاني في تفسيره.
• الفصل الثاني: دلالات وطرق الاستنباط عند الشوكاني في تفسيره.
• الفصل الثالث: القيمة العلمية لاستنباطات الشوكاني.
•الفصل الأول:
أقسام الاستنباط عند الشوكاني في تفسيره.
وفيه ثلاثة مباحث:
• المبحث الأول: الاستنباط باعتبار موضوع المعنى المستنبط.
• المبحث الثاني: الاستنباط باعتبار ظهور النص المستنبط منه وخفائه.
• المبحث الثالث: الاستنباط باعتبار الإفراد والتركيب.
стр. 49
• المبحث الأول:
الاستنباط باعتبار موضوع المعنى المستنبط
وفيه ثمانية مطالب:
• المطلب الأول: الاستنباطات في التفسير.
• المطلب الثاني: الاستنباطات في علوم القرآن.
• المطلب الثالث: الاستنباطات العقدية.
• المطلب الرابع: الاستنباطات الأصولية.
• المطلب الخامس: الاستنباطات الفقهية.
• المطلب السادس: الاستنباطات اللغوية.
• المطلب السابع: الاستنباطات في الرقائق.
• المطلب الثامن: الاستنباطات التربوية السلوكية.
موضوعات الاستنباط عند الشوكاني.
تنوعت موضوعات الاستنباط عند الشوكاني وتعددت، فمنها ما هو في علوم القرآن، ومنها ما هو في أصول الفقه، ومنها ما هو في العقيدة، ونحو ذلك من الموضوعات التي سيبينها هذا المبحث مفصلة. وفي هذا التنوع ما يدل على عناية الشوكاني بالاستنباط، كما فيه ما يدل على سعة علمه، وعميق فهمه.
وتفاوتت عدد الاستنباطات في كل موضوع من الموضوعات قلة وكثرة، وكانت أكثر الاستنباطات ورودا عند الشوكاني في تفسيره هي الاستنباطات في علوم القرآن بأقسامها، ثم تلتها الاستنباطات الفقهية. وسيأتي في نهاية المبحث- بإذن الله تعالى- بيان لهذه الأنواع مرتبة حسب ورودها عند الشوكاني.
стр. 50
المطلب الأول:
الاستنباطات في التفسير
تقدم بيان علاقة علم التفسير بالاستنباط (١)، والمقصود هنا بالاستنباطات في التفسير الاستنباطات الباطنة التي ترتقي في شدة قربها وظهورها من المعنى الظاهر.
وبهذا الاعتبار يمكن عد التفسير أحد موضوعات الاستنباط عند الشوكاني، وهو من الموضوعات الأقل ورودا عنده.
تنبيه:
لا يعد التفسير الموضوع الأصلي للاستنباط، بل لابد أن يكون للاستنباط موضوعه الأصلي من فقه، أو عقيدة، أو تربية، أو نحو ذلك، ويكون التفسير موضوعا ثانيا للاستنباط من جهة شدة ارتباطه بمعنى الآية، فلا يستقل التفسير بأن يكون موضوعا للاستنباط.
أمثلة على الاستنباطات في التفسير:
المثال الأول:
استنبط الشوكاني من قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٢١)﴾ [البقرة: ٢٢١] تفضيل الحرة المؤمنة على الحرة المشركة (٢)؛ فقال ﵀: (قوله: ﴿وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ﴾ أي: ولرقيقة مؤمنة. وقيل: المراد بالأمة الحرة؛ لأن الناس كلهم عبيد الله وإماؤه. والأول أولى لما سيأتي؛ لأنه الظاهر من اللفظ، ولأنه أبلغ، فإن تفضيل الأمة الرقيقة المؤمنة على الحرة المشركة؛ يستفاد منه تفضيل الحرة المؤمنة على الحرة المشركة بالأولى) (٣).
стр. 51
فموضوع هذا الاستنباط العقيدة، ويصلح أن يكون استنباطا في التفسير أيضا لشدة تعلقه بمعنى الآية.
المثال الثاني:
استنبط الشوكاني من قوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (٢٣)﴾ [الإسراء: ٢٣] نهي الولد عن سائر ما يؤذي والديه من فعل، أو قول كان مساويا لكلمة (أف)، أو أشد منها (١)؛ فقال- ﵀: ( … والحاصل أنه- يعني كلمة أف- اسم فعل ينبئ عن التضجر والاستثقال، أو صوت ينبئ عن ذلك. فنهى الولد عن أن يظهر منه ما يدل على التضجر من أبويه أو الاستثقال لهما، بهذا النهي يفهم النهي عن سائر ما يؤذيها بفحوى الخطاب، أو بلحنه كما هو متقرر في الأصول) (٢).
فموضوع هذا الاستنباط التربية، ويصلح أن يكون استنباطا في التفسير أيضا لشدة تعلقه بمعنى الآية.
المثال الثالث:
استنبط الشوكاني من قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا (٣٢)﴾ [الإسراء: ٣٢] أن في النهي عن قربان الزنا بمباشرة مقدماته نهيا عنه بالأولى (٣)؛ فقال ﵀: ( … وفي النهي عن قربانه بمباشرة مقدماته نهى عنه بالأولى؛ فإن الوسيلة إلى الشيء إذا كانت حراما كان المتوسل إليه حراما بفحوى الخطاب) (٤).
