← Язык

Язык · id 7502

أسرار العربية

أبو البركات الأنباري

Полный текст (276 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

الوجه الأول: أنهم قالوا إنما قلنا: إنه معرب مجزوم؛ لأن الأصل في: "قُم، واذهب: لتقم، ولتذهب" قال الله تعالى: ﴿فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ ١ وذُكر أنَّها قراءة النبي ﷺ وقد رُوي عن النبي ﷺ أنه قال في بعض مغازيه: "لتأخذوا مصافَّكم"٢؛ فدل على أن الأصل في "قم: لتقم، واذهب: لتذهب" إلا أنَّه لَمّا كثر /في/٣ كلامهم، وجرى على ألسنتهم؛ استثقلوا مجيء اللام فيه مع كثرة الاستعمال /فيه/٤؛ فحذفوها٥ مع حرف المضارعة تخفيفًا؛ كما قالوا: "إِيش" والأصل فيه: "أي شيء" وكقولهم: "وَيْلُمِّه" والأصل فيه: "ويلُ أُمِّه"؛ فحذفوا لكثرة الاستعمال؛ فكذلك ههنا. والوجه الثَّاني: أنهم قالوا: أجمعنا على أنَّ فعل النهي معرب مجزوم؛ نحو: "لا تقُم، ولا تذهب" فكذلك فعل الأمر؛ نحو: "قُم، واقعد"؛ لأنَّ النهيَ ضد الأمر، وهم يحملون الشيء على ضده، كما يحملونه على نظيره. والوجه الثالث٦: أنهم قالوا: الدَّليل على أنه مجزوم، أنك تقول في المعتلّ: "اغزُ، ارمِ، اخشَ" فتحذف الواو، والياء، والألف، كما تقول: "لم يغزُ، لم يرمِ، لم يخش" فدل على أنه مجزوم بلامٍ مقدَّرة، وقد يجوز إعمال حرف الجزم مع الحذف؛ قال الشاعر٧: [الوافر] محمدُ تفدِ نفسك كلُ نفسٍ ... إذا ما خفت من أمرٍ تبالا٨ و/أمَّا/٩ ما ذهب إليه الكوفيون ففاسد؛ وقولهم: إنَّ الأصل في: "قم: لتقم، واذهب: لتذهب" إلا أنهم حذفوه١٠؛ لكثرة الاستعمال؛ قلنا: ليس

стр. 212

كذلك، فإنه١ لو كان الأمر كما زعمتم؛ لوجب أن يختصَّ الحذف بما يكثر استعماله، دون ما لا يكثر استعماله؛ فلمّا قيل: "اقعنسس٢، واحرنجم٣، واعلوَطَّ"٤ وما أشبه ذلك بالحذف، ولا يكثر استعماله؛ دلَّ على فساد ما ذهبوا إليه. فقولهم: إنَّ فعل النهي مُعرب مجزوم، فكذلك فعل الأمر؛ قلنا: هذا /قياس/٥ فاسد؛ لأنَّ فعل النهي في أوّله حرف المضارعة الذي أوجب المشابهة بالاسم، فاستحق الإعراب، فكان معربًا، وأما فعل الأمر، فليس في أوله حرف المضارعة الذي يوجب للفعل المشابهة بالاسم، فيستحق الإعراب؛ فكان باقيًّا على أصله. وقولهم: إنه بحذف الواو والياء والألف؛ نحو: "اغزُ، ارمِ، اخشَ" كما تقول: "لم يغزُ، لم يرمِ، لم يخشَ"، فنقول: إنما حُذفت هذه الأحرف للبناء، لا للإعراب، حملاً للفعل المعتل على الفعل الصحيح؛ حملاً للفرع على الأصل، والذي يدلُّ على..... ٦ صحة ما ذكرناه أن حروف الجرِّ لا تعمل /مع الحذف/٧؛ فحروف الجزم أولى، وأمَّا البيت الذي أنشدوه؛ وهو قوله٨: محمدُ تفدِ نفسك كلُ نفسٍ فقد أنكره أبو العباس المبرد، ولو سلمنا صحته؛ فنقول: قوله: "تفدِ نفسك /كل نفس/٩" لم تُحذف الياء للجزم بلام مُقَدَّرة، وإنما حُذفت الياء للضرورة، واجتزاء بالكسرة عن الياء، وهو في كلامهم أكثر من أن يُحصَى، وإن سلَّمنا أن الأصل: "لِتفد" وأنه مجزوم بلام مُقدَّرة، إلا١٠ أنَّا نقول: إنَّما حُذفت اللام لضرورة الشعر، وما حُذِف للضَّرورة، لا يجوز أن يُجْعَل١١ أصلاً

стр. 213

يقاس عليه؛ وقد بينا هذه المسألة مُستقصاةً في المسائل الخلافية. [علة إعراب الفعل المضارع] فإن قيل: فَلِمَ أُعرب الفعل المضارع؟ قيل: لأنَّه أشبه الأسماء من الخمسة الأوجه التي ذكرناها قبلُ في صدر الكتاب؛ وإعرابه: الرفع، والنصب، والجزم، فأمَّا الرفع، فلقيامه مُقام الاسم، وقد ذُكر١ -أيضًا- في صدر الكتاب، وأما النصب والجزم فسنذكرهما -أيضًا- فيما بعد هذا الباب، إن شاء الله تعالى. [علة إثبات حروف العلة في الرفع وحذفها في الجزم] فإن قيل: فَلِمَ قالوا: "هو يغزو، ويرمي، ويخشى" فأثبتوا الواو والياء والألف ساكنة في حالة الرفع، وحذفوها في حالة الجزم، وفتحوا الواو والياء في حالة النصب، فسوّوا٢ في يخشى بين النصب والرفع؛ قيل: إنَّما أثبتوها ساكنة في الرفع؛ لأن الأصل أن يُقال: "هو يغزو، ويرمي، ويخشى" بضَّمِّ الواو في "يغزو" والياء في "يرمي، ويخشى" لإلا أنهم استثقلوا الضمة على الواو من "يغزو" وعلى الياء من "يرمي" فحذفوها؛ فبقيت٣ الواو من "يغزو" ساكنة، وكذلك الياء من "يخشى" فانقلبت ألفًا؛ لتحرُّكها، وانفتاح ما قبلها، وإنما حذفوا هذه الحروف في الجزم؛ لأنها أشبهت الحركات، ووجه الشبه من وجهين: أحدهما: أنَّ هذه الحروف مركبة من الحركات على قول بعض النحويين، والحركات مأخوذة منها على قول آخرين، وعلى كلا القولين، فقد حصلت المشابهة بينهما. والوجه الثاني: أن هذه الحروف /-ههنا-/٤ لا تقوم بها الحركات، كما أنَّ الحركات كذلك، وكما أنها تحذفُ للجزم، فكذلك هذه الحروف، وقد حُكي عن أبي بكر ابن السراج أنه شبه الجازم بالدواء، والحركة في الفعل بالفضلة التي يُخرجها الدواء، وكما أن الدواء إذا٥ صادف فضلة حذفها، وإن لم يصادف /فضله/٦ أخذ من نفس الجسم، فكذلك الجازم إذا دخل على الفعل؛ إن وجد حركة أخذها، وإلا أخذ من نفس الفعل. وسهل حذفها، وإن

стр. 214

كانت أصليَّة؛ لسكونها؛ لأنَّها بالسكون تَضْعُف، فتصير في حكم الحركة، فكما١ أن الحركة تحذف، فكذلك هذه الحروف. وإنما فتحوا الواو والياء في "يغزو، ويرمي" في النصب لخفة الفتحة؛ فانقلبت٢ الياء في /نحو/٣ "يخشى" ألفًا؛ لتحركها في النصب، وانفتاح ما قبلها، كما قلبناها في حالة الرفع؛ لتحركها بالضم في الأصل، وانفتاح ما قبلها. [علة ثبوت النون رفعًا وحذفها نصبًا وجزمًا في الأفعال الخمسة] فإن قيل: فَلِمَ كانت الخمسة الأمثلة؛ نحو: "يفعلان، وتفعلان، ويفعلون، وتفعلون، وتفعلين" في حالة الرفع بثبوت النون، وفي حالة النصب والجزم بحذفها؟ قيل: لأنَّ هذه الأمثلة، لَمَّا وجب أن تكون معربة، لم يمكن أن تجعل اللام حرف الإعراب، وذلك؛ لأنَّه من الإعراب الجزم، فلو أنها حرف إعراب؛ لوجب أن يسقط٤ في حالة الجزم، فكان٥ يؤدي إلى أن يحذف ضمير الفاعل، وذلك لا يجوز، ولم يمكن -أيضًا- أن يجعل الضمير حرف الإعراب؛ لأنَّه في الحقيقة ليس مجزوم٦ الفعل، وإنَّما هو قائم بنفسه في موضع رفع؛ لأنَّه فاعل، فلا يجوز أن يجعل حرف إعراب لكلمة أخرى؛ فوجب أن يكون الإعراب بعدها؛ فزادوا النون؛ لأنها تشبه حروف المد واللين، وجعلو ثبوتها علامة للرفع، والحذف٧ علامة للنصب والجزم، وإنَّما جعلوا الثبوت علامة للرفع، والحذف علامة للجزم والنصب، ولم يكن بعكس ذلك؛ لأنَّ الثبوت أوَّل، والحذف طار عليه، كما أن الرفع أول، والجزم والنصب طاريان٨ عليه، فأعطوا الأوَّل الأوَّلَ، والطارئ الطارئ، والنصب فيهما محمول على الجزم؛ لأنَّ الجزم في الأفعال، نظير الجر في الأسماء، وكما أنَّ النصب في التثنية والجمع محمول على الجر، فكذلك النصب -ههنا- محمول على الجزم. [علة استواء الأفعال الخمسة في النصب والجزم] . فإن قيل: فَلِمَ استوى النصب والجزم في قولهم: "أنت تفعلين" للواحدة، وليس في الأسماء الآحاد ما حُمِل نصبه على جره؟ قيل: لأنَّ قولهم: "أنت تفعلين"

