الباب السَّابع والخمسون: باب أسماء الصِّلات
[علة تسمية الأسماء الموصولة بأسماء الصِّلات]
إن قال قائل: لِمَ سُمِّي "الذي، والتي، ومن، وما، وأيّ" أسماء الصِّلات؟ قيل: لأنَّها تفتقر إلى صلات توضحها وتبينها؛ لأنَّها لم تُفهم معانيها١ بأنفسها، ألا ترى أنك لو ذكرتها من غير صلةٍ، لم تفهم٢ معناها، حتى تُضَمَّ إلى شيءٍ بعدها؛ كقولك: الذي أبوه منطلق، أو الذي انطلق أبوه، وكذلك التي أخوها ذاهب، والتي ذهب أخوها، وكذلك سائرها.
[الذي والتي ولغاتهما]
وفي "الذي" أربع لغات: "الذي" بياء ساكنة، و"الذيّ" بياء مشددة، و"الذِ" بكسر الذَّال من غير ياء، (والّذْ بسكون الذَّال من غير ياء) ٣؛ وكذلك في "التي" أربع لغات: التي بياء ساكنة، والتيَّ بياء مشددة، واللَّتِ بكسر التاء من غير ياء، واللَّتْ بسكون التاء من غير ياء؛ والألف اللام فيهما زائدتان، وليستا فيهما للتَّعريف؛ لأنَّ التعريف بصلتهما، وهي الجملة التي بعدهما، بدليل أخواتهما٤؛ نحو: "مَنْ، وَمَا" فلو كانتا فيهما للتَّعريف، لأدَّى ذلك إلى أن يجتمع فيهما تعريفان؛ وذلك لا يجوز.
[علة دخول الذي والتي في الكلام]
فإن قيل: فَلِمَ أُدخلت "الذي والتي" في الكلام؟ قيل: تَوصُّلا إلى وصف المعارف بالجمل؛ لأنَّهم لَمَّا رأوا النكرات تُوصَف بالمفردات والجمل؛ نحو: "مررت برجل ذاهبٍ، ومررت برجل أبوه ذاهب، وذهب أبوه، وما أشبه ذلك،
стр. 247
ولم يحسنوا١ أن يجعلوا النكرة أقوى من المعرفة، وآثروا التسوية بينهما، جاءوا٢ باسم ناقص لا يتم إلا بجملة، فجعلوه وصفًا للمعرفة توصلاً إلى وصف المعارف بالجمل، كما أتوا بـ"ذي" التي ٣ بمعنى "صاحب" توصُّلا إلى الوصف بأسماء الأجناس؛ نحو /قولك/٤: "مررت برجل ذي مالٍ"، وأتوا بـ"أيّ" توصُّلاً إلى نداء ما فيه الألف واللام؛ نحو: "يا أيها الرجل"، ونحو ذلك.
[علة وجوب العائد من الصلة إلى الموصول]
فإن قيل: فَلِمَ وجب العائد من الصلة إلى الموصول؟ قيل: لأنَّ العائد يعلقها بالموصول، ويتممها به، ولذلك، لم يجز أن يرتفع "زيد /بـ/٥ خرج" في قولهم: الذي خرج زيد، لأنَّه يؤدي إلى أن تخلو الصِّلة من العائد إلى الموصول.
[عِلَّة حذف العائد المنصوب]
فإن قيل: فَلِمَ حُذِف في قوله تعالى: ﴿أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولاً﴾ ٦؟ قيل: لأنَّ العائد ضمير المنصوب المتّصل والضمير المنصوب المتصل يجوز حذفه (وإنما جاز حذفه) ٧؛ لأنَّه صار الاسم الموصول، والفعل، والفاعل، والمفعول بمنزلة شيءٍ واحد؛ فلمّا صارت هذه الأشياء بمنزلة الشيء الواحد؛ طلبوا لها التَّخفيف، وكان حذف المفعول أولى؛ لأنَّ المفعول فضلة، بخلاف غيره من هذه الأشياء؛ فكان حذفه أولى.
[عِلَّة كون الصِّلات جُمَلاً]
فإن قيل: فهل يجوز أن تكون الأسماء المفردة صلات؟ قيل: لا يجوز ذلك؛ لأنَّ أسماء الصلات إنما أدخلوها في الكلام توصُّلا إلى الوصف بالجمل، كما أتوا بـ"ذي٨" توصلا إلى الوصف بالأجناس، وبـ"أي" توصُّلاً إلى نداء ما فيه الألف واللام، فكما لا يجوز إضافة "ذو" إلى غير الأجناس ولا يأتي بعد "أي" إلا ما فيه الألف واللام؛ فكذلك -ههنا- لا يجوز أن تكون الصلات إلا جملاً، ولا يجوز أن تكون مفردة؛ فأمَّا قراءة من قرأ: ﴿تَمَامًا عَلَى
стр. 248
الَّذِي أَحْسَنَ﴾ ١ بالرَّفع؛ فالتقدير فيه "على الذي هو أحسن"؛ فكذلك قوله : ﴿مَثَلاً مَا بَعُوضَةً﴾ ٢ بالرَّفع فالتقدير: "ما هو بعوضة"؛ وكذلك قوله : ﴿أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا﴾ ٣ أي: "هُو أشَدُّ" فحذف المبتدأ في هذه المواضع كلها؛ وحذف المبتدأ جائز في كلامهم.
[ضمة "أيُّهم" بناء أو إعراب وخلافهم فيها]
فإن قيل: فهذه الضمة في "أيُّهم" ضمة إعراب أو ضمة بناء؟ قيل: اختلف النحويون في ذلك؛ فذهب سيبويه إلى أنَّها ضمة بناء؛ لأنَّهم لَمَّا حذفوا المبتدأ من صلتها دون سائر أخواتها؛ نقصت فبنيت، وكان بناؤها على الضَّمِّ أولى؛ لأنَّها أقوى الحركات، فَبُنِيَت على الضمة كـ"قبلُ، وبعدُ" والذي يدلُّ على أنَّهم إنما بنوها لحذف المبتدأ، أنهم لو أظهروا المبتدأ، فقالوا: "ضربت أيّهم هو في الدار"؛ لَنَصبوا، ولم يبنوا. وذهب الخليل إلى أنَّ الضَّمَّةَ ضَمَّةُ إعراب، ويرفعه٤ على الحكاية؛ والتقدير عنده: ... ٥ ثُمَّ لننزعن من كل شيعة الذي يقال لهم أيّهم". وذهب يونس إلى إلغاء الفعل قبله، وينزل الفعل المؤثر في الإلغاء منزلة أفعال القلوب. والصحيح: ما ذهب إليه سيبويه، وأمَّا قول الخليل: إنَّه مرفوع على الحكاية؛ فالحكاية إِنَّما تكون بعد جري الكلام فتعود الحكاية إليه، وهذا الكلام يصحُ ابتداءً من غير تقدير قول قائل قاله، وأما قول يونس فضعيف جدًّا؛ لأنَّ الفعل إذا كان مؤثرًا، لا يجوز إلغاؤه.
[عِلَّة بناء أسماء الصِّلات]
فإن قيل: فَلِمَ بنيت أسماء الصلات؟ قيل لوجهين:
أحدهما: أنَّ الصلة لَمَّا كانت مع الموصول بمنزلة كلمة واحدة، صارت بمنزلة بعض الكلمة، وبعض الكلمة مبنيّ.
والوجه الثَّاني: أنَّ هذه الأسماء لَمَّا كانت لا تفيد إلا مع كلمتين فصاعدًا، أشبهت الحروف؛ لأنَّها لا تفيد إلا مع كلمتين فصاعدًا.