فموضوع هذا الاستنباط الفقه، ويصلح أن يكون استنباطا في التفسير أيضا لشدة تعلقه بمعنى الآية. (٥)
стр. 52
المطلب الثاني:
الاستنباطات في علوم القرآن
الاستنباطات في علوم القرآن هي أكثر موضوعات الاستنباط ورودا عند الشوكاني في تفسيره.
وقد جاءت الاستنباطات في ثلاثة علوم من علوم القرآن، وترتيبها حسب الأكثر ورودا على النحو التالي: المناسبات، ثم قصص القرآن، ثم معاني التكرار.
أولا: الاستنباطات في المناسبات (١).
стр. 53
اعتنى الشوكاني بالمناسبات الداخلية، والخارجية؛ ولذا تنوعت الاستنباطات في المناسبات عنده إلى أنواع:
• الاستنباطات في المناسبات الداخلية (داخل السورة):
١ - مناسبة اللفظ (١).
ومثال ذلك: مناسبة تخصيص هارون ﵇ لفظ (الأم) بالإضافة في مناداته لموسى ﵇، مع كونه أخاه من أبيه وأمه؛ في قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (١٥٠)﴾ [الأعراف: ١٥٠]، قال الشوكاني: (وإنما قال ﴿ابْنَ أُمَّ﴾ مع كونه أخاه من أبيه وأمه؛ لأنها كلمة لين وعطف، ولأنها كانت كما قيل مؤمنة) (٢).
٢ - مناسبة ختم الآية (٣).
ومثال ذلك: قول الشوكاني - في مناسبة خاتمة قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (٢٠٧)﴾ [البقرة: ٢٠٧]-: (ووجه ذكر الرأفة هنا أنه أوجب عليهم ما أوجبه؛ ليجازيهم، ويثيبهم عليه، فكان ذلك رأفة بهم، ولطفا لهم) (٤).
٣ - المناسبة بين أجزاء الآية الواحدة (٥).
ومثال ذلك: قول الشوكاني -عند قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ (١٣)﴾ [غافر: ١٣]-: (﴿وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا﴾ يعني المطر فإنه سبب الأرزاق، جمع سبحانه بين إظهار الآيات وإنزال الأرزاق؛ لأن بإظهار الآيات قوام الأديان وبالأرزاق قوام الأبدان) (٦).
стр. 54
٤ - المناسبة بين الآيات (بين آيتين أو أكثر) (١). وهذا النوع هو الأكثر ورودا عند الشوكاني.
و أمثلة ذلك:
أ - المناسبة بين الآيتين: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧) فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٩٨)﴾ [النحل: ٩٧ - ٩٨] أن ذكر الاستعاذة بعد ذكر العمل الصالح والجزاء عليه لأن بالاستعاذة تخلص الأعمال الصالحة عن الوساوس الشيطانية، قال الشوكاني ﵀: (ثم لما ذكر سبحانه العمل الصالح والجزاء عليه أتبعه بذكر الاستعاذة التي تخلص بها الأعمال الصالحة عن الوساوس الشيطانية، فقال: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٩٨)﴾) (٢).
ب - المناسبة بين الآيتين: ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٥٩) وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦٠)﴾ [العنكبوت: ٥٩ - ٦٠]، أن النظر في حال الدواب مما يعين على الصبر والتوكل، قال الشوكاني ﵀: (ثم وصف هؤلاء العاملين فقال: ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ على مشاق التكليف وعلى أذية المشركين لهم، ويجوز أن يكون منصوبا على المدح … ثم ذكر سبحانه ما يعين على الصبر والتوكل، وهو النظر في حال الدواب. فقال: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ﴾ … ومعنى لا تحمل رزقها: لا تطيق حمل رزقها لضعفها ولا تدخره وإنما يرزقها الله من فضله ويرزقكم، فكيف لا يتوكلون على الله مع قوتهم وقدرتهم على أسباب العيش كتوكلها على الله مع ضعفها وعجزها) (٣).
ت - من الأمثلة على المناسبة بين الآيات: مناسبة قوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (١٥)﴾ [النساء: ١٥] لما قبله من الآيات، قال الشوكاني ﵀: (لما ذكر سبحانه في هذه السورة الإحسان إلى النساء، وإيصال صدقاتهن إليهن، وميراثهن مع الرجال ذكر التغليظ عليهن فيما يأتين به من الفاحشة؛ لئلا يتوهمن أنه يسوغ لهن ترك التعفف) (٤).
стр. 55
٥ - المناسبة بين المقسم والمقسم به:
ومثال ذلك: في قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ (٧) إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ (٨)﴾ [الذاريات: ٧ - ٨]. حيث قال: (﴿إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ (٨)﴾ هذا جواب القسم بالسماء ذات الحبك، أي أنكم يا أهل مكة لفي قول مختلف متناقض في محمد ﷺ بعضكم يقول: إنه شاعر، وبعضكم يقول: إنه ساحر، وبعضكم يقول: إنه مجنون. ووجه تخصيص القسم بالسماء المتصفة بتلك الصفة؛ تشبيه أقوالهم في اختلافها باختلاف طرائق السماء) (١).
٦ - مناسبة خاتمة السورة لآخر موضوعاتها.