стр. 215

يشابه لفظ الجمع، ألا ترى أن الجمع في حالة النصب والجر يكون في آخره ياء قبلها كسرة، وبعدها نون؛ كقولهم١: "تفعلين" فلمَّا أشبه لفظ الجمع، حُمِلَ عليه؛ ولهذا، فتحت النون منه حملاً على الجمع -أيضًا- وكذلك كسروا النون في "يفعلان" وفتحوها من "يفعلونَ" حملاً على تثنية الأسماء وجمعها. وهذه الأمثلة معربة، لا حرف إعراب لها، وذلك لِما بينّا من استحالة جعل اللام أو الضمير أو النون حرف الإعراب، وليس لها نظير في كلامهم. [علة عدم كون يفعلان ويفعلون مثنى وجمعًا] فإن قيل: فهلَّا كان "يفعلان، ويفعلون" تثنية وجمعًا لـ"يفعل" كما كان "زيدان، وزيدون" تثنية وجمعًا لـ"زيد"؟ قيل: لأن الفعل لا يجوز تثنيته، ولا جمعه، وإنما لم يجز ذلك لأربعة أوجه: الوجه الأوَّل: أن الفعل يدل على المصدر، والمصدر لا يُثنَّى ولا يُجمع؛ لأنَّه يدلُّ على الجنس، إلا أن تختلف أنواعه، فيجوز تثنيته وجمعه، فلما كان الفعل يدلُّ على المصدر /المبهم/٢ الدَّال على الجنس، لم يجز تثنيته ولا جمعه. والوجه الثاني: أنَّ الفعل لو جازت تثنيته مع الاثنين، وجمعه مع الجماعة؛ لجازت تثنيته وجمعه مع الواحد، فكان يجوز أن يُقال: "زيد قاما، وقاموا" إذا فعل ذلك مرتين أو مرارًا، فلما لم يجز ذلك، دل على أنه لا يُثنى، ولا يُجمع. والوجه الثالث: أن الفعل ليس بذات يقصد إليها بأن يضم إليها غيرها، كما يكون ذلك في الأسماء؛ فلذلك لم يُثنَ، ولم يُجمع. والوجه الرابع: أنَّ الفعل يدل على مصدر، وزمانٍ، فصار في المعنى كأنه اثنان، فكما لا يجوز تثنية الاسم المثنى كذلك٣ لا يجوز تثنية الفعل. [الألف والواو في الأفعال الخمسة تدلان على تثنية وجمع الضمير لا الفعل] فإن قيل: أَليس الألف في "يفعلان" تدل على التثنية، والواو في "يفعلون" تدلُ على الجمع؟ قيل: الألف والواو تدلان على التثنية والجمع، لكن٤ على تثنية الضَّمير وجمعه، لا على تثنية الفعل وجمعه لما٥ بينا؛ فاعرفه تصب، إن شاء الله تعالى.

стр. 216

الباب الخمسون: باب الحروف التي تنصب الفعل المستقبل [علة عمل الأحرف الناصبة للفعل المضارع] إن قال قائل: لِمَ وجب أن تعمل "أن، ولن، وإذن، وكي" النصب؟ قيل: إنما وجب أن تعمل لاختصاصها بالفعل، ووجب أن يكون عملها النصب؛ لأنَّ "أنْ" الخفيفة تشبه "أنَّ" الثقيلة، و"أنَّ" الثقيلة تنصب الاسم، فكذلك "أنْ" هذه يجب أن تنصب الفعل، وحُمِلَت "لن، وإذن، وكي" على "أن"، وإنما حُملت عليها؛ لأنها تشبهها، ووجه الشبه بينهما أن "أنْ" الخفيفة تخلص الفعل المضارع للاستقبال، وهذه الحروف تخلص الفعل المضارع للاستقبال، فلما اشتركا في هذا المعنى، حُملت عليها. ويُحكى عن الخليل بن أحمد١ أنه قال: لا يُنصب /شيء/٢ من الأفعال إلا بـ"أنْ" مظهرة أو مقدرة، والأكثرون على خلافه. وتكون "أن" مع الفعل بعدها بمنزلة المصدر، ألا ترى أنَّك إذا قلت: "أنْ تفعلَ كذا خيرٌ لك".. ٣ كان التقدير: "فعلك كذا خير لك" وما أشبه ذلك. وأما "لن" ففيها قولان؛ فذهب الخليل إلى أنها مركبة من كلمتين؛ وأصلها "لا أن" فحذفوا الألف من "لا"، والهمزة من "أن" لكثرة الاستعمال؛ (كقولهم: ويل أُمِّه) ٤: "ويلمِّه" وركبوا إحداهما مع الأخرى، فصار "لن". وذهب سيبويه إلى أنها ليست مركبة من كلمتين؛ بل هي بمنزلة شيءٍ على حرفين، ليس فيها زيادة؛ قال سيبويه: "ولو كانت على ما يقول الخليل، لما قلت: "أمَّا زيدًا فلن أضرب"؛ لأن ما بعد "أن" لا يعمل في ما قبلها. ويمكن

стр. 217

أن يعتذر عن الخليل بأن يقال: إنَّ الحروف١ إذا رُكِّبت تغيَّر حكمها بعد التَّركيب، عَمّا كانت عليه قبل التَّركيب، ألا ترى أنَّ "هل" لا يجوز أن يعمل ما بعدها في ما قبلها، وإذا رُكِّبت مع "لا" ودخلها معنى التخصيص؛ جاز أن يعمل ما بعدها في ما قبلها، فيقال: "زيدًا هلَّا ضربت" فكذلك ههنا؟ ويمكن أن يقال على هذا -أيضًا- أن "هلَّا" ذهب منها معنى الاستفهام؛ فجاز أن يتغير حكمها، وأما "لن" فمعنى النفي باقٍ فيها؛ فينبغي ألا يتغيَّر حكمها. وأما "إذن" فتستعمل على ثلاثة أضرب: الأوَّل: أن تكون عاملة، وهو أن يدخل على الفعل المضارع، فيراد به الاستقبال، ويكون جوابًا، نحو أن يقول القائل: "أنا أزورك" فتقول: "إذن أكرمَك"، فيجب إعمالها لا غير. والثاني: أن يدخل عليها الواو والفاء للعطف، فيجوز إعمالها وإهمالها؛ نحو٢ قولك: "إن تكرمني، أنا أكرمك وإذن أحسنُ إليك" فيجوز إعمالها، فتنصب الفعل بعدها، كما لو ابتدأت بها، فترجع إلى القسم الأوَّل، ويجوز إهمالها؛ فترفع الفعل بعدها؛ لأنه٣ مع الضمير المستكن فيه خبر مبتدأ محذوف؛ والتقدير فيه: "وأنا إذن أحسن إليك"٤، فرجع إلى القسم الثالث. والثالث: أن تدخل بين كلامين؛ أحدهما متعلِّق٥ بالآخر؛ نحو: أن تدخل بين الشرط وجوابه؛ نحو: "إن تكرمني إذن أكرمك" وبين المبتدأ وخبره؛ نحو: "زيد إذن يقوم" وما أشبه ذلك، فلا يجوز إعمالها بحال، وكذلك٦ إذا دخلت على فعل الحال؛ نحو قولك: "إذن أظنك كاذبًا" إذا أردت أنك في حال ظن؛ وذلك لأن "إذن" إنما عملت؛ لأنها أشبهت "أن" و"أن" لا تدخل على فعل الحال، ولا يكون بعدها إلا المستقبل، فإذا٧ زال الشبه، بطل العمل. وأما "كي" فتستعمل على ضربين؛ أحدهما: (أن تعمل بنفسها، فتكون مع الفعل بمنزلة الاسم الواحد؛ نحو: "جئتك لكي تعطيني حقي". والثاني) ٨: أن تعمل بتقدير "أَنْ" لأنهم يجعلونهم بمنزلة حرف جرٍّ،

стр. 218

ولأنهم١ يقولون "كيما" كما يقولون "كما"، وإنما وجب أن يُقَدَّر بعدها "أن" لأنَّ حروف الجر، لا تعمل في الفعل. فإن قيل: فَلِمَ وجب تقدير "أن" بعدها، وبعد الفاء، والواو، وأو، واللام، وحتى، دون أخواتها؟ قيل: لثلاثة أوجه: /الوجه/٢ الأول: أنَّ "أَنْ" هي الأصل في العمل. والوجه الثاني: أنَّ "أن" ليس لها معنى في نفسها بخلاف٣: "لن، وإذن، وكي" فلنقصان معناها، كان تقديرها أولى من سائر أخواتها. والوجه الثالث: أنَّ "أَنْ" لَمَّا كانت تدخل على الفعل الماضي والمستقبل، ولا يوجد هذا في سائر أخواتها، فقد وجد فيها مزيّة على سائر أخواتها (في حالة إظهارها) ٤، فإذا وجد فيها مزيَّة على سائر أخواتها في حالة الإظهار، كانت أولى بالإضمار؛ فاعرفه تصب، إن شاء الله تعالى.

стр. 219

الباب الحادي والخمسون: باب حروف الجزم [عِلَّة إعمال الأدوات الجازمة الجزم في الأفعال] إن قال قائل: لِمَ وجب أن تعمل "لَمْ، ولَمّا، ولام الأمر، ولا في النَّهي" في الفعل المضارع الجزم؟ قيل: إنَّما وجب أن تعمل /الجزم/١ لاختصاصها بالفعل؛ وذلك لأن "لَمْ" لَمَّا٢ كانت تدخل على الفعل المضارع، فتنقله إلى معنى الماضي، كما أنَّ "إِنْ" التي للشرط والجزاء تدخل على الفعل الماضي، فتنقله إلى معنى المستقبل، فقد أشبهت حرف الشرط، وحرف الشرط يعمل الجزم، فكذلك٣ ما أشبهه؛ وإنَّما وجب لحرف الشرط أن يعمل الجزم؛ لأنَّه يقتضي جملتين، فلطول ما يقتضيه حرف الشرط اختير له الجزم؛ لأنَّه حذف وتخفيف، فبمنزلته "لَمْ" في النقل، وكان محمولاً عليه. وأما "لام الأمر" فإنما وجب أن تعمل الجزم؛ لاشتراك الأمر باللام، وبغير اللام في المعنى، فيجب أن تعمل لام٤ الجزم؛ ليكون الأمر باللام؛ مثل الأمر بغير اللام في اللفظ، وإن كان أحدهما /كان/٥ جزمًا، والآخر وفقًا. فأمَّا٦ "لا" في النهي، فإنما وجب أن تجزم حملاً على الأمر؛ لأن الأمر ضد النهي، وهم يحملون الشيء على ضده كما يحملونه على نظيره، ولَمَّا كان الأمر مبنيًّا على الوقف، وقد حُمِل النهي عليه، جُعل النهي نظيرًا له في اللفظ، وإن كان أحدهما جزمًا، والآخر وقفًا على ما بينا؛ فلهذا، وجب أن تعمل الجزم. فإن قيل: فإذا٧ كان الأصل في "لَمْ" تدخل على الماضي، فَلِمَ نقل

стр. 220

إلى لفظ المضارع؟ قيل: لأن "لَمْ" يجب أن تكون عاملة، فلو لزم ما بعدها الماضي، لما تبين عملها، فنقل الماضي إلى المضارع؛ ليتبين عملها. فإن قيل: فهلَّا جَوَّزتم دخولها على الماضي والمستقبل، كما جاز في حرف الشَّرط والجزاء؟ (قيل: الفرق بينهما ظاهر، وذلك لأنَّ الأصل في حروف الشرط والجزاء) ١ أن تدخل على فعل٢ المستقبل، والمستقبل أثقل من الماضي، فعدل عن الأثقل إلى الأخف، فأمَّا "لَمْ" فالأصل فيها أن تدخل على الماضي، وقد وجب سقوط الأصل، فلو جَوَّزنا دخولها على الماضي الذي هو الأصل؛ لما جاز دخولها على /الفعل/٣ المضارع الذي هو الفرع؛ لأنَّه إذا استُعمل الذي هو الأخفُ، لم يُستعمل الفرع الذي هو الأثقل؛ فاعرفه تصب، إن شاء الله تعالى.

