مقدمة
...
بسم الله الرحمن الرحيم١
إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا،
من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله الله تعالى بين يدي الساعة بشيراً، ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، فبلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، بلسانه، ويده، وماله، حتى أتاه اليقين فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله، وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
стр. 2
أما بعد:
أيها الأخوة الحاضرون فإني أذكركم ونفسي بما أنعم الله به على هذه البلاد من نعمة الإسلام قديماً وحديثاً، هذه البلاد التي كانت محل الرسالة رسالة محمد، ﷺ ، خاتم النبيين الذي بعث إلى الناس كافة، بل إلى الجن والإنس.
هذه البلاد التي كما بدأ منها الإسلام فإليها يعود كما ثبت به الحديث عن النبي، ﷺ ، حيث قال: "إن الإيمان ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى حجرها" ١.
هذه البلاد التي لا أعلم والله شاهد على ما في قلبي لا أعلم بلاًداً إسلامية في عصرنا أقوي منها تمسكاً بدين الله لا بالنسبة لشعبها، ولكن بالنسبة لشعبها ومن ولاة أمرها. وهذه النعمة الكبيرة أيها الأخوة إذا لم نشكرها فإنها كغيرها من النعم توشك أن تزول.
يوشك أن يحل بدل الإيمان الكفر، وبدل الإسلام الاستكبار، إذا لم نقيد هذه النعمة بالمحافظة عليها وحمايتها والمدافعة دونها.
стр. 3
أيها الأخوة.. إن هذه البلاد بما أنعم الله به عليها من هذه النعمة العظيمة، وهي نعمة الإسلام أولاً وأخيراً كانت مركزاً لتوجيه الضربات عليها من أجل صد أهلها عن دينهم، ليس في الأخلاق فحسب ولكن في الأخلاق والعقائد، ولذلك كان لزاماً على شبابها وأخص الشباب لأسباب ثلاثة: لأنهم رجال المستقبل، ولأنهم أقوى عزيمة، وأشد حزماً ممن بردت أنفسهم بالشيخوخة، ولأنهم الذين تركز عليهم هذه الضربات.
إنني أوجه إلى الشباب أن يحموا بلادهم من كيد أعدائهم، فإن أعدائهم يوجهون الضربات تلو الضربات ليقضوا على هذه المنة العظيمة التي من الله بها علينا ألا وهي دين الإسلام.
أيها الشاب: استعينوا بالله – بما علمكم من شريعته، ثم بحكمة الشيوخ ذوي الثقة، والأمانة والعلم، والبرهان، فاستعينوا بذلك على حماية بلادكم من كيد أعدائها، وأعلموا أن الدنيا لن تكون حياة طيبة إلا بالإيمان، والعمل الصالح.
стр. 4
كما قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل:٩٧] .
أيها الأخوة: إن المشكلات في عصرنا هذا كثيرة وإني اخترت الكلام في:
"أسماء الله وصفاته وموقف أهل السنة منها"
ولعل الكثير منكم يقول: لماذا اخترت هذا الموضوع بالذات، ألسنا كلنا وبالأخص أهل هذه الجزيرة، ألسنا كلنا نؤمن بأسماء الله وصفاته عما يليق به، ولا نتعرض لها بتحريف، ولا تعطيل؟! أليست العجوز منا، والشيخ، والصغير، والذكر، والأنثى، كل على حد سواء لا يجول في أفكارهم شيء من التحريف أو الانحراف في أسماء الله وصفاته. فلماذا اخترت هذا الموضوع بالذات؟
وإن جوابي على هذا أن أقول: إنني اخترت هذا الموضوع لأمرين هامين:
أحدهما: أهمية الموضوع، فإن هذا الموضوع ليس كما يظن بعض الناس، ولا أعني ببعض الناس عامتهم، بل حتى
стр. 5
بعض طلبة العلم يظنون أن البحث في هذا الباب – في باب أسماء الله وصفاته – ليس بذي قيمة تذكر، والحقيقة أن هذا الفكر فكر خاطيء، لأن معرفة الله تعالى بأسمائه وتوحيده بذلك، وصفاته هو أحد أقسام التوحيد الثلاثة:
فقد قسم أهل العلم التوحيد إلى ثلاثة أقسام:
أحدها: توحيد الربوبية.
والثاني: توحيد الألوهية.
والثالث: توحيد الأسماء والصفات.
إذن فهو عنصر هام في باب التوحيد يجب علينا أن نعرفه، كما أنه أيضاً أعني معرفة الأسماء والصفات هو أحد أركان الإيمان بالله فإن الإيمان بالله لايتم إلا بأربعة أمور:
أحدها: الإيمان بوجوده تعالى.
والثاني: الإيمان بربوبيته، وعموم ملكه، وقوة سلطانه.
والثالث: الإيمان بألوهيته، وأنه وحده المستحق للعبادة، وأن ما سواه فعبادته باطلة.
стр. 6
أما الأمر الرابع من أركان الإيمان بالله التي لا يمكن أن يتم الإيمان بالله إلا بها وهو موضوع محاضرتنا هذه، فهو الإيمان بأسماء الله وصفاته.
