← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 7500

أزواج بالكذب

عبد الله الرحيلي

Полный текст (87 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

المجلد الأول مقدمة ... مقدّمة إنّ الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونتوب إليه، ونعوذ بالله مِن شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا. مَن يهده الله، فلا مضلَّ له، ومَن يُضلل، فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، ﷺ . أمّا بعد، فهذه رسالةٌ موجزة مخصَّصةٌ لمعالجة مشكلةٍ اجتماعية، اصطلى بنارها كثير مِن أفراد المجتمع، وعادتْ على الناس بشرٍّ مستطير، وخللٍ خطير؛ فاستدعى الأمر العناية والتنبيه؛ لعل إنساناً يستيقظ مِن غفلته، فيعود إلى القيام بواجبه، سواءٌ كان ظالماً أو مظلوماً. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْأِصْلاحَ مَا

стр. 2

١اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ ٢. وأُؤكِّدُ هنا، منذ البداية، أنّ هدف هذا الموضوع ليس الدعوة إلى الفِراق أو الانفصال بين الزوجين مطْلقاً، أو الأخذ بالحل الأصعب دائماً، كلاّ كلاّ، إنما هو دعوةٌ للظالم والمظلوم، معاً، لكي يعود كلٌّ منهما إلى الجادّة والصواب، وأَنْ يتوب الظالم، وأن يسعى المظلوم لأخْذِ حقّه بالتي هي أَحسن، وبما تقتضيه الحكمة، ولا يتجاهل حقَّهُ ويَظنّ أنه لا سبيل له إليه. وأترك القاريء العزيز مع الرسالة في وصْف المشكلة، ثم حلّها المقترح، ثم قصص من الواقع، وآراء. ولا حول ولا قوّة إلا بالله العليّ العظيم. وكتبه: د. عبد الله بن ضيف الله الرحيلي ١/٣/١٤٢٠هـ - المدينة المنورة

стр. 3

أَزواجٌ بالكذب !! وصْف المشكلة: ما أَقبح الكذب والخداع في هذه الحياة!. وإنّ مِن نذالة الأنذال في هذا العصر، ما نراه ونسمعه عن أُناسٍ يَدَّعون أنهم رجال، ويتزوجون أيضاً، ولكن يشترطون أو يختارون، ولكن ماذا يشترطون أو يختارون؟ ذات الخلق والدين؟. كلاّ، إنهم يشترطون على الناس أو على أنفسهم أن تكون الزوجة مُدرِّسةً، وقد يَظن بعضهم بنفسه خيراً؛ فيُضيف إلى هذا الشرط المهم جداً عنده شرطاً آخر، وهو أن تكون ذات دين. إنه يريد زوجة، ولكن المهم أن تكون مدرِّسةً أو موظفة!. لماذا؟!. أجاب أحدهم قبل الزواج بقوله: لتنفع البلد!.

стр. 4

وبعد الزواج تتبين الحقيقة، ويَنكشف السر للمساكين المغفلين، وهو أن هذا لا يريد زوجةً أوّلاً، وإنما يريد مدرِّسةً أوّلاً، ثم زوجةً ثانياً!. وبعضهم يَكشف الأمر منذ البداية؛ فقبل العقد يسأل ويَتحقق مِن الصفات الشرعية عنده في زوجته وأُم أولاده، وأوّلها وأَولاها أن تكون معلِّمةً أو موظفةً، وهذا يكشف الأمر إما لأنه مغفلٌ خبيث، أو لأنه خبيث فيه شيء مِن الخير. وبعد الزواج يوقد الزوج نار الشر التي يعتقد أنها من حقوق الزوج على زوجته التي استجدت في هذا العصر، ومِن ذلك أن له الحق في أن يستولي على راتب زوجته، كله أو بعضه-بحسب درجات الورع عنده-دون أن يشعر بأي غضاضةٍ أو حياء مِن الناس، ودون أن يحسب حساباً لرضا الزوجة أو أهلها أو مشاعرهم!. بل ويقول: هذا حقي!. ويستخدم حق القوامة الذي أعطاه الله إياه استخداماً ظالماً غير مشروع، فيستعبد الزوجة، ولا يعبأ بأهلها

стр. 5

وأرحامه، ولا يعبأ بما حرّمه الله من أموال الناس على الناس بغير طيبةٍ من أنفسهم!. وهو في كل ذلك بين شخصين: - إما أن يكون شخصاً مكابراً مناقضاً في تصرفاته هذه لقناعته في قرارة نفسه من أن هذا إثم واضح وعارٌ فاضحٌ!. - أو يكون شخصاً مغفلاً قد غَرَّته فتوى أو كلمة سمعها من بعض الناس؛ فأخذها بطرفها، ولم يُوْغِلْ في التحقق منها والتثبت فيها؛ وذلك خوفاً من أن يحق الحق ويترجح الراجح ويتبين له حرمة ما ظنه غنيمة باردة، وما عَلِمَ أنها ظليمة في شرعنا غير واردة!. ولكن هذا وذاك إنما يعبران عن رداءةٍ يتبرأ منها شُمُّ الرجال والمترفعون عن أموال الرجال فضلاً عن أموال النساء العواني!. وحتى لو كان الرجل الشهم ذا حاجةٍ واحتاج إلى شيء من أهله فإنه لا يأخذه إلا بالمعروف وبطيبةٍ من أنفسهم يتيَقَّنُها، أو يأخذه على سبيل القرض الحسن