стр. 221

الباب الثاني والخمسون: باب الشرط والجزاء [علة إعمال "إنْ" الجزم في المضارع] إن قال قائل: لِمَ عملت "إِنْ" الجزم في الفعل المضارع؟ قيل: إنَّما عملت لاختصاصها، وعملت الجزم لِمَا بيّنا /من/١ أنَّها تقتضي جملتين: الشرط والجزاء، فلطول ما تقتضيه اختير لها الجزم؛ لأنَّه حذف وتخفيف. فأمَّا ما عدا "إِنْ" من الألفاظ التي يُجازى بها؛ نحو: "مَنْ، ومَا، وأي، ومهما، ومتى، وأين/وأيان/٢، وأنى، وأي حين، وحيثما، وإذ ما" فإنما عملت؛ لأنَّها قامت مقام (إنْ فعملت عملها، وكلها مبنية لقيامها مُقامها) ٣ ما عدا "أيًّا"٤ وسنذكر معانيها، ولِمَ أُقيمت مُقام الحرف، مُستوفى في باب الاستفهام. [العامل في جواب الشرط وخلافهم في ذلك] فإن قيل: فما العاملُ في جواب الشرط؟ قيل: اختلف النحويون في ذلك؛ فذهب بعض النحاة٥ إلى أنَّ العامل فيه حرف الشرط، كما يعمل في فعل الشرط؛ وذهب بعضهم إلى أن حرف الشرط، وفعل الشَّرط يعملان فيه؛ وذهب آخرون إلى أنَّ حرف الشرط يعمل في فعل الشرط، وفعل الشرط يعمل في جواب الشرط؛ وذهب أبو عثمان المازني، إلى أنه مبني على الوقف. فمن قال: إنّ حرف الشرط يعمل فيهما جميعًا؛ قال: لأنّ حرف الشرط يقتضي جواب الشرط، كما يقتضي فعل الشرط؛ ولهذا المعنى، يُسمَّى حرف الجزاء، فكما عمل في فعل الشرط، فكذلك يجب أن يعمل في جواب الشرط. وأمَّا من قال: إنهما جميعًا يعملان فيه؛ فلأن فعل الشرط يقتضي الجواب، كما أن حرف الشرط يقتضي الجواب، فلما اقتضياه٦ معًا؛ عَمِلَا فيه معًا. وأمَّا من

стр. 222

قال: إن حرف الشرط يعمل في فعل الشرط، وفعل الشرط يعمل في الجواب، فقال: لأنَّ فعل الشرط يقتضي الجواب، وهو أقرب إليه من الحرف، فكان عمله فيه أولى من الحرف. وأمّا من قال: إنه مبني على الوقف؛ فقال: لأنَّ الفعل المضارع، إنَّما أُعرب لوقوعه موقع الأسماء، والجواب -ههنا- لم يقع موقع الأسماء؛ فوجب أن يكون مبنيًّا. وذهب الكوفيون إلى أنه مجزوم١ على الجوار؛ لأنَّ جواب الشرط مجاور لفعل الشرط، فكان محمولاً عليه في الجزم، والحمل على الجوار كثيرٌ في كلامهم، قال الشاعر٢: [البسيط] كأنما ضَرَبَت قُدَّام أعينها ... قطنًا بمستحصد الأوتار محلوج٣ وكان يقتضي أن يُقال: "محلوجًا" فخفضه على الجوار٤، وكقول الآخر٥: [الرجز] كأن نسج العنكبوت المرمل٦ وكقولهم: "جُحرُ ضب خربٍ" وما أشبه ذلك؛ وهذا ليس بصحيح؛ لأن الحمل على الجوارِ قليل، يُقتصر فيه على السماع، ولا يُقاس عليه لقلَّته. وقد اعتُرض على هذه المذاهب كلها باعتراضات: فأمَّا من قال إنَّ حرف الشرط

стр. 223

يعمل فيهما وحده، فاعتُرض عليه بأن حرف الشرط حرف جزم، والحروف الجازمة لا تعمل في شيئين لضعفها، وأمَّا قول من قال: إنَّ حرف الشرط، وفعل الشرط يعملان في الجواب، فلا يخلو عن ضعف، وذلك لأنَّ١ الأصل في الفعل ألا يكون عاملاً في الفعل، فإذا لم يكن له تأثير في العمل في الفعل، وحرف الشرط له تأثير، فإضافة ما لا تأثير له، إلى ما له تأثير، لا تأثير له. وأمَّا قول من قال: إنَّه مبني على الوقف؛ لأنَّه لم يقع موقع الاسم ففاسد -أيضًا- وذلك؛ لأنَّ الفعل إذا ثبتت٢ له المشابهة بالاسم في موضع، /و/٣ استحق الإعراب بتلك المشابهة، لم يشترط ذلك في كل موضع؛ ألا ترى أن الفعل المضارع يكون مُعربًا بعد حروف النصب؛ نحو: لن تقومَ، وبعد حروف الجزم؛ نحو: لم يقمْ. وإن لم يجز٤ أن يقعَ موقع الأسماء، (فكذلك ههنا) ٥ على أن وقوعه موقع الأسماء إنما هو موجب لنوع من الإعراب وهو الرفع، وقد زال حملاً لجنس الإعراب، وليس من ضرورة (زوال نوع منه زوال جملة الجنس) ٦. والصحيح عندي: أن يكون العامل /هو/٧ حرف الشرط، بتوسط فعل الشرط؛ لا أنَّه٨ عامل معه لما بيّنّا؛ فاعرفه تصب، إن شاء الله تعالى.

стр. 224

الباب الثالث والخمسون: باب المعرفة والنكرة [النكرة أصل المعرفة] إن قال قائل: هل المعرفة أصل أو النكرة؟ قيل: لا بل النكرة هي الأصل؛ لأنَّ التعريف طارئ١ على التنكير. [تعريف النكرة والمعرفة] فإن قيل: ما حدُّ /النكرة/٢ والمعرفة؟ قيل: حد النكرة ما لم يخص الواحد من جنسه؛ نحو "رجل، وفرس، ودار" وما أشبه ذلك، وحدُّ المعرفة ما خص الواحد من جنسه. [الفرق بين النكرة والمعرفة] فإن قيل: فبأي شيءٍ تُعتبر النكرة من المعرفة؟ قيل: بشيئين؛ أحدهما: دخول الألف واللام؛ نحو: الفرس، والغلام، ودخول "رب" عليها؛ نحو: رُبَّ فرس وغلام، وما أشبه ذلك. [أنواع المعرفة] فإن قيل: فعلى كم نوعًا تكون المعرفة؟ قيل: /هي/٣ على خمسة أنواع؛ الاسم المضمر، والعَلَم، والمبهم -وهو اسم الإشارة- وما عُرِّف بالألف واللام، وما أُضيف إلى /أحد/ ٤ هذه المعارف؛ فأمَّا الاسم المضمر فعلى ضربين؛ منفصل، ومتصل. [الضمير المنفصل ضربان: مرفوع ومنصوب] فأمَّا المنفصل فعلى ضربين؛ مرفوع، ومنصوب، فأما المرفوع، فهو: "أنا،

стр. 225

ونحن، وأنتَ، وأنتما، وأنتم، وأنتِ، وأنتنَّ، وهو، وهما، وهم، وهي، وهن" وأما المنصوب المنفصل: "فإياي، وإيانا، وإياك، وإياكما، وإياكم، /وإياكِ/١، وإياكن، وإياه، وإياهما، وإياهم، وإياها، وإياهن". وذهب الخيل إلى أنه مظهر استعمل استعمال المضمر؛ ومنهم من قال: إنَّه اسم مُبهم أُضيف للتخصيص، ولا يُعلم اسم مبهم أضيف غيرهُ؛ ومنهم من قال: إنه بكماله اسم مضمر، ولا يُعلم اسم مضمر يختلف آخره غيرهُ؛ ومنهم من قال: إنَّه اسم مضمر أضيف إلى الكاف، ولا يعلم اسمٌ مضمر أُضيف غيرهُ. والصحيح: أن "إيّا" /هو/٢ اسم مُضمر، والكاف للخطاب، ولا موضع لها من الإعراب؛ وذهب الكوفيون إلى أنَّ المضمر، هو الكاف و"إيَّا" عماد؛ وهذا ليس بصحيح؛ لأنَّ الشيء لا يعتمد٣ بما هو أكثر منه، وقد بينا فساد ذلك مستقصى في المسائل الخلافية٤. [الضمير المتصل ثلاثة أضرب] وأما المتصل فعلى ثلاثة أضرب؛ مرفوع، ومنصوب، ومجرور. [الضمائر المتصلة المرفوعة] فأمَّا المرفوع؛ فنحو: "قمتُ، وقمنا، وقمتَ، وقمتما، وقمتِ، وقمتنَّ" والمضمر في "قام، وقاما، وقاموا، وقامت، وقامتا، وقمن" والضمير في اسم الفاعل؛ نحو: "ضارب" والضمير في اسم المفعول؛ نحو: "مضروب" وما أشبه ذلك. [الضمائر المتصلة المنصوبة] وأما المنصوب المتصل؛ فنحو: "رأيتني، ورأيتنا، ورأيتُكَ، ورأيتكما؛ ورأيتكم، ورأيتكنَّ، ورأيته، ورأيتهما، ورأيتُهم، ورأيتها، ورأيتهن" وما أشبه ذلك. [الضمائر المتصلة المجرورة] وأمَّا المجرور فلا يكون إلا متصلاً؛ نحو "مر بي، وبنا، وبك، وبكما، وبكم، وبكِ، وبكنَّ، وبه، وبهما، وبهم، وبها، وبهنَّ" وما أشبه ذلك. [علة عدم مجيء ضمير الجر المتصل مرفوعًا أو منصوبًا] فإن قيل: فَلِمَ كان المرفوع والمنصوب ضميرين؛ متَّصلاً ومنفصلاً، ولم يكن المجرور كذلك؟ قيل: لأنَّ المرفوع والمنصوب يجوز في كل واحدٍ منهما

