اعتماد فقه دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب على الكتاب والسنة
صالح بن عبد الرحمن الأطرم
مقدمة البحث
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه.. وبعد:
أيها الإخوة الحضور - السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
معلوم ما اجتمعنا من أجله.. وهو البحث في جوانب دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب من اعتمادها على الكتاب والسنة، وصلتها بالسلف الصالح وتأثيرها في الفرد والمجتمع، ومهما طال بحثنا فما نرانا نقول إلا معاراً ومعاداً من لفظنا مكرورا؛ لأن دعوة الشيخ ﵀ على حد قول القائل: الجواب ما ترى لا ما تسمع.. فتأثيرها في محيطها وخارجه أكثر مما نقوله، وإنما ما كتبته في اعتماد فقه دعوة الشيخ على الكتاب والسنة ما هو إلا إسهام مني في هذه المناسبة التي أقامتها جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية من جمع مؤلفاته وطبعها ونشرها وتوزيعها.. نفعنا الله بها.
أيها الإخوة الحضور - إن أهداف دعوة الشيخ سامية، نابعة من أهداف النبوة، وحاجة الإنسان إليها ماسة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها؛ لقيامها بالغرض الذي خلق من أجله الإنسان، وهو عبادة الله وحده.
﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ ١.
وهذه دعوة الرسل من أولهم نوح ﵇ إلى خاتمهم محمد - عليه وعلى سائر الأنبياء الصلاة والسلام. ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ ٢.
стр. 2
﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ ١، ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ ٢، ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الآخِرَ وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ ٣.
وعلى خاتم الأنبياء ينزل تكليف الله له.
﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ ٤.
وهذه الآية نزلت تأمره بالعمل بعد الآية الأولى التي نزلت تعلمه، وهو قوله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الأِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الأِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ ٥ فوضحت الآيتان أن العلم قبل القول والعمل، وأن العلم متبوع بالعمل.
فدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب فقه في الدين عقيدة وفروعاً؛ لذا نجدها جماعية وليست جمعية، وعمومية وليست حزبية، أمر بمعروف ونهي عن منكر قولا وعملا وجهادا، وليست إصلاحية فردية، وليست سرية بل علنية، يبين الحلال والحرام من المعاملات، والصحيح والفاسد من العبادات، ينكر ما يخل بالعقيدة والأخلاق والمعاملات، يعرض قوله في الأصول والفروع مقرونا بالدليل، يلتمس من يشد عضده لنشر هذه الدعوة وتنفيذها وقمع من يقف ضدها - حتى قيض الله له من نور الله بصيرته.. أمير الدرعية / محمد بن سعود ... فتعاهدا وشرعا في التنفيذ عام ١١٥٧هـ.. هذا يحمل مشعل النور، وهذا يحمل السيف والسنان لمن وقف وعاند في سبيل نشر هذا الفقه.
أيها الإخوة الحضور - إن هذا العمل من الشيخ ﵀ كان قدوته في ذلك محمداً ﷺ حيث يقف على صناديد كفار قريش ويقول لهم: "قولوا لا إله إلا
стр. 3
الله فإن أطعتموني فهذا ما أمرت به، وإلا فبيني وبينكم الله" أو كما قال ﷺ . وقوله لهم هذه المقالة جواباً لهم لما ساوموه على ترك دعوته.
كما كان رسول الله ﷺ قدوة الشيخ في التماس من ينصره حيث قال:"اللهم انصر الإسلام بأحد العمرين" وهو يعني عمر بن الخطاب وعمرو بن هشام (أبو جهل) .. فاستجاب الله دعوته بإسلام عمر بن الخطاب، فكان منه النصر والعزة قولا وفعلا، وأصبح غصة في حلوق أعداء الله وأعداء الرسول ﵊.
فمن هذا المنطلق تثبت دعوة الداعي وينتشر فقهه، ويجد له مكانه في القلوب حيث هدفه وغايته هداية الناس إلى معرفة خالقهم ورازقهم وحقه عليهم. ومعلوم أن مثل هذه الدعوة لا بد وأن تجد في طريقها الكثير من العقبات ابتلاء وامتحاناً لأصحابها ودعاتها.. أيصبرون ويمضون، أم يجزعون فيقفون. ﴿الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ ١.
أيها الأخوة ... بعد هذه المقدمة السريعة أستعرض معكم نقاط بحثي في اعتماد فقه الشيخ محمد بن عبد الوهاب على الكتاب والسنة، ثم قراءة مقاطع منه كالمقدمة ... ومقدمة بعض الأبواب.... وإن سنحت الفرصة لأستعرض معكم الكثير، فهذه رغبتي على أن أحظى بملاحظة أستنير بها من حضراتكم.
الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجاً قيما لينذر بأسا شديدا من لدنه، ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا حسنا، ماكثين فيه أبدا، وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدا ما لهم به من علم ولا لآبائهم كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا. وصلى الله وسلم على من أنزل عليه هذا الكتاب ليخرج الناس من الظلمات إلى
стр. 4
النور على يده، وعلى آله وأصحابه والمهتدين بهديه المستضيئين بنور كتاب ربهم، وسنة نبيهم، وعلى كل من حذا حذوهم إلى أن تقوم الساعة.
وبعد ... فإن الله منذ خلق البشرية وحكمته قاضية بالصراع بين الحق والباطل ... ، فالباطل له إبليس وجنوده من الجن والإنس، حيث أمر بالسجود لآدم فأبى استكباراً وعنادا، فحكم عليه بالطرد والإبعاد من رحمة الله ...
قال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ ١ وطلب إبليس الإنظار من ربه إلى يوم القيامة فأعطي مطلبه، وهو يريد بذلك تحقيق مأربه بأن يضل بني آدم ويجعلهم من أتباعه حيث عرف أن النار مثواه في الدار الآخرة.
والنصوص الواردة في القرآن الكريم والحديث الشريف في هذا المعنى كثيرة ومتعددة، ولكن من لطف الله ورحمته بعباده أن هذا العدو المصارع للحق لم يستطع الحكم الكامل بعدم الشكر على بني آدم، بل على أكثرهم.
قال تعالى حكاية عن إبليس:
﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ ٢
ولم يذكر الجهة الفوقية؛ لأن الذي يأتي من الفوق هو النور، والقابلون له هم الشاكرون الذين لا سبيل للشيطان عليهم، وذكره سائر الجهات دليل على أن الشر سفلي.
стр. 5
وإذا نزل النور من الفوق بدد ظلام الشر وفرقه، وأزهق الباطل، فلم يكن للشيطان على ذلكم الشاكر الذي تلقى النور من ربه عن طريق نبيه سلطان.
﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ ١ ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ ٢.
ومن هنا يتضح وجود الحق وثبوته ومصارعة الباطل له، ولكن متى ثبت أهل الحق وعرفوه حق المعرفة دفع الباطل مهما كثر أعوانه وأنصاره.
﴿إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً﴾ ٣.
﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ ٤.