ومثال ذلك: مناسبة ختم سورة المؤمنون بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ … لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (١١٧) وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (١١٨)﴾ [المؤمنون: ١١٧، ١١٨]، وآخر موضوعاتها يبينه قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ … هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٠٠)﴾ [المؤمنون: ٩٩ - ١٠٠]، قال الشوكاني ﵀: (ثم ختم هذه السورة بتعليم رسوله ﷺ أن يدعوه بالمغفرة والرحمة، فقال: ﴿وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (١١٨)﴾ أمره سبحانه بالاستغفار لتقتدي به أمته. وقيل: أمره بالاستغفار لأمته. وقد تقدم بيان كونه أرحم الراحمين. ووجه اتصال هذا بما قبله أنه سبحانه لما شرح أحوال الكفار أمر بالانقطاع إليه، والالتجاء إلى غفرانه ورحمته) (٢).
• الاستنباطات في المناسبات الخارجية (بين السور):
كالمناسبة بين آخر سورة وبداية السورة التي تليها.
ومثال ذلك: مناسبة خاتمة سورة الأنبياء لفاتحة سورة الحج. قال الشوكاني: (لما انجر الكلام في خاتمة السورة المتقدمة إلى ذكر الإعادة وما قبلها وما بعدها؛ بدأ سبحانه في هذه السورة بذكر القيامة، وأهوالها؛ حثا على التقوى التي هي أنفع زاد فقال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾) (٣).
стр. 56
ثانيا: الاستنباطات في قصص القرآن.
استنبط الشوكاني كثيرا من الاستنباطات في قصص القرآن، وهذا النوع من الاستنباطات يأتي في المرتبة الثانية من استنباطات علوم القرآن.
أمثلة على الاستنباطات في قصص القرآن:
المثال الأول:
استنبط الشوكاني-﵀ من قوله تعالى: ﴿فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٨٥) وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٨٦)﴾ [يونس: ٨٥ - ٨٦] اهتمام من آمن بموسى ﵇ بأمر الدين فوق اهتمامهم بسلامة أنفسهم (١)؛ فقال ﵀: (ولما قدموا التضرع إلى الله سبحانه في أن يصون دينهم عن الفساد أتبعوه بسؤال عصمة أنفسهم فقالوا: ﴿وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٨٦)﴾ وفي هذا دليل على أنه كان لهم اهتمام بأمر الدين فوق اهتمامهم بسلامة أنفسهم) (٢).
المثال الثاني:
استنبط الشوكاني من قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا (١٠)﴾ [مريم: ١٠]، وقوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ (٤١)﴾ [آل عمران: ٤١] أن المدة التي جعلها الله تعالى آية لزكريا ﵇ لا يكلم الناس فيها هي ثلاثة أيام ولياليهن (٣)؛ فقال ﵀: (وقد دل بذكر الليالي هنا والأيام في آل عمران أن المراد ثلاثة أيام ولياليهن) (٤).
المثال الثالث:
استنبط الشوكاني من قوله تعالى: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (١٠١)﴾ [الصافات: ١٠١] البشارة
لإبراهيم ﵇ ببقاء الغلام المبشر به حتى يكبر ويصير حليما (٥)؛ فقال ﵀: (ومعنى حليم أن يكون حليما عند كبره، فكأنه بشر ببقاء ذلك الغلام حتى يكبر ويصير حليما؛ لأن الصغير لا يوصف بالحلم. قال الزجاج: هذه البشارة تدل على أنه مبشر بابن ذكر، وأنه يبقى حتى ينتهي في السن، ويوصف بالحلم) (٦). (٧).
стр. 57
ثالثا: الاستنباطات في معاني التكرار.
هذا النوع من علوم القرآن هو أقل موضوعات علوم القرآن ورودا عند الشوكاني، فلم يرد سوى ثلاث مرات فقط.
أمثلة على الاستنباطات في معاني التكرار:
المثال الأول:
استنبط الشوكاني من قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥)﴾ [البقرة: ٥] معنى تكرار لفظ (أولئك) (١)؛ فقال ﵀: (وفي تكرير اسم الإشارة دلالة على أن كلا من الهدى والفلاح المستقل بتميزهم به عن غيرهم، بحيث لو انفرد أحدهما لكفى تميزا على حاله) (٢).
المثال الثاني:
استنبط الشوكاني معنى تكرار قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٤٠)﴾ [القمر: ٤٠] (٣)؛ فقال ﵀: (ولعل وجه تكرير تيسير القرآن للذكر في هذه السورة الإشعار بأنه منة عظيمة لا ينبغي لأحد أن يغفل عن شكرها) (٤).
المثال الثالث:
استنبط الشوكاني معنى تكرار لفظ (الناس) في قوله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١) مَلِكِ النَّاسِ (٢) إِلَهِ النَّاسِ (٣)﴾ [الناس: ١ - ٣] (٥)؛ فقال ﵀: (وقوله:
﴿مَلِكِ النَّاسِ (٢)﴾ عطف بيان جيء به لبيان أن ربيته سبحانه ليست كربية سائر الملاك لما تحت أيديهم من مماليكهم، بل بطريق الملك الكامل، والسلطان القاهر. ﴿إِلَهِ النَّاسِ (٣)﴾ هو أيضا عطف بيان كالذي قبله؛ لبيان أن ربوبيته وملكه قد انضم إليهما المعبودية المؤسسة على الألوهية المقتضية للقدرة التامة على التصرف الكلي بالاتحاد والإعدام، وأيضا الرب قد يكون ملكا وقد لا يكون ملكا، كما يقال: رب الدار، ورب المتاع، ومنه قوله:
﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ (٦) [التوبة: ٣١] فبين أنه ملك الناس، ثم الملك قد يكون إلها وقد لا يكون، فبين أنه إله؛ لأن اسم الإله خاص به لا يشاركه فيه أحد، وأيضا بدأ باسم الرب وهو اسم لمن قام بتدبيره وإصلاحه من أوائل عمره إلى أن صار عاقلا كاملا، فحينئذ عرف بالدليل أنه عبد مملوك فذكر أنه ملك الناس، ثم لما علم أن العبادة لازمة له واجبة عليه، وأنه عبد مخلوق، وأن خالقه إله معبود بين سبحانه أنه إله الناس. وكرر لفظ الناس في الثلاثة المواضع؛ لأن عطف البيان يحتاج إلى مزية الإظهار، ولأن التكرير يقتضي مزيد شرف الناس) (٧).
