← Акыда

Акыда · id 7506

اعتقاد أئمة السلف أهل الحديث

محمد بن عبد الرحمن الخميس

Полный текст (397 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ال مقدمة إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢] . ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١] . ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠-٧١] . أما بعد فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار. أما بعد: فقد تصدى الكثير من أهل العلم لبيان عقيدة السلف أهل الحديث وأهل السنة والجماعة والطائفة المنصورة والفرقة الناجية، والانتصار لتلك العقيدة، والذب عنها، ورد شبهات المضلين حولها، ودحض العقائد المخالفة، ومن هؤلاء الإمام أبو أحمد الحاكم "ت ٣٨٧هـ" والإمام أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري "ت ٣٣٠هـ" والإمام أبو بكر الإسماعيلي "ت٣٧١هـ" فقد بينوا عقائد أهل الحديث وانتصروا لها، جزاهم الله على ذلك خير الجزاء، وكنت قد أفردت كتاباً مستقلاً لشرح ما قرره كل واحد منهم

стр. 2

من عقائد أهل الحديث، ثم رأيت أن أجمع كل ذلك في مجلد واحد لمسيس الحاجة إليها، لاسيما وأننا في زمن كثر القادحون في عقائد أهل الحديث، وتعدد من يصفونهم بصفات ذميمة كالحشوية والمجسمة وغير ذلك- وهم منه براء- وذلك بقصد التنفير منهم ومن عقائدهم، ولهم أساليب أخرى كالتشكيك في صحة تلك المصنفات عن مؤلفيها، والطعن في أسانيدها، والأمر كما قيل "رمتني بدائها وانسلت" فهم أحق بالتشكيك في صحة كتبهم والقدح في أسانيدها، فإنها في الحقيقة "ظلمات بعضها فوق بعض". وقد رتبت هذا الكتاب على أربعة أقسام: الأول: اعتقاد السلف عامة. الثاني: اعتقاد أهل الحديث لأبي أحمد الحاكم. الثالث: اعتقاد أهل الحديث للأشعري. الرابع: اعتقاد أهل الحديث للإسماعيلي. هذا: والله أسأل القبول وأن ينفع بهذا الكتاب كل من قرأه ويجعله في ميزان حسناتي وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين. د. محمد بن عبد الرحمن الخميِّس

стр. 3

القسم الأول: اعتقاد السلف عامة . ... المقدمة إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادى له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢] . ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١] . ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠-٧١] . أما بعد: فإن خير الكلام كلام الله، وخير الهدى هدى محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، ثم أما بعد. فإن من أولى ما شغلت به الأوقات، تعلم العلم وتعليمه، ونشره بين الناس، ولاسيما علم أصول الدين الذي به يعرف الله ، وأسماؤه وصفاته، وما يجب له على خلقه، وما ينبغي في حقه وما لا يجوز، وغير ذلك من مسائل الإيمان، والقدر، واليوم الآخر، وغيرها كثير وقد اجتهدت طوائف المبتدعين في الانتصار لعقائدها، ونشرها بين الناس وأهل السنة والجماعة، من سلف هذه الأمة الصالحين ومن تبعهم -أولى بذلك منهم، فإنهم على الحق والهدى. هذا ومما يؤسف له أن بعض الجامعات الإسلامية في كثير من البلدان، لم تعط عقائد السلف ما تستحقه من العناية والدراسة، والبحث والنشر، وإذا

стр. 4

نشرت شيئاً من الكتب والبحوث في مجال العقيدة، فإنما هي عقيدة الأشعرية والماتريدية وأشباههم، وإن كان هناك وجود لكتب تتحدث عن عقيدة السلف. أهل السنة والجماعة- فإنها مشوبة بكلام المتكلمين ومصطلحاتهم الحادثة المبتدعة، وليست بصفاء عقائد السلف المأثورة عنهم، البعيدة عن التكلف والكلام والجدل، المقصورة على ما جاء في كتاب الله، وحديث رسوله ﷺ . وقد أحببت- مستعيناً بالله تعالى- أن أسهم بهذا الجهد المتواضع في نشر عقيدة السلف الصالح والذب عنها، وإظهار ما كانوا عليه في مسائل أصول الدين، وما ردُّوا به على أصناف المبتدعة والملحدين. وقد بدأت في جمع أقوال عدد من أئمة السلف أهل السنة والجماعة في مسائل أصول الدين، وذلك من مصادر مختلفة، حيث حكى كل منهم ما يعتقده من مسائل أصول الدين، وما يدين به لله رب العالمين، ورتبت ذكر هؤلاء الأئمة وكلامهم على حسب الزمن، فبدأت بأقدمهم ثم الذي يليه وهكذا وقد بلغت عدتهم ثمانية وعشرون إماماً مرتبة أقوالهم وعقائدهم، وذلك على الترتيب الآتي: ١- أبو حنيفة "١٥٥" هـ. ٢- الأوزاعي "١٥٧" هـ. ٣- الثوري "١٦١" هـ. ٤- مالك "١٧٩" هـ. ٥- ابن المبارك "١٨١" هـ. ٦- ابن عيينه "١٩٨" هـ. ٧- الشافعي "٢٠٤" هـ. ٨- الحميدي "٢١٩" هـ. ٩- بشر بن الحارث "٢٢٧" هـ. ١٠- ابن المديني "٢٣٤" هـ.

стр. 5

١١- أبو ثور "٢٤٠" هـ. ١٢- أحمد بن حنبل "٢٤١" هـ. ١٣- البخاري "٢٥٦" هـ. ١٤- الذهلي "٢٥٨" هـ. ١٥- أبو زرعة الرازي "٢٦٤" هـ. ١٦- أبو حاتم الرازي "٢٧٧" هـ. ١٧- ابن أبي حاتم "٣٢٧" هـ. ١٨- ابن جرير "٣١٠" هـ. ١٩- أبو بكر بن أبي داود "٣١٦" هـ. ٢٠- نصر المقدسي "٤٩٠" هـ. ٢١- القادر بالله "٤٢٢" هـ. ٢٢- الهاشمي "٤٢٨" هـ ٢٣- الصابوني "٤٤٩" هـ ٢٤- الخطيب البغدادي "٤٦٣" هـ ٢٥- الزنجاني "٤٧١" هـ. ٢٦- الكلوذاني "٥١٠" هـ. ٢٧- الكرجي "٥٣٢" هـ. ٢٨-السلفي "٥٧٦" هـ. كما قمت بعمل ترجمة مختصرة لكل واحد منهم أذكرها عند الكلام عن عقيدته، وذلك لبيان منزلته عند أهل العلم.