فالحق ثابت ما دامت البشرية على وجه المعمورة، وإن.. ضعف حينا قوي أحياناً، وإن خفي في مكان ظهر في مكان آخر - تلك هي:
﴿سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ﴾ ٥.
ومتى فقد الحق وأهله قامت الساعة وانتهت الدنيا؛ لإخبار الصادق المصدوق:
стр. 6
"بأنها لا تقوم وعلى وجه الأرض مؤمن، بل على شرار الناس" ١ ولحديث: " لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله"، وفي رواية "حتى تقوم الساعة" ٢.
ثم إن الله جل وعلا أثبت هذا الحق بتتابع رسله ووحيه عليهم: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَا كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضاً وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْداً لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ ٣.
ثم ختم هؤلاء الرسل بأشرفهم وإمامهم وسيد البشرية أجمع محمد ﷺ فشملت رسالته الثقلين من عرب وعجم، وعمت أرجاء المعمورة،
ولم يعد في الدنيا كلها مكان إلا ووصلته هذه الدعوة الربانية المحمدية، وخاصة في زمننا الحديث بعد أن عمت أجهزة الإعلام جميع المناطق في العالم، وأنزل على هذا النبي الكريم كتاباً صار إعجاز الفصحاء العرب والعجم، والجن والإنس على أن يأتوا بمثله أو سورة منه، بل ولا آية، وجعله منهجاً خالداً للناس أجمعين.
والأدلة على إعجاز القرآن وتخليده وشموله لقضايا الحياة في شتى مجالاتها، وأنواع العقائد والعبادات الصحيح منها والفاسد، واضحة جدا وكثيرة لا تحصى.
ثم إن الله جعل رسالة كل نبي إلى قومه خاصة لعلم الله ببعثه خاتم الرسالات، وإنزاله الكتاب المهيمن على جميع الكتب والرسالات السابقة. ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ﴾ ٤.
стр. 7
ولعلم الله بنهاية الرسل وآخرهم محمد ﵊، أيقظ الله من أمته من حفظ القرآن منه، وتلقى سنته، وعلى رأس هؤلاء صحابته العدول ﵃ وأرضاهم-. وهكذا كل من أراد الله هدايته شرح الله صدره للإسلام، فتعلم علومه وعلمها وفهمها؛ لذا جاء في الحديث: "أن العلماء ورثة الأنبياء" ١ والحديث الآخر "من يرد الله به خيرا يفقه في الدين" ٢.
والحديث الآخر "رب مبلغ أوعى من سامع" ٣ ومصداق هده الأحاديث ما دلت على معاني هذه الآيات.
"أولا"
﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ٤.
فدلت هذه الآية على فضل العلماء من أمة محمد وأنهم الوارثون لسنته، والمتفقهون في دينه؛ إذ جعلهم الله في صف ملائكته وجعلهم أهلا لشهادة ما شهدت به، ولولا ما في صدورهم من العلم بالله وخشيته لما نزلوا هذه المنزلة. ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ ٥.
ولما أوتوه من النور الذي ورثوه عن نبيهم محمد وعدهم الله برفع الدرجات. ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ ٦.
стр. 8
وفي الأنفال يذكر الله صفات المؤمنين بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ ١.
وفي سورة الزمر ينوه الله جل شأنه عن فضل المتعلمين على الجاهلين ويبين صفة المتذكرين. ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الأَلْبَابِ﴾ ٢.
وفي سورة الأنعام يبين الله تعالى أن العلم بالقرآن والسنة هو النور وهو الحياة الحقيقية والأبدية، وأن الجهل بهما هو الموت والظلمة.
﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ٣.
ويصور الشاعر الجهل ومعناه وأنه الموت العاجل:
وفي الجهل قبل الموت موت لأهله ... وأجسامهم قبل القبور قبور
وهذا الموضوع واسع وأدلته أكثر من أن تحصر، وإنما المقصود الإشارة بأن شرع محمد ﷺ خالد لوجود ورثته وبيان مكانتهم ومنزلتهم عند الله، وأنهم إذا قاموا على طريقة نبيهم أثروا في الناس وغيروا المجتمعات من السيئ إلى الحسن، وأظهروا الحق وأزهقوا الباطل.
стр. 9
ومن ورثة محمد ﷺ في القرن الثاني عشر الهجري محمد بن عبد الوهاب.. الذي دعا إلى شرع الله عقيدةً وقولاً وعملاً، وجهاداً لمن وقف ضد هذه الدعوة قامعاً لبدعته، مبطلاً لخرافته بالحجة والبرهان، وهيئ له العضد والساعد ليحمل السيف والسنان محمد بن سعود أمير الدرعية الذي شد أزر محمد بن عبد الوهاب على الحق والبر والتقوى، فهذا ينشر النور والضياء، وهذا يزيل الحجب والغطاء والعراقيل التي توضع دون هذه الخطى بدليل من القرآن وحديث من سنة المصطفى، ومن أجاب داعي الله وهذا النداء فله الجنات نزلاً ومأوى والسعادة في هذه الدنيا والنصر والتأييد من رب الورى.
وحان الشروع فيما قصدناه من اعتماد الشيخ محمد بن عبد الوهاب على الأدلة والهدى من كتاب ربنا وسنة سيدنا ونبينا محمد ﷺ وأقوال صحابته أئمة الهدى، وما فهمه أولي النهي ممن فتح الله عليهم المحبة والرغبة لفهم شرعه، فصاروا سببا لحفظه الذي تكفل الله به: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ ١.
فحفظ الله لكتابه وسنة نبيه هو على أيدي ورثة رسوله.. لذا يكون نزع العلم بموت أهله لا بانتزاعه من صدور الرجال، وإذا انتزع العلم تصدى للمسئولية الجهلة، فأفتوا بغير علم، ونفذوا بغير نور، وحينئذ تنقلب السنة بدعة والبدعة سنة.
وفي الحديث: "فإذا أضيعت الأمانة فانتظر الساعة، قال: كيف إضاعتها؟ قال: إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة" ٢.
وهذا البحث يشتمل على مقدمة وأربعة أبواب:
الباب الأول: نبذة عن حياة الشيخ وفيه أربعة فصول:
الفصل الأول: ترجمة موجزة للشيخ وتتلخص في النقاط التالية: نسبه / ولادته / بيئته / نشأته / طلبه للعلم / بداية دعوته / رحلاته في طلب العلم / مكان بدء نشر دعوته / وفاته.
стр. 10
الفصل الثاني: زمن الشيخ محمد بن عبد الوهاب.
الفصل الثالث: الحالة الاجتماعية في زمن الشيخ.
الفصل الرابع: سبب قيام دعوة الشيخ.
الباب الثاني: ما قيل عن اعتماد فقه الشيخ محمد بن عبد الوهاب على الكتاب والسنة. وفيه مقدمة وأحد عشر فصلاً.
الفصل الأول: القواعد الأربع التي قررها الشيخ لدوران الدين عليها.
الفصل الثاني: في كلام الشيخ عن طريقة الأخذ فيما اختلف فيه العلماء وأقوالهم.
الفصل الثالث: في كلام الشيخ على قولهم (اتفاق العلماء حجة واختلافهم رحمة) .