إنني لا أتصور أن أكون أحداً يمكن أن يعبد رباً لأ يعرف أسماءه وصفاته
وكيف يكون ذلك وهو يمد يديه له: يارب، يارب، إذا كان لايعلم أن له صفات وأسماء يدعى بها؟ فكيف يتخذه إلهاً قادراً، ملجئاً ومعاذاً، ونصيراً
ولهذا قال إبراهيم الخليل لأبيه ﴿يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً﴾ [مريم:٤٢] .
فمعرفة أسماء الله وصفاته أمر مهم في دين الله ولابد أن يعرفه الإنسان ويحققه.
أما السبب الثاني لاختياري هذا الموضوع: فهو كثرة الكلام فيه بالباطل في الآونة الأخيرة، كنا في وقت الطلب نقرأه على أنه أمر بعيد عنا زمنا، ومكانا.
ولكننا وجدناه الآن فيه بيننا في الصحف المقرؤة، وكذلك في الكتب المقررة في بعض جهات التعليم.
стр. 7
إذن لابد أن نعرف موقف أهل السنة والجماعة بالنسبة لأسماء الله وصفاته، حتى نكون يقظين حذرين، وعالمين بما نحكم به فيما ينشر أو فيما يقرر.
فالكلام في أسماء الله وصفاته في الآونة الأخيرة كثر اللغط فيه، وكثر القول فيه بالحق تارة، وبالباطل تارات.
ولهذا لابد أن نحقق هذا الأمر تحقيقاً بالغاً حتى لا تجرف بنا الأهواء أو الأفكار التي على خطأ، وليست على صواب هذا الأمر.
وإني ألخص الكلام في العناصر التالية:
العنصر الأول: في موقف أهل السنة والجماعة في الأسماء والصفات.
العنصر الثاني: في نصوص الأسماء والصفات.
العنصر الثالث: في العدول عن هذا الموقف.
العنصر الرابع: في أن التطرف في التنزيه يستلزم إبطال الدين كله.
стр. 8
العنصر الخامس: في أن بعض أهل التحريف، والتعطيل اعتدوا على أهل السنة والجماعة فرموهم بالتشبيه، والتمثيل، والتجسيم.
العنصر السادس: في أن أهل التحريف والتعطيل ادعوا على أهل السنة أنهم أولوا بعض النصوص ليلزموا أهل السنة بالتأويل في يقية النصوص أو بالمداهمة وفي إبطال هذه الدعوى.
стр. 9
العنصر الأول: موقف أهل السنة في أسماء الله – ﵎ -:
أسماء الله تعالى كل ما سمى به نفسه في كتابة، أو سماه به أعلم الخلق به رسوله محمد، ﷺ .
وموقف أهل السنة من هذه الأسماء أنهم يؤمنون بها على أنها أسماء لله تسمى بها الله عزوجل، وأنها أسماء حسنى ليس فيها نقص بوجه من الوجوه كما قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف:١٨٠] .
стр. 10
فهم يثبتون الأسماء على أنها أسماء لله، وبثبتون أيضاً ما تضمنته هذه الأسماء من الصفات.
فمثلاً من أسماء الله "العليم" فيثبتون العليم اسماً لله – ، ويقولون: يا عليم. فيثبتون أنه يسمى بالعليم ويثبتون بأن العلم صفة له دل عليها اسم العليم، فالعليم اسم مشتق من العلم، وكل اسم مشتق من معنى فلابد أن يتضمن ذلك المعنى الذي أشتق منه، وهذا أمر معلوم في العربية واللغات جمعياً.
ويثبتون كذلك ما دل عليه الاسم من الأثر إن كان الاسم مشتقاً من مصدر متعدي.
فمثلاً "الرحيم" من أسماء الله يؤمنون بالرحيم على أنه اسم من أسمائه، ويؤمنون بما تضمنه من صفة الرحمة، وأن الرحمة صفة حقيقية ثابتة لله دل عليها اسم الرحيم، وليست إرادة الإحسان والإحسان نفسه، وإنما إرادة الإحسان والإحسان نفسه من آثار هذه الرحمة.
كذلك يؤمنون بأثر هذه الرحمة من يستحقها.
стр. 11
كما قال تعالى: ﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ﴾ [العنكبوت:٢١] .
هذه قاعدة أهل السنة والجماعة بالنسبة للأسماء:
أولا: يؤمنون بأنها أسماء تسمى الله بها فيدعون الله بها.
ثانياً: يؤمنون بما تضمنه الاسم من الصفة، لأن جميع أسماء الله مشتقة، والمشتق كما هو معروف يكون دالا على المعنى الذي اشتق منه.
ثالثاً: يؤمنون بما تضمنه الاسم من الأثر إذا كان الاسم متعدياً كالعليم، والرحيم، والسميع، والبصير.
أما إذا كان الاسم مشتقاً من مصدر لازم فإنه لا يتعدى مسماه مثل الحياة فالله تعالى من أسمائه "الحي"، و "الحي" دل على صفة الحياة، والحياة وصف للحي نفسه لا يتعدي إلى غيره.
ومثل "العظيم" فهذا الاسم والعظمة هي الوصف، والعظمة وصف للعظيم نفسه لا تتعدي إلى غيره.
стр. 12
فعلى هذا تكون الأسماء على قسمين: متعدي ولازم.
