أراد: بيع، فقلب الياء واوًا، لسكونها، وانضمام ما قبلها، كما قلبوها في نحو: موسر، وموقن؛ والأصل: ميسر، وميقن؛ لأنهما من اليسر واليقين، إلا أنه لَمّا وقعت الياء ساكنة مضمومًا ما قبلها؛ قلبوها واوًا، فكذلك ههنا.
[الفعل اللازم لا يبنى للمجهول]
فإن قيل: فهل يجوز أن يبنى الفعل اللازم للمفعول به؟ قيل: لا يجوز ذلك على القول الصحيح، وقد زعم بعضهم أنه يجوز، وليس بصحيح، إلا أنك١ لو بنيت الفعل اللازم للمفعول به، لكنت تحذف الفاعل، فيبقى الفعل غير مستند٢ إلى شيء، وذلك محال، فإن اتصل به ظرف الزمان، أو ظرف المكان، أو المصدر، أو الجار والمجرور، جاز أن تبنيه عليه، ولا يجوز أن تبنيه على الحال؛ لأنها لا تقع إلا نكرة، فلو أقيمت مقام الفاعل؛ لجاز إضمارها٣ كالفاعل، فكانت تقع معرفة، والحال لا تقع إلا نكرة.
فإن قيل: فلِمَ إذا أقيم الظرف مُقام الفاعل يخرج عن الظرفية، ويجعل مفعولاً؛ كزيد وعمرو وما أشبه ذلك؟ قيل: لأنه يتضمن معنى حرف الجر، فلو لم ينقل، لعلَّقته بالفعل مع تضمن حرف الجر، فالفاعل لا يتضمن حرف الجر، فكذلك ما قام مقامه.
فإن قيل: فالمصدر لا يتضمن حرف الجر، فهل ينقل أولاً؟ قيل: اختلف النحويون في ذلك؛ فذهب بعضهم إلى أنه لا ينقل؛ لأنه ليس بينه وبين الفعل واسطة، وذهب آخرون إلى أنه ينقل، واستدلوا على ذلك من وجهين:
أحدهما: أن الفعل لا بد له من الفاعل، والمصدر لو لم يذكر؛ لكان الفعل دالًّا عليه بصيغته، فصار وجوده وعدمه سواء، والفاعل لا بد /له/٤ منه، فكذلك ما يقوم مقامه ينبغي أن يجعل بمنزلة المفعول الذي لا يستغنى بالفعل عنه.
والوجه الثاني: أن المصدر إنما يذكر تأكيدًا للفعل، ألا ترى أن قولك: "سرت سيرًا" بمنزلة /قولك/٥: "سرت سرت" فكما لا يجوز أن يقوم الفعل مقام الفاعل، فكذلك لا يجوز أن يقوم مقامه ما كان بمنزلته؛ فلهذا، وجب نقل المصدر.
стр. 72
فإن قيل: فإن اجتمع ظرف الزمان، وظرف المكان، والمصدر، والجار والمجرور، فأيها يُقام مقام الفاعل؟ قيل: أنت مخير فيها كلها، أيها شئت أقمت١ مُقام الفاعل، وزعم بعضهم أن الأحسن أن تقيم الاسم المجرور مُقام الفاعل؛ لأنه لو لم يكن حرف الجر، لم تقم٢ مقام الفاعل غيره؛ فاعرفه تُصب، إن شاء الله تعالى.
стр. 73
الباب الثالث عشر: باب نعم وبئس
[خلافهم في نعم وبئس]
إن قال قائل: هل نعم وبئس اسمان أو فعلان؟ قيل: اختلف النحويون في ذلك؛ فذهب البصريون إلى أنهما فعلان ماضيان لا يتصرفان، واستدلوا على ذلك من ثلاثة أوجه:
الوجه الأول: أن الضمير يتصل بهما على حد اتصاله بالأفعال، فإنهم قالوا نعما رجلين، ونعموا رجالاً؛ كما قالوا: قاما، وقاموا.
والوجه الثاني: أن تاء التأنيث الساكنة التي لم يقلبها أحد من العرب هاء في الوقف، تتصل بهما، كما تتصل بالأفعال؛ نحو: نعمت المرأة، وبئست الجارية.
والوجه الثالث: أنهما مبنيان على الفتح كالأفعال الماضية، ولو كانا اسمين لما بنيا على الفتح من غير عِلَّة.
وذهب الكوفيون إلى أنهما اسمان، واستدلوا على ذلك من خمسة أوجه:
الوجه الأول: أنهم قالوا: الدليل على أنهما اسمان دخول حرف الجر عليهما؛ وحرف الجر يختص بالأسماء، قال الشاعر١: [الطويل]
ألستُ بنعم الجارِ يُؤلَفُ بيتَهُ ... أخا قِلَّةٍ أو مُعدِم المال مُصْرِمَا٢
стр. 74
وحُكِي عن بعض العرب أنه بُشِّر بمولودة، فقيل: نِعم المولودة مولودتك؛ فقال: "والله ما هي بنعم المولودة، نصرتها بكاء، وبرها سرقة"١ وحكي عن بعض العرب أنه قال: "نعم السير على بئس العير" فأدخلوا عليهما حرف الجر؛ وحرف الجر يختص بالأسماء؛ فدل على أنهما اسمان.
والوجه الثاني: أن العرب تقول: يا نعم المولى و/يا/٢ نعم النصير فنداؤهم "نعم" يدل على أنها اسم٣؛ لأن النداء من خصائص الأسماء.
والوجه الثالث: أنهم قالوا: الدليل على أنهما ليسا بفعلين، أنه لا يحسن اقتران الزمان بهما كسائر الأفعال، ألا ترى أنه لا يحسن أن تقول: "نعم الرجل أمس" ولا "بئس الرجل غدًا" فلما لم يحسن اقتران الزمن بهما؛ دل على أنهما ليسا بفعلين.
الوجه الرابع: أنهما لا يتصرفان، ولوكانا فعلين؛ لكانا يتصرفان؛ لأن التصرف من خصائص الأفعال، فلمّا لم يتصرفا؛ دل على أنهما ليسا بفعلين.
والوجه الخامس: أنَّه قد جاء عن العرب، أنهم قالوا: نعيم الرجل زيد، وليس في أمثلة الأفعال شيء على وزن: فعيل؛ فدل على صحة ما ذهبنا إليه؛ وهو مذهب البصريين٤، وأما ما استدل به الكوفيون ففاسد؛ أما قولهم: إنهما اسمان لدخول حرف الجر عليهما، فقلنا٥: هذا فاسد؛ لأن حرف الجر إنما دخل عليهما على تقدير الحكاية، فلا يدل على أنهما اسمان؛ لأن حروف الجر قد تدخل على تقدير الحكاية على ما هو فعل في
стр. 75
الحقيقة؛ كقوله١:
والله ما ليلي بِنَام صاحِبُه ... [ولا مخالط الليان جانبه] ٢
ولا خلاف أن "نام" فعل ماض، ولا يجوز أن يقال: إنما هو اسم لدخول حرف الجر عليه، فكذلك -ههنا- ولولا تقدير الحكاية، لم يحسن دخول حرف الجرّ على: نعم، وبئس، ونام؛ والتقدير في قوله: "ألست بنعم الجار يؤلف بيته": "ألست بجار مقول فيه: نعم الجار" وكذلك التقدير في قول بعض العرب: "والله ما هي بنعم المولودة: والله ما هي بمولودة، فيقال: فيها: "نعم المولودة" وكذلك التقدير في قول الآخر: "نعم السير على عَير٣ مقول فيه بئس العير" وكذلك التقدير في قول الشاعر:
والله ما ليلي بنام صاحبه
"والله ما ليلي بليل مقول فيه نام صاحبه" إلا أنهم حذفوا الموصوف، وأقاموا الصفة مقامه؛ كقوله : ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ﴾ ٤ أي: دروعًا سابغات؛ فصار التقدير فيه: "ألست بمقول فيه: نِعمَ الجار، وما هي بمقول فيها: نعم المولودة؛ ونعم السير على مقول فيه بئس العير، وما ليلي بمقول فيه٥: نام صاحبه" ثم حذفوا الصفة التي هي: مقول فيه، فأوقعوا المحكي بها
стр. 76
موقعها، وحذف القول /بها/١ في كتاب الله تعالى، وكلام العرب، وأشعارهم أكثر من أن يحصى، فدخل حرف الجر على هذه الأفعال لفظًا، ولكن إن كان حرف الجر داخلاً على هذه الأفعال في اللفظ، إلا أنه داخل على غيرها في التقدير، فلا يكون فيه دليل على الاسمية.