الفصل الرابع: في كلام الشيخ على من قال: (لا يقرأ الكتاب لعدم إمكان فهمه) ودليله على بطلان هذا القول.
الفصل الخامس: في كلام الشيخ على الذين يحاولون طرح أقوال العلماء وبيان مبدئه وموقفه منها.
الفصل السادس: في كلام الشيخ لابن معمر لما هدره.
الفصل السابع: في كلام الشيخ في المدينة لما سئل عن الأصوات عند قبر الرسول ﷺ .
الفصل الثامن: ما قاله أحفاده عن اعتماده على الكتاب والسنة.
الفصل التاسع: ما قاله غير أحفاده وأبنائه مما يدل على اعتماده في دعوته على الكتاب والسنة.
الفصل العاشر: في ثناء العلماء على الشيخ ووجهة نظري في إيراد هذا الثناء.
الفصل الحادي عشر: في الأصول التي دعا إليها الشيخ، وهى أهم دعواته وأجلها مدعومة بالأدلة.
стр. 11
الباب الثالث: الاستدلال على اعتماده في مؤلفات العقائد على الكتاب والسنة.
وفي هذا الباب خمسة عشر فصلا هي:
الفصل الأول: في ثلاث مسائل يجب تعلمها.
الفصل الثاني: في المسألة التي بها نجاة المسلم من الخسارة والهلاك.
الفصل الثالث: في مراتب الدين.
الفصل الرابع: في اعتناء الشيخ بتوحيد العبادة.
الفصل الخامس: القواعد الأربع التي قرر بها توحيد العبادة.
الفصل السادس: ما ورد في مؤلفه كتاب (فضل الإسلام) على اعتماده على الكتاب والسنة.
الفصل السابع: فيما ألفه في أصول الإيمان.
الفصل الثامن: في وجوب اعتقاد حق الرسول ﷺ واستدلاله على ذلك.
الفصل التاسع: في لزوم السنة والتحذير من البدع واستدلاله على ذلك.
الفصل العاشر: في وجوب عداوة أعداء الله واستدلاله على ذلك.
الفصل الحادي عشر: من كتابه "مسائل الجاهلية".
الفصل الثاني عشر: ست موضوعات من السيرة لها صلة قوية بأسس الدعوة.
الفصل الثالث عشر: من مؤلفاته تلقين أصول العقيدة للعامة على طريقة السؤال والجواب.
الفصل الرابع عشر: في معنى الطاغوت.
الفصل الخامس عشر: في كتابه (الكبائر) .
стр. 12
الباب الرابع: في مؤلفات الشيخ فيما عدا العقائد، وفيه تمهيد وعشرون فصلا:
الفصل الأول: في مؤلفات الشيخ في الحديث.
الفصل الثاني: في فضائل الأعمال.
الفصل الثالث: في صلاة التطوع.
الفصل الرابع: في فقه الشيخ في قراءة القرآن.
الفصل الخامس: في الزكاة.
الفصل السادس: في بر الوالدين وصلة الأرحام.
الفصل السابع: في الصيام.
الفصل الثامن: في المناسك (أي في الحج والعمرة) .
الفصل التاسع: في الحج والعمرة.
الفصل العاشر: في الهدي والأضاحي والعقيقة.
الفصل الحادي عشر: في الجهاد.
الفصل الثاني عشر: في البيوع.
الفصل الثالث عشر: في مؤلفات الشيخ مما عدا الحديث.
الفصل الرابع عشر: في رسائل الشيخ الشخصية.
الفصل الخامس عشر: في كتابة الشيخ بالسيرة النبوية.
الفصل السادس عشر: في التفسير.
الفصل السابع عشر: في كتابه مختصر زاد المعاد.
الفصل الثامن عشر: في مختصر الشرح الكبير والإنصاف.
الفصل التاسع عشر: في مؤلفاته المبتدأة
الفصل العشرون: في استنباطات الشيخ وتلخيصاته.
الخاتمة.
стр. 13
الباب الأول: نبذة عن حياة الشيخ
الفصل الأول: ترجمة موجزة وتتلخص في النقاط التالية
...
الفصل الأول: ترجمة موجزة وتتلخص في النقاط التالية:
نسبه، ولادته، بيئته، نشأته، طلبه للعلم، بداية دعوته، رحلاته في طلب العلم، مكان بدء نشر دعوته، وفاته.
أولا: هو شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب بن سليمان بن علي بن محمد بن أحمد بن راشد بن محمد بن مشرف، ثم إن آل مشرف بيت مشتهر، فمنهم من ينسب الشيخ له، ومنهم من نسبه إلى جد بعده، هم الوهبة، ومنهم من ينسبه إلى التميمي، وقد ذكر الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن بن صالح البسام نسبا متسلسلا إلى عدنان في كتابه "علماء نجد"، وقد أكد ذلك حسب ما اطلع عليه من كتب التراجم والأنساب.
ويقرب من الحقيقة لوجود الصهر بين البسام وجد الشيخ محمد بن عبد الوهاب، إذ أن الشيخ عبد الوهاب أخواله البسام، وهذا المبحث في المجلد الأول من علماء نجد (٢٥) .
ثانيا: ولد الشيخ محمد بن عبد الوهاب سنة ١١١٥هـ.
ثالثا: إنه من بيت علم كبير، والده وأجداده وأعمامه، ونهج نهجه أحفاده.
رابعا: نشأ الشيخ محمد بن عبد الوهاب مولعا بحب العلم والمعرفة والاطلاع على العلوم الشرعية.
خامسا: درس على والده عبد الوهاب الفقيه المتنقل من روضة سدير إلى العيينة ثم إلى حريملاء، وتوفي عبد الوهاب فيها.
стр. 14
سادسا: بدأ محمد بن عبد الوهاب في حدود عام ١١٤٠هـ ينشر آثار علمه وثمرات غرس والده من بيان الصحيح والفاسد من عبادات ومعاملات مجتمعه.
سابعا: أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب امتد باعه إلى بعض العلماء المعاصرين في المدينة المنورة والبصرة، فرحل إليهم واستفاد من علومهم، ونهل من معينهم.
ثامنا: بدأ بنشر دعوته في حريملاء -البلدة التي توفي فيها والده- ولكن لكثرة صدأ القلوب فيها لم تكن عندها قابلية لدعوته، فآذوه أميرا ومأمورين. فانتقل إلى العيينة أملا منه وغلبة ظن بأن أميرها عثمان بن معمر سيساعده؛ لعلمه أن الحق لا بد له من سلطان وسيف وسنان يقمع به كل مارد وشيطان؛ لأن الله يزع بالسلطان مالا يزع بالقرآن كما قال الخليفة الراشد عثمان بن عفان ﵁.
وفهم ذلك محمد بن عبد الوهاب من سيرة سيد ولد عدنان؛ إذ أقام بمكة يدعو ثلاث عشرة سنة فلم يستجب لدعوته إلا أفراد من الضعفاء والمساكين، وامتنع أهل الأموال والمتغطرسون.