стр. 6

المسجَّل الموثَّق، بعد أن يتيقّن وتطمئنّ نفسُهُ برضاها عن طِيبةِ نفسٍ، لا عن إكراهٍ، ولا عن استخدامٍ لعصا القوامة بعد أن نسي يوم القيامة، ونسي حسابَهُ ووقوفه بين يدي الله ومقامَه!. والحقيقة أن هذه الظاهرة قد أثقلتْ كثيراً مِن بيوت المسلمين اليوم بمشكلاتٍ خفيّةٍ وظاهرة، وأصبح المظلومون والمظلومات، بسبب ذلك، يعانون مِن ظلمِ الظالمين من الأزواج في هذا العصر. نَعَمْ، واللهِ، إنهم يُعانون، ولكنهم مع ذلك لا يُعانون١!. لماذا؟. لأسبابٍ، منها: أنّ الظالم يتعامل كما لو كان زوجاً في الحقيقة، ويستخدم حق القوامة، لا أطال الله مقامه، وقَطَفَ منه تلك الهامة!. وهذه ظاهرةٌ جديدةٌ مِن ظواهر النذالة والأنذال التي لا

стр. 7

أحسِبُ أنها وُجِدتْ إلا في هذا العصر، وإنْ وُجِدتْ فبصورةٍ لا تَصِلُ إلى هذا الحد. وإذا سئل عن صنيعه احتج بفتوى فلان وفلان، ونسي كلام الرحمن وكلام رسوله ﷺ وسيرته العطرة. وما هذا في الحقيقة إلا وسنان في صورة يقظان، هذا في الوقت الذي ربما كان بمقدوره أن يُمَيِّزَ ويَعْرِف فيه حكم الله وحججه وبيِّناته!. وإذا ذكرت له أدنى اعتراضٍ على ذلك ربما أبغضك في الله وأحب ذاك الذي أفتاه محبة في الله-والله أعلم-!. وكم استفتاني المستفتون: ماذا يصنعون؟. ولست من أهل الفتوى، ولكن حكم الله واضح، والحلال بينٌ، والحرام بينٌ، وقد قال رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِوَابِصَةَ: "جِئْتَ تَسْأَلُ عَنِ الْبِرِّ وَالإِثْمِ؟ ". قَالَ: قُلْتُ: نَعَمْ. ..قَالَ: "اسْتَفْتِ نَفْسَكَ، اسْتَفْتِ قَلْبَكَ، يَا وَابِصَةُ، ثَلاثاً، الْبِرُّ مَا اطْمَأَنَّتْ إِلَيْهِ النَّفْسُ، وَاطْمَأَنَّ إِلَيْهِ الْقَلْبُ، وَالإِثْمُ مَا حَاكَ فِي النَّفْسِ وَتَرَدَّدَ فِي الصَّدْرِ، وَإِنْ أَفْتَاكَ النَّاسُ وَأَفْتَوْكَ" ١.

стр. 8

وبعض هذه الصُّور المخزية في أخلاق الرجال، صورٌ ملفوفة، لكنها في الحقيقة مكشوفة، ومِن ذلك أن يُظْهر الرجل تورّعاً أن يأخذ من راتب زوجته أو مالها شيئاً، لكنه يَدَعها لراتبها؛ فيُلزمها بالصرف على نفسها، وكأن الأمر لا يعنيه، وكأنها في الحقيقة لم تتزوج!. وبعضهم يُلزمها أن تشاطره النفقة ودفع إيجار البيت، وأما ملابسها وحاجاتها التي تخصها فلا شأن له بها، فتتولاها الزوجة التي كادت، والحالة هذه أن تكون تاء التأنيث فيها زائدة وبه لاحقة؛ لأنها أصبحت ملزمةً بالإنفاق على الرجل العاني، وملزمة بمقتضى حق القوامة عليه أن تُخَصِّص للبيت خادمةً أيضاً. ولست أدري كيف وصل الانتكاس بهذا الصنف من الناس إلى الحدّ الذي توهّموا فيه أن ما أعطاهم الله من حق القوامة على النساء إنما هو ليحصلوا على كل هذه الحقوق والأموال المغتصبة مِن زوجاتهم!. وتجاهلوا أن الله أعطاهم حق القوامة لكي يُسعِدوا أهليهم،

стр. 9

وليس لِيُشقوهم أو يظلموهم أو يغتصبوا أموالهن!. والغنيمة كل الغنيمة أن يظفر اللئيم بيتيمة!. وقد علمت أن بعضهم يُنذِر حربه على زوجته منذ البداية، فيُحذّرها أن تُخبر أهلها بأي شيء يصنعه بها، وإلا سوف يكون الطلاق مصيرها! ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾ ١!. ولست أدري ما الجديد في مثل هذا الزواج سوى استرقاقِ الزوجة، والارتفاقِ بمالها وجُهْدها، وإضرامِ نار الكَمَد في قلبها، وقَتْلِها بغير سِكِّين!. وإذا تحولت الزوجة إلى أن تكون هي المنفقة على الزوج-وقد قال الله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ ٢-فماذا بقي للزوج مِن هذا الصنف مِن الناس،

стр. 10

والحالة هذه؟!. هل يتنازل هؤلاء لزوجاتهم عن القِوَامة ويقعدون في البيوت، لا كَثَّرهم الله في البيوت ولا خارجها!. لقد رأينا وسمعنا كثيراً عن زيجات لا يَدفع فيها الزوج المزعوم سوى المهر-وربما على لَكاعَةٍ-وشيءٍ مِن أثاث ما هو إلا كذَرِّ الرماد في العيون، ثم يُمْسِك الزوج ماله إلى مال زوجته العزيزة، فلا يُنفِق كما يُنفِق الأزواج؛ فتتبَيَّن الحقيقة واضحةً عندئذٍ، وهي أن هذه ليست عقود زواجٍ، وإنما هي عقودٌ تجاريّة، والتاجر فيها واحدٌ مِن الطرفين فقط، وهو الزوج!. ولست أدري هل يَرْضى مثل هؤلاء هذه المعاملةَ لأخواتهم وبناتهم أو لأمهاتهم؟! أو أن هذا خاصٌّ لهم مع بنات الناس!. إن كانوا لا يَرضونه فهم ذئاب في ثياب، كَسَرَ الله منهم كلَّ ناب، وهذا هو المعهود في الكلاب، أنها تنبح كلَّ غريب، وتفترسه لأنه غريب.

