الباب الثالث: الاستدلال على اعتماده في مؤلفات العقائد على الكتاب والسنة
الفصل الأول: في ثلاث مسائل يجب تعلمها
...
وحان الآن الشروع في الاستدلال من مؤلفات الشيخ في اعتماده على الكتاب والسنة، ونبدأ بالأهم، وهو ما ألفه في العقائد وأصول الدين والإيمان، وفي هذا خمسة عشر فصلاً:
"الفصل الأول":" في ثلاث مسائل يجب تعلمها"
قال - رحمه الله تعالى - فيما يجب تعلمه ومعرفته على كل مسلم ومسلمة، وهو ضروري من ضروريات الدين، فذكر ثلاث مسائل:
١- أن الله خلقنا ورزقنا ولم يتركنا هملا، بل أرسل إلينا رسولاً، فمن أطاعه دخل الجنة، ومن عصاه دخل النار.
٢- أن الله لا يرضى أن يشرك معه في عبادته أحد.
٣- أن من وحد الله وأطاع الرسول وجبت عليه موالاة الله ورسوله، ووجب عليه بغض أعداء الله وأعداء رسوله.
ثم استدل على الأولى بقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولاً شَاهِداً عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولاً﴾ ١.
стр. 72
واستدل على الثانية بقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ ١.
ومعلوم أن الدعاء عبادة بهما قال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ ٢.
فجعل العبادة هي الدعاء.
واستدل على الثالثة بقوله تعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْأِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ٣.
نزلت في أبي عبيدة ﵁ لما قتل أباه في بدر.
فمن أنصف من نفسه وجد الأمر واضحاً، حيث استدل الشيخ محمد بن عبد الوهاب بالقرآن الكريم فلم يوجب شيئاً من بنات أفكاره، ولا مقتبساً من إعداده.
стр. 73
" الفصل الثاني":" في المسألة التي بها نجاة المسلم من الخسارة والهلاك "
وأرشد إلى ما به الفلاح والنجاح، وجعل ذلك في أربع مسائل تعلمها من مقتضى الإسلام.
١- العلم ثم بين المراد به بأنه معرفة نبيه، ومعرفة دين الإسلام بالأدلة.
٢- العمل به.
٣- الدعوة إليه.
٤- الصبر على الأذى فيه.
ثم استدل على هذه المسائل الأربع بسورة من سور القرآن وهي قوله تعالى:
﴿وَالْعَصْرِ إِنَّ الأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ ١.
والاستدلال من هذه السورة واضح (فآمنوا) أي علموا، وهذا التفسير لاقتران العمل بالإيمان، وحيث أطلق الإيمان شمل العلم والقول والعمل، (وعملوا الصالحات) دلت على وجوب العمل بالعلم، و (تواصوا بالحق) دلت على وجوب الدعوة إليه، و (تواصوا بالصبر) دلت على وجوب الصبر على الأذى فيه.
فهل ينكر هذا الاستدلال ومطابقته بما استدل عليه إلا مكابر معاند، وهذا غير معتبر.
وقد سبق إلى هذا الاستدلال الإمام الشافعي ﵀ بقوله: (لو ما أنزل الله حجة على خلقه إلا هذه السورة لكفتهم) .
стр. 74
" الفصل الثالث":" مراتب الدين "
أنه جعل الدين ثلاث مراتب:
المرتبة الأولى أعم من الثانية، والثانية أعم من الثالثة.
المرتبة الأولى: الإسلام.
المرتبة الثانية: الإيمان.
المرتبة الثالثة: الإحسان.
وبعد أن بين معنى الإسلام وهو الاستسلام لله بالتوحيد والانقياد له بالطاعة، والخلوص من الشرك وأهله، وأن الإيمان هو التصديق بالباطن، إذ ذكر مقرونا مع الإسلام- لأن الإسلام؛ إذا ذكر مع الإيمان فالمراد به الأعمال الظاهرة، وإذا أفرد كل واحد منهما شمل الآخر.
وأن الإحسان أخص منهما، وهو لا يحتاج إلى تفسير أوضح مما فسر به الحديث، ثم استدل ﵀ على هذه الأصول بحديث عمر بن الخطاب الذي رواه مسلم في صحيحه، وفيه: أن جبريل سأل النبي ﷺ عن الإسلام فقال: "أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وذكر له الصلاة والصيام والزكاة والحج، ثم سأله عن الإيمان فقال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وأن تؤمن بالقدر خيره وشره، ثم سأل عن الإحسان فقال: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك.." إلخ الحديث١.
ثم استدل ﵀ على كل مسألة من أركان الإسلام والإيمان والإحسان التي ذكرت في الحديث وذلك في آية من القرآن، ومن شك في ذلك فليراجع ثلاثة الأصول من المجلد الأول قسم العقيدة من مؤلفات الشيخ والتي طبعتها الجامعة.
стр. 75
وهذا نموذج مما استدل به على معنى لا إله إلا الله بقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ ١.
ثم بين معنى شهادة أن محمداً رسول الله، ثم استدل بقوله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ٢.
واستدل على وجوب التوحيد والصلاة والزكاة بقوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ ٣.
واستدل على ركنية الصيام بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ َيَّاماً مَعْدُودَاتٍ﴾ ٤.
واستدل على ركنية الحج بقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ ٥.
стр. 76
وأركان الإسلام الخمسة المتقدمة، وهي شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت الحرام.. بين الرسول ﷺ بأنها مبنى الإسلام، وجمعها بقوله: "بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت الحرام" ١.
