← Язык

Язык · id 7502

أسرار العربية

أبو البركات الأنباري

Полный текст (276 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

النهي؛ ولعوامل النصب والجزم موضع، نذكرها فيه إن شاء الله تعالى. [تعريف المبني وأقسامه] وأما المبني فهو ضد المعرب، وهو ما لم يتغير آخره بتغير العامل فيه؛ فمن ذلك: الاسم غير المتمكن، والفعل غير المضارع١؛ فأما الاسم غير المتمكن؛ فنحو: مَنْ، وكم، وقبل، وبعد، وأين، وكيف وأمسِ، وهؤلاء. [الأسماء غير المتمكنة وعِلّة بنائها] وإنما بنيت هذه الأسماء؛ لأنها أشبهت الحروف، وتضمنت معناها؛ فأما: "من" فإنها بنيت؛ لأنها لا تخلو: إما أن تكون استفهاميّة، أو شرطية، أو اسْمًا موصولاً، أو نكرة موصوفة، فإن كانت استفهامية فقد تضمنت معنى حرف الاستفهام، وإن كانت شرطية، فقد تضمنت معنى حرف الشرط، وإن كانت اسْمًا موصولاً، فقد تنَزّلت منزلة بعض الكلمة، وبعض الكلمة مبني، وإن كانت نكرة موصوفة، فقد تنزلت منزلة الموصوفة٢. وأما "كم" فإنما بنيت؛ لأنها لا تخلو: إما أن تكون استفهامية، أو خبرية، فإن كانت استفهامية، فقد تضمنت معنى حرف الاستفهام، وإن كانت خبرية، فهي نقيضة "رب"؛ لأن "رب" للتقليل، و"كم" للتكثير، وهم يحملون الشيء على ضده كما يحملونه على نظيره. وأما "مَنْ" و"كم" فبنيت على السكون؛ لأنه الأصل في البناء، ولم يعرض فيهما ما يوجب بناءهما على حركة؛ فبقيا على الأصل. وأما: قَبْلُ وبَعْدُ فإنما بنيا؛ لأن الأصل فيهما أن يستعملا مضافين إلى ما بعدهما، فلما اقتطعا عن الإضافة -والمضاف مع المضاف إليه بمنزلة كلمة واحدة- تنزلا منزلة بعض الكلمة، وبعض الكلمة مبني؛ قال الله تعالى: ﴿لِلَّهِ الأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذ﴾ ٣، وإنما بنيا على حركة؛ لأن كلّ واحد منهما كان له حالة إعراب قبل البناء؛ فوجب أن يُبْنَيَا على حركة تَمَيُّزًا لهما على ما بني، وليس له حالة إعراب؛ نحو: "من" و"كم"، وقيل: إنما بنيا على حركة؛ لالتقاء الساكنين؛ والقول الصحيح هو الأول. فإن قيل: فلم كانت الحركة ضمة؟ قيل: لوجهين؛ أحدهما: أنه لما حُذِفَ المضاف إليه بنيا على أقوى الحركات؛ وهي الضم٤،

стр. 37

تعويضًا عن المحذوف، وتقوية لهما؛ والوجه الثاني: إنما بنوهما على الضم؛ لأن النصب والجر يدخلهما؛ نحو: جئت قبلك ومن قبلك، وأما الرفع لا يدخلهما البتَّة؛ فلو بنوهما على الفتح والكسر؛ لالتبست حركة الإعراب بحركة البناء، فبنوهما على حركة، لا تدخلهما وهي الضمة؛ لئلا تلتبس حركة الإعراب بحركة البناء. وأما أين وكيف فإنما بنيا على الفتح؛ لأنهما تضمنا معنى حرف الاستفهام؛ لأن "أين" سؤال عن المكان، و"كيف" سؤال عن الحال، فلما تضمنا معنى حرف الاستفهام، وجب أن يبنيا، وإنما بنيا على حركة لالتقاء الساكنين، وإنما كانت الحركة فتحة؛ لأنها أخف الحركات. وأما "أمس" فإنما بنيت؛ لأنها تضمنت معنى لام التعريف؛ لأن الأصل في "أمس" الأمس، فلما تضمنت معنى اللام، تضمنت معنى الحرف؛ فوجب أن تبنى. وإنما بنيت على حركة لالتقاء الساكنين، وإنما كانت الحركة كسرة، لأنها الأصل في التحريك لالتقاء الساكنين. ومن العرب من يجعل "أمس" معدولة عن لام التعريف، فيجعلها غير مصروفة١؛ قال الشاعر٢: [الرجز] لقد رأيت عجبًا مُذْ أَمْسا ... عجائزًا مثل السعالي قُعْسَا يأكُلْن ما في رَحْلِهِنَّ هَمْسَا ... لا تَرَكَ الله لَهُنَّ ضِرْسا٣ وأما "هؤلاء" فإنما بنيت لتضمنها معنى حرف الإشارة وإن لم ينطق به؛ لأن الأصل في الإشارة أن تكون بالحرف كالشرط، والنفي، التمني، والعطف، إلى غير ذلك من المعاني، إلا أنهم لما لم يفعلوا ذلك؛ ضمنوا "هؤلاء" معنى حرف الإشارة، فبنوها، ونظير "هؤلاء" "ما" التي في التعجب، فإنها بنيت. لتضمنها معنى حرف التعجب، وإن لم يكن له٤ حرف ينطق به؛ لأن الأصل في التعجب أن يكون بالحرف كغيره من المعاني، إلا أنهم لما لم يفعلوا ذلك،

стр. 38

الباب الرابع: باب إعراب الاسم المفرد [الاسم المفرد على ضربين] إن قال قائل: على كم ضربًا الاسم المفرد؟ قيل: على ضربين؛ صحيح، ومعتل؛ فالصحيح في عرف النحويين: ما لم يكن آخره ألفًا، ولا ياء قبلها كسرة؛ نحو: رجل، وفرس، وما أشبه ذلك؛ وهو على ضربين: منصرف. وغير منصرف. [علامات الاسم المنصرف] فالمنصرف: ما دخله الحركات الثلاث مع التنوين؛ نحو: هذا زيدٌ، ورأيت زيدًا، ومررت بزيدٍ؛ وهذا الضرب يسمى "الأمكن" وقد يسمى أيضًا "متمكنا". [التنوين علامة الصرف] فإن قيل: لِمَ جعلوا التنوين علامة للصرف دون غيره؟ قيل: لأنّ أولى ما يزاد حروف المد واللين؛ وهي الألف، والياء، والواو، إلا أنهم عدلوا عن زيادتها (إلى التنوين، لما يلزم من اعتلالها وانتقالها) ١، ألا ترى أنهم لو جعلوا الواو علامة للصرف؛ لانقلبت ياء في الجر؛ لانكسار ما قبلها؟ وكذلك، حكم الياء والألف في الاعتلال، والانتقال من حال إلى حال؛ وكان التنوين أولى من غيره؛ لأنه خفيف يضارع حروف العلة، ألا ترى أنه غنة في الخيشوم، وأنه لا معتمد له في الحلق، فأشبه الألف إذا كان حرفًا هوائِيًّا. [خلافهم في أسباب دخول التنوين في الكلام] فإن قيل: فلماذا دخل التنوين الكلام؟ قيل: اختلف النحويون في ذلك؛ فذهب سيبويه إلى أنه دخل الكلام علامة للأخف عليهم، والأمكن عندهم،

стр. 39

وذهب بعضهم إلى أنه دخل فرقًا بين الاسم والفعل، وذهب آخرون إلى أنه دخل فرقًا بين ما ينصرف وما لا ينصرف. [علامات غير المنصرف] وأما غير المنصرف: فما لم يدخله الجر مع التنوين، وكان ثانيًا من وجهين؛ نحو: مررت بأحمد وإبراهيم، وما أشبه ذلك. وإنما منع هذا الضرب من الأسماء الصرف؛ لأنه يشبه الفعل، فمنع من التنوين، ومن الجر تبعًا للتنوين لما بينهما من المصاحبة، وذهب بعضهم إلى أنه منع الجر؛ لأنه أشبه الفعل؛ والفعل لا يدخله جر، ولا تنوين، فكذلك ما أشبهه، وهذا الضرب سُمِّي "المتمكن" ولا يسمى "أمكن" وكل أمكن متمكن، وليس كل متمكن أمكن. [دخول الجر على المعرّف] فإن قيل: فلم يدخل الجر مع الألف واللام، أو الإضافة؟ قيل: للأمن من دخول التنوين مع الألف واللام والإضافة، وسترى هذا في موضعه إن شاء الله تعالى. [تعريف الاسم المعتل] والمعتل: ما كان آخره ألفًا، أو ياء قبلها كسرة. [الاسم المعتل على ضربين] وهو على ضربين؛ منقوص، ومقصور؛ فالمنقوص: ما كانت في آخره ياء خفيفة قبلها كسرة؛ وذلك نحو: القاضي، والداعي؛ فإن قيل: فلم سُمّي منقوصًا؟ قيل: لأنه نقص الرفع والجر؛ تقول: هذا قاضٍ يا فتى، ومررت بقاضٍ؛ والأصل: هذا قاضي، ومررت بقاضي، إلا استثقلوا الضمة والكسرة على الياء، فحذفوهما؛ فبقيت الياء ساكنة، والتنوين ساكنًا، فحذفوا الياء لالتقاء الساكنين، وكان حذف الياء أولى من حذف التنوين لوجهين؛ أحدهما: أن الياء إذا حذفت بقي في اللفظ ما يدل عليها، وهي الكسرة، بخلاف التنوين، فإنه لو حذف، لَمْ يبقَ في اللفظ ما يدل على حذفه، فلما وجب حذف أحدهما؛ كان حذف ما في اللفظ دلالة على حذفه أولى. والثاني: أن التنوين دخل لمعنى وهو الصرف، وأما الياء، فليست كذلك، فلما وجب حذف أحدهما؛ كان حذف ما لم يدخل لمعنى أولى من حذف ما دخل لمعنى. وأما إذا كان منصوبًا، فهو بمنزلة الصحيح؛ لخفة الفتحة؛ فإن قيل: الحركات كلها تستثقل على حرف العلة؛ بدليل قولهم:

стр. 40

باب وناب، والأصل فيهما: بَوَب، ونَيَب، إلا أَنَّهم استثقلوا الفتحة على الواو والياء؛ فقلبوا كلّ واحدة منهما ألفًا؛ قيل: الفتحة في هذا النحو١ لازمة، ليست بعارضة، بخلاف الفتحة التي على ياء "قاض" فإنها عارضة وليست بلازمة؛ فلهذا المعنى، استثقلوا الفتحة /في/٢ نحو: باب وناب ولم يستثقلوها في نحو: قاضٍ. [الوقف على الاسم المنقوص] فإن وقفت على المرفوع والمجرور من هذا الضرب، كان لك فيه مذهبان: إسقاط الياء، وإثباتها. واختلف النحويون في الأجود منهما؛ فذهب سيبويه إلى أن حذف الياء أجود إجراء للوقف على الوصل؛ لأن الوصل هو الأصل، وذهب يونس إلى أن إثبات الياء أجود؛ لأن الياء إنما حذفت لأجل التنوين، ولا تنوين في الوقف فوجب رد الياء، وقد قرأ بعض القراء قوله تعالى: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ ٣ بغير ياء، وقد قرأ بعضهم بالياء فإن كان منصوبًا، أبدلت من تنوينه ألفًا كسائر الأسماء المنصرفة الصحيحة؛ فتقول: "رأيت قاضيًا" كما تقول: "رأيت ضاربًا". وإن كان فيه ألف ولام، كان حكمه في الوصل حكم ما ليس فيه ألف ولام في حذف الضمة والكسرة، ودخول الفتحة، وكان لك أيضًا في الوقف في حالة الرفع والجر إثبات الياء وحذفها، وإثباتها أجود الوجهين؛ لأن التنوين لا يجوز أن يثبت مع الألف واللام، فإذا زال علة اسقاط الياء؛ وجب أن تثبت؛ وكان بعض العرب يقف بغير ياء، وذلك أنه قدر حذف الياء في "قاضٍ" ونحوه، ثم أدخل عليه الألف واللام، وبقي الحذف على حاله؛ وهذا ضعيف جدًّا، وقد قرأ بعض القراء في قوله تعالى: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ ٤. فإن كان منصوبًا لم يكن الوقف عليه إلا بالياء، قال الله تعالى: ﴿كَلاَّ إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِي﴾ ٥، وذلك لأنه تنزل بالحركة منزلة الحرف الصحيح، فتحصن٦ بها من الحذف. [تعريف الاسم المقصور] وأما المقصور فهور المختص بألف مفردة في آخره؛ نحو الهوى، والهدى، والدنيا، والأخرى، وسُمِّي مقصوًرا؛ لأن حركات الإعراب قصرت عنه؛ أي:

стр. 41

حُبست؛ والقصر: الحبس؛ ومنه يقال: امرأة مقصورة، وقصيرة، وقصورة؛ قال الله تعالى: ﴿حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَام﴾ ١؛ أي محبوسات؛ وقال الشاعر٢: [الطويل] وأنت التي حَبَّبت كل قصيرة ... إلَيَّ ولم تشعر بذاك القصائر عنيت قصيرات الحجال ولم أرد ... قصار الخطا، شر النساء البحاتر٣ ويروى: قصورة، والبهاتر: القصار بمعنى واحد. [الاسم المقصور ضربان] وهو على ضربين؛ منصرف، وغير منصرف؛ فالمنصرف: ما دخله التنوين؛ نحو: هذه عصًا ورحىً، ورأيت عصًا ورحىً، ومررت بعصًا ورحىً، والأصل فيه: عَصَوٌ، وَرَحَيٌ، إلا أن الواو والياء، لَمّا تحركا، وانفتح ما قبلهما؛ قلبا ألفين، وحذفت الألف منهما؛ لسكونها وسكون التنوين، وكان حذفها أولى لما ذكرناه في حذف الياء؛ نحو: قاضٍ. [الوقف على الاسم المقصور] فإن وقفت على شيء من هذا الضرب، فقد اختلف النحويون فيه على مذاهب؛ فهذب سيبويه٤ إلى أنَّ الوقف في حالة الرفع والجر على الألف المبدلة من الحرف الأصلي، وفي حالة النصب على الألف المبدلة من التنوين حملاً ٥ للمعتل على الصحيح، وذهب أبو عثمان المازني٦ إلى أن الوقف في الأحوال

стр. 42

الثلاثة، على الألف المبدلة من التنوين لأنهم إنما خصوا الإبدال بحال النصب في الصحيح؛ لأنه يؤدي إلى الألف التي هي أخف الحروف، ولم يبدلوا في حالة الرفع والجر؛ لأنه يفضي إلى الثقل واللبس؛ وذلك غير موجود هنا؛ لأن ما قبل التنوين -ههنا- لا يكون إلا مفتوحًا، فأبدلوا منه ألفًا؛ لأنه لا يجلب ثقلاً، ولا يجلب لبسًا؛ وذهب أبو سعيد السيرافي١ إلى أن الوقف في الأحوال الثلاثة على الألف المبدلة من الحرف الأصلي، وذلك؛ لأن بعض القراء يميلونها في قوله تعالى: ﴿أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى﴾ ٢ ولو كانت مبدلة من التنوين؛ لما جازت -ههنا- إمالتها، ألا ترى أنك لو أملت الألف في نحو: رأيت عمرًا؛ لكان غير جائز؟ فلما جازت الإمالة -ههنا- دل على أنها مبدلة من الحرف الأصلي لا من التنوين. [المقصور غير المنصرف] وغير المنصرف: ما لم يلحقه التنوين، وذلك؛ نحو: حُبلى، وبشرى، وسكرى، وتثبت فيه الألف وصلاً ووقفًا، إذ ليس يلحقها تنوين، تحذف من أجله، فإن لقيها ساكن من كلمة أخرى؛ حذفت لالتقاء الساكنين. [علة إعراب الأسماء الستة بالحروف] فإن قيل: فَلِمَ أعربت الأسماء الستة المعتلة بالحروف وهي أسماء مفردة؟ قيل: إنما أعربت بالحروف توطئة لما يأتي من باب التثنية والجمع. فإن قيل: فَلِمَ كانت هذه الأسماء أولى بالتوطئة٣ من غيرها؟ قيل: لأن هذه الأسماء منها ما تغلب عليه الإضافة؛ ومنها ما تلزمه الإضافة، فما تغلب عليه: أبوك، وأخوك، وحموك، وهنوك؛ وما تلزمه الإضافة: فوك، وذو مال؛ والإضافة فرع على الإفراد، كما أن التثنية والجمع فرع على المفرد، فلما وجدت المشابهة بينهما من هذا الوجه؛ كانت أولى من غيرها؛ ولما وجب أن تعرب بالحروف لهذه المشابهة، أقاموا كل حرف مقام ما يجانسه من الحركات؛ فجعلوا الواو علامة للرفع، والألف علامة للنصب، والياء علامة للجر؛ وذهب الكوفيون إلى أن الواو والضمة قبلها علامة للرفع، والألف والفتحة قبلها علامة للنصب، والياء والكسرة قبلها علامة للجر، فجعلوه معربًا من مكانين، وقد بينا فساده في

стр. 43

مسائل الخلاف بين البصريين والكوفيين. وذهب بعض النحويين إلى أن هذه الأسماء إذا كانت في موضع رفع؛ كان فيها نقل بلا قلب، وإذا كانت في موضع نصب، كان فيها قلب بلا نقل، وإذا كانت في موضع جرّ كان فيها نقل وقلب؛ ألا ترى أنك إذا قلت: هذا أبوك، كان الأصل فيه: هذا أبوك؛ فنقلت الضمة من الواو إلى ما قبلها، فكان فيه نقل بلا قلب، وإذا قلت: رأيت أباك، كان الأصل فيه: رأيت أبوك، فتحركت الواو، وانفتح ما قبلها، فقلبت الواو ألفًا، فكان فيه قلب بلا نقل، وإذا قلت: مررت بأبيك، كان الأصل فيه: مررت بأَبَوِكَ؛ فنقلت الكسرة من الواو إلى ما قبلها، وانقلبت الواو ياء؛ لسكونها وانكسار ما قبلها، فكان فيه نقل وقلب؛ وذهب بعض النحويين إلى أن الياء والواو والألف، نشأت عن إشباع الحركات كقول الشاعر١: [البسيط] الله يعلم أنا في تَلَفُّتنا ... يوم الفِراق إلى إخواننا صُور وأنني حيثما يثن الهوى بصري ... من حيث ما سلكو أدنوا فأنظورُ٢ أراد: فأنظر، فأشبع الضمة؛ فنشأت الواو. وكما قال الآخر في إشباع الفتحة: [الوافر] وأنت من الغوائل حين ترمي ... ومن ذم الرجال بمنتزاح٤ أراد: بمنتزح، فأشبع الفتحة؛ فنشأت الألف؛ وقال الآخر٥ في إشباع الكسرة: [البسيط] تنفي يداها الحصى في كل هاجرة ... نفي الدراهيم تنقاد الصياريف٦

стр. 44

أراد: الصيارف، فأشبع الكسرة؛ فنشأت الياء، والشواهد على١ إشباع الضمة والفتحة والكسرة كثيرة جدًّا؛ وهذا القول ضعيف؛ لأن إشباع الحركات إنما يكون في ضرورة الشعر كهذه الأبيات؛ وأما في حالة الاختيار، فلا يجوز ذلك بالإجماع، فلما جاز -ههنا- في حالة الاختيار أن تقول: هذا أبوه، ورأيت أباه، ومررت بأبيه، دل على أن هذه الحروف ما نشأت عن إشباع الحركات. وقد حكي عن بعض العرب أنهم يقولون: "هذا أبك، ورأيت أبك، ومررت بأبك" من غير واو، ولا ألف، ولا ياء؛ ويحكى عن بعض العرب أنهم يقولون: "هذا أباك، ورأيت أباك، ومررت بأباك" بالألف في حالة الرفع والنصب والجر؛ كقوله٢: [الرجز] إن أباها وأبا أباها ... [قد بلغا في المجد غايتاها] والذي يعتمد عليه هو القول الأول، وقد بينا ذلك مستقصى في كتابنا الموسوم: بـ: "الإسماء في شرح الأسماء".