стр. 249
[علة إعراب "أيّ" دون أخواتها]
فإن قيل: فـ"أيّ" لِمَ كانت مُعربة دون سائر أخواتها؟ قيل: لوجهين:
أحدهما: أنَّهم بقَّوها على الأصل في الإعراب، تنبيهًا على أن الأصل في الأسماء الإعراب، كما بنوا الفعل المضارع إذا اتصلت به نون التأكيد /أ/و١ ضمير جماعة النسوة، تنبيهًا على أن الأصل في الأفعال البناء.
والوجه الثَّاني: أنَّهم حملوها على نظيرها ونقيضها؛ فنظيرها جزء، ونقيضها كل؛ وهما معربان، فكانت معربةً؛ فاعرفه تُصب، إن شاء الله تعالى.
стр. 250
الباب الثامن والخمسون: باب حروف الاستفهام
[حروف الاستفهام وأسماؤه وظروفه]
إن قال قائل: كم حروف الاستفهام؟ قيل: ثلاثة حروف١ "الهمزة، وأم، وهل" وما عدا هذه الثلاثة، فأسماء وظروف أُقيمت مُقامها؛ فالأسماء: "مَنْ، وما، وكم، وكيف" والظروف: "أين، وأنَّى، ومتى، وأيّ حين، وأيّان"؛ و"أي" يُحكَم عليها بما تُضاف إليه؛ فأمَّا الهمزة وأم، فقد بيناهما في باب العطف، وأمَّا "هل" فتكون استفهامًا وتكون بمعنى "قد" قال الله : ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾ ٢ أي: "قد أتى" ثم قال الشاعر٣: [البسيط]
سَائِلْ فَوَارِسَ يَرْبوعٍ بِشِدَّتِنَا ... أَهَلْ رَأَونَا بسَفحِ القُفِّ ذِي الأَكَمِ٤
أي: قد رأونا، ولا يجوز أن تُجعل "هل" استفهامًا؛ لأنَّ "الهمزة" للاستفهام، وحرف الاستفهام، لا يدخل على حرف الاستفهام.
[علة إقامة العرب الأسماء والظروف مقام حروف الاستفهام]
فإن قيل: فَلِمَ أقامت العرب هذه الأسماء والظروف مُقام
стр. 251
حروف١ الاستفهام؟ قيل: إِنَّما أقاموها مُقام حروف الاستفهام تَوَسُّعًا في الكلام، ولكل واحدٍ منها موضع يختص به، فـ"مَنْ" سؤال عمَّن يعقل، و"مَا" سؤال عمَّا لا يعقل، و"كم" سؤال عن العدد، و"كيف" سؤال عن الحال، و"أين"، و"أنى" سؤال عن المكان، و"متى"، و"أيّ حين"، و"أيان" سؤال عن الزمان، و"أي" يحكم عليها بما تضاف إليه؛ فإنَّها لا تكون إلا مضافة، ألا ترى أنك لو قلت: مَنْ عندك؟ لوجب أن يقول المجيب: زيد أو عمرو، وما أشبه ذلك، ولو قال: فرس، أو حمار، لم يجز؛ لأنَّ "مَنْ" سؤال عمَّن يعقل، لا عمَّا لا يعقل؛ وكذلك لو قلت: أينَ زيد؛ لوجب أن تقول: في الدَّار أو في المسجد، وما أشبه ذلك؛ فلو قال: يوم الجمعة لم يجز؛ لأنَّ "أين" سؤال عن المكان، لا عن الزمان؛ وكذلك -أيضًا- لو قلت: متى الخروج؟ لوجب أن تقول: "يوم الجمعة، أو يوم السبت" /أ/ و٢ ما أشبه ذلك، ولو قال: في الدَّار، أو في المسجد؛ لم يجز، لأنَّ "متى" سؤال عن الزمان لا عن المكان، وكذلك سائرها.
[علة إقامة هذه الكلمات مقام الهمزة]
فإن قيل: فَلِمَ أقاموا هذه الكلم مُقام حرف واحدٍ، وهي همزة الاستفهام، وهم يتوخَّون الإيجاز والاختصار في الكلام؟ قيل: إِنَّما فعلوا ذلك للمبالغة في طلب الإيجاز والاختصار، وذلك؛ لأنَّ هذه الكلم تشتمل على الجنس الذي تدل عليه، ألا ترى أَنّ "مَنْ" تشتمل على جميع من يعقل، و"أين" تشتمل على جميع الأمكنة، و"متى" تشتمل على جميع الأزمنة، وكذلك سائرها، فلمَّا كانت تشتمل على هذه الأجناس؛ كان فيها فائدة ليست في الهمزة، ألا ترى أنك لو قلت: أزيد عندك؟ لجاز ألا يكون زيد عنده؛ فيقول: "لا" فتحتاج إلى أن تعيد السؤال، وتعد شخصًا شخصًا، وربَّما لا يذكر الشخص الذي هو عنده، فلا يحصل لك الجواب عمَّن عنده؛ لأنَّه لا يلزمه ذلك في سؤالك، فلمَّا كان ذلك يؤدي إلى التطويل؛ لأنّ استيعاب الأشخاص مستحيل، أتى بلفظة تشتمل على جميع من يعقل وهي "مَنْ" فأقاموها مُقام الهمزة ليلزم المسئول الجواب عمَّن عنده، وكذلك لو قلت: أفي الدار زيد، أو في المسجد؛ لجاز ألا يكون في واحدٍ منهما؛ فيقول: "لا" فتحتاج -أيضًا- أن تعيد السؤال، وتَعُدَّ مكانًا مكانًا، ورُبَّما لا يذكر ذلك المكان الذي هو فيه، فلا يحصل لك الجواب عن
стр. 252
مكانه؛ لأنَّه لا يلزمه ذلك في سؤالك١؛ فلمَّا كان ذلك يؤدي إلى التطويل، أُتي بـ"أين"؛ لأنَّها تشتمل على جميع الأمكنة؛ ليلزم المسئول الجواب عن مكانه؛ وكذلك لو قلت: أيخرج زيد يوم السبت؛ لجاز ألا يخرج في ذلك اليوم، فتحتاج -أيضًا- إلى تكرير السؤال، وربَّما لا يذكر ذلك الوقت الذي يخرج فيه؛ فلما كان ذلك يُؤدي إلى التطويل؛ أقاموا "متى" مُقامها؛ لأنَّها تشتمل على جميع الأزمنة، كما تشتمل "أين" على جميع الأمكنة، وكذلك سائرها؛ فلهذا المعنى من الإيجاز والاختصار أقاموها مُقام الهمزة.
[علة بناء أدوات الاستفهام عدا أي]
فإن قيل: فَلِمَ كانت مبنية ما عدا "أيًّا"؟ قيل: إنَّما بُنيت لأنَّها تضمنت معنى حرف الاستفهام، وهو "الهمزة" وأمَّا "أي" فإنَّما أُعربت وإن كانت قد تضمنت معنى حرف الاستفهام؛ لِمَا بيَّنّا في باب أسماء الصلات [مِنْ] ٢ قبل؛ فاعرفه تُصب، إن شاء الله تعالى.
стр. 253
الباب التاسع والخمسون: باب الحكاية
فائدة الحكاية في الكلام
إن قال قائل: لِمَ دخلت الحكاية الكلامَ؟ قيل: لأنَّها تزيل الالتباس، وتزيد١ التوسع في الكلام.