وأما قولهم: إن العرب تقول: يا نعم المولى، و/يا/٢ نعم النصير، والنداء من خصائص الأسماء، فنقول: المقصود بالنداء محذوف للعلم به، والتقدير فيه: يا الله، نعم المولى، ونعم النصير أنت. وأما قولهم: إنه لا يحسن اقتران الزمان بهما، ولا يجوز تصرفهما؛ فنقول: إنما امتنعا من اقتران الزمان الماضي والمستقبل بهما، وسُلبا التصرف؛ لأن نعم موضوعة لغاية المدح، وبئس موضوعة لغاية الذم، فجعل دلالتهما على الزمان مقصورة على الآن؛ لأنك إنما تمدح /أ/ و٣ تذم بما هو موجود في الممدوح /أ/و٤ المذموم لا بما كان فزال، ولا بما سيكون في المستقبل. وأما قولهم: إنه قد جاء عن العرب أنهم قالوا: نعيم الرّجل زيد، فنقول: هذه رواية شاذة تفرد بها قطرب وحده، ولئن صحت فليس فيها حجة؛ لأن هذه الياء نشأت عن إشباع الكسرة؛ لأن الأصل في: نِعْمَ: نَعِمَ بفتح النون وكسر العين، وأشبعت الكسرة؛ فنشأت الياء، وهذا كثير في كلامهم، فإن٥ كل ما كان على /وزن/٦ "فَعِلَ" من الأسماء والأفعال، وثانيه حرف من حروف الحلق؛ ففيه أربعة أوجه:
أحدها: استعماله على أصله؛ كقولك: فَخِذَ، وقد ضَحِك.
والثاني: إسكان عينه تخفيفًا؛ كقولك: فَخْذ، وقد ضحْك.
والثالث: إتباع فائه عينه في الكسر؛ كقولك: فِخِذ، وقد ضِحِك.
والرابع: كسر فائه، وإسكان عينه لنقل كسرتها إلى الفاء؛ نحو قولك: فِخْذ، وقد ضِحْك، فكذلك نِعْمَ فيها أربع لغات: "نَعِمَ" بفتح النون وكسر العين: وهو الأصل، و"نَعْم" بفتح النون وسكون العين، و"نِعِم" بكسر النون والعين، و"نِعْم" بكسر النون وسكون العين، وأما "نعيم" بالياء، فإنما نشأت
стр. 77
فيه الياء عن إشباع الكسرة؛ كما قال الشاعر١: [الطويل]
كأني بفتخاء الجناحين لَقْوة ... على عجلٍ مني أطأطى شيمالي٢
و/كما/٣ قال الآخر٤: [منهوك المنسرح]
لا عهد لي بِنَيْضَالي ... أصبحت كالشَّنِّ الْبَالي٥
و/كما/٦ قال الآخر٧: [الوافر]
ألم يأتيك والأنباءُ تَنْمِي ... بِمَا لاقت لَبُونُ بَنِي زِيَاد.٨
стр. 78
وهذا أكثر من أن يحصى، وقد ذكرناه مستقصىً في المسائل الخلافية، فلا نعيده ههنا.
[فاعل نعم وبئس اسم جنس]
فإن قيل: فَلِمَ وجب أن يكون فاعل نعم وبئس اسم جنس؟ قيل: لوجهين:
أحدهما: أنَّ نعم لَمّا وضعت للمدح العام، وبئس للذَّمِّ العام، خص فاعلهما باللفظ العام.
والوجه الثاني: إنما وجب أن يكون اسم جنس؛ ليدلّ على أن الممدوح والمذموم مستحق للمدح والذم في ذلك الجنس.
[جواز الإضمار في نعم وبئس قبل ذكرهما]
فإن قيل: فلِمَ جاز الإضمار فيهما١ قبل الذِّكر؟ قيل: إنما جاز الإضمار فيهما قبل الذِّكر؛ لأن المضمر قبل الذكر يشبه النَّكرة؛ لأنه لا يعلم إلى أي شيء يعود حتى يفسر، ونعم وبئس لا يكون فاعلهما معرفة محضة، فلمَّا ضارع المضمر فاعلهما؛ جاز الإضمار فيهما.
فإن قيل: فلِمَ فعلوا ذلك؟ قيل: إنما فعلوا ذلك طلبًا للتخفيف والإيجاز؛ لأنهم أبدًا يتوخّون الإيجاز والاختصار في كلامهم.
فإن قيل: فكيف يحصل التخفيف, والإضمار على شريطة التفسير؟ قيل: لأن التفسير إنما يكون بنكرة منصوبة؛ نحو: "نعم رجلاً زيد" والنّكرة أخفُّ من المعرفة.
فإن قيل: فعلى ماذا انتصبت النَّكرة؟ قيل: على التمييز.
стр. 79
فإن قيل: فَلِمَ رُفع زيد في قولهم: "نعم الرجل زيد"؟ قيل: فيه١ وجهان؛ أحدهما: أن يكون مرفوعًا بالابتداء ونعم الرجل هو الخبر، وهو مقدم على المبتدأ؛ والتقدير فيه: زيد نعم الرجل، إلا أنه مقدم٢ عليه؛ كقولهم: مررت به المسكين؛ والتقدير فيه: المسكين مررت به.
فإن قيل: فأين العائد ههنا من الخبر إلى المبتدأ؛ قيل: لأن الرجل لَمّا كان شائعًا في الجنس، كان زيد داخلاً تحته، فصار بمنزلة العائد الذي يعود إليه منه؛ فصار هذا كقول الشاعر٣: [الطويل]
فأمّا القتال لا قتالَ لديكم ... ولكنَّ سَيرًا في عِرَاضِ الْمَواكِبِ٤
فإنَّ القتال مبتدأ، وقوله: لا قتال لديكم خبره، وليس فيه عائد؛ لأن قوله: لا قتال لديكم، نفي عام؛ لأن "لا" تنفي الجنس، فاشتمل على جميع القتال، فصار ذلك بمنزلة العائد /إليه/٥، وكذلك قول الشاعر٦: [الطويل]
فأما الصدور، لا صدورَ لجعفرٍ ... ولكنّ أعجازًا شديدًا صَرِيرُهَا٧
стр. 80
والوجه الثاني: أن يكون زيد مرفوعًا؛ لأنه خبر مبتدأ محذوف، كأنه لما قيل: نعم الرجل، قيل: مَنْ هذا الممدوح؟ قيل: زيد؛ أي: هو زيد، وحذف المبتدأ كثير في كلامهم، فاعرفه تصب، إن شاء الله تعالى.
стр. 81
الباب الرابع عشر: باب حبَّذا
[الأصل في حبَّذا]
إن قال قائل: ما الأصل في "حبَّذا"؟ قيل: الأصل في "حبَّذا": حَبُبَ ذا؛ إلا أنه لَمّا اجتمع حرفان متحركان من جنس واحد، استثقلوا اجتماعهما متحركين، فحذفوا حركة الحرف الأول، وأدغموه في الثاني؛ فصار: حبَّ، وركبوه مع ذا، فصار بمنزلة كلمة واحدة؛ ومعناها المدح، وتقريب الممدوح من القلب.
فإن قيل: فَلِمَ قلتم إن الأصل: حَبُبَ: على فعُل، دون فَعَل وفَعِل١؟ قيل: لوجهين:
أحدهما: أن اسم الفاعل منه حبيب، على وزن: فعيل؛ وفعيل أكثر ما يجيء في ما فعله: فَعُل؛ نحو: شَرُفَ فهو شريف، وظَرُفَ فهو ظريف، ولَطُفَ فهو لطيف، وما أشبه ذلك.
والوجه الثاني: أنه قد حكي عن بعض العرب: أنه نقل الضمة من الباء إلى الحاء؛ كما قال الشاعر٢: [الطويل]
[فَقُلْتُ اقتلوها عنكُمُ بمزاجها] ... وحُبَّ بها مقتولة حين تُقْتَلُ٣
فدل على أن أصله: فَعُل.
فإن قيل: فَلِمَ جعلوهما بمنزلة كلمة واحدة؟ قيل: إنما جعلوهما بمنزلة كلمة واحدة طلبًا للتخفيف على ما جرت به عادتهم في كلامهم.
стр. 82
فإن قيل: فلِمَ ركّبوه مع المفرد المذكر دون المؤنث والمثنى والمجموع؟ قيل: لأن المفرد المذكور هو الأصل، والتأنيث والتثنية والجمع كُلُّها فرع عليه، وهي أثقل منه، فلّما أرادوا التركيب؛ كان تركيبه مع الأصل الذي هو الأخفّ، أولى من تركيبه مع الفرع الذي هو الأثقل.
[حبّذا في التثنية والجمع والتأنيث بلفظ واحد]
فإن قيل: فلِمَ كانت حبّذا في التثنية والجمع والتأنيث على لفظ واحد؟ قيل: إنما كانت كذلك؛ نحو حبَّذا الزيدان، وحبذا الزيدون، وحبذا هند؛ لأنها جرت في كلامهم مجرى المثل، والأمثال لا تتغيَّر، بل تلزم سننًا واحدًا، وطريقة واحدة.
فإن قيل فما الغالب على "حبَّذا" الاسمية أو الفعلية؟ قيل: اختلف النحويون في ذلك؛ فذهب أكثرهم إلى أن الغالب عليها الاسمية، وذلك؛ لأن الاسم أقوى من الفعل، فلمّا رُكّب أحدهما مع الآخر، كان التغليب للأقوى الذي هو الاسم دون الأضعف الذي هو الفعل؛ وذهب بعضهم إلى أن الغالب عليها الفعليّة /وذلك/١؛ لأن الجزء الأول منهما فعل، فغلب عليها الفعليّة؛ لأن القوة للجزء الأول؛ وذهب آخرون إلى أنها لا يغلب عليها اسمية ولا فعلية، بل هي جملة مركبة من فعل ماضٍ، واسم هو فاعل، فلا يغلَّب أحدهما على الآخر.
