وروي عن أبي الهياج الأسدي ١ قال: " قال علي بن أبي طالب: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ ؟ ألا تدع تمثالا إلا طمسته، ولا قبرا مشرفا إلا سوّيته" ٢.
وروى البخاري ومسلم عن عائشة وابن عباس ﵄ قالا: لما نُزل برسول الله ﷺ ، طفق ٣ يطرح خميصة ٤ له على وجهه، فإذا اغتم كشفها عن وجهه. فقال، وهو كذلك: "لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" يحذر مثل ما صنعوا ٥.
стр. 247
المبحث الثاني: عقيدة الإمام أبي حنيفة في التوسل إلى الله
التوسل إلى الشيء في عرف أهل اللسان: هو التقرب إليه، واستعمال السبب الموصل إليه، وهو الوسيلة.
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ "سورة المائدة: الآية٣٥".
قال ابن جرير في تفسير هذه الآية: "الوسيلة هي الفعيلة من قول القائل: توسلت إلى فلان بكذا بمعنى تقربت إليه ... وقوله: وابتغوا إليه الوسيلة يقول: واطلبوا القرب إليه بالعمل بما يرضيه" ١.
وقال الجوهري: "الوسيلة: ما يتقرب به إلى الغير، والجمع الوسيل والوسائل، والتوسيل والتوسل واحد، يقال وسل فلان إلى ربه وسيلة وتوسل إليه بوسيلة أي تقرب إليه بعمل ... "٢.
стр. 248
أما التوسل في الشرع فهو خاص بالتقرب إلى الله تعالى.
ويقسم العلماء التوسل إلى الله إلى قسمين:
أولا ـ توسل مشروع.
ثانيا ـ توسل ممنوع.
فالتوسل المشروع ما قام عليه دليل من الشرع وهو ثلاثة أنواع:
"أ" التوسل بأسماء الله الحسنى وصفاته العلا:
وصفته أن يقول المسلم في دعائه: اللهم إني أسألك بأنك أنت الرحمن الرحيم اللطيف الخبير أن تعافيني. أو يقول: أسألك برحمتك التي وسعت كل شيء أن ترحمني وتغفر لي.
ودليل مشروعية هذا التوسل من الكتاب قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ "سورة الأعراف: الآية١٨٠".
ومن السنة حديث أنس بن مالك ﵁ وفيه: "أنه كان مع رسول الله ﷺ جالسا ورجل يصلي، ثم دعا: اللهم إني أسألك بأن لك الحمد، لا إله إلا أنت المنان بديع السموات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام، يا حي يا قيوم، فقال النبي ﷺ : "لقد دعا الله باسمه العظيم الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى" ١.
стр. 249
ويوجد في كلام أبي حنيفة ذكر هذا النوع من التوسل كما في قوله: "ولا ينبغي لأحد أن يدعو الله إلا به، والدعاء المأذون فيه المأمور به ما استفيد من قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ "سورة الأعراف: الآية١٨٠"١.
أما النوعان الآخران للتوسل المشروع فلم أقف له على قول فيهما.
"ب" التوسل بالعمل الصالح:
وصفته كأن يقول المسلم في دعائه: اللهم بإيماني بك ومحبتي لك واتباعي لرسولك اغفر لي.
ودليل مشروعية هذا التوسل من الكتاب قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ "سورة المائدة: الآية٣٥".
وقوله جلّ وعلا: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُوراً﴾ "سورة الإسراء: الآية٥٧".
وقوله جل وعلا: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ "سورة آل عمران:١٦".
ومن السنة: قصة أصحاب الغار الثابتة في الصحيحين فقد توسلوا بأعمالهم الصالحة فتوسل أحدهم ببره لوالديه، والآخر
стр. 250
بعفته عن الفاحشة، والثالث بإحسانه إلى أجير كان عنده ١.
"ج" التوسل بدعاء الصالحين:
ودليل مشروعيته ما ورد في صحيح مسلم عن صفوان بن عبد الله بن صفوان قال: "قدمت الشام فأتيت أبا الدرداء في منزله فلم أجده، ووجدت أم الدرداء، فقالت: أتريد الحج العام؟ فقلت: نعم، فقالت: فادع الله لنا بخير. فإن النبي ﷺ كان يقول: "دعوة المرء المسلم لأخيه بظهر الغيب، مستجابة، عند رأسه ملك موكل، كلما دعا لأخيه بخير، قال الملك الموكل به، آمين، ولك بمثل" ٢.
وقد كان الصحابة يتوسلون بدعاء النبي ﷺ في حياته ومنه قول الأعرابي حين أصابت سَنَة على عهد رسول الله ﷺ .
قال يا رسول الله هلكت الأموال وانقطعت السبل، فادع الله أن يغيثنا، فرفع رسول الله ﷺ يديه ثم قال: "اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا ... " ٣.
стр. 251
فالصحابة توسلوا بدعاء النبي ﷺ في حياته، ثم بعد وفاته توسلوا بدعاء عمه العباس، فقد ثبت في صحيح البخاري عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: "اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا. قال فيُسقَون" ١.
فالصحابة عدلوا عن التوسل برسول الله ﷺ بعد موته إلى التوسل بدعاء العباس، فدل على أن التوسل بدعاء النبي ﷺ قد انقطع بموته، فلو كان التوسل بالرسول بعد موته جائزا لما عدل الصحابة عن الرسول ﷺ إلى العباس، وهذا من الوضوح بحيث لا يخفى على ذي لب.
أما التوسل الممنوع:
فهو ما لا دليل عليه من كتاب أو سنة، وهو ثلاثة أنواع:
١- التوسل إلى الله تعالى بذات وشخص المتوسل به سواء كان النبي ﷺ أو غيره. وهو نوعان:
"أ" أن يدعو المتوسَّل به:
ذلك بأن يدعوه، ويستغيث به، ويطلب منه ما لا يقدر عليه إلا الله ولو يجعله واسطة فيما يطلبه من الله. وهذا النوع من التوسل هو من الشرك الأكبر لأنه دعاء لغير الله، والتجاء إليه في المهمات وهو من صرف العبادة
стр. 252
لغير الله، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ "سورة المؤمنون: الآية١١٧".
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ "سورة الأحقاف: الآية ٥".