стр. 11

وكيف يَرضونه لزوجاتهم؟ وأين علاقةُ المودّة والرحمة التي أخبر الله عنها بأنه جعلها بين الزوجين!. وإن كانوا يَرضونه للجميع ففطرتهم ممسوخة، وغيرتهم على العار والضعيف والمسكين ممسوحة!. ولقد كنت رأيت في بريطانيا قبل سنوات في أول زيارة لها ظاهرة غريبةً جداً، وهي أن الزوج والزوجة قد يأكلان في المطعم ثم يحاسب كل واحدٍ منهما عن نفسه؛ فعجبتُ من هذا المسخ في الحقوق الزوجية والعلاقة الأُسرية. ثم ها نحن نشاهد اليوم الظاهرة تتكرر عندنا، بل أسوأ، ولكن في داخل البيوت، أعني بيوت الزوجية التي جعلها الله سكناً!!. كيف يرضى هؤلاء الرجال أن يعتدوا هذا الاعتداء على النساء!. كيف يرضى هؤلاء الرجال أن يعيشوا على نفقة النساء عليهم!. ماذا ينتظر هؤلاء لأنفسهم ولزوجاتهم ولأولادهم!.

стр. 12

ماذا ينتظر هؤلاء لأنفسهم عند ربهم في الدنيا والآخرة!. ولا أدري كيف يَعُدُّ الرجلُ زواجَهُ زواجاً إذا كان كهذا!. وكيف تَطِيب نفسُهُ بزواجٍ لا يتكلّف فيه الإنفاق على أهله، بل ربما هم يُنفِقون عليه، أَنفَقَهُ الله!. إنّ مِن أهمّ معاني الزواج وواجباته الشرعيّة أن يُصْبح الرجل صاحب مسؤوليةٍ يَتحَمَّلُها بعرقِهِ وجُهْده ووقتِهِ؛ فإذا ما عَجِزَ عن ذلك فإن له أن يستقرِض مِن أجْل ذلك في حدود ما يستطيع؛ فإنْ لم يكن قادراً، فإنّ حُكْم الشرع هو أنّ مِن حقِّ الزوجة طلب فسْخ الزواج؛ فأين هذا الصنف مِن الأزواج الماديين العائشين على أنانيّتِهم، الغافلين عن ساعةِ مَنِيَّتهم! أو قُلْ: الذين يَرْجح على حَيِّهم مَيِّتُهِم!. الحقُّ أنني في شكٍّ أصلاً مِن شرعيّةِ زواجٍ مثل هذا بالنسبة لهذا الزوج؛ لأن النبي ﷺ يقول: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امريء ما نوى". وعَنْ خَيْثَمَةَ قَالَ كُنَّا جُلُوساً مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو إِذْ جَاءَهُ قَهْرَمَانٌ لَهُ، فَدَخَلَ، فَقَالَ: أَعْطَيْتَ الرَّقِيقَ قُوتَهُمْ؟.

стр. 13

قَالَ: لا. قَالَ: فَانْطَلِقْ فَأَعْطِهِمْ، قَالَ: قال رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْماً أَنْ يَحْبِسَ عَمَّنْ يَمْلِكُ قُوتَهُ" ١، وعند أبي داود وأحمد: "كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْماً أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوتُ" ٢؛ فما بالك بِمن أصبح مِن الأزواج طوال دهره يُعال، ولا يُحِسُّ ولو ضُرب بالنعال!. يا هذا! مَن الإنسان عندك؟ أَهُوَ أنت فقط، أَمْ أنّ سِواك مِن الناس كذلك هم مِن بني آدم الذين تَثْبت لهم حقوق بني آدم؟!. أَليست زوجتك وأولادك وأهْل زوجتك أُناسٌ مِن بني آدم، لهم حقوق الإنسان على الإنسان-فضلاً عن حقوق المسلم على المسلم، وفضلاً عن حقوق الرَّحِم وهذه العلاقةِ التي جَمَعتْك بهم-؟!. لعلّك تفكّر فيمن معك، أو أنت معهم، وتفكّر في حقوقهم، كما تفكّر في حقوقك، أو أشدّ، بل لعلك تُؤْثِرهم على نفسك؛ بِمَحْض إيمانك ومروءتك وشهامتك ورجولتك.

стр. 14

آياتٌ قرآنية وأحاديث نبويةٌ وإن كان لأحدٍ من هؤلاء الرجال شبهة تجعله يتورّع عن القول بتحريم مال الغير، ولاسيما النساء العواني، فها هي أمثلة ونماذج قليلة من نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، فليستمع إليها أو يقرأها مَن يَتحجج بالشرع، أو مَن يدّعي من هؤلاء الوقوف عند حرمات الله وحدوده، فها هي بعض نصوص وحْي الله تعالى: * قال الله تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً﴾ ١. * وقال سبحانه: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْأِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ٢. * وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً

стр. 15

* إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً﴾ ١. * وقال عزَّ مِن قائل: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ. وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَراً يَرَهُ﴾ ٢. * وقال ﷺ : "خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لأَهْلِهِ وَأَنَا خَيْرُكُمْ لأَهْلِي" ٣. * وقَضَى ﷺ : "أَنْ لا ضَرَرَ وَلا ضِرَار" َ٤. وقال ﷺ في خطبته في حَجَّةِ الْوَدَاعِ: "أَيُّ يَوْمٍ أَحْرَمُ؟ أَيُّ يَوْمٍ أَحْرَمُ؟ أَيُّ يَوْمٍ أَحْرَمُ؟ ". فَقَالَ النَّاسُ: يَوْمُ الْحَجِّ الأَكْبَرِ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: "فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ، وَأَمْوَالَكُمْ، وَأَعْرَاضَكُمْ، عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، أَلا لا يَجْنِي جَانٍ إِلا عَلَى نَفْسِهِ، وَلا يَجْنِي وَالِدٌ عَلَى وَلَدِهِ، وَلا وَلَدٌ عَلَى وَالِدِهِ، أَلا: إِنَّ الْمُسْلِمَ