[بمَ يرتفع الاسم المعرفة بعد حبّذا؟]
فإن قيل: فلماذا٢ يرتفع المعرفة بعده؛ نحو: "حبَّذا زيد"؟ قيل: لخمسة أوجه:
الوجه الأول: أن يجعل حبذا مبتدأ، وزيد خبره.
والوجه الثاني: أن تجعل: ذا مرفوعًا بـ "حبَّ" ارتفاع الفاعل بفعله، وتجعل زيدًا بدلاً منه.
والوجه الثالث: أن تجعل زيدًا خبرًا مبتدأ محذوف، كأنه لَمّا قيل: من هو؟ قيل: زيد؛ أي: هو زيد.
والوجه الرابع: أن تجعل زيدًا مبتدأ، وحبَّذا خبره.
стр. 83
والوجه الخامس: أن تجعل: ذا زائدة، فيرتفع زيد بـ "حبَّ" لأنه فاعل؛ وهو أضعف الأوجه١.
فإن قيل: فعلى ماذا تنتصب النكرة بعده؟ قيل: /إنما/٢ تنتصب النكرة بعده على التمييز، ألا ترى أنك إذا قلت: حبَّذا زيد رجلاً، وحبذا عمرو راكبًا يحسن فيه تقدير "مِنْ" كأنك قلت: مِنْ رجلٍ، ومن راكب؛ كما قال الشاعر٣: [البسيط]
يا حبذا جبل الريان من جبل ... وحبذا ساكن الريان من كانا
فذهب بعض النحويين إلى أنه إن كان الاسم غير مشتق؛ نحو: حبَّذا زيد رجلاً؛ كان منصوبًا على التمييز، وإن كان مشتقًّا؛ نحو: حبّذا عمرو رَاكبًا؛ كان منصوبًا على الحال؛ فاعرفه تصب، إن شاء الله تعالى.
стр. 84
الباب الخامس عشر: باب التعجب
[علة زيادة ما في التعجب]
إن قال قائل: لِمَ زيدت "ما" في التعجب؛ نحو: "ما أحسن زيدًا"! دون غيرها؟ قيل: لأن "ما" في غاية الإبهام، والشيء إذا كان مبهمًا؛ كان أعظمَ في النفس١؛ لاحتماله أمورًا كثيرة؛ فلهذا كانت زيادتها في التعجب أولى من غيرها. فإن قيل: فما معناها؟ قيل: اختلف النحويون في ذلك؛ فذهب سيبويه وأكثر البصريين إلى أنها بمعنى شيء، وهو في موضع رفع بالابتداء، "وأحسن" خبره؛ تقديره: شيء أحسن زيدًا؛ وذهب بعض النحويين من البصريين إلى أنها بمعنى الذي، وهو موضع رفع بالابتداء، و"أحسن" صلته، وخبره محذوف؛ وتقديره: الذي أحسن زيدًا شيء؛ وما ذهب إليه سيبويه والأكثرون أَولى؛ لأنّ الكلام على قولهم مستقلّ بنفسه، لا يفتقر إلى تقدير شيء، وعلى القول الآخر، يفتقر إلى تقدير شيء، وإذا كان الكلام مستقلاً بنفسه، مستغينًا عن تقدير، كان أولى مما يفتقر إلى تقدير.
[خلافهم في فعليّة حَبَّذا] !!!!!!!!!!
فإن قيل: هل: "أحسن" فعل أو اسم؟ قيل: اختلف النحويون في ذلك؛ فذهب البصريون إلى أنه فعل ماضٍ، واستدلوا على ذلك من ثلاثة أوجه:
[استدلالات البصريين على فعلية حبذا] !!!!!!!!
/الوجه/٢ الأول: أنهم قالوا: الدليل على أنه فعل، أنه إذا وصل بياء الضمير، فإن نون الوقاية تصحبه؛ نحو: "ما أحسنني" وما أشبه ذلك، وهذه النون إنما تصحب /ياء/٣ الضمير في الفعل خاصة؛ لتقيه من الكسر، ألا ترى أنك تقول: أكرمني، وأعطاني، وما أشبه ذلك؟ ولو قلت في نحو /غلامي
стр. 85
وصاحبي/١: غلامني، وصاحبني، لم يجز، فلما دخلت هذه النون عليه؛ دلَّ على أنه فعل.
والوجه الثاني: أنهم قالوا: الدليل على أنه فعل، أنه ينصب المعارف والنكرات، و"أفعل" إذا كان اسْمًا، إنما ينصب النكرات خاصة على التمييز؛ نحو: هذا أكبر منك سنًّا، وأكثر منك علمًا، وما أشبه ذلك، فلمَّا نصب -ههنا- المعارف، دلَّ على أنه فعل ماض.
والوجه الثالث: أنهم قالوا: الدليل على أنه فعل ماضٍ، أنه مفتوح الآخر؛ فلو لم يكن فعلاً، لما كان لبنائه على الفتح وجه، إذ لو كان اسْمًا؛ لكان يجب أن يكون مرفوعًا؛ لوقوعه خبرا لـ: "ما" قبله بالإجماع، فلمَّا وجب أن يكون مفتوحًا، دلَّ على أنه فعل ماض.
[استدلالات الكوفيين على اسميه حبذا] !!!!!!!!!!!!!
وذهب الكوفيون إلى أنه اسم، واستدلوا على ذلك من ثلاثة أوجه:
الوجه الأول: أنهم قالوا: الدليل على أنه اسم أنه لا يتصرف، ولو كان فعلاً؛ لوجب٢ أن يكون متصرفًا؛ لأن التصرف من خصائص الأفعال، فلمَّا لم يتصرف، دلَّ على أنه ليس بفعل؛ فوجب أن يلحق الأسماء.
والوجه الثاني: أنهم قالوا: الدليل على أنه اسم أنه يدخله التصغير؛ والتصغير من خصائص الأسماء؛ قال الشاعر٣: [البسيط]
يَامَا أُمَيلِحَ غِزْلانًا شَدَنَّ لَنَا ... مِنْ هؤُليَّائِكُنَّ الضَّالِ والسَّمُرِ٤
والوجه الثالث: أنهم قالوا: الدليل على أنه اسم أنه يصح نحو: ما
стр. 86
أقومه!، وما أبيعه!، كما يصح الاسم في نحو: هذا أقوم منك، وأبيع منك، ولو أنه فعل؛ لوجب أن يعتلّ كالفعل؛ نحو: أقام وأباع في قولهم: "أباع الشيء" إذا عرضه للبيع، فلما لم يعتل، وصح كالأسماء مع ما دخله من الجمود والتصغير، دل على أنه اسم.
[رجحان مذهب البصريين]
والصحيح ما ذهب إليه البصريون، وأما ما استدل به الكوفيون ففاسد؛ أما قوله: إنه لا يتصرف، فلا حجَّة فيه، ولأنَّا أجمعنا على أن: عسى وليس فعلان، ومع هذا لا يتصرّفان وكذلك -ههنا- وإنما لم يتصرّف فعل التعجب لوجهين:
أحدهما: أنهم لَمّا لم يصوغوا للتعجب حرفًا يدل عليه، جعلوا له صيغة لا تختلف؛ لتكون دلالة على المعنى الذي أرادوه، وأنه مُضمَّن معنى ليس في أصله.
والوجه الثاني: إنما لم يتصرف؛ لأن الفعل المضارع يصلح للحال والاستقبال، والتعجب إنما يكون مما هو موجود في الحال، أو كان فيما مضى، ولا يكون التعجب مما لم يقع، فلما كان المضارع يصلح للحال والاستقبال، كرهوا أن يصرفوه إلى صيغة تحتمل الاستقبال الذي لا يقع التعجب منه.
[الرد على قولهم: يدخله التصغير]
وأما قولهم: إنه يدخله التصغير، وهو من خصائص الأسماء؛ قلنا: الجواب عنه من ثلاثة أوجه:
الوجه الأوّل: أن التصغير -ههنا- لفظي؛ والمراد به: تصغير المصدر، لا تصغير الفعل؛ لأنَّ هذا الفعل مُنِعَ من التصرف، والفعل متى منع من التصرف، لا يؤكد بذكر المصدر، فلمّا أرادوا تصغير المصدر، صغروه بتصغير فعله؛ لأنه يقوم مقامه، ويدل عليه، فالتصغير في الحقيقة للمصدر، لا للفعل.
والوجه الثاني: أن التصغير إنما حَسُنَ في فعل التعجب؛ لأنه لَمّا لزم طريقة واحدة، أشبه الأسماء، فدخله بعض أحكامها، والشيء إذا أشبه الشيء من وجه، لا يخرج بذلك عن أصله، كما أن اسم الفاعل محمول على الفعل في العمل، فلم يخرج بذلك عن كونه اسْمًا، والفعل محمول على الاسم في الإعراب، ولم يخرج عن كونه فعلاً؛ فكذلك ههنا.
