الفصل الخامس: في كلام الشيخ على الذين يحاولون طرح أقوال العلماء وبيان مبدئه وموقفه منها
واسمع جواب إمام الدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ورده على الذين يحاولون طرح أقوال العلماء؛ لأن مبدأه الأخذ بالكتاب والسنة، شأنه شأن السابقين من الأئمة، والاستعانة بقولهم على فهم الاستدلال، والأخذ بقولهم إذا لم يوجد دليل ولم يخالف قاعدة شرعية.
فهاك تفسيراً عن شيخ الإسلام ابن تيمية (ولتكن همته فهم مقاصد الرسول ﷺ في أمره ونهيه ما صورته، فأجاب مراده: ما شاع وذاع أن الفقه عندهم هو الاشتغال بكتاب فلان وفلان - فمراده التحذير من ذلك.
وقال أيضا: (كذلك غيركم: إنما اتباعهم لبعض المتأخرين لا للأئمة) .
فهؤلاء الحنابلة من أقل الناس بدعة.
وأكثر الإقناع والمنتهى مخالف لمذهب أحمد ونصه، فضلا عن نص رسول الله ﷺ ، يعرف ذلك من عرفه) ١.
فدل جواب الشيخ على ما يأتي:
١- عدم التعصب لمذهب معين.
٢- ذمه للمشتغلين بأقوال العلماء دون استناد إلى الدليل.
٣- أنه ليس متعصبا مقلدا جامدا لمذهب أحمد وحده، وإن درس الفقه على ضوء قواعده.
стр. 37
٤- وضح ذلك بالمثل الذي ضربه بما في الإقناع والمنتهى من مخالفته لمذهب أحمد فضلا عن نص رسول الله ﷺ ، فدل منه هذا أن الفقهاء لهم اجتهادات في المفاهيم، ثم أيضا ﵀ ذكر قاعدة للعمل بما فيه خلاف، مما يدل على محبته للاتفاق وعدم الاختلاف ومحبته للدليل والأخذ به بأي طريق كان ولو انقلب الفاضل مفضولا.
ونقل القواعد الآتية عن الشيخ تقي الدين مما يدل على أنه يراها:
"ذكر الشيخ تقي الدين ﵀ قواعد":
الأولى: أن النبي ﷺ إذا سن أمرين وأراد أحد أن يأخذ بأحدهما ويترك الآخر أنه لا ينكر عليه كالقراءات الثابتة، ومثل الذين اختلفوا في آية فقال أحدهما: ألم يقل الله كذا؟ وقال الآخر: ألم يقل الله كذا؟ وأنكر النبي ﷺ عليهم وقال: "كل منكما محسن" ١ فأنكر الاختلاف وصوب الجميع في الآية.
الثانية: إذا أم رجل قوما وهم يرون القنوت أو يرون الجهر بالبسملة وهو يرى غير ذلك والأفضل ما رأى، فموافقتهم أحسن ويصير المفضول هو الفاضل٢.
стр. 38
[الفصل السادس]
وأيضا مما يدل على اعتماد الشيخ على الكتاب والسنة قوله لابن معمر عندما أخبره عن خطة محاولة ابن عريعر وتهديده لابن معمر ليمنع الشيخ، قال الشيخ: (إن هذا الذي أنا قمت به ودعوت إليه كله "لا اله إلا الله" وأركان الإسلام والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) فإن أنت تمسكت به ونصرته فإن الله يظهرك على أعدائك، فلا يزعجك سليمان ولا يضرك، فإني أرجو أن ترى من الظهور والتمكين والغلبة ما ستملك به بلاده وما وراءها وما دونها، فاستحيا عثمان وأعرض عنه ... إلخ) ١.
وأيضا كانت دعوة الشيخ بمجال لا بد له من الدليل، ولا يسعه غيره؛ لأنه ينكر ما يفعله الجهال من البدع والشرك والأقوال والأفعال، وكثر منه الإنكار لذلك ولجميع المحظورات.
وهذه الأمور لا بد لها من دليل ولتمكنها من النفوس والقلوب يصعب قلعها بالدليل فما بالك بغيره) ٢.
стр. 39
الفصل السابع: كلامه في المدينة لما سئل عن الأصوات عند قبر الرسول
وأيضا مما يدل على أن الشيخ يستدل بالكتاب والسنة، أنه عندما كان في المدينة المنورة يسمع الاستغاثات برسول الله ﷺ ودعاءه من دون الله فكاد مرجل غيظه ينفجر، فقال الشيخ محمد حياة السندي: ما تقول يا شيخ في هؤلاء؟.. فأجابه: ﴿إِنَّ هَؤُلاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ١ إلخ٢.
وإذا سمعنا ما قبل هذه الآية اتضح لنا استدلال الشيخ وظهوره، والتي قبلها ما حكاه الله عن قوم موسى: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرائيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ إِنَّ هَؤُلاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ٣.
ولقد شبه رسول الله ﷺ قول أصحابه لما مروا بسدرة قالوا: اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط٤ بمقالة بني إسرائيل ليدل على بطلان مقالتهم فقال ﷺ : "والذي نفسي بيده قلتم كما قالت بنو إسرائيل لموسى" ٥ ...
стр. 40
﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ إِنَّ هَؤُلاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ١.
وأيضا عندما كان يدرس العلم بالبصرة نشر علمه النافع حول موضوع البدع.. والخرافات، وإنزال التضرع والحاجات بسكان القبور من عِظَام نخرة وأوصال ممزقة، وعزز كلامه بالآيات الساطعات والبراهين الواضحات٢.
فيا ترى أيقدر على إنكار مثل هذا من غير آية أو حديث، وألف في ذلك كتابه المسمى "كتاب التوحيد"وسياتي إن شاء الله نموذج منه.
стр. 41
الفصل الثامن: فيما قاله أحفاد الشيخ في اعتماده على الكتاب والسنة
كلام ابنيه حسين وعبد الله في عقيدة الشيخ وطريقته في الاستدلال، وطريقتهم، وأنهم سالكون مسلك الأئمة في التماس الأدلة، وقرر هذان الابنان موقف الشيخ من اختلاف الفقهاء. وجوزوا الانتقال إذا اتضح الدليل.
وسيتبين لك أخي القارئ من كلامهم الذي سأنقله ما يدل على اتباع الشيخ للدليل على أي مذهب كان: "عقيدة الشيخ ﵀ التي يدين بها هي عقيدتنا وديننا الذي ندين الله به، وهي عقيدة سلف الأمة وأئمتها والصحابة والتابعين لهم بإحسان، وهو اتباع ما دل عليه الدليل من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وعرض أقوال العلماء على ذلك. فما وافق كتاب الله وسنة رسوله ﷺ قبلناه وأفتينا به، وما خالف ذلك رددناه على قائله، وهذا هو الأصل الذي أوصانا به في كتابه حيث قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ ١.
أجمع المفسرون على أن الرد إلى الله هو الرد إلى كتابه، وأن الرد إلى الرسول هو الرد إليه في حياته وإلى سنته بعد وفاته، والأدلة على هذا الأصل في الكتاب والسنة.
стр. 42
وإذا تفقه رجل في مذهب من المذاهب الأربعة ثم رأى حديثا يخالف مذهبه فاتبع الدليل وترك مذهبه، كان هذا مستحبا بل واجبا عليه إذا تبين له الدليل. ولا يكون بذلك مخالفا لإمامه الذي اتبعه، فإن الأئمة كلهم متفقون على هذا الأصل؛ أبو حنيفة ومال، والشافعي وأحمد ﵃ أجمعين.
قال الإمام مالك رحمه الله تعالى: (كل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله ﷺ .
وقال الشافعي لأصحابه: (إذا صح الحديث عندكم فاضربوا بقولي الحائط) ، وفي لفظ (إذا صح الحديث عندكم فهو مذهبي) .
وقال الإمام أحمد: (عجبت لقوم عرفوا الإسناد وصحته يذهبون إلى رأي سفيان) .
والله يقول: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ١ أتدرى ما الفتنة؟.. الفاتنة: الشرك. لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك.
وقال لبعض أصحابه: (لا تقلدوني ولا تقلدوا مالكا ولا تقلدوا الشافعي وتعلموا كما تعلمنا) .
وكلام الأئمة في هذا كثير جدا ومبسوط في غير هذا الموضوع) ٢.
فاسمع أخي القارئ قاعدة ابني إمام الدعوة حسين وعبد الله في موقف طالب العلم من أقوال العلماء السابقين إذا لم يخالف دليلاً.
وفى بيان ما ينكر من طالب العلم (وأما إذا لم يكن عند الرجل دليل في المسألة يخالف القول الذي نص عليه العلماء أصحاب المذاهب، فنرجو أنه يجوز العمل به؛ لأن رأيهم لخير من رأينا لأنفسنا، وهم إنما أخذوا الأدلة من أقوال الصحابة فمن بعدهم.
стр. 43
ولكن لا ينبغي الجزم بأن هذا شرع الله ورسوله حتى يتبين الدليل الذي لا معارض له في المسألة، وهذا عمل سلف الأمة وأئمتها قديما وحديثا. والذي ننكره هو التعصب للمذاهب وترك اتباع الدليل١.
