← Акыда

Акыда · id 7509

أصول الدين عند الإمام أبي حنيفة

محمد بن عبد الرحمن الخميس

Полный текст (640 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

صفة من صفات الله تعالى ألا وهي صفة العلو؛ حيث قال: "والله تعالى يُدعى من أعلى لا من أسفل لأن الأسفل ليس من وصف الربوبية والألوهية في شيء ... " ١. فالنفوس فطرت على أن الله تعالى في العلو لا في السُّفل. واستدل الإمام على ذلك بحديث الجارية التي أجابت النبي ﷺ حينما سألها "أين الله؟ قالت في المساء" ٢. فأجابت بما وقر في فطرتها وجبلت عليه من أن الله في العلو؛ فأقرها النبي ﷺ وأمر بإعتاقها، ووصفها بأنها مؤمنة. هذه دلالة الفطرة على وجود الخالق ومعرفته، ويلاحظ أن هذه الدلالة ترتكز على نوعي الآيات في الأنفس الآفاق. ولقد لفت القرآن أنظار العباد إلى ذلك في مواضع

стр. 212

كثيرة؛ فيحسن تفصيل القول في دلالة هذه الآيات. ١- أما دلالة الأنفس فمثالها قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ﴾ "سورة المؤمنون: الآيات من ١٢-١٥". فهذه الآيات تلفت نظر الإنسان إلى أنه كان نطفة في الرحم فصارت النطفة علقة ثم مضغة ثم لحما وعصبا وعظاما وأعضاء وحواس. ثم يخرج بعد تلك الأطوار بشرا سويا صوِّر على أحسن صورة وخلق على أحسن خلقة، ثم تتعاقب عليه الأحوال من كبر وصغر، وضعف وقوة، وجهل وعلم، ومرض وصحة، ثم الموت والفناء لكل حي فلا بد لهذه التغيرات من مغير عالم قادر حكيم. وفي هذا المعنى يروي عن الإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى أنه سئل: ما الدليل على الصانع؟ فأجاب: أعجب دليل النطفة التي في الرحم والجنين في البطن، يخلقه الله في ظلمة البطن وظلمة الرحم وظلمة المشيمة ... فلما رأينا امرأة تلد مرة ذكرا ومرة أنثى ومرة توأمين وطورا ثلاثة. وتريد أن تلد فلا تلد، وتريد ألا تلد فتلد، وتريد الذكر فيكون الأنثى، وتريد الأنثى فيكون الذكر، على خلاف اختيار الأبوين؛ فعرفنا قطعا قدرة قادر عالم حكيم" ١.

стр. 213

٢- وأما دلالة الآفاق فمثالها قوله تعالى: ﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْأِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ "سورة الغاشية: الآيات من ١٧-٢٠". فهذه الآيات تحث الإنسان على التأمل والتفكر في المخلوقات العظيمة التي نراه ونشاهدها في عالمنا هذا من سماء مرفوعة وأرض مبسوطة وجبال منصوبة وغيرها مما خلق الله. قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ "سورة البقرة: الآية ١٦٤". وقال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآياتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ "سورة آل عمران: الآيتان ١٩٠-١٩١". فلو تأمل الإنسان هذه المخلوقات، وتأمل صنعهما وإتقانهما، لدلّته وأرشدته إلى أن هناك خالقا لهذه المخلوقات مدبرا لهذه الأكوان، وأنه حكيم عليم. وهذه الدلالة استدل بها الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى حينما أراد قوم من الملاحدة البحث معه في تقرير الربوبية؛ فقال لهم: ""أخبروني قبل أن نتكلم في هذه المسألة عن سفينة في دجلة تذهب فتمتلئ من الطعام والمتاع وغيره في نفسها، وتعود بنفسها وترجع، كل ذلك من غير أن يدبرها أحد؟ فقالوا: هذا محال لا يمكن أبدا، فقال لهم: إذا كان هذا