стр. 45

الباب الخامس: باب التثنية والجمع إن قال قائل: ما التثنية؟ قيل: التثنية صيغة مبنية للدلالة على الاثنين؛ وأصل التثنية العطف؛ تقول: قام الزيدان، وذهب العمران؛ والأصل: قام زيد وزيد، وذهب عمرو وعمرو إلا أنهم حذفوا أحدهما، وزادوا على الآخر زيادة دالة على التثنية للإيجاز والاختصار، والذي يدل على أن الأصل هو العطف، أنهم يفكون التثنية في حال الاضطرار، ويعدلون عنها إلى التكرار؛ كقول الشاعر١: [الرجز] كأن بين فكها والفك ... فارةَ مسك ذبحت في سُكّ٢ وقال الآخر٣: [الرجز] كأن بين خلفها والخلف ... كشة أفعى في يبيس قُفّ٤

стр. 46

وقال الراجز١: [الرجز] ليث وليث في مجال ضنك٢ أراد "ليثان" إلا أنه عدل إلى التكرار في حالة الاضطرار؛ لأنه الأصل. فإن قيل: ما الجمع؟ قيل: صيغة مبنية للدلالة على العدد الزائد على الاثنين، والأصل فيه -أيضًا- العطف كالتثنية، إلا أنهم لَمّا عدلوا عن التكرار في التثنية طلبًا للاختصار، كان ذلك في الجمع أولى. فإن قيل: فَلِمَ كان إعراب التثنية والجمع بالحروف دون الحركات؟ قيل: لأن التثنية والجمع فرع على المفرد، (والإعراب بالحروف فرع على الحركات، فكما أعرب المفرد) ٣ الذي هو الأصل بالحركات التي هي الأصل، فكذلك، أعرب التثنية والجمع اللذان هما فرع بالحروف التي هي فرع، فأعطي الفرع الفرع، كما أعطي الأصل الأصل؛ وكانت الألف والواو والياء أولى من غيرها؛ لأنها أشبه الحروف بالحركات. فإن قيل: فَلِمَ خصوا التثنية في حال الرفع بالألف، والجمع السالم بالواو، وأشركوا بينهما في الجر والنصب؟ قيل: إنما خصوا التثنية بالألف، والجمع بالواو؛ لأن التثنية أكثر من الجمع؛ لأنها تدخل على من يعقل، وعلى ما لا يعقل، وعلى الحيوان، وعلى غير الحيوان من الجمادات والنبات، بخلاف الجمع السالم، فإنه في الأصل لأولي العلم خاصة، فلما كانت التثنية أكثر، والجمع أقل؛ جعلوا الأخف، وهو الألف للأكثر، والأثقل وهو الواو للأقل؛ ليعادلوا بين التثنية والجمع؛ وإنما أشركوا بينهما في النصب والجر؛ لأن التثنية والجمع لهما ستة أحوال وليس إلا ثلاثة أحرف، فوقعت الشركة ضرورة.

стр. 47

الإعراب، وذهب أبو الحسن الأخفش١، وأبو العباس المبرد٢، ومن تابعهما، إلى أنها تدل على الإعراب، وليست بإعراب، ولا حروف إعراب، وذهب أبو عمر الجرمي٣ إلى أن انقلابها هو الإعراب، وذهب قُطْرُب٤، والفرّاء٥، والزيادي إلى أنها هي الإعراب، والصحيح هو الأول؛ وأما من ذهب إلى أنها تدل على الإعراب، وليست بحروف إعراب ففاسد؛ لأنه لا يخلو إما أن تدل على الإعراب في الكلمة، أو في غيرها؛ فإن كانت تدل على الإعراب في الكلمة، فلا بد من تقديره فيها، فيرجع هذا القول إلى القول الأول، وهو مذهب سيبويه، وإن كانت تدلّ على إعراب في غير الكلمة، فليس بصحيح؛ لأنه يؤدي إلى أن يكون التثنية والجمع مبنيين، وليس بمذهب لقائل هذا القول، وإلى أن يكون إعراب الكلمة ترك إعرابها، وذلك محال، وأما من ذهب إلى أن انقلابها هو الإعراب، فقد ضعفه بعض النحويين؛ لأنه يؤدي إلى أن يكون التثنية والجمع مبنيين في حالة الرفع؛ لأنه لم ينقلب عن غيره، إذ أوّل أحوال الاسم الرفع، وليس من مذهب هذا القائل بناء التثنية والجمع في حال من الأحوال؛ وأما من ذهب إلى أنها أنفسها هي الإعراب فظاهر الفساد وذلك؛ لأن الإعراب لا يخل سقوطه ببناء الكلمة، ولو أسقطنا هذه الأحرف؛ لبطل٦ معنى التثنية والجمع، واختل معنى الكلمة، فدل ذلك على أنها ليست بإعراب، وإنما هي حروف إعراب على ما بينا.

стр. 48

[سبب فتح ما قبل ياء التثنية] فإن قيل: فَلِمَ فتحوا ما قبل ياء التثنية دون ياء الجمع؟ قيل لثلاثة أوجه: الوجه الأول: أن التثنية أكثر من الجمع على ما بَيّنّا، فلمَّا كانت التثنية أكثر من الجمع، والجمع أقل، أعطوا الأكثر الحركة الخفيفة، وهي الفتح، والأقل الحركة الثقيلة، وهي الكسرة. والوجه الثاني: أن حرف التثنية لما زيد على الواحد للدلالة على التثنية، أشبه تاء التأنيث التي تزاد على الواحد للدلالة على التأنيث، وتاء التأنيث يفتح ما قبلها، فكذلك ما أشبهها، وكانت التثنية أولى بالفتح، لهذا المعنى من الجمع؛ لأنها قبل الجمع. والوجه الثالث: أن بعض علامات التثنية الألف، والألف لا يكون ما قبلها إلا مفتوحًا، ففتحوا ما قبل الياء لئلا يختلف، إذ لا علة -ههنا- توجب المخالفة. فإن قيل: فلم أدخلت النون في التثنية والجمع؟ قيل: اختلف النحويون في ذلك؛ فذهب سيبويه إلى أنها بدل من الحركة والتنوين؛ وذهب بعض النحويين إلى أنها تكون على ثلاثة أضرب، فتارة تكون بدلاً من الحركة والتنوين، وتارة بدلاً من الحركة دون التنوين، وتارة تكون بدلاً من التنوين دون الحركة، فأما كونها بدلاً من الحركة والتنوين ففي نحو: رجلان، وفرسان، وأما كونها بدلاً من الحركة دون التنوين ففي نحو: الرجلان، والفرسان، وأما كونها بدلاً من التنوين فقط ففي نحو: رحيان، وعصوان. وذهب بعض الكوفيين إلى أنها زيدت للفرق بين التثنية، والواحد المنصوب في نحو قولك: رأيت زيدًا. [انكسار نون التثنية وانفتاح نون الجمع] فإن قيل: فَلِمَ كسروا نون التثنية، وفتحوا نون الجمع؟ قيل: للفرق بينهما. فإن قيل: فما الحاجة إلى الفرق بينهما مع تباين صيغتيهما؟ قيل: لأنهم لو لم يكسروا نون التثنية، ويفتحوا نون الجمع؛ لالتبس جمع المقصور في حالة الجر والنصب، بتثنية الصحيح، ألا ترى أنك تقول في جمع مصطفى: رأيت مصطفَيْنَ، ومررت بمصطفَيْنَ؛ قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ

стр. 49

الأَخْيَار﴾ ١ فلفظ مطصفَيْنَ؛ كلفظ: زيدَينِ، فلو لم يكسروا نون التثنية، ويفتحوا نون الجمع؛ لالتبس هذا الجمع بهذه التثنية. فإن قيل: فهلَّا عكسوا، ففتحوا نون التثنية، وكسروا نون الجمع، وكان الفرق حاصلاً؟ قيل: لثلاثة أوجه: الوجه الأول: أن نون التثنية تقع بعد ألف، أو ياء مفتوح ما قبلها، فلم يتسثقلوا الكسرة فيها، وأما نون الجمع، فإنها تقع بعد واو مضموم ما قبلها، أو ياء مكسور ما قبلها، فاختاروا لها الفتحة؛ ليعادلوا خفة الفتحة ثقل الواو والضمة، والياء والكسرة، ولو عكسوا ذلك؛ لأدى ذلك إلى الاستثقال، إما لتوالي الأجناس، وإما للخروج من الضم إلى الكسر. والوجه الثاني: أن التثنية قبل الجمع، والأصل في التقاء الساكنين الكسر، فحركت نون التثنية بما وجب لها في الأصل، وفتحت نون الجمع؛ لأن الفتح أخف من الضم. والوجه الثالث: أن الجمع أثقل من التثنية، والكسر أثقل من الفتح، فأعطوا الأخف الأثقل، والأثقل الأخف؛ ليعادلوا بينهما. [الأصل في الجمع السالم لمن يعقل] فإن قيل: فَلِمَ قلتم: إن الأصل في الجمع السالم أن يكون لمن يعقل؟ قيل: تفضيلاً لهم؛ لأنهم المقدمون على سائر المخلوقات بتكريم الله تعالى لهم، وتفضيله إياهم؛ قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً﴾ ٢. [ألفاظ العقود الملحقة بجمع المذكر السالم] فإن قيل: فَلِمَ جاء هذا الجمع في الأعداد من العشرين إلى التسعين؟ قيل: إنما جاء هذا الجمع في الأعداد من العشرين إلى التسعين؛ لأن الأعداد لَمّا كان يقع على من يعقل نحو: "عشرين رجلاً" على ما لا يعقل نحو: "عشرين ثوبًا" وكذلك إلى التسعين، غلب جانب من يعقل على ما لا يعقل، كما يغلب جانب المذكر على المؤنث في نحو: أخواك هند وزيد، وما أشبه ذلك.