والمتعدي لا يتم الإيمان به إلا بالأمور الثلاثة:
الإيمان بالاسم، ثم بالصفة ثم بالأثر.
وأما اللازم فإنه لا يتم الإيمان إلا بإثبات أمرين:
أحدهما: الاسم. والثاني: الصفة.
أما موقف أهل السنة والجماعة في الصفات فهو: إثبات كل صفة وصف الله بها نفسه، أو وصفه بها رسوله محمد، ﷺ ، لكن إثباتاً بلا تكييف ولا تمثيل، ولا تحريف، ولا تعطيل، سواء كانت هذه الصفة من الصفات الذاتية أم من الصفات الفعلية.
فإذا قال قائل: فرقوا لنا بين الصفات الذاتية والصفات الفعلية.
قلنا: الصفات الذاتية هي التي تكون ملازمة لذات الخالق أي انه متصف بها أزلاً وأبداً.
والصفات الفعلية هي التي تتعلق بمشيئة فيفعلها الله تبعاً لحكمته – .
стр. 13
مثال الأول: صفة الحياة صفة ذاتية، لأن الله لم يزل ولا يزال حياً، كما قال الله تعالى: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِر﴾ [الحديد: ٣] وفسرها النبي، ﷺ ، بقوله: "أنت الأول فليس قبلك شيء وأنت الآخر فليس بعدك شيء" ١.
وقال تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ﴾ [الفرقان: ٥٨] .
كذلك السمع، والبصر، والقدرة كل هذه من الصفات الذاتية، ولا حاجة إلى التعداد لأننا عرفناها بالضابط: "كل صفة لم يزل الله ولا يزال متصفاً بها فإنها من الصفات الذاتية" لملازمتها للذات.
وكل صفة تتعلق بمشيئة يفعلها الله حيث اقتضتها حكمته فإنها من الصفات الفعلية.
مثال الثاني: استوائه على العرش، ونزوله إلى السماء الدنيا.
فاستواء الله على العرش من الصفات الفعلية لأنه متعلق بمشيئته.
стр. 14
كما قال تعالى: ﴿إنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤] . فجعل الفعل معطوفاً على ما قبله ب"ثم" الدالة على الترتيب.
ثم النزول إلى السماء الدنيا وصفه به أعلم الخلق به رسول الله، ﷺ ، حي قال: "ينزل ربنا إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول: "من يدعوني فأستجب له. من يسألنى فأعطيه. من يستغفرني فأغفرله" ١.
وهذا النزول من الصفات الفعلية لأنه متعلق بمشيئة الله تعالى.
فأهل السنة والجماعة يؤمنون بذلك، ولكنهم في هذا الإيمان يتحاشون التمثيل، أو التكييف، أي أنهم لا يمكن أن يقع في نفوسهم أن نزوله كنزول المخلوقين، أو استوائه على العرش كاستوائهم، أو إتيانه للفصل بين عبادة كإتيانهم لأنهم يؤمنون بأن الله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] ويعلمون بمقتضى العقل مابين الخالق والمخلوق من التباين العظيم في الذات، والصفات، والأفعال، ولا يمكن أن يقع في نفوسهم كيف
стр. 15
ينزل؟ أو كيف استوى على العرش؟ أو كيف يأتي للفصل بين عباده يوم القيامة؟ أي أنهم لا يكيفون صفاته مع إيمانهم بأن لها كيفية لكنها غير معلومة لنا، وحينئذٍ لا يمكن أبداً أن يتصوروا الكيفية، ولا يمكن أن ينطقوا بها بألسنتهم أو يعتقدوها في قلوبهم.
يقول تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً﴾ [الاسراء:٣٦] .
ويقول: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْأِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [لأعراف:٣٣] .
ولأن الله أجل وأعظم من أن تحيط به الأفكار قال تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً﴾ [طه:١١٠] .
وأنت متى تخيلت أي كيفي فعلى أي صورة تتخيلها؟!
إن حاولت ذلك فإنك في الحقيقة ضال، ولا يمكن أن تصل إلى حقيقة لأن هذا أمر لا يمكن الإحاطة به، وليس من شأن العبد أن يتكلم فيه أو أن يسأل عنه.
стр. 16
ولهذا قال الإمام مالك – ﵀ – فيما اشتهر عنه بين أهل العلم حين سأله رجل فقال: يا أبا عبد الله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] كيف استوى؟
فأطرق مالك برأسه حتى علاه الرحضاء – يعني العرق وصار ينزف عرقاً – لأنه سؤال عظيم. ثم قال تلك الكلمة المشهورة:"الاستواء معلوم والكيف مجهول، والإيمان واجب، والسؤال عنه بدعة"
وروى عنه أنه قال: "الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة".
فإذاً نحن نعلم معاني صفات الله، ولكننا لا نعلم الكيفية، ولا يحل لنا أن نسأل عن الكيفية ولا يحل لنا أن نكيف، كما أنه لا يحل لنا أن نمثل أو نشبه لأن الله تعالى يقول في القرآن: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] .
من أثبت له مثيلاً في صفاته فقد كذب القرآن، وظن بربه ظن السوء وقد تنقص ربه حيث شبهه وهو الكامل من كل وجه بالناقص.