والوجه الثالث: أنه إنما دخله التصغير حملاً على باب أفعل الذي
стр. 87
للتفضيل والمبالغة؛ لاشتراك اللفظين في ذلك، ألا ترى أنك لا تقول: "ما أحسن زيدًا"، إلا لمن بلغ غاية الحسن كما لا تقول: "زيد أحسن القوم"، إلا لمن كان أفضلهم في الحسن؟ فلهذه المشابهة بينهما؛ جاز التصغير في قوله: "يا أميلح غزلانا"! كما تقول: غزلانك أميلح الغزلان، وما أشبه ذلك، والذي يدل على اعتبار هذه المشابهة بينهما، أنهم حملوا: "أفعل منك، وهو أفعل القوم" على قولهم: "ما أفعله" فجاز فيهما ما جاز فيه، وامتنع فيهما ما امتنع فيه، فلم يقولوا: "هذا أعور منك"، ولا: "أعور القوم" لأنهم لم يقولوا: "ما أعوَرَه" وقالوا: "هو أقبح عورًا منك، وأقبح القوم عورًا" كما قالوا: "ما أقبح عوره" وكذلك لم يقولوا: "هو أحسن منك حسنًا" فيؤكدوا، كما لم يقولوا: "ما أحسن زيدًا حسنًا" فلما كانت بينهما هذه المشابهة، دخله التصغير حملاً على: "أفعل" الذي للتفضيل والمبالغة.
وأمَّا قولهم: إنه يصح كما يصح الاسم، قلنا: التصحيح حصل من حيث حصل التصغير، وذلك لحمله على باب: "أفعل" الذي للمفاضلة، ولأنه أشبه الأسماء؛ لأنه لزم طريقة واحدة، فلمَّا أشبه الاسم من هذين الوجهين؛ وجب أن يصح كما يصح الاسم؛ وشبهه الاسم من هذين الوجهين، لا يخرجه /ذلك/١ عن كونه فعلاً، كما أن ما لا ينصرف أشبه الفعل من وجهين، ولم يخرجه /ذلك/٢ عن كونه اسْمًا، فكذلك -ههنا- هذا الفعل، وإن أشبه الاسم من وجهين، لا يخرجه عن كونه فعلاً؛ على أن تصحيحه غير مستنكر، فإنَّ كثيرًا من الأفعال المتصرفة جاءت مصححة؛ كقولهم: "أغيلت٣ المرأة، واستنوق٤ الجمل، واستتيست الشاة٥، واستحوذ عليهم"؛ قال الله تعالى: ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ﴾ ٦ وهذا كثير٧ في كلامهم، والذي يدل على أن تصحيحه لا يدل على كونه اسْمًا أن "أفعل به" جاء في التعجب مصحّحًا مع كونه فعلاً؛ نحو: "أَقْوِم به، وأبيع به"، فكما أن التصحيح في: أفعل به، لا يخرجه عن كونه فعلاً، فكذلك التصحيح٨ في "ما
стр. 88
أفعله" لا يخرجه عن كونه فعلاً، وقد ذكرنا هذه المسألة مستوفاة في المسائل الخلافية١.
[فعل التعجب منقول من الفعل الثلاثي وعِلَّة ذلك]
فإن قيل: فلِمَ كان فعل التعجب منقولاً من الثلاثي دون غيره؟ قيل لوجهين:
أحدهما: أن الأفعال على ضربين؛ ثلاثي ورباعي، فجاز نقل الثلاثي إلى الرباعي؛ لأنك تنقله من أصل إلى أصل، ولم يجز نقل الرباعي إلى الخماسي؛ لأنك تنقله من أصل إلى غير أصل؛ لأن الخماسي ليس بأصل.
والوجه الثاني: أن الثلاثي أخف من غيره، فلما كان أخف من غيره، احتمل زيادة الهمزة، وأما ما زاد على الثلاثي فهو ثقيل، فلم يحتمل الزيادة.
[لِمَ كانت الهمزة أولى بالزيادة]
فإن قيل: فلِمَ كانت الهمزة أولى بالزيادة؟ قيل: لأن الأصل في الزيادة حروف المد واللين؛ وهي: الواو، والياء، والألف، فأقاموا الهمزة مقام الألف، لأنها قريبة من الألف، وإنما أقاموها مقام الألف؛ لأن الألف لا يُتَصَوَّر الابتداء بها؛ لأنها لا تكون إلا ساكنة، والابتداء بالساكن محال، فكان تقدير زيادة الألف -ههنا- أولى؛ لأنها أخف حروف العلة، وقد كثرت زيادتها في هذا النحو؛ نحو: أبيض، وأسود، وما أشبه ذلك.
[انتصاب الاسم بفعل التعجب وعِلَّة ذلك]
فإن قيل: فبماذا ينتصب الاسم في قولهم: "ما أحسنَ زيدًا"؟ قيل: ينتصب لأنه مفعول أحسن؛ لأن "أحسن" لما ثُقِّل بالهمزة، صار متعديًا، بعد أن كان لازمًا، فتعدّى إلى زيد، فصار زيد منصوبًا بوقوع الفعل عليه.
[عدم اشتقاق فعل التعجب من الألوان والخلق وعِلَّة ذلك]
فإن قيل: فلِمَ لا يشتق فعل التعجب من الألوان والخلق؟ قيل: لوجهين:
أحدهما: أن الأصل في أفعالها أن تستعمل على أكثر من ثلاثة أحرف، وما زاد على ثلاثة أحرف لا يُبنى منه فعل التعجب.
стр. 89
والوجه الثاني: أن هذه الأشياء لما كانت ثابتة في الشخص، لا تكاد تتغير، جرت مجرى أعضائه التي لا معنى للأفعال فيها، كاليد والرجل وما أشبه ذلك، فكما لا يجوز أن يقال: ما أيداه، ولا ما أرجله من اليد والرجل، فكذلك لا يجوز أن يقال: ما أحمره و /لا ما/١ أسوده؛ فإن كان المراد بقوله: ما أيداه! من اليد بمعنى النعمة، وما أرجلَه! من الرُّجلة٢ جاز، وكذلك إن كان المراد بقوله: ما أحمره! من صفة البلادة، لا من الحمرة، وما أسوده، من السَّودد، لا من السواد جاز٣، وإنما جاز في هذه الأشياء؛ لأنها ليست بألوان ولا خلق.
[علة استعمال لفظ الأمر في التعجب]
فإن قيل: فلِمَ استعملوا لفظ الأمر في التعجب نحو: "أحسن بزيد" وما أشبهه؟ قيل: إنما فعلوا ذلك لضرب من المبالغة في المدح.
[الدليل على أن "أفعل" ليس بفعل أمر]
فإن قيل: فما الدليل على أنه ليس بفعل أمر؟ قيل: الدليل على ذلك أنه يكون على صيغة واحدة في جميع الأحوال٤، تقول: "يا رجلُ أحسن بزيد، ويا رجلان أحسِن بزيد، ويا رجال أحسِن بزيد، ويا هند أحسن بزيد، ويا هندان أحسن بزيد، ويا هندات أحسن بزيد" فيكون مع الواحد والاثنين والجماعة والمؤنث على صيغة واحدة؛ لأنه لا ضمير فيه، ولو كان أمرًا؛ لكان ينبغي أن يختلف في التثنية فتقول: "أحسنا بزيد" وفي جمع المذكر: "أحسنوا" وفي إفراد المؤنث: "أحسني" وفي جمع المؤنث: "أحسنَّ" فتأتي بضمير الاثنين والجماعة والمؤنث، فلما كان صيغة واحدة؛ دلَّ على أن لفظه لفظ الأمر، ومعناه الخبر.
стр. 90
فإن قيل: فما موضع الجار والمجرور في قولهم: "أحسن بزيد"؟ قيل: موضعه الرفع؛ لأنه فاعل "أَحسِن" لأنه لَمّا كان فعلاً، والفعل لا بد له من فاعل، جعل الجار والمجرور في موضع رفع؛ لأنه فاعل، قال الله تعالى: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾ ١ أي: وكفى الله وليًّا، وكفى الله نصيرًا /والباء زائدة/٢؛ فكذلك -ههنا- الباء زائدة؛ لأن الأصل في: "أحسِن بزيد: أحْسَنَ زيد" أي: صار ذا حسن، ثم نُقِلَ إلى لفظ الأمر، وزِيدَت الباء عليه.
فإن قيل: فَلِمَ زيدت الباء /عليه/٣؟ قيل: لوجهين؛ أحدهما: أنه لَمَّا كان لفظ فعل التَّعجب لفظ الأمر، فزادوا الباء فرقًا بين لفظ الأمر الذي للتعجب، وبين لفظ الأمر الذي لا يراد به التعجب.