стр. 16

أَخُو الْمُسْلِمِ؛ فَلَيْسَ يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ إِلا مَا أَحَلَّ مِنْ نَفْسِهِ، أَلا وَإِنَّ كُلَّ رِباً فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ، لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ غَيْرَ رِبَا الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، أَلا وَإِنَّ كُلَّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ دَمٍ وُضِعَ مِنْ دِمَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ دَمُ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِالْمُطَّلِبِ كَانَ مُسْتَرْضَعاً فِي بَنِي لَيْثٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، أَلا وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْراً، فَإِنَّمَا هُنَّ عَوَانٍ عِنْدَكُمْ، لَيْسَ تَمْلِكُونَ مِنْهُنَّ شَيْئاً غَيْرَ ذَلِكَ، إِلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ، وَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْباً غَيْرَ مُبَرِّحٍ، فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً، أَلا إِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقّاً، وَلِنِسَائِكُمْ عَلَيْكُمْ حَقّاً، فَأَمَّا حَقُّكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ فَلا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ مَنْ تَكْرَهُونَ، وَلا يَأْذَنَّ فِي بُيُوتِكُمْ لِمَنْ تَكْرَهُونَ، أَلا وَإِنَّ حَقَّهُنَّ عَلَيْكُمْ أَنْ تُحْسِنُوا إِلَيْهِنَّ فِي كِسْوَتِهِنَّ وَطَعَامِهِنَّ ... " ١.

стр. 17

وفي لفظٍ للحديث أنه قال ﷺ : "يَا أَيُّهَا النَّاسُ: أَتَدْرُونَ فِي أَيِّ شَهْرٍ أَنْتُمْ؟ وَفِي أَيِّ يَوْمٍ أَنْتُمْ؟ وَفِي أَيِّ بَلَدٍ أَنْتُم؟ قَالُوا: فِي يَوْمٍ حَرَام، وَشَهْرٍ حَرَامٍ، وَبَلَدٍ حَرَامٍ، قَالَ: فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ، وَأَمْوَالَكُمْ، وَأَعْرَاضَكُمْ، عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، إِلَى يَوْمِ تَلْقَوْنَهُ، ثُمَّ قَالَ: اسْمَعُوا مِنِّي تَعِيشُوا: أَلا لا تَظْلِمُوا، أَلا لا تَظْلِمُوا، أَلا لا تَظْلِمُوا، إِنَّهُ لا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ إِلا بِطِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ، أَلا وَإِنَّ كُلَّ دَمٍ وَمَالٍ وَمَأْثَرَةٍ كَانَتْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمِي هَذِهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ يُوضَعُ دَمُ رَبِيعَةَ ابْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِالْمُطَّلِبِ، كَانَ مُسْتَرْضِعاً فِي بَنِي لَيْثٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، أَلا وَإِنَّ كُلَّ رِباً كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَإِنَّ اللَّهَ قَضَى أَنَّ أَوَّلَ رِباً يُوضَعُ رِبَا الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِالْمُطَّلِبِ لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ، أَلا وَإِنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ"، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ

стр. 18

السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ ، أَلا لا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّاراً يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ، أَلا إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ أَنْ يَعْبُدَهُ الْمُصَلُّونَ، وَلَكِنَّهُ فِي التَّحْرِيشِ بَيْنَكُمْ، فَاتَّقُوا اللَّهَ فِي النِّسَاءِ؛ فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ، لا يَمْلِكْنَ لأَنْفُسِهِنَّ شَيْئاً، وَإِنَّ لَهُنَّ عَلَيْكُمْ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ حَقّاً: أَنْ لا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَداً غَيْرَكُمْ، وَلا يَأْذَنَّ فِي بُيُوتِكُمْ لأَحَدٍ تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ خِفْتُمْ نُشُوزَهُنَّ، فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ، وَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْباً غَيْرَ مُبَرِّحٍ". قَالَ حُمَيْدٌ: قُلْتُ لِلْحَسَنِ: مَا الْمُبَرِّحُ؟. قَالَ: الْمُؤَثِّرُ. "وَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ، وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَإِنَّمَا أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ اللَّهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ ، وَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ فَلْيُؤَدِّهَا إِلَى مَنِ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا. وَبَسَطَ يَدَيْهِ فَقَالَ: "أَلا هَلْ بَلَّغْتُ؟ أَلا هَلْ بَلَّغْتُ؟ أَلا هَلْ بَلَّغْتُ؟ ثُمَّ قَالَ: لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ، فَإِنَّهُ رُبَّ مُبَلَّغٍ أَسْعَدُ مِنْ سَامِعٍ". قَالَ حُمَيْدٌ قَالَ الْحَسَنُ حِينَ بَلَّغَ هَذِهِ الْكَلِمَةَ: قَدْ

стр. 19

وَاللَّهِ بَلَّغُوا أَقْوَاماً كَانُوا أَسْعَدَ بِهِ١". وقال الإمام البخاري في صحيحه: بَاب هِبَةِ الرَّجُلِ لامْرَأَتِهِ وَالْمَرْأَةِ لِزَوْجِهَا، قَالَ إِبْرَاهِيمُ: جَائِزَةٌ وَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِالْعَزِيزِ: لا يَرْجِعَانِ. وَاسْتَأْذَنَ النَّبِيُّ ﷺ نِسَاءَهُ فِي أَنْ يُمَرَّضَ فِي بَيْتِ عَائِشَةَ، وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالْكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ"، وَقَالَ الزُّهْرِيُّ فِيمَنْ قَالَ لامْرَأَتِهِ: هَبِي لِي بَعْضَ صَدَاقِكِ، أَوْ كُلَّهُ، ثُمَّ لَمْ يَمْكُثْ إِلا يَسِيراً حَتَّى طَلَّقَهَا؛ فَرَجَعَتْ فِيهِ. قَالَ: يَرُدُّ إِلَيْهَا إِنْ كَانَ خَلَبَهَاأي: خَدَعَها، وَإِنْ كَانَتْ أَعْطَتْهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ أَمْرِهِ خَدِيعَةٌ جَازَ؛ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ﴾ ٢. وعَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَأَعْطَانِي، ثُمَّ سَأَلْتُهُ فَأَعْطَانِي، ثُمَّ سَأَلْتُهُ فَأَعْطَانِي، ثُمَّ قَالَ: "هَذَا الْمَالُ وَرُبَّمَا" - قَالَ سُفْيَانُ: قَالَ لِي يَا حَكِيمُ إِنَّ هَذَا الْمَالَ- "خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ؛ فَمَنْ أَخَذَهُ بِطِيبِ نَفْسٍ؛ بُورِكَ لَهُ فِيهِ، وَمَنْ