стр. 17
وقد قيل:
ألم تر أن السيف ينقص قدره ... إذا قيل إن السيف أمضى من العصا
وأنا أقول: هذا على سبيل التوضيح للمعنى وإلا ففرق عظيم بين الخالق والمخلوق، فرق لا يوجد مثله بين المخلوقات بعضها مع بعض.
المهم أيها الأخوة أنه يجب علينا أن نؤمن بكل ما وصف الله به نفسه وما وصفه به رسوله، ﷺ ، سواء كانت تلك الصفة ذاتية أم فعلية، ولكن بدون تكييف، وبدون تمثيل.
التكييف ممتنع، لأنه قول على الله بغير علم، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الاسراء:٣٦] .
والتمثيل ممتنع، لأنه تكذيب لله في قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] .
وقول بما لا يليق بالله تعالى من تشبيهه بالمخلوقين.
стр. 18
العنصر الثاني: في نصوص الأسماء والصفات:
المعترك بين أهل السنة وأهل البدعة في هذه النصوص، معترك يتبين به الفرق الشاسع بين أهل السنة وأهل البدعة، فأهل السنة يثبتون النصوص على حقيقتها وظاهرها اللائق بالله من غير تحريف ولا تعطيل.
هذه الطريق التي مشى عليها أهل السنة والجماعة.
واخترنا كلمة "تحريف" على كلمة "تأويل" لأن التحريف معناه باطل بكل حال ذم الله تعالى من سلكه في قوله: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ [النساء: ٤٦] .
أما التأويل ففيه ما هو صحيح مقبول، وفيه ما هو فاسد مردود، والفاسد المردود هو بمعنى التحريف، ولهذا اختار شيخ الإسلام ابن تيمية – ﵀ – في العقيدة الواسطية وهي خلاصة عقيدة أهل السنة والجماعة اختار التحريف بدل التأويل وإن كان يوجد في كثير من كتب العقائد التعبير "بالتأويل".لكنهم يريدون بالتأويل ما هو بمعنى التحريف أي التأويل الذي لا دليل عليه، بل الدليل نقيضه وهذا في الحقيقة تحريف.
стр. 19
فأهل السنة والجماعة يقولون: نحن نؤمن بهذه الآيات، والأحاديث ولا نحرفها، لأن تحريفها قول على الله بغير علم من وجهين:
يتبين ذلك في قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً﴾ [الفجر:٢٢] .
قال أهل السنة والجماعة: جاء ربك أي هو نفسه يجيء ، لكنه مجيء يليق بجلاله وعظمته لا يشبه مجيء المخلوقين، ولا يمكن أن نكيفه، وعلينا أن نضيف الفعل إلى الله كما أضافه الله إلى نفسه. فنقول: إن الله تعالى يجيء يوم القيامة مجيئاً حقيقياً يجيء هو نفسه، وقال أهل التحريف معناه: وجاء أمر ربك.
وهذا جناية على النص من وجهين:
الوجه الأول: نفي ظاهره فأين لهم العلم من أن الله تعالى لم يرد ظاهره.
هل عندهم علم من أن الله لم يرد ظاهره ما أضافه لنفسه؟! والله تعالى يقول عن القرآن إنه نزله ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء:١٩٥] .
стр. 20
فعلينا أن نأخذ بدلالة هذا اللفظ حسب مقتضى هذا اللسان العربي المبين.
فمن أين لنا أن يكون الله تعالى لم يرد ظاهر اللفظ؟! فالقول بنفي ظاهر النص قول على الله بغير علم.
الوجه الثاني: إثبات معنى لم يدل إلى ظاهر اللفظ، فهل عنده علم أن الله تعالى أراد المعنى الذي صرف ظاهر اللفظ إليه؟! هل عنده علم أن الله أراد مجيء أمره؟! قد يكون المراد جاء شيء آخر ينسب إلى الله غير الأمر.
فإذا كل محرف أي كل من صرف الكلام عن ظاهره بدون دليل من الشرع فإنه قائل على الله بغير علم من وجهين:
الأول: نفيه ظاهر الكلام.
الثاني: إثباته خلاف ذلك الظاهر.
لهذا كان أهل السنة والجماعة يتبرأون من التحريف، ويرون أنه جناية على النصوص، وأنه لا يمكن أن يخاطبنا الله تعالى بشيء ويريد خلاف ظاهره بدون أن يبين لنا.
стр. 21
وقد أنزل الله الكتاب تبياناً لكل شيء والنبي، ﷺ ، بين للناس ما أنزل إليهم من ربهم بإذن ربهم.
أما التمثيل فمن الواضح أن القول به تكذيب للقرآن، لأن الله تعالى يقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] .
ولهذا كان عقيدة أهل السنة والجماعة، بل طريقة أهل السنة والجماعة في نصوص الصفات من الآيات، والأحاديث، وهو إثباتها على حقيقتها وظاهرها اللائق بالله، بدون تحريف وبدون تعطيل.
وقد حكى إجماع أهل السنة على ذلك ابن عبد البر في كتابه "التمهيد".