стр. 58
المطلب الثالث:
الاستنباطات العقدية
استنبط الشوكاني استنباطات كثيرة في العقيدة فجاء هذا الموضوع في المرتبة الثانية بعد الاستنباطات في علوم القرآن.
أمثلة على الاستنباطات العقدية:
المثال الأول:
استنبط الشوكاني من قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ (٨٨)﴾ [يوسف: ٨٨] جواز الشكوى عند الضرورة (١)؛ فقال ﵀: (﴿مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ﴾ أي: الجوع والحاجة. وفيه دليل على أنه تجوز الشكوى عند الضرورة إذا خاف من إصابته على نفسه كما يجوز للعليل أن يشكو إلى الطبيب ما يجده من العلة) (٢).
المثال الثاني:
استنبط الشوكاني من قوله تعالى: ﴿قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ … الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا (٢) مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا (٣) وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا (٤)﴾ [الكهف: ٢ - ٤] أن أقبح أنواع الكفر نسبة الولد إلى الله سبحانه (٣)؛ فقال ﵀: (﴿وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا (٤)﴾ وهم اليهود، والنصارى، وبعض كفار قريش القائلون بأن الملائكة بنات الله. فذكر سبحانه أولا قضية كلية وهي إنذار عموم الكفار، ثم عطف عليها قضية خاصة هي بعض جزئيات تلك الكلية تنبيها على كونها أعظم جزئيات تلك الكلية؛ فأفاد ذلك أن نسبة الولد إلى الله سبحانه أقبح أنواع الكفر) (٤).
المثال الثالث:
استنبط الشوكاني من قوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (١٤)﴾ [الشعراء: ١٤] أن الخوف قد يحصل مع الأنبياء فضلا عن الفضلاء (٥)؛ فقال ﵀: ( … الذنب هو قتله للقبطي، وسماه ذنبا بحسب زعمهم، فخاف موسى أن يقتلوه به. وفيه دليل على أن الخوف قد يحصل مع الأنبياء فضلا عن الفضلاء) (٦). (٧).
стр. 59
المطلب الرابع:
الاستنباطات الأصولية
استنبط الشوكاني عددا من الاستنباطات في أصول الفقه، كذم التقليد، وحجية سد الذرائع، ومخاطبة الكفار بفروع الشريعة، وجواز تأخير البيان عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة، وجواز اجتهاد النبي ﷺ ، وغيرها (١).
أمثلة على الاستنباطات الأصولية:
المثال الأول:
استنبط الشوكاني من قوله تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)﴾ [البقرة: ٢٢] وجوب استعمال الحجج وترك التقليد (٢)؛ فقال ﵀: (وفيه دليل على وجوب استعمال الحجج وترك التقليد) (٣).
المثال الثاني:
استنبط الشوكاني حجية سد الذرائع (٤) من قوله تعالى: ﴿وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (٣٥)﴾ [البقرة: ٣٥]؛ فقال ﵀: (والنهي عن القرب فيه سد للذريعة وقطع للوسيلة؛ ولهذا جاء به عوضا عن الأكل. ولا يخفي أن النهي عن القرب لا يستلزم النهي عن الأكل؛ لأنه قد يأكل من ثمر الشجرة من هو بعيد عنها إذا يحمل إليه، فالأولى أن يقال: المنع من الأكل مستفاد من المقام) (٥).
ومثله من قوله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٠٨)﴾ [الأنعام: ١٠٨]؛ فقال ﵀: (وهى أصل أصيل في سد الذرائع، وقطع التطرق إلى الشبه) (٦).
стр. 60
المثال الثالث:
استنبط الشوكاني من قوله تعالى: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ … (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (٤٥) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (٤٦)﴾ [المدثر: ٤٢ - ٤٦] أن الكفار مخاطبون بالشرعيات (١)؛ فقال ﵀: (ثم ذكر سبحانه ما أجاب به أهل النار عليهم فقال: ﴿قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣)﴾ أي: من المؤمنين الذين يصلون لله في الدنيا، ﴿وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤)﴾ أي: لم نتصدق على المساكين. قيل: وهذان محمولان على الصلاة الواجبة والصدقة الواجبة؛ لأنه لا تعذيب على غير الواجب. وفيه دليل على أن الكفار مخاطبون بالشرعيات) (٢).
стр. 61
المطلب الخامس:
الاستنباطات الفقهية
استنبط الشوكاني استنباطات كثيرة في الفقه؛ ولذا جاءت الاستنباطات الفقهية في المرتبة الثالثة من حيث الاستنباطات الأكثر ورودا عند الشوكاني.
وكما استنبط الشوكاني استنباطات فقهية فكذلك استنبط استنباطات في القواعد الفقهية، وسأُمَثِّل لها أولا، ثم أُمَثِّل للاستنباطات الفقهية.