стр. 6

١- اعتقاد الإمام أبي حنيفة أ- أقوال الإمام أبي حنيفة في التوحيد: أولاً: عقيدته في توحيد الله وبيان التوسل الشرعي وإبطال التوسل البدعي: قال أبو حنيفة: "لا ينبغي لأحد أن يدعو الله إلا به والدعاء المأذون فيه المأمور به ما استفيد من قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ١ ... "٢. ٢- قال أبو حنيفة: "يكره أن يقول الداعي أسألك بحق فلان أو بحق أنبيائك ورسلك وبحق البيت الحرام والمشعر الحرام"٣. ٣- وقال أبو حنيفة: "لا ينبغي لأحد أن يدعو الله إلا به وأكره أن يقول بمعاقد العز من عرشك٤، أو بحق خلقك"٥.

стр. 7

ثانياً: قوله في إثبات الصفات والرد على الجهمية: ٤- وقال: "لا يوصف الله تعالى بصفات المخلوقين، وغضبه ورضاه صفتان من صفاته بلا كيف، وهو قول أهل السُّنَّة والجماعة وهو يغضب ويرضى ولا يقال: غضبه عقوبته ورضاه ثوابه، ونصفه كما وصف نفسه أحدٌ صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد، حيُّ قادر سميع بصير عالم، يد الله فوق أيديهم ليست كأيدي خلقه ووجهه ليس كوجوه خلقه"١. ٥-وقال: "وله يد ووجه ونفس، كما ذكره الله تعالى في القرآن، فما ذكره الله تعالى في القرآن من ذكر الوجه واليد والنفس، فهو له صفات بلا كيف ولا يقال إن يده قدرته أو نعمته، لأن فيه إبطال الصفة وهو قول أهل القدر والاعتزال"٢. ٦- وقال: "لا ينبغي لأحد أن ينطق في ذات الله بشيء بل يصفه بما وصف به نفسه ولا يقول فيه برأيه شيئاً تبارك الله وتعالى رب العالمين"٣. ٧- ولما سئل عن النزول الإلهي قال: "ينزل بلا كيف"٤. ٨- وقال أبو حنيفة: "والله تعالى يدعى من أعلى لا من أسفل لأن الأسفل ليس من وصف الربوبية والألوهية في شيء"٥. ٩- وقال: "وهو يغضب ويرضى ولا يقال غضبه عقوبته ورضاه ثوابه"٦.

стр. 8

١٠- وقال: "ولا يشبه شيئاً من الأشياء من خلقه ولا يشبهه شيء من خلقه، لم يزل ولا يزال بأسمائه وصفاته"١. ١١- وقال: "وصفاته بخلاف صفات المخلوقين يعلم لا كعلمنا، ويقدر لا كقدرتنا، ويرى لا كرؤيتنا، ويسمع لا كسمعنا، ويتكلم لا ككلامنا"٢. ١٢- وقال: "لا يوصف الله تعالى بصفات المخلوقين"٣. ١٣- وقال: "ومن وصف الله بمعنى من معاني البشر فقد كفر"٤. ١٤- وقال: "وصفاته الذاتية والفعلية، أما الذاتية فالحياة؟ والقدرة والعلم والكلام والسمع والبصر والإرادة، وأما الفعلية فالتخليق والترزيق والإنشاء والإبداع والصنع وغير ذلك من صفات الفعل لم يزل ولا يزال بأسمائه وصفاته"٥. ١٥- وقال: "ولم يزل فاعلاً بفعله والفعل صفة في الأزل والفاعل هو الله تعالى والفعل صفة في الأزل والمفعول مخلوق وفعل الله تعالى غير مخلوق"٦. ١٦- وقال: "من قال لا أعرف ربي في السماء أو في الأرض فقد كفر، وكذا من قال إنه على العرش ولا أدري العرش أفي السماء أم في الأرض"٧.

стр. 9

١٧- وقال للمرأة التي سألته أين إلهك الذي تعبده قال: "إن الله في السماء دون الأرض، فقال له رجل: أرأيت قول الله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ ١ قال: هو كما تكتب للرجل إني معك وأنت غائب عنه"٢. ١٨- وقال كذلك: "يد الله فوق أيديهم ليست كأيدي خلقه"٣. ١٩- وقال: "إن الله في السماء دون الأرض، فقال له رجل: أرأيت قول الله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ ٤ قال: هو كما تكتب لرجل إني معك وأنت غائب عنه"٥. ٢٥- وقال: "قد كان متكلماً ولم يكن كلم موسى ﵇"٦. ٢١- وقال: "ومتكلماً بكلامه والكلام صفة في الأزل"٧. ٢٢- وقال: "وتكلم لا ككلامنا"٨. ٢٣- وقال: "وسمع موسى ﵇ كلام الله تعالى كما قال الله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً﴾ ٩ وقد كان الله تعالى متكلماً ولم يكن كلم موسى ﵇"١٠. ٢٤- وقال: "والقران كلام الله في المصاحف مكتوب وفي القلوب محفوظ، وعلى الألسن مقروء، وعلى النبي ﷺ ، أنزل"١١.

стр. 10

٢٥- وقال: "والقرآن غير مخلوق"١. ب- أقوال الإمام أبي حنيفة في القدر ١- جاء رجل إلى الإمام أبي حنيفة يجادله في القدر فقال له: "ما علمت أن الناظر في القدر كالناظر في عيني الشمس كلما إزداد نظراً إزداد تحيراً"٢. ٢- يقول الإمام أبو حنيفة: "وكان الله تعالى عالماً في الأزل بالأشياء قبل كونها"٣. ٣- وقال: "يعلم الله تعالى المعدوم في حالة عدمه معدوماً، ويعلم أنه كيف يكون إذا أوجده، ويعلم الله تعالى الموجود في حال وجوده موجوداً ويعلم كيف يكون فناؤه"٤. ٤- يقول الإمام أبو حنيفة: "وقدره في اللوح المحفوظ"٥. ٥- وقال: "ونقر بأن الله تعالى أمر القلم أن يكتب فقال القلم: ماذا أكتب يا رب؟ فقال الله تعالى: أكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة لقوله تعالى: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ * وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ﴾ ٦"٧. ٦- وقال الإمام أبو حنيفة: "ولا يكون في الدنيا ولا في الآخرة شيء إلا بمشيئته"٨.