стр. 214

محالا في سفينة، فكيف في هذا العالم كله علوه وسفله؟ ... " ١. وقد تقدم قول الإمام أبي حنيفة وفيه: " ... لما يرى من خلق السموات والأرض وخلق نفسه وسائر خلق ربه". فجمع الإمام أبو حنيفة في كلامه هذا بين دلالتي الأنفس والآفاق. وهذا المسلك الذي سلكه الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى في الاستدلال على الله تعالى بمخلوقاته وآثاره فطري لا يحتاج إلى تعليم واكتساب، يعرفه الحضري في حاضرته، والبدوي في باديته، لا يختلف فيه اثنان، بل قد استدل به الأعرابي حينما سئل عن الله فقال: "البعرة تدل على البعير، والأثر يدل على المسير، ليل داج، ونهار ساج، وسماء ذات أبراج، أفلا تدل على الصانع الخبير" ٢. وهو كذلك مسلك شرعي دعا إليه القرآن كما في قوله تعالى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ "سورة الذاريات: الآيتان ٢٠-٢١". فالأرض وما فيها من جبال وأنهار وأشجار ونبات تدل المتفكر فيها المتأمل لمعانيها على عظمة خالقها وسعة سلطانه وكذلك في نفس العبد من العبر والحكمة ما يدل على أن له خالقا حكيما. فالبشر على كثرتهم، خلقهم الله من نفس واحدة هي نفس آدم، قال تعالى: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ "سورة الزمر: الآية٦".

стр. 215

أما كيفية خلقهم فهو طور بعد طور، نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم عظاما، خلقهم في مكان ضيق، في بطون أمهاتهم، في ظلمات ثلاث. فإذا تقرر أن الله واحد في خلقه وملكه لا شريك له؛ فهو واحد في ألوهيته لا شريك له. هذا وقد ذكر الله تعالى دلالتي الأنفس والآفاق في آية واحدة كما قال تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ "سورة فصلت: الآية٥٣". يقول مؤلف كتاب إيثار الحق على الخلق شارحا الآية وما تدل عليه من معان: "وقد جمع الله تعالى دلالتي النفوس والآفاق في ـ هذه الآية ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا﴾ الآية ـ وذلك أنا نعلم بالضرورة وجودنا أحياء قادرين ناطقين سامعين مبصرين مدركين بعد أن لم نكن شيئا، وأن أول وجودنا كان نطفة قذرة مستوية الأجزاء والطبيعة غاية الاستواء بحيث يمتنع في عقل كل عاقل أن يكون منها خلق بغير صانع حكيم" إلى أن قال: "وبيانه أنه خلق من نطفة قذرة مستوية الطبيعة فكيف يكون منها ما يبصر، ومنها ما يسمع، ومنها ما يطعم، ومنها ما يشم، ومنها الصلب ومنها الرخو، ومنهم من يمشي على بطنه، ومنهم من يمشي على رجلين، ومنهم من يمشي على أربع، كما نبّه الله عليه في كتابه الكريم. ونعلم أنها قد تغيرت بنا الأحوال وتنقلت بنا الأطوار تنقّلا عجيبا، فكنا نطفة ثم علقة ثم مضغا ودما ثم عظاما صلبة متفرقة في ذلك اللحم والدم وتقويهما وعصبا رابطة بين تلك العظام صالحة لذلك الربط لما فيها من القوة والمتانة، ثم تركب من ذلك آلات وحواس حية موافقة للمصالح..ثم انظر إلى موضع العينين ما أشبهها بهما بعيدا مما يؤذيها مرتفعا للتمكن من إدراك المبصرات في الوجه الذي لا يحتاج إلى تغطية باللباس من الجمال البديع فيهما، ولو