ونقله عنه شيخ الإسلام ابن تيمية – ﵀ – وكذلك نقل عن القاضي أبي يعلى أنه قال: "أجمع أهل السنة على تحريم التشاغل بتأويل آيات النصوص وأحاديثها، وأن الواجب إبقاؤها على ظاهرها".
стр. 22
العنصر الثالث: العدول عن هذا الموقف تطرف دائر بين الإفراط والتفريط:
العدول عن هذا الموقف – أعني موقف أهل السنة والجماعة –إما إفراط، وإما تفريط، لأن الناس انقسموا في هذا الباب إلى ثلاثة أقسام: طرفان، ووسط طرف غلا في التنزيه حتى نفى ما أثبته الله لنفسه، وطرف آخر غلا في الإثبات حتى أثبت ما نفاه الله عن نفسه.
فإن من أهل البدع من أثبت النصوص على ظاهرها، ولكنه جعل هذا الظاهر من جنس صفات المخلوقين والعياذ بالله.
فأثبت النقص لربه بإلحاقه بالمخلوق الناقص، وأخطأ في ظنه أن ظاهرها التمثيل. أثبت أن لله – تعالى – سمعاً، وأن الله تعالى وجهاً، وأن لله تعالى عيناً، وأن له يداً لكنه جعل ذلك كله من جنس صفات المخلوقين، غلا في الإثبات حتى بلغ به إلى التمثيل. وقد قال نعيم بن حماد الخزاعي شيخ البخاري: من شبه الله بخلقه فقد كفر، ولا شك أنه كافر وأن الله – – لم يرد بهذه النصوص هذا الظاهر الذي ادعاه هذا المثل.
وقد قال نعيم بن حماد الخزاعي شيخ البخاري "من شبه الله بخلقه فقد كفر"
стр. 23
ولا شك أنه كافر وأن الله لم يرد بهذه النصوص هذا الظاهر الذي ادعاه الممثل.
وقد يقول القائل: أين دليلك على أن الله ما أراده؟.
فأقول: الدليل عندي نقلي، وعقلي:
أما النقلي فآيات متعددة تنفي المماثلة عن الله وأصرحها وأبينها قوه تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] .
وأما الدليل العقلي: فإنه لا يمكن أبداً أن يكون الخالق مماثلاً للمخلوق في أي صفة في أي صفة من صفاته لظهور الفرق العظيم بينهما في الذات، والصفات، والأفعال.
ومن أهل البدع من حرف النصوص عن ظاهرها، ونفى مدلولها اللائق بالله.
وهؤلاء المحرفون انقسموا إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: قسم غلا في ذلك غلواً عظيماً حتى نفي النقيضين في حق الله، فقال: لا تقل إن الله موجود ولا تقل غير موجود. إن قلت موجود شبهته بالموجودات، وإن قلت غير موجود شبهته بالمعدومات.
стр. 24
ولا ريب أن هذا تنكره العقول كلها لأن رفع أحد النقيضين أمر مستحيل، والتقابل بين الوجود والعدم من تقابل النقيضين اللذين لا يمكن اجتماعهما ولا ارتفاعهما.
القسم الثاني: من قال نثبت السلب ولا نثبت الإيجاب فلا نصف الله بصفات ثبوتية، ولكن نصفه بالأسلوب والإضافات ونثبت الأسماء مجردة عن المعاني، وهذا ما عليه عامة الجهمية والمعتزلة.
القسم الثالث: من يقول: نثبت بعض الصفات لدلالة العقل عليها، وننكر بعض الصفات، لأن العقل لا يثبتها، ويعضهم يقول لأن العقل ينكرها.
وكل هذه الأقسام الثلاثة – وإن كانت تختلف من حيث البعد عن الحق – كلها على غير صواب فهي متطرفة.
فالقول الوسط ما عليه أهل السنة والجماعة: أن نثبت لله ما أثبته لنفسه من الصفات، ولكنه إثبات مجرد عن التكييف، وعن التمثيل.
وبذلك نكون عملنا بالنصوص الشرعية من الجانبين، ولم ننظر بعين أعور، وبذلك نكون قد تأدبنا مع الله ورسوله
стр. 25
فلم نقدم بين يدي الله ورسوله، وإنما التزمنا غاية الأدب سمعنا وآمنا، وأطعنا.
ما أثبته الله لنفسه أثبتناه، وما أثبته له رسوله أثبتناه، وما نفاه الله عن نفسه نفيناه، وما نفاه عنه رسوله نفيناه وما سكت عنه سكتنا عنه.
стр. 26
العنصر الرابع: التطرف في التنزيه يستلزم إبطال الدين كله .
ذكرنا أن من الناس من تطرف في التنزيه حتى أنكر الصفات، أو أنكر بعضها، أو أنكر الإيجابية منها، أو أنكر الإيجابي والسلبي فأقول:
إن التطرف في التنزيه في كل أقسامه يؤدي إلى إبطال الدين كله.
مثال ذلك: إذا كان المنزه يثبت بعض الصفات وينكر بعضها قلنا له: لماذا تثبت ولما تنكر؟
قال: أثبت هذه الصفات لأن العقل دل عليها، وأنكر هذه الصفات لأن العقل دل عليها، وأنكر هذه الصفات لأن العقل لم يدل عليها أو دل على نفيها.