стр. 226

أن يُفصَل بينه وبين عامله، ألا ترى أنَّ المرفوع يجوز أن يتقدَّم، فيرفع١ بالابتداء، فلا يتعلق بعامل لفظيِّ، وكذلك المنصوب يجوز أن يتقدم على الناصب، كتقدم المفعول على الفعل والفاعل، فلمَّا كانا يتصلان بالعامل تارة، وينفصلان /تارة/٢ أخرى؛ وجب أن يكون لهما ضميران؛ متَّصل، ومنفصل؛ وأمَّا المجرور، فلا يجوز أن يتقدّم على عامله، ولا يفصل بين عامله ومعموله إلا في ضرورة لا يعتد بها؛ فوجب أن يكون ضميره متصلاً لا غير. [اسم العلم] وأمَّا الاسم العلم؛ فنحو: "زيد، وعمرو، وأبي محمد" وأشباه٣ ذلك. [اسم الإشارة] وأمَّا المبهم؛ فنحو: "هذا، وهذان، وهذه، وهاتان، وتيك، وتلك، وتانك، وتينك، وهؤلاء" وما أشبه ذلك. [المعرف بالألف واللام] وأمَّا ما عُرِّف بالألف واللام؛ فنحو قولك: "الرجل، والغلام"، وقد اختلف النحويون في ذلك؛ فذهب الخليل إلى أنَّ تعريفه بالألف واللام /معًا/٤، وذهب سيبويه إلى أن تعريفه باللام وحدها، وأنها لَمَّا زيدت للتعريف ساكنةً، أدخلوا عليها الهمزة لئلا يُبتدأ بالساكن؛ لأن الابتداء بالساكن محال /و/٥ في الخلاف بينهما كلام طويل، لا يليق ذكره بهذا المختصر، وقد أفردنا كتابًا فيه. وأمَّا ما أضيف إلى أحد هذه المعارف فنحو: غلامي، وغلام زيد، وغلام هذا، وغلام الرجل، وغلام صاحب عمرو، وما أشبه ذلك. [أعرف المعارف] فإن قيل: فما أعرفُ هذه المعارف؟ قيل: اختلف النحويون في ذلك؛ فذهب بعضهم إلى أنَّ الاسم المضمر أعرف المعارف، ثُمَّ الاسم العلم، ثم الاسم المبهم، ثُم ما فيه الألف واللام، وأعرف الضمائر ضمير المتكلم؛ لأنَّه لا يشاركه فيه /أحد/٦ غيره، فلا يقع فيه الْتِبَاس، بخلاف غيره من سائر

стр. 227

المعارف، والذي يدلُّ على؛ أنَّ الضَّمائر أعرف المعارف، أنَّها لا تفتقر إلى أن توصف كغيرها من المعارف، وهو قول سيبويه. وذهب بعضهم إلى أن الاسم المبهم أعرفُ المعارف، ثُمَّ المضمر، ثُمَّ العلم، ثُمَّ ما فيه الألف واللام؛ وهو قول أبي بكر ابن السَّرَّاج١. وذهب آخرون إلى أن أعرف المعارف الاسم العلم، لأنه في أول وضعه، لا يكون له مشارك /ب/٢, ثُمَّ المضمر، ثُمَّ المبهم، ثُمَّ ما عُرّف بالألف واللام؛ وهو قول أبي سعيد السِّيرافي٣. فأما ما عُرّف بالإضافة؛ فتعريفه بحسب ما يُضاف إليه من المضمر، والعلم، والمبهم، وما فيه الألف واللام على اختلاف الأقوال. [علة بناء الأسماء المضمرة والمبهمة] فإن قيل: فَلِمَ بُني الاسم المضمر والمبهم دون سائر المعارف؟ قيل: أمَّا المضمر فإنما بُني؛ لأنَّه أشبه الحرف؛ لأنَّه جُعل دليلاً على المظهر، فإذا جعل علامة على غيره، أشبه تاء التأنيث /وإذا أشبه تاء التأنيث/٤، فقد أشبه الحرف، وإذا أشبه الحرف، فيجب أن يكون مبنيًّا. وأمَّا المبهم؛ وهو اسم الإشارة، فإنما بُني؛ لتضمنه معنى حرف الإشارة. [حرف الإشارة مُضمر غير منطوق به] فإن قيل: أين حرف الإشارة؟ قيل: حرف الإشارة وإن لم ينطقوا به، إلا أن القياس كان يقتضي أن يُوضع له حرف كغيره من المعاني كالاستفهام، والشَّرط، والنفي، والنهي، والتمني، والترجي، والعطف، والنداء، والاستثناء، إلى غير ذلك، إلا أنهم /لَمَّا/٥ لم ينطقوا به، وضمّنوا معناه اسم الإشارة، وإن لم يُنطق٦ به؛ وجب أن يكون مبنيًّا؛ فاعرفه تصب، إن شاء الله تعالى.

стр. 228

الباب الرَّابع والخمسون: باب جمع التَّكسير [عِلَّة جمع فَعْل في القلة على أَفْعُل] إن قال قائل: لِمَ جمع "فَعْل" -بفتح الفاء، وسكون العين- في القلة على "أفْعُل"، وسائل أوزان الثلاثي، وهي "فِعْل، فَعْل، فَعَل، فَعِل، فُعْل، فِعَل، فُعَل، /فُعُل/١" تُجمع على: "أفْعَال"؟ قيل: لأنَّ "فَعْلا" أكثر استعمالاً من غيره، ومن٢ سائر الأوزان، و"أفعُل" أخفُّ من "أفعال" فأعطوا ما يكثر استعماله الأخفَّ، وأعطوا ما يقلُّ استعماله الأثقلَ؛ ليعادلوا بينهما؛ فأمَّا قولهم: "فَرْخ وأَفْرَاخ، وأنف وآناف، وزَنْد وأَزْناد" في حروف معدودة فشاذٌّ، لا يقاس عليه، على أنهم قد تكلموا عليها، فقالوا: إنما قالوا في جمع: فرخ: أفراخ؛ لوجهين: أحدهما: أنهم حملوه على معنى "طيْر"؛ فكما قالوا على جمع: طَيْر: أطيار؛ فكذلك، قالوا في جمع: فرْخ: أفراخ؛ لأنَّه في معناه. والوجه الثاني: أنَّ فيه الرَّاء؛ وهو٣ حرف تكرير فينزل التَّكرير فيها بمنزلة الحركة؛ فصار بمنزلة "فَعَل" بفتح العين؛ فجمع على "أفعال" كـ"جبل: وأجبال، وجمل: وأجمال"؛ قال الشاعر٤: [البسيط] ماذا تقولُ لأفراخٍ بذي مرخٍ ... زُغْب الحواصلِ لا ماءٌ ولا شجرُ ألقيتَ كاسِبَهُم في قَعْرِ مَظْلَمةٍ ... فاغفِر عليك سلامُ الله يا عمرُ٥

стр. 229

وأما "أنف" فإنما جمعه على "أفعال" فقالوا١ "آناف"؛ لأنَّ فيه٢ النون؛ والنون فيها غُنَّة، فصارت الغنَّة فيها بمنزلة الحركة، فصار بمنزلة "فَعَل" فجمع على "أَفْعَال" وأمَّا "زَنْد" فإنما جُمع على "أَفعال"، فقالوا: "أزناد" لوجهين: أحدهما: لما ذكرنا أن النون فيها غُنَّة، فصارت كأنَّها متحرِّكة. والوجه الثاني: أن "زندًا" في معنى "عود" و"عود" يجمع على "أعواد"، فكذلك ما كان في معناه. [علة جمع فعل على أفعال] فإن قيل: فَلِمَ٣ جمع "فَعْلاً" إذا كانت عينة ياءً أو واوًا على "أفعال" ولم يجمعوه على "أَفْعُل"؟ قيل: لأنَّهم لو جمعوه على "أَفعُل" على قياس الصحيح؛ لأدَّى ذلك إلى الاستثقال، ألا ترى أنَّك لو قلت في جمع "بَيْت: أَبْيُت"٤، وفي جمع "عود: أعود"٥ لأدَّى ذلك إلى ضم الياء والواو، والياء تستثقل عليها الضمة؛ لأنها معها بمنزلة ياء وواو، وكذلك الواو -أيضًا- تُستثقل عليها الضمة أكثر من الياء؛ لأنها معها بمنزلة واوين، فلمَّا كان ذلك مستثقلاً؛ عدلوا عنه إلى "أَفْعَال". [علة جمعهم بين فِعَال وفُعُول في جمع الكثرة] فإن قيل: فَلِمَ جمعوا بين "فِعال، وفُعُول" في جمع الكثرة قيل: لاشتراكهما في عدد الحروف، وإن كان في أحدهما حرف ليس في الآخر. [عِلَّة الصياغة في جمع التكسير] فإن قيل: فَلِمَ خصّوا في جمع التكسير ما كان على "فَعْل" مما عينه واو

стр. 230

بـ "فِعال"؛ نحو: "ثوب: وثياب" وما١ عينه ياء بـ"فُعُول"؛ نحو: "شيخ: وشُيُوخ" وهلَّا عكسوا؟ قيل: إنَّما لم يجمعوا ما كان من ذوات الواو على "فُعُول"؛ لأنَّه كان يؤدي إلى الاستثقال، ولا يؤدي إلى ذلك إذا٢ جمع على "فِعَال" ألا ترى أنَّه لو جمع على "فُعول"؛ لكان يؤدي إلى اجتماع واوين وضَمَّة؛ نحو "ثُووُب، وحُووض" وذلك مستثقل لاجتماع واوين /وضَمَّة/٣ وجوَّزوا ذلك في الياء؛ لأنَّها أخف من الواو، فكذلك خصّوا ما كان عينه واوًا بـ "فِعَال"، وما كان عينه ياء بـ"فُعُول". [فَعْل وأَفْعُل] فإن قيل: فمن أين زعمتم أنَّ "أفْعُلا" لا يكون إلا في جمع "فَعْل"؛ وقد قالوا: "زَمَن: وأَزْمُن" فجمعوا "فَعَلاً" بفتح العين على "أَفْعُل"؟ قيل: إنَّما قالوا: "زَمَن وأَزْمُن" وإن كان القياس يوجب أن يقال: "أزمان" إلا أنَّه لَمَّا كان "زمن" في معنى "دَهْر" و"دَهْر" يجمع على "أَدْهُر" فكذلك -أيضًا- جمعوا زمنًا على "أَزْمُن"؛ لأنَّه في معناه؛ كقوله٤: [الطويل] أَمَنْزِلَتَيْ مَي سلام عليكما ... هل الأَزْمُن اللَّائي مضين رواجعُ [عِلَّة جمع فُعْل على فِعْلان] فإن قيل: فَلِمَ جُمِعَ ما جاء على "فُعْل" في الأغلب على "فِعلان"؟ قيل: لأنَّ "فُعْلاً" مقصور من "فُعال" وما كان على "فُعَال" فإنه يُجمع على "فِعْلَان"؛ نحو: "غُراب وغِربان، وعُقاب وعِقبان" وكذلك٥ ما كان مقصورًا منه يجمع على "فِعلان". [علة تحريك عين فَعْلة في الجمع] فإن قيل: فَلِمَ وجب تحريك العين في "فَعْلة" بفتح الفاء وسكون العين في