стр. 216

كان في الرأس أو في الظهر أو في البطن أو غير ذلك ما تمت الحكمة ولا النعمة بهما, وكذلك كل عضو في مكانه ... وأما دلالة الآفاق فما يحدث ويتجدد في العالم من طلوع القمرين والكواكب وغروبها عند دوران الأفلاك الدائرات والسفن الجاريات والرياح الذاريات ... وكذلك تغير أحوال الهواء بالغيوم والصواعق والبروق العجيبة المتتابعة المختلطة بالغيوم الثقال، الحاملة للماء الكثير المطفئ بطبعه للنار المضادة له، وما في الجمع بينهما وإنشائها وإنزال الأمطار منها بالحكمة البالغة ... ثم ما في اختلاف الليل والنهار والفصول والأحوال ... " ١. فالمقصود أن الدلالات الدالة على تفرد الله بالربوبية والخلق والتدبير كثيرة، وبالجملة هذا النوع من التوحيد لا ينكره أحد إلا مكابر معاند، ومن المعلوم أن من اعترف بوجود الله من غير إفراد له بالعبادة فإن إيمانه هذا لا ينفعه، بل لا بد مع هذا الإقرار أن يجرد التوحيد لله وحده. وسيأتي بيان ذلك في الفصل الآتي.

стр. 217

الفصل الثاني: توحيد الألوهية وفيه مبحثان: المبحث الأول: تقرير توحيد الألوهية عند السلف. المبحث الثاني: عقيدة الإمام أبي حنيفة في التوسل إلى الله.

стр. 218

المبحث الأول: تقرير توحيد الألوهية عند السلف ويشتمل على المطالب التالية: المطلب الأول: معنى توحيد الألوهية وخصائصه ١- توحيد الألوهية لغة توحيد الألوهية مركب من كلمتين: التوحيد وقد تقدم، أما الألوهية فهي لفظ منسوب إلى الإله، والإله كفعال، بمعنى مألوه، وكل ما اتخذ معبودا إله عند متخذه، وإله جعلوه اسما لكل معبود له..وأَلِه فلان يأله عَبَد، وقيل تأله فالإله على هذا هو المعبود ١. أَلِه بالفتح إلهة أي عبد عبادة ... إله على فِعال بمعنى مفعول لأنه مألوه أي معبود كقولنا إمام فعال بمعنى مفعول لأنه مؤتم به ٢ ومنه قرأ ابن عباس ﵄: ﴿وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾ "سورة الأعراف: الآية١٢٧".

стр. 219

بكسر الهمزة قال وعبادتك ١. والتأله التنسك والتعبد قال رؤبة ٢: لله در الغانيات المده سبّحن واسترجعن من تألّهي ٣ وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "والإله المألوه الذي تألهه القلوب، وكونه يستحق الألوهية مستلزم لصفات الكمال، فلا يستحق أن يكون معبودا محبوبا لذاته إلا هو، وكل عمل لا يراد به وجهه فهو باطل، وعبادة غيره وحب غيره يوجب الفساد كما قال تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَْ﴾ "سورة الأنبياء:٢٢" ٤. هذا هو معنى الإله لغة وشرعا. أما عند أهل الكلام فالإله هو القادر على الاختراع والإيجاد، فيكون معنى لا إله إلا الله عندهم لا قادر على الاختراع إلا الله. وفي ذلك يقول أحمد بن موسى الخيالي ٥ في شرح كلام

стр. 220

التفتازاني ١: "قوله لو أمكن إلهان أي صانعان قادران على الكمال بالفعل أو بالقوة" ٢. قلت: هذا تفسر لصفة الألوهية بصفة الربوبية، وهذا خطأ ظاهر فلم يأت الإله بمعنى المخترع لا في كتاب الله ولا في لسان العرب، ولم يقله أحد من أئمة اللغة المعروفين المعتبرين. وإنما أتى الإله في القرآن بمعنى المعبود، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ "سورة ص: الآية٥". وقوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزّاً كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً﴾ "سورة مريم: الآيتان ٨١-٨٢". وقوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرّاً وَلا نَفْعاً وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلا حَيَاةً وَلا نُشُوراً﴾ "سورة الفرقان: الآية٣". وقوله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئاً وَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ "سورة النحل: الآية٧٣". وقوله تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾ "سورة هود: الآية١٠١".