من حديث ابن عمر - رضى الله عنهما - الذي رواه البخاري ومسلم.
فهل يمكن لأحد لديه مسكة من عقل أن ينكر اعتماد الشيخ محمد بن عبد الوهاب على الكتاب والسنة بعد استعراض هذه الأدلة على أركان الإسلام؟!
واستدل على بعث الناس بعد الموت بقوله تعالى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ ٢.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ ٣.
وحكم بالكفر على من أنكر البعث، واستدل بقوله تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ ٤.
فعقيدة الإيمان باليوم الآخر ركن من أركان الإيمان. فهل يستطيع إنكار هذه الأدلة إلا كافر معاند؛ لوضوحها ومطابقتها للمستدل عليه، وحكم بوجوب الهجرة من بلد الشرك إلى بلد الإسلام.
стр. 77
واستدل بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾ ١.
والمقصود ببلد الشرك الذي لا يستطيع المسلم أن يظهر فيه شعائر دينه من أمر بالمعروف ونهي عن المنكر.
ووجه الاستدلال من الآية على وجوب الهجرة واضح؛ وذلك أن الله توعده بسوء المصير، ووصفهم بظلم أنفسهم؛ لأن المسلم لا يصح أن يبقى بين المشركين ذليلاً إلا إذا كان غير قادر، كما قال الله تعالى: ﴿إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً﴾ ٢.
كما استدل ﵀ على أن أعظم ما أمر به التوحيد، وأعظم ما نهى عنه الشرك، قال تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾ ٣،
وبقوله جل وعلا: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ﴾ ٤.
стр. 78
وبقوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾ ١.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً﴾ ٢.
وما استدل به من هذه الآيات واضح جلي، وإذا يثبت عند العاقل أن هذه المسألة هي أساس الدين، وأصل دعوة محمد بن عبد الوهاب.
ويتبين له أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب لم يدع إلى شيء مجهول، ولم يأت بشيء من عنده؛ لاتباع ما يقول بالأدلة.
وبين ﵀ أن أساس دعوته هي التي من أجلها أرسلت الرسل، وأنزلت الكتب، ثم استدل بقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ ٣.
стр. 79
الفصل الرابع: في اعتناء الشيخ بتوحيد العبادة
واعتنى الشيخ ﵀ في تحقيق توحيد العبادة وبيان ما ينافيه أو ينافي كماله، وألف في ذلك كتابا عظيما أسماه "كتاب التوحيد"، جعله سبعة وستين باباً، وكل باب منها ليس له فيه إلا مجرد العنوان والترجمة المتضمنة للحكم، ثم يستدل على هذا بآيات قرآنية وأحاديث نبوية، وأعقب كل باب بمسائل عظيمة تستفاد منه، وقد صدر هذا الكتاب بوجوب توحيد العبادة، فاستدل على وجوب التوحيد بقوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً﴾ ١.
ونظائرها من الآيات ومن الأحاديث النبوية ما اتفق عليه البخاري ومسلم من حديث معاذ بن جبل ﵁ " أن النبي ﷺ قال له: "أتدري ما حق الله على العباد، وما حق العباد على الله.. فقال معاذ: الله ورسوله أعلم، قال ﵇: حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا، وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئا " ٢.
فدل هذا الحديث أن لله حقاً على العباد، وهو عبادته وعدم الشرك به، وبعد أن بين الشيخ وجوب التوحيد بين فضله.
قال الشيخ: باب فضل التوحيد، وما يكفر من الذنوب، ثم استدل بآية الأنعام: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ ٣.
стр. 80
وبجملة أحاديث كلها تدل على فضل التوحيد دلالة واضحة، منها ما أخرجاه في الصحيحين عن عتبان ﵁ أن النبي ﷺ قال: "من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله حرم الله وجهه على النار" ١.
فانظر إلى هذا الاستدلال ووضوحه من الآيات والأحاديث. ثم قال: باب من حقق التوحيد دخل الجنة بغير حساب ولا عذاب. واستدل بآيات قرآنية وأحاديت نبوية لا يستطيع أحد أن ينكر الاستدلال بها، ثم قال: باب الخوف من الشرك.. واستدل بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ ٢.
فإذا حكم على المشرك بعدم المغفرة وجب الخوف من الشرك، واستدل بآيات أخرى وأحاديث نبوية كلها واضح فيها وجه الاستدلال، واستدل على وجوب الدعوة إلى التوحيد بقوله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ ٣.
وحديث ابن عباس في بعث معاذ إلى اليمن، وتعليمه كيف تكون الدعوة، واستدل أيضا على وجوب الدعوة وفضلها في حديث سهل في فتح خيبر، والشاهد منه قول الرسول لعلي ابن أبي طالب "ثم ادعهم إلى الإسلام" ٤ مبينا فضل هذه الدعوة لقوله: "فوالله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم" ٥.
ثم قال ﵀: باب تفسير شهادة أن لا إله إلا الله، ثم استدل بقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ ٦.
стр. 81
وبحديث "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإن فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله " ١.
ثم ابتدأ بجزئيات تنافي التوحيد وتنافي كماله، منها: لبس الحلقة لجلب النفع أو لدفع الضر، وأبطل ذلك بقوله تعالى: ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ﴾ ٢.