ولهما كلام آخر في هذا المعنى وبيان المجتهد والمستخرج لمسائل العلم والذي لا يقدر على ذلك كيف يسير وكيف يهتدي؟ بينا موقفه، وهو سؤال العلماء، واستدلوا٢ على ذلك بقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ ٣.
والمقصود من هذا بيان حرص الشيخ وأحفاده على الدليل، والقرب من الشريعة بقواعد أو كلام علماء موثوقين بأن اشتهرت علميتهم وثقتهم بين المجتمعات. فمن كانت هذه طريقته هل يدعو ويجادل ويناضل بغير دليل؟ وإليك أخي القارئ ما قاله عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب في موقفهم نحو مسائل الفروع. يريد بذلك طريقتهم، وطريقة والدهم، وكيف نفى التقليد المذموم وبين التقليد الجائز، وأنه لا مانع أن يدرس الإنسان الفقه على مذهب أحد الأئمة ويعدل إلى قول إمام آخر إذا ترجح له الدليل.
فمن كانت هذه قاعدتهم ومبدأهم ونصوص كلامهم.. هل يرمون بالتعصب المذموم؟ وهل يتهمون بالجمود على مذهب معين؟ أو بتجاهل الدليل؟.. قال: "ونحن في الفروع على مذهب الإمام أحمد بن حنبل، ولا ننكر على من قلد أحد الأئمة الأربعة دون غيرهم لعدم ضبط مذاهب الغير كالرافضة والزيدية والإمامية ونحوهم، بل لا نقرهم ظاهرا على شيء من مذاهبهم الفاسدة، ولا نستحق مرتبة الاجتهاد المطلق ولا أحد يدعيها، إلا أننا في بعض المسائل إذا صح لنا نص جلي من كتاب أو سنة غير منسوخ ولا مخصص ولا معارض بأقوى منه، وقال به أحد الأئمة الأربعة، أخذنا به وتركنا المذهب.
стр. 44
ومن كلام عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب أيضا ما أوضحه في رسالته إلى عبد الله بن عبد الله الصنعاني الذي يكشف طريقة أئمة الدعوة بكل وضوح ويبعدهم عن التقليد، ويبين أنهم مع الدليل، إلا أن الصنعاني استشكل قول الشيخ عبد الله "ونحن في الفروع على مذهب أحمد.. قال الشيخ: "أما بعد فقد وصل جوابكم وسر الخاطر وأقر الناظر حيث أخبرتم أنكم على ما نحن عليه من الدين، وهو عبادة الله وحده لا شريك له، ومتابعة الرسول الأمجد سيد ولد آدم ﷺ ، وما أوردتم على ذلك من الآيات الواضحات والأحاديث الباهرات، وأن الرد عند الاختلاف إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ثم إلى أقوال الصحابة ثم التابعين لهم بإحسان، فذلك ما نحن عليه فهو ظاهر عندنا، لكن كل قول له حقيقة، وحقيقة العلم وثمرته العمل. ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ ١، ﴿لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ ٢.
وكل يدعي وصلا لليلى ... وليلى لا تقر لهم بذاك
فنحن أقمنا الفرائض والشرائع والحدود والتعزيرات، ونصبنا القضاة، وأمرنا بالمعروف ونهينا عن المنكرات، ونصبنا علم الجهاد على أهل الشرك والعناد، فلله الحمد والمنة"٣.
ثم أجاب الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب أن استشكال الشيخ الصنعاني على قول الشيخ "ومذهبنا مذهب الإمام أحمد بما يشفي ويكفي ويوضح المراد، وهو أنهم يتخذون أقوال أحمد معروضة على الدليل، وينكرون على الذي يأخذ الآراء فقط، ويجعل أقوال العلماء أصولا للدين، ولطول جواب الشيخ عبد الله أقتصر على نقل هذه الجملة: "فإن هذا من توهمكم أن قولنا مذهبنا مذهب الإمام أحمد، أننا نقلده فيما رأى"وقال: "وإن خالف الكتاب والسنة والإجماع، فنعوذ بالله من ذلك والله المستعان".
стр. 45
ويحسن بك أيها القارئ في اعتماد الشيخ وأحفاده على الكتاب والسنة أن ترجع إلى جوابه للشيخ عبد الله الصنعاني"١. ا. هـ.
ثم استطرد الشيخ عبد الله في بيانه قاعدة الأئمة الأربعة في تقريرهم الأقوال واستنادهم على الدليل، وساق أقوالهم التي تقضي بأنه يقبل منهم ما وافق الدليل، وأن ما خالفه يضرب به الحائط، ثم اختتم جوابه للصنعاني بقوله: "انتهى كلامكم فهل أنتم مجتهدون، أم تأخذون عن أقوال المفسرين وشراح الحديث وأتباع الأئمة الأربعة؟.. فإن كان الثاني فأخبروني عن أكثر ما تأخذون عنه وترضون قوله من علماء أهل السنة وفقنا الله وإياكم من العمل ما يرضيه، وجنبنا وإياكم العمل بمناهيه، وسامحنا وإياكم عند الوقوف بين يديه، وجعل أعمالنا مقبولة، والله أعلم"٢ أ. هـ.
وللشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب كلام كثير في هذا المعنى يدل على اعتنائهم بالدليل، كما رسمه لعلماء مكة لما دخلوها سنة ١٢١٨هـ وجمع لهم الأمير علماء مكة ليبين لهم هدفهم.
قال الشيخ: "ولما تمت عمرتنا جمعنا الناس ضحوة الأحد وعرض الأمير على العلماء ما نطلب من الناس ونقاتلهم عليه - وهو إخلاص التوحيد لله وحده. وعرفهم أنه لم يكن بيننا وبينهم خلاف له وقع إلا في أمرين:
أحدهما: إخلاص التوحيد لله ومعرفة أنواع العبادة وأن الدعاء من جملتها وتحقيق معنى الشرك الذي قاتل عليه الناس نبينا محمد ﷺ واستمر دعاؤه برهة من الزمان بعد النبوة إلى ذلك التوحيد، وترك الإشراك قبل أن تعرض عليه أركان الإسلام الأربعة.
والثاني: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي لم يبق عندهم إلا اسمه، وانمحى أثره واندثر.
فوافقونا على استحسان ما نحن عليه جملة وتفصيلا، وبايعوا الأمير على الكتاب والسنة.
стр. 46
ومما قاله هو وإبراهيم وحسين وعلي وحمد بن ناصر: وأما قولكم هل يجب على المكلف في المسائل المختلف فيها، فهذا يحتاج إلى تفصيل وبسط ليس هذا موضعه، لكن الواجب على المكلف أن يتقي الله ما استطاع، كما قال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ ٢.
فإن كان المكلف فيه أهلية لمعرفة دلائل المسائل من كتاب وسنة، وجب عليه ذلك باتفاق العلماء، وإن لم يكن فيه أهلية كحال القوم الذين لا معرفة لهم بأدلة الكتاب والسنة، فهؤلاء يجب عليهم التقليد وسؤال أهل العلم فقط.. كما قال تعالى: ﴿فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ ٣.
وهذا في غير أصول الدين، وأما أصول ما بعث به من التوحيد، وما أخبر به عن الله من البعث بعد الموت، والجنة والنار، ومثل وجوب الفرائض من الصلاة، والزكاة، والحج، والصوم ونحو هذا فلا يجوز في هذا التقليد، والمقلد فيه معذب في البرزخ كما ثبت ذلك في الأحاديث، ومنها قول الرسول ﷺ : "وأما المنافق والمرتاب فيقول: هاه.. هاه -لا أدري- سمعت الناس يقولون شيئا فقلته" ٤ ٥.
فهذه الأقوال ماذا تدل عليه؟ ما هي إلا دلالة واضحة على اعتماد إمام الدعوة وأحفاده على الكتاب والسنة.
وقال أيضا الشيخ عبد الرحمن بن حسن حفيد الشيخ محمد بن عبد الوهاب فيمن ترك
стр. 47
العمل بالحديث الصحيح إذا خالف المذهب.. هذا من محدثات الأمور التي ما أنزل الله بها من سلطان، قال تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ ٢.
وهذا أصل عظيم من أصول الدين -قال العلماء ﵏ كل يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله ﷺ ، وهذا القول الذي يقوله هؤلاء يقضي إلى هجران الكتاب والسنة، وتبديل النصوص، والتقليد الأعمى المفضي إلى هذا الإعراض عن تدبر الكتاب والسنة فيه شبه بمن قال الله فيهم: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ ٣. وقوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ ٤.
وأهل الاجتهاد من العلماء وإن كانوا معذورين باجتهادهم إنما هو في معنى أدلة الكتاب والسنة وينهون عن تقليدهم. فالأئمة ﵏ اجتهدوا ونصحوا، قال الشافعي ﵀: "إذا صح الحديث بخلاف قولي فاضربوا بقولي الحائط فهو مذهبي"٥. أ. هـ.