стр. 20

أَخَذَهُ بِإِشْرَافِ نَفْسٍ، لَمْ يُبَارَكْ لَهُ فِيهِ، وَكَانَ كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلا يَشْبَعُ، وَالْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى"١. وروى الإمام أحمد عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ-مُعَلَّقاً- أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "لا يَحِلُّ لِلرَّجُلِ أَنْ يَأْخُذَ عَصَا أَخِيهِ بِغَيْرِ طِيبِ نَفْسِهِ"؛ وَذَلِكَ لِشِدَّةِ مَا حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ مَالِ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ"٢. وعَنْ أَبِي أُمَامَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنِ اقْتَطَعَ حَقَّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِيَمِينِهِ؛ فَقَدْ أَوْجَبَ اللَّهُ لَهُ النَّارَ، وَحَرَّمَ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ"؛ فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: وَإِنْ كَانَ شَيْئاً يَسِيراً يَا رَسُولَ اللَّهِ؟. قَالَ: " وَإِنْ قَضِيباً مِنْ أَرَاكٍ٣". وفي لفظ الحديث عند مالك في الموطأ: قَالَ: وَإِنْ كَانَ قَضِيباً مِنْ أَرَاكٍ، "وَإِنْ كَانَ قَضِيباً مِنْ أَرَاكٍ، وَإِنْ كَانَ قَضِيباً مِنْ أَرَاكٍ". قَالَهَا ثَلاثَ مَرَّاتٍ٤. فهل أيقنتَ أيها الأخ الواقع في شيءٍ مِن الظلم أو

стр. 21

التعدي، أو التجاهل للواجبات والحقوق عليك تُجَاه زوجتك وأولادك وأرحامك، هل أيقنتَ الأمر الذي أخبرك الله به في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ ، ومَن أَصْدقُ مِن الله حديثاً؟!. لعلّك تُفكِّر وتَعُود مِن قريب؛ فَتُقيم العلاقة على ما يوجبه عليك الإيمان والشرع ومكارم الأخلاق. ولو أَنصفَ الناسُ استراحَ القاضي!.

стр. 22

مِن الواجب على الآخرين: هذا، وإنّ مِن الواجب على كلِّ غيورٍ مخْلِصٍ التفكير والسعي الجادّ في علاج هذه المشكلة، سواءٌ لَحِقَهُ شيءٌ مباشرٌ من مثل هذا الظلم أو لا؛ قياماً بالواجب الشرعي تجاه نصْرة أخيه المسلم، ظالماً أو مظلوماً، لكن بمفهوم النُّصْرة الشرعيّ. ولقد شَرَع الله تعالى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذا المجال مِن النُّصْرة للمظلومين والمظلومات مما يقوم المسلم القادر فيه بشيءٍ مِن الأمر المعروف والنهي عن المنكر، لكن على أن يكون ذلك بما أَمر الله به من الحكمة والإخلاص للمنصوح، والشفقةِ بكلٍ مِن الطرفين، دون انحيازٍ، ودون تهوّرٍ أو تَسرُّعٍ. ولِهذا الجانب مِن الموضوع بقيّةٌ ستأتي في "حلّ المشكلة".

стр. 23

حلُّ المشكلة وإنْ سألَ سائلٌ: فما الحلّ لهذا الداء العضال، وماذا نصنع بهؤلاء الرجال؟. فالجواب هو:

стр. 24

- أوّلاً: الوقاية قبْل العلاج: هناك حلٌّ وقائيٌّ يجب على أولياء المرأة أو وليِّها أن يَتنبّه له، وهو أن يَجتهد في التعرف على الشخص المتقدِّم له، وذلك مِن حيث الاستقامة والدين والخُلُق والسيرة، ومِن ذلك أن يتعرف على طبيعة الشخص هل عنده مادّيّة وحبٌّ زائد للدنيا؟ وهل له رغبةٌ في أن يستغل الزوجة مادّيّاً؟ وقد يَتّضح هذا مِن خلال كلامه، ومِن خلال سيرته، ومِن طبيعة تفكيره، وقد يكون لِوضْع الشخص المادّيِّ أحياناً أثرٌ في هذا التوجّه. فإذا ما تَبَيّن للوليّ أن الرجل مِن هذا الصنف، فإياه ثم إياه مِن الإقدام على إعطائه، ولْيتّقِ الله ربَّه؛ فإنها أمانةٌ عنده،

стр. 25

فلا يَخُنِ الأمانة، ولا يَغِشّ مَن هو في مكان الناصح له. أيها الأولياء، اتقوا الله، واحذروا -قبل الزواج-هذه الذئاب البشرية، فلا تدفعوا بناتكم إلى براثنها؛ فتفترسها تحت سمعكم وبصركم، فلا تتمكّنوا مِن استنقاذهن إلا بعد أن يُصِيبوهن إصابات بليغة في نفوسهن وعقولهن وأجسادهن وأموالهن!.