وبقوله ﷺ للرجل الذي رأى عليه حلقة من صفر وأخبره بأنها عن الواهنة فقال له: "انزعها لا تزيدك إلا وهنا" ٣ واستدل على بطلان التمائم بقوله ﵊: "من علق تميمة لا أتم الله له" ٤ وغير ذلك من الأحاديث. واستدل ﵀ على بطلان التبرك بالأشجار والأحجار بآية ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللاَّتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى﴾ ٥.
وبحديث فيه أن الصحابة طلبوا من الرسول أن يجعل لهم شجرة يتبركون بها، فأنكر عليهم الرسول ﷺ أشد الإنكار، واستدل على صرف الذبح لله وتحريمه لغير الله بآيات قرآنية وأحاديث نبوية.
وهكذا في سائر أبواب مؤلفه ﵀ المسمى بكتاب التوحيد. ومن شك في ذلك فليراجع هذا المؤلف، فإنه سيجد ما يشفيه ويكفيه من الأدلة ويطمئنه ويؤكد له أن الشيخ يعتمد اعتمادا كلياً على الكتاب والسنة لاسيما في باب التوحيد والعقائد وكشف الشبهات.
стр. 82
من مؤلفات الشيخ
كشف الشبهات بأدلتها
وهاك نموذجاً مما قاله واستدل عليه في هذا المؤلف، ولعلك تراجع بقيته، فيتضح لك استدلال الشيخ على كل مسألة وشبهة إن كنت شاكاً في اعتماد الشيخ في دعوته على الكتاب والسنة.
ذكر إقرار الكفار بتوحيد الربوبية، وذكر أنه لم يدخلهم في الإسلام بل قاتلهم رسول الله ﷺ حتى أقروا بتوحيد العبادة، فإذا أردت الدليل على أن هؤلاء الذين قاتلهم رسول الله ﷺ يشهدون بهذا فاقرأ قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ ١.
وقوله: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ ٢.
стр. 83
وغير ذلك من الآيات، فإذا تحققت أنهم مقرون بهذا ولم يدخلهم في التوحيد الذي دعاهم إليه رسول الله ﷺ .
وعرف أن التوحيد الذي جحدوه هو توحيد العبادة الذي يسميه المشركون في زماننا الاعتقاد، كما كانوا يدعون الله سبحانه ليلاً ونهاراً، ثم منهم من يدعو الملائكة لأجل صلاحهم وقربهم من الله ليشفعوا له، أو يدعو رجلاً صالحاً مثل اللات أو نبياً مثل عيسى.
وعرفت أن رسول الله ﷺ قاتلهم على هذا الشرك، ودعاهم إلى إخلاص العبادة لله وحده، كما قال تعالى: ﴿فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ ١.
وقال: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ﴾ ٢
وتحققت أن رسول الله ﷺ قاتلهم ليكون الدعاء كله لله، والنذر كله لله، والذبح كله لله، والاستغاثة كلها لله، وجميع أنواع العبادات كلها لله، وعرفت أن إقرارهم بتوحيد الربوبية لم يدخلهم في الإسلام، وأن قصدهم الملائكة والأنبياء والأولياء يريدون شفاعتهم والتقرب إلى الله بذلك، هو الذي أحل دماءهم وأموالهم، عرفت حينئذ التوحيد الذي دعت إليه الرسل، وأبى عن الإقرار به المشركون، وهذا التوحيد هو معنى قولك "لا إله إلا الله".
فدل هذا الكلام المتقدم والذي سننقله لك عن الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وقد فهمه من نصوص القرآن على ما يأتي:
١. أن الكفار يقرون بتوحيد الربوبية.
٢. أنه لم يدخلهم في الإسلام.
стр. 84
٣- أن معنى "لا إله إلا الله" يشمل النوعين.
٤- أن الكفار الذين قاتلهم الرسول يفهمون معناها، ولهذا قالوا كما حكى الله عنهم: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ ١.
٥- أن كفار أهل زماننا لا يفهمون معناها؛ لأنهم يقولونها، ومع ذلك تخالفه أفعالهم فيعبدون القبور، ويدعون الأولياء والصالحين، ولو عرفوا معناها حقيقة لما عبدوهم وما استغاثوا بهم، وأما الكفار فلم ينطقوا بها؛ لأنهم لم يعملوا بمعناها، وكل هذا ساق الشيخ عليه الأدلة، وبين أن الشرك لا يغفر لصاحبه، واستدل بقوله تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاء﴾ ٢.
وبين أن من عرف دين الله الذي أرسل به الرسل من أولهم إلى آخرهم الذي لا يقبل الله من أحد ديناً سواه، أنه يستفيد فائدتين:
الأولى: فضل الله ورحمته، ثم استدل بقول الله: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ ٣.
الثانية: الخوف العظيم، فإنك إذا عرفت أن الإنسان يكفر بكلمة يخرجها من لسانه وقد يقولها وهو جاهل فلا يعذر بالجهل، وقد يقولها وهو يظن أنها تقربه إلى الله تعالى كما ظن المشركون، ثم استدل بطلب قوم موسى مع صلاحهم.
﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ ٤.
стр. 85
فاستدلال الشيخ على هاتين الفائدتين بهاتين الآيتين واضح لا يستطيع أحد إنكاره. وفي سياق كشف الشبهات بين ﵀ بأن الله لم يبعث نبيا إلا جعل له أعداء. ثم استدل على ما قاله بقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الْأِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ ١.
واستدل أيضاً ﵀ بأن هؤلاء الأعداء قد يكون لهم حجج وعلوم، يقول تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ ٢.