والوجه الثاني: أنه لما كان معنى الكلام "يا حسن اثبت بزيد" أدخلوا الباء؛ لأن "أثبت" يتعدى بحرف الجر؛ فلذلك، أدخلوا الباء. وقد ذهب بعض النحويين إلى أن الجارّ والمجرور في موضع النصب؛ لأنه يقدِّر في الفعل ضميرًا هو٤ الفاعل، كما يقدَّر في: "ما أحسن زيدًا" وإذا قُدِّر -ههنا- في الفعل ضمير، هو الفاعل، وقع الجار والمجرور في موضع المفعول، فكانا في موضع نصب، والذي اتفق عليه أكثر النحويين هو الأول، وكان الأول هو الأولى٥؛ لأن الكلام إذا كان مستقلاً بنفسه من غير إضمار، كان أولى مما يفتقر إلى إضمار، ثم حَمْلُ: "أحْسِن بزيد" على: "ما أحْسَنَ زيدًا" في تقدير الإضمار لا يستقيم؛ لأن "أَحْسَنَ" إنما أضمر فيه لتقدم "ما" عليه؛ لأن "ما" مبتدأ، و"أَحْسَنَ" خبره، ولا بد فيه من ضمير يرجع إلى المبتدأ، بخلاف: "أَحْسِنْ بزيد" فإنه لم يَتَقَدَّمْه ما يوجب تقدير الضمير، فبان الفرق بينهما؛ فاعرفه تصب، إن شاء الله تعالى.
стр. 91
الباب السادس عشر: باب عسى
[عسى فعل جامد من أفعال المقاربة]
إن قال قائل: ما "عسى" من الكلام١؟ قيل: فعل ماض من أفعال المقاربة لا يتصرف، وقد حكي٢ عن ابن السّرَّاج٣ أنه حرف، وهو قول شاذ لا يعرج عليه، والصحيح أنه فعل؛ والدليل على ذلك، أنه يتصل به تاء الضمير، وألفه، وواوه؛ نحو: "عسيت، وعسيا، وعسوا"؛ قال الله تعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾ ٤ فلما دخلته هذه الضمائر كما تدخل على الفعل؛ نحو: قمت، وقاما، وقاموا، وقمتم، دل على أنه فعل، وكذلك -أيضًا- تلحقه تاء التأنيث الساكنة التي تختص بالفعل؛ نحو: عست المرأة؛ كما تقول: قامت وقعدت؛ فدل على أنه فعل.
[عِلَّة عدم تصرفِ عسى]
فإن قيل: فَلِمَ لا يتصرَّف؟ قيل: لأنه أشبه الحرف، لأنه لَمّا كان فيه معنى الطمع أشبه لعلَّ، ولعل حرف لا يتصرف، فكذلك ما أشبهه.
[عمل عسى]
فإن قيل: فماذا تعمل٥ عسى؟ قيل: ترفع الاسم، وتنصب الخبر مثل كان، إلا أن خبرها لا يكون إلا مع الفعل المستقبل؛ نحو: عسى زيد أن يقوم.
стр. 92
[عِلَّة إدخال أن في خبر عسى]
فإن قيل فلِمَ أدخلت في خبره أن؟ قيل: لأن "عسى" وضعت لمقارنة الاستقبال، و"أن" إذا دخلت على الفعل المضارع أخلصته للاستقبال، فلما كانت "عسى" موضوعة لمقارنة الاستقبال، و"أن" تخلص الفعل للاستقبال؛ ألزموا الفعل الذي وضع لمقارنة الاستقبال "أن" التي هي علم الاستقبال.
[دليل انتصاب أن وصلتها في خبر عسى]
فإن قيل: فما١ الدليل على أن موضع أن وصلتها النصب؟ قيل: لأن معنى "عسى زيد أن يقوم: قارب زيد القيام" والذي يدل على ذلك قولهم: "عسى الغوير أبؤسًا"٢، وكان القياس أن يقال: "عسى الغوير أن يبأس" إلا أنهم رجعوا إلى الأصل المتروك، فقالوا: "عسى الغوير أبؤسًا" فنصبوه بعسى؛ لأنهم أجروها مجرى قارب، فكأنه قيل: "قارب الغوير أبؤسًا"؛ وهو جمع بأس، أو بؤس.
[عِلَّة حذف أن في خبر عسى أحيانًا]
فإن قيل فَلِمَ حذفوا "أن" /من خبره/٣ في بعض أشعارهم؟ قيل: إنما يحذفونها في بعض أشعارهم؛ لأجل الاضطرار تشبيهًا لها بـ "كاد"، فإن كاد من أفعال المقاربة، كما أن عسى من أفعال المقاربة؛ ولهذا٤ الشبه بينهما، جاز أن يحمل عليها في حذف "أن" من خبرها /في/٥ نحو قوله٦: [الوافر]
عَسَى الهمُّ الذي أمسيتُ فيه ... يكونُ وَرَاءَهُ فَرَجُ قَرِيبُ
стр. 93
وكما أنَّ عسى تُشَبَّه بـ "كاد" في حذف "أن" معها، فكذلك كاد تُشَبَّه بـ "عسى" في إثباتها معها؛ قال الشاعر١: [الرجز]
[رَبْعٌ عَفَاهُ الدَّهْر طَوَرًا فامَّحَى] ... قَدْ كَاد مِنْ طُولِ البِلى أَنْ يَمْصَحَا٢
فأثبت "أن" مع كاد، وإن كان الاختيار حذفها، حملاً على عسى؛ فدل على وجود المشابهة بينهما.
[عِلَّة حذف أن من خبر كاد]
فإن قيل: وَلِمَ كان الاختيار مع كاد حذف "أنْ" وهي كعسى في المقاربة؟ قيل: هما وإن اشتركا في الدَّلالة على المقاربة إلا أن كاد أبلغ في تقريب الشيء من الحال، وعسى أذهب في الاستقبال، ألا ترى أنك لو قلت: "كاد زيد يذهب بعد عام" لم يجز؛ لأن "كاد" توجب أن يكون الفعل شديد القرب من الحال، ولو قلت: عسى الله أن يدخلني الجنة برحمته؛ لكان جائزًا، وإن لم يكن شديد القرب من الحال، فلما كانت كاد أبلغ في تقريب الشيء من الحال، حذف معها "أن" التي هي علم الاستقبال، ولما كانت عسى أذهب في الاستقبال؛ أُتي معها بأن التي هي علم الاستقبال.
فإن قيل: فما موضع "أنْ" مع صلتها /في/٣ نحو: "عسى أن يخرج زيد"؟ قيل، موضعها٤ مع صلتها٥ الرّفع بأنه فاعل كما كان زيد مرفوعًا بأنه فاعل في نحو: "عسى زيد أن يخرج".
[عدم جواز حذف أن حال كونها مع صلتها في محل رفع فاعل]
فإن قيل: فهل يجوز أن تحذف "أن" إذا كانت مع صلتها في موضع رفع؟ قيل: لا يجوز ذلك؛ لأن٦ من شرط الفاعل أن يكون اسْمًا لفظًا ومعنى، وإذا قلت: عسى يخرج زيد، فقد جعلت الفعل فاعلاً، والفعل لا يكون فاعلاً؛ لأن
стр. 94
الفاعل مخبر عنه، والإخبار إنما يكون عن الاسم لا عن الفعل، بلى إن جعل زيد في نحو: "عسى يخرج زيد" فاعل عسى، وجعل يخرج في موضع النَّصب جازت المسألة؛ لأن المفعول لا يبلغ /في/١ اقتضاء الاسميّة مبلغ الفاعل، ألا ترى أنه قد يقوم مقام المفعول /الثاني/٢ ما ليس باسم؛ نحو: "ظننت زيدًا قام أبوه" فقام أبوه جملة فعلية، وقد قامت مقام المفعول الثاني لظننت، وأما الفاعل، فلا يجوز أن يقع قط إلا اسْمًا لفظًا ومعنى /لِمَا/٣ بَيَّنَّاه، فاعرفه تصب، إن شاء الله تعالى.
стр. 95
الباب السابع عشر: باب كان وأخواتها
[كان وأخواتها أفعال وأدلة ذلك]
إن قال قائل: أي شيء كان وأخواتها من الكَلِم؟ قيل: أفعال، وذهب بعض النحويين إلى أنها حروف وليست أفعالاً، لأنها لا تدل على المصدر، ولو كانت أفعالاً؛ لكان ينبغي أن تدل على المصدر، ولَمَّا كانت لا تدل على المصدر، دل على أنها حروف١؛ والصحيح أنها أفعال، وهو مذهب الأكثرين والدليل على ذلك من ثلاثة أوجه:
الوجه الأول: أنها تلحقها تاء الضمير وألفه وواوه؛ نحو: كنت، وكانا، وكانوا٢، كما تقول: قمت، وقاما، وقاموا، وما أشبه ذلك.
والوجه الثاني: أنها تلحقها تاء التأنيث الساكنة؛ نحو: كانت المرأة، كما تقول: قامت المرأة، وهذه التاء تختص بالأفعال.
والوجه الثالث: أنها تتصرف؛ نحو: كان يكون، وصار يصير، وأصبح يصبح، وأمسى يمسي، وكذلك سائرها ما عدا "ليس" وإنما لم يدخلها التصرف؛ لأنها أشبهت "ما" وهي٣ تنفي الحال (كما أن "ما" تنفي الحال) ٤؛ ولهذا تجري "ما" مجرى "ليس" في لغة أهل الحجاز، فلما أشبهت "ما" وهي حرف لا يتصرف، وجب ألا تتصرف٥. وأما قولهم: إنها لا تدل على المصدر، ولو كانت أفعالاً؛ لدلت على المصدر، قلنا: هذا إنما يكون في الأفعال الحقيقية، وهذه الأفعال غير حقيقية؛ ولهذا المعنى تُسمّى٦ أفعال
стр. 96
العبارة، فما ذكرناه (يدل على أنها أفعال) ١، وما ذكرتموه يدل على أنها أفعال غير حقيقية، فقد علمنا بمقتضى الدليلين، على أنهم قد جبروا هذا الكسر، وألزموها الخبر عوضًا عن دلالتها على المصدر، وإذا وجد الجبر بلزوم الخبر عوضًا عن المصدر كان في حكم الموجود الثَّابت.