стр. 48
فدل هذا الكلام من عبد الرحمن بن حسن على حرصهم على الكتاب والسنة. والاستدلال بهما وتبديع من أخذ بأقوال الناس، وترك الأحاديث الصحيحة، فما بالك بهم وبدعوتهم، فهي معتمدة على الكتاب والسنة.
(وقال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب في الرد على من مدح الخلاف، وإنما يلجأ إلى مثل هذا ناقص العلم والدين إذا أفلس من الأدلة والبراهين، إلى أن قال "فصل" فأما مدحه الاختلاف وزعمه أنه رحمة، فالعبارة فيها عموم لا يخفى، وهي متناولة مدح جميع أهل الشقاق والأهواء الذين تواترت النصوص النبوية بذمهم وعيبهم، ودلت عليه الآيات القرآنية كقوله تعالى: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ ١.
وقوله: ﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ ٢ ٣.
وقال: الواجب على المكلفين في كل زمان ومكان الأخذ بما صح وثبت عن رسول الله ﷺ ، ولا لأحد أن يعدل عن ذلك إلى غيره، ومن عجز عن ذلك في شيء من أمر دينه فعليه بما كان عليه السلف الصالح والصدر الأول، فإن لم يدر شيئا عن ذلك، وصح عنده ما عند أحد الأئمة الأربعة المقلدين الذين لهم لسان صدق في الأمة، فتقليدهم سائغ حينئذ) ٤، وأي دلالة أصرح من هذا الكلام الذي نقلناه عن الشيخ عبد اللطيف حفيد إمام الدعوة في الاعتماد على الكتاب والسنة، ولا ينكر هذا إلا مكابر.
(وقال أيضا الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف في بيان أخذ الشيخ محمد بالدليل ونقده بعض كتب المذهب الحنبلي، وهذا من الشيخ يدل على عدم تقليده حينما يجد دليلا من كتاب وسنة، ولو كان متعصبا لأخذ أقوال العلماء ولو خالفت النصوص. قال الشيخ عبد الله: (ولو كان هنا عناية بما استقر عليه الحال في زمن الدعوة
стр. 49
الإسلامية وعلمائنا ومشايخنا ﵏ لكان بهم قدوة لنا وأسوة، خصوصا بعد ما فهموا من تقريرات شيخهم محمد ﵀، وقوله في رسائله أكثر ما في الإقناع والمنتهى مخالف لنص أحمد فضلا عن نص رسول الله ﷺ يعرف ذلك من عرفه ... ) ا. هـ.
وقال الشيخ إبراهيم بن عبد اللطيف رحمهما الله، واختيار بعض المتأخرين لا يقضي بأولويته ولا رجحانه ولو ذهب المخالف إلى الأخذ بكل ما صححوه وإلزام الناس بجميع ما رجحوه لأوقعهم في شباك، وأفضى بهم إلى مفاوز الهلاك، وهذا على سبيل التنبيه، والإشارة تكفي اللبيب) ١.
(وقال الشيخ محمد بن عبد اللطيف رحمهما الله تعالى: "ونعتقد أن الله أكمل لنا الدين وأتم نعمته على العالمين ببعثه محمد الرسول الأمين خاتم الأنبياء والمرسلين، صلاة الله وسلامه عليه دائما إلى يوم الدين.
قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الأِسْلامَ دِيناً﴾ ٢. إلى أن قال: "وإذا بانت لنا سنة صحيحة عن رسول الله ﷺ عملنا بها، ولا نقدم عليها قول أحد كائنا من كان، بل نتلقاها بالقبول والتسليم؛ لأن سنة رسول الله ﷺ في صدورنا أجل وأعظم من أن نقدم عليها قول أحد، فهذا الذي نعتقده وندين الله به) ٣.
стр. 50
" الفصل التاسع":فيما قاله غير أحفاد الشيخ مما يدل على اعتماد الشيخ وأحفاده على الكتاب والسنة ..
جواب الشيخ حمد بن ناصر بن معمر عن عدة أسئلة منها هذا السؤال: "ما قولكم نور الله قلوبكم لفك المعضلات، ووفقكم للأعمال الصالحات، هل يلزم المبتدئين المتعلمين الترقي إلى معرفة الدليل الناص على كل مسألة، ومعرفة طرقه وصحته أم تقليد المخرجين للحديث أنه صحيح أو حسن، ويكفيهم العمل بالفقهيات المجردة عن الدليل ويغنيهم؟
وهذا فيمن طلب العلم وتأهل له، فما حال العوام هل يجزيهم مجرد التقليد؟ وأيضا حكى بعض المتأخرين الإجماع على تقليد الأئمة الأربعة: أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد؟ فأفيدونا؟ واحتسبوا فإن الحاجة ماسة إلى هذه المباحث، فإن تفضلتم بطول الجواب، وذكر الدليل ومن قال به، فهو المطلوب؟ ".
فكان من أجوبته ﵀: "لا ريب أن الله سبحانه فرض على عباده طاعته وطاعة رسوله ﷺ ، قال تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ﴾ ١ إلى أن قال ﵀ "ولم يوجب على هذه الأمة طاعة أحد بعينه في كل ما يأمر به وينهى عنه إلا رسول الله ﷺ ".
وقال في جوابه أيضا "واتفق العلماء على أنه ليس أحد معصوما إلا رسول الله ﷺ ، وهؤلاء الأئمة الأربعة قد نهوا الناس عن تقليدهم في كل ما يقولون".
"وأما القادر على الاستدلال فقيل يحرم عليه التقليد مطلقا، وقيل يجوز عند الحاجة، كما إذا ضاق الوقت عن الاستدلال، وهذا القول أعدل الأقوال".
стр. 51
ثم رد الشيخ حمد على من حكى عن بعض المتأخرين الإجماع على تقليد الأئمة الأربعة ﵏ فأشار إلى ما يأتي:-
١- أن هذه الجملة حكاها الوزير أبو المظفر يحيى بن هبيرة، ومن حكاها بعده فنقلا عنه.
٢- بين مراد الوزير من حكاية جملة الإجماع على تقليد الأئمة الأربعة وأنه لا يريد الوجوب، ولا ينفي الاجتهاد عن من بعدهم.
٣- أن الوزير يحيى بن هبيرة أراد الرد على من اشترط الاجتهاد المطلق في القاضي.
٤- أراد الوزير أن يبين أن المقلد ينفذ قضاؤه.
٥- أوضح الوزير كلام من اشترط في القاضي أن يكون مجتهدا على ما كانت عليه الحال قبل استقرار المذاهب الأربعة.
٦- أن الوزير بين جواز التقليد بعد استقرار المذاهب الأربعة ولم يوجبه، ووجه الجواز أن كل واحد من الأئمة الأربعة لا يعدم الدليل وإن أخطأ في الاستدلال، أو خفى عليه الدليل الآخر.
٧- نقل الشيخ حمد كلام الوزير من الإفصاح.. وما أجمل صنعه في نقله كلام صاحب الإفصاح ليستوضح القارئ فأنقل عنه.
وبعد هذه المقدمة إليك رد الشيخ حمد على من حكى عن بعض المتأخرين الإجماع على تقليد الأئمة الأربعة، ونقله كلام ابن هبيرة فقال: هذا الإجماع حكاه غير واحد من المتأخرين، وكلهم نسبوه إلى الوزير أبي المظفر يحيى بن هبيرة صاحب الإفصاح عن معاني الصحاح، فإنه ذكر نحوا من هذه العبارة وليس مراده أن الإجماع منعقد على وجوب تقليد هؤلاء الأئمة الأربعة وأن الاجتهاد بعد استقرار هذه المذاهب لا يجوز، فإن كلامه يأبى ذلك وإنما أراد الرد على من اشترط في القاضي أن يكون مجتهدا وأن المقلد لا ينفذ قضاؤه، كما هو مذهب كثير من العلماء المتقدمين والمتأخرين، وحمل كلام من اشترط في القاضي أن يكون مجتهدا على ما كانت عليه الحال قبل استقرار هذه المذاهب الأربعة، وأما بعد استقرار هذه المذاهب، فتجوز تولية المقلد لأهلها، وينفذ قضاؤه، وليس في كلامه ما يدل على أنه يجب التقليد لهؤلاء الأئمة بحيث أن يلزم الرجل أن يتمذهب بأحد هذه المذاهب الأربعة، ولا يخرج عن مذهب من قلده كما قد يتوهم، بل كلامه بخلاف ذلك ولا يوافقه.