стр. 50

فإن قيل: فمن أين جاء هذا الجمع في قوله تعالى: ﴿فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِين﴾ ١؟ قيل: لأنه لَمّا وصفها بالقول؛ والقول من صفات من يعقل، أجراهما مجرى من يعقل؛ وعلى هذا قوله تعالى: ﴿إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِين﴾ ٢ لأنه لَمّا وصفها بالسجود، وهو من صفات من يعقل، أجراها مجرى من يعقل؛ فلهذا، جمعت جمع من يعقل. [قولهم في جمع أرض وسنة] فإن قيل: فَلِمَ جاء هذا الجمع في قولهم في جمع أرض: "أرضون" وفي جمع سنة "سنون"؟ قيل: لأن الأصل في أرض: "أرضة" بدليل قولهم في التصغير: أُرَيْضَةَ، وكان القياس يقتضي أن تجمع بالألف والتاء، إلا أنهم لما حذفوا التاء من أرض؛ جمعوه بالواو والنون تعويضًا عن حذف التاء، وتخصيصًا له بشيء، لا يكون في سائر أخواته؛ وكذلك الأصل في سنة: "سنوة" بدليل قولهم في الجمع: "سنوات" و"سنهة" على قول بعضهم، إلا أنهم لما حذفوا اللام، جمعوه بالواو والنون تعويضًا من حذف اللام، وتخصيصًا له بشيء لا يكون في /الأمر/٣ التام، وهذا التعويض تعويض جوازٍ، لا تعويض وجوب، لأنهم لا يقولون في جمع: شمس شمسون، ولا /في/٤ جمع غد غدون فلهذا، لما كان هذا الجمع في أرض، وسنة، على خلاف الأصل، أدخل فيه ضرب من التكثير، ففتحت٥ الراء من "أرضَون" وكسرت السين من "سنون" إشعارًا بأنه جمع جمع السلامة على خلاف الأصل؛ فاعرفه /تصب/٦ إن شاء الله تعالى.

стр. 51

الباب السادس: باب جمع التأنيث [زيادة الألف والتاء في جمع التأنيث] إن قال قائل: لِمَ زادوا في آخر هذا الجمع ألفًا وتاء؛ نحو: مسلمات وصالحات؟ قيل: لأن أولى ما يزاد حروف المد واللين، وهي الألف والياء والواو، وكانت الألف أولى من الياء والواو، لأنها أخف منهما، ولم تجز زيادة أحدهما معها؛ لأنه كان يؤدي إلى أن ينقلب عن أصله؛ لأنه كان يقطع طرفًا وقبله ألف زائدة فينقلب همزة، فزادوا التاء بدلاً عن الواو؛ لأنها تبدل منها كثيرًا؛ نحو: تراث، وتجاه، وتهمة، وتخمة، وتكلة، وما أشبه ذلك، والأصل في مسلمات وصالحات: مسلمتات، وصالحتات، إلا أنهم حذفوا التاء لئلا يجمعوا بين علامتي تأنيث في كلمة واحدة، وإذا كانوا قد حذفوا التاء مع المذكر في نحو قولهم: رجل بصريّ وكوفيّ، في النسب إلى البصرة والكوفة، والأصل: بصرتي وكوفتي؛ لئلا يقولوا في المؤنث: امرأة بصرتيّة، وكوفتيّة، فجمعوا بين علامتي تأنيث، فلأَن يحذفوا -ههنا- مع تحقق الجمع، كان ذلك من طريق الأولى. فإن قيل: فَلِمَ كان حذف التاء الأُولَى أَوْلَى؟ قيل: لأنها تدل على التأنيث فقط، والثانية تدل على الجمع والتأنيث، فلما كان في الثانية زيادة معنى، كان تبقيتها، وحذف الأُولى أَولى. فإن قيل: فَلِمَ لم يحذفوا الألف في جمع: حبلى، كما حذفوا التاء، فيقولوا: حبلات، كما قالوا مسلمات؟ قيل: لأن الألف تنزل منزلة حرف من نفس الكلمة؛ لأنها صيغت الكلمة عليها في أول أحوالها، وأما التاء فليست كذلك؛ لأنها ما صيغت الكلمة عليها في أول أحوالها، وإنما هي بمنزلة اسم ضُمَّ إلى اسم؛ كحضرموت، وبعلبك، وما أشبه ذلك. فإن قيل: فَلِمَ وجب قلب الألف؟ قيل: لأنها لو لم تقلب؛ لكان ذلك يؤدي إلى حذفها؛ لأنها

стр. 52

ساكنة، وألف الجمع بعدها ساكن١، وساكنان لا يجتمعان؛ فيجب حذفها لالتقاء الساكنين. فإن قيل: فَلِمَ قلبت الألف ياء؛ فقيل: حبليات، ولم تقلب واوًا؟ قيل لوجهين: أحدهما: أن الياء تكون علامة للتأنيث، والواو ليست كذلك، فلما وجب قلب الألف إلى أحدهما، كان قلبها إلى الياء أولى من قلبها إلى الواو. والوجه الثاني: أن الياء أخف من الواو، والواو أثقل، فلما وجب قلبها إلى أحدهما؛ كان قلبها إلى الأخف أولى من قلبها إلى الأثقل. فإن قيل: فَلِمَ قلبوا الهمزة واوًا في جمع صحراء، فقالوا: صحراوات؟ قيل: لوجهين: أحدهما: أنهم لما أبدلوا من الواو همزة في نحو: أُقِّتَتْ، وأجوه، أبدلت الهمزة -ههنا- واوًا من النّقاض والتعويض. والوجه الثاني: أنهم /إنما/٢ أبدلوها واوًا، ولم يبدلوها ياء؛ لأن الواو أبعد من الألف، والياء أقرب إليه منها، فلو أبدلوها ياء؛ لأدى ذلك إلى أن تقع ياء بين ألفين، فكان أقرب إلى اجتماع الأمثال، وهم إنما قلبوا الهمزة فرارًا من اجتماع الأمثال؛ لأنها تشبه الألف، وقد وقعت بين ألفين، وإذا كانت الهمزة إنما وجب قلبها فرارًا من اجتماع الأمثال، وجب قلبها واوًا؛ لأنها أبعد من الياء في اجتماع الأمثال. فإن قيل: فَلِمَ حمل النصب على الجر في هذا الجمع، قيل: لأنه لما وجب حمل النصب على الجر في جمع المذكر الذي هو الأصل؛ وجب -أيضًا- حمل النصب على الجر في جمع المؤنث الذي هو الفرع، حملاً للفرع على الأصل، وإذا كانوا قد حملوا: أعد، ونعد، وتعد، على بعد في الاعتدال، وإن لم يكن فرعًا عليه، فلأَن يحمل جمع المؤنث على جمع المذكر وهو فرع عليه؛ كان ذلك من طريق الأولى، فاعرفه تصب، إن شاء الله تعالى.

стр. 53

الباب السابع: باب جمع التكسير [جمع التكسير وسبب تسميته] إن قال قائل: لِمَ سُمِّيَ جمع التكسير تكسيرًا١؟ قيل: إنما سمي بذلك على التشبه٢ بتكسير الآنية؛ لأن تكسيرها إنما هو إزالة التئام أجزائها؛ فلما أزيل نظم الواحد فك نضده٣ في هذا الجمع؛ فَسُمِّي جمع التكسير. وهو على أربعة أضرب: [أضرب جمع التكسير] أحدها: أن يكون لفظ الجمع أكثر من لفظ الواحد. والثاني: أن يكون لفظ الواحد أكثر من لفظ الجمع. والثالث: أن يكون مثله في الحروف دون الحركات. والرابع: أن يكون مثله في الحروف والحركات؛ فأمّا ما لفظ الجمع أكثر من لفظ الواحد؛ فنحو: رجل ورجال، ودرهم ودراهم، وأما ما لفظ الواحد أكثر من لفظ الجمع؛ فنحو: كتاب وكتب، وإزار وأزر، وأما ما لفظ الجمع كلفظ الواحد في الحروف (دون الحركات) ٤؛ فنحو: أَسَد وأُسُد، ووَثَن ووثُن، وأما ما لفظ الجمع مثل /لفظ/٥ الواحد في الحروف والحركات؛ فنحو: الفلك، فإنه يكون واحدًا، ويكون جمعًا، فأما كونه واحدًا؛ فنحو قوله

стр. 54

تعالى: ﴿فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُون﴾ ١ فأراد به الواحد؛ ولو أراد به الجمع؛ لقال: المشحونة، وأما كونه جمعًا؛ فنحو قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم﴾ ٢. وقال تعالى: ﴿وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاس﴾ ٣ فأراد به الجمع؛ لقوله: وجرين، والتي تجري؛ غير أن الضمة فيه إذا كان واحدًا، غير الضمة فيه إذا كان جمعًا، وإن كان اللفظ واحدًا؛ لأن الضمة فيه إذا كان واحدًا كالضمة في: قُفل، وقُلب٤، وإذا كان جمعًا؛ كانت الضمة فيه كالضمة في: كُتُب، وأُزُر؛ وكذلك قولهم: هِجان ودِلاص، يكون واحدًا ويكون جمعًا؛ تقول: ناقة هِجان، ونوق هِجان، ودِرع دِلاص، ودروع دِلاص، فإذا كان واحدًا؛ كانت الكسرة فيه كالكسرة في: كِتاب، وإذا كان جمعًا؛ كانت الكسرة فيه؛ كالكسرة في: كِلام؛ والْهِجان: الكريم من الإبل، والدِّلاص: الدروع البراقة، ويقال: دِلاص، ودُلَامِص، ودمالص ودملص،، ودُلمص، بمعنى واحد؛ فاعرفه تُصب، إن شاء الله تعالى.