وفي هذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "ومن أراد بالواسطة أنه لا بد من واسطة في جلب المنافع، ودفع المضار، مثل أن يكون واسطة في رزق العباد ونصرهم وهداهم يسألونه ذلك ويرجعون إليه فيه، فهذا من أعظم الشرك الذي كفر الله به المشركين، حيث اتخذوا من دون الله أولياء يجتلبون المنافع ويجتنبون المضار" ١.
فلم يأمرنا الله أن نستغيث بالصالحين من عباده أو ندعو أنبياءه حتى تستجاب لنا المسألة، بل قال: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ "سورة غافر: الآية٦٠".
فأمر بدعاء العبادة ودعاء المسألة، ووعدنا بالإجابة، وتوعد من استكبر عنها بالعذاب والإهانة ٢.
"ب" التوسل بالذات في دعاء الله:
هو أن يجعل ذات النبي ﷺ أو غيره وسيلة في دعاء الله كأن يقول في دعائه: "اللهم إني أسألك بنبيك محمد ﷺ ".
وفي هذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "السؤال به فهذا يجوزه طائفة من الناس، ونقل في ذلك آثار عن بعض السلف، وهو موجود في دعاء
стр. 253
كثير من الناس. لكن ما روي عن النبي ﷺ في ذلك كله ضعيف بل موضوع وليس عنه حديث ثابت قد يظن أن لهم فيه حجة إلا حديث الأعمى ... وحديث الأعمى لا جحة لهم فيه؛ فإنه صريح في أنه إنما توسل بدعاء النبي ﷺ وشفاعته ... وساغ النزاع في السؤال بالأنبياء والصالحين دون الإقسام بهم، لأن بين السؤال والإقسام فرقا، فإن السائل متضرع يسأل بسبب يناسب الإجابة، والمقسم أعلى من هذا فإنه طالب مؤكد طلبه بالقسم، ... وهذا التوسل بالأنبياء ـ بمعنى السؤال بهم ـ هو الذي قال أبو حنيفة وأصحابه وغيرهم أنه لا يجوز، وليس في المعروف من مذهب مالك ما يناقض ذلك فضلا عن أن يجعل هذا من مسائل السبب؛ فمن نقل عن مذهب مالك أنه جوّز التوسل بمعنى الإقسام به أو السؤال به فليس معه في ذلك نقل عن مالك" ١.
وقال: "قد نُقل في منسك المروزي عن أحمد دعاء فيه سؤال بالنبي ﷺ وهذا قد يخرج
على إحدى روايتين في جواز القسم به ومعظم العلماء على النهي في الأمرين.." ٢.
قلت: اتفق العلماء على أن اليمين بالحلف بمخلوق لا تنعقد إلا في نبينا محمد ﷺ ، فإن عند الإمام أحمد رحمة الله تعالى عليه في ذلك روايتين في انعقاد اليمين به ٣، والذي عليه الجمهور ٤ ـ مالك والشافعي وأبو حنيفة رحمهم الله تعالى ـ أنه لا تنعقد اليمين به ﵊
стр. 254
كإحدى الروايتين عن أحمد، وهو الصحيح. وفي هذا يقول ابن قدامة ١:
لأنه حلف بغير الله فلم يوجب كفارة كسائر الأنبياء، ولأنه مخلوق فلم تجب الكفارة بالحلف به كإبراهيم ﵇، ولأنه ليس بمنصوص عليه، ولا في معنى المنصوص، ولا يصح قياس اسم غير الله على اسمه، لعدم الشبه وانتفاء المماثلة" ٢.
٢- التوسل إلى الله تعالى بحق فلان أو جاهه ونحو هذا: منع الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى هذا التوسل، وصفته أن يقول المسلم في دعائه: "اللهم إني أسألك بحق فلان عليك أو بجاهه عندك أن تغفر لي".
قال أبو حنيفة ٣: "يكره أن يقول الداعي أسألك بحق فلان أو بحق أنبيائك ورسلك وبحق البيت الحرام والمشعر الحرام".
وقال بشير بن الوليد: حدثنا أبو يوسف قال: قال أبو حنيفة: "لا ينبغي لأحد أن يدعو الله إلا به، وأكره أن يقول: بمعاقد العز من عرشك ٤،
стр. 255
أو بحق خلقك"١.
وقال أبو يوسف: "وأكره أن يقول بحق فلان أو بحق أنبيائك ورسلك وبحق البيت الحرام والمشعر الحرام"٢.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وهذا الذي قاله أبو حنيفة وأصحابه من أن الله لا يسأل بمخلوق له معنيان:
أحدهما: هو موافق لسائر الأئمة الذي يمنعون أن يقسم أحد بالمخلوق، فإنه إذا منع أن يقسم على مخلوق بمخلوق فلأن يمنع أن يقسم على الخالق بمخلوق أولى وأحرى ... بخلاف المخلوق فإن إقسامه
стр. 256
بالمخلوقات شرك بخالقها كما في السنن عن النبي ﷺ قال: "من حلف بغير الله فقد أشرك" ١.
وأما الثاني: وهو السؤال المعظَّم كالسؤال بحق الأنبياء، فهذا فيه نزاع وقد تقدم عن أبي حنيفة وأصحابه أنه لا يجوز، ومن الناس من يجوّز ذلك" ٢.
قلت: من هؤلاء: العز بن عبد السلام حيث قال: "أما مسألة الدعاء فقد جاء في بعض الأحاديث أن رسول الله ﷺ علم بعض الناس الدعاء فقال في أقواله: "قل: اللهم إني أقسم عليك بمحمد ﷺ نبي الرحمة".
وهذا الحديث إن صح فينبغي أن يكون مقصورا على رسول الله ﷺ ، لأنه سيد ولد آدم، وألا يقسم على الله بغيره من الأنبياء والملائكة، لأنهم ليسوا في درجته، وأن يكون هذا مما خُص به تنبيها على درجته ومرتبته" ٣.
قلت: لفظ الحديث هو: " أن رجلا ضرير البصر أتى النبي ﷺ فقال: "ادع الله أن يعافيني قال: إن شئت دعوت، وإن شئت صبرت فهو خير لك، قال: فادعه، قال: فأمره أن يتوضأ فيحسن وضوءه ويدعو بهذا الدعاء: اللهم إني أسألك، وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، إني توجهت بك إلى ربي في حاجتي هذه لتقضى لي، اللهم فشفعه فيّ" ٤.