стр. 52
وعبارته في الإفصاح: اتفقوا على أنه لا يجوز أن يولى القضاء من ليس من أهل الاجتهاد، إلا أبا حنيفة فإنه قال يجوز ذلك، قال الوزير، والصحيح في هذه المسألة أن قول من قال لا يجوز تولية قاض حتى يكون من أهل الاجتهاد فإنه إنما عني به ما كانت الحال عليه قبل استقرار هذه المذاهب الأربعة، التي أجمعت الأمة أن كل واحد منها يجوز العمل به، لأنه مستند إلى سنة رسول الله ﷺ فالقاضي الآن وإن لم يكن من أهل الاجتهاد ولا يسعى في طلب الأحاديث وابتغاء طرقها، ولا عرف من لغة الناطق بالشريعة ﷺ مالا يعوزه معه معرفة ما يحتاج إليه فيه وغير ذلك من شروط الاجتهاد، فإن ذلك مما قد فرغ منه ودأب له فيه سواه وانتهى له الأمر من هؤلاء الأئمة المجتهدين إلى ما أراحوا به من بعدهم، وانحصر الحق في أقاويلهم، ودونت العلوم، وانتهت إلى ما اتضح فيه الحق، فإذا عمل القاضي في أقضيته بما يأخذ عنهم أو عن الواحد منهم فإنه في معنى من كان أداه اجتهاده إلى قول قاله، وعلى ذلك فإنه إذا خرج من خلافهم متوخيا مواطن الاتفاق ما أمكنه، كان آخذا بالحزم وعاملا بالأولى، وكذلك إذا قصد في مواطن الخلاف وتوخى ما عليه الأكثر منهم والعمل بما قاله الجمهور دون الواحد، فإنه قد أخذ بالحزم والأحوط والأولى، مع جواز علمه أن يعمل بقول الواحد، إلا أنني أكره له أن يكون ذلك من حيث أنه قد قرأ مذهب واحد منهم أو نشأ في بلدة لم يعرف فيها إلا مذهب إمام واحد منهم، أو كان شيخه ومعلمه على مذهب فقيه من الفقهاء فقصر نفسه على اتباع ذلك المذهب حتى أنه إذا حضر عنده خصمان، وكان ما تشاجرا فيه مما يفتي الفقهاء الثلاثة فيه بحكم نحو التوكيل بغير رضا الخصم، وكان الحاكم (حنفيا) ، وقد علم أن مالكا والشافعي وأحمد اتفقوا على جواز هذا التوكيل، وأن أبا حنيفة يمنعه، فعدل عما اجتمع عليه هؤلاء الأئمة الثلاثة إلى ما ذهب إليه أبو حنيفة بمجرد أنه قاله فقيه هو في الجملة من فقهاء الإتباع له ومن غير أن يثبت عنده بالدليل ما قاله ولا أداه اجتهاده إلا أن أبا حنيفة أولى بالإتباع مما اتفق الجماعة عليه، فإني أخاف على هذا من الله بأنه اتبع في ذلك هواه وأنه ليس من "الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه"، وكذلك إن كان القاضي (مالكيا) فاختصم إليه اثنان في سؤر الكلب فقضى بطهارته مع علمه بأن الفقهاء كلهم قضوا بنجاسته، فعدل إلى مذهبه، وكذلك إن كان القاضي (شافعيا) فاختصم إليه اثنان في ترك التسمية عمدا فقال أحدهما هذا منعني بيع
стр. 53
شاة مذكاة فقال الآخر إنما منعته من بيع الميتة، فقضى عليه بمذهبه وهو يعلم أن الأئمة الثلاثة على خلافه، وكذلك إن كان القاضي (حنبليا) فاختصم إليه اثنان فقال أحدهما لي عليه مال، فقال الآخر كان له على مال فقضيته، فقضى عليه بالبراءة من إقراره مع علمه بأن الأئمة الثلاثة على خلافه، فإن هذا وأمثاله مما يتوخى إتباع الأكثرين فيه أقرب عندي إلى الإخلاص وأرجح في العمل، وبمقتضى هذا فإن ولايات الحكام في وقتنا هذا صحيحة، وأنهم قد سدوا ثغرا من ثغور الإسلام سده فرض كفاية، ولو أهملت هذا القول ولم أذكره، ومشيت على الطريق الذي يمشى عليه الفقهاء الذين يذكر كل منهم في كتاب إن صنفه أو كلام إن قاله أنه لا يصح أن يكون قاضيا إلا من كان من أهل الاجتهاد، ثم يذكر من شروط الاجتهاد أشياء ليست موجودة في الحكام، فإن هذا كالإحالة أو التناقض، وكأنه تعطيل للأحكام وسد لباب الحكم، وأن لا ينفذ حق ولا يكاتب به ولا يقام بينة إلى غير ذلك من القواعد الشرعية، وهذا غير صحيح، بل الصحيح في المسألة أن ولايات الحكام جائزة، وأن حكوماتهم اليوم صحيحة نافذة، وولاياتهم جائزة شرعا١.ا. هـ.
ثم أوجز الشيخ حمد آل معمر كلام ابن هبيرة في النقاط التالية:-
١- جواز تولية المقلد إذا تعذرت تولية المجتهد، وبين السبب وهو صعوبة توفر شروط الاجتهاد المطلق، ولربما يؤدي طلب شروط الاجتهاد إلى ترك الأحكام.
٢- أن إجماع الأئمة الأربعة حجة، وأن الحق لا يخرج عن أقوالهم، فلا يخرج القاضي عن ما أجمعوا عليه.
٣- الإجماع على انعقاد تقليد كل واحد من المذاهب الأربعة دون من عداهم من الأئمة لأن مذاهبهم مدونة قد حررت ونقحها أتباعهم.
٤- أوضح ابن معمر بأن حكاية الإجماع عند ابن هبيرة على جواز التقليد لا على وجوبه.
٥- أوضح أيضا بأن القاضي ومثله المفتي لا ينبغي له الاقتصار على مذهب واحد منهم بحيث يلتزم الفتوى به، بل عليه أن يتوخى مواطن الاتفاق وإلا توخى ما عليه الأكثر.
стр. 54
٦- أن على القاضي والمفتي أن يتوخى ما عليه الدليل من أقوال الأئمة، وحينئذ يكون من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه.
٧- أن على المقلد أن يتنبه وأن يفطن في أقوال الأئمة، فيأخذ بما عليه الدليل ولو كان مع إمام غير إمامه، وبهذا لا يكون خارجا عن التقليد؛ لأنه لا يعد مجتهدا اجتهادا مطلقا، فهو مقلد للإمام باستدلاله ودلالته مع الدليل، فأخذه بهذا القول من أجل دليله.
٨- بين ابن معمر بأن الشخص الذي لم تتوفر فيه شروط الاجتهاد ففرضه التقليد، قال عبد الله بن الإمام أحمد: "سألت أبي عن الرجل تكون عنده الكتب المصنفة فيها قول الرسول ﵊ واختلاف الصحابة والتابعين، وليس للرجل بصر بالحديث الضعيف المتروك ولا الإسناد القوي من الضعيف.. أفيجوز أن يعمل بما شاء ويتخير ما أحب منها فيفتي به ويعمل به؟.. قال: لا، لا يعمل حتى يسأل ما يؤخذ به منها فيكون يعمل على أمر صحيح، يسأل عن ذلك أهل العلم"١.
٩- بين أيضا وصف الذي يجد دليلا عند بعض الأئمة ولم يجد ما يدفعه من الأدلة عند الآخرين، فإنه يكون بذلك مقلدا باتباعه الدليل الذي عرفه من هذا الإمام.
١٠- نقل ابن معمر عن شيخ الإسلام ابن تيمية في هذا الصدد ما يشفي ويكفي في الجزء الرابع من الدرر السنية جمع (ابن قاسم) صفحة ٢٧.
١١- علق ابن معمر على كلام صاحب الإفصاح في هذا الموضوع قائلا بما يوضح مقصده ويبطل الكثير من الشبه قائلا: "وليس في كلام صاحب الإفصاح ما يقتضي التمذهب بمذهب لا يخرج عنه، بل كلامه صريح في ضد ذلك، وهذه الشبهة ألقاها الشيطان على كثير ممن يدعي العلم، وصال بها أكثرهم فظنوا أن النظر في الأدلة أمر صعب لا يقدر عليه إلا المجتهد المطلق، وأن من نظر في الدليل وخالف إمامه لمخالفة قوله لذلك الدليل فقد خرج عن التقليد، ونسب نفسه إلى الاجتهاد المطلق، واستقرت هذه الشبهة في قلوب كثير حتى آل الأمر بهم إلى أن (تقطعوا أمرهم بينهم زبرا كل حزب بما لديهم فرحون) ، وزعموا أن هذا هو الواجب
стр. 55
عليهم وأن من انتسب إلى مذهب إمام فعليه أن يأخذ بعزائمه ورخصه، وإن خالف نص كتاب أو سنة، فصار إمام المذهب عند أهل مذهبه كالنبي في أمته، لا يجوز الخروج عن قوله، ولا يجوز مخالفته، فلو رأى واحداً من المقلدين قد خالف مذهبه وقلد إماما آخر في مسألة لأجل الدليل الذي استدل به قالوا: هذا قد نسب نفسه إلى الاجتهاد ونزل نفسه منزلة الأئمة المجتهدين، وإن كان لم يخرج عن التقليد، وإنما قلد إماما دون إمام آخر لأجل الدليل، وعمل بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ ١ ٢.