стр. 55

الباب الثامن: باب المبتدأ [تعريف المبتدأ] إن قال قائل: ما المبتدأ؟ قيل: كل اسم عرّيته من العوامل اللفظية لفظًا وتقديرًا؛ فقولنا: اللفظية احتزازًا١؛ لأن العوامل تنقسم إلى قسمين؛ إلى عامل لفظيّ، وإلى عامل معنويّ، فأما اللفظي؛ فنحو: كان وأخواتها، وإن وأخواتها، وظننت وأخواتها؛ وقولنا: تقديرًا، احترازًا من تقدير الفعل في نحو قوله تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّت﴾ ٢ وما أشبه ذلك؛ وأما المعنويّ، فلم يأتِ إلا في موضعين عند سيبويه٣، وأكثر البصريين؛ هذا أحدهما، وهو الابتداء؛ والثاني وقوع الفعل المضارع موقع الاسم /في/٤ نحو: مررت برجل يكتب، فارتفع "يكتب" لوقوعه موقع "كاتب". وأضاف أبو الحسن الأخفش٥ إليهما موضعًا ثالثًا، وهو عامل الصفة، فذهب إلى أن الاسم يرتفع؛ لكونه صفة لمرفوع، وينتصب لكونه صفة لمنصوب، وينجرُّ لكونه صفة لمجرور، وكونه صفة في هذه الأحوال معنى يعرف بالقلب، ليس للفظ فيه حظ. وسيبويه وأكثر البصريين يذهبون إلى أن العامل في الصفة هو العامل في الموصوف؛ ولهذا، موضع نذكره فيه، إن شاء الله تعالى. [علة ارتفاع المبتدأ عند البصريين] فإن قيل: فبماذا يرتفع الاسم المبتدأ؟ قيل: اختلف النحويون في ذلك؛ فذهب سيبويه ومن تابعه من البصريين إلى أنه يرتفع بتعريه من العوامل اللفظية. وذهب بعض البصريين إلى أنه يرتفع بما في النفس من معنى الإخبار عنه، وقد ضَعَّفَه بعض النحويين، وقال: لو كان الأمر كما زعم؛ لوجب ألا ينتصب إذا

стр. 56

دخل عليه عامل النصب؛ لأن دخوله عليه، لم يغيِّر معنى الإخبار عنه، ولوجب ألا يدخل عليه مع بقائه، فلما جاز ذلك؛ دل على فساد ما ذهب إليه. [علة ارتفاع المبتدأ عند الكوفيين] وأما الكوفيون، فذهبوا إلى أنه يرتفع بالخبر١، وزعموا أنهما يترافعان، وأن كل واحد منهما يرفع الآخر، وقد بينا فساده في مسائل الخلاف بين البصريين والكوفيين. [علة جعل التَّعَرِّي عاملاً] فإن قيل: فَلِمَ جعلتم التعري عاملاً، وهو عبارة عن عدم العوامل؟. قيل: لأن العوامل اللفظية، ليست مؤثرة في المعمول حقيقة، وإنما هي أمارات وعلامات فإذا ثبت أن العوامل في محل الإجماع إنما هي أمارات وعلامات؛ فالعلامة تكون بعدم الشيء، كما تكون بوجود شيء، ألا ترى أنه لو كان معك ثوبان، وأردت أن تميز أحدهما عن٢ الآخر؛ لكنت تصبغ أحدهما مثلاً، وتترك صبغ الآخر، فيكون عدم الصَّبغ في أحدهما كصبغ الآخر؛ فتَبَيَّنَ٣ بهذا أن العلامة تكون بعدم شيء، كما تكون بوجود شيء، وإذا ثبت هذا؛ جاز أن يكون التعري من العوامل اللفظية عاملاً. [اختصاص المبتدأ بالرفع] فإن قيل: فَلِمَ خص المبتدأ بالرفع دون غيره؟ قيل: لثلاثة أوجه: أحدهما: أن المبتدأ وقع في أقوى أحواله، وهو الابتداء، فأعطِيَ أقوى الحركات، وهو الرفع. والوجه الثاني: أن المبتدأ أول، والرفع أول، فأعطي الأوّلُ الأوّلَ. والوجه الثالث: أن المبتدأ مُخْبَر عنه، كما أن الفاعل مخبر عنه، والفاعل مرفوع، فكذلك ما أشبهه. فإن قيل: لماذا لا يكون المبتدأ في الأمر العام إلا معرفة؟ قيل: لأن المبتدأ مخبر عنه، والإخبار عمّا٤ لا يعرف لا فائدة منه٥.

стр. 57

[تقديم خبر المبتدأ عليه] فإن قيل: فهل يجوز تقديم خبر المبتدأ عليه؛ نحو: قائم زيد؟ قيل: اختلف النحويون فيه١؛ فذهب البصريون إلى أنه جائز، وذهب الكوفيون إلى أنه غير جائز، وأنه إذا تقدم عليه الخبر، يرتفع به ارتفاع الفاعل بفعله٢، وقالوا: لو جوزنا تقديم خبر المبتدأ عليه؛ لأدّى ذلك إلى تقديم ضمير الاسم على ظاهره، وذلك لا يجوز، وهذا الذي ذهبوا إليه فاسد، وذلك لأن اسم الفاعل أضعف من الفعل في العمل؛ لأنه فرع عليه، فلا يعمل حتى يعتمد، ولم يوجد -ههنا- فوجب ألا يعمل. وقولهم: إن هذا يؤدي إلى تقديم ضمير الاسم على ظاهره فاسد -أيضًا- لأنه وإن كان مقدمًا لفظًا، إلا أنه مؤخر تقديرًا، وإذا كان مقدمًا في اللفظ، مؤخرًا في التقدير٣، كان تقديمه جائزًا؛ قال الله تعالى: ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى﴾ ٤ فالهاء في "نفسه" ضمير موسى، وإن كان في اللفظ مقدمًا على موسى، إلا أنه لَمّا كان موسى مقدمًا في التقدير؛ والضمير في تقدير ٥ التأخير؛ كان ذلك جائزًا، فكذلك ههنا، والذي يدل على /جواز/٦ ذلك وقوع الإجماع على جواز؛ ضَرَبَ غلامه زيد؛ وهذا بيّن؛ وكذلك اختلفوا في الظرف إذا كان مقدّمًا على المبتدأ؛ نحو: عندك زيد فذهب البصريون إلى أنه في موضع الخبر، كما لو كان متأخرًا، وذهب الكوفيون إلى أن المبتدأ يرتفع بالظرف٧، ويخرج عن كونه مبتدأ، ووافقهم على ذلك أبو الحسن الأخفش في أحد قوليه؛ وفي هذه المسألة كلام طويل بيناه في: مسائل الخلاف بين البصريين والكوفيين، لا يليق ذكره٨ بهذا المختصر.

стр. 58

الباب التاسع: باب خبر المبتدأ [الخبر مفرد وجملة] إن قال قائل: على كم ضربًا ينقسم خبر المبتدأ؟ قيل: على ضربين؛ مفرد، وجملة. فإن قيل: على كم ضربًا ينقسم المفرد؟ قيل على ضربين؛ أحدهما: أن يكون اسْمًا غير صفة، والآخر أن يكون صفة؛ أما الاسم غير الصفة؛ فنحو: زيد أخوك، وعمرو غلامك؛ فزيد مبتدأ، وأخوك خبره، وكذلك عمرو مبتدأ، وغلامك خبره، وليس في شيء من هذا النحو ضمير يرجع إلى المبتدأ عند البصريين، وذهب الكوفيون إلى أن فيه ضميرًا يرجع إلى المبتدأ؛ وبه قال علي بن عيسى الرماني١ من البصريين؛ والأول هو الصحيح؛ لأن هذه أسماء محضة، والأسماء المحضة لا تتضمن الضمائر، وأما ما كان صفة؛ فنحو: زيد ضارب، وعمرو حسن، وما أشبه ذلك، ولا خلاف بين النحويين في أن هذا النحو يحتمل٢ ضميرًا يرجع إلى المبتدأ؛ لأنه يتنزل٣ منزلة الفعل، ويتضمن معناه. [انقسام الجملة إلى اسميّة وفعلية] فإن قيل: على كم ضربًا تنقسم الجملة؟ قيل: على ضربين؛ /جملة/٤ اسميّة، وجملة فعلية؛ فأما الجملة الاسمية، فما كان الجزء٥ الأوّل منها اسْمًا؛ وذلك نحو: "زيد أبوه منطق" فزيد: مبتدأ أول: وأبوه: مبتدأ ثانٍ،

стр. 59

ومنطلق: خبر عن المبتدأ الثاني، والمبتدأ الثاني، وخبره: خبر عن المبتدأ الأول. وأما الجملة الفعلية فما كان الجزء١ الأول منها فعلاً؛ نحو: زيد ذهب أبوه، وعمرو أن تكرمه يكرمك، وما أشبه ذلك؛ أما الظرف وحرف الجر، فاختلف النحويون فيهما، فذهب سيبويه وجماعة من النحويين إلى أنهما يُعدَّان من الجمل؛ لأنهما يُقَدَّر معهما الفعل، فإذا قال: زيد عندك، وعمرو في الدار كان التقدير: زيد استقر عندك، وعمرو استقر في الدار؛ وذهب بعض النحويين إلى أنهما يعدان من المفردات؛ لأنه يقدر معهما: مستقر؛ وهو اسم الفاعل، واسم الفاعل لا يكون مع الضمير جملة، والصحيح: ما ذهب إليه سيبويه، ومن تابعه؛ والدليل على ذلك: أنا وجدنا الظرف، وحرف الجر يقعان في صلة الأسماء الموصلة؛ نحو: الذي، والتي، ومن، وما، وما أشبه ذلك؛ تقول الذي عندك زيد، والذي في الدار عمرو، وكذلك سائرها، ومعلوم أن الصلة لا تكون إلا جملة، فإذا وجدناهم يصلون بهما الأسماء الموصولة، دلنا ذلك على أنهما يُعدَّان من الجمل، لا من المفردات، وأن التقدير: "استقر" دون "مستقر"؛ لأن استقرَّ يصلح أن يكون صلة لأنه جملة، و"مستقرّ" لا يصلح أن يكون صلة؛ لأنه مفرد، ولا بد في هذا النحو -أعني الجملة- من ضمير يعود إلى المبتدأ؛ تقول: زيد أبوه منطلق، فيكون العائد إلى المبتدأ "الهاء" في أبوه؛ فأما قولهم: "السمن منوان٢ بدرهم" ففيه ضمير محذوف يرجع إلى المبتدأ؛ والتقدير فيه: منوان منه بدرهم وإنما حذف منه تخفيفًا للعلم به، ولو قلت: "زيد انطلق عمرو" لم يجز /قولاً واحدًا/٣ فلو أضفت إلى ذلك: إليه، أو معه؛ صحت المسألة؛ لأنه قد رجع من: إليه، أو معه، ضمير إلى المبتدأ، وعلى هذا قياس كل جملة وقعت خبر المبتدأ٤، وإنما وجب ذلك ليرتبط٥ الكلام الثاني بالأول، ولو لم يرجع منه ضمير /إلى/٦ الأول؛ لم يكن أولى به من غيره، فتبطل فائدة الخبر. فإن قيل: فلم إذا كان المبتدأ جُثَّة، جاز أن يقع في خبره ظرف المكان دون ظرف الزمان؟ قيل: إنما جاز أن يقع في خبره ظرف المكان دون ظرف.