ثم أذن الله له بالهجرة إلى المدينة فقوي الإسلام لكثرة المسلمين، فشرع في صد المعاندين وجهاد الكافرين لما أبوا عن إجابة الداعين إلى رب العالمين، فأذل الله الكفر وأهله وأزهق الباطل وخذله، وبهذا يقول الشاعر:
دعا المصطفى دهرا بمكة لم يجب ... وقد لان منه جانب وخطاب
فلما دعا والسيف صلت بكفه ... له أسلموا واستسلموا وأنابوا
والقرآن مملوء بالنصوص الآمرة بقتال الكفرة والمشركين؛ كقوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ ١.
стр. 15
وقوله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ١.
والمقصود أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب في ذهابه إلى العيينة يلتمس نصرة لدعوته وعضدا يشد أزره ذا سلطان، فوعده عثمان بن معمر، ولكنه خذله بتهديد من ابن عريعر أمير الأحساء الذي هو أعلى منه قوة، ثم خرج محمد بن عبد الوهاب مختفيا إلى الدرعية، فشرع يلقي فيها الدروس، فآوى إلى مجلسه أميرها محمد بن سعود، فأنس به وشرح الله صدره لقبول نشر دعوته وحمايتها، وبدأ في ذلك عام ١١٥٨هـ.
واستمر على ذلك حتى محا الله على يديهما كل بدعة وخرافة، وكل شرك وضلال في الجزيرة العربية، واستمر أحفادهما على هذا الوعد والعهد حتى وقتنا الحاضر.
نسأل الله لنا ولهم الثبات في الحياة والممات.
تاسعا: توفي الشيخ محمد بن عبد الوهاب سنة ١٢٠٦هـ في بلدة الدرعية بعد أن استقرت وانتشرت دعوته.
وما أحسن ما أوجزه ابن بدران في كتابه "المدخل إلى مذهب الإمام أحمد" صفحتي ٢٢٩، ٢٣٠، فلقد وصف الإمام محمد بن عبد الوهاب وصفا موجزا مفيدا متضمنا لبدء دعوته وفقهه ومصدر علمه.. وهذا مما جعلنى أستحسن نقله، وقد كتبه ابن بدران بمناسبة الكلام على مختصر الإنصاف والشرح الكبير حينما تكلم عن كتب الحنابلة.. قال ابن بدران:
"مختصر الشرح الكبير والإنصاف"
"تأليف العالم الأثري والإمام الكبير محمد بن عبد الوهاب بن سليمان بن علي، يتصل نسبه بعبد مناة بن تميم التميمي، ولد سنة خمس عشرة ومائة وألف، وقد رحل إلى البصرة
стр. 16
والحجاز لطلب العلم، وأخذ عن الشيخ على أفندي الداغستاني وعن المحدث الشيخ إسماعيل العجلوني وغيرهما من العلماء، وأجازه محدثو العصر بكتب الحديث وغيرها على اصطلاح أهل الحديث من المتأخرين، ولما امتلأ وطابه من الآثار وعلم السنة وبرع في مذهب أحمد أخذ ينصر الحق ويحارب البدع ويقاوم ما أدخله الجاهلون في هذا الدين الحنيفي والشريعة السمحاء، وأعانه قوم أخلصوا العبادة لله وحده على طريقته التي هي إقامة التوحيد الخالص، والدعاية إليه، وإخلاص الوحدانية والعبادة كلها بسائر أنواعها لخالق الخلق وحده، فحبا إلى معارضته أقوام ألفوا الجمود على ما كان عليه الآباء وتدرعوا الكسل على طلب الحق، وهم لا يزالون إلى اليوم يضربون على ذلك الوتر، وجنود الحق تكافحهم فلا تبقي منهم ولا تزر، وما أحقهم بقول القائل:
كناطح صخرة يوما ليوهنها ... فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل
ولم يزل مثابرا على الدعوة إلى دين الله تعالى حتى توفاه الله تعالى سنة ست ومائتين وألف هجرية.
ولقد شهدت الأقطار بعلمية محمد بن عبد الوهاب، وتناقلها المسلمون على مر السنين، وحتى كتاب عصرنا تحدثوا عنه وعن فقهه وعزمه في كتاباتهم سواء أرادوا الكلام عن مواطن حركات الإصلاح أو المصلحين..
ومنها ما قاله الدكتور محمد عمارة في بحثه الذي نشر بجريدة "الخليج" عدد ١١١٠ يوم ٢٨ /٦ /١٤٠٢هـ الموافق ٢٢/٤ /١٩٨٢م.. حيث قال: "في بيئة بدوية بسيطة، هي "نجد" بشبه الجزيرة العربية، ولد ونشأ محمد بن عبد الوهاب (١١١٥- ١٢٠٦هـ) .. وكانت السيادة الاسمية والرسمية على موطنه لخلفاء آل عثمان.
وكان ابن عبد الوهاب سليل أسرة من الفقهاء، أخذ عنهم علوم الدين، كما درس على علماء الحرمين؛ مكة، والمدينة، وظهر نزوعه منذ فجر حياته إلى النهج السلفي الرافض لما طرأ على عقائد الإسلام وعباداته من بدع وخرافات وإضافات.
لقد نظر ابن عبد الوهاب، فوجد عامة الناس يتخذون الوسائل والوسائط شفعاء إلى الله، بل ويتوجهون إليهم بالطلب والدعاء والاستغاثة في الملمات.. كما وجد العبادات قد أصابتها البدع بالنقص والزيادة.. فشابت الشوائب كلا من العقائد والعبادات.
стр. 17
بدأ ابن عبد الوهاب يدعو إلى إسلام السلف، ويبشر بفكر ابن حنبل، وابن تيمية، وابن القيم، ويركز على إصلاح العقائد، وتصحيح العبادات.. فحكم بالشرك الظاهر والجلي على المتوسلين إلى الله بالأولياء والمشاهد والرموز، بل رأى شركهم أعظم من شرك الجاهلية الأولى "فلقد كان ابن عبد الوهاب أكثر من "شيخ" وأعظم من "فقيه" ومن ثم فإنه لم يشأ أن يقف بدعوته عند رسائل يؤلفها أو مواعظ يلقيها، أو حتى حلقة من الأتباع والمريدين.. لقد أراد أن تكون لدعوته "دولة" تضمن لها الانتشار والاستمرار.. فالله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن".
وهكذا عاشت دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب في عقول الناس وأفئدتهم وعبرت به كلماتهم وكتاباتهم جيلا بعد جيل؛ لاعتماده على شريعة الدين والدنيا فقها في العقيدة وفي شتى مجالات الحياة.
стр. 18
الفصل الثاني: زمن الشيخ من ١١١٥هـ - ١٢٠٦هـ
ويشمل النقاط التالية:
أمضى الشيخ رحمه الله تعالى عمره كله فيما يلي:
أولا: في التعليم، ثم نشر العلم.
ثانيا: حفظ القرآن لعشر سنين، ثم بدأ بعلومه من تفسير وفقه على والده، ومن هنا يتبين لنا أنه شعلة ضياء من صغره، وبعد أن تكامل بلوغه رغب في الاطلاع على العلوم الشرعية متنقلا بين المدينة والبصرة.