والقصد من استعراض أقوال هؤلاء العلماء الإشارة إلى أن أنصار أئمة الدعوة يؤيدون الدليل ويعتمدون عليه، ويشنون الغارة على من خالفه وقلد أحدا مع وضوح الدليل. وهذا الفهم تبعاً لإمامهم محمد بن عبد الوهاب ﵀.
ومما قاله الشيخ حمد بن ناصر بن معمر ﵀: أن المقلد الذي لم تجتمع فيه الشروط ففرضه التقليد وسؤال أهل العلم.
ثم أوضح ﵀ الرد على من تعصب لإمام من الأئمة وحاول أن يتملص عن الأخذ بالدليل بما يشفي ويكفي ويحفظ لنا سلامة الأخذ بالدليل وكرامة الأئمة: (فالمتعصبون للمذاهب إذا وجدوا دليلا ردوه إلى نص إمامهم، فإن وافق الدليل نص الإمام قبلوه، وإن خالفه ردوه واتبعوا نص الإمام. واحتالوا في رد الأحاديث بكل حيلة يهتدون إليها، فإذا قيل لهم هذا حديث رسول الله ﷺ .. قالوا: أأنت أعلم بالحديث من الإمام الفلاني؟ مثال ذلك: إذا حكمنا بطهارة بول ما يؤكل لحمه، وحكم الشافعي بنجاسته وقلنا له قد دل على طهارته حديث العرنيين، وهو حديث صحيح، وكذلك حديث أنس في
стр. 56
الصلاة في مرابض الغنم، فقال هذا المنجس لأبوال مأكول اللحم: أأنت أعلم بهذه الأحاديث من الإمام الشافعي؟ فقد سمعها ولم يأخذ بها.
فنقول له: قد خالف الشافعي في هذه المسألة من هو مثله أو هو أعلم منه، كمالك والإمام أحمد - رحمهما الله - وغيرهما من كبار الأئمة، فنجعل هؤلاء الأئمة بإزاء الشافعي ونقول: إمام بإمام، وتسلم لنا الأحاديث، ونرد الأمر إلى الله والرسول عند تنازع هؤلاء الأئمة، ونتبع الإمام الذي أخذ بالنص، ونعمل بقوله كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ ١.
فنمتثل ما أمر الله به، وهذا هو الواجب علينا، ولسنا في هذا العمل خارجين عن التقليد، بل خرجنا من تقليد إمامهم إلى تقليد إمام آخر لأجل الحجة التي أدلى بها من غير معارض لها ولا ناسخ.
فالانتقال من مذهب إلى مذهب آخر لأمر ديني بأن تبين له رجحان قول على قول، فيرجع إلى القول الذي يرى أنه أقرب إلى الدليل، مثاب على فعله، بل واجب على كل أحد إذا تبين له حكم الله ورسوله في أمر ألا يعدل عنه ولا يتبع أحدا في مخالفة أحد في مخالفة حكم الله ورسوله، فإن الله فرض على الخلق طاعته وطاعة رسوله ﷺ ٢.
وللشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين جواب يقضي بوجوب الأخذ بالكتاب والسنة والاعتماد عليهما، ورد ما سواهما مما يخالفهما فيقول: (لا ريب أن الله فرض على عباده طاعته وطاعة رسوله) ، قال تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ﴾ ٣.
стр. 57
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ﴾ ١.وقال تعالى: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ ٢.
ولم يوجب الله على الأمة طاعة أحد بعينه في كل ما يأمر به إلا رسول الله ﷺ ، قال ابن عبد البر أجمع العلماء على أن المقلد ليس معدودا من أهل العلم وأن العلم معرفة الحق بدليله. وقال الشافعي رحمه الله تعالى: أجمع المسلمون على أن من استبانت له سنة رسول الله ﷺ لم يكن له أن يدعها لقول أحد من الناس) ٣.
وكذلك الشيخ سليمان بن سحمان حيث قال رحمه الله تعالى: (فالواجب على من نصح نفسه وأراد نجاتها وكان من أهل العلم أن ينظر القول الذي يدل عليه الكتاب والسنة من الأقوال المتنازع فيها، اتباعا لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ ٤.
فإن طاعة الله ورسوله واجبة على كل واحد في كل حال، وأقوال أهل الإجماع والمفتين والحكام وغيرهم إنما اتبعت لكونها تدل على طاعة الله ورسوله، وإلا فلا تجب طاعة مخلوق لم يأمر الله بطاعته، وطاعة الرسول طاعة لله، وهذا حقيقة التوحيد الذي يكون كله لله، وإذا عرف أن القول قد قاله بعض أهل العلم ومعه دلالة الكتاب والسنة
стр. 58
كان هو الراجح، وإن كان قد قال غيره ممن هو أكبر من قائل ذلك القول، فإن ذلك القول هو الذي ظهر أن فيه طاعة الله ورسوله ﷺ ١.
وهؤلاء تلاميذ أئمة الدعوة ينهجون منهج شيخهم محمد بن عبد الوهاب قدس الله روحه ونور ضريحه، ويبينون بأن طريقتهم الاعتماد على الكتاب والسنة، فدل ذلك على أن إمام الدعوة محمد بن عبد الوهاب وأحفاده وتلاميذهم ﵏ لا يرون التقليد الجامد ولا الأخذ بأقوال العلماء بدون نظر في الدليل إلا عند العجز عن معرفة الدليل، أو للعامي الذي لا يعرف النظر في الدليل وليس له إلا ما قيل له، وهذا أمر لا بد منه. قال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ ٢.
وفي الحديث الشريف "ألا سألوا إذا جهلوا فإن شفاء العي السؤال" ٣.
وعلم مما تقدم الرد على من قال: إن إمام الدعوة وأحفاده وتلاميذه عندهم تعصب للمذهب كبعض أصحاب المذاهب.
وقال أحمد عبد الغفور عطار في كتابه محمد بن عبد الوهاب: "نعرض الإسلام عرضا صحيحا منزها من البدع مبرأ من الخرافات، والإسلام دين التوحيد، والتوحيد ينافي الشرك، ومن هنا دعا إلى الله وحده، وإلى صرف العبادات كلها له دون سواه. وبدأ الدعوة كما بدأ الرسل ولم يتجه إلى المجتمع يصلح نظامه وقوانين أعماله ومكاسبه، بل اتجه إلى العقيدة، فأبان للناس عقيدة الإسلام كما يفصح عنها الوحي كتاباً وسنة، لا يتجاوزه إلى ما اتخذه علماء الكلام من فلسفات يعسر معها فهم الإسلام السهل، وأصحب إفصاحه عن عقيدة الإسلام أركانه التي يقوم عليها.
وكان موفقاً في منهجه الذي اتبعه، فهو مدرك أن إصلاح الظاهر دون الباطن طلاء مغشوش وبريق خادع، أما إصلاح الباطن فهو الذي يهدي إلى أن يكون إصلاح الظاهر إصلاحاً صحيحاً لا فحش فيه ولا خداع، ووفقه الله لما كان يتمنى من الإصلاح.
وبدأ محمد بن عبد الوهاب إصلاحه مع الأمير؛ لأن الناس تبع السلطان، وحذر الناس الاتباع الأعمى وبصرهم بالإسلام، وعلمهم إياه في أسلوب سهل وإيجاز مستوعب
стр. 59
وهداهم إلى الرشد، فإذا الإسلام يعود من جديد إلى الدرعية، ويدوي القرآن في حجرات البيوت من قصر السلطان إلى أكواخ الفلاح) ١. ا. هـ.
ومعلوم أن اعتماد الشيخ على الكتاب والسنة في مؤلفاته، وهذا ما تفيده كتابة العطار لتطابقها مع دعوة الشيخ ومقتضاها، ولعل هذا الكاتب لم يكتب إلا بعد الاطلاع، ولهذا قال في صفحة ١٥٩ من هذا الكتاب عن دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب: (ودعوة محمد بن عبد الوهاب ليست دعوة خاصة ولا شخصية من مبتكراته، بل هي الإسلام في حقيقته كما جاء به الوحي المقدس من كتاب وسنة، لا يزيد على الوحي شيئا من عنده، لم يبتدع؛ لأنه خصم البدعة العنيد) ٢.ا. هـ
(لما تكلم على حقيقة الدعوة الوهابية وأشار إلى بطلان أقوال المتقولين عليه وقال: إذا نقدنا أقواله كلها ومحصنا جميع أعماله، فإننا لا نجد في ذلك كله إلا الحق الذي جاء به الإسلام وقرره وأقره، فهو لم يدع إلى غير الإسلام في بلاد غيرت عقائده وشعائره ومعالمه، ولم يدع إلا إلى ما دعا إليه الكتاب والسنة، ولم يحكم في حياته قط غيرهما، ولم يدع إلى منكر أو باطل، ولم يتبع غير سبيل الرشد، وما عمله ليس إلا صلحاً وإصلاحاً، فدعوته إلى الرجوع إلى الإسلام دون أن يأتي بتغيير في أصوله وفروعه ومبادئه ولا في نصوص أو تفسيرها تفسيراً جديداً.٣.
وخلط من عاصروا الشيخ بين دعوته ومذهبه، أو فسروا دعوته على أنها مذهب خارج على الإسلام، وما كان له مذهب خاص به- بل له دعوه، وما دعوته إلا الإسلام في صفائه ونقائه.