ثم بين أن الواجب على المسلم أن يتعلم من دين الله ما يقاتل به الأعداء الذين قعدوا له على الطريق، كما قال إمامهم ومقدمهم: ﴿لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ ٣.
ثم بين أن هؤلاء الأعداء يضعفون أمام من تسلح بدين الله. واستدل بقوله تعالى: ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً﴾ ٤.
ثم بين أن العامي من الموحدين يغلب الألف من غيرهم وأنه لا خوف عليه إذا سلك الطريق وإنما الخوف على ضعيف التوحيد، واستدل بقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ ٥.
стр. 86
ثم استدل ﵀ على أنه مهما جاء أهل الباطل بشبهة ففي القرآن ما يبطلها، واستدل بقوله تعالى: ﴿وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاَّ جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً﴾ ١.
وهذه الآيات عامة في كل حجة يأتي بها أهل الباطل إلى يوم القيامة.
ثم ذكر الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ بأنه سيكشف هذه الشبه بآيات قرآنية، وأن لهم جوابين مجمل ومفصل، أما المجمل فهو الأمر العظيم والفائدة الكبيرة لمن عقلها وذلك قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ﴾ ٢.
وقد صح عن رسول الله ﷺ أنه قال: "إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم" ٣.
مثال ذلك إذا قال بعض المشركين:
﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ ٤، وأن الشفاعة حق؛ وأن الأنبياء لهم جاه عند الله.
وذكر كلاماً للنبي ﵊ يستدل به على شيء من باطله- وأنت لا تفهم معنى الكلام الذي ذكره، فجاوبه بقولك: إن الله ذكر في كتابه أن الذين في قلوبهم زيغ يتركون المحكم، ويتبعون المتشابه.
وهكذا استمر الشيخ محمد بن عبد الوهاب في إيراد الشبه وجوابها، والاستدلال على بطلانها من القرآن والسنة، يجد ذلك واضحا من أحب الحقيقة واطلع على كشف الشبهات، والمقصود ذكر نموذج منه كما تقدم.
стр. 87
الفصل الخامس: القواعد الأربع التي قرر بها توحيد العبادة
من مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب: القواعد الأربع التي قرر بها توحيد العبادة وأنه لا يكون خالصاً إلا بنفي الشرك، وأن الشرك مع العبادة كالحدث مع الطهارة ضدان لا يجتمعان، فكما لا تصح الصلاة مع الحدث فإنها لا تصح عبادة مع الشرك.
وأوضح ذلك بهذه القواعد الأربع التي تدل على اعتماد دعوته وفقهه على الكتاب والسنة:
"القاعدة الأولى":
أن الإقرار بتوحيد الربوبية دون توحيد العبادة لا يدخل في الإسلام، ثم استدل بقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ ١.
فأقروا بهذه الآيات الخلقية الكونية وأن القادر عليها هو الله، ومع ذلك قاتلهم الرسول ﵊، فلو كان كافيا لما قاتلهم، ولما طلب منهم توحيد العبادة- فاستدلال الشيخ واضح واعتماده على الكتاب والسنة صريح.
"القاعدة الثانية":
أنهم يتوسلون بمعبوداتهم إلى الله ويتشفعون بهم ومع ذلك حكم عليهم القرآن بالكفر، فدل على أن المطلوب أن يعبدوا الله مباشرة دون واسطة، وأن يطلبوا منه شفاعة نبيهم لهم.
стр. 88
واستدل على أن شفاعة الأنبياء والأولياء والصالحين والملائكة لا تتطلب إلا من الله، وأنه لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه، ثم استدل على ذلك كله بآيات قرآنية منها قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ ١.
ووجه الاستدلال أنه حكم على من اتخذ الواسطة بالكفر ٢.
"القاعدة الثالثة:
"أن النبي ﷺ ظهر على أناس متفرقين في عباداتهما منهم من يعبد الملائكة، ومنهم من يعبد الأولياء والصالحين، ومنهم من يعبد الأشجار والأحجار، ومنهم من يعبد الشمس والقمر، وقاتلهم رسول الله ﷺ ولم يفرق بينهم.
ومقصود الشيخ أن عبادة ما سوى الله على حد سواء بالكفر وبالمقاتلة للرجوع عن ذلك، ثم استدل على بطلان عبادة أي نوع من هذه المخلوقات بدليل من القرآن.
"القاعدة الرابعة":
فيها أن الشيخ حكم على أن شرك أهل زمانه أشد وأغلظ من شرك الأولين؛ لأن الأولين يشركون في الرخاء ويخلصون في الشدة، وأهل زمانه يشركون في الرخاء والشدة، بل كلما اشتد عليهم الأمر ازدادوا لجوء وتضرعا ودعاء لمعبوداتهم، ثم استدل بقوله تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ ٣.
فهل ينكر وجه الاستدلال واعتماد الشيخ على الكتاب والسنة إلا مكابر ومعاند؟
стр. 89
الفصل السادس: ما ورد في مؤلفه كتاب "فضل الإسلام" من اعتماده على الكتاب والسنة
ومن الأمثلة على اعتماد الشيخ في دعوته على الكتاب والسنة ما جاء في مؤلفه "فضل الإسلام":
١- استدل على فضل الإسلام بقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الأِسْلامَ دِيناً﴾ ١، ووجه الاستدلال على فضل الإسلام أن الله رضيه لنا دينا ندين الله به، ونتقرب به إليه، فلو كان هناك وسيلة أفضل من الإسلام لرضيها لنا.