стр. 27
فيقول له القوم الآخرون: نفي جميع الصفات لأن العقل لا يدل عليها، أو لأن العقل دل على نفيها.
فلا يستطيع الأول أن يرد على هؤلاء لأنه إذا رد عليهم بأن العقل يثبت ذا وينكر ذا أو لا يثبته قال: أنا عقلي لا يثبت ما تثبت وما دام المرجع هو العقل فإن ما أنكرته أنت بحجة العقل فأنا أنكر ما أنكر بحجة العقل
ولكن الأمر لا ينتهي عند موضوع الصفات. بل يأتينا أهل التخييل الذين أنكروا اليوم الآخر، وأنكروا رسالة الرسل بل أنكروا وجود الله رأساً – والعياذ بالله – فيقولون: عقولنا لا تقبل أن تحيا العظام وهي رميم، لا تقبل وجود جنة ولا نار، فيحتجون بالعقل كما احتج هؤلاء بالعقل.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية – ﵀:
وإثبات الصفات في القرآن والسنة أكثر من إثبات المعاد، فأي إنسان ينكر الصفات فإنه لا يمكن أن يدفع إنكار من أنكر المعاد، ولا ريب أن إنكار المعاد، وإنكار الشرائع إبطال للدين كله، والخلاص من هذا هو إتباع طريق السلامة أن نثيت ما أثبته الله لنفسه من الأسماء والصفات، وننفي ما نفاه الله عن نفسه
стр. 28
من الصفات، ونسكت عما سكت عنه وبهذا لا يمكن لأي إنسان أن يفحمنا، لأننا قلنا إن هذه المسائل الغيبية إنما تدرك بالشرع والمنقول عن المعصوم والعقول مضطربة ومختلفة. وكل إنسان من مدعي العقل يدعي وجوب ما يدعي الآخر أنه ممتنع، أو ما يدعي الآخر أنه من الممكنات لا من الواجبات.
стр. 29
العنصر الخامس: أن بعض أهل التحريف والتعطيل قالوا: إن أهل السنة مشبهة ومجسمة وممثلة:
من الغرائب أن يدعى على الإنسان ما ينكره، فأهل السنة والجماعة ينكرون التشبيه، وينكرون التمثيل، ويقولون من شبه الله بخلقه فقد كفر.
فكيف يمكن أن يلزموا بما هم معترفون بإنكاره؟! هذا عدوان محض.
أهل السنة والجماعة يقولون نحن لا نشبه، ولا نمثل، وإنما نثبت لله ما أثبته لنفسه، وما أثبته له رسوله بدون تمثيل، وبدون تكييف. فما بالكم تشوهون طريقنا وتقولون أنتم ممثله ومشبهة؟!
стр. 30
ولكن لاغرو أن يرمى أهل السنة والجماعة بمثل هذه الألقاب السيئة، لأن رمي أهل الحق بالألقاب السيئة أمر موروث عن أعداء الأنبياء – عليهم الصلاة والسلام، فالأنبياء قيل: إنهم سحرة. وقيل: أنهم مجانين:
﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾ [الذريات:٥٢] .
ولكن هل الحق يغيظ بمثل هذه الألقاب؟ لا. بل يفيض، ويزداد قوة، ويزداد وضوحاً وبياناً – ولله الحمد – أهل السنة والجماعة متبرءون من هذه العيوب التي يصفهم بها من يحرف الكلام عن مواضعه.
كذلك يقولون أنتم مجسمة، كيف مجسمة وما معنى مجسمة؟! هذه الكلمة كلمة "التجسم" لو قرأت القرآن من أوله إلى آخره ومررت ما جاء عن النبي، ﷺ ، من السنة من أولها إلى آخرها لم تجد لفظ "الجسم" مثبتاً لله ولا منفياً عنه في كتاب الله ولا في سنة رسول الله، ﷺ ، فما بالنا نتعب أذهاننا وأفكارنا ونظهر ذلك بمظهر سوء بالنسبة لمن أثبت لله صفات الكمال على الوجه الذي أرد الله.
стр. 31
إذ كانت كلمة "الجسم" غير واردة في الكتاب، ولا في السنة، فإن أهل السنة والجماعة، يمشون فيها على طريقتهم يقفون فيها موقف الساكت فيقولون: لا نثبت الجسم ولا ننكره من حيث اللفظ، ولكننا قد نستفصل في المعنى فنقول للقائل: ماذا تريد بالجسم؟ إن أردت الذات الحقيقة المتصفة بالصفات الكاملة اللائقة بها فإن الله – – لم يزل ولا يزال حياً عليماً، قادراً، متصفاً بصفات الكمال اللائقة به، وإن أردت شيئاً آخر كجسمية الإنسان الذي يفتقر كل جزء من البدن إلى الجزء الآخر منه، ويحتاج إلى ما يمده حتى يبقى فهذا معنى لا يليق بالله – ،
وبهذا نكون أعطينا المعنى حقه.
أما اللفظ: فلا يجوز لنا أبداً أن نثبته، أو ننفيه، ولكننا نتوقف فيه، لأننا إن أثبتنا قيل لنا: ما الدليل؟ وإن نفينا. قيل لنا: ما الدليل؟ وعلى هذا فيجب السكوت من حيث اللفظ، أما من حيث المعنى فعلى التفصيل الذي بنيناه.