стр. 11

٧- ويقول الإمام أبو حنيفة: "خلق الله الأشياء لا من شيء"١. ٨- وقال: "وكان الله تعالى خالقاً قبل أن يخلق"٢. ٩- وقال: "نقر بأن العبد مع أعماله وإقراره ومعرفته مخلوق، فلما كان الفاعل مخلوقاً فأفعاله أولى أن تكون مخلوقة"٣. ١٠- وقال: "جميع أفعال العباد من الحركة والسكون كسبهم والله تعالى خالقها وهي كلها بمشيئته وعلمه وقضائه وقدره"٤. ١١- قال الإمام أبو حنيفة: "وجميع أفعال العباد من الحركة والسكون كسبهم على الحقيقة والله تعالى خلاقها وهي كلها بمشيئته وعلمه وقضائه وقدره، والطاعات كلها كانت واجبة بأمر الله تعالى وبمحبته وبرضاه وعلمه ومشيئته وقضائه وتقديره، والمعاصي كلها بعلمه وقضائه وتقديره، ومشيئته لا بمحبته ولا برضاه ولا بأمره"٥. ١٢- وقال: "خلق الله تعالى الخلق سليماً من الكفر والإيمان٦ ثم خاطبهم وأمرهم ونهاهم، فكفر من كفر بفعله وإنكاره وجحوده الحق بخذلان الله تعالى إياه، وآمن من آمن بفعله وإقراره وتصديقه بتوفيق الله تعالى ونصرته له"٧. ١٣- وقال: "وأخرج ذرية آدم من صلبه على صور الذر، فجعلهم عقلاء فخاطبهم وأمرهم بالإيمان ونهاهم عن الكفر، فأقروا له بالربوبية فكان ذلك منهم إيماناً فهم يولدون على تلك الفطرة، ومن كفر بعد

стр. 12

ذلك فقد بذل وغيّر، ومن آمن وصدّق فقد ثبت عليه وداوم"١. ١٤- وقال: "وهو الذي قدّر الأشياء وقضاها ولا يكون في الدنيا ولا في الآخرة شيء إلا بمشيئته وعلمه وقضائه وقدره، وكتبه في اللوح المحفوظ"٢. ١٥- وقال: "لم يجبر أحداً من خلقه على الكفر ولا على الإيمان، ولكن خلقهم أشخاصاً والإيمان والكفر فعل العباد، ويعلم تعالى من يكفر في حال كفره كافراً، فإذا آمن بعد ذلك فإذا علمه مؤمناً أحبه من غير أن يتغيّر علمه"٣. ج- أقوال الإمام أبن حنيفة في الإيمان ١- قال: "والإيمان هو الإقرار والتصديق"٤. ٢- وقال: "الإيمان إقرار باللسان وتصديق بالجنان والإقرار وحده لا يكون إيماناً"٥. ونقله الطحاوي عن أبي حنيفة وصاحبه"٦. ٣- وقال أبو حنيفة: "والإيمان لا يزيد ولا ينقص"٧. قلت: قوله في عدم زيادة الإيمان ونقصانه وقوله في مسمى الإيمان وأنه تصديق بالجنان وإقرار باللسان وأن العمل خارج عن حقيقة الإيمان. قوله هذا هو الفارق بين عقيدة الإمام أبي حنيفة في الإيمان وبين عقيدة سائر أئمة الإسلام مالك والشافعي وأحمد وإسحاق والبخاري وغيرهم والحق معهم، وقول أبي حنيفة مجانب للصواب وهو مأجور في

стр. 13

الحالين، وقد ذكر ابن عبد البر وابن أبي العزّ ما يشعر أن أبا حنيفة رجع عن قوله والله أعلم١. د- أقوال الإمام أبي حنيفة في الصحابة: ١- قال الإمام أبو حنيفة: "ولا نذكر أحداً من صحابة الرسول ﷺ إلا بخير"٢. ٢- وقال: "ولا نتبرأ من أحد من أصحاب الرسول ﷺ ، ولا نوالي أحداً دون أحد"٣. ٣- ويقول: "مقام أحدهم مع رسول الله ﷺ ، ساعة واحدة خير من عمل أحدنا جميع عمره وإن طال"٤. ٤- وقال: "ونقر بأن أفضل هذه الأمة بعد نبينا محمد ﷺ أبو بكر الصديق ثم عمر ثم عثمان ثم علي رضوان الله عليهم أجمعين"٥. - وقال: "أفضل الناس بعد رسول الله ﷺ : أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، ثم نكف عن جميع أصحاب رسول الله ﷺ ، إلا بذكر جميل"٦. هـ- نهيه عن الكلام والخصومات في الدين ١- قال الإمام أبو حنيفة: "أصحاب الأهواء في البصرة كثير، ودخلتها عشرين مرة ونيفاً وربما أقمت بها سنة أو أكثر أو أقل ظاناً أن علم

стр. 14

الكلام أجل العلوم"١. ٢- وقال: "كنت أنظر في الكلام حتى بلغت مبلغاً يشار إليّ فيه بالأصابع، وكنا نجلس بالقرب من حلقة حماد بن أبي سليمان فجاءتني امرأة فقالت: رجل له امرأة أمة أراد أن يطلقها للسنة كم يطلقها؟. فلم أدر ما أقول فأمرتها أن تسأل حماداً ثم ترجع فتخبرني فسألت حماداً فقال: يطلقها وهي طاهر من الحيض والجماع تطليقة ثم يتركها حتى تحيض حيضتين فإذا اغتسلت فقد حلّت للأزواج، فرجعت فأخبرتني فقلت: لا حاجة لي في الكلام وأخذت نعلي فجلست إلى حماد"٢. ٣- وقال: " لعن الله عمرو بن عبيد فإنه أحدث للناس الطريق إلى الكلام فيما لا ينفعهم في الكلام"٣. وسأله رجل وقال: "ما تقول فيما أحدثه الناس في الكلام في الأعراض والأجسام، فقال: "مقالات الفلاسفة عليك بالأثر وطريق السلف، وإيّاك وكل محدثة فإنها بدعة"٤. ٤- قال حماد ابن أبي حنيفة: "دخل عليّ أبي- ﵀ يوماً وعندي جماعة من أصحاب الكلام ونحن نتناظر في باب، قد علت أصواتنا فلما سمعت حسَّه في الدار خرجت إليه فقال لي يا حماد من عندك؟ قلت: فلان وفلان وفلان، سمَّيتُ من كان عندي، قال: وفيم أنتم؟ قلت: في باب كذا وكذا، فقال لي: يا حماد دع الكلام- قال: ولم أعهد أبي صاحب تخليط ولا ممن يأمر بالشيء ثم ينهي

стр. 15

عنه. فقلت له: يا أبت ألست كنت تأمرني به، قال: بلى يا بني وأنا اليوم أنهاك عنه، قلت: ولم ذاك، فقال: يا بني إن هؤلاء المختلفين في أبواب من الكلام ممن ترى كانوا على قول واحد ودين واحد حتى نزغ الشيطان بينهم فألقى بينهم العداوة والاختلاف فتباينوا...." ١. ٥- وقال أبو حنيفة لأبي يوسف: "إيّاك أن تكلم العامة في أصول الدين من الكلام فإنهم قوم يقلدونك فيشتغلون بذلك"٢. هذه طائفة من أقواله- ﵀ وما يعتقده في مسائل أصول الدين وموقفه من الكلام والمتكلمين.