أولا: أمثلة على الاستنباط في القواعد الفقهية:
استنبط الشوكاني استنباطين في القواعد الفقهية هما:
المثال الأول:
الأصل في الأشياء الإباحة (١). (قاعدة فقهية فرعية مندرجة تحت القاعدة العامة: اليقين لا يزول بالشك).
فاستنبط هذه القاعدة من قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى … السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٩)﴾ [البقرة: ٢٩]؛ فقال ﵀: (وفيه دليل على أن الأصل في الأشياء المخلوقة الإباحة، حتى يقوم دليل يدل على النقل عن هذا الأصل. ولا فرق بين الحيوانات وغيرها مما ينتفع به من غير ضرر. وفي التأكيد بقوله: … ﴿جَمِيعًا﴾ أقوى دلالة على هذا) (٢).
ومن قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (١٦٨)﴾ [البقرة: ١٦٨]؛ فقال ﵀: ( … وفي هذه الآية دليل على أن كل ما لم يرد فيه نص أو ظاهر من الأعيان الموجودة في الأرض فأصله الحل حتى يرد دليل يقتضي تحريمه) (٣).
стр. 62
المثال الثاني:
دفع المفاسد أهم من جلب المصالح (١). (قاعدة فقهية فرعية مندرجة تحت القاعدة العامة: لا ضرر ولا ضرار)
فاستنبط هذه القاعدة من قوله تعالى: ﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٧٦)﴾ [المائدة: ٧٦]؛ فقال ﵀: (أمر الله سبحانه رسوله ﷺ أن يقول لهم هذا القول إلزاما لهم، وقطعا لشبهتهم، أي: أتعبدون من دون الله -متجاوزين إياه- ما لا يملك لكم ضرا ولا نفعا، بل هو عبد مأمور، وما جرى على يده من النفع أو دفع من الضر فهو بإقدار الله له وتمكينه منه … وقدم سبحانه الضر على النفع؛ لأن دفع المفاسد أهم من جلب المصالح) (٢).
ومن قوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا (٣)﴾ [الفرقان: ٣]؛ فقال ﵀: (وقدم ذكر الضر لأن دفعه أهم من جلب النفع، وإذا كانوا بحيث لا يقدرون على الدفع والنفع فيما يتعلق بأنفسهم فكيف يملكون ذلك لمن يعبدهم) (٣).
ثانيا: أمثلة على الاستنباطات الفقهية:
المثال الأول:
استنبط الشوكاني من قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣)﴾ [البقرة: ٤٣] الإرشاد إلى شهود الجماعة، والخروج إلى المساجد (٤)؛ فقال ﵀: (وقوله: ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣)﴾ فيه الإرشاد إلى شهود الجماعة، والخروج إلى المساجد) (٥).
واستنبط هذا الاستنباط أيضا من قوله تعالى: ﴿يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣)﴾ [آل عمران: ٤٣] (٦)؛ فقال ﵀: (قوله: ﴿وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ ظاهره ركوعها يكون مع ركوعهم، فيدل على مشروعية صلاة الجماعة) (٧).
стр. 63
المثال الثاني:
استنبط الشوكاني من قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٣٧)﴾ [البقرة: ٢٣٧] أن المتعة لا تجب للمطلقة قبل الدخول وبعد التسمية (١)؛ فقال ﵀: (قوله: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ … الآية. فيه دليل على أن المتعة لا تجب لهذه المطلقة؛ لوقوعها في مقابلة المطلقة قبل البناء والفرض التي تستحق المتعة) (٢).
المثال الثالث:
استنبط الشوكاني من قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا (٣)﴾ [النساء: ٣] أنه لا حق للمملوكات في القسم (٣)؛ فقال ﵀: (قوله: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ معطوف على واحدة، أي: فانكحوا واحدة، أو انكحوا ما ملكت أيمانكم من السراري، وإن كثر عددهن، كما يفيده الموصول. والمراد نكاحهن بطريق الملك لا بطريق النكاح. وفيه دليل على أنه لا حق للمملوكات في القسم، كما يدل على ذلك جعله قسيما للواحدة في الأمن من عدم العدل) (٤). (٥).
стр. 64
المطلب السادس:
الاستنباطات اللغوية استنبط الشوكاني عددا من الاستنباطات اللغوية وذلك في ثمانية مواضع (١).
أمثلة على الاستنباطات اللغوية:
стр. 65
المثال الأول:
استنبط الشوكاني من قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (٦٨)﴾ [التوبة: ٦٨] أن وعد يقال في الشر (١)؛ فقال ﵀: (وفي هذه الآية دليل على أن وعد يقال في الشر) (٢).
المثال الثاني:
استنبط الشوكاني من قوله تعالى: ﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا (٧٧)﴾ [الكهف: ٧٧] وقوله: ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ … لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا … أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا … رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (٨٢)﴾ [الكهف: ٨٢] جواز إطلاق اسم المدينة على القرية (٣)؛ فقال ﵀: (﴿فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ﴾ هي القرية المذكورة سابقا، وفيه جواز إطلاق اسم المدينة على القرية لغة) (٤).
المثال الثالث:
استنبط الشوكاني من قوله تعالى: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (٧٨)﴾ [الأنبياء: ٧٨] جواز إطلاق الجمع على الاثنين (٥)؛ فقال ﵀: (﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾ أي: لحكم الحاكمين. وفيه جواز إطلاق الجمع على الاثنين) (٦).
стр. 66
المطلب السابع:
الاستنباطات في الرقائق.