ثالثا: بعد أن نهل من العلم واستبانت له الحقيقة الموصلة إلى الله، لم يهدأ له بال إلا أن يعلم ما تعلمه من شرع الله، فبدأ شعاع نوره بالبصرة يبين ما عليه الناس من خطأ في العقيدة والفروع، ولكن لاستحكام الجهل فيهم ورسوخ البدع حدث منهم رد فعل لدعوته بالبصرة، فضيقوا عليه حتى خرج منها عائدا إلى بلده.
رابعا: استمر يدرس على والده وعلى المشايخ الموجودين بالعيينة وحريملاء، ثم انتقل مع والده إلى حريملاء بعد أن ضاقت بهم العيينة زرعا، واستمر معلنا للحق، آمرا بالمعروف، ناهيا عن المنكر حتى توفي والده في حريملاء سنة ١١٥٣هـ.
خامسا: أعلن دعوته في حريملاء وتعليمه التوحيد، ولكنهم لم يتقبلوا منه وضايقوه، فرجع إلى العيينة، واستقبله أميرها عثمان بن معمر وساعده على هدم القبة التي بنيت على قبر زيد بن الخطاب، ورجم المرأة الزانية، ولفشو الجهل استنكروا ذلك حتى وشي بعثمان بن معمر عند ابن عريعر فاضطر إلى إبعاد الشيخ ابن عبد الوهاب عن بلده.
стр. 19
سادسا: بعد خروج الشيخ من العيينة اختار الله له الدرعية لتكون مقرا لدعوته، فنزل على أفراد منها كانوا قد اتصلوا به في العيينة، ثم بلغ خبره محمد بن سعود أمير الدرعية فبايعه على الجهاد والنصرة، فاستمر زمن الشيخ محمد بن عبد الوهاب في نشر دين الغفور التواب.
والمقصود أن زمن حياة الشيخ كلها تعليم وتعلم وهداية إلى الصراط المستقيم.
стр. 20
الفصل الثالث: الحالة الاجتماعية في زمن الشيخ
وتتلخص فيما يأتي:
أولا: تردي السلطة الإسلامية بعد القرن الثامن الهجري علما وعملا وتنفيذا وخاصة في قلب الجزيرة.
ثانيا: بسبب هذا التردي لا يلوي أحد على أحد، ولا يقبل أحد من أحد، بل كل ركب رأسه، فتحكم فيهم الجهل، وتشتتت بهم السبل، فكانوا في أمر مريج -أي مضطرب مختلف- لذا تفشت فيهم كل رذيلة وكل مرض ووباء، نمثل بشيء منها:
١. خلو المساجد من المصلين إلا ما شاء الله.
٢. انتشار الخرافات والصوفية الزائفة.
٣. ادعاء الجهلاء ما ليس لهم، وما ليس لهم به علم.
٤. حمل التمائم في رقابهم والتي لا تغني من الله شيئا.
٥. ترغيب في الحج إلى قبور الأولياء ورجاء الشفاعة منهم.
وهذه الأمور تنافي ما أمر به محمد ﷺ .
٦. تغييب فضائل القرآن عن الناس مما جعلهم لا يعرفون عنها شيئا.
٧. لهذا انتهكوا حرماته -أي القرآن- فصاروا إلى ما يلي:
أ- يشربون المسكرات ويتناولون الأفيون، فانتشرت الرذائل.
ب. هتك ستر الحرمات.
ج. أن ذلك كله بلا خشية ولا استحياء، ومن لم يستح فليصنع ما يشاء.
٨. أن مكة والمدينة في زمن الشيخ دب إليهما ما في المجتمعات الأخرى من الوباء والأمراض الشهوانية والشبهية.
стр. 21
٩. أن هذه الحالة السيئة في مجتمع نجد وغيره من العالم الإسلامي ليس راجعا إلى عدم وجود علماء; بل هناك الفقهاء ولكنهم سائرون في الفروع أكثر من البحث في العقائد، وذلك والله أعلم أن الخطأ في العقائد بدع ثابتة وراسخة وخرافة طاغية على الفكر والأوهام.
ومتى كانت البدعة هكذا فإن اقتلاعها يصعب ويعسر؛ لتأصلها في القلوب بمجرد كلام العلماء، فتحتاج إلى معاول تهدمها وأيدي سلطة تقلعها. إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن، والعلماء حينئذ لم يوفقوا إلى حاكم إداري ينفذ ما يقولون ويحكم ما يبرمون.
стр. 22
الفصل الرابع: سبب قيام دعوة الشيخ
ولما تقدم - على قلته - تصورنا ظلمة "نجد" الاعتقادية والعملية، وإن وجد أفراد متمسكون كالأفراد الذين وجدهم الرسول متشبثين بملة إبراهيم، ولكن الحكم للسلطة والأغلبية، وأيضا بتصور هذه الحالة السيئة للعالم الإسلامي ولعالم الجزيرة ونجد خاصة التي يسكنها الشيخ محمد بن عبد الوهاب، يتضح لنا السبب الباعث لقيام الشيخ بهذه الدعوة إلى التوحيد وصرف الناس إلى محبة الله وحده، وتعريفهم بعظم ما أمر الله به ليمتثلوه، وتحذيرهم عن الوقوع في أعظم ما نهى الله عنه وهو الشرك.
وهذه سجية كل عالم بالله وبكتابه وبشرع نبيه.
فأنار الله بصيرة الشيخ محمد بن عبد الوهاب فلم ير السكوت على هذه المنكرات التي هي معصية لله، فدفعته عقيدته وعلمه لإنقاذ هؤلاء الفقراء من اتباع الشيطان والهوى وردهم إلى الصواب وسلوكهم سلوك المصطفى.
والخلاصة أن الباعث إلى قيام الشيخ بهذه الدعوة ما يأتي:-
أولا: امتثالا لأمر ربه ولرسوله ولأتباعه: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ١.
ثانيا: تنزيه الله عما لا يليق بجلاله وعظمته على حد قوله تعالى: ﴿وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ١.
стр. 23
ثالثا: لينجو من الخسران المحكوم به على الإنسان بقوله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ إِنَّ الأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ ١.
رابعا: ليحصل على فضل الدعوة كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ ٢.
خامسا: امتثالا لقول رسوله: "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه" ٣.
سادسا: رحمة بهؤلاء القوم من أن يقذف بهم الشيطان معه في النيران، لقول الرسول ﷺ : "ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء" ٤.
سابعا: رغبة في قول الرسول ﷺ : "لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم" ٥.
ثامنا: طلبا للخير لقول الرسول: "خيركم من تعلم القرآن وعلمه" ٦.
تاسعا: امتثالا لقول الرسول ﷺ : "بلغوا عني ولو آية" ٧.
عاشرا: ليحظى بدعوة عباد الرحمن.
﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً﴾ ٨.
الباب الثاني: ما قيل عن اعتماد فقه الشيخ محمد بن عبد الوهاب على الكتاب والسنة
المقدمة
...