стр. 16

٢- اعتقاد أبي عمرو عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي١-٢ المتوفى ١٥٧هـ قال اللالكائي أخبرنا الحسن بن عثمان قال أخبرنا أحمد بن حمدان قال حدثنا بشر بن موسى قال حدثنا معاوية بن عمرو قال حدثنا أبو إسحاق قال: سألت الأوزاعي فقال: اصبر نفسك على السنة وقف حيث وقف القوم وقل بما قالوا وكف عما كفوا عنه واسلك سبيل سلفك الصالح فإنه يسعك ما وسعهم. وقد كان أهل الشام في غفلة من هذه البدعة حتى قذفها إليهم بعض أهل العراق ممن دخل في تلك البدعة- القول بخلق القرآن- بعدما ردها عليهم فقهاؤهم وعلماؤهم فأشربها قلوب طوائف من أهل الشام واستحلتها ألسنتهم (وأصابهم) ما أصاب غيرهم من الاختلاف فيه. ولو كان هذا خيراً ما خصصتم به دون أسلافكم فإنه لم يدخر عنهم خير خبىء لكم دونهم لفضل عندكم وهم أصحاب نبيه ﷺ الذين اختارهم وبعثه فيهم ووصفهم (بما وصفهم) به فقال: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً﴾ [الفتح: ٢٩] .

стр. 17

٣- اعتقاد أبي عبد الله سفيان بن سعيد الثوري رضي الله عنه١ المتوفى سنة ١٦١ قال اللالكائي أخبرنا محمد بن عبد الرحمن بن العباس قال حدثنا أبو الفضل شعيب بن محمد بن الراجيان قال حدثنا علي بن حرب الموصلي- بسر من رأي سنة سبع وخمسين ومائتين- قال سمعت شعيب بن حرب يقول: قلت لأبي عبد الله سفيان بن سعيد الثوري: حدثني بحديث من السنة ينفعني الله به فإذا وقفت بين يدي الله ﵎ وسألني عنه فقال لي من أين أخذت هذا؟ قلت يا رب حدثني بهذا الحديث سفيان الثوري وأخذته عنه فأنجو أنا وتؤاخذ أنت. فقال يا شعيب هذا توكيد وأي توكيد اكتب: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ القرآن كلام الله غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود من قال غير هذا فهو كافر. والإيمان قول وعمل ونية يزيد وينقص، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية. ولا يجوز القول إلا بالعمل ولا يجوز القول والعمل إلا بالنية ولا يجوز القول والعمل والنية إلا بموافقة السنة. قال شعيب: فقلت له يا أبا عبد الله وما موافقة السنة؟ قال: تقدمة الشيخين: أبي بكر وعمر ﵄.

стр. 18

يا شعيب: لا ينفعك ما كتبت حتى تقدم عثماناً وعلياً على من بعدهما. يا شعيب بن حرب: لا ينفعك ما كتبت لك حتى لا تشهد لأحد بجنة ولا نار إلا للعشرة الذين شهد لهم رسول الله ﷺ وكلهم من قريش. يا شعيب بن حرب: لا ينفعك ما كتبت لك حتى ترى المسح على الخفين دون خلعهما أعدل عندك من غسل قدميك. يا شعيب بن حرب: ولا ينفعك ما كتبت حتى يكون إخفاء بسم الله الرحمن الرحيم في الصلاة أفضل عندك من أن تجهر بهما. يا شعيب بن حرب: لا ينفعك الذي كتبت حتى تؤمن بالقدر خيره وشره، وحلوه ومره كل من عند الله . يا شعيب بن حرب: والله ما قالت القدرية ما قال الله ولا ما قالت الملائكة ولا ما قالت النبيون (ولا ما قال أهل الجنة) ولا ما قال أهل النار ولا ما قال أخوهم إبليس لعنه الله. قال الله ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [الجاثية: ٢٣] . وقال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان: ٣٠] . وقال تعالى: ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة: ٣٢] . وقال نوح ﵇: ﴿وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [هود: ٣٤] . وقال شعيب ﵇: ﴿وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً﴾ [الأعراف: ٨٩] .

стр. 19

وقال أهل الجنة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [الأعراف: ٤٣] . وقال أهل النار: ﴿قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْماً ضَالِّينَ﴾ [المؤمنون: ١٠٦] . وقال أخوهم إبليس لعنه الله: ﴿رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾ [الحجر: ٣٩] . يا شعيب: لا ينفعك ما كتبت حتى ترى: الصلاة خلف كل بر وفاجر. والجهاد ماض إلى يوم القيامة، والصبر تحت لواء السلطان جار أم عدل. قال شعيب: فقلت لسفيان يا أبا عبد الله: الصلاة كلها؟ قال: لا. ولكن صلاة الجمعة والعيدين صل خلف من أدركت وأما سائر ذلك فأنت مخير لا تصل إلا خلف من تثق به وتعلم أنه من أهل السنة والجماعة. يا شعيب بن حرب: إذا وقفت بين يدي الله فسألك عن هذا الحديث فقل: يا رب حدثني بهذا الحديث سفيان بن سعيد الثوري ثم خل بيني وبين ربي .

стр. 20

٤- اعتقاد الإمام مالك بن أنس (١٧٩) هـ أ- قوله في التوحيد: (١) أخرج الهروي عن الشافعي قال: سُئل مالك عن الكلام والتوحيد، فقال مالك: "محال أن يظن بالنبي ﷺ ، أنه علَّم أمته الاستنجاء ولم يعلمهم التوحيد، والتوحيد ما قاله النبي ﷺ : "أُمرت أن أُقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله" ١ فما عصم به المال والدم حقيقة التوحيد"٢. (٢) وأخرج الدارقطني عن الوليد بن مسلم قال: "سألت مالكاً والثوري والأوزاعي والليث بن سعد عن الأخبار في الصفات فقالوا أمروها كما جاءت"٣. (٣) وقال ابن عبد البر: "سُئل مالك أيُرى الله يوم القيامة؟ فقال: نعم. يقول الله : ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ ٤. وقال لقوم آخرين: ﴿كَلا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ ٥.٦ وأورد القاضي عياض في ترتيب المدارك٧ عن ابن