стр. 231

الجمع؛ نحو "جَفَنات، وقَصَعَات" وسُكِّنت في نحو: "خَدْلات، وصَعْبات" /من فَعْلة/١؟ قيل: لأن "فَعْلة" بفتح الفاء، وسكون العين تكون اسمًا غير صفة؛ نحو: "جَفْنَة، وقَصْعة" وتكون صفة؛ نحو: "خَدْلة، وصَعْبة" فحرِّكت العين منها إذا كانت٢ اسمًا غير صفة؛ نحو: "جَفَنات، وقَصَعات" للفرق بينهما وبين الصفة؛ نحو: "خَدْلات، وصَعْبَات". [علة كون الاسم أولى بالتَّحريك من الصفة] فإن قيل: فَلِمَ كان الاسم أولى بالتحريك من الصفة وهلَّا عكسوا، وكان الفرق حاصلاً؟ قيل: إِنَّما كان الاسم أولى بالتحريك من الصفة؛ لأنَّ الاسم أقوى وأخف، والصفة أضعف وأثقل؛ (فلمَّا كان الاسم أقوى وأخف، والصفة أضعف وأثقل) ٣؛ كان الاسم للتحريك أحمل؛ فأمَّا قول٤ الشاعر٥: [الطويل] أَبَتْ ذِكَرٌ، عوَّدْنَ أحشاءَ قَلْبه ... خُفُوقًا، وَرَفْضَاتُ الهوى في المفَاصِل٦ فسكن "رَفْضات" والأصل "رَفَضَات" بالفتح لأجل ضرورة الشِّعر. [علة كون العين المعتلة من فَعْلة ساكنة في الجمع كالصفة] فإن قيل: فَلِمَ إذا كانت العين من "فَعْلة" معتلَّة أو مضاعفة، تكون ساكنة كالصفة؛ نحو: "عَوْرات، وبَيْضات وسلَّات" وما أشبه ذلك؟ قيل: إنَّما كانت ساكنةً إذا كانت العين معتلَّة؛ لأنَّ الحركة، توجب ثقلاً في الواو والياء؛ فسكَّنوهما هربًا من ثقل الحركة عليهما، وحرصًا على تصحيحهما، ومن العرب من يفتح الياء والواو، فيقول: "عَوَرَات، وبَيَضَات" كما لو كان صحيح العين،

стр. 232

وعلى هذه اللغة قراءة من قرأ: ﴿ثَلاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ﴾ ١ بفتح الواو؛ /و/٢ قال الشَّاعر٣: [الطويل] أخو بَيَضات رائح مُتَأوِّب ... رفيقٌ بمسح المنكبين سبوح٤ وإنما كانت ساكنةً إذا كانت مضاعفة لئلا يجمتع حرفان متحرِّكان من جنس واحد، وذلك مستثقل، ألا ترى أنك لو قلت في جمع: "سَلَّة: سلَلَات، وملَّة: مللات"؛ لكان ذلك مستثقلاً؟ [علة جمع فُعْلَة على فُعَْلات] فإن قيل: فَلِمَ جاز في جمع "فُعْلة" بضم الفاء وسكون العين، ضَمّ العين، وفتحها، وسكونها؛ نحو: "ظُلْمة: وظُلُمَات، وظُلَمَات، وظُلْمَات"؟ قيل: أما الضمُ فللإتباع؛ وأما الفتح ففرارًا٥ من اجتماع ضمتين؛ وأما السكون فللتَّخفيف؛ كقولهم في "عَضُد: عَضْد. [عِلَّة جمع فِعْلة على فِعَِْلات] فإن قيل: فَلِمَ جاز في جمع "فِعْلة" بكسر الفاء، وسكون العين، كسرُ العين، وفتحها، وسكونها؛ نحو: "سِدرة: وسِدِرَات وسِدَرَات وسِدْرَات"؟ قيل: أمَّا الكسر فللإتباع؛ وأما الفتح ففرارًا٦ من اجتماع الكسرتين؛ وأما السكون فللتَّخفيف؛ كقولهم في: "كَتِف: كَتْف" كما بينا في جمع "فَعْله"، والألف والتاء، في /جميع/٧ ذلك كلِّه للقلة عند بعض النحويين، ويحتجون

стр. 233

بما رُوي عن حسان بن ثابت١ أنشد النابغة٢ قصيدته التي يذكر فيها: [الطويل] لَنَا الْجَفَنَات الغرُّ يلمعنَ بالضُّحى ... وأسيافنا يقطرنَ من نجدةٍ ما فَلَمْ يرَ فيه اهتزازًا، فعاتبه على ذلك؛ فقال له النابغة: قد أخطأت في بيت واحد في ثلاثة مواضع، وأغضيتُ عنها، ثُمَّ جئت تلومني!! فقال له حسان: /و/٣ ما تلك المواضع؟ فقال له: الأول: أنك قلت: الْجَفَنَات وهي تدلُ على عدد قليل، ولا فخر لك أن يكون لك في ساحتك ثلاث جفنات أو أربع. والثاني: أنك قلت: "يلمعن" واللمعة بياض قليل، فليس فيه كبير شأن. والثالث: أنك قلت: "يقطرن" والقطرة تكون للقليل، فلا يدل ذلك على فرط نجدة، وكان يجب أن تقول: "الجِفَان ويَسِلن"؛ وهذا -عندي- ليس بصحيح؛ لأنَّ هذا الجمع يجيء للكثرة، كما يجيء للقلة؛ قال الله تعالى: ﴿وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ﴾ ٤ والمراد به الكثرة لا القلة، والذي يدلّ على ذلك: أنه جمع صحيح، فصار بمنزلة قولهم: "الزيدون، والعمرون" (وكما أن قولهم: الزيدون، والعمرون) ٥ يكون للكثرة والقلة، فكذلك هذا الجمع، وأمّا ما روى النابغة وحسان، فقد كان أبو علي الفارسي٦ يقدح فيه، ولو صح، فيحتمل أن يكون النابغة قصد ذكر شيءٍ يدفع عنه٧ ملامة حسان، ويعارضها في الحال. [عِلَّة جواز الاكتفاء بجمع القلة عن جمع الكثرة والعكس] فإن قيل: فَلِمَ جاز أن يُكتفى لله ببناء القلة عن بناء الكثرة، وببناء الكثرة

стр. 234

عن بناء القلَّة؟ قيل: إنما جاز أن يُكتفى ببناء القِلَّة عن بناء الكثرة؛ نحو: "قلم وأقلام، ورَسَن وأرسان وأُذن وآذان، وطُنُب وأطناب، وكَتِف وأكتاف، وإبل وآبال" وأن يُكتفى ببناء الكثرة عن بناء القلة؛ نحو: "رجل ورجال، وسَبع وسِبَاع، وشسع١ وشُسُوع"؛ لأنَّ معنى الجمع مشترك في القليل والكثير؛ فجاز أن يُنوى بجمع القِلَّة جمع الكثرة؛ لاشتراكهما في الجمع، كما جاز ذلك في ما يجمع بالواو والنون؛ نحو: "الزيدون"، وجاز أن يُنوى بجمع الكثرة جمع القلّة كما يجوز أن يُنوى بالعموم الخصوص. [علة جمع ما كان رباعيًّا على فعالل] فإن قيل: فَلِمَ جُمع ما كانَ رباعيًّا على مثل واحدٍ، وهو مثال: "فعالل"؟ قيل: لأنَّ ما كان على أربعة أحرف لَمَّا كان أثقل مما كان على ثلاثة أحرف، ألزم طريقة واحدةً، وزيدت الألف على واحده دون غيرها؛ لأنها أخف الحروف؛ لأنها قطّ لا تكونُ إلا ساكنة. [علة حذف آخر الاسم الخماسي في الجمع] فإن قيل: فَلِمَ حُذف آخر ما كان خمسيًّا في الجمع؛ نحو: "سفرجل وسفارج"؟ قيل: إنما وجب حذف آخر حروفه لطوله، ولو أتي به على الأصل، لكان مستثقلاً، فحُذف طلبًا للخفة، وكان الآخر أولى بالحذف؛ لأنَّه أضعف حروف الكلمة؛ لأنَّ الحذف في آخر الكلمة أكثر من غيره. [علة جواز جمع سفرجل على سفاريج ونحوه] فإن قيل: فَلِمَ جاز أن يقولوا في جمع: "سفرجل: سفاريج" بالياء؟ قيل: لأنهم لَمَّا حذفوا اللام، جعلوا الياء٢ عوضًا عن اللام المحذوفة منه. [علة تعويضهم بالياء دون غيرها] فإن قيل: فَلِمَ عوض بالياء دون غيرها؟ قيل: لأنَّ ما بعد ألف التكسير مكسور، فكأنَّهم أشبعوا الكسرة، فنشأت الياء؛ وذلك ليس بثقيل؛ فلهذا، كانت الياء أولى من غيرها.

стр. 235

[علة عدم حذف الزيادة في الجمع إذا كانت رابعة] فإن قيل: فَلِمَ حذفوا الزيادة منه في الجمع؛ إذا لم تقع رابعة، ولم يحذفوها، إذا وقعت رابعة؟ قيل: إنما حذفوا الزيادة إذا لم تقع رابعةً؛ لأنهم إذا حذفوا منه الحرف الأصلي؛ فالزائد أولى، وإنما لم يحذفوها إذا وقعت رابعة؛ لأنهم يجتلبون لها الياء قبل الطرف١، وإذا وجدت قبل الطرف، وهي من نفس الكلمة، فينبغي ألا تحذف؛ لأنَّها أولى بالثبات من المجتلبة. [علة قلب الألف والواو في الجمع وإبقاء الياء على حالها] فإن قيل: فَلِمَ قالوا جمع: "مفتاح: مفاتيح، وجرموق٢: جراميق" فقلبوا الألف والواو، وأبقوا الياء على حالها؟ قيل: إِنَّما قلبوا الألف والواو ياء لسكونهما٣ وانكسار ما قبلهما، وأبقوا الياء على حالها؛ لأنَّ الكسرة /إذا كانت/٤ توجب قلب الألف والواو ياء، فَلأَن تُبْقَى٥ "الياء" على حالها، كان ذلك من طريق الأولى؛ فاعرفه تصب، إن شاء الله تعالى.