стр. 257
وليس فيه "إني أقسم عليك بمحمد"، ولم أقف عليه بهذا اللفظ في دواوين السنة النبوية.
وهذا الحديث حكم عليه أئمة هذا الشأن بالصحة كالطبراني ١، والبيهقي ٢، وشيخ الإسلام ٣، والحاكم٤، والذهبي ٥، والسيوطي ٦، والمناوي ٧، والألباني ٨.
وليس في هذا الحديث متمسّك لمن يرى جواز التوسل بذات النبي ﷺ أو جاهه؛ فإن الحديث صريح في أن الغرض من مجيء هذا الرجل، وهو ضرير البصر إلى النبي ﷺ طلب الدعاء منه، وليس التوسل بذاته أو جاهه، ولو أراد غير ذلك لجلس في بيته ودعا بجاه النبي ﷺ يدل على ذلك قوله للنبي ﷺ : "ادع الله أن يعافيني".
ورد الرسول ﷺ بقوله: " إن شئت دعوت وإن شئت صبرت فهو خير لك ".
فتبين مما سبق أن الحديث ليس فيه ما يستدل به على جواز التوسل بجاه النبي ﷺ أو بذاته إذ قوله: "بنبيك" على تقدير المضاف أي بدعاء نبيك أو بشفاعته ٩.
стр. 258
٣- الإقسام على الله تعالى بالمتوسَّل به: وهذا التوسل منعه الإمام أبو حنيفة ١ رحمه الله تعالى، وصفته أن يقول المسلم في دعائه: "اللهم إني أقسم عليك بفلان أن تقضي حاجتي".
فالقسم والحلف بالله من تعظيمه، وتعظيمه عبادة، وإنما يكون الحلف بالله من تعظيمه مع الصدق وحفظ الإيمان عما يتضمن الاستهانة بالله. وقد تقدم قول الإمام أبي حنيفة: "لا يحلف إلا بالله متجردا بالتوحيد والإخلاص" ٢.
ومن صرف هذه العبادة لغير الله فقد أشرك. قال النبي ﷺ : "من حلف بغير الله فقد أشرك" ٣.
وقال النبي ﷺ : "ألا إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، من كان حالفا فليحلف بالله، أو ليصمت" ٤.
стр. 259
فإذا كان الحلف بمخلوق شركا، فكيف بالحلف بالمخلوق على الخالق؟ فالمقصود أن الدعاء عبادة كما قاله النبي ﷺ : "إن الدعاء هو العبادة ثم قرأ: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ ١.
فلا يتوسل إلى الله بشيء إلا ما جعله الله وسيلة فيه كالتوسل بأسمائه الحسنى، وصفاته العلا، وسائر أنواع التوسل المشروع؛ فالعبادات مبناها على اتباع هدي النبي ﷺ ووفق شرعه والإخلاص بالنية والقصد، لا على الهوى والابتداع. فالواجب على المسلم أن يتثبت في هذا فلا يعبد الله إلا بما شرع وأمر به وأذن فيه.
وأن يحرص كل الحرص في أن يميز السنة والبدعة، والتوحيد من الشرك، والحق من الباطل، حتى يخلص وينجو من الوقوع فيما ينقض التوحيد.
هذا هو آخر الحديث عن توحيد الألوهية وبه نهاية الفصل الثاني، ويليه الفصل الثالث وهو في توحيد الأسماء والصفات.
стр. 260
الفصل الثالث: توحيد الأسماء والصفات
وفيه تمهيد وثلاثة مباحث:
تمهيد: طريقة السلف في توحيد الأسماء والصفات.
المبحث الأول: تقرير توحيد الأسماء والصفات عند الإمام أبي حنيفة إجمالا.
المبحث الثاني: ذكر جملة من الصفات الذاتية وكلام الإمام أبي حنيفة عنها.
المبحث الثالث: ذكر جملة من الصفات الفعلية وكلام الإمام أبي حنيفة عنها.
стр. 261
تمهيد
طريقة السلف في توحيد الأسماء والصفات
قبل الحديث عن طريقة السلف في توحيد الأسماء والصفات، يحسن ذكر أمور لا بد في هذا المقام من معرفتها:
أولا ـ معنى توحيد الأسماء والصفات
هو اعتقاد انفراد الله بالكمال المطلق من جميع الوجوه بنعوت العظمة والجلال والجمال، وذلك بإثبات ما أثبته لنفسه أو أثبته له رسوله ﷺ من الأسماء والصفات ومعانيها وأحكامها الواردة في الكتاب والسنة، كالإقرار بأن الله بكل شيء عليم، وأنه على كل شيء قدير، وأنه الحي القيوم الذي لا تأخذه سنة ولا نوم، له المشيئة النافذة والحكمة البالغة، وأنه على العرش استوى، وهو مع عباده أينما كانوا، هذا مع اعتقاد أنه ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله ١.
وهذا التوحيد أجلُّ المعارف لأنه معرفة بالله بأسمائه وصفاته، وعلى هذه المعرفة تبنى العبادة. فإذا لم يعرف العبد ربه فكيف يعبده؟ كيف يعبد إلها يجهله؟ لذا استفاضت الأدلة بذكره والتنويه به؛ لأنه كلما كان الأمر مهما كثر إيضاحه وبيانه.
стр. 262
ثانيا ـ ما يقدح في توحيد الأسماء والصفات
يقدح في هذا التوحيد خمسة أمور كلها من ضروب الإلحاد في أسمائه الذي ذمه الله وأهله في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ "سورة الأعراف: الآية١٨٠".
وهذه القوادح هي التشبيه، والتعطيل وتسميته، ووصفه بما لا يليق به. قال ابن القيم:
الإلحاد في أسماء الله تعالى أنواع:
أحدها: أن يسمى الأصنام بها كتسميتهم اللات من الآلهة والعزى من العزيز وتسميتهم الصنم إلها" الثاني: تسميته بما لا يليق بجلاله كتسمية النصارى له أبا، وتسمية الفلاسفة له موجبا بذاته أو علة فاعلة.