стр. 21

نافع١ وأشهب٢ قالا: وأحدهم يزيد على الآخر يا أبا عبد الله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ ينظرون إلى الله؟ قال: نعم بأعينهم هاتين؛ فقلت له: فإن قوماً يقولون لا ينظر إلى الله، إن ناظرة بمعنى منتظرة إلى الثواب قال: كذبوا بل ينظر إلى الله، أما سمعت قول موسى ﵇: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ ٣ أفترى موسى سأل ربه محالاً؟ فقال الله: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ ٤ أي في الدنيا لأنها دار فناء، ولا ينظر ما يبقى بما يفنى، فإذا صاروا إلى دار البقاء نظروا بما يبقى إلى ما يبقى وقال الله: ﴿كَلا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ ٥. وأخرج أبو نعيم عن جعفر بن عبد الله قال: "كنا عند مالك بن أنس فجاءه رجل فقال: يا أبا عبد الله، الرحمن على العرش استوى، كيف استوى؟ فما وجد٦ مالك من شيء ما وجد من مسألته، فنظر إلى الأرض وجعل ينكت بعود في يده حتى علاه الرحضاء -يعني العرق- ثم رفع رأسه ورمى بالعود وقال: الكيف منه غير معقول، والاستواء منه

стр. 22

غير مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة وأظنك صاحب بدعة وأمر به فأخرج"١. (٥) وأخرج أبو نعيم عن يحيى بن الربيع قال: "كنت عند مالك بن أنس ودخل عليه رجل فقال يا أبا عبد الله، ما تقول فيمن يقول القرآن مخلوق؟ فقال مالك: زنديق٢ فاقتلوه، فقال: يا أبا عبد الله إنما أحكي كلاماً سمعته، فقال: لم أسمعه من أحد إنما سمعته منك، وعظم هذا القول"٣. (٦) واخرج ابن عبد البر عن عبد الله بن نافع قال: "كان مالك بن أنس يقول من قال القرآن مخلوق يوجع ضرباً ويحبس حتى يتوب"٤. (٧) وأخرج أبو داود عن عبد الله بن نافع قال: "قال مالك: الله في السماء وعلمه في كل مكان"٥.

стр. 23

ب- قوله في القدر: (١) أخرج أبو نعيم عن ابن وهب١ قال: "سمعت مالكاً يقول لرجل سألتني أمس عن القدر؟ قال: نعم، قال: إن الله تعالى يقول: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ ٢. فلا بد أن يكون ما قال الله تعالى"٣. (٢) وقال القاضي عياض: "سُئل الإمام مالك عن القدرية مَن هم؟ قال: من قال: ما خلق المعاصي، وسُئل كذلك عن القدرية؟ قال: هم الذين يقولون إن الاستطاعة إليهم إن شاءوا أطاعوا وإن شاءوا عصوا"٤. (٣) وأخرج ابن أبي عاصم عن سعيد بن عبد الجبار قال: "سمعت مالك بن أنس يقول: رأي فيهم أن يستتابوا فإن تابوا وإلا قتلوا- يعني القدرية-"٥. (٤) وقال ابن عبد البر: "قال مالك: ما رأيت أحداً من أهل القدر إلا أهل سخافة وطيش وخفة"٦. (٥) وأخرج ابن أبي عاصم عن مروان بن محمد الطاطري قال: "سمعت مالك بن أنس يسأل عن تزويج القدري؟ فقرأ: ﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ﴾ ٧ ... "٨.

стр. 24

(٦) وقال القاضي عياض: قال مالك: لا تجوز شهادة القدري الذي يدعو١، ولا الخارجي والرافضي"٢. (٧) وقال القاضي عياض: "سُئل مالك عن أهل القدر أنكف عن كلامهم؟ قال: نعم إذا كان عارفاً بما هو عليه، وفي رواية أخرى قال: لا يصلي خلفهم ولا يقبل عنهم الحديث وإن وافيتموهم في ثغر فأخرجوهم منه"٣. جـ- قوله في الإيمان: (١) أخرج ابن عبد البر عن عبد الرزاق بن همام قال: "سمعت ابن جريج٤ وسفيان الثوري ومعمر بن راشد وسفيان بن عيينة ومالك بن أنس يقولون: الإيمان قول وعمل يزيد وينقص"٥. (٢) وأخرج أبو نعيم عن عبد الله بن نافع قال: "كان مالك بن أنس يقول: الإيمان قول وعمل"٦. (٣) وأخرج ابن عبد البر عن أشهب بن عبد العزيز قال: "قال مالك: فقام الناس يصلون نحو بيت المقدس ستة عشر شهراً، ثم أُمروا بالبيت الحرام فقال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ ٧ أي صلاتكم إلى بيت المقدس، قال مالك: وإني لأذكر بهذه قول المرجئه:

стр. 25

إن الصلاة ليست من الإيمان"١. د- قوله في الصحابة: (١) أخرج أبو نعيم عن عبد الله العنبري٢ قال: "قال مالك بن أنس: من تَنَقَّصَ أحداً من أصحاب رسول الله ﷺ ، أو كان في قلبه عليهم غِل، فليس له حق في فيء المسلمين، ثم تلا قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ٣. فمن تَنَقَّصهم أو كان في قلبه عليهم غل، فليس له في الفيء حق"٤. (٢) وأخرج أبو نعيم عن رجل من ولد الزبير٥ قال: "كنا عند مالك - فذكروا رجلاً يَتَنَقَّص أصحاب رسول الله ﷺ ، فقرأ مالك هذه الآية: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْأِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ ٦. فقال مالك: "من أصبح في قلبه غيظ على أحد من أصحاب رسول الله ﷺ ، فقد أصابته الآية"٧.

стр. 26

(٣) وأورد القاضي عياض عن أشهب بن عبد العزيز قال: "كنا عند مالك إذ وقف عليه رجل من العلويين وكانوا يقبلون على مجلسه فناداه: يا أبا عبد الله فأشرف له مالك، ولم يكن إذا ناداه أحد يجيبه أكثر من أن يشرف برأسه، فقال له الطالبي: إني أريد أن أجعلك حجة فيما بيني وبين الله، إذا قدمت عليه فسألني، قلت له: مالك قال لي. - فقال له: قل. - فقال: من خير الناس بعد رسول الله ﷺ ؟ - قال: أبو بكر، قال العلوي: ثم مَن؟ قال مالك: ثم عمر. قال العلوي: ثم مَن؟ قال: الخليفة المقتول ظلماً، عثمان قال العلوي: والله لا أجالسك أبداً. - قال له مالك: فالخيار إليك"١. هـ- نهيه عن الكلام والخصومات في الدين: (١) أخرج ابن عبد البر عن مصعب بن عبد الله الزبيري٢ قال: "كان مالك بن أنس يقول: الكلام في الدين أكرهه ولم يزل أهل بلدنا يكرهونه وينهون عنه، نحو الكلام في رأي جهم والقدر وكل ما أشبه ذلك، ولا يحب الكلام إلا فيما تحته عمل، فأما الكلام في دين الله وفي الله فالسكوت أحَبُّ إليَّ لأني رأيت أهل بلدنا ينهون عن الكلام في الدين إلا فيما تحته عمل"٣. (٢) وأخرج أبو نعيم عن عبد الله بن نافع قال: "سمعت مالكاً يقول: لو