[الحكاية في المعارف والنَّكرات وخلافهم في ذلك]
فإن قيل: فهل يجوز٢ الحكاية في غير الاسم العلم والكنية؟ قيل: اختلفت٣ العرب في ذلك؛ فمن العرب من يجيز الحكاية في المعارف كلِّها دون النكرات؛ قال الشاعر٤: [الوافر]
سمعت: النّاسُ ينتجعون غيثًا ... فقلت لِصَيدح انتجعي بلالا٥
فقال: النَّاسُ بالرفع، كأنه سمع قائلاً يقول: النَّاسُ ينتجعون غيثًا، فحكى الاسم مرفوعًا، كما سمع. ومن العرب من يجيز الحكاية في المعرفة والنكرة؛ ومن ذلك قول بعضهم، وقد قيل له: عندي تمرتان؛ فقال: "دعنى من تمرتان". وأما أهل الحجاز فيخصونها بالاسم العلم والكنية؛ فيقولون إذا قال: رأيت زيدًا: مَنْ زيدًا؟ وإذا قال: مررت بزيدٍ: مَنْ زيدٍ؟ فيجعلون "مَنْ"
стр. 254
في موضع رفع بالابتداء، وزيدًا١ في موضع الخبر، ويحكون الإعراب، وتكون الحركة قائمة مُقام الرفعة٢ التي تجب بخبر المبتدأ.
[بنو تميم لا يحكمون الإعراب]
وأما بنو تميم فلا يحكون، ويقولون: "مَنْ زيدٌ" بالرفع في جميع الأحوال، فيجعلون "مَنْ" في موضع رفع؛ لأنَّه مبتدأ وزيد هو الخبر، ولا يحكون الإعراب؛ وهو القياس؛ والذي يدل على ذلك: أن أهل الحجاز يوافقون بني تميم في العطف والوصف؛ فالعطف كقولك إذا قال لك القائل: رأيتُ زيدًا: ومن زيدٌ؟، والوصف كقولك إذا قال /لك/٢ القائل: رأيتُ زيدًا الظريف: "مَنْ زيدٌ الظريف؟ ".
[أهل الحجاز يخصون الحكاية باسم العلم والكنية وعلة ذلك]
فإن قيل: فَلِمَ خَصّ أهل الحجاز الحكاية بالاسم العلم والكنية؟ قيل: لأنَّ الاسم العلم والكنية غُيِّرا، ونُقلا عن وضعهما؛ فلمَّا دخلهما التغيير؛ والتغيير يؤنس بالتغيير.
[علة رفع الحجازيين في العطف والوصف]
فإن قيل: فَلِمَ رفع أهل الحجاز مع العطف والوصف؟ قيل: لارتفاع اللَّبس.
[الزيادات التي تلحق مَنْ في الاستفهام عن النكرة في الوقف]
فإن قيل: فما هذه الزيادات التي تلحق مَنْ في الاستفهام عن النكرة في الوقف في حالة الرفع، والنصب، والجر، والتأنيث، والتثنية، والجمع؛ نحو: "منو، ومنا، ومني، ومنان، ومَنَيْن، ومنون، ومَنيْن، ومَنَهْ، ومنتان، ومَنْتَيْن، ومنات" هل هي إعراب أو لا؟ قيل: هذه الزيادات التي تلحق "مَنْ" من تغييرات٣ الوقف، وليست بإعراب، والدليل على ذلك من وجهين:
أحدهما: أنَّ "مَنْ" مبنية، والمبني لا يلحقه الإعراب.
والثَّاني: أنَّ الإعراب يثبت في الوصل، ويسقط في الوقف٤؛ وهذا
стр. 255
بعكس الإعراب، يثبت في الوقف، ويسقط في الوصل؛ فدلَّ على أنه ليس بإعراب، وأمَّا قول الشاعر١: [الوافر]
أتوا ناري فقلت مَنُونَ أنتم ... فقالوا الجنُّ فقلت: عِمُوا ظَلامَا٢
فأثبتوا الزيادة في حال الوصل؛ فالجواب عنه من وجهين:
أحدهما: أنَّه أجرى الوصل مجرى الوقف، لضرورة الشّعر، وإذا كان ذلك لضرورة الشعر؛ فلا يكون فيه حُجَّة.
والثاني: أنه يجوز أن يكون من قبيلة تعرب٣ "مَنْ"، فقد حُكي عن سيبويه٤: أنَّه من العرب من يقول: "ضرب مَنٌ مَنًا" كما تقول: "ضرب رجل رجلاً" ولم يقع الكلام في لغة من أعربها، وإِنَّما وقع في لغة من بناها، فـ"منون" في هذه اللغة بمنزلة "قام الزيدون" وعلى كل حال فهو من القليل الشاذ الذي لا يُقاس عليه؛ فاعرفه تصب، إن شاء الله تعالى.
стр. 256
الباب الستون: باب الخطاب
[ضابط الخطاب]
إن قال قائل: ما ضابط هذا الباب؟ قيل: أن تجعل أول كلامك للمسئول عنه الغائب، وآخره للمسئول المخاطب؛ فتقول إذا سألت رجلاً عن رجل ... ١: كيف ذلك الرّجل، يا رجل؟ وإذا سألته عن رجلين، قلت: كيف ذانك الرجلان، يا رجل؟ وإذا سألته عن رجال، قلت: كيف أولئك الرجال، يا رجل؟ وإذا سألت رجلاً عن امرأة، قلت: كيف تلك المرأةُ، يا رجل؟ وإذا سألته عن امرأتين، قلت: كيف تانك المرأتان يا رجل؟ وإذا سألته عن نسوة، قلت: كيف أولئك النسوة، يا رجلُ؟ وإذا سألت امرأة عن امرأة، قلت: كيف تلك المرأة، يا امرأة؟ وإذا سألتها عن امرأتين قلت: كيف تانك المرأتان، يا امرأةُ؟ وإذا سألتها عن نسوةٍ، قلت: كيف أولئك النسوة، يا امرأةُ؟ وإذا سألت امرأة عن رجل، قلت: كيف ذلك الرجل يا امرأةُ؟ وإذا سألتها عن رجلين، قلت: كيف ذانك الرجلان، يا امرأة
؟، وإذا سألتها عن رجال، قلت: كيف أولئك الرجالُ، يا امرأةُ؟، وإذا سألت اثنين عن امرأة، قلت: كيف تلكما المرأةُ، يا رجلان؟ قال الله : ﴿أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ﴾ ٢، وإذا خاطبت نسوة، وأشرت إلى رجل، قلت: كيف ذلكنَّ الرجل يا نسوةُ؟ قال الله تعالى: ﴿قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ
﴾ ٣، وعلى هذا قياس هذا الباب.
[علة تقديم المشار إليه الغائب]
فإن قيل: فَلِمَ قدّم المشار إليه الغائب؟ قيل: عناية بالمسئول عنه.
стр. 257
[الكاف بعد أسماء الإشارة للخطاب لا محل لها من الإعراب]
والكاف بعد أسماء الإشارة وهي ذلك، وتلك، وأولئك لمجرد الخطاب، ولا موضع لها من الإعراب؛ لأنه لو كان لها موضع من الإعراب لكان موضعها الجر بالإضافة، وذلك محال؛ لأن أسماء الإشارة معارف، والمعارف لا تضاف، فصارت بمنزلة الكاف في "النَّجاك"؛ لأنَّ ما فيه الألف واللام لا يُضاف١، وبمنزلة الكاف في "إيَّاك" لأنَّه مضمر؛ والمضمرات كُلُّها معارف؛ والمعارف لا تضاف.
[اللام في أسماء الإشارة زائدة للتنبيه]
واللام في: ذلك، وتلك/زائدة/٢ للتنبيه، كـ"ها" في هذه؛ ولهذا لا يحسن أن يُقال: "هذلك" ولا "هاتالك"، وأصل اللام أن تكون ساكنة.