[انقسام كان على خمسة أوجه]
فإن قيل: فعلى كم تنقسم كان وأخواتها؟ قيل: أمَّا كان فتنقسم على خمسة أَوجه:
الوجه الأوّل: أنها تكون ناقصة فتدل على الزمان المجرد عن الحدث؛ نحو: "كان زيد قائمًا" ويلزمها الخبر٢ لِمَا بيّنا.
والوجه الثاني: أنها تكون تامة، فتدل على الزمان والحدث كغيرها من الأفعال الحقيقية، ولا تفتقر إلى خبر؛ نحو: كان زيد، وهي بمعنى: حدث ووقع؛ قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ ٣ أي: حدث ووقع، وقال تعالى: ﴿إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ ٤ وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا﴾ ٥ في قراءة من قرأ بالرفع، وقال تعالى: ﴿كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾ ٦، أي: وجد وحدث؛ وصبيًّا: منصوب على الحال، ولا يجوز أن تكون /كان/٧ ههنا الناقصة؛ /لأنه/٨ لا اختصاص لعيسى في ذلك؛ لأن كُلًّا قد كان في المهد صبيًّا، ولا عجب في تكليم من كان فيما مضى في حال الصَّبي (وإنما العجب في تكليم من هو في المهد في حال الصبي) ٩، فدل على أنها -ههنا- بمعنى: وجد وحدث، وعلى هذا قولهم: أنا مذ كنت صديقك؛ /أي وجدت/١٠؛ قال الشاعر١١: [الطويل]
فِدَىً لِبَنِي ذُهْلِ بنِ شَيْبَانَ نَاقَتِي ... إذا كان يومٌ ذو كَوَاكِبَ أَشْهَبُ١٢
стр. 97
أي حدث يوم، وقال الآخر١: [الوافر]
إذا كان الشتاءُ فأَدْفِئُونِي ... فإن الشَّيخ يَهْدِمُه الشِّتَاءُ
أي: حدث الشِّتاء.
والوجه الثالث: أن يجعل فيها ضمير الشأن والحديث، فتكون الجملة خبرها؛ نحو: "كان زيد قائم"؛ أي: كان الشأن والحديث٢ زيد قائم؛ قال الشاعر٣:
إذا متُّ كَانَ النَّاس صِنْفَانِ شَامِتٌ ... وَآخَرُ مُثْنٍ بالذي كُنْتُ أَصْنَعُ
أي: كان الشأن والحديث الناس صنفان.
والوجه الرابع: أن تكون زائدة (غير عاملة) ٤؛ نحو: "زيد كان قائم" أي: زيد قائم؛ قال الشاعر: ٥ [الوافر]
سَرَاةُ بني أبي بكر تَسَامَى ... عَلَى كَانَ المسَوَّمةِ العِرَابِ٦
стр. 98
(أي: على المسومة) ١ وقال الآخر٢: [الوافر]
فَكَيفَ إذا مَرَرْتُ بِدَارِ قَومٍ ... وَجِيرَانٍ لنَا كَانوا كِرَامِ
(أي: جيران كرام) ٣.
والوجه الخامس: أن تكون بمعنى صار؛ قال الله تعالى: ﴿وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ ٤، ﴿فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾ ٥؛ أي: صار، وعلى هذا حمل بعضهم قوله تعالى: ﴿كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾ ٦ أي: صار، وقال الشاعر٧: [الطويل]
بتيهاءَ قَفْرٍ والمطيُّ كَأَنَّهَا ... قطا الْحَزْن قَدْ كانت فراخًا بُيُوضُها٨
أي: صارت فراخًا بيوضها.
[صار ناقصة وتامة]
وأمّا صار، فتستعمل ناقصة وتامة، فأمَّا الناقصة، فتدل /أيضًا/٩، على الزمان المجرد عن الحدث، ويفتقر١٠ إلى الخبر؛ نحو: "صار زيد عالِمًا" مثل
стр. 99
"كان" إذا كانت ناقصة؛ وأما التامة، فتدل على الزمان والحدث، ولا تفتقر إلى خبر؛ نحو: "صار زيد إلى عمرو" مثل كان إذا كانت تامة، وكذلك سائر أخواتها تستعمل ناقصة وتامة، إلا: ظل، وليس، وما زال، وما فتئ، فإنها لا تستعمل إلا ناقصة.
[عمل الأفعال الناقصة في شيئين وعلة ذلك]
فإن قيل: فَلِمَ عملت هذه الأفعال في شيئين؟ قيل: لأنها عبارة عن الجمل لا عن١ المفردات، فلما اقتضت شيئين؛ وجب أن تعمل فيهما٢.
[عِلَّة رفعها للاسم ونصبها للخبر]
فإن قيل: فَلِمَ رفعت الاسم، ونصبت الخبر؟ قيل: تشبيهًا بالأفعال الحقيقيّة، فرفعت الاسم تشبيهًا له بالفاعل، ونصبت الخبر تشبيهًا /له/٣ بالمفعول.
[جواز تقديم خبر الأفعال الناقصة على اسمها]
فإن قيل: فهل يجوز تقديم أخبارها على أسمائها؟ قيل: نعم يجوز، وإنما جاز/ذلك/٤ لأنها لَمَّا كانت أخبارها مُشَبَّهة بالمفعول، وأسماؤها مشبهة بالفاعل، والمفعول يجوز تقديمه على الفاعل؛ فكذلك ما كان مشَبَّها به.
[جواز تقديم خبر بعض الأفعال الناقصة عليها وعلة ذلك]
فإن قيل: فهل يجوز تقديم أخبارها عليها أنفسها؟ قيل: يجوز ذلك في ما لم يكن في أوله "ما"؛ نحو: "قائمًا كان زيد" وإنما جاز ذلك؛ لأنه لَمّا كان مشبهًا بالمفعول، والعامل فيه متصرف؛ جاز تقديمه عليه كالمفعول؛ نحو: "عمرًا ضرب زيد".
[عدم تقديم اسم الأفعال الناقصة عليها وعلة ذلك]
فإن قيل: فَلِمَ لم يجز تقديم أسمائها عليها أنفسها، كما يجوز تقديم أخبارها عليها؟ قيل: إنما لم يجز تقديم أسمائها عليها؛ لأن أسماءها مشبهة بالفاعل، والفاعل لا يجوز تقديمه على الفعل، فكذلك ما كان مشبّهًا به، وجاز
стр. 100
تقديم أخبارها عليها؛ لأنها مشبهة بالمفعول، والمفعول يجوز تقديمه على الفعل، كما بيّنا.
[علة عدم تقديم خبر ما في أوله "ما" عليه]
فإن قيل: فلِمَ لم يجز تقديم خبر ما في أوّله "ما" عليه؟ قيل: لأن "ما" في أوله ما ما عدا "ما دام" للنفي؛ /والنفي/١ له صدر الكلام كالاستفهام، فكما أن الاستفهام لا يعمل ما بعده في ما قبله؛ نحو: "أعمرًا ضرب زيد"٢ فكذلك النفي لا يعمل ما بعده في ما قبله؛ نحو: "قائمًا ما زال زيد".
[جواز تقديم خبر ما زال عليها عند بعضهم]
وقد ذهب بعض النحويين إلى أنه يجوز تقديم خبر "ما زال" عليها؛ وذلك لأن ما للنفي، وزال فيها معنى النفي، /والنفي/٣ إذا دخل على النفي صار إيجابًا، /وإذا صار إيجابًا/٤ صار قولك: "ما زال زيد قائمًا" بمنزلة: "كان زيد قائمًا" وكما يجوز أن تقول: "قائمًا كان زيد" فكذلك يجوز أن تقول: "قائمًا ما زال زيد" وأجمعوا على أنه لا يجوز تقديم خبر "ما دام" عليها، وذلك؛ لأن٥ "ما" فيها مع الفعل بمنزلة المصدر، ومعمول المصدر، لا يتقدّم عليه.