استنبط الشوكاني استنباطات في الرقائق، كبيان أن رحمة الله سبب دخول الجنة، وأن رحمة الله سبقت غضبه، وكالحديث عن الزهد، ونحو ذلك (١).
أمثلة على الاستنباطات في الرقائق:
المثال الأول:
استنبط الشوكاني من قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (٢٤٩)﴾ [البقرة: ٢٤٩] أن الغرفة تكف سورة العطش عند الصابرين على شظف العيش (٢)؛ فقال ﵀: (والمراد بهذا الابتلاء اختبار طاعتهم، فمن أطاع في ذلك الماء أطاع فيما عداه، ومن عصى في هذا وغلبته نفسه فهو بالعصيان في سائر الشدائد أحرى. ورخص لهم في الغرفة؛ ليرتفع عنهم أذى العطش بعض الارتفاع، وليكسروا نزاع النفس في هذه الحال. وفيه أن الغرفة تكف سورة العطش عند الصابرين على شظف العيش، الدافعين أنفسهم عن الرفاهية) (٣).
المثال الثاني:
استنبط الشوكاني من قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢٩)﴾ [آل عمران: ١٢٩] أن رحمة الله سبقت غضبه (٤)؛ فقال ﵀: (وفي قوله: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢٩)﴾ إشارة إلى أن رحمته سبقت غضبه، وتبشير لعباده بأنه المتصف بالمغفرة والرحمة على وجه المبالغة، وما أوقع هذا التذييل الجليل، وأحبه إلى قلوب العارفين بأسرار التنزيل) (٥).
стр. 67
المثال الثالث:
استنبط الشوكاني من قوله تعالى: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (٣٣)﴾ [فاطر: ٣٣] سرعة دخول أهل الجنة إلى الجنة (١)؛ فقال ﵀: ( … وفيه إشارة إلى سرعة الدخول، فإن في تحليتهم خارج الجنة تأخيرا للدخول، فلما قال: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا﴾ أشار أن دخولهم على وجه السرعة) (٢).
стр. 68
المطلب الثامن:
الاستنباطات التربوية السلوكية.
استنبط الشوكاني استنباطات تربوية سلوكية في ثمانية عشر موضعا من تفسيره (١).
أمثلة على الاستنباطات التربوية السلوكية:
المثال الأول:
استنبط الشوكاني من قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٠٤)﴾ [البقرة: ١٠٤] أنه ينبغي تجنب الألفاظ المحتملة للسب والنقص، وإن لم يقصد المتكلم بها ذلك المعنى المفيد للشتم؛ سدا للذريعة ودفعا للوسيلة وقطعا لمادة المفسدة والتطرق إليه (٢)؛ فقال ﵀: (وجه النهي عن ذلك أن هذا اللفظ كان بلسان اليهود سباً. قيل: إنه في لغتهم بمعنى اسمع لا سمعت. وقيل: غير ذلك. فلما سمعوا المسلمين يقولون للنبي ﷺ راعنا طلبا منه أن يراعيهم -من المراعاة- اغتنموا الفرصة وكانوا يقولون للنبي ﷺ كذلك مظهرين أنهم يريدون المعنى العربي، مبطنين أنهم يقصدون السب الذي هو معنى هذا اللفظ في لغتهم. وفي ذلك دليل على أنه ينبغي تجنب الألفاظ المحتملة للسب والنقص وإن لم يقصد المتكلم بها ذلك المعنى المفيد للشتم؛ سدا للذريعة ودفعا للوسيلة وقطعا لمادة المفسدة والتطرق إليه. ثم أمرهم الله بأن يخاطبوا النبي ﷺ بما لا يحتمل النقص ولا يصلح للتعريض فقال: ﴿وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾ أي: أقبل علينا، وانظر إلينا … ) (٣).
المثال الثاني:
استنبط الشوكاني من قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١١٨)﴾ [التوبة: ١١٨] جواز هجران أهل المعاصي تأديبا لهم؛ لينزجروا عن المعاصي (٤)؛ فقال ﵀: (قوله: ﴿حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ﴾ معناه: أنهم أخروا عن قبول التوبة إلى هذه الغاية، وهي وقت أن ضاقت عليهم الأرض بما رحبت. وما مصدرية أي: برحبها لإعراض الناس عنهم وعدم مكالمتهم من كل أحد؛ لأن النبي ﷺ نهى الناس أن يكالموهم … وفي هذه الآية دليل على جواز هجران أهل المعاصي تأديبا لهم؛ لينزجروا عن المعاصي) (٥).
стр. 69
المثال الثالث:
استنبط الشوكاني من قوله تعالى: ﴿قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا (٦٦)﴾ [الكهف: ٦٦] أن المتعلم تبع للعالم وإن تفاوتت المراتب (١)؛ فقال ﵀: (في هذا السؤال ملاطفة، ومبالغة في حسن الأدب؛ لأنه استأذنه أن يكون تابعا له على أن يعلمه مما علمه الله من العلم … وفي الآية دليل على أن المتعلم تبع للعالم وإن تفاوتت المراتب، وليس في ذلك ما يدل على أن الخضر أفضل من موسى، فقد يأخذ الفاضل عن الفاضل، وقد يأخذ الفاضل عن المفضول إذا اختص أحدهما بعلم لا يعلمه الآخر، فقد كان علم موسى علم الأحكام الشرعية، والقضاء بظاهرها، وكان علم الخضر علم بعض الغيب، ومعرفة البواطن) (٢).