ولقد قال له أعداؤه ما لم يقل، ونسبوا إليه قصصاً وروايات وأحاديث وأقوالاً وأفعالاً لم تصدر منه، فكتبه ورسائله بين أيدي الناس ليس فيها شيء مما زعموا، بل نقيض ما زعموا، وهو لا يحاسب على الأباطيل والأكاذيب المنسوبة إليه، وليس عليه وزر ما لم يقل أو لم يفعل، ومن خصومه العلماء الذين حرفوا أقواله". هذه مقالات أحفاد الشيخ وغيرهم في الاعتماد على الكتاب والسنة والواقع يصدق ذلك.
стр. 60
" الفصل العاشر ": في ثناء العلماء على الشيخ . .
أكثر العلماء السلفيون والمؤرخون المحققون من الثناء على الشيخ والتنويه بدعوته القائمة على دعائم الكتاب والسنة، من ذلكم قصيدة الشيخ محمد بن إسماعيل الصنعاني مؤلف سبل السلام..
سلامي على نجد ومن حل في نجد ... وإن كان تسليمي على البعد لا يجدي
إلى أن قال:
قفي واسألي عن عالم حل سوحها ... به يهتدي من ضل عن منهج الرشد
محمد الهادي لسنة أحمد ... فيا حبذا الهادي ويا حبذا المهدي
لقد أنكرت كل الطوائف قوله ... بلا صدر في الحق منهم ولا ورد
وما كل قول بالقبول مقابل ... وما كل قول واجب الرد والطرد
سوى ما أتى عن ربنا ورسوله ... فذلك قول جل، يا ذا عن الرد
وأما أقاويل الرجال فإنها ... تدور على قدر الأدلة في النقد
وقد جاءت الأخبار عنه بأنه ... يعيد لنا الشرع الشريف بما يبدي
وينشر جهرا ما طوى كل جاهل ... ومبتدع منه فوافق ما عندي
ومنهم الشيخ محمد بن أحمد الحفظي صاحب دوجال من قرى عسير.
قال الشيخ:
الحمد حقا مستحقا أبد ... لله رب العالمين سرمدا
إلى أن قال:
مصليا على الرسول الشارع ... وأهله وصحبه والتابع
стр. 61
لما دعا الداعي من المشارق ... بأمر رب العالمين الخالق
وبعثه الله لنا مجددا ... من أرض نجد عالما مجتهدا
شيخ الهدى محمد المحمدي ... الحنبلي الأثري الأحمد
فقام والشرك الصريح قد سرى ... بين الورى وقد طغى واعتكرا
لا يعرفون الدين والتهليلا ... وطرق الإسلام والسبيلا
إلا أساميها وباق الرسم ... والأرض لا تخلو من أهل العلم
وكذلك رثاء الشيخ العلامة محمد بن على الشوكاني مؤلف نيل الأوطار للشيخ محمد بن عبد الوهاب مثنيا عليه.. ومما قاله:
مصاب دها قلبي فأذكى غلائلي ... وأحمى بسهم الافتجاع مقاتلي
إلى أن قال:
لقد مات طود العلم قطب رحا العلا ... ومركز أدوار الفحول الأفاضل
وماتت علوم الدين طرا بموته ... وغيب وجه الحق تحت الجنادل
وممن أثنوا على الشيخ، حسين بن غنام الأحسائي مؤلف "روضة الأفكار والأفهام" قائلا:
إلى الله في كشف الشدائد نفزع ... وليس إلى غير المهيمن مفزع
لقد كسفت شمس المعارف والهدى ... فسالت دماء في الخدود وأدمع
إمام أصيب الناس طرا بفقده ... وطاف بهم خطب من البين موجع
وقال الشيخ عمران بن على بن رضوان من سكان لنجة، من البلدان الفارسية مثنيا على الشيخ..
جاءت قصيدتهم تروح وتغدو ... في سب دين الهاشمي محمد
لقد زخرفوها للطغام بقوله ... إن الكتاب هو الهدى فيه اقتدي
إلى أن قال:
الشيخ شاهد بعض أهل جهالة ... بدعوة أصحاب القبور الهمد
стр. 62
ورأى العتاد القبور تقربا ... بالذبح والنذر والصنيع المفسد
فأتاهم الشيخ المشار إليه ... بالنصح المبين وبالكلام الجيد
يدعوهم لله أن لا يعبدوا إلا ... المهيمن ذا الجلال السرمد
كذلك قال العلامة السيد/ محمود شكري الألوسي ﵀ في آخر تاريخه لنجد. كان الشيخ محمد من بيت علم في نواحي نجد، وكان أبوه الشيخ عبد الوهاب عالما فقيها على مذهب الإمام أحمد، ومما قاله: كان الشيخ شديد التعصب للسنة، كثير الإنكار على من خالف الحق من العلماء.
وقال عنه شكيب أرسلان في الجزء الرابع من حاضر العالم الإسلامي تحت عنوان "تاريخ نجد الحديث" بعد أن ذكر ولادة الشيخ ونشأته:
وأخذ يفكر في إعادة الإسلام لنقاوته الأولى.. إلى أن قال: ولا أظنه أورد ثمة شيئا غير ما أورده ابن تيمية.
وممن قال عن الشيخ "حامد الفقي" رئيس جماعة أنصار السنه المحمدية في كتابه "أثر الدعوة الوهابية" حيث قال: "كان علمه وجهاده لإحياء العمل بالدين الصحيح، وإرجاع الناس إلى ما قرره القرآن في توحيد الإلهية والعبادة لله وحده ذلاً وخضوعاً، ودعاءً، ونذراً، وحلفاً، وتوكلاً، وطاعةً لشرائعه".
وفي كتاب "المجددون في الإسلام" للشيخ عبد المتعال الصعيدي، قال عنه بعد ذكر ولادته ونشأته..
وأخذ يدعو إلى مثل ما دعا إليه ابن تيمية قبله من التوحيد بالعباده لله وحده، وإنكار التوجه إلى أصحاب القباب والقبور، وإنكار التوسل بالأولياء والأنبياء إلى الله في قضاء الحاجات".
وقال عنه أيضا الشيخ محمد رشيد رضا في التعريف بكتاب "صيانة الإنسان" بعد أن ذكر فشو البدع بعد ضعف العلم والعمل بالكتاب والسنة.
"ولقد كان الشيخ محمد بن عبد الوهاب النجدي من هؤلاء العدول المجددين، قام يدعو إلى تجريد التوحيد، وإخلاص العبادة لله وحده، بما شرعه في كتابه وعلى لسان رسوله خاتم النبيين، وترك البدع والمعاصي، وإقامة شعائر الإسلام المتروكة، وتعظيم حرماته المنتهكة المنهوكة.
стр. 63
قال عنه أحمد عبد الغفور الحجازي في كتابه "محمد بن عبد الوهاب" كان محمد بن عبد الوهاب الشاب الناهض من أكبر أنصار الحرية الفكرية المتمشي على نهج الإسلام، يدعو إليها في إخلاص وحماس، واستطاع أن يتحرر من قيود البيئة، ويخرج على تقاليد قومه البالية".
كذلك قال عنه الدكتور/ طه حسين: "والواقع أنه جديد بالنسبة إلى المعاصرين، ولكنه قديم في حقيقة الأمر؛ لأنه ليس إلا الدعوة القومية إلى الإسلام الخالص النقي، المطهر من شوائب الشرك والوثنية، هو الدعوة إلى الإسلام كما جاء به النبي ﷺ خالصا لله، ملغيا كل واسطة بين الله وبين الناس".
قال عنه أيضا حافظ وهبة.. في كتابه "جزيرة العرب": "ولكنه مصلح مجدد، داع إلى الرجوع إلى الدين الحق، فليس للشيخ محمد تعاليم خاصة ولا آراء خاصة، وكل ما يطبق في نجد هو طبق مذهب الإمام أحمد بن حنبل ﵀، وأما في العقائد فهم يتبعون السلف الصالح، ويخالفون من عداهم".
ومما قاله الأستاذ/ منح هارون في الرد على الكاتب الإنجليزي (كونت ويلز) قال:
"وكل ما قاله الشيخ ابن عبد الوهاب قال به غيره ممن سبقه من الأئمة الأعلام، ومن الصحابة الكرام، ولم يخرج في شيء عما قاله الإمام أحمد وابن تيمية- رحمهما الله".
وقال محمد كرد علي في "القديم والحديث" بعد حديثه عن أصل الوهابية.. "وقلما رأينا شعبا من أهل الإسلام يغلب عليه التدين والصدق والإخلاص مثل هؤلاء القوم".
كذلك قال الزركلي في الأعلام "الجزء السابع": "وكانت دعوته الشعلة الأولى لليقظة الحديثة في العالم الإسلامي كله، تأثر بها رجال الإصلاح في الهند ومصر والعراق والشام وغيرها".