وثالثها: وصفه بما يتعالى عنه ويتقدس من النقائص، كقول أخبث اليهود إنه فقير وقولهم: إنه استراح بعد أن خلق خلقه، وقولهم: يد الله مغلولة وأمثال ذلك.
رابعها: تعطيل الأسماء عن معانيها وجحد حقائقها كقول من يقول من الجهمية وأتباعهم: إنها ألفاظ مجردة لا تتضمن صفات ولا معاني.
خامسها: تشبيه صفاته بصفات خلقه تعالى الله عما يقول المشبهون علوا كبيرا١.
стр. 263
ثالثا ـ مذاهب الناس في الأسماء والصفات
الناس في باب الأسماء والصفات على ثلاثة أصناف:
الصنف الأول ـ المعطلة:
وهم الذين عطلوا الرب عما يجب أن يثبت له من الأسماء والصفات. والتعطيل على ثلاث مراتب، ذكرها شيخ الإسلام في التدمرية وهي:
"١- وصف الله بسلب النقيضين وهو مذهب غلاة المعطلة؛ فإنهم يقولون: لا موجود ولا معدوم، ولا حي ولا ميت لأننا لو وصفناه بالإثبات لشبهناه بالمخلوقات، ولو وصفناه بالنفي لشبهناه بالمعدومات.
٢- وصف الله بالسلب والإضافة دون صفات الإثبات، وهو مذهب المعطلة من الفلاسفة والجهمية، وهؤلاء كلهم ينفون الأسماء والصفات.
٣- إثبات الأسماء دون الصفات، وهو مذهب المعتزلة ومن تعبهم" ١.
والمعطلة قسمان:
أهل تأويل، وأهل تجهيل.
أما أهل التأويل: فهم الذين يصرفون معاني نصوص الكتاب والسنة عن معانيها الظاهرة بغير حجة وهذا هو التحريف بعينه ٢.
أما أهل التجهيل: فهم الذين ينكرون معاني الأسماء والصفات، ويثبتون ألفاظا لا معاني لها٣.
стр. 264
الصنف الثاني ـ المشبهة:
وهم الذين يشبهون صفات الله بصفات المخلوقين، كقول بعضهم: لله سمع كسمعي وبصر كبصري.
قال إسحاق بن راهويه: "إنما يكون تشبيه إذا قال: يدٌ كيد أو مثل يد أو سمع كسمع أو مثل سمع فهذا هو التشبيه" ١.
وقال ابن تيمية: "من قال: علم كعلمي أو قوة كقوتي أو حب كحبي أو رضاء كرضائي أو يدان كيديّ أو استواء كاستوائي كان مشبها ممثلا لله بالحيوانات" ٢.
ومن التشبيه التعرض لكيفية صفات الرب وحقيقتها التي لا يعلمها إلا الله ٣.
قال ابن القيم عن إلحاد المشبهة: "فهذا الإلحاد في مقابلة إلحاد المعطلة، فإن أولئك نفوا صفات كماله وجحدوها وهؤلاء شبهوها بصفات خلقه فجمعهم إلحاد وتفرقت بهم طرقه" ٤.
الصنف الثالث ـ المؤمنون الموحدون:
وهم الذين يصفون الله بما وصف به نفسه ووصفه به رسوله ﷺ من صفات الكمال على الوجه اللائق بجلال الله وعظمته من غير تمثيل ولا تشبيه، ومن غير تحريف ولا تعطيل لشيء من أوصاف الله
стр. 265
قال الصابوني: "إن أصحاب الحديث المتمسكين بالكتاب والسنة ... يعرفون ربهم بصفاته التي نطق بها وحيُه وتنزيله، أو شهد له بها رسوله ﷺ على ما وردت الأخبار الصحاح به ونقلته العدول الثقات عنه، ويثبتون له ﷻ منها ما أثبته لنفسه في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ لا يعتقدون فيها تشبيها لصفاته بصفات خلقه..ولا يحرفون كلاما عن مواضعه، وقد أعاذ الله تعالى أهل السنة من التحريف والتكييف والتشبيه، ومنَّ عليهم بالتعريف والتفهم، حتى سلكوا سبل التوحيد والتنزيه، وتركوا القول بالتعليل والتشبيه، واتبعوا قول الله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ "سورة الشورى: الآية١١" ... " ١.
وبعد هذا العرض لمذاهب الناس في الأسماء والصفات إجمالا، نتناول مذهب السلف في ذلك بشيء من التفصيل.
رابعا ـ طريقة السلف في توحيد الأسماء والصفات
١- طريقتهم في الإثبات:
الإثبات عندهم هو إثبات بلا تشبيه وبيان ذلك في الآتي:
"أ" الإيمان والتسليم بما ورد من الأسماء والصفات:
يجب الإيمان بالأسماء والصفات الثابتة في الكتاب والسنة دون تجاوزها بالنقص أو الزيادة.
قال ابن خزيمة: "إن الأخبار في صفات الله موافقة لكتاب الله تعالى، نقلها الخلف عن السلف قرنا بعد قرن من لدن الصحابة والتابعين إلى
стр. 266
عصرنا هذا على سبيل الصفات لله تعالى والمعرفة والإيمان به والتسليم لما أخبر الله تعالى في تنزيله ونبيه ﷺ مع اجتناب التأويل والجحود، وترك التمثيل والتكييف" ١.
وقال أبو بكر الإسماعيلي ٢: "اعلموا رحمني الله وإياكم أن مذهب أهل الحديث أهل السنة والجماعة الإقرار بالله وكتبه ورسله وقبول ما نطق به كتاب الله وصحت به الرواية عن رسول الله ﷺ ، لا معدل عما ورد به، ولا سبيل إلى رده إذ كانوا مأمورين باتباع الكتاب والسنة مضمونا لهم الهدى فيهما مشهودا لهم بأن نبيهم ﷺ يهدي إلى صراط مستقيم محذرين في مخالفته الفتنة والعذاب الأليم، ويعتقدون أن الله تعالى مدعو بأسمائه الحسنى، موصوف بصفاته التي سمى ووصف بها نفسه، ووصفه بها نبيه ﷺ ... " ٣.
فجميع نصوص الأسماء والصفات يقرونها صريحة على ظواهرها كما أتت، ويسلمون لما تقتضيه تلك الصفات من كمالات تليق بالله، من غير تحريف ولا تكييف.