стр. 60

الزمان؛ لأن في وقوع ظرف المكان خبرًا عنه فائدة، وليس في وقوع ظرف الزمان خبرًا عنه فائدة، ألا ترى أنك تقول في ظرف المكان: زيد أمامك فيكون مفيدًا؛ لأنه يجوز ألا يكون أمامك، ولو قلت في ظرف الزمان: زيد يوم الجمعة لم يكن مفيدًا؛ لأنه لا يجوز أن يخلو عن يوم الجمعة، وحكم الخبر أن يكون مفيدًا. فإن قيل: فكيف جاز الإخبار عنه بظرف الزمان في قولهم "الليلةَ الهلالُ" قيل: إنما جاز؛ لأن التقدير فيه "الليلةَ حدوث الهلال"، أو طلوعه، فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه، والحدوث والطلوع حدث، ويجوز أن يكون خبر المبتدأ ظرف زمان، إذا كان المبتدأ حدثًا؛ كقولك: "الصلح يوم الجمعة، والقتال يومَ السبت وما أشبه ذلك؛ لأن في وقوعه خبرًا عنه فائدة. [العامل في خبر المبتدأ] فإن قيل: فما العامل في خبر المبتدأ؟ قيل: اختلف النحويون في ذلك؛ فذهب الكوفيون إلى أن عامله المبتدأ على ما ذكرناه، وذهب البصريون١ إلى أن الابتداء وحده هو العامل في الخبر؛ لأنه لَمّا وجب أن يكون عاملاً في المبتدأ، وجب أن يكون عاملاً في الخبر، قياسًا على العوامل اللفظية التي تدخل على المبتدأ؛ (وهو على رأي بعضهم) ٢. وذهب قوم /منهم أيضًا/٣ إلى أن الابتداء عمل في المبتدأ؛ والمبتدأ عمل في الخبر، وذهب سيبويه وجماعة معه إلى أن العامل في الخبر، وهو الابتداء والمبتدأ جميعًا؛ لأن الابتداء لا ينفك عن المبتدأ، ولا يصح للخبر معنى إلا بهما، فدل على أنهما العاملان فيه، والذي اختاره أن العامل في الحقيقة، هو الابتداء وحده دون المبتدأ، وذلك؛ لأن الأصل في الأسماء ألا تعمل، وإذا ثبت أن الابتداء له تأثير في العمل، فإضافة ما لا تأثير له إلى ما له تأثير، لا تأثير له، والتحقيق فيه أن تقول: إن الابتداء أعمل٤ في الخبر بواسطة المبتدأ؛ لأنّ المبتدأ مشارك له في العمل، وفي كل واحد من هذه المذاهب كلام لا يليق ذكره بهذا المختصر، (فاعرفه تصب، إن شاء الله تعالى) ٥.

стр. 61

الباب العاشر: باب الفعل ... الباب العاشر: باب الفاعل [تعريف الفاعل] إن قال قائل: ما الفاعل؟ قيل: /كل/١ اسم ذكرته بعد فعل، وأسندت ذلك الفعل إليه؛ نحو: "قام زيد، وذهب عمرو". [الفاعل مرفوع وأوجه ذلك] فإن قيل: فَلِمَ كان إعرابه الرفع؟ قيل: فرقًا بينه وبين المفعول. فإن قيل: فهلا عكسوا، وكان الفرق واقعًا؟ قيل: لخمسة أوجه. الوجه الأول٢: وهو أن الفعل لا يكون له إلا فاعل واحد، ويكون له مفعولات كثيرة؛ فمنه ما يتعدى إلى مفعول واحد، ومنه ما يتعدى إلى مفعولين، ومنه ما يتعدى إلى ثلاثة مفعولين، مع أنه يتعدى إلى خمسة أشياء؛ وهي: المصدر، وظرف الزمان، وظرف المكان، والمفعول /له/٣، والحال، وليس له إلا فاعل واحد، وكذلك كل فعل لازم يتعدى إلى هذه الخمسة، وليس له -أيضًا- إلا فاعل واحد، فإذا ثبت هذا، وأن الفاعل أقل من المفعول، فالرّفع٣ أثقل، والفتح أخف، فأعطوا الأقل الأثقل، والأكثر الأخف؛ ليكون ثقل الرفع موازيًا لقلة الفاعل، وخفة الفتح موزاية لكثرة المفعول. والوجه الثاني: أن الفاعل يشبه المبتدأ، والمبتدأ مرفوع، فكذلك ما أشبهه، ووجه الشبه بينهما: أن الفاعل يكون هو والفعل جملة، كما يكون المبتدأ مع الخبر جملة، فلما ثبت للمبتدأ الرفع؛ حمل الفاعل عليه.

стр. 62

والوجه الثالث: أن الفعل أقوى من المفعول؛ فأُعطي الفاعل الذي هو الأقوى، الأقوى وهو الرّفع، وأُعطي المفعول الذي هو الأضعفُ، الأضعفَ وهو النصب. والوجه الرابع: أن الفاعل أول، والرفع أول، والمفعول آخر، والنصب /آخر/١؛ فأعطي الأوّلُ الأوّلَ، والآخرُ الآخرَ. والوجه الخامس: أن هذا السؤال، لا يلزم؛ لأنه لم يكن الغرض إلا مجرد الفرق، وقد حصل، وبان أن هذا السؤال لا يلزم: لأنَّا لو عكسنا على ما أورده السائل، فنصبنا على الفاعل، ورفعنا المفعول؛ لقال الآخر: فهلا عكستم؟ فيؤدي ذلك إلى أن ينقلب السؤال، والسؤال متى انقلب، كان مردودًا؟ وهذا الوجه ينبغي أن يكون مُقدَّمًا من جهة النظر إلى ترتيب الإيراد، وإنما أخرناه؛ لأنه بعيد من التحقيق. [بم يرتفع الفاعل] فإن قيل: بماذا يرتفع الفاعل؟ قيل: يرتفع بإسناد الفعل إليه؛ لا لأنه أحدث فعلاً على الحقيقة، والذي يدل على ذلك أنه يرتفع في النفي، كما يرتفع في الإيجاب؛ تقول: ما قام زيد، ولم يذهب عمرو؛ فترفعه وإن كنت قد نفيت عنه القيام والذهاب، كما لو أوجبته له؛ نحو: قام زيد، وذهب عمرو، وما أشبه ذلك٢. [الفاعل لا يتقدّم على الفعل] فإن قيل: فَلِمَ لا يجوز تقديم الفاعل على الفعل؟ قيل: لأن الفاعل تَنَزَّلَ منزلة الجزء من الكلمة؛ وهو الفعل٣ والدليل على ذلك من سبعة أوجه: أحدهما: أنهم يسكنون لام الفعل، إذا اتصل به ضمير الفاعل؛ قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَة﴾ ٤ لئلا يتوالى أربعة متحركات٥ لوازم في كلمة واحدة٦ إلا أن يحذف من الكلمة /شيء/٧ للتخفيف؛ نحو:

стр. 63

عُجلط١، وعُكَلِط، وعُلَبِط، فلو لم ينزلوا ضمير الفاعل منزلة حرف من سِنخ٢ الفعل/وإلا/٣ لما سكَّنوا لامه، ألا ترى أن ضمير المفعول لا تُسَكَّن٤ له لام الفعل إذا اتصل به؛ لأنه في نية الانفصال؛ قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُوراً﴾ ٥ فلم يسكن٦ لام الفعل إذ٧ كان في نية الانفصال؛ بخلاف قوله تعالى: ﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى﴾ ؛ لأنه /ليس/٨ في نية الانفصال. والوجه الثاني: أنهم جعلوا النون في الخمسة الأمثلة علامة للرفع، وحذفها علامة للجزم والنصب، فلولا أنهم جعلوا هذه الضمائر التي هي: الألف، والواو، والياء في: يفعلان، وتفعلان ويفعلون، وتفعلين يا امرأة، بمنزلة حرف من سِنخ الكلمة، وإلا لما جعلوا الإعراب بعده. والوجه الثالث: أنهم قالوا: "قامت هند" فألحقوا التاء بالفعل، والفعل لا يؤنث، وإنما التأنيث للاسم، فلو لم يجعلوا الفاعل بمنزلة جزء من الفعل، وإلا لما جاز إلحاق /علامة/٩ التأنيث به. والوجه الرابع: أنهم قالوا في النسب إلى كنت "كنتيّ"؛ قال الشاعر: [الطويل] فأصبحت كنتيًّا وأصبحت عاجنًا ... وشر خصال المر كنت وعاجن١٠

стр. 64

فأثبتوا التاء، ولو لم يتنزل١ منزلة حرف من سنخ الكلمة، وإلا لما جاز إثباتها. والوجه الخامس: أنهم قالوا: حبذا، وهي مركبة٢ من فعل وفاعل، فجعلوهما بمنزلة اسم واحد، وحكم على موضعه بالرفع على الابتداء. والوجه السادس: أنهم قالوا: "زيد ظننت قائم" فألغوها، والإلغاء: إنما يكون للمفردات، لا للجمل، فلو لم ينزل الفعل مع الفاعل بمنزلة كلمة واحدة، وإلا لما جاز الإلغاء. والوجه السابع: أنهم قالوا للواحد: "قفا" على التثنية؛ لأن المعنى: قف قف، قال الله تعالى: ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ﴾ ٣ فثنى وإن كان الخطاب لملك واحد؛ لأن المراد /به/٤: ألقِ ألقِ، والتثنية ليست للأفعال، وإنما هي للأسماء، فلو لم يتنزل الاسم منزلة بعض الفعل، وإلا لما جازت تثنيته باعتباره. وإذا ثبت بهذه الأوجه أن الفاعل يتنزل منزلة الجزء من الفعل؛ لم يجز تقديمه عليه. فإن قيل: لِمَ زعمتم أن قول القائل: زيد قام مرفوع بالابتداء دون الفعل، ولا فصل بين قولنا: زيد ضرب، وضرب زيد؟ قيل لوجهين؛ أحدهما: أنه من شرط الفاعل ألا يقوم غيره مُقامه مع وجوده؛ نحو قولك: قام زيد، فلو كان تقديم زيد على الفعل بمنزلة تأخيره، لاستحال قولك: زيد قام أخوه، وعمرو انطلق غلامه؛ ولَمّا جاز ذلك، دل على أنه لم يرتفع بالفعل، بل بالابتداء. والوجه الثاني: أنه لو كان الأمر على ما زعمت؛ لوجب ألا يختلف حال الفعل؛ فكان٥ ينبغي أن يقال: الزيدان قام، والزيدون قام؛ كما تقول: قام الزيدان، وقام الزيدون؛ فلمّا لم يقل إلا: "الزيدان قاما، والزيدون قاموا"، دل على أنه يرتفع بالابتداء دون الفعل. فإن قيل: فَلِمَ استتر ضمير الواحد؛ نحو: "زيد قام" وظهر ضمير الاثنين؛