وضمن كتاب "حاضر العالم الإسلامي" للدكتور محمد عبد الله ماضي وتحت عنوان "النهضة العربية السعودية" قال:
" أخذ المصلح الديني، والزعيم الإسلامي محمد بن عبد الوهاب في منتصف القرن
стр. 64
الثاني عشر الهجري يدعو إلى تصحيح العقيدة والرجوع إلى مبادئ الإسلام الصحيحة، واعتناقها من جديد بين النجديين، وكانوا قد فسدت عقيدتهم، وضلت سيرتهم".
وفي مجلة الإرشاد الكويتية التي كانت تصدر عام ١٣٧٣ هـ وبعددها السادس تحت عنوان: "الحركة الوهابية" قال الدكتور محمد ضياء الدين الريس أستاذ التاريخ الإسلامي بجامعة القاهرة.
"والمبادئ الأساسية للدعوة الوهابية هي تنقية معنى التوحيد من شوائب الشرك، ظاهره وخفيه، وإخلاص الدين لله، وعدم الالتجاء إلى غير الله، وعدم الغلو في تمجيد الرسول تمجيدا يخرجه عن حدود الطبيعة البشرية وتحديد معنى الرسالة التي كلف بإبلاغها".
قال عنه أيضا عبد الكريم الخطيب في كتابه "محمد بن عبد الوهاب" العقل الحر في الفصل الخامس.
"قام محمد بن عبد الوهاب يدعو إلى الله لا يبغي بهذا جاهاً، ولا يطلب سلطاناً، وإنما يضيء للناس معالم الطريق، ويكشف لهم المعاثر والمزالق التي أقامها الشيطان وأعوان الشيطان".
وفي كتاب "الحلقة المفقودة في تاريخ العرب" قال محمد جميل بيهم تحت عنوان (آل سعود في حكم آل عثمان) :
"دعا محمد بن عبد الوهاب معتمداً على القرآن، إلى شريعة بيضاء نقية، كما تركها محمد ﷺ ، ونهى عن الغلو في تقديس الأنبياء والأولياء" وتعليقا على كتاب "حاضر العالم الإسلامي" تأليف الأمريكى ستودارد.. قال الأمير شكيب أرسلان ضمن ما قاله: "فكان الصاروخ هذا الصوت إنما هو المصلح المشهور الشيخ محمد بن عبد الوهاب الذي أشعل نار الوهابية فاشتعلت واتقدت، واندلعت ألسنتها إلى كل زاوية من زوايا العالم الإسلامي، ثم أخذ هذا الداعي يحض المسلمين على إصلاح النفوس واستعادة المجد الإسلامي القديم والعز التليد".
كذلك قال المستشرق "سيديو" في تاريخ العرب العام: "ولم يكن للإصلاح الذي بدأ زعيما له هدف سوى إعادة شريعة الرسول الخالصة
стр. 65
إلى سابق عهدها" إلى أن قال "خلع الشيخ محمد بن عبد الوهاب على دين محمد رونقا جديدا، وبدد الخرافات التي زالت مع الزمن، فأظهر القرآن خاليا من جميع ما عزى إليه من الشوائب".
كما أثنى على الشيخ محمد بن عبد الوهاب الشيخ علي الطنطاوي في كتابه "محمد بن عبد الوهاب" بعد ذكره فُشُوّ البدع قبل ولادة الشيخ والاعتقادات الفاسدة.. قال: "فقد حقق الله على يديه عودة نجد إلى التوحيد الصحيح والدين الحق، والألفة بعد الاختلاف، والوحدة بعد الانقسام، ولا أقول إن الرجل كامل، فالكمال لله، ولا أقول إنه معصوم فالعصمة للأنبياء، ولا أقول إنه عار عن العيوب والأخطاء ولكن أقول: إن هذه اليقظة التي عمت نجداً، ثم امتدت حتى جاوزته إلى أطراف الجزيرة، ثم إلى ما حولها، ثم امتدت حتى وصلت إلى آخر بلاد الإسلام، ليست إلا حسنة من حسناته عند الله إن شاء الله".
قال العالم الفرنسي "برناد لوسي" في كتابه العرب في التاريخ ما يلى: "وباسم الإسلام الخالي من الشوائب الذي ساد في القرن الماضي. نادى محمد بن عبد الوهاب بالابتعاد عن جميع ما أضيف للعقيدة والعبادات من زيادات باعتبارها بدع خرافية غريبة عن الإسلام الصحيح".
كما قال شيخ المستشرقين "جولد سيهر" في كتابه العقيدة والشريعة ما يلي: "إن الوهابيين أنصار للديانة الإسلامية على الصورة التي وضعها النبي وأصحابه، فغاية الوهابية هي إعادة الإسلام كما كان".
وأثنى الشيخ محمد عبده على الشيخ، فكان مما قاله لتلاميذه في الأزهر عن حياة الشيخ ودعوته: إنه المصلح العظيم- ويلقى بالتبعة على الأتراك وعلى محمد علي لجهلهم بحقيقة دعوته".
قال عنه أمين سعيد في كتابه "سيرة الإمام محمد بن عبد الوهاب: "إنه مصلح من كرام المصلحين، ومجاهد من كبار المجاهدين. وعالم من خيرة العلماء- أنار الله بصيرته وهداه سبله وألهمه التقوى، فدعا أمته إلى الرجوع إلى الله والعمل بكتابه وسنة رسوله، ونبذ الشرك، وعبادة القبور".
стр. 66
وبعد هذا الثناء الموجز من بعض العلماء على إمام الدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب هل يا ترى يصدر مثل هذا الثناء على مبتدع ضال، أو جاهل أو قائل بالرأي أو الهوى، إن مثل هذا لا يصدر إلا لمن كشف حقيقة ثابتة كاد ظلام الجهل يغطيها ويموهها.
وهؤلاء الذين أثنوا على الشيخ إما علماء ثبتت علميتهم وثقتهم، أو أدباء ومؤرخون يتابعون الحركات والحقائق، أو أعداء، والحق ما شهدت به الأعداء.
стр. 67
الفصل الحادي عشر: الأصول التي دعا إليها الشيخ
وهي أهم دعواته وأجلها مدعومة بالأدلة وبها يتجلى أن دعوة الشيخ مبناها الكتاب والسنة:
قال ابن حجر آل بو طامي "المسائل التي دعا إليها الشيخ ووقع فيها الخلاف بينه وبين الأكثرين":
١- توحيد العبودية: ويقال له توحيد الألوهية وهو الذي بعث الله من أجله الرسل، من نوح ﵇ إلى سيدنا محمد ﷺ كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ ١.
وحيث رأى الشيخ أهل نجد وغيرها كما سبق قد ألهوا قبور الأنبياء والصالحين وبعض الأحجار والأشجار، وصرفوا بعض العبادات إليها، كالنذر والحلف والنحر والاستعانة، والاستغاثة إلى غير ذلك مما لا ينبغي صرفه إلا لله، أنكر عليهم وبين لهم أن العبادة هي طاعة لله بامتثال ما أمر وأنها اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال.
وأفراد العبادة كثيرة منها:
الصلاة والصيام والصدقة والنذر والذبح والطواف والاستعانة والاستغاثة. فمن نذر منها شيئا لغير الله يكون مشركا، قال الله تعالى:
стр. 68
﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ ١.
فاتبعه بعضهم واعتنق مبدأه رغبة واختياراً، وأبى الأكثرون متمسكين بتقليد الآباء والخضوع للعادات، وفشو هذه الأعمال في سائر الأمصار والقرى، وسكوت الكثيرين من العلماء.
٢- التوسل: التوسل قسمان: قسم مطلوب ومرغوب فيه، وهو التوسل بأسماء الله الحسنى وبالأعمال الصالحة، كما توسل الثلاثة الذين انطبقت عليهم الصخرة بصالح أعمالهم، ففرج الله عنهم.
والثاني: التوسل المبتدع، وهو التوسل بالذوات الصالحة، كأن يقول الشخص: اللهم إني أسألك بجاه الرسول، أو بحرمة فلان الصالح، أو بحق الأنبياء والمرسلين، أو بحق الأولياء الصالحين.
فنهاهم الشيخ عن القسم الثاني، إذ لم يرد عن الرسول ولا أصحابه ﵃، وهو دعاء- والدعاء عبادة، ومبناها على التوقيف، ويعبد الله بما شرع لا بالأهواء والبدع.
وتمسك المجوزون بآيات لا تمت إلى دعواهم بصلة كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ ٢.
إن التفسير الوارد عن السلف وأجلاء المفسرين أن ابتغاء الوسيلة يكون بالأعمال الصالحة، كما تمسكوا ببعض أحاديث موضوعة، كحديث توسل آدم بالنبي لما اقترف الخطيئة، وضعيفه كحديث الأعمى، وحديث فاطمة بنت أسد، ولا حجة في موضوع ولا ضعيف.
стр. 69
٣- منعه شد الرحال: منع من شد الرحال إلى غير المساجد الثلاثة كما جاء في الحديث الصحيح "لا تشد الرحال إلا لثلاثة مساجد، المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى" ١.