ثم استدل الشيخ ﵀ على فضل هذا الإسلام الذي رضيه لأمة محمد دينا، أن ضلت اليهود والنصارى عن يوم الجمعة أفضل أيام الأسبوع، وهدي أمة محمد ﷺ لهذا اليوم ليكون لهم عيد الأسبوع- لذا قال ﵊: "نحن الآخرون السابقون" من حديث أبي هريرة الذي أخرجه البخاري ٢.
стр. 90
٢- قال ﵀ باب وجوب الإسلام- ثم استدل على ذلك بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الأِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ١ ٢.
فلو لم يكن الإسلام واجبا لما حكم بالخسران على من ابتغى غيره، ولا نفى قبول غيره، ومن السنة استدل بحديث عائشة رضى الله عنها عن رسول الله قال: "من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد" متفق عليه.. ٣.
فدل على وجوب الإسلام حيث حكم ﵊ برد الأعمال التي ليست على أمره- راجع وجوب الإسلام ص ٢٠٧ من كتاب فضل الإسلام للشيخ محمد بن عبد الوهاب.
٣- قال: باب تفسير الإسلام.. ثم استدل بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾ ٤. فدلت الآية على أن الإسلام معناه.. الاستسلام والانقياد كما قال تعالى:
﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ ٥
стр. 91
ومن السنة من حديث عمر ﵁ أن السائل قال للرسول: ما الإسلام؟ فقال: "الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا" ١ ففسر الإسلام بهذه الأعمال، وهكذا إذا قرأ المنصف هذا المؤلف- أعني فضل الإسلام- وجد وضوح الاستدلال ومطابقته للترجمة وأن استدلاله بالكتاب والسنة.
стр. 92
الفصل السابع: فيما ألفه في أصول الإيمان
ومن مؤلفات الشيخ ﵀ " أصول الإيمان "، عنون لكل أصل واستدل عليه، وهاك نموذجا من استدلالاته على تراجمه وعناوينه. وإن أردت المزيد فراجع القسم الأول في العقائد من مؤلفات الشيخ التي طبعتها جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
١- قال ﵀: باب معرفة الله والإيمان به، ثم ساق حديث أبي هريرة الذي رواه مسلم، وفيه أن الله يقول: "أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملا وأشرك معي فيه غيري تركته وشركه" ١.
فمن عرف الله حق المعرفة وآمن به أخلص في عبادته، ولم يشرك معه غيره، وعلى هذا فاستدلال الشيخ بالحديث واضح، وهكذا استمر في سرد الأدلة على وجوب معرفة الله والإيمان به، راجع قسم العقائد من مؤلفاته ص ٢٢٩.
٢- قال: باب الإيمان بالقدر، ثم استدل بجملة آيات منها:
﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً﴾ ٢.
فإذا كان مقضيا وجب الإيمان به، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ ٣.
والأدلة على هذا المعنى- أي الإيمان بالقدر كثيرة- ساق الشيخ منها جملة
стр. 93
يستنير بها العاقل المنصف ويقوى بها إيمان المؤمن، ويعرف من خلالها أن عدم الإيمان بالقدر مخل في أصول الإيمان، بل ومناف له.
٣- الإيمان بالملائكة من أصول الإيمان كما ترجم الشيخ لذلك ص ٢٤٨ من القسم الأول "العقائد" من مؤلفات الشيخ، استدل ﵀ بقوله تعالى:
﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ ١.
والاستدلال من الآية واضح على وجود ملائكة والإيمان بهم، إذ لو لم يوجدوا لما وجب الإيمان بهم.
٤- من أصول الإيمان الإيمان بالقرآن وسائر الكتب المنزلة، ولما كان الأخذ بالقرآن واجبا، عنون الشيخ بهذا العنوان "باب الوصية بكتاب الله" لأنه المهيمن على الكتب السابقة، فهي وإن وجب الإيمان بها فالعمل بالقرآن لهيمنته عليها.
ثم استدل الشيخ بقوله تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ﴾ ٢.
ووجه الاستدلال واضح حيث أمر باتباع الكتاب، والأمر للوجوب، ونهى عن اتباع غيره، والنهى للتحريم.
وهكذا كلما استمر القارئ مع هذا المؤلف للشيخ- أعني- أصول الإيمان- وجد الأدلة مطابقة للتراجم، وهي من الكتاب والسنة، فلا حجة لمن أنكر اعتماد الشيخ على الكتاب والسنة.
стр. 94
الفصل الثامن: وجوب اعتقاد حق الرسول ﷺ
واستدلاله على ذلك
ومن أصول الإيمان وجوب اعتقاد حق الرسول ﷺ ، واستدل الشيخ ﵀ على ذلك بعدة أدلة منها:
ما يدل على طاعته بأسلوب الأمر، ومنها أن جعل طاعته سببا للرحمة، أما الأولى فقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ ١.
وأما الثاني ففي قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ ٢.
واستدل أيضا بقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ ٣.
стр. 95
فمن حقوق الرسول ﷺ الإيمان بما جاء في هذه الآيات، وكما في الحديث الذي رواه مسلم عن أبي هريرة "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، ويؤمنوا بي وبما جئت به" ١.
فجعل من حقه الإيمان بما جاء به، وهذا أكبر دليل على اعتماد الشيخ على الكتاب والسنة.