стр. 27

أن رجلاً ركب الكبائر كلها بعد ألا يشرك بالله ثم تخلى من هذه الأهواء والبدع- وذكر كلاماً- دخل الجنة"١. (٣) وأخرج الهروي عن إسحاق بن عيسى٢ قال: "قال مالك: من طلب الدين بالكلام تزندق ومن طلب المال بالكيمياء أفلس ومن طلب غريب الحديث كذب"٣. (٤) وأخرج الخطيب عن إسحاق بن عيسى قال: "سمعت مالك بن أنس يعيب الجدال في الدين ويقول: كلما جاءنا رجل أجدل من رجل أرادنا أن نرد ما جاء به جبريل إلى النبي ﷺ "٤. (٥) وأخرج الهروي عن عبد الرحمن بن مهدي قال: "دخلت على مالك - وعنده رجل يسأله فقال: لعلك من أصحاب عمرو بن عبيد، لعن الله عمرو بن عبيد فإنه ابتدع هذه البدعة من الكلام، ولو كان الكلام علماً لتكلَّم فيه الصحابة والتابعون كما تكلموا في الأحكام والشرائع "٥. (٦) وأخرج الهروي عن أشهب بن عبد العزيز قال: "سمعت مالكاً يقول: إيّاكم والبدع، قيل يا أبا عبد الله، وما البدع؟ قال: أهل البدع الذين يتكلمون في أسماء الله وصفاته وكلامه وعلّمه وقدرته ولا يسكتون عمّا سكت عنه الصحابة والتابعون لهم بإحسان"٦. (٧) وأخرج أبو نعيم عن الشافعي قال: "كان مالك بن أنس إذا جاءه بعض أهل الأهواء قال: أما إني على بيّنة من ربي وديني، وأما أنت

стр. 28

فشاكٌّ فاذهب إلى شاكٍّ فخاصمه"١. (٨) روى ابن عبد البر عن محمد بن أحمد بن خويز منداد المصري المالكي قال في كتاب الإجارات من كتابه الخلاف: قال مالك لا تجوز الإجارات في شيء من كتب الأهواء والبدع والتنجيم وذكر كتباً ثم قال: وكتب أهل الأهواء والبدع عند أصحابنا هي كتب أصحاب الكلام من المعتزلة وغيرهم وتفسخ إجارة في ذلك"٢. فهذه لمحات من موقف الإمام مالك وأقواله في التوحيد والصحابة والإيمان وعِلم الكلام وغيره.

стр. 29

٥- اعتقاد عبد الله بن المبارك١ المتوفى سنة ١٨١ هـ قال ابن المبارك٢ ﵀: أدركت الناس بمكة والمدينة والكوفة والبصرة وبمصر وخراسان، فأدركتهم مجتمعين على السنة والجماعة، من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، وفوض الأمر إلى الله ، وعلم أن كل شيء بقضاء الله وقدره، الخير والشر والكفر والإيمان، وعرف حق السلف الماضين، الذين اختارهم الله لصحبة نبيه ﷺ ، وقدم أبا بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب رضوان الله عليهم أجمعين وترحم على أصحاب رسول الله ﷺ كبيرهم وصغيرهم، وحدث بفضائلهم، وأمسك عما شجر بينهم، وصلى العيدين وعرفات والجماعات، مع كل إمام بر أو فاجر، والقرآن كلام الله وتنزيله، ليس بمخلوق، والإيمان قول وعمل ونية مع إصابة السنة، والإيمان يزيد وينقص بالقلب والجوارح، والجهاد ماض منذ بعث الله محمداً ﷺ إلى آخر عصابة يقاتلون الدجال لا يضر جور جائر، والإيمان بعذاب القبر، ومنكر ونكير، والحوض، والشفاعة، والميزان، أهل الجنة يرون ربهم عز رجل، وما أتت به الأنبياء والرسل ﵈ نؤمن بها، ولا نضرب لها الأمثال، وأن صفة أهل السنة الأخذ بكتاب الله ، وأحاديث رسول الله ﷺ ، وأحاديث الصحابة ﵃ أجمعين، وترك الرأي والقياس، فهذا الذي أدركت عليه علماءنا القدماء، يرزقنا الله- وإياكم- الاستقامة واللحوق بالصالحين. وقال رحمه الله تعالى: " ... إنا لنحكى كلام اليهود والنصارى، ولا نستطيع أن نحكي كلام الجهمية".

стр. 30

٦- اعتقاد سفيان بن عيينه رضي الله عنه١ المتوفى سنة ١١٨هـ قال اللالكائي أخبرنا عبيد الله بن محمد بن التوجي قال حدثنا محمد بن إسحاق بن عباد التمار قال حدثنا عبد العزيز بن معاوية قال حدثنا محمد بن عبد الجبار السلمي قال حدثنا بكر بن الفرج أبو العلا قال: سمعت سفيان بن عيينة يقول: السنة عشرة فمن كن فيه فقد استكمل السنة ومن ترك (منها) فقد ترك السنة: إثبات القدر. وتقديم أبي بكر وعمر. والحوض. والشفاعة. والميزان والصراط. والإيمان: قول وعمل، والقرآن: كلام الله، وعذاب القبر، والبعث يوم القيامة، ولا تقطعوا بالشهادة على مسلم. ولما اطلع ﵀ "على مقالة المريسي في كتابه الذي ألفه في التعطيل والقول بخلق القرآن؟ قال رحمه الله تعالى: "ما أشبه هذا الكلام بكلام النصارى؟!؟ "٢.