فإن قيل: فَلِمَ كُسرِت اللام في ذلك وحدها؟ قيل: إنما كُسِرت..٣ لوجهين:
أحدهما: أنها كُسرت لالتقاء الساكنين؛ لسكونها وسكون الألف قبلها.
والثاني: أنها كُسرت لئلا تلتبس بلام الملك، ألا ترى أنَّك لو قلت "ذلك" بفتح اللام، لالتبس وتوهم السامع أن المراد به أن هذا الشيء ملك لك، فلمَّا كان يؤدي إلى الالتباس كُسِرت اللام لإزالة هذا الالتباس، وإنَّما فُتِحَت كاف الخطاب في المذكَّر، وكسرت في المؤنث للفرق بينهما، والكاف في "تلكما" أيضًا للخطاب، وما /التي يعدها/٤ علامة للتَّثنية، وكذلك الكاف -أيضًا- في "أولئكم" للخطاب، والميم والواو المحذوفة علامة لجمع المذكّر، وكذلك الكاف -أيضًا- في "أولئكُنَّ" للخطاب، والنون المشددة علامة لجمع المؤنث؛ ومن العرب من يأتي بالكاف مفردة في التثنية والجمع على خطاب الواحد إذا فهم المعنى؛ قال الله : ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ ٥ ولم يقل "ذلكم"؛ وقيل: إنَّما أفرد؛ لأنَّه أراد به الجمع؛ (كأنه قال: ذلك أيها الجمع٦) ٧ والجمع لفظه مفرد؛ فاعرفه تصب، إن شاء الله تعالى.
стр. 258
الباب الحادي والستون: باب الألفات
[الهمزة في أول الكلمات على ضربين]
إن قال قائل: على كم ضربًا الألفات التي تدخل أوائل الكلم؟ قيل: على ضربين؛ همزة وصل، وهمزة قطع؛ فهمزة الوصل هي التي يتَّصل ما قبلها بما بعدها في الوصل؛ ولذلك سُمِّيت همزة الوصل؛ وهمزة القطع هي التي تقطعُ ما قبلها عن الاتصال بما بعدها؛ فلذلك، سُمِّيت همزة القطع.
[همزة الوصل ودخولها في أقسام الكَلِم كُلِّها]
فإن قيل: ففي ماذا تدخل همزة الوصل منَ الكلم؟ قيل: في جميع أقسام الكلم من الاسم والفعل والحرف؛ أمَّا الاسم فتدخل منه على اسم ليس بمصدر، وعلى اسم هو المصدر؛ فأمَّا ما ليس بمصدرٍ فـ"ابن، وابنة، واثنان، واثنتان، واسم، واست، وامرؤ، وامرأة، وايمن" فالهمزة دخلت في أوائل هذه الكَلِم عوضًا عن اللام المحذوفة منها، ما عدا: "امرؤ، وامرأة، وايمن" فأمَّا "امرؤ، وامرأة" فإنَّما أدخلت١ عليهما؛ لأنَّهما لَمّا كان آخرهما همزة؛ والهمزة معدن التغيير، تنزَّلا منزلة الاسم الذي قد حذف منه اللام، فأدخلت الهمزة عليهما، كما أُدخلت على ما حذف منه اللام. فأما "ايمن" فهو جمع يمين، إلا أنهم وصلوها؛ لكثرة الاستعمال، وقيل: إنهم حذفوها حذفًا، وزيدت الهمزة في أوله؛ لئلا يُبتدأ بالساكن. وأمَّا ما كان مصدرًا؛ فنحو: "انطلاق، واقتطاع، واحمرار، واحميرار، واستخراج، واغديدان، واخروَّاط /واسحنكاك/٢ واسلنقاء، واحرنجام، واسبطرار" وما أشبه ذلك. وأما الفعل فتدخل همزة الوصل منه على أفعال هذه المصادر؛ نحو: انطلق، واقتطع، واحمر،
стр. 259
واحمارّ، واستخرج، واغدودن١ واخروط٢، واسحنكك٣، واسلنقى٤، واحرنجم٥ واسبطرّ٦" ونحو ذلك؛ وإنما دخلت همزة الوصل في أوائل هذه الأفعال ومصادرها؛ لئلا يُبتدأ بالساكن، وكذلك أيضًا تدخل همزة الوصل على أمثلة الأمر من الفعل الذي يُسكن فيه ما بعد حرف المضارعة؛ نحو "ادخل، واضرب، واسمع" لئلا يُبتدأ بالسَّاكن. وأمَّا الحرف فلا تدخل همزة الوصل منه إلا على حرف واحد، وهي لام التعريف؛ نحو: "الرجل، والغلام" وما أشبه ذلك في قول سيبويه للعلة التي ذكرناها. وأمَّا الخليل فذهب إلى أن الألف واللام زيدتا معًا للتعريف، إلا أنَّهم جعلوا الهمزة همزة وصل؛ لكثرة الاستعمال؛ (وقد ذكرناه مستوفى في كتاب: الألف واللام) ٧.
[علة فتح همزة الوصل مع لام التعريف]
فإن قيل: فَلِمَ فُتحت الهمزة مع لام التعريف، وألف "ايمن"؟ قيل: أمَّا الهمزة مع لام التعريف، ففتحت لثلاثة أوجه:
أحدها: أن الهمزة لَمّا دخلت على لام التعريف، وهي حرف؛ أرادوا أن يجعلوها مخالفة للهمزة التي تدخل على الاسم والفعل.
والوجه الثاني: (أن الحرف أثقل، فاختاروا له الفتحة؛ لأنَّها٨ أخفُ الحركات.
والوجه الثالث) ٨: أن الهمزة مع لام التعريف، يكثر دورها في الكلام؛ فاختاروا لها أخف الحركات، وهي٩ الفتح.
[علة فتح همزة اَيمن]
وأما همزة "ايمن" فإنما بُنيت على الفتح لوجهين:
أحدهما: أن الأصل فيها أن تكون همزة قطع مفتوحة؛ فإذا وصلت لكثرة الاستعمال؛ بقيت حركتها على ما كانت عليه.
стр. 260
والثاني: أنَّها فُتحت؛ لأنَّ هذا الاسم ناب عن حرف القسم وهو "الواو" فلما ناب عن الحرف، شبِّه بالحرف، وهو لام التعريف؛ فوجب أن تُفتح همزته، كما فتحت مع لام التعريف.