стр. 32
العنصر السادس: أدعى أهل التحريف والتعطيل على أهل السنة أنهم أولوا بعض النصوص ليلزموهم بتأويل البقية والمداهنة فيها:
هذا دعوى تلبيس، وتشكيك، وقد نشرت في الصحف نشرها من نشرها وقال: أنتم يا أهل السنة تشنعون علينا تقولون أنتم تأولون، وأنتم يا أهل السنة قد أولتم فما بالكم تشنعون علينا بالتأويل وأنتم تسلكونه؟!
حقيقة إن هذه الحجة حجة قوية إذا ثبتت لأنه لا يحق لأي إنسان أن يتحكم فيما يمكن تأويله أو يجب وفيما لا يمكن،
ولكن أهل السنة والجماعة يقولون هذه دعوى تلبيس، وتشكيك فإننا لسنا على هذه الطريقة وأنتم رميتمونا بذلك إما لإلزامنا أن نسكت عن تحريفكم ونداهن،
ولكنا بعون الله لن نسكت على ما نرمى به ونحن منه بريئون.
وهذا التأويل الذي ادعاه بعض أهل التأويل ورمي به أهل السنة والجماعة لنا عنه جوابان.
стр. 33
إذن: الرسول ﵊ عبد عابد لله وليس له من شئون الربوبية شيء هذا هو قول أهل السنة والجماعة في رسول الله ﷺ .
يعتقد أهل السنة والجماعة أيضا: أن رسول الله ﷺ بشر تجوز عليه كل الخصائص البشرية والجسدية فينام ويأكل ويشرب ويمرض ويتألم ويحزن ويرضى ويغضب ﵊ ويموت كما يموت الناس ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ, [٣٠] ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ [الزمر]
﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً﴾ [آل عمران: ١٤٤]
ولا ريب أن رسول الله ﷺ قد مات ميتة جسدية فارقت روحه جسده فيها وقام أهله وأصحابه بما يقومون به في غيره من شئون الموتى سوى أنه ﵊ لم يجرد عند تغسيله والمعروف أنه لم يصل عليه جماعة إنما كان الناس يصلون عليه أفرادا لأنه الإمام ﵊.
стр. 34
ومن زعم أنه حي في قبره حياة جسدية لا حياة برزخية وأنه يصلي ويصوم ويحج وأنه يعلم ما تقوله الأمة وتفعله فإنه قد قال قولا بلا علم.
فالرسول ﵊ انقطع عمله بموته كما قال هو نفسه "إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له" ١.
فعمله الذي يعمله بنفسه انقطع بموته.
ولكن ولا شك أن كل علم علمناه من شريعة الله فإنه بواسطته ﵊ وحينئذ فيكون منتفعا من كل هذه العلوم التي علمناها بعد موته ﷺ .
وكذلك الأعمال الصالحة التي نعملها كانت بدلالته ﷺ فيكون له مثل أجر العاملين.
стр. 35
ونحن نضرب لذلك بعض الأمثلة لا كل الأمثلة لأننا لو تتبعنا الأمثلة كلها التي قيل إن أهل السنة والجماعة صرفوها عن ظاهرها لطال بنا الكلام لكننا نذكر عدة أمثلة فقط:
المثال الأول: قال أهل التأويل: أنتم يا أهل السنة أولتم قول الله – : ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ٢٩] .
فقلتم إن معنى الاستواء هنا "القصد والإرادة"،وقلتم: إن معنى الاستواء في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْش﴾ [الأعراف: ٥٤] ."العلو والارتفاع".
وما هذا إلا تأويل منكم لأحد النصين لا يمكن أن تخرجوا عنه ومعلوم أن "استوى على كذا" معناها القصد.
إذن أخرجتم كلمة "استوى" عن ظاهرها.
وجوابنا على ذلك أن نقول: "استوى" كلمة يتحدد معناها بحسب متعلقها فمثلاً: ﴿اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ معناها العلو على وجه يليق بجلاله، ولا يشبه استواء المخلوق على المخلوق.
стр. 36
﴿اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ اختلف الحرف فكان "إلى"، و"إلى للغاية، وليست للعلو، ومعلوم أنها إذا كانت للغاية فإن الفعل متضمن معنى يدل على الغاية هو القدرة والإرادة، وإلى هذا النحو ذهب بعض أهل السنة فقالوا: ﴿اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ أي قصد إلى السماء، والقصد إذا كان تاماً يعبر عنه بالاستواء، لأن الأصل في اللغة العربية أن مادة الاستواء تدل على الكمال كما في قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى﴾ [القصص: ١٤] .
وجواب آخر أن نقول: ﴿اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ بمعنى ارتفع.
قال البغوي: وهو مروي عن ابن عباس وأكثر المفسرين.
ولكن هذا يجب أن لا نظن أن الله – – قد انتفى عنه العلو حين خلق الأرض، بل إنه – – لم يزل، ولا يزال عالياً، لأن العلو صفة ذاتية ولكن الاستواء هنا وإن كان بمعنى الارتفاع، إلا أننا لا نعلم كيفيته وهذا جواب آخر عن الآية.