стр. 221

وقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ "سورة الزمر: الآية ٣٨". فالمشركون مقرّون بأن الله هو الذي خلق السموات والأرض، وأنه لا يقدر على الخلق والرزق والإحياء والإماتة إلا الله ومع ذلك لم يصيروا به مسلمين موحدين بل كانوا مع هذا الإقرار مشركين. وفي ذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية عن أهل الكلام: "يجعلون معنى الإلهية القدرة على الاختراع، ومعلوم أن المشركين من العرب الذين بعث إليهم محمد ﷺ لم يكونوا يخالفونه في هذا، بل كانوا يقرون بأن الله خالق كل شيء حتى إنهم كانوا مقرين بالقدر وهم مع هذا مشركون" ١. ويقول كذلك: "وليس المراد بالإله هو القادر على الاختراع كما ظنه من ظنه من أئمة المتكلمين؛ حيث ظن أن الألوهية هي القدرة على الاختراع، وأن من أقر بأن الإله هو القادر على الاختراع دون غيره فقد شهد أن لا إله إلا الله، فإن المشركين كانوا يقرون بهذا وهم مشركون كما تقدم بيانه. بل الإله الحق هو الذي يستحق أن يعبد، فهو إله بمعنى مألوه لا إله بمعنى آله، والتوحيد أن يعبد الله وحده لا شريك له، والإشراك أن يجعل مع الله إلها آخر" ٢.

стр. 222

وكذا في لغة عرب الجاهلية لم يأت الإله عندهم إلا بمعنى المعبود، وهو شامل للإله الحق وهو الله، والآلهة الباطلة التي يعبدونها من دون الله. وفي ذلك يقول الزمخشري: "والإله من أسماء الأجناس ـ كالرجل والفرس ـ اسمٌ لما يقع على كل معبود بحق أو باطل ثم غلب على المعبود بحق" ١. وقد تقدم قول الفيروزآبادي ٢: "إله كفِعال بمعنى مألوه وكل ما اتخذ معبودا إله عند متخذه" ٣. نعم الإله الحق لا بدّ أن يكون خالقا قادرا على الاختراع، ومن لم يكن كذلك فليس بإله حقا وإن سمِّي إلها. إذن فمعنى لا إله إلا الله لا معبود بحق إلا الله، وليس معناها لا خالق ولا صانع إلا الله، لكنها تتضمن هذا المعنى. وكذلك ليس معناها لا معبود موجود إلا الله؛ لأن هذا يكذبه الواقع وهو وجود معبودات كثيرة بالباطل. ٢- توحيد الألوهية اصطلاحا توحيد الألوهية هو العلم والاعتراف بأن الله ذو الألوهية على خلقه أجمعين، وإفراده وحده بالعبادة كلها وإخلاص الدين لله وحده.

стр. 223

فحقيقته إخلاص التألّه لله تعالى من المحبة والخوف والرجاء والتوكل والرغبة والرهبة وسائر أنواع العبادة لله تعالى ١. كما قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ "سورة البينة: الآية٥". ويستحسن في هذه المناسبة أن أذكر أبياتا لابن القيم ضمنها تعريف توحيد العبادة وما يشترط له وهي من الكافية الشافية ٢. قال رحمه الله تعالى: هذا وثاني نوعي التوحيد تو حيد العبادة منك للرحمن فلا تكون لغيره عبدا ولا تعبد بغير شريعة الإيمان فتقوم بالإسلام والإيمان وا لإحسان في سرٍّ وفي إعلان والصدق والإخلاص ركنا ذلك التوحيد كالركنين للبنيان وحقيقة الإخلاص توحيد المرا دِ فلا يزاحمه مرادٌ ثان لكن مرادُ العبد يبقى واحدا ما فيه تفريق لدى الإنسان إن كان ربك واحدا سبحانه فاخصصه بالتوحيد مع إحسان أو كان ربك واحدا أنشاك لم يشركه إذ أنشاك ربٌّ ثان فكذا أيضا وحده فاعبده لا تعبد سواه يا أخا العرفان والصدق توحيد الإرادة وهو بذ لُ الجهد لا كسلا ولا متوان والسنة المثلى لسالكها فتو حيد الطريق الأعظم السلطان فلواحد كن واحدا في واحد أعني سبيل الحق والإيمان