ولم يلتفت الشيخ إلى تأويل المؤولين والمخالفين، كما أن شد الرحال لزيارة الأرحام، أو للسعي وراء الكسب خارج عن دائرة النزاع؛ لأن هذه الأشياء وردت بها أوامر شرعية، وقد سبق الشيخ إلى منع شد الرحال شيخ الإسلام أحمد ابن تيمية، وابن القيم، والجويني ولد إمام الحرمين من الشافعية، والقاضي عياض. وليس للمجوز أية حجة يصح الاعتماد عليها.
٤- البناء على القبور وكسوتها وإسراجها وما إلى ذلك:
حرم الشيخ البناء على القبور وكسوتها، وتعليق الستور عليها وإسراجها، والكتابة عليها، وإقامة السدنة حولها، وزيارتها الزيارة الشركية التي تنجم منها مفاسد عديدة، كالتمسح بالقبور في جلب نفع أو دفع ضر، واستند الشيخ في منعه وتحريمه إلى أدلة صحيحة من الأحاديث كحديث: "لعن الله زائرات القبور والمتخذين عليها مساجد" ٢.
وحديث "إن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد" ٣ إلخ.
وأمر الشيخ بهدم تلك القبب المشيدة اتباعا بالأحاديث الصحيحة، كحديث أبي الهياج الأسدي لما قال له علي ابن أبي طالب ﵁: "ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله، ألا تدع تمثالا إلا طمسته ولا قبرا مشرفا إلا سويته"٤.
وفقهاء المذاهب الأربعة وغيرها قد سبقوا الشيخ بمنع هذه الأمور وتحريمها، وإن عبر بعضهم بالكراهة في بعض منها، فإنما القصد كراهة التحريم لا التنزيه، والكراهة في القرآن والسنة وعلى لسان السلف تطلق على التحريم.
стр. 70
(والكراهية بمعنى أنه لا يثاب فاعلها ولا يعاقب تاركها) اصطلاح حادث ... لا عبرة له، كما لا عبرة بقول بعض الفقهاء بتحريم البناء على القبر إن كان في أرض مسبلة لئلا تضيق الأرض على الموتى. وإن كان في ملكه بل يكره، وإنما قلنا لا عبرة به؛ لأن الأحاديث مانعة من البناء، والأمر بهدمها عامة. وما أثر عن الرسول ﷺ ما يخصصها.
وليست علة التحريم تضييق الأرض كما زعم أولئك، بل العلة أن البناء يفضي إلى تعظيم المقبور ودعائه من دون الله، وهذا أمر شاهد وملموس لا يقبل الجدل أو النزاع.
٥- توحيد الأسماء والصفات:
قد سبق ما جاء في رسائل الشيخ، أنه في المعتقد على ما كان عليه السلف الصالح من الصحابة والتابعين وتابعيهم من الأئمة الأربعة وغيرهم وهو إثبات الأسماء والصفات من غير تمثيل ولا تكييف، ولم يرق للمخالفين هذا الاعتقاد، حيث كانوا مؤولين ومقلدين للجهم بن صفوان والجعد بن درهم، مستمسكين بشبه فلسفية لا تتفق مع آي القرآن، والأحاديث الصحيحة، ومعتقد الصحابة والتابعين والأئمة المهتدين، رضوان الله عليهم أجمعين.
٦- إنكار البدع:
أنكر الشيخ البدع والمحدثات في الفروع، كالاحتفال بالمولد، والتذكير قبل الآذان، والصلاة على الرسول بعد الآذان جهرا، والتلفظ بالنية، وقراءة حديث أبي هريرة عند صعود الخطيب إلى المنبر.
كما أنكر طرائق الصوفية المبتدعة، وما إلى ذلك من المبتدعات التي لم يرد في استحبابها عن الرسول ﷺ ولا عن أصحابه.
وقد ألف العلماء قبل الشيخ في إنكار البدع والمحدثات، كابن وضاح، والطرطوشي، والشاطبي.
стр. 71
الباب الثالث: الاستدلال على اعتماده في مؤلفات العقائد على الكتاب والسنة
الفصل الأول: في ثلاث مسائل يجب تعلمها
...
وحان الآن الشروع في الاستدلال من مؤلفات الشيخ في اعتماده على الكتاب والسنة، ونبدأ بالأهم، وهو ما ألفه في العقائد وأصول الدين والإيمان، وفي هذا خمسة عشر فصلاً:
"الفصل الأول":" في ثلاث مسائل يجب تعلمها"
قال - رحمه الله تعالى - فيما يجب تعلمه ومعرفته على كل مسلم ومسلمة، وهو ضروري من ضروريات الدين، فذكر ثلاث مسائل:
١- أن الله خلقنا ورزقنا ولم يتركنا هملا، بل أرسل إلينا رسولاً، فمن أطاعه دخل الجنة، ومن عصاه دخل النار.
٢- أن الله لا يرضى أن يشرك معه في عبادته أحد.
٣- أن من وحد الله وأطاع الرسول وجبت عليه موالاة الله ورسوله، ووجب عليه بغض أعداء الله وأعداء رسوله.
ثم استدل على الأولى بقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولاً شَاهِداً عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولاً﴾ ١.
стр. 72
واستدل على الثانية بقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ ١.
ومعلوم أن الدعاء عبادة بهما قال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ ٢.
فجعل العبادة هي الدعاء.
واستدل على الثالثة بقوله تعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْأِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ٣.
نزلت في أبي عبيدة ﵁ لما قتل أباه في بدر.
فمن أنصف من نفسه وجد الأمر واضحاً، حيث استدل الشيخ محمد بن عبد الوهاب بالقرآن الكريم فلم يوجب شيئاً من بنات أفكاره، ولا مقتبساً من إعداده.
стр. 73
" الفصل الثاني":" في المسألة التي بها نجاة المسلم من الخسارة والهلاك "
وأرشد إلى ما به الفلاح والنجاح، وجعل ذلك في أربع مسائل تعلمها من مقتضى الإسلام.
١- العلم ثم بين المراد به بأنه معرفة نبيه، ومعرفة دين الإسلام بالأدلة.
٢- العمل به.
٣- الدعوة إليه.
٤- الصبر على الأذى فيه.
ثم استدل على هذه المسائل الأربع بسورة من سور القرآن وهي قوله تعالى:
﴿وَالْعَصْرِ إِنَّ الأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ ١.
والاستدلال من هذه السورة واضح (فآمنوا) أي علموا، وهذا التفسير لاقتران العمل بالإيمان، وحيث أطلق الإيمان شمل العلم والقول والعمل، (وعملوا الصالحات) دلت على وجوب العمل بالعلم، و (تواصوا بالحق) دلت على وجوب الدعوة إليه، و (تواصوا بالصبر) دلت على وجوب الصبر على الأذى فيه.
فهل ينكر هذا الاستدلال ومطابقته بما استدل عليه إلا مكابر معاند، وهذا غير معتبر.
وقد سبق إلى هذا الاستدلال الإمام الشافعي ﵀ بقوله: (لو ما أنزل الله حجة على خلقه إلا هذه السورة لكفتهم) .
стр. 74
" الفصل الثالث":" مراتب الدين "
أنه جعل الدين ثلاث مراتب:
المرتبة الأولى أعم من الثانية، والثانية أعم من الثالثة.
المرتبة الأولى: الإسلام.
المرتبة الثانية: الإيمان.
المرتبة الثالثة: الإحسان.
وبعد أن بين معنى الإسلام وهو الاستسلام لله بالتوحيد والانقياد له بالطاعة، والخلوص من الشرك وأهله، وأن الإيمان هو التصديق بالباطن، إذ ذكر مقرونا مع الإسلام- لأن الإسلام؛ إذا ذكر مع الإيمان فالمراد به الأعمال الظاهرة، وإذا أفرد كل واحد منهما شمل الآخر.
وأن الإحسان أخص منهما، وهو لا يحتاج إلى تفسير أوضح مما فسر به الحديث، ثم استدل ﵀ على هذه الأصول بحديث عمر بن الخطاب الذي رواه مسلم في صحيحه، وفيه: أن جبريل سأل النبي ﷺ عن الإسلام فقال: "أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وذكر له الصلاة والصيام والزكاة والحج، ثم سأله عن الإيمان فقال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وأن تؤمن بالقدر خيره وشره، ثم سأل عن الإحسان فقال: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك.." إلخ الحديث١.
ثم استدل ﵀ على كل مسألة من أركان الإسلام والإيمان والإحسان التي ذكرت في الحديث وذلك في آية من القرآن، ومن شك في ذلك فليراجع ثلاثة الأصول من المجلد الأول قسم العقيدة من مؤلفات الشيخ والتي طبعتها الجامعة.
стр. 75
وهذا نموذج مما استدل به على معنى لا إله إلا الله بقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ ١.
ثم بين معنى شهادة أن محمداً رسول الله، ثم استدل بقوله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ٢.
واستدل على وجوب التوحيد والصلاة والزكاة بقوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ ٣.
واستدل على ركنية الصيام بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ َيَّاماً مَعْدُودَاتٍ﴾ ٤.
واستدل على ركنية الحج بقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ ٥.