"المقدمة"
من المعلوم أن كل داعية سيدلي بأدلة إما أن تكون صحيحة فمآلها إلى الثبوت والاستمرار، وإما أن تكون باطلة فيكون مآلها للرد.
إن قبول الناس المنصفين وردهم للدعوة يرجع إلى صدق الداعية وكذبه، وليس كل من يدعي وصلا يقر له بالوصول، ولا كل من زعم أمرا ثبت له المزعوم.
وكل يدعي وصلا بليلى ... وليلى لا تقر لهم بذاك
قال الله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ ١.
فاليهود زعموا ولاية الله ولكن ليس لهذا الزعم ما يثبته. ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ ٢.
стр. 26
فالكفار زعموا عدم البعث، وحيث أنهم لم يبنوا زعمهم على أسس من الحقيقة أبطله الله وأثبت ضده وما ينافيه. وبهذه المقدمة البسيطة يتضح لنا صدق القول بأن فقه الشيخ محمد بن عبد الوهاب معتمد على الكتاب والسنة.
فليس ما قيل في ذلك مجرد زعم أو توهم، بل ما قاله عن نفسه من اعتماد على الأدلة وما قاله غيره واضح جلي، وثابت في مراسلاته وكتاباته ومؤلفاته المنتشرة بين العالم، لا يستطيع أحد إنكارها إلا من أغمض عينيه عن الحقيقة، وتغلب عليه الهوى والتقليد الأعمى والعصبية الممقوتة.
وما انطلت عليه شبه المشبهين من الخرافيين بأن الشيخ محمد بن عبد الوهاب لا يحب الأنبياء والصالحين، غرس هذه الشبهة الشيطان بأدمغة أوليائه، وأغفلهم عن مراد الداعية، وهو أنه ينهى عن زيارة القبور البدعية، وإعطاء الأولياء الصالحين فوق حقهم وتشريكهم بحق الله.
وما ثبت من زيارة القبور الشرعية، فمحمد بن عبد الوهاب يأمر بها ولم ينه عنها. ويعطي الأنبياء والأولياء حقهم من محبتهم التي تجعل من يحبهم يتأسى بأقوالهم وأفعالهم حتى يكون وليا بما كانوا به أولياء، وصالحا بما كانوا به صلحاء. قال تعالى: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ ١.
فلم يثبت الولاية إلا للمؤمنين المتقين، ولم يقل إن الولاية لمن عظم قبور الصالحين وتبرك بهم وجعل لهم النذور والذبائح.
وهذه الحقيقة ثابتة في مؤلفات الشيخ المجدد للقرن الثاني عشر الهجري، والذي ما زال إصلاحه مستمرا وتأليفه فيه مستقرا. فهو بين أيدينا منظورا ومقروءا، فنسأل الله أن يرينا الحق حقا ويرزقنا اتباعه، ويرينا الباطل باطلا ويرزقنا اجتنابه. فكانت عناية الشيخ بالعقيدة وتصحيحها وتعديل مفاهيم الناس، ولكنه مع ذلك لم
стр. 27
يغفل الفروع، بل أدى لها جملة من الاهتمام، يتضح ذلك فيما قرره وأنه من أبعد الناس عن التعصب والتقليد.
يدعو إلى التحاكم إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، يتوخى الدليل ويرى الاقتداء بالأئمة بما لم يقم الدليل على خلاف من اجتهاداتهم.
ومؤلفاته حافلة بذلك سواء ما ألفه ابتداء في التوحيد والفروع، أو ما اختصره من كتب الأئمة والمحققين تقريبا منه إلى الأذهان القاصرة، ونظرا منه بوصل طلابه بالأئمة السابقين ونفعهم العاجل؛ لأنه ليس كل طالب علم يقوى على قراءة الكتب المطولة، فإذا قرأ المنصف والمحب للفائدة والراغب في الإطلاع والذب عن أئمة الدعوة مؤلفاته التي قامت بجمعها وطبعها جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، تجلى للقارئ اعتماد الشيخ على الكتاب والسنة.
وقد ألزم نفسه ﵀ أن يسير في دعوته على الكتاب والسنة بالقول والفعل، وأن يأخذ بما قرره علماء المسلمين الثقاة في مسائل الاجتهاد مما لا نص فيه من كتاب أو سنة أو إجماع، وحينما يختلفون حسب مفاهيمهم من النصوص فإنه يأخذ بما ترجح عنده.
وأما التزامه بالفعل فسيظهر جليا للقارئ من مؤلفاته.
وأما التزامه بالقول فمنه ما يأتي.. وهو الفصل الأول من هذا الباب بما قرره عن نفسه وقرره أحفاده وطلابه من اعتمادهم على الكتاب والسنة.
стр. 28
الفصل الأول: القواعد الأربع التي قررها الشيخ لدوران الدين عليها
قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب قدس الله روحه ونور ضريحه: "هذه أربع قواعد من قواعد الدين التي تدور الأحكام عليها، وهي من أعظم ما أنعم الله به على محمد ﷺ وأمته، حيث جعل دينهم دينا كاملا وافيا، وأكمل وأكثر علما من جميع الأديان، ومن ذلك جمعه لهم في لفظ قليل، وهذا ما ينبغي التفطن له قبل معرفة القواعد الأربع، وهو أن تعلم قول النبي ﷺ لما ذكر ما خصه الله به على الرسل يريد منا أن نعرف منة الله علينا ونشكرها. قال: لما ذكر الخصائص " وأعطيت جوامع الكلم " ١. قال إمام الحجاز محمد بن شهاب الزهري معناه: أن يجمع الله له المسائل الكثيرة في الألفاظ القليلة.
القاعدة الأولى: تحريم القول على الله بلا علم؛ لقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالأِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ ٢.
القاعدة الثانية: أن كل شيء سكت عنه الشارع فهو عفو لا يحل لأحد أن يحرمه أو يوجبه أو يستحبه أو يكرهه؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلوا
стр. 29
عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ ١.
قال النبي ﷺ "وسكت عن أشياء رحمة بكم غير نسيان فلا تسألوا عنها" ٢.
القاعدة الثالثة: أن ترك الدليل الواضح والاستدلال بلفظ متشابه هو طريق أهل الزيغ كالرافضة والخوارج، قال الله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ ٣.
والواجب على المسلم اتباع المحكم، فإن عرف معنى المتشابه وجده لا يخالف المحكم بل يوافقه، وإلا فالواجب عليه اتباع الراسخين في العلم في قولهم: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ ٤.
القاعدة الرابعة: أن النبي ﷺ ذكر أن "الحلال بين وأن الحرام بين وبينهما أمور متشابهات" ٥، فمن لم يفطن لهذه القاعدة وأراد أن يتكلم على كل مسألة بكلام فاصل فقد ضل وأضل.