стр. 236

الباب الخامس والخمسون: باب التصغير [علة ضم أول الاسم المصغر] إن قال قائل: لِمَ ضُمَّ أول الاسم الْمُصَغَّر؟ قيل لوجهين: أحدهما: أنَّ الاسم المصغر يتضمن المكبر، ويدلُّ عليه، فأشبه فعل ما لم يُسَمَّ فاعله، فكما بُني أول فعل ما لم يُسم فاعله على الضَّمِّ، فكذلك أوّل الاسم المصغر. والوجه الثاني: أنَّ التصغير لَمَّا صيغ له بناء؛ جُمع له جميع الحركات، فبني الأوّل على الضم؛ لأنَّه أقوى الحركات، وبُني الثاني على الفتح تبيينًا للضَّمَّة، وبُني ما بعد ياء التصغير على الكسر في تصغير ما زاد على ثلاثة أحرف، دون ما كان على ثلاثة أحرف؛ لأنَّ ما كان على ثلاثة أحرف، يقع ما بعد الياء منه حرف الإعراب، فلا يجوز أن يُبنى على الكسر. [عِلَّة كون التصغير بزيادة حرف] فإن قيل: فَلِمَ كان التصغير بزيادة حرفٍ، ولم يكن بنقصان حرف؟ قيل: لأنَّ التصغير قام مُقام الصِّفة، ألا ترى أنك إذا قلت في رَجُل: رُجيل، وفي دِرْهَم: دُرَيْهِم، وفي دينار: دُنَينير، قام رُجيل مُقام: رجل صغير، وقام دُريهم١ مقام درهم صغير، وقام دنينير مُقام: دينار صغير؛ فلمَّا قام التصغير مقام الصفة؛ وهي لفظ زائد، جُعل بزيادة حرف، وجُعل ذلك الحرف دليلاً على التصغير؛ لأنه /قام/٢ مقام ما يوجب التصغير. [عِلَّة كون الزيادة ياء ساكنة ثالثة] فإن قيل: فَلِمَ كانت الزيادة ياءً، ولِمَ كانت ساكنة، ولِمَ كانت ثالثة؟ قيل: إنما كانت ياءً؛ لأنهم لَمَّا زادوا الألف في التكسير؛ والتصغير /والتكسير/٣ من

стр. 237

وادٍ واحد؛ زادوا فيه الياء؛ لأنها١ أقرب إلى الألف من الواو. وإنما كانت ساكنة ثالثة؛ لأنَّ ألف التكسير لا تكون إلا كذلك. [علة حمل التصغير على التكسير] فإن قيل: فَلِمَ حُملَ التصغير على التكسير، ومن أين زعمتم أنهما من وادٍ واحد؟ قيل: إنما حُمل التصغير على التكسير؛ لأنه يغير اللفظ والمعنى، كما أنّ التكسير يغيِّر اللفظ والمعنى، ألا ترى أنَّك إذا قلت في تصغير "رَجُل: رُجيل ... ٢ قد غيَّرت لفظه بِضَمِّ أوّله، وفتح ثانيه، وزيادة ياء ساكنة ثالثة، وغيَّرت معناه؛ لأنَّك نقلته من الكبر إلى الصِّغر، كما أنَّك إذا قلت في تكسيره: "رجال" غيّرت لفظه بزيادة الألف، وفتح ما قبلها؛ وغيّرت معناه؛ لأنَّك نقلته من الإفراد إلى الجمع؟ ولهذا٣ المعنى؛ قلنا: إنهما من وادٍ واحد. [علة إلزام التصغير طريقة واحدة] فإن قيل: فَلِمَ ألزموا التَّصغير طريقة واحدة، ولم تختلفْ أبنيته كاختلاف أبنية التكسير؟ قيل: لأنَّ التَّصغير أضعف من التكسير، ألا ترى أنَّك إذا قلت: "رُجَيْل" فقد وصفته بالصغر٤، من غير أن تَضُمَّ إليه غيره، وإذا قلت: "رجال" فقد ضممت إليه غيره، وصيَّرت الواحد جمعًا؟ فلمَّا كان التصغير أضعف من التكسير في التَّغَيُّر، (وكان المراد به معنى واحدًا؛ أُلزم طريقةً واحدةً، ولَمَّا كان التكسير أقوى من التصغير في التغيير) ٥ ويكون كثيرًا وقليلاً، وليس له نهاية ينتهي إليها؛ خُصّ بأبنية تدلُّ على القلة والكثرة؛ فلذلك٦ اختلفت٧ أبنيته. [علة حذف آخر الاسم الخماسي في التصغير] فإن قيل: فَلِمَ إذا كان الاسم خماسيًّا، يحذف آخر حروفه في التصغير؛ نحو: "سفرجل، وسفيرج"؟ قيل: إِنَّما /وجب/٨ حذف آخر حروفه في التصغير؛ لطوله على ما بينا في /جمع/٩ التكسير؛ لأنَّ التصغير يجري مجرى

стр. 238

التكسير؛ ولهذا، يجوز فيه التعويض، فيقال: "سفيريج" كما قالوا في التكسير: "سفاريج" ولهذا -أيضًا- إذا كانت الزيادة غير رابعة، حذفت، وإذا كانت رابعة لم تُحذف، حملاً للتصغير على التكسير؛ لأنَّ التصغير والتكسير من وادٍ واحد. فإن قيل: فَلِمَ ردُّوا١ التاء في تصغير المؤنث إذا كان الاسم ثلاثيًّا؛ نحو: "شمس وشُمَيْسَة" ولم يردُّوها إذا كانت على أربعة أحرف؛ نحو: "زينب وزُيَيْنَب"؟ قيل: إِنَّما ردُّوا التاء في التصغير؛ لأنّ التصغير يرد الأشياء إلى أصولها، ألا ترى أنهم قالوا في تصغير: "باب: بُويب" وفي تصغير "ناب: نُيَيْب" فردّوا الألف إلى أصلها؛ وأصلها في "باب" الواو؛ لأنَّك تقول في تكسيره: أبواب، وبوَّيب بابًا؛ وأصلها في "باب" الياء؛ لأنَّك تقول في تكسيره: أنياب، ونَيَّبت نابًا٢، (وفي الأمر منه: نَيِّب، وفي الأمر من الأول: بَوِّب) ٣؛ فإذا كان التكسير والتصغير يردَّان الأشياء إلى أصولها؛ والأصل في نحو: "شمس" أن تكون بعلامة التأنيث، للفرق بين المذكر والمؤنث؛ وجب ردها في التصغير، واختص رد التاء في الثلاثي٤ لخفة لفظة. فأما الرباعي فلم تُرَد٥ فيه التاء؛ لطوله، فصار الطُول بدلاً من تاء التأنيث. فأما ما لم تُرَدّ فيه التاء في التصغير من الثلاثي؛ فنحو قولهم في قوس: قُوَيس، وفي فَرَس: فُريس، وفي عِرْس: عُرَيس٦، وفي حرب: حُريب، وفي "ناب الإبل: نُيَيب، وفي درع الحديد: دُريع: وأما ما أثبتوا فيه التاء في التصغير من الرباعي؛ فنحو قولهم في قُدام: قُدَيديمة، وفي وراء: وُرَيِّئة، وفي أمام أُميمة، فقد٧ تكلموا عليه؛ فقالوا: إنما لم تلحق٨ التاء في التصغير ما٩ كان ثلاثيًّا؛ لأنه أُجرِي مُجرى المذكر؛ لأنَّه في معناه، وذلك؛ لأنَّ "القوس" في معنى "العود"؛ و"العرس"١٠ ينطلق على المذكر والمؤنث، والمذكر هوالأصل، فبقي لفظ تصغيره على أصله، و"العرس" في معنى "التعريس" و"الحرب" في الأصل: مصدر حربت حربًا؛ والمصدر في الأصل مذكَّر؛ و"النَّاب" رُوعي فيها معنى النَّاب الذي هو السِّنُّ، وهو مذكَّر؛ لأنَّها سُمِّيت به عند سقوطه؛ و"درع

стр. 239

الحديد" في معنى الدرع الذي هو القميص. وإنما أثبتوا التاء في التصغير في ما كان رباعيًّا؛ نحو: "قديديمة، وَوُرَيِّئة، وأميمة" لوجهين: أحدهما: أنَّ الأغلب في الظروف أن تكون مذكَّرة، فلو لم يدخلوا التَّاء في هذه الظروف، وهي مؤنثة؛ لالتبست بالمذكَّر. والوجه الثاني: أنَّهم زادوا التاء تأكيدًا للتأنيث، ويحتمل -أيضًا- وجهًا ثالثًا؛ وهو أنَّهم أثبتوا التاء تنبيهًا على الأصل المرفوض، كما صحَّحوا الواو في "العود" والحركة تنبيهًا على أن الأصل في باب: بوب، ودار: دور، وهو أصل مرفوض /و/١ على كُل حال، فكِلا القسمين شاذٌّ، لا يقاسُ عليه. [علة المخالفة بين الأسماء المبهمة والمتمكنة في التصغير] فإن قيل: فَلِمَ خالفوا بين تصغير الأسماء المبهمة وما أشبهها وبين الأسماء المتمكنة؛ قالوا في تصغير: ذا: ذيّا، وفي تا: تَيَّا، وفي الذي: الُّذيّا، وفي: التي: الُّتيَّا؟ قيل: إِنَّما فعلوا ذلك جريًا على أُصول كلامهم في تَغيُّر٢ الحكم عند تغيير٣ الباب؛ لأنَّ الأسماء المبهمة لَمَّا كانت مغايرة للأسماء المتمكنة، جعلوا لها حكمًا غير حكم الأسماء المتمكِّنة؛ لتغايرهما، فلم٤ يَضُمُّوا أوائلها في التصغير، كما فعلوا في الأسماء المتمكنة، وجوزوا أن تقع٥ ياء التصغير فيها ثانية؛ كقولهم في ذا: ذيَّا، وفي تا٦: تيَّا. [علة عدم امتناع وقوع ياء التصغير ثانية في الأسماء المبهمة] فإن قيل: فَلِمَ لم يمتنع وقوع ياء التصغير فيها ثانيةً، كما امتنع في الأسماء المتمكنة؟ قيل: إِنَّما لم يمتنع وقوع ياء التصغير فيها ثانية، كما امتنع في الأسماء المتمكنة؛ لأنَّ أوائلها مفتوحة، فلم يمتنع وقوع ياء التصغير الساكنة بعدها، بخلاف الأسماء المتمكنة، فإن أوائلها مضمومة، فيمتنع وقوع الياء الساكنة بعدها.

стр. 240

[علة زيادة الألف في الأسماء المبهمة في التصغير] فإن قيل: فَلِمَ زادوا الألف في آخرها علامة للتصغير؟ قيل: إِنَّما حسَّن زيادة الألف في آخرها علامة للتصغير؛ لأنَّها أسماء مبنية، فجُعل في آخرها ألفٌ؛ لتكون على صيغة لا يُتصور دخول الحركة التي هي آلة الإعراب عليه؛ فاعرفه تصب، إن شاء الله تعالى.