فكل ما نص عليه كتاب الله وحديث رسول الله ﷺ وجب الإيمان به. فمن أنكر أو ألحد فإنه يخشى عليه الكفر بعد ثبوت الحجة عليه كما قال الشافعي: "لله تعالى أسماء وصفات جاء بها كتابه وأخبر بها نبيه ﷺ لا يسع أحدا من خلق الله تعالى قامت عليه الحجة ردها، لأن القرآن نزل بها،
стр. 267
وصح عن رسول الله ﷺ القول بها، فإن خالف ذلك بعد ثبوت الحجة عليه فهو كافر بالله تعالى، فأما قبل ثبوت الحجة عليه من جهة الخبر فمعذور بالجهل" ١.
"ب" أن أسماء الله وصفاته كلها عندهم توقيفية:
فلا يطلقون على الله شيئا منها إلا بإذن من الشرع، فما ورد من الشرع وجب إطلاقه، وما لم يرد به فلا يصح إطلاقه، قال عبد الرحمن بن قاسم العُتَقي ٢: "لا ينبغي لأحد أن يصف الله إلا بما وصف به نفسه في القرآن" ٣.
وقال السجزي: "قد اتفقت الأئمة على أن الصفات لا تؤخذ إلا توقيفا، وكذلك شرحها لا يجوز إلا بتوقيف ... ولا يجوز أن يوصف الله سبحانه إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله ﷺ " ٤.
وذلك لأن الإيمان بصفات الله وأسمائه من الإيمان بالغيب، ولا يمكن معرفة الغيب إلا عن طريق الرسل الذين يبلغون وحي الله.
"ج" إثباتهم للصفات إثبات وجود معلوم المعنى مجهول الكيفية:
سئل الإمام مالك عن قول الله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ "سورة طه: الآية٥".
стр. 268
كيف استوى؟ قال: "الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة" ١.
فبين أن الاستواء معلوم المعنى، مجهول الكيفية. وهكذا بقية الصفات يقال فيها ما قيل في الاستواء.
قال أبو سليمان الخطابي: "فإذا كان معلوما أن إثبات الباري ، هو إثبات وجود، لا إثبات كيفية، فكذلك إثبات صفاته؛ إنما هو إثبات وجود، لا إثبات تحديد وتكييف" ٢.
وقال الحافظ أبو القاسم التيمي: "وإثبات الذات إثبات وجود لا إثبات كيفية، فكذلك إثبات الصفات ... وعلى هذا مضى السلف كلهم" ٣.
وقال السجزي: "إن الله تعالى إذا وصف نفسه بصفة هي معقولة عند العرب، والخطاب ورد بها عليهم بما يتعارفون بينهم، ولم يبين سبحانه أنها بخلاف ما يعقلونه، ولا فسرها النبي ﷺ بتفسير يخالف الظاهر، فهي على ما يعقلونه" ٤.
وقال السرخسي الحنفي ٥: "وأهل السنة والجماعة أثبتوا ما هو الأصل المعلوم بالنص ـ أي بالآيات القطعية والدلالات اليقينية ـ وتوقفوا
стр. 269
فيما هو المتشابه وهو الكيفية، ولم يجوزا الاشتغال في طلب ذلك" ١.
وقال البزدوي الحنفي ٢: "إثبات اليد والوجه حق عندنا معلوم بأصله، متشابه بوصفه، ولا يجوز إبطال الأصل بالعجز عن إدراك الوصف بالكيف، وإنما ضلّت المعتزلة من هذا الوجه فإنهم ردوا الأصول لجهلهم بالصفات فصاروا معطلة" ٣.
"د" الإثبات عندهم يكون على وجه التفصيل:
وهذه هي طريقة القرآن، فالإثبات للصفات في كتاب الله يكون مفصلا، والنفي يكون مجملا.٤
ومن شواهد الإثبات المفصل قوله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ "سورة الحشر: الآيتان ٢٣-٢٤".
والمراد بالتفصيل:
التعيين والتخصيص، وذلك بذكر الأسماء والصفات معينة منصوصا عليها، لا مجملة في لفظ عام، كقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ "سورة الأعراف: الآية١٨٠".
стр. 270
"هـ" صفات الله كلها كاملة عندهم:
ما ورد في الكتاب والسنة وصفا لله تعالى إنما هو عندهم من صفات الكمال الواجبة لله تعالى، ولو لم يتصف بها للزم النقص في حقه تعالى وتقدّس. ومما يدل على هذا أن الله تعالى ذكر أن الأصنام لا توصف بالكلام، ولا بالنطق، ولا بالنفع، ولا بالضر، وهذا دليل على عدم إلهيتها. وإذا كان كذلك فهذه الصفات صفات كمال، والفاقد لها لا يستحق أن يكون متصفا بالألوهية.
قال تعالى عمن عبد العجل من دونه: ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَداً لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ﴾ "سورة الأعراف: الآية١٤٨".
وقال تعالى: ﴿فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلاً جَسَداً لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ أَفَلا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرّاً وَلا نَفْعاً﴾ "سورة طه: الآيتان٨٨-٨٩".
"و" وأسماء الله كلها حسنى عندهم:
أسماء الله جميعها حسنى؛ لأنها دالة على صفات كمال عظيمة، ولو كانت أعلاما محضة لم تكن حسنى١، لذلك أمر الله عباده أن يدعوه بها لأنها وسيلة مقربة إليه يحبها ويحب من يحفظها، ويحب من يبحث عن معانيها ويتعبد له بها ٢.
قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ "سورة الأعراف: الآية١٨٠".
стр. 271
فكل اسم من أسماء الله دال على جميع الصفة التي اشتق منها، مستغرق لجميع معناها، ودلالة الأسماء على الذات والصفة تكون بالمطابقة إذا فسرنا الاسم بجميع مدلوله، وبالتضمن إذا فسرناه ببعض مدلوله، وبالالتزام إذا استدللنا به على غيره من الأسماء التي يتوقف عليها هذا الاسم، مثال ذلك الرحمن، دلالته على الرحمة والذات دلالة مطابقة، وعلى أحدهما دلالة تضمن لأنها داخلة في الضمن، ودلالة الأسماء التي لا توجد إلا بثبوتها كالحياة والعلم والقدرة ونحوها دلالة التزام١.