[خلافهم في تقديم خبر ليس عليها وعلة ذلك]
فإن قيل: فهل يجوز تقديم خبر ليس عليها؟ قيل: اختلف النحويون في ذلك؛ فذهب الكوفيون إلى أنه لا يجوز تقديم خبرها عليها /نفسها/٦ وذهب أكثر البصريين إلى جوازه؛ لأنه كما جاز تقديم خبرها على اسمها، جاز تقديم خبرها عليها نفسها، والاختيار عندي ما ذهب إليه الكوفيون؛ لأن "ليس" فعل لا يتصرف، والفعل إنما يتصرف عمله إذا كان متصرِّفًا في نفسه، وإذا لم يكن متصرِّفًا في نفسه، لم يتصرف عمله، وأمَّا قولهم: إنه كما جاز تقديم خبرها على اسمها؛ جاز تقديم خبرها عليها ففاسد؛ لأنَّ تقديم خبرها على اسمها، لا يخرجه عن كونه متأخرًا عنه، وتقديم خبرها عليها، يوجب كونه متقدمًا عليها، وليس من ضرورة أن يعمل الفعل في ما بعده، يجب٧ أن يعمل في ما قبله؛
стр. 101
ثم نقول: إنما جاز تقديم خبرها على اسمها؛ لأنها أضعف من "كان" لأنها تتصرف، ويجوز تقديم خبرها عليها، وأقوى من "ما" لأنها حرف، ولا يجوز تقديم خبرها على اسمها، فجعل لها منزلة بين المنزلتين، فلم يجز تقديم خبرها عليها نفسها، لتنحطّ عن درجة "كان" وجوزوا١ تقديم خبرها على اسمها؛ لترتفع عن درجة "ما".
[امتناع استعمال ما زال مع إلا]
فإن قيل: لِمَ جاز: "ما كان زيد إلا قائمًا" ولم يجز: "ما زال زيد إلا قائمًا"؟ قيل: لأن "إلا" إذا دخلت في الكلام، أبطلت معنى النفي، فإذا قلت: ("ما كان زيد إلا قائمًا" كان التقدير فيه: "كان زيد قائمًا" وإذا قلت:) ٢ "ما زال زيدًا إلا قائمًا"؛ صار التقدير: "زال زيد قائمًا" و"زال" لا تستعمل إلا بحرف النفي، فلما كان إدخال حرف الاستثناء يوجب إبطال معنى النفي، و"كان" يجوز استعمالها من غير حرف النفي، و"زال" لا يجوز استعمالها إلا بإدخال حرف٣ النفي جاز: "ما كان زيد إلا قائمًا" ولم يجز "ما زال زيد إلا قائمًا"؛ وأما قول الشاعر٤: [الطويل]
حَرَاجِيجُ ما تَنْفَّكُّ إلا مُنَاخَةً ... عَلَى الْخَسْفِ أو نَرْمِي بِهَا بَلَدًا قَفْرَا٥
فالخير قوله: على الخسف، وتقديره: ما تنفك على الخسف إلا أن تناخ أو نرمي٦ بها بلدًا قَفْرَا؛ فاعرفه تصب، إن شاء الله تعالى.
стр. 102
الباب الثامن عشر: باب ما
[علة إعمال ما الحجازية]
إن قال قائل: لِمَ عملت "ما" في لغة أهل الحجاز، فرفعت الاسم، ونصبت الخبر؟ قيل: لأن "ما" أشبهت "ليس" ووجه الشبه بينهما من وجهين؛
أحدهما: أن "ما" تنفي الحال، كما أن "ليس" تدخل على المبتدأ والخبر؛ ويقوي هذه المشابهة بينهما دخول الباء في خبرها، كما تدخل في خبر "ليس" (فإذ ثبت أنها أشبهت "ليس") ١ فوجب أن تعمل عملها، فترفع الاسم، وتنصب الخبر، وهي لغة القرآن؛ قال الله تعالى: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾ ٢، وذهب الكوفيون إلى أن الخبر منصوب بحذف حرف الجر، وهذا فاسد؛ لأن حذف حرف الجر، لا يوجب النصب؛ لأنه لو كان حذف حرف الجر، يوجب النصب؛ لكان ينبغي أن يكون ذلك في كل موضع، ولا خلاف أن كثيرًا من الأسماء يحذف منها حرف الجر ولا تنتصب٣ بحذفه؛ كقوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾ ٤، ولو حذف حرف الجر؛ لكان: وكفى الله وليًّا، وكفى الله نصيرًا /بالرفع/٥ كقول الشاعر٦: [الطويل]
عُمَيرة وَدِّع إن تجهّزتَ غاديًا ... كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا
стр. 103
وكذلك قولهم: "بحسبك زيد، وما جاءني من أحد" /و/١ لو حذفت حرف الجر، لقلت: "حسبك زيد، وما جاءني أحد" بالرفع؛ فدل على أن حذف حرف الجر، لا يوجب النصب.
[علة إهمال ما التميمية]
فإن قيل: لِمَ لَمْ تعمل على لغة بني تميم؟ قيل: لأن الحرف إنَّما يعمل إذا كان مختصًّا بالاسم، كحرف الجر، أو بالفعل كحرف الجزم [وَ] ٢ إذا كان يدخل على الاسم والفعل لم يعمل كحرف العطف، و"ما" تدخل على الاسم والفعل، ألا ترى أنك تقول: "ما زيد قائم، وما يقوم زيد" فتدخل عليهما، فلما كانت غير مختصة؛ وجب أن تكون غير عاملة.
فإن قيل: فَلِمَ٣ دخلت الباء في خبرها؛ نحو: "ما زيد بقائم"؟ قيل: لوجهين؛ أحدهما: أنها أدخلت٤ توكيدًا للنفي،
والثاني: أن يُقَدَّر أنَّها جواب لمن قال: "إن زيدًا لقائم" فأدخلت الباء في خبرها؛ لتكون بإزاء اللام في خبر إنَّ.
[إهمال ما الحجازية إذا توسطت إلَّا بينها وبين خبرها وعلة ذلك]
فإن قيل: فَلِمَ٣ بطل عملها في لغة أهل الحجاز، إِذَا فصلت٥ بين اسمها وخبرها بإلا؟ قيل: لأن "ما" إنَّما عملت؛ لأنَّها أشبهت "ليس" من جهة المعنى وهو، النفي، و"إلا" تبطل معنى النفي، فتزول المشابهة، وإذا٦ زالت المشابهة؛ وجب ألا تعمل.
[إهمال ما الحجازية إذا فصل بينها وبين اسمها وخبرها بـ "إن" الخفيفة وعلة ذلك]
فإن قيل: فلماذا بطل عملها -أيضًا- إذا فصلتَ٥ بينها وبين اسمها وخبرها بـ "إن" الخفيفة؟ قيل: لأن "ما" ضعيفة في العمل؛ لأنها إنما عملت لأنها أشبهت فعلاً لا يتصرف شبهًا ضعيفًا من جهة المعنى؛ فلما كان عملها ضعيفًا؛ بطل عملها مع الفصل؛ ولهذا المعنى، يبطل٧ عملها -أيضًا- إذا
стр. 104
تقدَّم الخبر على الاسم؛ نحو: "ما قائم زيد" لضعفها في العمل؛ فألزمت طريقة واحدة، وأما قول الشاعر١: [البسيط]
فأصبحوا قد أعاد الله نعمتهم ... إذ هم قريش وإذ ما مثلَهُم بشرُ
فمن النحويين من قال: هو منصوب على الحال؛ لأن التقدير فيه: وإذ ما بشرٌ مثلَهُم، فلما قدم مثلهم الذي هو صفة النكرة، انتصب على الحال؛ لأن صفة النكرة إذا تقدمت، انتصبت على الحال؛ كقول الشاعر٢: [مجزوء الوافر]
لِمَيَّةَ موحشًا طللُ ... يَلوحُ كَأَنَّه خِلَلُ٣
/و/٤ التقدير فيه: طَلَلٌ مُوحشٌ؛ وكقول الآخر٥: [البسيط]
والصالحات عليها مُغْلَقًا باب
والتقدير فيه: باب مغلق؛ إلا أنه لما قدم الصفة على النكرة٦، نصبها على الحال؛ ومنهم من قال: هو منصوب على الظرف؛ لأن قوله: ما مثلهم بشر، في معنى: "فوقهم"؛ ومنهم من حمله على الغلط؛ لأن ٧ هذا البيت للفرزدق، وكان تميميًّا، وليس من /لغته/٨ إعمال "ما" سواء تقدم الخبر، أو تأخر، فلمَّا استعمل لغة غيره غلط، فظن أنها تعمل مع تقدم الخبر، كما تعمل مع تأخره، فلم يكن في ذلك حجة؛ ومنهم من قال: إنها لغة لبعض العرب، وهي لغة قليلة، لا يعتدّ بها؛ فاعرفه تصب، إن شاء الله تعالى.
стр. 105
الباب التاسع عشر: باب إن وأخواتها
[علة إعمال الأحرف المشبهة]
إن قال قائل: لِمَ أعملت١ هذه الأحرف؟ قيل: لأنها أشبهت الفعل، ووجه الشّبه بينهما من خمسة أوجه:
الوجه الأول: أنها مبنية على الفتح، كما أن الفعل الماضي مبني على الفتح.
والوجه الثاني: أنها على ثلاثة أحرف، كما أن الفعل على ثلاثة أحرف.
والوجه الثالث: أنها تلزم الأسماء، كما أن الفعل يلزم الأسماء.
والوجه الرابع: أنها تدخل عليها نون الوقاية، كما تدخل على الفعل؛ نحو إنني وكأنني ولكنني.
والوجه الخامس: أن فيها معاني الأفعال، فمعنى إن وأن: حققت، ومعنى "كأن": شبَّهت، ومعنى "لكن": استدركت، ومعنى "ليت": تمنيت، ومعنى "لعل": ترجيت، فلما أشبهت هذه الحروف الفعل من هذه الأوجه /الخمسة/٢؛ وجب أن تعمل عمله؛ وإنما عملت في شيئين؛ لأنها عبارة عن الجمل، لا عن المفردات، كما بيّنا في "كان".