[علة ضم همزة الوصل وفتحها مع بعض الأسماء]
فإن قيل: فَلِمَ ضمت الهمزة في نحو "اُدْخُل" وكسرت في نحو "اِضْرِب" وما أشبه ذلك؟ قيل: اختلف النحويون في ذلك؛ فذهب البصريون إلى أن الأصل في هذه الهمزة الكسر، وإنما ضُمت في نحو "ادخُل" وما أشبه ذلك؛ لأنَّ الخروج من كسر إلى ضم مُستثقل؛ ولهذا ليس في كلام العرب شيء على وزن "فِعُل". وذهب الكوفيون إلى أن همزة الوصل مبنية على ثالث المستقبل، فإن كان مكسورًا كسرت، وإن كان مضمومًا ضُمَّت. وما عدا ما ذكرناه في همزة الوصل، فهو همزة قطع؛ لأنَّ همزة القطع ليس لها أصل يحصرها، غير أنَّا نذكر بينهما فرقًا على جهة التقريب، فنقول:
[الفرق بين همزة الوصل والقطع]
نفرِّق بين همزة الوصل وهمزة القطع في الأسماء بالتصغير، فإن ثبتت بالتصغير، فهي همزة قطع، وإن سقطت فهي همزة وصل؛ نحو همزة: "أب، وابن" فالهمزة في "أب" همزة قطع، لأنها تثبت في التصغير، لأنَّك تقول في تصغيره: "أُبَيّ"، والهمزة في "ابن" همزة وصل؛ لأنها تسقط في التصغير؛ لأنَّك تقول في تصغيره؛ "بُنيّ". ونفرق بين همزة الوصل وهمزة القطع في الأفعال، بأن تكون١ ياء المضارع٢ منه مفتوحة، أو مضمومة، فإن كانت مفتوحة؛ فهي همزة وصل؛ نحو: ما قدمناه، وإن كانت مضمومة؛ فهي همزة قطع؛ نحو: "أَجْمَل، وأَحْسَن" وما أشبه ذلك، لأنَّك تقول في المضارع /منه/٣ "يُجمِلُ، ويُحسِنُ" وما أشبه ذلك؛ وهمزة مصدره -أيضًا- همزة قطع كالفعل، وإنما كُسرت من "إِجمال" ونحوه لئلا يلتبس بالجمع، فإنَّهم لو قالوا: "أجمل أَجمالاً" بفتح الهمزة في المصدر؛ لالتبس بجمع "جَمَل" فلما كان ذلك يؤدي إلى اللبس؛ كسروا الهمزة لإزالة اللَّبس.
стр. 261
[علة فتح حرف المضارعة في الثلاثي وضمها في الرباعي]
فإن قيل: فَلِمَ فتحوا حرف المضارعة في الثلاثي، وضموه في١ الرباعي؟ قيل: لأنَّ الثلاثي أكثر من الرباعي، والفتحة أخف من الضمة، فأعطوا الأكثر الأخف، والأقل والأثقل؛ ليعادلوا بينهما.
فإن قيل: فالخماسي والسداسي أقل من الرباعي، فهلا وجب ضمه؟ قيل: إنما وجب فتحه لوجهين:
أحدهما: أن النقل من الثلاثي أكثر من الرباعي، فلما وجب الحمل على أحدهما؛ كان الحمل على الأكثر أولى من الحمل على الأقل.
والثاني: أن الخماسي والسداسي ثقيلان؛ لكثرة حروفهما، فلو بنوهما على الضَّمِّ، لأدَّى ذلك إلى أن يجمعوا بين كثرة الحروف، وثقل الضَّمِّ، وذلك لا يجوز، فأعطوهما أخف الحركات وهو الفتح، على٢ أنّ بعض العرب يضم حروف٣ المضارعة منهما، فيقول: "يُنطلق، ويُستخرج" بِضَمِّ حرف المضارعة، حملاً على الرباعي، فاعرفه تصب، إن شاء الله تعالى.
стр. 262
الباب الثاني والستون: باب الإمالة
[معنى الإمالة]
إن قال قائل: ما الإمالة؟ قيل: أن تنحو بالفتحة نحو الكسرة، وبالألف نحو الياء.
[علة إدخال الإمالة في الكلام]
فإن قيل: فَلِمَ أُدخلت الإمالةُ الكلام؟ قيل: طلبًا للتشاكل؛ لئلا تختلف الأصوات فتتنافر، وهي تختص بلغة أهل الحجاز، ومن جاورهم من بني تميم وغيرهم؛ وهي فرع على التفخيم؛ والتفخيم هو الأصل؛ بدليل أن الإمالة تفتقر إلى أسباب توجبها، وليس التفخيم كذلك.
[الأسباب التي توجب الإمالة]
فإن قيل: فما الأسباب التي توجب الإمالة؟ قيل: هي الكسرة في اللفظ، أو كسرة تعرض للحرف في بعض المواضع، (أو الياء الموجودة في اللفظ، أو لأنَّ الألف منقلبة عن الياء، أو لأنَّ الألف تنزل منزلة المنقلبة عن الياء، أو إمالة لإمالة؛ فهذه ستة أسباب تُوجب الإمالة. فأمَّا الإمالة للكسرة في اللفظ؛ فنحو قولهم في عَالِم: عِالِم، وفي سَالِم: سِالِم. وأمَّا الإمالة للكسرة بشيء يعرض للحرف في بعض المواضع) ؛١ فنحو قولهم في خَاف: خِاف؛ فأمالوا؛ لأنَّ الخاء تُكسر في خِفْتُ. وأمَّا الإمالة للياء؛ فنحو قولهم في شَيْبَان: شِيبان، وفي غَيلان: غِيلان. وأمَّا الإمالة؛ لأنَّ الألف منقلبة٢ من الياء؛ فنحو قولهم في: رَحَى: رِحِى، وفي رَمَى: رِمِى. وأمَّا الإمالة؛ لأن الألف تنزل منزلة المنقلبة عن الياء؛ فنحو قولهم /في/٣: حُبَارَى٤: حُبَارِى، وفي سُكارَى: سُكَارِى.
стр. 263
وأما الإمالة للإمالة؛ فنحو: رأيت عِمَادًا، وقرأت كِتَابًا.
[الأحرف المانعة من الإمالة]
فإن قيل: فما يمنع من الإمالة؟ قيل: حروف الاستعلاء والإطباق؛ وهي "الصاد، والضاد، والطاء، والظاء، والغين، والخاء، والقاف"؛ فهذه سبعة أحرف تمنع الإمالة.
[علة منع هذه الأحرف من الإمالة]
فإن قيل: فَلِمَ منعت هذه الأحرف الإمالة؟ قيل: لأنَّ هذه الحروف تستعلي وتَتَّصل بالحنك الأعلى، فتجذب الألف إلى الفتح، وتمنعه من التَّسَفُّل بالإمالة.
[علة امتناع الإمالة إذا وقعت مسكورة بعد الألف]
فإن قيل: فَلِمَ إذا وقعت بعد الألف مكسورة منعت الإمالة، وإذا وقعت مكسورة قبلها لم تمنع؟ قيل: إنَّما منعت من الإمالة إذا وقعت مكسورة بعد الألف؛ لأنَّه يؤدي إلى التصعد بعد الانحدار؛ لأنَّ الإمالة تقتضي الانحدار، وهذه الحروف تقتضي التصعد، فلو أملت١ -ههنا- لأدَّى ذلك التصعد بعد الانحدار، وذلك صعب ثقيل؛ فلذلك، منعت من الإمالة؛ بخلاف ما إذا وقعت مكسورة قبل الألف؛ فإنه لا يؤدي إلى ذلك، فإنك إذا أتيت بالمستعلي مكسورًا، أضعفت استعلاءه، ثُمَّ إذا أملت انحدرت بعد تَصَعُّد، والانحدار بعد التَّصعُّد سهل خفيف؛ فبان الفرق بينهما.
فإن قيل: فهلَّا جازت الإمالة إذا وقعت قبل الألف مفتوحة في نحو: "صامت" وذلك انحدار بعد تصعد؟ قيل: لأنَّ الحرف المستعلي مفتوح، والحرف المستعلي إذا كان مفتوحًا، زاد استعلاءً؛ فامتنعت الإمالة، بخلاف ما إذا كان مكسورًا؛ لأن الكسرة تُضعِف استعلاءه؛ فصارت سُلَّمًا إلى جواز الإمالة، ولم يكن جواز الإمالة -هناك- لأنَّه انحدار بعد تصعد فقط، وإنما كان /كذلك/٢؛ لأنَّ الكسرة ضَعَّفت استعلاءه، /و/٣ لأنَّه انحدار بعد تصعد؛ فباعتبار هذين الوصفين، جازت الإمالة ههنا، فإن وجد أحدهما؛ وهو كونه انحدارًا بعد تَصَعُّدٍ، فلم يوجد الآخر، وهو تضعيف حرف الاستعلاء بالكسرة٤
стр. 264
التي هي سُلَّم إلى جواز الإمالة؛ فالإمالة في ضرب المثال مع الكسرة، بمنزلة النزول من موضع عالٍ بدرجةٍ، أو سُلَّم، والإمالة مع غير الكسرة، بمنزلة النُزول من موضعٍ عالٍ من غير١ درجة، أو سُلَّم، فبان الفرق بينهما.