فهذه أربع قواعد ثلاث ذكرها الله في كتابه والرابعة ذكرها رسول الله صلى الله عليه وسلم٦، وهي واضحة في بيان مسلك الشيخ نحو الكتاب والسنة، فهل يقوى أحد
стр. 30
بعد هذا أن يرميه بالتعصب والهوى؟ ثم إن هذه القواعد شاملة لجميع العلوم الشرعية كما لفت ﵀ نظر القارئ لها بقوله: "اعلم رحمك الله أن هذه الكلمات الأربع مع اختصارها يدور عليها الدين، سواء كان المتكلم يتكلم في علم التفسير، أو في علم الأصول، أو في علم أعمال القلوب -الذي يسمى علم السلوك-، أو في علم الحديث، أو في علم الحلال والحرام، أو الأحكام الذي يسمى الفقه.. أو على علم الوعد والوعيد، أو في غير ذلك من أنواع علوم الدين"١.
وأنا أمثل لك مثلا تعرف به صحة ما قلته، وتحتذي به إن فهمته، وأمثله لك في فن من فنون الدين وهو علم الفقه -وكما قرر إمام الدعوة في هذه القواعد ما يلزم المتكلم من الاستدلال الصريح، قرر أيضا أن للشريعة قواعد كلية تستدل بها على الجزئيات، ولا يستغني طالب العلم عن معرفتها، فالمستدل بقاعدة من الشرع على جزئية فهو كالمستدل بنص صريح في جزئية ما؛ لأن الشريعة لم تأت بجزئيات المسائل وتفاصيلها- لذا صارت شاملة وكاملة إلى يوم القيامة، وكلما حدثت واقعة جديدة أدخلها من نوّر الله بصيرته تحت قواعد الشريعة.
قال الشيخ رحمه الله تعالى: "ومن أعظم ما مَنَّ الله به عليه ﷺ وعلى أمته أعطاه جوامع الكلم" فيذكر الله تعالى في كتابه كلمة واحدة تكون قاعدة جامعة يدخل تحتها من المسائل ما لا يحصى، وكذلك رسول الله ﷺ ، فقد خصه الله بالحكمة الجامعة.
ومن فهم هذه المسائل فهماً جيدا فهم قول الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ ٢.
وهذه الكلمة أيضا من جوامع الكلم؛ إذ الكامل لا يحتاج إلى زيادة، فعلم منه بطلان كل محدث بعد رسول الله ﷺ وأصحابه، كما أوصانا به في قوله ﷺ "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، وإياكم
стр. 31
ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار" ١.
ونفهم أيضا معنى قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ ٢.
فإذا كان الله سبحانه قد أوجب علينا أن نرد ما تنازعنا فيه إلى الله -أي إلى كتاب الله- وإلى الرسول ﷺ أي إلى سنته. علمنا قطعا أن من رد إلى الكتاب والسنة ما تنازع الناس فيه وجد فيه ما يفصل النزاع) ٣.
وبعد سياق هذه القواعد التي تبين كمال الدين وشموله لكل جزئية، ووجوب الرد إليه، لم تره خالف ما قرره حتى وافته المنية ﵀، لا سيما أنه أتبع ما قرره بقوله هنا وفعله في مؤلفاته.
стр. 32
الفصل الثاني: في كلام الشيخ عن طريقة الأخذ فيما اختلف فيه العلماء وأقوالهم
قال ﵀: "إذا اختلف كلام أحمد وكلام الأصحاب، فنقول في محل النزاع التراد إلى الله وإلى رسوله لا إلى كلام أحمد ولا إلى كلام الأصحاب ولا إلى الراجح من ذلك، بل قد يكون الراجح والمرجح من الروايتين والقولين خطأ قطعا، وقد يكون صوابا"١ ثم أجاب عن قول القائل، ما الموقف إذا استدل كل من المختلفين بأدلة صحيحة؟ قال ﵀: "وقولك إذا استدل كل منهما بدليل فالأدلة الصحيحة لا تتناقض، بل الصواب يصدق بعضه بعضا، لكن قد يكون أحدهما أخطأ في الدليل، إما أنه يستدل بحديث لم يصح، وإما فهم من كلمة صحيحة مفهوما خاطئا.
وبالجملة فمتى رأيت الاختلاف فرده إلى الله والرسول، فإذا تبين لك الحق فاتبعه، فإذا لم يتبين لك واحتجت إلى العمل فخذ بقول من تثق بعلمه ودينه"٢.
وقال ﵀ في جواب من قال: "لا إنكار في مسائل الاجتهاد" مما يدلنا على محبته للدليل، ورغبته فيه، وأنه لا يعد متعصبا بل هو مجتهد في التماس الدليل وترجيحه حسب ما وضحه ابنه عبد الله فقال: "ولا نستحق مرتبة الاجتهاد المطلق، ولا أحد منا يدعيها إلا أنه في بعض المسائل إذا صح لنا نص جلي من كتاب أو سنة غير منسوخ ولا مخصص ولا معارض بأقوى منه وقال به أحد الأئمة الأربعة أخذنا به وتركنا المذهب، وعندنا أن الإمام ابن القيم وشيخه إماما حق من أهل السنة وكتبهما من أعز الكتب إلا أنا غير مقلدين لهم في كل مسألة، فإن كل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا نبينا محمداً على الله عليه وسلم" ا. هـ٣.
стр. 33
قال: من قال (لا إنكار في مسائل الاجتهاد) ، فجوابه يعلم من القاعدة المتقدمة١،
فإن أراد القائل مسائل الخلاف فهذا باطل يخالف إجماع الأمة، فما زال الصحابة ومن بعدهم ينكرون على من خالف وأخطأ كائنا من كان ولو كان أعلم الناس وأتقاهم.
وإذا كان الله بعث محمدا ﷺ بالهدى ودين الحق، وأمرنا باتباعه وترك ما خالفه، فمن تمام ذلك أن من خالفه من العلماء مخطئ ينبه على خطأه وينكر عليه، وإن أريد بمسائل الاجتهاد مسائل الخلاف التي لم يتبين فيها الصواب فهذا كلام صحيح لا يجوز للإنسان أن ينكر الشيء لكونه مخالفا لمذهبه أو لعادة الناس.
فكما لا يجوز للإنسان أن يأمر إلا بعلم، لا يجوز أن ينكر إلا بعلم. وهذا كله داخل في قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً﴾ ٢.
فما أصلحها من قواعد واضحة في كلام يدل على اعتماد الشيخ واستناده إلى الكتاب والسنة بأمره ونهيه.
стр. 34
الفصل الثالث: في كلام الشيخ على قولهم: اتفاق العلماء حجة واختلافهم رحمة
ثم تكلم الشيخ عن قول من قال (اتفاق الأئمة حجة، واختلافهم رحمة) ١ ففصل في الجملة الأولى وبين متى يكون الاتفاق حجة - وهو ما إذا صدر عن العلماء كلهم.. وأبطل الجملة الثانية في قوله (اختلافهم رحمة) وذكر أن الرحمة في الجماعة، وأن في الاختلاف العذاب، إلى أن قال الشيخ: "فينبغي للمؤمن أن يجعل همه ومقصده معرفة أمر الله ورسوله في مسائل الخلاف والعمل بذلك فيحترم أهل العلم ويوقرهم ولو أخطئوا، لكن لا يتخذهم أربابا من دون الله".