стр. 31

٧- اعتقاد الإمام الشافعي (٢٠٤) هـ أ- قوله في التوحيد: (١) أخرج البيهقي عن الربيع بن سليمان قال: "قال الشافعي: من حلف بالله أو باسم من أسمائه فحنث فعليه الكفارة، ومن حلف بشيء غير الله مثل أن يقول الرجل والكعبة وأبي وكذا وكذا ما كان، فحنث فلا كفارة عليه، ومثل ذلك قوله لعمري.. لا كفارة عليه ويمين بغير الله فهي مكروهة منهي عنها من قبل قول الرسول ﷺ : "إن الله نهاكم أن تحلفوا بآبائكم، فمن كان حالفاً فليحلف بالله أو ليسكت" ١..٢. وعلّل الشافعي لذلك بأن أسماء الله غير مخلوقة، فمن حلف باسم الله فحنث فعليه الكفارة٣. (٢) وأورد ابن القيَّم في اجتماع الجيوش عن الشافعي أنه قال: "القول في السُّنّة التي أنا عليها ورأيت أصحابنا عليها أهل الحديث الذين رأيتهم وأخذت عنهم مثل سفيان ومالك وغيرهما الإقرار بشهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله وأن الله تعالى على عرشه في سمائه يقرب من خلقه كيف شاء وأن الله تعالى ينزل إلى سماء الدنيا كيف شاء"٤. (٣) وأورد الذهبي عن المزني قال: "قلت"إن كان أحد يخرج ما في

стр. 32

ضميري وما تعلق به خاطري من أمر التوحيد فالشافعي؛ فصرت إليه وهو في مسجد مصر، فلما جثوتُ بين يديه قلت: هجس في ضميري مسألة في التوحيد فعلمت أن أحداً لا يعلم علمك فما الذي عندك؟ فغضب ثم قال: أتدري أين أنت؟ قلت: نعم. قال: هذا الموضع الذي أغرق الله فيه فرعون، أبَلَغَكَ أن رسول الله ﷺ ، أمر بالسؤال عن ذلك؟ قلت: لا. قال: هل تكلم فيه الصحابة؟ قلت: لا، قال: تدري كم نجماً في السماء؟ قلت: لا، قال: فكوكب منها تعرف جنسه، طلوعه، أفوله، مِمَّ خُلق؟ قلت: لا، قال: فشيء تراه بعينك من الخلق لست تعرفه تتكلم في علم خالقه؟ ثم سألني عن مسألة في الوضوء فأخطأت فيها ففرعها على أربعة أوجه فلم أصب في شيء منه فقال: شيء تحتاج إليه في اليوم خمس مرات تدع علمه وتتكلف علم الخالق إذا هجس في ضميرك ذلك فارجع إلى قول الله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ * إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ ١. فاستدل بالمخلوق على الخالق ولا تتكلف على ما لم يبلغه عقلك"٢. (٤) وأخرج ابن عبد البر عن يونس بن عبد الأعلى٣ قال: "سمعت الشافعي يقول: إذا سمعت الرجل يقول الاسم غير المسمى أو الشيء غير الشيء فاشهد عليه بالزندقة"٤. (٥) وقال الشافعي في كتابه الرسالة: " الحمد لله.. الذي هو كما وصف به نفسه وفوق ما يصفه به خلقه"٥.

стр. 33

٠٦) وأورد الذهبي في السير عن الشافعي أنه قال: "نثبت هذه الصفات التي جاء بها القرآن ووردت بها السنة وننفي التشبيه عنه كما نفى عن نفسه فقال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ١ "٢. (٧) وأخرج ابن عبد البر عن الربيع بن سليمان قال: "سمعت الشافعي يقول في قول الله : ﴿كَلا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ ٣ أعلمنا بذلك أن ثم قوماً غير محجوبين ينظرون إليه لا يضامون في رؤيته"٤. (٨) وأخرج اللالكائي عن الربيع بن سليمان قال: "حضرت محمد بن إدريس الشافعي جاءته رقعة من الصعيد فيها: ما تقول في قوله تعالى: ﴿كَلا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ قال الشافعي: فلما أن حجبوا هؤلاء في السخط كان هذا دليلاً على أنهم يرونه في الرضا قال الربيع: قلت: يا أبا عبد الله وبه تقول؟ قال: نعم وبه أدين الله"٥. وأخرج ابن عبد البر عن الجارودي٦ قال: "ذكر عند الشافعي إبراهيم بن إسماعيل بن عليه٧ فقال: أنا مخالف له في كل شيء وفي قول لا إله إلا الله لست أقول كما يقول أنا أقول: لا إله إلا الله الذي كلّم موسى ﵇ تكليماً من وراء حجاب وذاك يقول لا إله إلا الله

стр. 34

الذي خلق كلاماً أسمعه موسى من وراء حجاب"١. (١٠) وأخرج اللالكائي عن الربيع بن سليمان، قال الشافعي: "من قال القرآن مخلوق فهو كافر"٢. (١١) وأخرج البيهقي عن أبي محمد الزبيري قال: "قال رجل للشافعي أخبرني عن القرآن خالق هو؟ قال الشافعي: اللهم لا. قال: فمخلوق؟ قال الشافعي: اللهم لا. قال: فغير مخلوق؟ قال الشافعي: اللهم نعم. قال: فما الدليل على أنه غير مخلوق؟ فرفع الشافعي رأسه وقال: تقر بأن القرآن كلام الله، قال: نعم. قال الشافعي: سبقت في هذه الكلمة قال الله تعالى ذكره: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ﴾ ٣ ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً﴾ ٤. قال الشافعي: فتقر بأن الله كان وكان كلامه؟ أو كان الله ولم يكن كلامه؟ فقال الرجل: بل كان الله وكان كلامه. قال: فتبسم الشافعي وقال: يا كوفيون إنكم لتأتوني بعظيم من القول إذا كنتم تقرون بأن الله كان قبل القبل وكان كلامه فمن أين لكم الكلام: إن الكلام الله، أو سوى الله، أو غير الله، أو دون الله؟ قال: فسكت الرجل وخرج"٥. (١٢) وفي جزء الاعتقاد المنسوب للشافعي- من رواية أبي طالب العشاري٦- ما نصه قال: وقد سُئل عن صفات الله وما

стр. 35

ينبغي أن يؤمن به، فقال: الله ﵎ أسماء وصفات جاء بها كتابه وخبر بها نبيه ﷺ ، أمته لا يسع١ أحداً من خلق الله قامت لديه٢ الحجة إن القرآن نزل به وصحيح عنده٣ قول النبي ﷺ ، فيما روى عنه العدل خلافه٤ فإن خالف ذلك بعد ثبوت الحجة عليه فهو كافر بالله٥ ، فأما قبل ثبوت الحجة عليه من جهة الخبر فمعذور بالجهل لأن علم ذلك لا يدرك بالعقل ولا بالدراية٦ والفكر ونحو ذلك أخبار الله أنه سميع وأن له يدين بقوله : ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ ٧ وأن له يميناً بقوله : ﴿وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ ٨، وأن له وجهاً بقوله : ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ﴾ ٩ وقوله: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالأِكْرَامِ﴾ ١٠ وأن له قدماً بقوله ﷺ : "حتى يضع الرب فيها قدمه" ١١ يعني جهنم لقوله ﷺ ، للذي قتل في سبيل