[عِلَّة منع الراء المفتوحة أو المضمومة من الإمالة]
فإن قيل: فَلِمَ إذا كانت الراء مفتوحة، أو مضمومة، منعت من الإمالة، وإذا كانت مكسورة أوجبت٢ الإمالة قيل: لأنَّ الراء حرف تكرير؛ فإذا كانت مفتوحة، أو مضمومة فكأنه /قد/٣ اجتمع فيها فتحتان، أو ضمَّتان؛ فلذلك، منعت الإمالة، وأما إذا كانت مكسورة، فكأنه قد اجتمع فيها كسرتان؛ فلذلك، أوجبت الإمالة.
[علة غلبة الراء المكسورة حول الاستعلاء والراء المفتوحة]
فإن قيل: فَلِمَ غلبت الراء المكسورة حرف الاستعلاء /في/٤ نحو: "طارد" والراء المفتوحة /في/٤ نحو: "دار القرار" وما أشبه ذلك؟ قيل: إنما غُلبت الإمالة للراء المكسورة مع الحرف المستعلي؛ لأنَّ الكسرة في الراء اكتسبت٥ تكريرًا فقويت؛ لأنَّ الحركة تقوى بقوة الحرف الذي يتحمَّلها، فصارت الكسرة فيها بمنزلة كسرتين؛ فغلبت بتسفُّلها تصعُّدَ المستعلي، وكما غلبت الراءُ المكسورة الحرف المستعلي، فكذلك الراء المفتوحة المشبهة به.
[علة عدم دخول الإمالة في الحروف]
فإن قيل: فَلِمَ لم تدخل الإمالة في الحرف؟ قيل: لأنَّ الإمالة ضرب من التصرف، أو لتدل الألف على أن أصلها ياء، والحروف لا تتصرف، ولا تكون ألفاتها منقلبة عن ياء، ولا واو.
[علة جواز الإمالة في "بلى" الجوابية و"يا" الندائية]
فإن قيل: فَلِمَ جازت الإمالة في: "بلى" و"يا" في النداء؟ قيل: أمَّا "بلى" فإنما أُميلت؛ لأنَّها أغنت غناء الجملة، وأما "يا" في النداء، فإنَّما أُميلت؛ لأنَّها قامت مُقام الفعل، فجازت إمالتها كالفعل؛ فاعرفه تصب، إن شاء الله تعالى.
стр. 265
الباب الثالث والستون: باب الوقف
أوجه الوقف
إن قال قائل: على كم وجهًا يكون الوقف؟ قيل: على خمسة أوجه:
السكون: وهو حذف الحركة والتنوين.
والإشمام: وهو أن تضُم شفتيك من /غير/١ صوت؛ وهذا يدركه البصير دون الضرير.
والرَّوم: وهو٢ أن تُشير إلى الحركة بصوت ضعيف؛ وهذا يدركه البصير والضرير.
والتَّشديد: وهو٢ أن تشدد الحرف الأخير؛ نحو: هذا عمر، وهذا خالد.
والإتباع: وهو أن تُحرِّك ما قبل الحرف الأخير إذا كان ساكنًا حركة الحرف الأخير في الرفع والجر؛ نحو: هذا بَكُرْ، ومررت بِبَكِرْ.
[علة تخصيص الوقف بالوجوه المذكورة]
فإن قيل: فَلِمَ خصّوا الوقف بهذه الوجوه الخمسة؟ قيل: أما السُّكون؛ فلأن راحة المتكلم ينبغي أن تكون عند الفراغ من الكلمة، والوقف عليها؛ والراحة في السُّكون لا في الحركة٣.
[علة إبدال التنوين ألفًا في حال النصب]
فإن قيل: فَلِمَ أبدلوا من التنوين ألفًا في حال النصب، ولم يبدلوا من التنوين واوًا في حال الرفع، ولا ياء في حال الجر؟ قيل: لوجهين:
стр. 266
أحدهما: إنما أبدلوا من التنوين ألفًا في حال النصب؛ لخفة الفتحة، بخلاف الرفع والجر، فإن الضمة والكسرة ثقيلتان.
والوجه الثاني: أنَّهم لو أبدلوا من التنوين واوًا في حالة الرفع؛ لكان ذلك يؤدي إلى أن يكون اسم متمكن في آخره واو قبلها ضمة، وليس في كلام العرب اسم متمكن في آخره واو قبلها ضمة. ولو أبدلوا من التنوين ياءً في حالة الجر؛ لكان ذلك يؤدي إلى أن تلتبس بياء المتكلم؛ فلذلك لم يُبدلوا منه ياءً؛ على أنه من العرب من يُبدل في حالة الرفع واوًا، وفي حالة الجر ياءً؛ ومنهم من لا يبدل في حالة النصب ألفًا، كما لا يبدل في حالة الرفع واوًا، ولا في حالة الجر ياء؛ وهي لغة قليلة؛ وأجود اللغات الإبدال في حال النصب، وترك الإبدال في حال الرفع والجر على ما بيّنَّا.
وأما الإشمام: فالمراد به أن تُبين أن لهذه الكلمة أصل١ حركة في حال الوصل، وكذلك "الرَّوم والتشديد".
[عِلَّة عدم جواز الإشمام في حال الجر]
فإن قيل: فَلِمَ لم يجز الإشمام في حال الجر؟ قيل: لأنَّه يؤدي إلى تشويه الحلق.
وأما الإتباع: فلأنَّه لَمَّا وجب التحريك؛ لالتقاء الساكنين، اختاروا /لها/٢ الضمة في حالة الرفع؛ لأنَّها الحركة التي كانت في حالة الوصل، وكانت أولى من غيرها؛ قال الشاعر٣: [الرجز]
أنا ابن ماوِيَّة إذْ جدَّ النَّقُرْ ... [وجاءت الخيل أثابيَّ زُمَر] ٤
стр. 267
وكذلك حكم الكسرة في قول الآخر١: [المتقارب]
أرتني حجلاً على سَاقِهَا ... فَهَشَّ فُؤادِي لذاك الْحِجِلْ٢
بكسر الحاء والجيم.
فإن قيل: فهلَّا جاز ذلك في حالة النصب، كما جاز في حالة الرفع والجر؟ قيل: لأنَّ حرف الإعراب تلزمه الحركة إذا كان مُنونًا في حالة النصب؛ نحو /قولك/٣: "رأيت بكرا" ولا تلزمه في حالة الرفع والجر.
فإن قيل: فهلَّا جاز في ما لم يكن فيه تنوين؛ نحو قولك: "رأيت البَكْرَ"؟ قيل: حملاً على ما فيه التنوين؛ لأنَّ الأصل هو التنكير.