стр. 65

نحو الزيدان قاما وضمير الجماعة؛ نحو: الزيدون قاموا؟ قيل: لأن الفعل لا يخلو من فاعل واحد، وقد يخلو من اثنين وجماعة، فإذا قدمت اسْمًا مفردًا على الفعل؛ نحو: زيد قام، لم تحتج١ معه إلى إظهار ضميره؛ لإحاطة العلم بأنه لا يخلو من فاعل واحد، فإذا قدمنا٢ اسْمًا مثنى على الفعل؛ نحو: "الزيدان قاما" أو مجموعًا؛ نحو: "الزيدون قاموا" وجب إظهار ضمير التثنية والجميع؛ لأنه قد يخلو من ذلك، فلو لم يظهر ضميرها؛ لوقع الالتباس، ولم يعلم أن الفعل لاثنين، أو جماعة؛ فافهمه تصب، إن شاء الله تعالى.

стр. 66

الباب الحادي عشر: باب المفعول به [تعريف المفعول به] إن قال قائل: ما المفعول /به/١؟ قيل: كل اسم تعدَّى إليه فعل. [العامل في المفعول به] فإن قيل؟ فما العامل في المفعول؟ قيل: اختلف النحويون في ذلك فذهب أكثرهم٢ إلى أن العامل في المفعول هو الفعل فقط، وذهب بعضهم٣ إلى أن العامل فيه الفعل والفاعل معًا؛ والقول الصحيح هو الأول، وهذا القول ليس بصحيح٤، وذلك؛ لأن الفاعل اسم، كما أن المفعول كذلك، فإذا استويا في الاسمية؛ والأصل في الاسم ألا يعمل، فليس عمل أحدهما في صاحبه أولى من الآخر، وإذا ثبت هذا، وأجمعنا على أن الفعل له تأثير في العمل، فإضافة ما لا تأثير له في العمل، إلى ما له تأثير، لا تأثير له، فدل على أن العامل هو الفعل فقط؛ وهو على ضربين؛ فعل متعدٍّ بغيره، وفعل متعدٍّ بنفسه؛ فأما ما يتعدى بغيره، فهو الفعل اللازم، ويتعدى بثلاثة أشياء؛ وهي: الهمزة، والتضعيف، وحرف الجر؛ فالهمزة، نحو: "خرج زيد وأخرجته"، والتضعيف؛ نحو: "خرج المتاع وخرّجته" وحرف الجر؛ نحو: "خرج زيد وخرجت به" وكذلك: "فرح زيد، وأفرحته، وفرّحته، وفرحت به" وما أشبه ذلك. وأما المتعدي بنفسه فعلى ثلاثة أضرب؛ ضرب يتعدى إلى مفعول واحد؛ كقولك: "ضرب زيد عمرًا، وأكرم عمرو بشرًا"، وضرب يتعدى إلى مفعولين؛ كقولك:

стр. 67

"أعطيت زيدًا درهمًا، وظننت زيدًا قائمًا" وضرب يتعدى إلى ثلاثة مفعولين؛ كقلوك: "أعلم الله زيدًا عمرًا خيرَ الناس، ونبأ الله عمرًا بشرًا كريمًا" وهذا الضرب منقول بالهمزة والتضعيف مما يتعدى إلى مفعولين لا١ يجوز الاقتصار على أحدهما؛ لأن كل واحد من هذه الأشياء الثلاثة المعدّية، التي هي: الهمزة، والتضعيف، وحرف الجر، كما أنها تنقل الفعل اللازم من اللزوم إلى التعدي، فكذلك إذا دخلت على الفعل المتعدي، فإنما تزيده مفعولاً؛ فإن٢ كان يتعدى إلى مفعول واحد، صار يتعدى إلى مفعولين؛ كقولك في ضرب زيد عمرًا: أضربت زيدًا عمرًا، وفي "حفر زيد بئرًا، أحفرت زيدًا بئرًا" وما أشبه ذلك، فإن٣ كان متعديًا إلى مفعولين، صار متعديًا إلى ثلاثة مفعولين، ونحوه /على/٤ ما قدّمناه. فاعرفه تصب، إن شاء الله تعالى.

стр. 68

الباب الثاني عشر: باب ما لم يُسَمَّ فَاعِلُه [لِمَ لَمْ يُذكر الفاعل] إن قال قائل: لم لم يُسمَّ الفاعل؟ قيل: لأن العناية قد تكون بذكر المفعول، كما تكون بذكر الفاعل، وقد تكون للجهل بالفاعل، وقد تكون للإيجاز والاختصار،١ أو /إلى/ غير ذلك. [عِلّة رفع نائب الفاعل] فإن قيل: فَلِمَ٢ كان ما لم يُسَمَّ فاعله مرفوعًا؟ قيل: لأنهم لَمَّا حذفوا الفاعل، أقاموا المفعول مقامه، فارتفع بإسناد الفعل إليه، كما كان يرتفع الفاعل. [عِلَّة ذكر نائب الفاعل] فإن قيل: فَلِمَ إذا حُذِفَ الفاعل، وجب أن يقام اسم آخر مقامه؟ قيل: لأن الفعل لا بد له من فاعل؛ لئلا يبقى الفعل حديثًا من غير محدّث عنه، فلما حذف الفاعل -ههنا- وجب أن يقام اسم آخر مقامه؛ ليكون الفعل حديثًا عنه، وهو المفعول. [قيام المفعول مقام الفاعل] فإن قيل: كيف يقام المفعول مقام الفاعل، وهو ضدّه في المعنى؟ قيل: هذا غير غريب في الاستعمال، فإنه إذا جاز أن يقال: "مات زيد" وسُمِّي زيد فاعلاً، ولم يحدث بنفسه الموت، وهو مفعول في المعنى، جاز أن يقام المفعول -ههنا- مقام الفاعل، وإن كان مفعولاً في المعنى؛ والذي يدل على أن المفعول -ههنا- أقيم مقام الفاعل، أن الفعل إذا كان يتعدى إلى مفعول واحد، لم يتعدَّ إلى

стр. 69

مفعول البتَّة؛ كقولك في ضرب زيد عمرًا، وأكرم بكر بشرًا: (ضرب عمرو، وأكرم بشر) ١، وإن كان يتعدى إلى مفعولين، صار يتعدّى إلى مفعول واحد؛ كقولك في: "أعطيت زيدًا درهمًا، وظننت عمرو قائمًا: أُعْطِيَ زيد درهمًا، وظن عمر عمرو قائمًا" ولو قلت: "ظن قائم عَمرًا"؛ لزوال اللبس، ولو قلت في: "ظننت زيدًا أباك؛ ظن أبوك زيدًا" لم يجز، وذلك؛ لأن قولك: ظننت زيدًا أباك يؤذن بأن زيدًا معلوم، والأبوة مظنونة، فلو أقيم الأب مقام الفاعل؛ لانعكس المعنى، فصارت الأبوة معلومة، وزيد مظنونًا، وذلك لا يجوز، وكذلك تقول: "أعطي زيد درهمًا، وأعطي درهم زيدًا" فيكون جائزًا؛ لعدم الالتباس، فلو قلت في "أعطيت زيدًا غلامًا: أعطي غلام زيدًا" لم يجز؛ لأن كُلَّ واحد منهما يصح أن يكون هو الآخذ، فلو أقيم غلام مقام الفاعل، ولم يعلم الآخذ من المأخوذ، فهذا، كان ممتنعًا؛ وكذلك، إن كان الفعل يتعدى إلى ثلاثة مفعولين، صار يتعدى إلى مفعولَيْن كقولك في: "أعلم الله زيدًا عمرًا خيرَ الناس: أُعلِم زيدٌ عمرًا خيرَ الناس"٣: لقيام المفعول الأول مقام الفاعل، وكان هو الأولى؛ لأنه فاعل في المعنى؛ فدل على أن المفعول -ههنا- أقيم مقام الفاعل. وإذا كان الأمر على هذا، فبناء الفعل للمفعول به، نقيض٤ نقله بالهمزة، والتضعيف، وحرف الجر، ألا ترى أن الفعل إذا كان يتعدى إلى مفعول واحد، صار يتعدى بها إلى مفعولين، وإذا كان يتعدى إلى مفعولين، صار يتعدى بها إلى ثلاثة مفعولين، وذلك؛ لأن بناء الفعل للمفعول به، يجعل المفعول فاعلاً، والنقل بالهمزة، والتضعيف، وحرف الجر، يجعل الفاعل مفعولاً، إذا ثبت هذا، فلا بُدَّ أن تزيد بنقله بالهمزة، والتضعيف، وحرف الجر مفعولاً، وتنقص ببنائه٥ للمفعول مفعولاً. [وجوب تغيير الفعل عند بنائه للمجهول وعلة ذلك] فإن قيل: فَلِمَ وجب تغيير الفعل إذا بني للمفعول؟ قيل: لأن المفعول، يصح أن يكون هو الفاعل، فلو لم يغيّر الفعل، لم يعلم هل هو الفاعل بالحقيقة، أو٦ قائم مقامه؟