стр. 36

الله أنه: "لقي الله وهو يضحك إليه" ١ وأنه يهبط كل ليلة إلى السماء الدنيا بخبر رسول الله ﷺ ، بذلك وأنه ليس بأعور لقول النبي ﷺ إذ ذكر الدجال فقال: "إنه أعور وإن ربكم ليس بأعور" ٢ وإن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة بأبصارهم كما يرون القمر ليلة البدر وأن له أصبعاً بقوله ﷺ : "ما من قلب إلا هو بين أصبعين من أصابع الرحمن " ٣. وإن٤ هذه المعاني التي وصف الله بها نفسه ووصفه بها رسوله ﷺ ، لا يدرك٥ حقه٦ ذلك بالفكر والدراية٧ ولا يكفر بجهلها أحد إلا بعد انتهاء الخبر إليه وإن٨ كان الوارد بذلك خبراً يقوم في الفهم مقام المشاهدة في السماع "وجبت الدينونة"٩ على سامعه بحقيقته والشهادة عليه كما عاين وسمع من رسول الله ﷺ ،

стр. 37

ولكن نثبت١ هذه الصفات وننفي٢ التشبيه كما نفى ذلك عن نفسه تعالى ذكره فقال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ٣ ... " ٤ آخر الاعتقاد. ب- قوله في القدر: (١) أخرج البيهقي عن الربيع بن سليمان، قال: "سئل الشافعي عن القدر فقال: ما شئت كان وإن لم أشأ ... وما شئت إن لم تشأ لم يكن خلقت العباد على ما علمت ... ففي العلم يجري الفتى والمسن على ذا مننت وهذا خذلت ... وهذا أعنت وذا لم تعن فمنهم شقي ومنهم سعيد ... ومنهم قبيح ومنهم حسن٥ (٢) أورد البيهقي في مناقب الشافعي أن الشافعي قال: "إن مشيئة العباد هي إلى الله تعالى ولا يشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين، فإن الناس لم يخلقوا أعمالهم وهي خلق من خلق الله تعالى أفعال العباد وإن القدر خيره وشره من الله ، وإن عذاب القبر حق، ومساءلة أهل القبور حق، والبعث حق، والحساب حق، والجنة والنار حق، وغير ذلك مما جاءت من السنن"٦. (٣) وأخرج اللالكائي عن المزني قال: "قال الشافعي: تدري ما القدري؟ الذي يقول إن الله لم يخلق الشيء حتى عمل به"٧.

стр. 38

(٤) وأورد البيهقي عن الشافعي أنه قال: "القدرية الذين قال رسول الله ﷺ : "هم مجوس هذه الأمة" ١ الذين يقولون إن الله لا يعلم المعاصي حتى تكون٢. (٥) وأخرج البيهقي عن الربيع بن سليمان عن الشافعي أنه كان يكره الصلاة خلف القدري٣. جـ- قوله في الإيمان: (١) أخرج ابن عبد البر عن الربيع قال: "سمعت الشافعي يقول: "الإيمان قول وعمل واعتقاد بالقلب، ألا ترى قول الله : ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ ٤، يعني صلاتكم إلى بيت المقدس فسمى الصلاة إيماناً وهي قول وعمل وعقد"٥. (٢) وأخرج البيهقي عن الربيع بن سليمان قال: "سمعت الشافعي يقول: الإيمان قول وعمل يزيد وينقص"٦. (٣) وأخرج البيهقي عن أبي محمد الزبيري قال: "قال رجل للشافعي أي الأعمال عند الله أفضل؟ قال الشافعي: ما لا يقبل عملاً إلا به، قال: وما ذاك؟ قال الإيمان بالله الذي لا إله إلا هو، أعلى الأعمال درجة، وأشرفها منزلة، وأسناها حظاً. قال الرجل ألا تخبرني عن الإيمان: قول وعمل، أو قول بلا عمل؟ قال الشافعي: الإيمان عمل

стр. 39

لله والقول بعض ذلك ألعمل، قال الرجل: صف لي ذلك حتى أفهمه، قال الشافعي: إن للإيمان حالات ودرجات وطبقات فمنها التام المنتهي تمامه، والناقص البين نقصانه، والراجح الزائد رجحانه؛ قال الرجل: وإن الإيمان لا يتم وينقص ويزيد؟ قال الشافعي: نعم، قال: وما الدليل على ذلك؟ قال الشافعي: إن الله جل ذكره فرض الإيمان على جوارح بني آدم، فقسّمه فيها، وفرّقه عليها، فليس من جوارحه جارحة إلا وقد وكلت من الإيمان بغير ما وكلت به أختها بفرض من الله تعالى: فمنها: قلبه الذي يعقل به، ويفقه ويفهم وهو أمير بدنه الذي لا ترد الجوارح ولا تصدر إلا عن رأيه وأمره. ومنها: عيناه اللتان ينظر بهما، وأذناه اللتان يسمع بهما، ويداه اللتان يبطش بهما، ورجلاه اللتان يمشي بهما، وفرجه الذي الباهُ من قبله، ولسانه الذي ينطق به، ورأسه الذي فيه وجهه. فرض على القلب غير ما فرض على اللسان، وفرض على السمع غير ما فرض على العينين، وفرض على اليدين غير ما فرض على الرجلين، وفرض على الفرج غير ما فرض على الوجه. فأما فرض الله على القلب من الإيمان: فالإقرار والمعرفة والعقد والرضا والتسليم بأن الله لا إله إلا هو وحده لا شريك له، لم يتخذ صاحبة ولا ولداً، وأن محمداً ﷺ عبده ورسوله، والإقرار بما جاء من عند الله من نبي أو كتاب فذلك ما فرض الله جل ثناؤه على القلب وهو عمله. ﴿إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالأِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً﴾ ١ وقال: ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ ٢ وقال:

стр. 40

﴿مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ﴾ ١ وقال: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَو تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ ٢ فذلك ما فرض الله على القلب من إيمان، وهو عمله، وهو رأس الإيمان. "وفرض ﴿الله﴾ على اللسان: القول والتعبير عن القلب بما عقد وأقرّ به، فقال في ذلك: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ ٣. وقال: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً﴾ ٤ فذلك ما فرض الله على اللسان من القول، والتعبير عن القلب، وهو عمله، والفرض عليه من الإيمان. وفرض الله على (السمع) : أن يتنزه عن الاستماع إلى ما حرّم الله، وأن يُغض عما نهى الله عنه، فقال في ذلك: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ﴾ ٥ ثم استثنى موضع النسيان، فقال جلَّ وعزَّ: ﴿وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ﴾ أي: فقعدت معهم ﴿فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ ٦ وقال: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الأَلْبَابِ﴾ ٧ وقال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ إلى قوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ﴾ ٨ وقال: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ﴾ ٩ وقال:
следующие страницы →