فالمقصود أن أسماء الله أعلام وأوصاف دالة على معانيها، وكلها أوصاف مدح وثناء.
٢- طريقتهم في التنزيه:
التنزيه الذي دل عليه الكتاب والسنة وفهمه سلف هذه الأمة هو تنزيه بلا تعطيل، لما أثبت الله لنفسه وأثبته له رسوله ﷺ . وليس نفي الصفات الثابتة في الكتاب والسنة من التنزيه في شيء ٢ بل هو عين التنقص.
стр. 272
والنوم والذل والسفه والنسيان والغفلة والحاجة والتعب واللغوب، أو كان منفصلا؛ كالشريك والظهير والشفيع بدون إذنه والولد والوالد واتخاذ صاحبة والكفؤ والند والولي من الذل.
قال ابن القيم:
توحيدهم نوعان قولي وفعلي
كلا نوعيه ذو برهان
فالأول القولي ذو نوعين أيضا
في كتاب الله موجودان
إحداهما سلب وذا نوعان
أيضا فيه مذكوران
سلب النقائص والعيوب جميعها
عنه هما نوعان معقولان
سلب لمتصل ومنفصل هما
نوعان معروفان أما الثاني
سلب الشريك مع الظهير مع
الشفيع بدون إذن المالك الديان
وكذاك سلب الزوج والولد الذي
نسبوه إليه عابدو الصلبان
وكذاك نفي الكفء أيضا والولي
ما سوى الرحمن للغفران
والأول التنزيه للرحمن عن
وصف العيوب وكل ذي نقصان
كالموت والإعياء والتعب الذي
ينفي اقتدار الخالق المنان
والنوم والسِّنَة التي هي أصله
وعزوب شيء عنه في الأكوان
إلى أن قال:
وكذاك ظلم عباده وهو الغني
فما له والظلم للإنسان
وكذاك غفلته تعالى وهو علام
الغيوب فظاهر البطلان
وكذلك النسيان جل إلهنا
لا يعتريه قط من نسيان
وكذاك حاجته إلى طعام ورز
قٍ وهو رازق بلا حسبان
هذا وثاني نوعي السلب الذي
هو أول الأنواع في الأوزان
تنزيه أوصاف الكمال له
عن التشبيه والتمثيل والنكران
стр. 273
لسنا نشبه وصفه بصفاتنا
إن المشبه عابد الأوثان ١
"ب" النفي عندهم مجمل:
تقدّم أن الإثبات عند السلف يكون إثبات ما أثبته الله لنفسه أو أثبته رسول الله ﷺ على وجه التفصيل من غير تكييف ولا تمثيل ولا تعطيل. أما النفي فهو مجمل عندهم كما في القرآن الكريم.
قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ "سورة الشورى: الآية١١".
وقال تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ "سورة الإخلاص: الآية٤".
والمراد بالإجمال: التعميم والإطلاق، والنفي المجمل: هو الذي لا يتعرض فيه لنفي عيوب ونقائص معينة، فقوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ ، هو نفي مجمل لأنه نفي للمماثلة في جميع الصفات، فلم يقل ليس كمثله شيء في علمه أو في قدرته أو في سمعه أو في بصر. وما ذكر من الإجمال في النفي والتفصيل في الإثبات إنما هو في الغالب؛ وإلا فإنه قد يأتي النفي مفصلا، كما قد يأتي الإثبات مجملا. فالأول، كقوله تعالى: ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ "سورة البقرة: الآية٢٥٥".
وقوله تعالى: ﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً﴾ "سورة الكهف: الآية٤٩".
والثاني كقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ "سورة الأعراف: الآية١٨٠".
وقوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ "سورة الفاتحة: الآية٢".
стр. 274
"ج" لا يصفون الله بالنفي المحض:
ومع نفيهم عن الله ما نفاه عن نفسه أو نفاه عنه رسوله ﷺ فهم يثبتون ضد الصفات المنفية، كقوله تعالى: ﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً﴾ "سورة الكهف: الآية٤٩".
فهم يثبتون كمال عدله.
وكقوله تعالى: ﴿لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ﴾ "سورة سبأ: الآية٣".
فهم يثبتون كمال علمه.
وكقوله تعالى: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ "سورة ق: الآية٣٨".
فهم يثبتون كمال قدرته.
وكقوله تعالى: ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ "سورة البقرة: الآية٢٥٥".
فهم يثبتون كمال حياته وقيّوميته، لأن النفي الصرف عندهم لا مدح فيه ولا كمال لأنه عدم محض، والعدم المحض ليس بشيء ١.
стр. 275
المبحث الأول: تقرير توحيد الأسماء والصفات إجمالا عند الإمام أبي حنيفة
"أ" يثبت الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى ما أثبت الله لنفسه في كتابه، وعلى لسان رسوله ﷺ ، يدل على هذا قوله: "لا يوصف الله تعالى بصفات المخلوقين، وغضبه ورضاه صفتان من صفاته بلا كيف، وهو قول أهل السنة والجماعة، وهو يغضب ويرضى ولا يقال: غضبه عقوبته، ورضاه ثوابه.
ونصفه كما وصف نفسه أحد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد، حي قادر سميع بصير عالم، يد الله فوق أيدهم، ليست كأيدي خلقه، ووجه ليس كوجوه خلقه" ١.
وقوله: "وله يد ووجه ونفس كما ذكره الله تعالى في القرآن، فما ذكره الله تعالى في القرآن، من ذكر الوجه واليد والنفس فهو له صفات بلا كيف، ولا يقال: إن يده قدرته أونعمته؛ لأن فيه إبطالَ الصفة، وهو قول أهل القدر والاعتزال ... " ٢.
стр. 276
قال البزدوي ١: "العلم نوعان علم التوحيد والصفات، وعلم الشرائع والأحكام، والأصل في النوع الأول هو التمسُّك بالكتاب والسنة ومجانبة الهوى والبدعة ولزوم طريق السنة والجماعة، وهو الذي عليه أدركنا مشايخنا وكان على ذلك سلفنا أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وعامة أصحابهم. وقد صنف أبو حنيفة ﵁ في ذلك كتاب الفقه الأكبر، وذكر فيه إثبات الصفات وإثبات تقدير الخير والشر من الله" ٢.