стр. 241

الباب السادس والخمسون: باب النسب [علة زيادة الياء المشددة المكسور ما قبلها في النَّسب] إن قال قائل: لِمَ زيدت الياء في النسب مُشَدَّدة مكسورًا ما قبلها؛ نحو: زيديّ، وعمريّ، وبغدادي، ومصري ونحو ذلك١؟ قيل: أوّلاً إِنَّما كانت ياء تشبيهًا بياء الإضافة؛ لأنَّ النسب في معنى الإضافة؛ ولذلك، كان المتقدمون من النحويين يترجمونه بـ"باب الإضافة"؛ وكانت الياء مشددة؛ لأنَّ النسب أبلغ من الإضافة، فشددوا الياء؛ ليدلوا٢ على هذا المعنى؛ وكانت مكسورًا ما قبلها توطئة٣ لها. [علة حذف تاء التأنيث في النسب] فإن قيل: فَلِمَ حذفوا تاء التأنيث في النسب؛ نحو قولهم في النسب إلى مكة: مكِّيّ، ونحو ذلك؟ قيل: لخمسة أوجه: أحدها٤: أنَّها إِنَّما حذفت لئلا تقع في حشو الكلمة، وتاء التأنيث لا تقع في حشو الكلمة. والثاني٥: أنها إنما حُذفت لئلا يؤدي إلى الجمع بين تاءي٦ التأنيث في النسب إلى المؤنث إذا كان المنسوب مؤنثًا، ألا ترى أنك إذا قلت في النسب إلى الكوفة والبصرة في المذكر: "رجل كوفتيّ، وبصرتِيّ" لقلت في المؤنث: "امرأة كوفتيّة وبصرتيّة"؛ فلما كان /ذلك/٧ يؤدي إلى الجمع بين تاءي٨ تأنيث في المؤنث؛ نحو: كوفتية وبصرتية والجمع بين علامتي تأنيث في كلمة واحدة لا يجوز؛ حذفوا التاء من المذكر؛ لئلا يجمعوا بين علامتي تأنيث في المؤنث.

стр. 242

والثالث: أنها إنما حُذفت لأنَّ ياءي١ النسب قد تنزلا منزلة تاء التأنيث في الفرق بين الواحد والجمع؛ (ألا ترى أنهم قالوا: روميّ وروم، وزنجي وزنج، ففرقوا بين الواحد والجمع) ٢ بياء النسب، كما فرقوا بتاء التأنيث بين الواحد والجمع في قولهم: نخلة ونخل، وتمرة وتمر، فلمّا وجدت المشابهة بينهما من هذا الوجه؛ لم يجمعوا بينهما كما لم يجمعوا بين علامتي تأنيث. والرابع: أنها إنما حُذفت؛ لأن هذه التاء حكمها أن تنقلب في الوقف هاءً، فلمَّا كانت تتغير، ولا يمكن أن تجري على حكمها في أن تكون تارةً تاءً، وتارة هاءً؛ كان حذفها أسهل عليهم. والخامس: أنَّ تاء التأنيث بمنزلة اسم ضُمَّ إلى اسم، ولو نسبت إلى اسم ضُمَّ إلى اسم، لحذفت الاسم الثاني؛ فكذلك -ههنا- تُحذف تاء التأنيث. [علة حذف الياء من فُعَيلةَ وفَعيلةَ في النسب] فإن قيل: فَلِمَ حذفت الياء من /باب/٣ "فُعَيلةَ، وفَعِيلة"؛ نحو قولهم في النسب إلى جُهينة: "جُهني، وإلى ربيعة: رَبَعي دون باب: فَعِيل، وفُعَيل؛ نحو قولك في النسب إلى: ثقيف ثقيفيّ٤ وفي النسب إلى هُذيل: هُذيلي"؟ قيل: إنما وجب حذف الياء في باب فُعَيلة، وفَعِيلة دون باب فَعِيل، وفُعَيل؛ لأنَّ باب "فُعَيلة، وفَعِيلة" اجتمع فيه سببان موجبان للحذف؛ وهما: طلب التخفيف، وتأنيس التغيير بحذف٥ تاء التأنيث، وباب "فَعِيل، وفُعَيل" ليس فيه إلا سبب واحد وهو طلب التخفيف، فلمَّا كان في باب "فُعَيلة، وفَعِيلة" سببان؛ لزمه الحذف، ولَمَّا كان في باب "فَعِيل، وفُعَيل" سبب /واحد/٦ لم يلزم الحذف. [قلب الكسرة فتحة في النسب في بعض الأسماء] فإن قيل: فَلِمَ قالوا: "حَنَفِيّ" بالفتح، وإن كان الأصل هُوَ الكسر٧؟ قيل: لأنَّهم قلبوا الكسرة فتحةً طلبًا للتخفيف، كما قالوا في النسب إلى شَقِر: شَقَريّ، وإلى: نَمِر: نَمَريّ بالفتح، وإن كان الأصل هو الكسر طلبًا للتخفيف، ألا ترى أنَّهم لو قالوا "شَقِريّ، ونَمِريّ" بالكسر؛ لأدَّى ذلك إلى توالي

стр. 243

كسرتين، بعدهما ياء مشددة، وذلك مستثقل؟ فعدلوا عن الكسرة إلى الفتحة، فقالوا: "شَقَرِيّ؛ ونَمَريّ" فكذلك ههنا؛ وكذلك قالوا في النسب إلى "عَليّ: عَلَويّ" بالفتح؛ لأنَّهم لَمَّا حذفوا الياء الأولى التي هي ياء "فعيل" بقي على وزن "فعيل"١ فأبدلوا٢ من الكسرة فتحة، فانقلبت الياء ألفًا؛ لتحرُّكها وانفتاح ما قبلها، فصار /عَلَى/٣ كـ"رَحَى، وعصا" فقلبوا من الألف واوًا؛ فقالوا: "عَلَوِيّ" كما قالوا: "رَحَوِيّ وعَصَوِيّ". [عِلَّة قلب ألف رحي وعصا واوًا] فإن قيل: فَلِمَ وجب قلب ألف "رَحَى، وعصا" واوًا؟ قيل: إِنَّما وجب قلب الألف واوًا؛ لأنها ساكنة، والياء الأولى من ياءي٤ النسب ساكنة، وساكنان لا يجتمعان؛ فوجب فيها القلب، وكان القلب أولى من الحذف؛ لكثرة ما يلحق النَّسب من التغيير، والتغيير بالحذف أبلغ من القلب وأقوى؛ فلذلك، كان القلب أولى، وكان قلب الألف واوًا أولى من قلبها ياءً؛ لأنَّها لو قُلبت ياءً؛ لأدَّى ذلك إلى اجتماع الأمثال، ألا ترى أنك لو قلت: رحيِيّ، وعصييّ؛ لأَدَّى ذلك إلى اجتماع ثلاث ياءات، وذلك مستثقل؟ فعدلوا عن الياء إلى الواو، لأنَّها أبعد من اجتماع الأَمثال. [النسبة إلى شج] فإن قيل: فَلِمَ قالوا في النسب إلى شج: شَجَوِيّ؟ قيل: لأنَّهم أبدلوا من الكسرة فتحة للعلة التي ذكرناها، فانقلبت الياء ألفًا؛ لتحركها، وانفتاح ما قبلها؛ فالتحق بالمقصور نحو: عصا، ورحى؛ فقالوا فيه "شَجَوِيّ" كما قالوا: رَحَوِيّ، وعَصَوِيّ. [النسبة إلى مغزى وقاضٍ وعلة ذلك] فإن قيل: فَلِمَ قالوا في النسب إلى مغزى، وقاضٍ: مَغْزِيّ، ومَغْزَويّ، وقاضِيّ، وقاضَوِيّ؟ قيل: أما من قال: "مَغْزَوِيّ" فأبدل؛ فلأنَّ الألف من نفس الكلمة، فأبدل منها واوًا، كما أبدل في ما كان على ثلاثة أحرف؛ نحو: "رَحَوِيّ /وعَصَوِيّ/٥، وأما قَاضَوِيّ، فأبدلت٦ من الكسرة فتحةٌ، وقلبت الياء

стр. 244

ألفًا، فصار: قاضي: كمغزى؛ فقالوا قاضَوِيّ؛ كما قالوا مَغْزَوِيّ، وأما من قال: مَغْزِيّ، وقَاضِيّ؛ فحذف الألف والياء؛ فلأنَّ الألف ساكنة، والياء الأولى من ياءي النسب ساكنة؛ وساكنان لا يجتمعان، فحُذِفَت الألف لالتقاء السَّاكنين، كما حُذِفَت في ما كان على خمسة أحرف. [علة وجوب حذف الألف والياء في الاسم الخماسيِّ في النسب] فإن قيل: فَلِمَ وجب حذف الألف والياء إذا كان الاسم على خمسة أحرف؛ نحو قولهم في النَّسب إلى "مُرتجى: مُرتَجِيّ" وإلى "مُشتري١: مشتريّ"؟ قيل: إنَّما وجب حذف الألف والياء في الاسم إذا كان على خمسة أحرف؛ لطول الكلمة، وإذا جاز الحذف في ما كان على أربعة أحرف؛ لزم في ما زاد على ذلك. فإن قيل: فَلِمَ لزم الحذف في ما كان على أربعة أحرف؛ نحو قولهم في النَّسب إلى "بَشَكَى٢: بَشَكِيّ" وإلى "جَمَزَى٣: جَمَزِيّ"؟ قيل: لأنَّه لَمَّا توالت فيه ثلاث حركات متواليات، تنزَّل منزلة ما كان على خمسة أحرف؛ لأنَّ الحركة قد تنزل منزلة الحرف، ألا ترى أنَّ مَنْ يجوِّز أن يصرف "هند" لا يجوِّز أن يصرف "سعدى"٤ كما لا يجوِّز أن يصرف "زينب"؛ لأنَّ الحركة ألحقته بما كان على أربعة أحرف، فكذلك٥ -ههنا- ألحقته الفتحة بما كان على خمسة أحرف. [علة حذف الياء المتحركة من الاسم الذي قبل آخره ياء مشدَّدة في النسب] فإن قيل: فَلِمَ وجب حذف الياء المتحرِّكة مما قبل آخره ياء مشددة؛ نحو قولهم في النسب: "أُسَيِّد٦: أُسَيْدِيّ" ونحو ذلك٧؟ قيل: لئلا تجتمع أربع ياءات وكسرتان، وذلك مُستثقل، وإنما وجب حذف المتحرِّكة؛ لأنَّ المقصود بالحذف التخفيف، والمتحرِّكة أثقل من الساكنة، فكان حذفها أولى؛ لأنَّهم لو حذفوا الساكنة؛ لكانت المتحركة تنقلب ألفًا؛ لتحركها، وانفتاح ما قبلها؛ فلذلك، كان حذف المتحرِّكة أولى.