стр. 96
الفصل التاسع: في لزوم السنة والتحذير من البدع واستدلاله على ذلك
ومن أصول الإيمان لزوم السنة والترغيب في ذلك، وترك البدع والتفرق والاختلاف والتحذير من ذلك، كما ترجم الشيخ بهذا اللفظ، ثم استدل بأدلة واضحة على ما ترجم له، منها قوله تعالى:
﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾ ١.
وحديث العرباض بن سارية قال:
" وعظنا رسول الله ﷺ موعظة وجلت منها القلوب - وفيه وإياكم ومحدثات الأمور " ٢.
راجع أصول الإيمان- القسم الأول من مؤلفات الشيخ طبعة الجامعة ص ٢٦٢.
стр. 97
الفصل العاشر: في وجوب عداوة أعداء الله واستدلاله على ذلك
قال ﵀: باب في وجوب عداوة أعداء الله من الكفار والمرتدين والمنافقين، قول الله تعالى:
﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ﴾ ١.
وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ ٢.
وساق ﵀ نصوصا كثيرة في هذا الموضوع، واستدلالاته من هاتين الآيتين واضح في اعتماده على الأدلة..
стр. 98
الفصل الحادي عشر: من كتابه "مسائل الجاهلية "
ومن تأليفاته ﵀ "مسائل الجاهلية" التي خالف فيها رسول الله ﷺ ما عليه أهل الجاهلية الكتابيين والأميين، عما لا غنى للمسلم عن معرفتها، فالضد يظهر حسنه الضد، وبضدها تتبين الأشياء. فأهم ما فيها وأشدها خطرا عدم إيمان القلب بما جاء به الرسول ﷺ ، فإن أضاف إلى ذلك استحسان ما عليه أهل الجاهلية، لحقت الخسارة، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ ١.
وننقل لك أيها القارئ نموذجا من هذه المسائل لتتأكد من اعتماد الشيخ على الكتاب والسنة في جميع مؤلفاته:
المسألة الأولى: أنهم يتعبدون بإشراك الصالحين في دعاء الله وعبادتهم لهم، يريدون بها شفاعتهم عند الله لظنهم أن الله يحب ذلك، وأن الصالحين يحبونه، كما قال تعالى:
﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ ٢.
стр. 99
وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ ١.
وهذه أعظم مسألة خالفهم فيها رسول الله ﷺ ، فأتى بالإخلاص، وأخبر أنه دين الله الذي أرسل به جميع الرسل، وأنه لا يقبل من الأعمال إلا الخالص، وأخبر أن من فعل ما استحسنوا فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار.
وهذه المسألة تفرق الناس لأجلها بين مسلم وكافر، وعندها وقعت العداوة، ولأجلها شرع الجهاد، كما قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ ٢.
المسألة الثانية: أنهم متفرقون في دينهم، كما قال تعالى: ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ ٣
المسألة الثالثة: أن مخالفة ولي الأمر وعدم الانقياد له عندهم فضيلة، والسمع والطاعة له ذل ومهانة.
فخالفهم رسول الله وأمر بالصبر على جور الولاة، وأمر بالسمع والطاعة والنصيحة لهم، وغلظ في ذلك وأبدى فيه وأعاد.
وهذه الثلاث جمع بينها الرسول في الصحيحين أنه قال: "إن الله يرضى لكم ثلاثا:
стр. 100
أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم" ١.
ولم يقع خلل في دين الناس ودنياهم إلا بسبب الإخلال بهذه الثلاث أو بعضها، فهذه المسائل الثلاث من مائة وثمان وعشرين مسألة كلها على هذا النمط من حيث الاستدلال بالكتاب والسنة.
стр. 101
الفصل الثاني عشر: ستة موضوعات من السيرة لها صلة قوية بأسس الدعوة
من مؤلفات الشيخ ﵀ ستة موضوعات من السيرة كلها باستناد من الكتاب والسنة، وأنقل لك موضوعا من هذه الموضوعات "قال ﵀ الموضوع الثاني- أنه ﷺ لما قال ينذرهم عن الشرك، ويأمرهم بضده وهو التوحيد، لم يكرهوا ذلك، واستحسنوه، وحدثوا أنفسهم بالدخول فيه إلا أنه لما صرح بنبذ دينهم، وتجهيل علمائهم، حينئذ شمروا له ولأصحابه عن ساق العداوة، وقالوا:
سفه أحلامنا، وعاب ديننا، وسب آلهتنا، ومعلوم أن الرسول لم يسب عيسى وأمه ولا الملائكة ولا الصالحين، ولكن لما ذكر أنهم لا يدعون ولا ينفعون ولا يفرون جعلوا ذلك سبا وشتما- فإذا عرفت هذا عرفت أن الإنسان لا يستقيم له إسلام ولو وحد الله وترك الشرك إلا بعداوة المشركين، والتصريح لهم بالعداوة والبغض، كما قال تعالى:
﴿لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الأِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ١.
стр. 102
الفصل الثالث عشر: من مؤلفاته تلقين أصول العقيدة للعامة عن طريق السؤال والجواب
...