فإن قيل: فهلَّا جاز أن يُقال: "هذا عِدُلْ" بضَّمِّ الدّال، و"مررت بالبُسِرْ" بكسر السين في الوقف، كما جاز: "هذا بَكُرْ، ومررتُ بِبَكِرْ"؟ قيل: لأنَّهم لو قالوا: "هذا عِدُلْ" بضم الدال لأدَّى ذلك إلى إثبات ما لا نظير له في كلامهم؛ لأنَّه ليس في كلامهم شيءٌ على وزن "فِعُل" فلمَّا كان ذلك يؤدي إلى إثبات ما لا نظير له في كلامهم، عدلوا عن الضم إلى الكسر، كما قالوا في جمع حقو: أَحْق٤، وجرو: أَجْر٥، وقلنسوة: قَلَنْس٦ وقالوا: "هذا عِدِلْ" بكسر الدال؛ لأنّ له نظيرًا في كلامهم؛ نحو: "إِبل، وإِطِل"٧، ولم يقولوا: "مررت بالبُسِر" /بكسر السين/٨؛ لأنَّه ليس في الأسماء شيءٌ على وزن "فُعِل" إلا
стр. 268
"دُئِل" وهو اسم دويبة، و"رُئِم" اسم للسَّتَه١، وهما فعلان نُقلا إلى الاسمية. وحكى بعضهم "وُعِل"، فلمَّا كان ذلك يؤدي إلى إثبات ما لا نظير له في كلامهم، رفضوه وعدلوا عن الكسر إلى الضم؛ فقالوا: "مررت بالبُسُر"٢؛ لأنَّ له نظيرًا٣ في كلامهم؛ نحو: "طُنُب٤، وحُرُض٥"؛ فاعرفه تصب، إن شاء الله تعالى.
стр. 269
الباب الرّابع والستون: باب الإدغام
[معنى الإدغام]
إن قال قائل: ما الإدغام؟ قيل: أن تصل حرفًا بحرف مثله من غير أن تفصل بينهما بحركةٍ، أو وقف، فينبو اللِّسان عنهما نبوةً واحدة.
[الإدغام على ضربين]
فإن قيل: فعلى كم ضربًا الإدغام؟ قيل: على ضربين؛ إدغام حرف في مثله من غير قلب؛ وإدغام حرف في مقاربة بعد القلب؛ فأما إدغام الحرف في مثله، فنحو: شد، ورد. و/كان/١ الأصل فيه "شدد، وردد" إلا أنه لَمَّا اجتمع حرفان متحركان من جنس واحدٍ، سكنوا الأول منهما، وأدغموه في الثاني، وحكم المضارع في الإدغام حكم الماضي؛ نحو: "يشدُّ، ويردُّ" وما أشبه ذلك. وأما إدغام الحرف في مقاربه؛ فهو أن تُبدل أحدهما من جنس الآخر، وتدغمه فالثاني٢؛ نحو: الحق كندة٣، وانهك٤ قطنا، واسلخ غنمك، وادمغ خَلْفًا٥، وما أشبه ذلك، غير أنه لا طريق إلى معرفة تقارب الحروف إلا بعد معرفتها، ومعرفة مخارجها، وأقسامها؛ وهي تسعة وعشرون حرفًا، وهي معروفة، وقد تبلغ خمسة وثلاثين حرفًا بحروف مستحسنة، وهي النون الخفيفة، وهمزة بين بين، والألف الممالة، وألف التفخيم؛ وهي التي ينحى بها نحو الواو؛ نحو: "الصلوة"، والصاد كالزاي٦، والسين كالجيم؛
стр. 270
وتبلغ نيفًا وأربعين حرفًا بحروف غير مستحسنة، وهي القاف التي بين القاف والكاف، والكاف التي بين الجيم والكاف، والجيم التي كالكاف، والجيم التي كالشين، والصاد١ التي كالسين، والطاء التي كالتاء، والظاء التي كالثاء، والباء التي كالفاء، وحكى أبو بكر٢.. ٣ الضاد الضعيفة المبدلة من الثاء٤. وحكي أن منهم من يقول في: "اثرُد ٥: اضرد". ومخارجها ستة عشر مخرجًا:
فالأول: للهمزة، والألف، والهاء؛ وهو من أقصى الحلق مِمَّا يلي الصدر.
والثاني: للعين والحاء؛ وهو من وسط الحلق.
والثالث: للغين والخاء؛ وهو من أدنى الحلق مما يلي الفم.
والرابع: للقاف؛ وهو من أقصى اللسان وما فوقه من الحنك.
والخامس: للكاف؛ وهو أسفل من ذلك، وأقرب إلى مُقَدَّم الفم.
والسادس: للجيم، والشين، والياء؛ وهو من وسط اللسان، بينه وبين الحنك الأعلى.
والسابع: للضاد؛ وهو من أول حافة اللسان وما يليها من الأضراس؛ و/هي/٦ من الجانب الأيسر أسهل.
والثامن: للام؛ وهو من أدنى حافة اللسان إلى منتهى طرَفه.
والتاسع: للنون؛ وهو من فوق ذلك، فويق الثنايا٧.
والعاشر: للراء؛ وهو من مخرج النون إلا أنَّ الرَّاء أدخل بطرف اللسان في الفم، ولها تكرير في مخرجها.
стр. 271
والحادي عشر: للطاء، والتاء، والدال، وهو من بين طرف اللسان وأصول الثنايا العليا.
والثاني عشر: للصَّاد، والسين، والزاي١، وهو من /بين/٢ طرف اللسان وفويق الثنايا السفلى، وتُسمَّى هذه الحروف الثلاثة حروف الصفير.
والثالث عشر: للثاء، والذال، والظاء؛ وهو٣ من بين طرف اللسان، وأطراف الثنايا العليا.
والرابع عشر: للفاء؛ وهو من باطن الشفة السُفلى وأطراف الثنايا العليا.
والخامس عشر: للباء، والميم، والواو؛ وهو من بين الشَّفتين.
والسادس عشر: للنون الخفيفة؛ وهو من الخياشيم، ولا عمل للِّسان فيها؛ فهذه مخارج الحروف، وهي تنقسم إلى مهموسة والمجهورة، والمذلقة٤، والمصمتة، والشديدة، والرّخوة، وما بين الشديدة والرّخوة، والمطبقة والمفتوحة، والمستعلية والمنخفضة، والمعتلة.
[الأحرف المهموسة]
فالمهموسة عشرة أحرف: الهاء، والحاء، والخاء، والكاف، والسين، والشين، والصاد، والتاء، والثاء، والفاء، ويجمعها /قولك/: ٦ "سَتَشْحَثُكَ٧ خَصَفَه٨.
стр. 272
[الأحرف المجهورة]
والمجهورة، ما عدا هذه العشرة؛ وهي تسعة عشر حرفًا؛ ويجمعها: "مد غطاء جعظر١ وقل ند ضيزن"٢،
[الحرف المذلقة]
والمذلقة ستة أحرف: "اللام، والنون، والراء، والميم، والباء، والفاء"٣. ويجمعها: "فر من لبّ"٤.
[الأحرف المصمتة]
والمصمتة ما عدا هذه الستة.
[الأحرف الشديدة]
والشديدة ثمانية أحرف، ويجمعها: "أَجَدْتَ طَبَقَتك"؛ وكذلك ما بين الشديدة والرخوة ثمانية -أيضًا٥- يجمعها /قولك/٦: "نوري لامع"، والرخوة ما عداهما.
[الأحرف المطبقة]
والمطبقة أربعة أحرف: "الصَّاد، والضَّاد، والطَّاء، والظاء"، والمفتوحة ما عدا هذه الأربعة.
[الأحرف المستعلية]
والمستعلية سبعة أحرف؛ أربعة منها هي التي ذكرنا أنها مطبقة، والثلاثة الأُخر: "القاف، والغين، والخاء"؛ والمنخفضة ما عدا هذه السَّبعة.
[الأحرف المعتلَّة]
والمعتلة أربعة أحرف: "الهمزة، وحروف المدّ واللين، وهي الألف، والياء، والواو".