стр. 26

- ثانياً: حلّ المشكلة بمبادرةٍ مِن الزوج: أمّا في حالِ حدوثِ هذا الأمر، فأوّل الحلول وأَولاها أن يَبدأ الحل مِن هؤلاء الأزواج أنفسهم؛ فيستغفروا الله ويتوبوا إليه، ويَعتذروا لِمَن ظلموه، ويُعِيدوا ما أخذوه ظلماً وعُدواناً، ولكم رؤوس أموالكم لا تَظلمون ولا تُظْلمون. وهذا الحل لا يُغني عنه -في حقّ هؤلاء الأزواج- أيُّ حلٍّ آخر، ولا تَبرأ ذمتهم بغيره؛ وذلك لِمَا عليهم مِن خطورةٍ عظيمةٍ بعدم المبادرة إليه، وهي خطورةٌ تنالهم في عباداتهم وفي حياتهم في الدنيا وفي حياتهم في الآخرة؛ وذلك لأنّ كثيراً منهم يَدْخل عليه هذا المال

стр. 27

المأخوذ ظلماً في صيامه وفي صلاته وفي حجِّه وفي صدقاته وفيما يَنبُتُ عليه جسدُهُ؛ إذْ يَصْرف مِن هذا المال في كل ذلك شاء أم أبى؛ فعياذاً بالله مِن حالٍ كهذا. وعلى مَن تُعلِّلُ له نفسُهُ بأُمْنِيَةِ أن يكون هذا المال حلالاً أن يَأتي بآيةٍ صريحةٍ بذلك، أو بحديث صحيحٍ صريح. وهيهات أن يَجِد في دين الإسلام ما يُسْعفه بهذا المطلب الظالم، أو بالظلمِ للمسلمين والمسلمات، بل إنه في الوقت الذي لا يَجِد فيه ما يُسْعفه بِطَلِبَتِهِ من آيات الكتاب العزيز والسنّة المطهرة؛ فإنّ الآيات والأحاديث تترى لبيان الحق اليقين بأنّ الظلم لا يَحِل لأحدٍ، وبأنّ أكل المال الحرام لا يَحِلُّ لأحدٍ، مهما كان صاحبُ هذا المال: غنياً أو فقيراً، قوياً أو ضعيفاً، رجلاً أو امرأةً!. فالتوبةَ التوبةَ، أيها الناس، قبْل أن تؤخذوا بالحَوْبة؛ فيُغْلَق عليكم الباب، وتواجِهون الحساب. وإذا قَدِرْتَ على الناس، فتذكَّر قدرةَ الله عليك، واعلمْ أنّ الله عليك أقدر، وأنه لا مفرّ لك منه سبحانه.

стр. 28

وعلى الناس أنْ يُذَكِّروا كلَّ مَن وقَعَ في مثل هذا الإثم؛ فإنّ هذا مِن حقّه عليهم وحقِّ المسلمين جميعاً. ولا شكَّ في أنّ أيّ زوجةٍ يَسرّها-وترضى-بأن يعود زوجها، الظالم لها، إلى الجادة، وتستمر حياتهما على الوئام والصفاء، في أُخوّةٍ لا ظُلْمَ معها.

стр. 29

- ثالثاً: الحل إذا لم يُبادِر الزوج: - فإنْ لم يَفعل الأزواج، ولم يتوبوا؛ فإنّ الواجب على المظلوم أن لا يُقِرَّ الظلم، وأن يأخذ بالأسباب التي جعلها الله له للخروج مِن هذا الظلم، ومنها: البيان له والإيضاح والإفصاح، ومنها: مطالبته بالتي هي أحسنُ بالكف عن الظلم، ومنها: توثيق الحقوق، ومنها: الشكوى إلى مَن يُنصِف منه، ومنها: مخاصمته لدى القاضي، ومنها: الدعاء عليه، ودعوة المظلوم ليس بينها وبين الله حجاب!. - وينبغي أن تَعْلم الزوجة منذ البداية أن الأمرَ يَعْنيها بالدرجة الأُولى، وأن الحل يَرجع إليها بالدرجة الأُولى كذلك، وتستطيع أن تقوم بما لا يستطيع سواها؛ فعليها

стр. 30

أن تتنبّهَ، منذ البداية، إلى معرفة حال الزوج وأخلاقه وما يُريده أيضاً تجاه هذا الأمر؛ فإنْ تَبيّن، لها بوضوحٍ أن الزوج مِن هذه النوعية مِن الناس؛ فعليها أن تتوصّل إلى حلٍّ سريعٍ واضحٍ معه، وإلا فعليها أن لا تترك لنفسها الإيغال في المشكلة، وأن تسعى مع وليّها لحسْم الداء منذ البداية. وهذا خيرٌ أَلفَ مرّة مِن التسويف إلى أن يَطْفح الكيل وتتعقّد المشكلة. ولكن، إياها وسوء الظن والتسرع في غير موضعه؛ فكم نَجَم عنهما مِن المصائب، ولا سيما بالنسبة لطبائع غالبِ النساء، وأن تتحرس مِن الظلم ومِن هدْم سعادتها بيديها بسبب سوء الظن والتسرع والظلم. وعلى المرأة ووليّ أمرها أن يعلموا أنّ الأخذ بالحل في أوّل المشكلة هو المتعيّن عقلاً وشرعاً، وأنّ الصواب أنْ يكون الحل بِيَدِهم، لا بِيَدِ عمرو. وأنه على الرغم مِن أَنّ هذا هو الحل إلا أنه صعبٌ، لكنه لابدّ منه إذا كان هو الحل؛ فعليهم أنْ يُقْدموا،