[علة نصب الأحرف المشبهة للاسم ورفعها للخبر]
فإن قيل: فلم نصبت الاسم، ورفعت الخبر؟ قيل: لأنها /لَمّا/٣ أشبهت الفعل، وهو يرفع وينصب، شُبِّهت /به/٤ فنصبت الاسم تشبيهًا بالمفعول، ورفعت الخبر تشبيهًا بالفاعل.
стр. 106
[علة وجوب تقديم منصوب الأحرف المشبهة على مرفوعها]
فإن قيل: فَلِمَ وجب تقديم المنصوب على المرفوع؟ قيل لوجهين:
أحدهما: أن هذه الحروف، تشبه الفعل لفظًا ومعنى؛ فلو قُدِّم المرفوع على المنصوب، لم يعلم هل هي حروف، أو أفعال؟
فإن قيل: الأفعال تتصرَّف، والحروف لا تتصرَّف، قيل: عدم التصرف، لا يدل على أنها حروف؛ لأنه قد يوجد أفعال لا تتصرف؛ وهي: نعم، وبئس، وعسى، وليس، وفعل التعجب، وحبَّذا، فلما كان ذلك يؤدي إلى الالتباس بالأفعال، وجب تقديم المنصوب على المرفوع رفعًا لهذا الالتباس.
والوجه الثاني: أن هذه الحروف لما أشبهت الفعل الحقيقيّ لفظًا ومعنى، حملت عليه في العمل، فكانت فرعًا عليه في العمل، وتقديم١ المنصوب على المرفوع فرع؛ فألزموا الفرع الفرع، وتخرج على هذا "ما" فإنَّها ما أشبهت الفعل من جهة اللفظ، وإنما أشبهته من جهة المعنى، ثم الفعل الذي أشبهته ليس فعلاً حقيقيًّا وفي فعليته خلاف، بخلاف هذه الحروف، فإنها أشبهت الفعل الحقيقيّ من جهة اللفظ والمعنى من الخمسة الأوجه التي بيناها، فبان الفرق بينهما. وقد ذهب الكوفيون إلى أن "إن" وأخواتها /إنما/٢ تنصب الاسم، ولا ترفع الخبر وإنما الخبر يرتفع بما كان يرتفع به قبل دخولها؛ لأنها فرع على الفعل في العمل، فلا تعمل عمله؛ لأن الفرع -أبدًا- أضعف من الأصل، فينبغي ألا تعمل في الخبر؛ وهذا ليس بصحيح؛ لأن كونه فرعًا على الفعل في العمل، لا يوجب ألا يعمل عمله، فإن اسم الفاعل فرع على الفعل في العمل، ويعمل عمله، على أنَّا قد عملنا بمقتضى كونه فرعًا، فإنَّا ألزمناه طريقة واحدة، وأوجبنا فيه تقديم المنصوب على المرفوع، ولم نُجَوِّز فيه الوجهين، كما جاز ذلك مع الفعل؛ لئلا٣ يجري مجرى الأصل، فلمّا أوجبنا فيه تقديم المنصوب على المرفوع، بان ضعف هذه الحروف (عن رتبة الفعل) ٤، وانحطاطها عن رتبة الفعل؛ فوقع الفرق بين الفرع والأصل؛ ثم لو كان الأمر كما زعموا، وأنه باقٍ على رفعه؛ لكان الاسم المبتدأ أولى بذلك، فلما وجب نصب المبتدأ بها؛ وجب رفع
стр. 107
الخبر بها؛ لأنه ليس في كلام العرب عامل يعمل في الأسماء النصب، ولا يعمل الرفع، فما ذهبوا إليه يؤدي إلى ترك القياس، ومخالفة الأصول لغير فائدة، وذلك لا يجوز.
[علة جواز العطف على موضع إنَّ ولكنَّ]
فإن قيل: فَلِمَ جاز العطف على موضع "إن ولكن" دون سائر أخواتها؟ قيل: لأنهما لم يغيِّرا معنى الابتداء، بخلاف سائر الحروف؛ لأنها غيَّرت معنى الابتداء؛ لأن: "كأن" أفادت معنى التشبيه، و"ليت" أفادت معنى التمني، و"لعل" /أفادت/١ معنى التَّرجي.
[خلافهم في العطف على الموضع قبل ذكر الخبر]
فإن قيل: فهل يجوز العطف على الموضع قبل ذكر الخبر؟ قيل: اختلف النحويون في ذلك؛ فذهب أهل البصرة٢ إلى أنه لا يجوز ذلك على الإطلاق، وذلك لأنك إذا قلت: "إنك وزيد قائمان" وجب أن يكون /زيد/٣ مرفوعًا بالابتداء، ووجب أن يكون عاملاً في خبر زيد، وتكون "إن" عاملة في خبر الكاف، وقد اجتمعا معًا، وذلك لا يجوز؛ وأمّا الكوفيون فاختلفوا /في ذلك/٤؛ فذهب الكسائي إلى أنه يجوز ذلك على الإطلاق؛ سواء تبين فيه عمل "إن" أو لم يتبين؛ نحو: "إن زيدًا وعمرو قائمان، وإنك وبكر منطلقان". وذهب الفراء إلى أنه لا يجوز ذلك إلا في ما لم٥ يتبين فيه عمل "إن" واستدلوا على ذلك بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى﴾ ٦ فعطف الصابئين على موضع إن قبل تمام الخبر؛ وهو قوله: ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ ومما حكي عن بعض العرب أنه قال: "إنك وزيد ذاهبان"، وقد ذكره سيبويه في الكتاب.
والصحيح: ما ذهب إليه البصريون. وما استدل٧ به الكوفيون، فلا حُجَّة
стр. 108
لهم فيه، وأما قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ﴾ فلا حُجَّة لهم فيه من وجهين:
أحدهما: أنَّا نقول: في الآية تقديم وتأخير؛ والتقدير فيه١: إن الذين آمنوا والذين هادوا ومن آمن بالله واليوم الآخر، فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون، والصابئون والنصارى كذلك.
والوجه الثاني: أن تجعل٢ قوله: ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ خبر الصابئين والنصارى، وتضمر للذين آمنوا والذين هادوا /خبرًا/٣ مثل الذي أظهرت للصابئين والنصارى، ألا ترى أنك تقول: "زيد وعمرو قائم" فتجعل: قائمًا خبرًا لعمرو، وتضمر لزيد خبرًا آخر مثل الذي أظهرتَ لعمرو، وإن شئت جعلته خبرًا لزيد، وأضمرت لعمرو خبرًا؛ كما قال الشاعر٤: [الوافر]
وإلا فاعلموا أنَّا وأنتم ... بُغَاةٌ ما بقينا في شقاق٥
وإن شئت جعلت قوله "بغاة" خبرًا للثاني، وأضمرت للأول خبرًا، وإن شئت جعلته خبرًا للأول، وأضمرت للثاني خبرًا على ما بينّا.
وأما قول بعض العرب "إنك وزيد ذاهبان" فقد ذكره ٦ سيبويه أنه غلط من بعض العرب، وجعله بمنزلة قول الشاعر٧: [الطويل]
بَدَا لِي أَنِّي لَسْتُ مُدْرِكَ مَا مَضَى ... وَلاَ سَابِقٍ شَيئًا إِذَا كَانَ جَائِيا
стр. 109
فقال: "سابق" بالجر على العطف، وإن كان المعطوف عليه منصوبًا لتوهم١ حرف الجر فيه؛ وكذلك قول الآخر٢: [الطويل]
مَشَائِيمُ لَيسُوا مُصْلِحِينَ عَشِيرَةً ... ولا نَاعِبٍ إلا بِبَينٍ غُرَابُهَا٣
فقال: "ناعب" /بالجر/٤ بالعطف على "مصلحين"؛ لأنه توهم أن الباء في مصلحين موجودة، ثم عطف عليه مجرورًا وإن كان منصوبًا، ولا خلاف أن هذا نادر، ولا يقاس عليه، فكذلك ههنا؛ فاعرفه تصب، إن شاء الله تعالى.
стр. 110
الباب العشرون: باب ظننت وأخواتها
[استعمالات ظن وأخواتها]
إن قال قائل: على كم ضرابًا تستعمل /فيه/١ هذه الأفعال؟ قيل: أمّا ظننت فتستعمل على ثلاثة أوجه:
أحدهما: بمعنى الظن وهو ترجيح أحد الاحتمالين على الآخر.
والثاني: بمعنى اليقين؛ قال الله : ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ ٢ /أي: يوقنون/٣ وقال الله تعالى: ﴿فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا﴾ ٤. وقال الشاعر٥: [الطويل]
فقلت لهم: ظنوا بألفي مُدَجَّجٍ ... سَرَاتُهُم في الفارسي المسرَّدِ٦
وهذان يتعديان إلى مفعولين.
والثالث: بمعنى التهمة؛ كقوله تعالى: ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ ٧ في قراءة من قرأ بالظاء؛ أي: بمتهم، وهذا يتعدى ٨ إلى مفعول واحد.