стр. 70

فإن قيل: فلِمَ ضَمُّوا الأول، وكسروا الثاني؛ نحو: "ضُرِب زيد" وما أشبه ذلك؟ قيل: إنَّما ضمُّوا الأول؛ ليكون دلالة على المحذوف الذي هو الفاعل إذ ١ كان من علاماته، وإنما كسروا الثاني؛ لأنهم لَمّا حذفوا الفاعل الذي لا يجوز حذفه، أرادوا أن يصوغوه على بناء لا يشركه فيه شيء من الأبنية، فبنوه على هذه الصيغة، فكسروا الثاني؛ لأنهم لو ضمّوه؛ لكان على وزن: طُنُب٢، وجُمُل٣، ولو فتحوه؛ لكان على وزن: نُغَر٤ وصُرَد ٥، ولو أسكنوه؛ لكان على وزن: قُلْب٦ وقُفْل، فلم يبق إلا الكسر؛ فحركوه به. فإن قيل: فلِمَ كسروا أول المعتل؛ نحو: قِيلَ، وبِيعَ، ولم يَضمُّوه كالصحيح؟ قيل: كان القياس يقتضي أن يجرى المعتل مجرى الصحيح في ضم أوله، وكسر ثانية، إلا أنهم استثقلوا الكسرة على حرف العلة، فنقلوها إلى القاف، فانقلبت الواو ياء؛ لسكونها وانكسار ما قبلها، كما قلبوها في: ميعاد وميقات، وميزان؛ وأصلها: موعاد، وموقات، وموزان؛ لأنها من الوعد، والوقت، والوزن، وأمَّا الياء، فثبتت؛ لانكسار ما قبلها؛ على أنه من العرب من يشير إلى الضم تنبيهًا على أن الأصل في هذا النحو، هو الضم، ومن العرب -أيضًا- من يحذف الكسرة، ولا ينقلها، ويقرّ الواو؛ لانضمام ما قبلها، وتقلب الياء واوًا؛ لسكونها وانضمام ما قبلها؛ كما قال الشاعر٧: [الرجز] ليتَ وهل ينفع شيئًا ليتُ ... ليتَ شبابًا بُوعَ فاشتريتُ

стр. 71

أراد: بيع، فقلب الياء واوًا، لسكونها، وانضمام ما قبلها، كما قلبوها في نحو: موسر، وموقن؛ والأصل: ميسر، وميقن؛ لأنهما من اليسر واليقين، إلا أنه لَمّا وقعت الياء ساكنة مضمومًا ما قبلها؛ قلبوها واوًا، فكذلك ههنا. [الفعل اللازم لا يبنى للمجهول] فإن قيل: فهل يجوز أن يبنى الفعل اللازم للمفعول به؟ قيل: لا يجوز ذلك على القول الصحيح، وقد زعم بعضهم أنه يجوز، وليس بصحيح، إلا أنك١ لو بنيت الفعل اللازم للمفعول به، لكنت تحذف الفاعل، فيبقى الفعل غير مستند٢ إلى شيء، وذلك محال، فإن اتصل به ظرف الزمان، أو ظرف المكان، أو المصدر، أو الجار والمجرور، جاز أن تبنيه عليه، ولا يجوز أن تبنيه على الحال؛ لأنها لا تقع إلا نكرة، فلو أقيمت مقام الفاعل؛ لجاز إضمارها٣ كالفاعل، فكانت تقع معرفة، والحال لا تقع إلا نكرة. فإن قيل: فلِمَ إذا أقيم الظرف مُقام الفاعل يخرج عن الظرفية، ويجعل مفعولاً؛ كزيد وعمرو وما أشبه ذلك؟ قيل: لأنه يتضمن معنى حرف الجر، فلو لم ينقل، لعلَّقته بالفعل مع تضمن حرف الجر، فالفاعل لا يتضمن حرف الجر، فكذلك ما قام مقامه. فإن قيل: فالمصدر لا يتضمن حرف الجر، فهل ينقل أولاً؟ قيل: اختلف النحويون في ذلك؛ فذهب بعضهم إلى أنه لا ينقل؛ لأنه ليس بينه وبين الفعل واسطة، وذهب آخرون إلى أنه ينقل، واستدلوا على ذلك من وجهين: أحدهما: أن الفعل لا بد له من الفاعل، والمصدر لو لم يذكر؛ لكان الفعل دالًّا عليه بصيغته، فصار وجوده وعدمه سواء، والفاعل لا بد /له/٤ منه، فكذلك ما يقوم مقامه ينبغي أن يجعل بمنزلة المفعول الذي لا يستغنى بالفعل عنه. والوجه الثاني: أن المصدر إنما يذكر تأكيدًا للفعل، ألا ترى أن قولك: "سرت سيرًا" بمنزلة /قولك/٥: "سرت سرت" فكما لا يجوز أن يقوم الفعل مقام الفاعل، فكذلك لا يجوز أن يقوم مقامه ما كان بمنزلته؛ فلهذا، وجب نقل المصدر.

стр. 72

فإن قيل: فإن اجتمع ظرف الزمان، وظرف المكان، والمصدر، والجار والمجرور، فأيها يُقام مقام الفاعل؟ قيل: أنت مخير فيها كلها، أيها شئت أقمت١ مُقام الفاعل، وزعم بعضهم أن الأحسن أن تقيم الاسم المجرور مُقام الفاعل؛ لأنه لو لم يكن حرف الجر، لم تقم٢ مقام الفاعل غيره؛ فاعرفه تُصب، إن شاء الله تعالى.

стр. 73

الباب الثالث عشر: باب نعم وبئس [خلافهم في نعم وبئس] إن قال قائل: هل نعم وبئس اسمان أو فعلان؟ قيل: اختلف النحويون في ذلك؛ فذهب البصريون إلى أنهما فعلان ماضيان لا يتصرفان، واستدلوا على ذلك من ثلاثة أوجه: الوجه الأول: أن الضمير يتصل بهما على حد اتصاله بالأفعال، فإنهم قالوا نعما رجلين، ونعموا رجالاً؛ كما قالوا: قاما، وقاموا. والوجه الثاني: أن تاء التأنيث الساكنة التي لم يقلبها أحد من العرب هاء في الوقف، تتصل بهما، كما تتصل بالأفعال؛ نحو: نعمت المرأة، وبئست الجارية. والوجه الثالث: أنهما مبنيان على الفتح كالأفعال الماضية، ولو كانا اسمين لما بنيا على الفتح من غير عِلَّة. وذهب الكوفيون إلى أنهما اسمان، واستدلوا على ذلك من خمسة أوجه: الوجه الأول: أنهم قالوا: الدليل على أنهما اسمان دخول حرف الجر عليهما؛ وحرف الجر يختص بالأسماء، قال الشاعر١: [الطويل] ألستُ بنعم الجارِ يُؤلَفُ بيتَهُ ... أخا قِلَّةٍ أو مُعدِم المال مُصْرِمَا٢

стр. 74

وحُكِي عن بعض العرب أنه بُشِّر بمولودة، فقيل: نِعم المولودة مولودتك؛ فقال: "والله ما هي بنعم المولودة، نصرتها بكاء، وبرها سرقة"١ وحكي عن بعض العرب أنه قال: "نعم السير على بئس العير" فأدخلوا عليهما حرف الجر؛ وحرف الجر يختص بالأسماء؛ فدل على أنهما اسمان. والوجه الثاني: أن العرب تقول: يا نعم المولى و/يا/٢ نعم النصير فنداؤهم "نعم" يدل على أنها اسم٣؛ لأن النداء من خصائص الأسماء. والوجه الثالث: أنهم قالوا: الدليل على أنهما ليسا بفعلين، أنه لا يحسن اقتران الزمان بهما كسائر الأفعال، ألا ترى أنه لا يحسن أن تقول: "نعم الرجل أمس" ولا "بئس الرجل غدًا" فلما لم يحسن اقتران الزمن بهما؛ دل على أنهما ليسا بفعلين. الوجه الرابع: أنهما لا يتصرفان، ولوكانا فعلين؛ لكانا يتصرفان؛ لأن التصرف من خصائص الأفعال، فلمّا لم يتصرفا؛ دل على أنهما ليسا بفعلين. والوجه الخامس: أنَّه قد جاء عن العرب، أنهم قالوا: نعيم الرجل زيد، وليس في أمثلة الأفعال شيء على وزن: فعيل؛ فدل على صحة ما ذهبنا إليه؛ وهو مذهب البصريين٤، وأما ما استدل به الكوفيون ففاسد؛ أما قولهم: إنهما اسمان لدخول حرف الجر عليهما، فقلنا٥: هذا فاسد؛ لأن حرف الجر إنما دخل عليهما على تقدير الحكاية، فلا يدل على أنهما اسمان؛ لأن حروف الجر قد تدخل على تقدير الحكاية على ما هو فعل في

стр. 75

الحقيقة؛ كقوله١: والله ما ليلي بِنَام صاحِبُه ... [ولا مخالط الليان جانبه] ٢ ولا خلاف أن "نام" فعل ماض، ولا يجوز أن يقال: إنما هو اسم لدخول حرف الجر عليه، فكذلك -ههنا- ولولا تقدير الحكاية، لم يحسن دخول حرف الجرّ على: نعم، وبئس، ونام؛ والتقدير في قوله: "ألست بنعم الجار يؤلف بيته": "ألست بجار مقول فيه: نعم الجار" وكذلك التقدير في قول بعض العرب: "والله ما هي بنعم المولودة: والله ما هي بمولودة، فيقال: فيها: "نعم المولودة" وكذلك التقدير في قول الآخر: "نعم السير على عَير٣ مقول فيه بئس العير" وكذلك التقدير في قول الشاعر: والله ما ليلي بنام صاحبه "والله ما ليلي بليل مقول فيه نام صاحبه" إلا أنهم حذفوا الموصوف، وأقاموا الصفة مقامه؛ كقوله : ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ﴾ ٤ أي: دروعًا سابغات؛ فصار التقدير فيه: "ألست بمقول فيه: نِعمَ الجار، وما هي بمقول فيها: نعم المولودة؛ ونعم السير على مقول فيه بئس العير، وما ليلي بمقول فيه٥: نام صاحبه" ثم حذفوا الصفة التي هي: مقول فيه، فأوقعوا المحكي بها
следующие страницы →