"ب" الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى لا يعتمد على الرأي والمقايسات العقلية في إثبات الصفات بل يثبت الصفات بالكتاب والسنة، يدل على هذا قوله: "لا ينبغي لأحد أن ينطق في ذات الله بشيء، بل يصفه بما وصف به نفسه، ولا يقول فيه برأيه شيئا تبارك الله تعالى رب العالمين" ٣.
فصفات الله لا تعلم بالعقل فقط بل لا تعلم على التفصيل إلا بالوحي؛ فإنها من الغيب، والعقل قاصر وعاجز عن معرفة الغيب على التفصيل، بل العقول عاجزة عن تكييف صفات الرب ؛ لأن الشيء إنما تعرف كيفيته بمشاهدته أو مشاهدة نظيره، والله تعالى لا نظير له. وإذا كانت عاجزة عن تكييف بعض المخلوقات كالروح
стр. 277
والجنة ١ وغيرها من المغيبات، فهي عن التكييف لذات الرب وصفاته أعجز. وفي هذا يقول الشافعي: "حرام على العقول أن تمثل الله تعالى وعلى الأوهام أن تحد، وعلى الظنون أن تقطع، وعلى النفوس أن تفكر، وعلى الضمائر أن تعمَّق، وعلى الخواطر أن تحيط، وعلى العقول أن تعقل إلا ما وصف به نفسه أو على لسان نبيه ﷺ " ٢.
وقال ابن عبد البر: "لا خلاف بين فقهاء الأمصار وسائر أهل السنة، وهم أهل الفقه والحديث في نفي القياس في التوحيد، وإثباته في الأحكام" ٣.
"ج" الصفات عند الإمام أبي حنيفة معلومة المعنى، مجهولة الكيفية، وليس عنده التفويض المطلق، دلّ على ذلك قوله لما سئل عن النزول الإلهي قال: "ينزل بلا كيف" ٤.
قال الملاّ علي القاري بعد ذكره قول الإمام مالك: "الاستواء معلوم، والكيف مجهول ... ": "اختاره إمامنا الأعظم وكذا كل ما ورد من الآيات والأحاديث المتشابهات من ذكر اليد والعين والوجه ونحوها من الصفات. فمعاني الصفات كلها معلومة وأما كيفيتها فغير معقولة؛ إذ تعقل الكيف فرع العلم لكيفية الذات وكنهها. فإذا كان ذلك غير معلوم؛ فكيف يعقل لهم
стр. 278
كيفية الصفات، والعصمة النافعة من هذا الباب أن يصف الله بما وصف به نفسه، ووصفه به رسوله من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا تمثيل، بل يثبت له الأسماء والصفات، وينفي عنه مشابهة المخلوقات، فيكون إثباتك منزها عن التشبيه، ونفيك منزها عن التعطيل. فمن نفى حقيقة الاستواء فهو معطل ومن شبّهه باستواء المخلوقات على المخلوق فهو مشبّه، ومن قال الاستواء ليس كمثله شيء فهو الموحِّد المنزِّه" ١.
"د" الإمساك عن التأويل مطلقا:
طريقة الإمام أبي حنيفة في الصفات، الإمساك عن التأويل مطلقا لأنه يفضي إلى إبطال الصفة وتعطيل معناها اللائق بالله. دل على ذلك قوله: "ولا يقال إن يده قدرته أو نعمته لأن فيه إبطال صفة، وهو قول أهل القدر والاعتزال" ٢.
وقال: "وهو يغضب ويرضى ولا يقال غضبه عقوبته ورضاه ثوباه" ٣.
والإمساك عن تأويل النصوص بما يخالف ظاهرها هو طريقة الأئمة، كما هي طريقة الإمام أبي حنيفة. قال الألوسي الحنفي: "أنت تعلم أن طريقة كثير من العلماء الأعلام وأساطين الإسلام الإمساك عن التأويل مطلقا مع نفي التشبيه والتجسيم ٤. منهم الإمام أبو حنيفة، والإمام مالك،
стр. 279
والإمام أحمد، والإمام الشافعي، ومحمد بن الحسن، وسعد بن معاذ المروزي، وعبد الله بن المبارك، وأبو معاذ خالد بن سليمان صاحب سفيان الثوري، وإسحاق بن راهويه، ومحمد بن إسماعيل البخاري، والترمذي، وأبو داود السجستاني ... " ١.
"هـ" نفي التشبيه مطلقا وإثبات الصفات مع نفي التشبيه ليس من التشبيه في شيء عند الإمام أبي حنيفة:
نفى الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى مشابهة الله بخلقه مطلقا، فلا يماثله شيء ومع ذلك أثبت الصفات، دل على ذلك قوله: " ولا يشبه شيئا من الأشياء من خلقه ولا يشبهه شيء من خلقه، لم يزل ولا يزال بأسمائه وصفاته ... " ٢.
وقال: "وصفاته بخلاف صفات المخلوقين يعلم لا كعلمنا، ويقدر لا كقدرتنا، ويرى لا كرؤيتنا، ويسمع لا كسمعنا، ويتكلم لا ككلامنا ... " ٣.
وقال كذلك: "لا يوصف الله تعالى بصفات المخلوقين"٤.
وقرر الطحاوي هذا في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهب أبي حنيفة وصاحبيه حيث قال: "ولا يشبه الأنام" ٥.
فهو سبحانه ليس كمثله شيء ولا تضرب له الأمثال ولا كفء له.
стр. 280
قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ "سورة الشورى: الآية١١" ... ".
وقال تعالى: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ "سورة النحل: الآية٧٤".
وقال تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ "سورة الإخلاص: الآية٤".
فكل ما ثبت لله من صفات الكمال فهي مختصة به وحده، لا يشركه فيها أحد، ومن اعتقد خلاف ذلك فقد كفر.
قال نعيم بن حماد: "من شبه الله بشيء من خلقه فقد كفر، ومن أنكر ما وصف الله به نفسه فقد كفر، فليس ما وصف الله به نفسه ورسوله تشبيها" ١.
وقال إسحاق بن راهويه: "من وصف الله فشبّه صفاته بصفات أحد من خلق الله فهو كافر بالله العظيم"٢.