الفصل الثالث عشر: من مؤلفاته تلقين أصول العقيدة للعامة على طريقة السؤال والجواب
ومن مؤلفاته ﵀ (تلقين) أصول العقيدة للعامة على طريقة السؤال والجواب بالدليل بعد توضيح المعنى، وهذه الرسالة توجد في المجلد الأول قسم العقيدة من مؤلفات الشيخ التي طبعتها الجامعة ص ٣٧٠، وهي رسالة عظيمة وقواعد ثابتة لا مدخل للتقليد ولا للاجتهاد، بل كل سؤال وجواب مصحوب بالاستدلال، وهاك نموذجا منها:
المثال الأول: أولا: قال ﵀ (إذا قيل لك من ربك؟ فقل ربي الله، فإذا قيل لك: ما أكبر ما ترى من مخلوقاته؟ فقل: السماوات والأرض، فإذا قيل بماذا تعرفه به؟ فقل: أعرفه بآياته ومخلوقاته، وإذا قيل لك ما أعظم ما في آياته؟ فقل: الليل والنهار، والدليل على ذلك..
﴿نَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ ١.
المثال الثاني: فإذا قيل لك: لأي شيء خلقك؟ فقل: لعبادته، فإذا قيل لك ما الدليل على ذلك؟ فقل قوله تعالى:
﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ ٢) .
стр. 103
المثال الثالث: وإذا قيل لك: أي شيء فرض أولا عليك؟ فقل: كفر بالطاغوت وإيمان بالله، والدليل على ذلك قوله تعالى:
﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ١.
وهكذا استوفى الشيخ ﵀ الأصول الثلاثة وهي: معرفة الرب- ومعرفة الإسلام- ومعرفة النبي محمد ﷺ بهذه الطريقة وبطريقة السؤال والجواب وبعد قراءتها يتضح لنا أن الشيخ بين دعوته وفقهها للخاص والعام، وأنها قائمة على الكتاب والسنة.
стр. 104
الفصل الرابع عشر: في معنى الطاغوت
وقال ﵀: (معنى الطاغوت ورؤوس أنواعه) :
اعلم رحمك الله تعالى أن أول ما فرض الله على ابن آدم الكفر بالطاغوت، والإيمان بالله، والدليل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ ١.
ثم استمر ﵀ يشرح معنى الكفر بالطاغوت- ومعنى الطاغوت- والدليل على كل معنى، ومن شك في هذا الاستدلال فليراجع ص ٣٧٦ من قسم العقيدة من مؤلفاته. ومؤلفاته ورسائله كثيرة جدا ومصحوبة بالأدلة، ولعلنا نكتفي منها بهذا المقدار، وجزى الله من تسبب في جمعها وطبعها خير الجزاء.
стр. 105
الفصل الخامس عشر: في كتابه "الكبائر "
من مؤلفات الشيخ ﵀ ما أسماه بـ"الكبائر" وشمل بذلك كبائر القلوب واللسان والأعمال، فنص على كل كبيرة بعنوانها ودليلها، والمراد بها عند جمهور العلماء ما تنقص الإيمان ولا تخرج منه، وفي الآخرة تحت مشيئة الله ولا، يخلد صاحبها في النار، وإليك الأمثلة من هذه الكبائر لتعرف أن الشيخ ﵀ يعتمد في مؤلفاته على الكتاب والسنة.
المثال الأول: استدل على وجود الكبائر وأنها غير الشرك والكفر بقوله تعالى:
﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الأِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾ ١.
وقوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ ٢.
فدلت هاتان الآيتان على أن في الذنوب كبائر غير الشرك؛ لأن الشرك لا يغفر لصاحبه إن مات عليه.
المثال الثاني: كبائر الأعمال- قال الشيخ- باب أكبر الكبائر- ثم استدل بحديث أبي بكر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قلنا: بلى يا رسول الله، قال: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وكان متكئا فجلس فقال: ألا، وقول الزور، فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت" ٣ ودلالة هذا الحديث واضحة على ما عنون له الشيخ وهو أكبر الكبائر.
стр. 106
المثال الثالث: على كبائر القلب، واستدل ﵀ بحديث أبي هريرة الذي أخرجه مسلم: "إن الله لا ينظر إلى صوركم، ولا إلى أجسامكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم" ١ وحديث النعمان بن بشير "ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب" ٢.
فدل هذان الحديثان على أن القلب أساس الأعمال والأقوال، وأنه مبني على المؤاخذة والمجازاة. وهكذا استمر الشيخ في بيان الكبائر وجمعها، وإن دل هذا فإنما يؤكد على أنه كاشف وموضح ما جاء في الكتاب والسنة ٣.
стр. 107
الباب الرابع: في مؤلفات الشيخ فيما عدا العقائد
الباب الرابع: في مؤلفات الشيخ فيما عدا العقائد
...
التمهيد:
الغرض من هذا الباب ما يأتي:
١- لفت نظر المسلم إلى فقه هذا الإمام في العقيدة والفروع.
٢- إيقاف القارئ على بعض مؤلفاته في غير العقيدة ليتضح له صلتها بالكتاب والسنة.
٣- الإشارة إلى الفنون الشرعية التي خاض فيها الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وأن كل فن قد ألبسه حليته من الكتاب والسنة أو ما هو مستمد منهما.
стр. 108
الفصل الأول: في مؤلفات الشيخ في الحديث
لقد اعتنى الشيخ محمد بن عبد الوهاب بجمع الأحاديث وتبويبها في موضوعات شتى، منها ما هو عام كنصيحة المسلمين وبيان فضل الإسلام ومنها ما هو خاص في العقائد كأصول الإيمان، أو خاص بالكبائر لاسيما الكبائر التي هي من أعمال القلوب، وقد تقدم الإشارة إلى هذه المؤلفات في هذه الفنون في الباب الثالث، ومنها ما هو خاص في الأحكام ومنها ما هو خاص في الفتن والحوادث.