هذا طريق المنعم عليهم، وأما اطراح كلامهم وعدم توقيرهم، فهو طريق المغضوب عليهم، واتخاذهم أربابا من دون الله.
وشن الشيخ الغارة على من قال: العلماء أعلم منا بذلك، حينما يقال له قال الله وقال الرسول ونسب ذلك للضلال) ٢.
فهل ترى الشيخ يقرر هذا ثم لا يعتمد على دليل من كتاب وسنة.
стр. 35
الفصل الرابع: في كلام الشيخ على من قال: [لا يقرأ الكتاب لعدم إمكان فهمه]
ثم تكلم الشيخ على الذين يقولون لا يقرأ الكتاب لعدم إمكان فهمه، واستدل علي بطلان قولهم بنصوص من القرآن - تدل على عموم قراءته في كل زمان ومكان، وأن فهمه ممكن لكل إنسان، كقوله تعالى: ﴿وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْراً مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْراً﴾ ١.
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ ٢.
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ ٣.
فدل هذا الاستدلال من الشيخ على أن الفهم والاستنباط من الكتاب باق إلى يوم القيامة، وأن كل قول مخالف للكتاب والسنة فهو مطروح مضروبا به الحائط قديما كان أو حديثا.
وإذا عرف هذا من الشيخ بقوله فقد أتبعه الفعل حيث استدل على دعوته في تأليفاته من الكتاب والسنة.
стр. 36
الفصل الخامس: في كلام الشيخ على الذين يحاولون طرح أقوال العلماء وبيان مبدئه وموقفه منها
واسمع جواب إمام الدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ورده على الذين يحاولون طرح أقوال العلماء؛ لأن مبدأه الأخذ بالكتاب والسنة، شأنه شأن السابقين من الأئمة، والاستعانة بقولهم على فهم الاستدلال، والأخذ بقولهم إذا لم يوجد دليل ولم يخالف قاعدة شرعية.
فهاك تفسيراً عن شيخ الإسلام ابن تيمية (ولتكن همته فهم مقاصد الرسول ﷺ في أمره ونهيه ما صورته، فأجاب مراده: ما شاع وذاع أن الفقه عندهم هو الاشتغال بكتاب فلان وفلان - فمراده التحذير من ذلك.
وقال أيضا: (كذلك غيركم: إنما اتباعهم لبعض المتأخرين لا للأئمة) .
فهؤلاء الحنابلة من أقل الناس بدعة.
وأكثر الإقناع والمنتهى مخالف لمذهب أحمد ونصه، فضلا عن نص رسول الله ﷺ ، يعرف ذلك من عرفه) ١.
فدل جواب الشيخ على ما يأتي:
١- عدم التعصب لمذهب معين.
٢- ذمه للمشتغلين بأقوال العلماء دون استناد إلى الدليل.
٣- أنه ليس متعصبا مقلدا جامدا لمذهب أحمد وحده، وإن درس الفقه على ضوء قواعده.
стр. 37
٤- وضح ذلك بالمثل الذي ضربه بما في الإقناع والمنتهى من مخالفته لمذهب أحمد فضلا عن نص رسول الله ﷺ ، فدل منه هذا أن الفقهاء لهم اجتهادات في المفاهيم، ثم أيضا ﵀ ذكر قاعدة للعمل بما فيه خلاف، مما يدل على محبته للاتفاق وعدم الاختلاف ومحبته للدليل والأخذ به بأي طريق كان ولو انقلب الفاضل مفضولا.
ونقل القواعد الآتية عن الشيخ تقي الدين مما يدل على أنه يراها:
"ذكر الشيخ تقي الدين ﵀ قواعد":
الأولى: أن النبي ﷺ إذا سن أمرين وأراد أحد أن يأخذ بأحدهما ويترك الآخر أنه لا ينكر عليه كالقراءات الثابتة، ومثل الذين اختلفوا في آية فقال أحدهما: ألم يقل الله كذا؟ وقال الآخر: ألم يقل الله كذا؟ وأنكر النبي ﷺ عليهم وقال: "كل منكما محسن" ١ فأنكر الاختلاف وصوب الجميع في الآية.
الثانية: إذا أم رجل قوما وهم يرون القنوت أو يرون الجهر بالبسملة وهو يرى غير ذلك والأفضل ما رأى، فموافقتهم أحسن ويصير المفضول هو الفاضل٢.
стр. 38
[الفصل السادس]
وأيضا مما يدل على اعتماد الشيخ على الكتاب والسنة قوله لابن معمر عندما أخبره عن خطة محاولة ابن عريعر وتهديده لابن معمر ليمنع الشيخ، قال الشيخ: (إن هذا الذي أنا قمت به ودعوت إليه كله "لا اله إلا الله" وأركان الإسلام والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) فإن أنت تمسكت به ونصرته فإن الله يظهرك على أعدائك، فلا يزعجك سليمان ولا يضرك، فإني أرجو أن ترى من الظهور والتمكين والغلبة ما ستملك به بلاده وما وراءها وما دونها، فاستحيا عثمان وأعرض عنه ... إلخ) ١.
وأيضا كانت دعوة الشيخ بمجال لا بد له من الدليل، ولا يسعه غيره؛ لأنه ينكر ما يفعله الجهال من البدع والشرك والأقوال والأفعال، وكثر منه الإنكار لذلك ولجميع المحظورات.
وهذه الأمور لا بد لها من دليل ولتمكنها من النفوس والقلوب يصعب قلعها بالدليل فما بالك بغيره) ٢.
стр. 39
الفصل السابع: كلامه في المدينة لما سئل عن الأصوات عند قبر الرسول
وأيضا مما يدل على أن الشيخ يستدل بالكتاب والسنة، أنه عندما كان في المدينة المنورة يسمع الاستغاثات برسول الله ﷺ ودعاءه من دون الله فكاد مرجل غيظه ينفجر، فقال الشيخ محمد حياة السندي: ما تقول يا شيخ في هؤلاء؟.. فأجابه: ﴿إِنَّ هَؤُلاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ١ إلخ٢.
وإذا سمعنا ما قبل هذه الآية اتضح لنا استدلال الشيخ وظهوره، والتي قبلها ما حكاه الله عن قوم موسى: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرائيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ إِنَّ هَؤُلاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ٣.
ولقد شبه رسول الله ﷺ قول أصحابه لما مروا بسدرة قالوا: اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط٤ بمقالة بني إسرائيل ليدل على بطلان مقالتهم فقال ﷺ : "والذي نفسي بيده قلتم كما قالت بنو إسرائيل لموسى" ٥ ...
стр. 40
﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ إِنَّ هَؤُلاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ١.
وأيضا عندما كان يدرس العلم بالبصرة نشر علمه النافع حول موضوع البدع.. والخرافات، وإنزال التضرع والحاجات بسكان القبور من عِظَام نخرة وأوصال ممزقة، وعزز كلامه بالآيات الساطعات والبراهين الواضحات٢.
فيا ترى أيقدر على إنكار مثل هذا من غير آية أو حديث، وألف في ذلك كتابه المسمى "كتاب التوحيد"وسياتي إن شاء الله نموذج منه.