وهذا هو ما يعتقده الإمام أبو حنيفة وصاحباه. دل على ذلك ما قرره الطحاوي في بيان اعتقاد والجماعة على مذهب أبي حنيفة وصاحبيه، حيث قال: "ومن وصف الله بمعنى من معاني البشر فقد كفر" ٣. والمبتدعة تسمي من أثبت لله صفات الكمال التي لا يشترك معه فيها أحد مشبها ومجسما، وفي ذلك يقول القونوي الحنفي: "قال كثير من أئمة السلف علامة الجهمية تسميتهم أهل السنة مشبهة، فإنه ما من أحد نفى
стр. 281
شيئا من الأسماء والصفات إلا يسمي المثبت لها مشبها، حتى بعض المفسرين كعبد الجبار والزمخشري وغيرهما من المعتزلة والرافضة يسمون كل من أثبت شيئا من الصفات أو قال برؤية الذات مشبها. والمشهور عند الجمهور من أهل السنة والجماعة أنهم لا يريدون بنفي التشبيه نفي الصفات، بل يريدون أنه سبحانه لا يشبه المخلوق في أسمائه وصفاته وأفعاله كما بيّنه الإمام بيانا شافيا" ١.
فالمثبت لصفات الكمال التي لا يشترك فيها مع الله أحد ليس مشبها ولا مجسما، بل المشبه من اعتقد أن صفات الله من جنس صفات المخلوقين.
قال إسحاق بن راهويه: "إنما يكون تشبيه إذا قال: يدٌ كيد أو مثل يد أو سمع كسمع أو مثل سمع فهذا التشبيه. وأما إذا قال كما قال لله تعالى يد وسمع وبصر ولا يقول كيف ولا يقول مثل سمع ولا كسمع فهذا لا يكون تشبيها. وهو كما قال الله تعالى في كتابه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ "سورة الشورى: الآية١١" ... " ٢.
وقال الترمذي: "قال أهل العلم في هذا الحديث وما يشبه هذا من الروايات من الصفات ونزول الرب ﵎ كل ليلة إلى السماء الدنيا قالوا: قد ثبتت الروايات في هذا ونؤمن بها ولا نتوهم ولا يقال كيف؟..هكذا قول أهل العلم من أهل السنة والجماعة. وأما الجهمية فأنكرت هذه الروايات وقالوا: هذا تشبيه" ٣.
стр. 282
فتبين لنا من نصوص الإمام أبي حنيفة المتقدمة أنه يثبت الصفات التي وردت في الكتاب والسنة بدون تكييف ولا تمثيل ولا تعطيل. وإثبات الصفات عنده على هذه الطريقة ليس من التشبيه في شيء. هذا هو ما عليه السلف الصالح، أما ما عدا ذلك فهو من بدع المعطلة والمشبهة.
"و" تقسم الصفات:
أئمة أهل السنة يرون١ أن صفات الله تنقسم إلى قسمين:
أولا ـ صفات ذاتية:
وهي الملازمة للذات الإلهية أزلا وأبدا ولا تتعلق بها المشيئة ٢، كالحياة والعلم والسمع والبصر.
ثانيا ـ صفات فعلية:
وهي التي تتعلق بقدرته في كل وقت وأن تحدث بمشيئته، كالنزول والاستواء والإحياء والإماتة والرضا والغضب ٣.
وهذا التقسيم ذهب إليه الإمام أبو حنيفة. دل على هذا قوله:
стр. 283
"وصفاته الذاتية والفعلية: أما الذاتية فالحياة والقدرة والعلم والكلام والسمع والبصر والإرادة، وأما الفعلية فالتخليق والترزيق والإنشاء والإبداع والصنع وغير ذلك من صفات الفعل لم يزل ولا يزال بأسمائه وصفاته" ١.
وقال كذلك: "ولم يزل فاعلا بفعله، والفعل صفة في الأزل، والفاعل هو الله تعالى، والفعل صفة في الأزل والمفعول مخلوق وفعل الله تعالى غير مخلوق" ٢.
وواضح من هذا أن الإمام أبا حنيفة لا يفرق بين الصفات الذاتية والفعلية بل يثبتها كلها لله تعالى ويثبت قيامها به سبحانه. وهذا مذهب أهل السنة والجماعة، فلا يفرقون بين بعض الصفات وبعض، بل يثبتون كل ما أثبت الله لنفسه وأثبته له رسول الله ﷺ بخلاف أهل البدعة الذين يفرقون بين الصفات.
﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ "سورة آل عمران: الآية٧".
стр. 284
المبحث الثاني: ذكر جملة من الصفات الذاتية وكلام أبي حنيفة عنها
أولا ـ الصفات الذاتية
١- العلو:
الإمام أبو حنيفة ﵀ يعتقد أن الله في السماء. دل على هذا قوله: "من قال لا أعرف ربي في السماء أم في الأرض فقد كفر، وكذا من قال إنه على العرش، ولا أدري العرش أفي السماء أم في الأرض" ١.
وقال للمرأة التي سألته أين إلهك الذي تعبده؟ قال: "إن الله في السماء دون الأرض، فقال له رجل: أرأيت قول الله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ "سورة الحديد: الآية٤".
قال هو كما تكتب للرجل إني معك وأنت غائب عنه" ٢.
стр. 285
قال البيهقي: "لقد أصاب أبو حنيفة ﵁ فيما نفى عن الله من الكون في الأرض، وفيما ذكر من تأويل الآية وتبع مطلق السمع في قوله إن الله في السماء" ١.
وقرر هذا الطحاوي في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهب الأبي حنيفة وصاحبيه حيث قال: "محيط بكل شيء وفوقه، وقد أعجز عن الإحاطة خلقه" ٢.
وما يعتقده الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى من علو الله تعالى على خلقه واستوائه على عرشه هو اعتقاد سائر الأئمة. وقد تضافرت على إثبات صفقة العلو دلالة الفطرة والعقل والشرع. وقد تقدم ذكر استدلال الإمام أبي حنيفة بدليل الفطرة ٣، وتنوعت أدلة العلو من الكتاب والسنة أوصلها العلامة ابن القيم إلى عشرين نوعا منها:
١- التصريح بالفوقية مقرونا بأداة "من" المعينة للفوقية بالذات في قوله تعالى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ "سورة النحل: الآية٥٠".