стр. 245

[علة قلب همزة التأنيث واوًا في النسب] فإن قيل: فَلِمَ وجب قلب همزة التأنيث في النسب واوًا في نحو قولهم: حمراء: حَمْرَاوِيّ، ولم يجب ذلك في النَّسب إلى "كِسَاء وعلباء١" ونحو ذلك؟ ٢ قيل: لأنَّ همزة التأنيث ثقيلة؛ لأنَّها عوض عن علامة التأنيث التي توجب ثقلاً؛ فوجب قلبها واوًا؛ وأمَّا همزة "كساء" فلم يجب قلبها؛ لأنَّها منقلبة عن حرف أصليّ، فأُجريت مجرى الهمزة الأصلية؛ نحو: "قرَّاء، ووضَّاء" وكذلك الهمزة في "عَلباء" ملحقة بحرف أصلي، فأجريت /أيضًا/٣ مجرى الهمزة الأصلية، وكما لا يجب قلب الهمزة الأصلية واوًا في النسب؛ فكذلك ما أُجري مُجراها. [علة الرد إلى الواحد في النَّسب] فإن قيل: فَلِمَ وجب الرد إلى الواحد في النسب إلى الجميع؛ نحو قولهم في النسب إلى: الفرائض: فَرَضِيّ، ونحو ذلك٤؟ قيل: لأنَّ نسبته٥ إلى الواحد، تدلّ على كثرة نظره٦ فيها؛ وحكم الواحد من الفرائض كحكم الجمع٧ فإذا كان حكم الواحد كحكم الجمع٧؛ وجب الرد إلى الواحد؛ لأنه أخف في اللفظ مع أنه الأصل؛ فأما قولهم: "أَنماريّ، ومدائِنِيّ" فإنَّما نسبوا إلى الجمع؛ لأنه صار اسم شيءٍ بعينه، وليس المقصود منه أن يدل على ما يقتضيه اللفظ من الجمع، فلما صار اسمًا للواحد، تنزل منزلة الواحد؛ فاعرفه تصب، إن شاء الله تعالى.

стр. 246

الباب السَّابع والخمسون: باب أسماء الصِّلات [علة تسمية الأسماء الموصولة بأسماء الصِّلات] إن قال قائل: لِمَ سُمِّي "الذي، والتي، ومن، وما، وأيّ" أسماء الصِّلات؟ قيل: لأنَّها تفتقر إلى صلات توضحها وتبينها؛ لأنَّها لم تُفهم معانيها١ بأنفسها، ألا ترى أنك لو ذكرتها من غير صلةٍ، لم تفهم٢ معناها، حتى تُضَمَّ إلى شيءٍ بعدها؛ كقولك: الذي أبوه منطلق، أو الذي انطلق أبوه، وكذلك التي أخوها ذاهب، والتي ذهب أخوها، وكذلك سائرها. [الذي والتي ولغاتهما] وفي "الذي" أربع لغات: "الذي" بياء ساكنة، و"الذيّ" بياء مشددة، و"الذِ" بكسر الذَّال من غير ياء، (والّذْ بسكون الذَّال من غير ياء) ٣؛ وكذلك في "التي" أربع لغات: التي بياء ساكنة، والتيَّ بياء مشددة، واللَّتِ بكسر التاء من غير ياء، واللَّتْ بسكون التاء من غير ياء؛ والألف اللام فيهما زائدتان، وليستا فيهما للتَّعريف؛ لأنَّ التعريف بصلتهما، وهي الجملة التي بعدهما، بدليل أخواتهما٤؛ نحو: "مَنْ، وَمَا" فلو كانتا فيهما للتَّعريف، لأدَّى ذلك إلى أن يجتمع فيهما تعريفان؛ وذلك لا يجوز. [علة دخول الذي والتي في الكلام] فإن قيل: فَلِمَ أُدخلت "الذي والتي" في الكلام؟ قيل: تَوصُّلا إلى وصف المعارف بالجمل؛ لأنَّهم لَمَّا رأوا النكرات تُوصَف بالمفردات والجمل؛ نحو: "مررت برجل ذاهبٍ، ومررت برجل أبوه ذاهب، وذهب أبوه، وما أشبه ذلك،

стр. 247

ولم يحسنوا١ أن يجعلوا النكرة أقوى من المعرفة، وآثروا التسوية بينهما، جاءوا٢ باسم ناقص لا يتم إلا بجملة، فجعلوه وصفًا للمعرفة توصلاً إلى وصف المعارف بالجمل، كما أتوا بـ"ذي" التي ٣ بمعنى "صاحب" توصُّلا إلى الوصف بأسماء الأجناس؛ نحو /قولك/٤: "مررت برجل ذي مالٍ"، وأتوا بـ"أيّ" توصُّلاً إلى نداء ما فيه الألف واللام؛ نحو: "يا أيها الرجل"، ونحو ذلك. [علة وجوب العائد من الصلة إلى الموصول] فإن قيل: فَلِمَ وجب العائد من الصلة إلى الموصول؟ قيل: لأنَّ العائد يعلقها بالموصول، ويتممها به، ولذلك، لم يجز أن يرتفع "زيد /بـ/٥ خرج" في قولهم: الذي خرج زيد، لأنَّه يؤدي إلى أن تخلو الصِّلة من العائد إلى الموصول. [عِلَّة حذف العائد المنصوب] فإن قيل: فَلِمَ حُذِف في قوله تعالى: ﴿أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولاً﴾ ٦؟ قيل: لأنَّ العائد ضمير المنصوب المتّصل والضمير المنصوب المتصل يجوز حذفه (وإنما جاز حذفه) ٧؛ لأنَّه صار الاسم الموصول، والفعل، والفاعل، والمفعول بمنزلة شيءٍ واحد؛ فلمّا صارت هذه الأشياء بمنزلة الشيء الواحد؛ طلبوا لها التَّخفيف، وكان حذف المفعول أولى؛ لأنَّ المفعول فضلة، بخلاف غيره من هذه الأشياء؛ فكان حذفه أولى. [عِلَّة كون الصِّلات جُمَلاً] فإن قيل: فهل يجوز أن تكون الأسماء المفردة صلات؟ قيل: لا يجوز ذلك؛ لأنَّ أسماء الصلات إنما أدخلوها في الكلام توصُّلا إلى الوصف بالجمل، كما أتوا بـ"ذي٨" توصلا إلى الوصف بالأجناس، وبـ"أي" توصُّلاً إلى نداء ما فيه الألف واللام، فكما لا يجوز إضافة "ذو" إلى غير الأجناس ولا يأتي بعد "أي" إلا ما فيه الألف واللام؛ فكذلك -ههنا- لا يجوز أن تكون الصلات إلا جملاً، ولا يجوز أن تكون مفردة؛ فأمَّا قراءة من قرأ: ﴿تَمَامًا عَلَى

стр. 248

الَّذِي أَحْسَنَ﴾ ١ بالرَّفع؛ فالتقدير فيه "على الذي هو أحسن"؛ فكذلك قوله : ﴿مَثَلاً مَا بَعُوضَةً﴾ ٢ بالرَّفع فالتقدير: "ما هو بعوضة"؛ وكذلك قوله : ﴿أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا﴾ ٣ أي: "هُو أشَدُّ" فحذف المبتدأ في هذه المواضع كلها؛ وحذف المبتدأ جائز في كلامهم. [ضمة "أيُّهم" بناء أو إعراب وخلافهم فيها] فإن قيل: فهذه الضمة في "أيُّهم" ضمة إعراب أو ضمة بناء؟ قيل: اختلف النحويون في ذلك؛ فذهب سيبويه إلى أنَّها ضمة بناء؛ لأنَّهم لَمَّا حذفوا المبتدأ من صلتها دون سائر أخواتها؛ نقصت فبنيت، وكان بناؤها على الضَّمِّ أولى؛ لأنَّها أقوى الحركات، فَبُنِيَت على الضمة كـ"قبلُ، وبعدُ" والذي يدلُّ على أنَّهم إنما بنوها لحذف المبتدأ، أنهم لو أظهروا المبتدأ، فقالوا: "ضربت أيّهم هو في الدار"؛ لَنَصبوا، ولم يبنوا. وذهب الخليل إلى أنَّ الضَّمَّةَ ضَمَّةُ إعراب، ويرفعه٤ على الحكاية؛ والتقدير عنده: ... ٥ ثُمَّ لننزعن من كل شيعة الذي يقال لهم أيّهم". وذهب يونس إلى إلغاء الفعل قبله، وينزل الفعل المؤثر في الإلغاء منزلة أفعال القلوب. والصحيح: ما ذهب إليه سيبويه، وأمَّا قول الخليل: إنَّه مرفوع على الحكاية؛ فالحكاية إِنَّما تكون بعد جري الكلام فتعود الحكاية إليه، وهذا الكلام يصحُ ابتداءً من غير تقدير قول قائل قاله، وأما قول يونس فضعيف جدًّا؛ لأنَّ الفعل إذا كان مؤثرًا، لا يجوز إلغاؤه. [عِلَّة بناء أسماء الصِّلات] فإن قيل: فَلِمَ بنيت أسماء الصلات؟ قيل لوجهين: أحدهما: أنَّ الصلة لَمَّا كانت مع الموصول بمنزلة كلمة واحدة، صارت بمنزلة بعض الكلمة، وبعض الكلمة مبنيّ. والوجه الثَّاني: أنَّ هذه الأسماء لَمَّا كانت لا تفيد إلا مع كلمتين فصاعدًا، أشبهت الحروف؛ لأنَّها لا تفيد إلا مع كلمتين فصاعدًا.

стр. 249

[علة إعراب "أيّ" دون أخواتها] فإن قيل: فـ"أيّ" لِمَ كانت مُعربة دون سائر أخواتها؟ قيل: لوجهين: أحدهما: أنَّهم بقَّوها على الأصل في الإعراب، تنبيهًا على أن الأصل في الأسماء الإعراب، كما بنوا الفعل المضارع إذا اتصلت به نون التأكيد /أ/و١ ضمير جماعة النسوة، تنبيهًا على أن الأصل في الأفعال البناء. والوجه الثَّاني: أنَّهم حملوها على نظيرها ونقيضها؛ فنظيرها جزء، ونقيضها كل؛ وهما معربان، فكانت معربةً؛ فاعرفه تُصب، إن شاء الله تعالى.

стр. 250

الباب الثامن والخمسون: باب حروف الاستفهام [حروف الاستفهام وأسماؤه وظروفه] إن قال قائل: كم حروف الاستفهام؟ قيل: ثلاثة حروف١ "الهمزة، وأم، وهل" وما عدا هذه الثلاثة، فأسماء وظروف أُقيمت مُقامها؛ فالأسماء: "مَنْ، وما، وكم، وكيف" والظروف: "أين، وأنَّى، ومتى، وأيّ حين، وأيّان"؛ و"أي" يُحكَم عليها بما تُضاف إليه؛ فأمَّا الهمزة وأم، فقد بيناهما في باب العطف، وأمَّا "هل" فتكون استفهامًا وتكون بمعنى "قد" قال الله : ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾ ٢ أي: "قد أتى" ثم قال الشاعر٣: [البسيط] سَائِلْ فَوَارِسَ يَرْبوعٍ بِشِدَّتِنَا ... أَهَلْ رَأَونَا بسَفحِ القُفِّ ذِي الأَكَمِ٤ أي: قد رأونا، ولا يجوز أن تُجعل "هل" استفهامًا؛ لأنَّ "الهمزة" للاستفهام، وحرف الاستفهام، لا يدخل على حرف الاستفهام. [علة إقامة العرب الأسماء والظروف مقام حروف الاستفهام] فإن قيل: فَلِمَ أقامت العرب هذه الأسماء والظروف مُقام
следующие страницы →