стр. 31

ويُوطِّنوا أنفسهم عليه، وأن يَعْلموا أنه أفضل وأيسرُ مِن الصبر على المشكلة وتأخير حلّها، أو تجاهلها متحمِّلين في سبيل ذلك كلَّ ما ينشأُ عنه مِن منغِّصاتٍ وعواقب وخيمة. - وينبغي للقضاة أن يَتفهَّموا هذه المشكلة، وأن يُنصِفوا المظلومين؛ فإنه بِغضِّ النظر عن الآراء الفقهية فقد قال ﷺ : "انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً"؛ فلا يُدْخِلوا في ذِممهم ظليمةَ ظالمٍ أو مخالفةً لأمْر النبي ﷺ هذا وأمثاله؛ فلا يَصِحُّ للقاضي أو سِواه أن يُثير في نفس المرأة المظلومة مِن زوجها مشاعرَ الحزن والأسى أو الخوف مِن المستقبَل بعد الفراق؛ فلا ينبغي أن يفعل ذلك طمعاً في إعادتها إلى الوضع الذي جاءته متظلمةً منه؛ بل عليه أن يكون ناصحاً لها، وليس النصح لها منحصراً في إلزامها بالبقاء في عصمة الزوج على الظلم، فالواجب التثبت مِن قضيّتها ثم إنصافها مِن ظالمها. - وعلى المجتمع المسلم، بأسْرِهِ، أن يُسْهم في علاج هذه المشكلة، وأن يَسْعوا في رفْع هذه المَظْلمة الاجتماعية،

стр. 32

كلٌّ فيما يَخصّه، وبما يَستطيع: * فأولياء أمور النساء عليهم مسؤوليّةٌ، تبدأُ مِن مسؤولية الاختيار، ثم مسؤولية الرعاية والاطمئنان على حال بناتهم، ثم الوقوف معهنّ بالنصرة والتأييد والحماية، بعد التثبت المؤَكَّد. * كما أنّ على الآباء خاصّةً أن يتّقوا الله تعالى في بناتهم وفلذات أكبادهم؛ فلا يَضَيّعوهن بأي سببٍ، سواء كان بالتفريط وعدم المبالاة وعدم حسن الاختيار، أو كان بِعضْلِ بناتهم مِن الزواج رغبةً في استغلالهن وتشغيلهن، كما لو كانت ابنتُهُ عنده جاريةً أو أَمَة؛ ومِثلُ هذا لا يُقْدم عليه إلا مَن أُصيب بالعَمَه!. والأب الذي يقع في مثل هذا الظلم ليته لم يَلِد، بل ليته لم يولد!. وستأتي وقفةٌ خاصة مع هذا النوع مِن الآباء. * مِن خطوات الحل للخلاف إذا وَقَع بين الزوجين، في بعض مراحله، اختيار حَكَمَيْن مَرْضيين مِن الطرفين؛ ينظران

стр. 33

* في القضية، ويتثبّتان منها، ويتّخذان الحلّ المناسب، سواء كان ذلك على أساس بقائها في عصمة الزوج، أو التفريق بينهما؛ وذلك امتثالاً لقوله تعالى: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً فَلا جُنَاحَ عَلَيهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحاً وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً﴾ ١. لكن ينبغي أن يُعْلم أَن هذا الحل له موضعه، فليس هو في كل حالٍ، وإنما هو في الحال التي أراد الله سبحانه تطبيقه فيها؛ وهي حينما يكون الأمرُ-مِن الخلاف والمشكلات-متوافراً فيه قَيْدان: الأول: أن يكون في دائرة ما يُمْكِنُ تَحَمُّلُهُ شرعاً؛ وذلك لأن مخالفة الشرع لا تجوز؛ فهناك حالاتٌ لا يجوز السكوت عليها أو الرضا بها شرعاً. الثاني: أن يكون في دائرة ما يُمْكِنُ تَحَمُّلُهُ وإطاقته

стр. 34

مِمَّن يعاني مِن المشكلة أو المشكلات، فيُمْكِن تحمّلها عندئذٍ إلى جانب المعالجة لها؛ لأن هناك حالاتٍ ليس في مقدور الإنسان إطاقتها أو الصبر عليها؛ وقد قال الله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا﴾ ، وكذلك لأن هذا الدين مِن أهمِّ مقاصده تحريرُ الإنسان مِن العبوديّة لغير الله سبحانه، وإنقاذُ الإنسان مِن الظلم- بما في ذلك ظُلْم الإنسان لنفسه- بل قد تقرر في هذا الدين تحريم الظلم والتعدي على الحيوانات، بما فيها الكلاب!. وكذلك إذا تَعدّى الظلمُ المظلومَ ذاته إلى سواه مِن الأهل والأولاد؛ فإنه ليس مِن حقِّ الزوجة أن تَصبِر على ذلك بحجّة أنها تتحمّل الأمر بأيِّ حجةٍ مِن الحجج، كأَنْ تتصوّر أن الأمر يتعلق بها هي فقط. على أنه ليس المراد بهذا الدعوة إلى اتّخاذ الفِراق بين الزوجين حَلاًّ دائماً أو في مقدِّمة الحلول؛ إنما المراد وضْع النقاط على الحروف وَفْق المعروف الذي أمر الله بأن تكون عليه الحال بين الزوجين؛ وهذا هو الأمر الذي يجب

стр. 35

أن يُحَقِّقه الزواج بين المسلم والمسلمة. * وأقارب الزوج عليهم مسؤولية النصرة للحق وإنصاف الزوجة المظلومة مِن قريبهم، وقد يقومون بما لا يقوم به سِواهم. * والخطباء عليهم حقٌّ ومسؤولية تجاه معالجة هذه المشكلة، وتجاه بيان الحق للناس وأسباب السعادة في الدنيا والآخرة، وأهمية البعد عن المال الحرام، وبيان عواقبه في الدنيا وفي الآخرة. * والقضاة عليهم مسؤوليةُ مناصرة المظلوم وإنصافه مِن الظالم. * والجهة التي تعمل عندها المرأة عليها مسؤوليةٌ، بأنْ تتثبت مما يظهر مِن حالات الظلم؛ فلا تكون سبباً في تسهيله. * وعلى الدولة وولي أمر المسلمين مسؤولية التحَسّس مِن مثل هذه الظُّلامات، وإنصاف المظلومين، وردْع الظالمين، وتوقيع العقوبات الصارمة لكل مَن يتبيّن تَوَرُّطُهُ في مثل هذا المسلك.