стр. 273
[معاني هذه الصفات]
ومعنى المهموسة: أنها حروف أضعف الاعتماد /عليها/١ في مواضعها٢، فجرى النَّفس معها فأخفاها، والهمس: الصوت الخفي؛ فلذلك سميت مهموسة. ومعنى المجهورة: أنها حروف أشبع الاعتماد في موضعها؛ فمنعت النفس أن يجري معها، فخرجت ظاهرة، والجهر: هو الإظهار؛ ولذلك سميت مجهورة. ومعنى الْمُذلقة: أنها حروف لها فضل اعتماد على ذلق اللسان، وهو طرفه؛ ولذلك، سُمِّيت مُذلقة. ومعنى المصمتة: أنها حروف ليس لها ذلك الاعتماد على ذلق اللسان، وأُصمتت بأن تختص بالبناء إذا كانت الكلمة رباعية أو خماسية؛ ولذلك، سُمِّيت مُصمتةً. ومعنى الشديدة: أنها حروف صلبة لا يجري فيها الصوت؛ فلذلك، سُمِّيت شديدة. ومعنى الرخوة: أنها حروف ضعيفة يجري فيها الصوت؛ فلذلك، سُمِّيت رخوة. ومعنى ما بين الشديدة والرخوة: أنها حروف لا مفرطة في الصلابة، ولا ظاهرة الضعف٣؛ بل هي في اعتدال بينهما؛ ولذلك، كانت بين الشديدة والرخوة. ومعنى المطبقة: أنها حروف يرتفع بها اللسان إلى الحنك الأعلى، فينطبق عليها، فتصير محصورة؛ ولذلك، سُمِّيت مُطبقةً، ومعنى المفتوحة: أنَّها حروف لا يرتفع اللسان بها إلى الحنك الأعلى، فينفتح عنها؛ ولذلك، سُمِّيت مفتوحةً. ومعنى المستعلية: أنَّها /حروف/٤ تستعلي إلى الحنك الأعلى؛ ولذلك، سُمِّيت مستعلية. ومعنى المنخفضة: عكس ذلك. ومعنى المعتلة: أنَّها حروف تتغير بانقلاب بعضها إلى بعض بالعلل الموجبة /لذلك/٥؛ ولذلك، سُمِّيت معتلة؛ وسُمِّيت الألف، والياء، والواو؛ حروف المد واللين؛ أما المد: فلأنَّ الصوت يمتدُ بها، وأمَّا اللين: فلأنها لانت في مخارجها واتسعت؛ وأَوسَعُهُنَّ مخرجًا الألف، ويُسمَّى "الهاوي" لهويِّه في الحلق.
فهذا ما أردنا أن نذكره من معرفة مخارج الحروف، وأقسامها التي يُعرف٦ بها تقارب الحروف بعضها من بعض.
فإن قيل: فَلِمَ جاز أن تدغم الباء في الميم؛ لتقاربهما، ولا يجوز أن
стр. 274
تدغم الميم في الباء؟ قيل: إِنَّما لم يجز أن تدغم الميم في الباء؛ نحو: "أكرم بكرًا" كما يجوز أن تدغم الباء في الميم /نحو/١: "أصحب مطرًا" لأنَّ٢ الميم فيها زيادة صوت، وهي الغُنَّة، فلو أدغمت في الباء؛ لذهبت الغُنَّة التي فيها؛ بخلاف الباء، فإنه ليس فيها غُنَّة تذهب بالإدغام؛ فكذلك، أيضًا لا يجوز أن تدغم الراء في اللام، كما يجوز أن تدغم اللام في الراء؛ لأنَّ في الراء زيادة صوت، وهو التكرير، فلو أدغمت /في/٣ اللام؛ لذهب التكرير الذي فيها بالإدغام؛ بخلاف اللام، فإنه ليس فيها تكرير، يذهب بالإدغام.
فأما ما رُوي عن أبي عمرو٤ من إدغام الراء في اللام في قوله : ﴿نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ﴾ ٥؛ فالعلماء ينسبون الغلط في ذلك إلى الرواي لا إلى أبي عمرو، ولعل أبا عمرو أخفى الراء، فخفي على الرَّاوي، فتوهمه إدغامًا، وكذلك كُلُّ حرف فيه زيادة صوت، لا يدغم في ما هو أنقص صوتًا منه، وإنما لم يجز إدغام الحرف في ما هو أنقص صوتًا منه؛ لأنه يؤدي إلى الإجحاف به، وإبطال ما له من الفضل على مقاربه.
[إدغام لام التعريف في ثلاثة عشر حرفًا]
فإن قيل: فلام التعريف في كم حرفًا يدغم٦؟ قيل: في ثلاثة عشر حرفًا؛ وهي: "التاء، والثاء، والدال، والذال، والراء، والزاي٧، والسين، والشين، والصاد، والضاد، والطاء، والظاء، والنون"؛ نحو: التائب، والثابت، والداعي، والذاكر، والراهب، والزاهد، والساهر، والشاكر، والصابر، والضامر، والطائع، والظافر، والناصر" فهي أحد عشر حرفًا من حروف طرف اللسان، وحرفان يخالطان٨ طرف اللسان، وهما الضاد، والشين، وإنما أُدغمت٩ لام التعريف في هذه الحروف لوجهين:
стр. 275
أحدهما: أَنَّ هذه الحروف مقاربة لها.
والثاني: أَنَّ هذه اللام كَثُر دورها في الكلام؛ ولذلك، تدخل في سائر الأسماء، سوى أسماء الأعلام؛ والأسماء غير المتمكنة، ولَمَّا اجتمع فيها المقاربة لهذه الحروف، وكثر١ دورها في الكلام؛ لزم فيها الإدغام، وأما من أظهر اللام على الأصل، فمن الشاذ الذي لا يُعتدُ به.
[الأصل في ستّ وبلعنبر]
فإن قيل: فما الأصل في: "ست، وبلعنبر"؟ قيل: أمَّا "ست" فأصلها سدس بدليل قولهم في تصغيره: سُديس، (وفي تكسيره: أسداس) ٢، إلا أنَّهم أبدلوا من السين تاءً، كما أبدلوا من التاء سينًا في "اتخذ"، فقالوا: "استخذ" فلمَّا أبدلوها -ههنا-٣ من السين تاءً صار إلى "سدت" ثُمَّ أدغموا الدال في التاء، فصار /إلى/٤: "ست". وأما "بلعنبر"؛ فأصله: بنو العنبر، إلا أنهم حذفوا الحرف المعتل؛ لسكونه وسكون اللام، (/و/٥ لم يمكنهم الإدغام لحركة النون وسكون اللام) ٦؛ فحذفوا النون بدلاً من الإدغام؛ ومن ذلك قولهم: "بلعمّ" يريدون: بني العمِّ؛ قال الشاعر٧: [الطويل]
إذا غَابَ غَدوًا عَنكَ بَلْعَمُّ لم يَكُنْ ... جَليدًا ولم تَعطِفْ عليكَ العواطِفُ٨
ومن ذلك قولهم: "عَلْمَاء بنو فلان"٩، يريدون: "على الماء"؛ قال الشاعر١٠: [الطويل]
غداة طغت عَلْمَاءِ بَكرُ بن وائلٍ ... وعجنا صُدُور الخيل شطر تميم١١
стр. 276
يريد١: "على الماء" وهذا كله ليس بمطَّرد في٢ القياس، وإنما دعاهم إلى ذلك كثرة الاستعمال، وهو من الشَّاذ الذي لا يُقاس عليه؛ فاعرفه٣ تصب، إن شاء الله تعالى.