موضوعات أخرى للاستنباط:
يظهر للمتأمل في استنباطات الشوكاني عنايته بموضوعات أخرى غير التي تقدم ذكرها، وهذه الموضوعات هي: الدعوات والذكر، والأخلاق، والدعوة، والسيرة النبوية، والطب، والتأريخ.
أمثلة للاستنباط في هذه الموضوعات:
• الدعوات والذكر: استنبط الشوكاني أربعة عشر استنباطا في الدعوات والذكر (٣). وأمثلة ذلك:
١ - ما استنبطه الشوكاني من قوله تعالى: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (١٧) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ (١٨)﴾ [الروم: ١٧ - ١٨] حيث قال ﵀: (وجملة: ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ معترضة مسوقة للإرشاد إلى الحمد، والإيذان بمشروعية الجمع بينه وبين التسبيح كما في قوله سبحانه: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ [الحجر: من الآية ٩٨]، و ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾ [البقرة: من الآية ٣٠]) (٤).
٢ - ما استنبطه الشوكاني من قوله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (١٥)﴾ [الأحقاف: ١٥] حيث قال ﵀: (وفي هذه الآية دليل على أنه ينبغي لمن بلغ عمره أربعين سنة أن يستكثر من هذه الدعوات) (٥).
стр. 70
• الأخلاق: وهذا الموضوع قريب من موضوع التربية، لكن الفرق بين الاستنباط في التربية وفي الأخلاق أن الاستنباط التربوي فيه توجيه تربوي، أما الاستنباط في الأخلاق فهو مجرد وصف لخلق ممدوح أو مذموم، وبيان حال الناس معه. وقد استنبط الشوكاني ثلاثة استنباطات في الأخلاق. ومثال ذلك: ما استنبطه الشوكاني من قوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا … مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٥)﴾ [آل عمران: ٧٥] حيث قال ﵀: (ومعنى الآية: أن أهل الكتاب فيهم الأمين الذي يؤدي أمانته وإن كانت كثيرة، وفيهم الخائن الذي لا يؤدي أمانته وإن كانت حقيرة. ومن كان أمينا في الكثير فهو في القليل أمين بالأولى، ومن كان خائنا في القليل فهو في الكثير خائن بالأولى) (١). (٢).
• الدعوة: استنبط الشوكاني استنباطين في الدعوة، هما:
١ - ما استنبطه الشوكاني من قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (١٥٩) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٦٠) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا … وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٦١) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (١٦٢) وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ … وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا … هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)﴾ [البقرة: ١٥٩ - ١٦٣] حيث قال- ﵀: (وقوله: … ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ فيه الإرشاد إلى التوحيد، وقطع علائق الشرك. والإشارة إلى أن أول ما يجب بيانه ويحرم كتمانه هو أمر التوحيد) (٣).
стр. 71
٢ - ما استنبطه الشوكاني من قوله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ … زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا … يَعْمَلُونَ (١٠٨)﴾ [الأنعام: ١٠٨] حيث قال ﵀: (وفي هذه الآية دليل على أن الداعي إلى الحق، والناهي عن الباطل إذا خشي أن يتسبب عن ذلك ما هو أشد منه من انتهاك حرم، ومخالفة حق، ووقوع في باطل أشد كان الترك أولى به، بل كان واجبا عليه) (١).
• السيرة النبوية: استنبط الشوكاني استنباطا واحدا في السيرة النبوية في موضعين فقط من القرآن، فاستنبط من قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١٢٦)﴾ [آل عمران: ١٢٦] أن الملائكة لم تقاتل في بدر (٢)؛ فقال ﵀: (جعل الله ذلك الإمداد بشرى بالنصر، وطمأنينة للقلوب. وفي قصر الإمداد عليهما إشارة إلى عدم مباشرة الملائكة للقتال يومئذ) (٣). … واستنبط هذا الاستنباط أيضا من قوله تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (١٠)﴾ [الأنفال: ٩ - ١٠] (٤)؛ فقال ﵀: (﴿وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ﴾ أي: بالإمداد قلوبكم. وفي هذا إشعار بأن الملائكة لم يقاتلوا، بل أمد الله المسلمين بهم للبشرى لهم، وتطمين قلوبهم، وتثبيتها) (٥).
•
стр. 72
الطب: والمقصود بالطب هنا ما كان فيه توجيه لنفع البدن، ووقايته من الأمراض. وقد استنبط الشوكاني استنباطين في الطب، هما:
١ - ما استنبطه الشوكاني من قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٤)﴾ [النحل: ١٤] حيث قال ﵀: (﴿لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ المراد به السمك، ووصفه بالطراوة للإشعار بلطافته، والإرشاد إلى المسارعة بأكله لكونه مما يفسد بسرعة) (١).
٢ - ما استنبطه الشوكاني من قوله تعالى: ﴿فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا … فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (٢٦)﴾ [مريم: ٢٦] حيث قال ﵀: (﴿فَكُلِي وَاشْرَبِي﴾ أي: من ذلك الرطب وذلك الماء، أو من الرطب وعصيره. وقدم الأكل مع أن ذكر النهر مقدم على الرطب؛ لأن احتياج النفساء إلى أكل الرطب أشد من احتياجها إلى شرب الماء) (٢).