واشتدت عناية الشيخ محمد بن عبد الوهاب لجمع أحاديث الأحكام على أبواب الفقه كما سبقه غيره من الأئمة، وهذا دليل واضح على أن الفقه لا يستغنى عن الحديث. فسار على أبواب الفقه، وجمع في كل باب من أبوابه جملة أحاديث من الأحكام.
والهدف من كتابة هذا إيضاح عناية الشيخ بالكتاب والسنة عقيدة وفقها، فبدأ بكتاب الطهارة إلى آخر موضوعات الفقه مما يتعلق بالقضاء ووسائل الإثبات، ثم ختم ما جمعه من أحاديث الأحكام بمجموعة أحاديث في الطب، وهذا المجموع في أحاديث الأحكام كان مخطوطا، وطبعته جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية في أربع مجلدات، بلغ مجموع الأحاديث (٤٥٥١) أربعة آلاف وخمسمائة وواحد وخمسين حديثا. فاستوفى جميع أبواب الفقه على ترتيب الفقهاء في العبادات والمعاملات.
وإليك يا أخي القارئ أمثلة توضح طريقة الشيخ في جمع أحاديث الأحكام مما يبرهن اعتماد فقهه دائما في العبادات والمعاملات على السنة.
أولاً: ذكر في الطهارة في باب المياه جملة أحاديث دلت على ما ينجس به الماء الطاهر وطهارة البحر، وأن الماء المستعمل لا ينجس، والنهي عن تنجيس الماء الراكد أو تقذيره حسب القلة أو الكثرة، وحكم استعمال الرجل لفضلة المرأة، وغسل اليدين بعد نوم الليل
стр. 109
قبل غمسهما في الإناء، وجواز الوضوء من ماء زمزم، واستعمال الماء الحار.
وهذه الأحكام الفقهية كثيرا ما يذكرها الفقهاء عارية عن الدليل؛ ومنهم من يذكرها ثم يذكر الدليل، فالشيخ عمد إلى أدلة الفقهاء فجمعها في هذا الباب، ثم استوعب جميع أبواب الطهارة سالكا هذه الطريقة وهي باب الآنية، باب التخلي، باب السواك، باب الوضوء، باب المسح على الخفين، باب نواقض الوضوء، باب التيمم، باب إزالة النجاسة، وباب الحيض.
فهل ترى تصويب من رماه بالتعصب وهو على هذه الطريقة؟ إن المتعصب هو الذي يأخذ أقوال الإمام بغض النظر عن الدليل.
وهذا أبعد ما يكون عن إمامنا الشيخ محمد بن عبد الوهاب.
ثانيا: وذكر في الصلاة الأدلة على وجوبها وفرضيتها، ومتى فرضت، وأنه لا يتم الإسلام إلا بإقامتها.
وذكر أن من صلى عصم دمه وماله ظاهراً وأن الباطن إلى الله، وذكر ما يدل على حكم تاركها وأنه كفر، واستدل على أهميتها وأنها أول ما يحاسب عنها يوم القيامة، واستدل الشيخ على ما يسقط وجوب الصلاة أو يسقط صحتها، كما استدل على وقت ابتداء الأمر بالصلاة مما يدل على أنها آكد الأعمال في الإسلام وأهمها. واستدل على حكم من فوت وقت الصلاة بعذر أو بغير عذر، ومتى تقضى ومتى لا تقضى.
فما أعظمه من فقه.
كما استمر في سائر موضوعات الصلاة على أبواب الفقه، وأذكر لك عناوين الموضوعات التي ذكرها واستدل عليها وهي عناوين الفقهاء. باب الأذان، باب المواقيت، باب ستر العورة، باب اجتناب النجاسة، باب استقبال القبلة، باب النية، باب صفة الصلاة، وباب سجود السهو.
стр. 110
الفصل الثاني: في فضائل الأعمال
مما يدل على فقه هذا الإمام أنه ذكر جملة أحاديث بلغت (٢٩) تسعة وعشرين حديثا في فضائل الأعمال، وجعل موضعها بعد ذكر حكم الصلاة وما يشترط لها، وصفتها وسجود السهو لها، وصنيعه هذا لم يسبقه أحد ممن اطلعت على مؤلفاتهم في جميع أحاديث الأحكام.
وأشار في هذا الباب إلى ما يتصل بفضل أركان الإسلام والإيمان بالله وما يتصل بالمخلوقين، وما يتصل بالأموال، وما فعله فضيل، وما تركه فضيل، وما يؤجر به على نيته إذا فاته عمله.
ففقه إمامنا في هذا الموضوع مما يدل على الرغبة الأكيدة والفقه العميق، وذلك لما يأتي:
١- اختياره للأحاديث الصحيحة والمحتج بها.
٢- إيمانه الواضح بوعد الله ووعد رسوله.
٣- أنه أراد بذلك أن يرغب المسلم في الأعمال الصالحة بحيث أنه لا يعملها لمجرد أنها لازمة فقط، فاللازم لا محيد عنه، ولكن من قام بها رغبة في الثواب المرتب عليها، نال رضا الله وأدى الواجب، وتحصل على الثواب، وسلم من العقاب.
٤- مما يدل على فقه الشيخ في هذا الباب شمول هذه الأحاديث التي ساقها لشتى مجالات الأعمال فعلا وكفا، حقا للخالق أو للمخلوق أو للنفس.
"انظر المجلد الأول في الحديث صفحة ٥٥٣"