стр. 36

وقفةٌ مع الآباء أيضاً والآباء الأصل فيهم-بحسب الفطرة التي فطرهم الله عليها-ينأَون عن ظلْم بناتهم في شيءٍ من أمور الدنيا أو سِواها، بل الأصل أنهم يَبذلون مِن عندهم لبناتهم، فضلاً عن أَن يتعدَّوا على بنيَّاتهم وفلذات أَكبادهم. لكن بعض الآباء قد خرجوا عن هذا الأصل، ومَشَوا على غير أصلٍ ولا فرْعٍ صحيح؛ وذلك حينما تَنَكّبوا عن هذه الفطرة التي فَطر الله عليها عباده، وتجاوزوا الأخلاق الواجبة شرعاً على الآباء تجاه الذريّة، لا سيّما البنات، اللاتي هن أَولى بالرعاية، والعطف، والمعروف. لقد تحوّلت عاطفة الأُبوّة والمودّة والرحمة تجاه البنيّات إلى العواطف المادّية الجائرة، التي لا تَعْرف صِلةً ولا قرابةً، ولا أُبوّةً ولا بنوّة، ولا شفقةً على مسكين أو ضعيف، ولا تَوَرُّعاً عن حرامٍ-فضلاً عن شبهةٍ-فأَصبح هؤلاء لا يُفكِّرون إلا في مختلف الطرق التي يستولون بها على أموال

стр. 37

بناتهم-أو أَولادهم-فوجدوا، أَو أَوجدوا طرقاً كثيرةً للوصول إلى مبتغاهم!. ومِن طُرُقهم وأساليبهم ما يلي: - تأخير زواج ابنته لكي تبقى عنده فيستولي على راتبها الشهري لقاء وظيفتها. - إيذاء زوج ابنته؛ ليضطرّه إلى الطلاق، أو إلجائه إلى الطلاق ببعض الحجج المفتعلة؛ ليأخذ ابنته مِن زوجها. كلُّ ذلك حرصاً على راتبها. وما كنت لأُصّدِّق بمثل هذا أن يَحْصل مِن أبٍ لولا أنني علمتُ ببعض الوقائع مِن هذا القبيل!. على أنّ هذه الشاكلة في الآباء قليلة، إن شاء الله تعالى، لكنها ظاهرةٌ خطيرةٌ تستدعي النظر والعناية بالحلول الحائلة دون تنامي مثل هذه الظاهرة في مجتمعات المسلمين. - الاحتجاج ببعض المعاذير والحجج التي يُصوِّرونها أَدلةً شرعية لهم في هذا التصرف الظالم، ومِن ذلك

стр. 38

الاحتجاج بمثلِ حديث: أنت ومالك لأبيك١. مع أن الحديث-إنْ حُكِم بثبوته٢ عن رسول الله ﷺ -لا يُقرّر قاعدةً للناس عامةً، وإنما هو حُكْمٌ في حادثةٍ بعينها؛ إنها كانت واقعةً رفَعَها إليه المخاطَبُ بقوله: "أنت ومالك لأبيك". والوقائع تختلف ظروفها وأسبابها اختلافاً يقتضي اختلافها في الأحكام. وحتى لو قيل بجواز أخْذ الوالد مِن مال ابنه؛ فإنّ مال البنت أقرب إلى أن يُتَورَّع عنه؛ لضعفها ومغايرتها عن الرجل. وحتى لو قيل بجواز أخْذ الوالد مِن مال ابنه؛ فإنّ هذا أيضاً ليس معناه إهدار النظر إلى الظروف والأحوال، واختلافها، ووجوب التورّع عن الشبهات، والبعد عن المحرّمات.

стр. 39

وأنّ ذلك-أيضاً-ليس معناه إباحة الظلم والاعتساف مِن الوالد؛ لأنه والد!. وكيف يُتصوَّر أَن يبيح الله تعالى للوالد ظلْمَ ولده-سواء كان ابناً أو بنتاً-مع أن الله سبحانه قد حرَّم الظلم على نفسه، وجعله محرَّماً بيننا، كما جاء في الحديث القدسيّ: "يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلا تَظَالَمُوا ... " ١. وأين رعاية مقاصد الشريعة وقواعدها العامّة، التي لا تُجيز هذا النوع مِن التعامل الأنانيّ الظالم!. إنه ليس لأحدٍ مِن الناس أن يَظلم أحداً، مهما كانت قرابته أو بُعده، ومهما كانت ولايته، سواءٌ كان أباً، أو زوجاً، أو أخاً، أو عمّاً أو خالاً، أو وكيلاً أو سِواهم. ومَن استباح لنفسه شيئاً مِن الظلم محتجّاً بشرْع الله فقد كَذب على الله، وإنما حسابه عند ربه الذي إليه

стр. 40

تصير الأمور. ولئِن ظَفِر الظالم اليوم بشيءٍ مِن مظلومِهِ؛ فلْيَعْلم أنه اليوم في قبضة الله وحكمه، وغداً سيظفر به خصمه بين يدي الله يوم القيامة، ﴿َوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ. إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ ١. وماذا يَنفع اللئم إذا قَدِم على ربه بقلبٍ غير سليم، وسلوكٍ ذميم، وظُلْمٍ للعيال والحريم، وتَعَدٍّ على مقام الرَّحِم الكريم!. وهل في الدنيا ومتاعها الزائل عِوَضٌ عن الله ورضوانه وما عنده مِن نعيمٍ مقيم، وجنّةٍ عَرْضُها السماوات والأرض أُعِدَّت للمتقين؟!. نسأله تعالى هدايةً وتوفيقاً لطاعته، وبُعْداً عن معاصيه وسخطه، إنه وليُّ ذلك والقادر عليه.
следующие страницы →