• التأريخ: استنبط الشوكاني استنباطا واحدا في التأريخ هو أنه لا اعتبار بما عند العجم
والروم والقبط من الشهور التي يصطلحون عليها (٣)، وذلك من قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً … كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (٣٦)﴾ [التوبة: ٣٦]؛ فقال ﵀: (وفي هذه الآية بيان أن الله سبحانه وضع هذه الشهور وسماها بأسمائها على هذا الترتيب المعروف يوم خلق السموات والأرض، وأن هذا هو الذي جاءت به الأنبياء، ونزلت به الكتب، وأنه لا اعتبار بما عند العجم والروم والقبط من الشهور التي يصطلحون عليها، ويجعلون بعضها ثلاثين يوما، وبعضها أكثر، وبعضها أقل) (٤).
стр. 73
الخلاصة:
تنوعت موضوعات الاستنباط عند الشوكاني حتى بلغت أربعة عشر نوعا، وهذه الأنواع متفاوتة قلة وكثرة، ويمكن ترتيبها على النحو التالي:
جاءت الاستنباطات في علوم القرآن (١) أولا، ثم الاستنباطات العقدية (٢)، ثم الاستنباطات الفقهية (٣)، ثم الاستنباطات التربوية السلوكية (٤)، ثم الاستنباطات الأصولية والاستنباطات في الدعوات والذكر (٥)، ثم الاستنباطات في الرقائق (٦)، ثم الاستنباطات اللغوية (٧)، ثم الاستنباطات في التفسير (٨)، ثم الاستنباطات في الأخلاق (٩)، ثم الاستنباطات في الدعوة، وفي السيرة، وفي الطب. (١٠)، وأخيرا الاستنباطات في التأريخ (١١).
وما عدا هذه الأنواع يصح أن يكون استنباطا عاما، أو استنباطا لفوائد علمية.
تنبيه:
يتنبه إلى أنه لا يلزم أن يكون موضوع الاستنباط واحدا، إذ يصح أن يكون الاستنباط الواحد في موضوعين أو أكثر (١٢).
و من الأمثلة على ذلك:
١ - استنباط في اللغة وأصول الفقه: مثل: ما استنبطه الشوكاني من قوله تعالى: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (٧٨)﴾ [الأنبياء: ٧٨] حيث قال: ﵀: (﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾ أي: لحكم الحاكمين. وفيه جواز إطلاق الجمع على الاثنين) (١٣).
٢ - استنباط في الفقه والذكر: مثل: ما استنبطه الشوكاني من قوله تعالى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٣٦) لَنْ يَنَالَ … اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ (٣٧)﴾ [الحج: ٣٦ - ٣٧] حيث قال ﵀: (ومعنى ﴿لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ هو قول الناحر الله أكبر عند النحر، فذكر في الآية الأولى الأمر بذكر اسم الله عليها، وذكر هنا التكبير؛ للدلالة على مشروعية الجمع بين التسمية والتكبير. وقيل: المراد بالتكبير وصفه سبحانه بما يدل على الكبرياء) (١٤).
стр. 74
٣ - استنباط في الفقه وقصص القرآن: مثل: ما استنبطه الشوكاني من قوله تعالى: ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا … يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ … (٢٦)﴾ [القصص: ٢٦] حيث قال ﵀: (أي: استأجره ليرعى لنا الغنم. وفيه دليل على أن الإجارة كانت عندهم مشروعة) (١).
٤ - استنباط في القصص والتربية: مثل: ما استنبطه الشوكاني من قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١١٨)﴾ [التوبة: ١١٨] حيث قال ﵀: ( … وفي هذه الآية دليل على جواز هجران أهل المعاصي تأديبا لهم؛ لينزجروا عن المعاصي) (٢).
стр. 75
• المبحث الثاني:
الاستنباط باعتبار ظهور النص المستنبط منه وخفائه
بالنظر إلى النص القرآني المستَنبط منه يمكن تقسيمه باعتبارين:
الأول: باعتبار إفراده وتركيبه (ضمه إلى نص آخر)، وهذا ينقسم إلى: الاستنباط من الآية الواحدة، والاستنباط بالربط بين آيتين أو أكثر. وسيأتي بيانه في المبحث الثالث من هذا الفصل.
الثاني: باعتبار ظهور معناه، وهذا ينقسم إلى: الاستنباط من النص الظاهر المعنى، والاستنباط من النص غير الظاهر. (١). وهو موضوع هذا المبحث.
والمقصود هنا بالظهور والخفاء هو النص القرآني المستَنبط منه، وليس المعنى المستنبط؛ لأن المعنى المستنبط يشترط فيه الخفاء دائما.
ونصوص القرآن من حيث حاجتها إلى التفسير والبيان تنقسم إلى قسمين:
١ - نصوص بيِّنة ظاهرة المعنى.
٢ - نصوص غير بينة تحتاج إلى بيان وتفسير.
قال الزركشي (٢): (ينقسم القرآن العظيم إلى: ما هو بين بنفسه بلفظ لا يحتاج إلى بيان منه
ولا من غيره، وهو كثير، … وإلى ما ليس ببين بنفسه فيحتاج إلى بيان) (٣).
أولا: الاستنباط من نص ظاهر المعنى.
النص الظاهر المعنى هو النص البيِّن في نفسه، الذي لا يحتاج إلى بيان.
وهذا هو الأصل؛ لأن أكثر القرآن يعود إليه؛ ولأجله صح الأمر بالتدبر كما قال تعالى: … ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٩)﴾ [ص: ٢٩]. ولو كان القرآن أكثره غير بيَّن لما جاز معه أن يُتوجه الخطاب في هذه الآية إلى جميع المكلفين؛ إذ لا يؤمر الجميع بتدبر ما يتوقف معرفة معناه على علم الخاصة (٤).