والخلاصة الآن أننا إذا فسرنا ﴿اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ بمعنى قصد إليها على وجه الكمال فإننا لم نخرج عن ظاهر اللفظ.
стр. 37
كذلك أيضا أهل السنة والجماعة يقولون: إن بعض الصحابة له مزية ليست لغيرهم فيجب أن ننزلهم في منازلهم.
فإذا كان الصحابي من آل بيت الرسول ﵊ كعلي بن أبي طالب وحمزة والعباس وابن عباس وغيرهم فإننا نحبه أكثر من غيره من حيث قربه من الرسول ﵊ لا على سبيل الإطلاق.
فنعرف له حقه بقرابته من رسول الله ﷺ ولكنهه لا يلزم من ذلك أن نفضله على غيره تفضيلا مطلقا ممن له قدم راسخ في الإسلام أكثر من هذا القريب من الرسول ﷺ لأن المراتب والفضائل هي صفات يتميز الإنسان بصفة منها لا يتميز بها الآخر.
وأهل السنة والجماعة في آل البيت لا يغلون غلو الروافض ولا ينصبون العداوة لهم نصب النواصب ولكنهم وسط بين طرفين يعرفون لهم حقهم بقرابتهم من الرسول ﵊ ولكنهم لا يتجاوزون بهم منزلتهم.
стр. 38
خامسا: طريقة أهل السنة والجماعة في حق الأولياء والأئمة:
أئمة هذه الشريعة الإسلامية ولله الحمد أئمة مشهورون أثنت عليهم الأمة وعرفت لهم قدرهم ولكنها لا تعتقد فيهم العصمة فليس عند أهل السنة والجماعة أحد معصوم من الخطأ ولا من الإقرار على الخطأ إلا الرسول ﵊ فإنه معصوم من الإقرار على الخطأ أما غيره مهما بلغت إمامته فإنه ليس معصوما أبدا كل يخطئ وكل يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله ﷺ الذي أمرنا الله تعالى بطاعته على الإطلاق.
فهم يقولون: لا شك أن في هذه الأمة أئمة ولا شك أن فيها أولياء ولكننا لا نريد بذلك أن نثبت العصمة لأحد من هؤلاء الأئمة ولا أن نثبت لأحد من الأولياء أنه يعلم الغيب أو يتصرف في الكون وهم أيضا لا يجعلون الولي من قال عن نفسه أنه ولي أو أتى بالدعايات الباطلة لأجل أن يجلب الناس إليه يقولون: إن الولي بينه الله تعالى بقوله: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ, الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٦٢, ٦٣]
стр. 39
المثال الثالث: قال أهل التأويل أنتم يا أهل السنة أولتم قوله تعالى ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُم﴾ [الواقعة: ٨٥] إلى أن المراد: أقرب بملائكتنا وهذا تأويل لأنا لو أخذنا بظاهر اللفظ لكان الضمير "نحن" يعود إلى الله وأقرب خبر المبتدأ وفيه ضمير مستتر يعود على الله فيكون القرب لله ومعلوم أنكم أهل السنة لا تقولون بذلك ولا تقولون: إن الله يقرب من المحتضر بذاته حتى يكون في مكانه لأن هذا أمر لا يمكن أن يكون إذ إنه قول أهل الحلول الذين ينكرون علو الله ويقولون إنه بذاته في كل مكان وأنتم تنكرون ذلك أشد الإنكار.
إذن ماذا تقولون أنتم يا أهل السنة ألستم تقولون نحن أقرب إليه - أي إلى المحتضر - بملائكتنا أي تحضر إلى الميت وتقبض روحه هذا تأويل.
قلنا: الجواب على ذلك سهل ولله الحمد فإن الذي يحضر الميت هم الملائكة: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ﴾ [الأنعام: ٦١] . ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُم﴾ [الأنعام: ٩٣] .
стр. 40
فالذي يحضر إلى المحتضر عند الموت هم الملائكة، وأيضاً في نفس الآية ما يدل على أنه ليس المراد قرب الله – – نفسه فإنه قال: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ﴾ [الواقعة:٨٥] . فهذا يدل على أن هذا القريب الحاضر، لكن لا نبصره، وكذلك لأنك الملائكة عالم غيبي الأصل فيهم الخفاء وعدم الرؤية.
وعلى هذا فنحن لم نخرج بالآية عن ظاهرها لوجود لفظٍ فيها يعين المراد، ونحن على العين والرأس، والقلب نقبل كل شيء كان بدليل من كتاب الله، ومن سنة رسوله، ﷺ .
المثال الرابع: قال أهل التأويل: أنتم يا أهل السنة أولتم قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤] . فقلتم: وهو معكم بعلمه، وهذا تأويل فإن الله تعالى يقول: ﴿وَهُوَ مَعَكُم﴾ [الحديد: ٤] . والضمير في قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُم﴾ يعود إلى الله.
فأنتم يا أهل السنة أولتم هذا النص وقلتم: إنه معكم بالعلم. فإذا كيف تنكرون علينا التأويل؟
قلنا: نحن لم نؤول الآية، بل إنما فسرناها بلازمها وهو: العلم، وذلك لأن قوله ﴿وَهُوَ مَعَكُم﴾ . لا يمكن لأي إنسان