стр. 224

هذي ثلاث مسعدات للذي قد نالها والفضل للمنان فإذا هي اجتمعت لنفس حرةٍ بلغت من العلياء كل مكان ٣- خصائص توحيد الألوهية "أ" أنه الغاية من خلق الثقلين الجن والإنس، كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ "سورة الذاريات: الآية٥٦". فتوحيد العبادة غاية محبوبة لله تعالى، لأجلها خلق الثقلين. "ب" إنه المقصود الأعظم من إرسال الرسل، وإنزال الكتب، وهو مفتاح دعوتهم، وزبدة رسالتهم. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ "سورة النحل: الآية ٣٦". قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ "سورة الأنبياء: الآية٢٥". وأخبر عن رسله نوح، هود، صالح، شعيب، أنهم قالوا لقومهم: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ " ١. "ج" أنه أول واجب على المكلف فإن توحيد الألوهية هو معنى لا إله إلا الله، وهي أول دعوة الرسل. قال ابن أبي العز الأذرعي الحنفي: "ولهذا كان الصحيح أن أول

стр. 225

واجب على المكلف شهادة أن لا إله إلا الله، لا النظر ولا القصد إلى النظر، ولا الشك كما هي أقوال أرباب الكلام المذموم، بل أئمة السلف كلهم متفقون أن أول ما يؤمر به العبد الشهادتان ... " ١. "د" أن الشارع احتاط لهذا التوحيد أعظم الحيطة عن كل قول وفعل وقصد يكون شركا أو وسيلة إلى الشرك كالرياء والحلف بغير الله والطيرة وبناء المساجد على القبور، والعكوف عندها. وكذلك الألفاظ التي توهم النِّدِّيَّةَ بين الله وبعض خلقه كقول القائل: ما شاء الله وشاء فلان. روى حذيفة بن اليمان عن النبي ﷺ أنه قال: "لا تقولوا ما شاء الله وشاء فلان، ولكن قولوا: ما شاء الله ثم شاء فلان" ٢.

стр. 226

المطلب الثاني: في "المراد بالعبادة " تقدم أن المراد بتوحيد الألوهية هو إفراد الله بالعبادات كلها، وأن من أسماء هذا التوحيد توحيد العبادة. فلا بد من الكلام على العبادة وهو يشمل الفقرات التالية:

стр. 227

١- معناها معنى العبادة لغة هو التذلل والخضوع. قال الراغب الأصفهاني: "العبودية إظهار التذلل، والعبادة أبلغ منها لأنها غاية التذلل" ١. وقال الجوهري: "العبادة الطاعة، والتعبد التنسك ... وأصل العبودية الخضوع والذل" ٢. وقال ابن الأنباري: "فلان عابد؛ وهو الخاضع لربه المستسلم لقضائه المنقاد لأمره" ٣. وقال ابن جرير: "العبودية عند جميع العرب أصلها الذلة، وأنها تسمي الطريق المذلل الذي قد وطئته الأقدام وذللته السابلة معبَّد" ٤. هذا ما قاله أهل اللغة في كتبهم حول معنى العبادة؛ فنجد عباراتهم تكاد تكون متطابقة. أما معنى العبادة في الاصطلاح: فهي توحيد الله بالذل والخضوع مع كمال المحبة والطاعة. قال ابن جرير الطبري في تفسير قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ "سورة الفاتحة: الآية٥". "أي لك اللهم نخشع ونذل ونستكين؛ إقرارا لك يا ربنا بالربوبية لا لغيرك".

стр. 228

وروي عن ابن عباس ﵄ قوله: "إياك نوحد ونخاف ونرجو يا ربنا لا غيرك ١ ... " ٢. وقال الأزهري: "وقوله: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ "سورة البقرة: الآية ٢١". أي أطيعوا ربكم وقيل في قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ إياك نوحد والعابد الموحد" ٣. وقال البغوي ٤ في قوله تعالى: " ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ "سورة الفاتحة: الآية ٥". "أي نوحدك ونطيعك خاضعين، والعبادة الطاعة مع التذلل. وسمي العبد عبدا لذلته وانقياده يقال: طريق معبد أي مذلل" ٥. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "العبادة المأمور بها تتضمن معنى الذل ومعنى الحب، فهي تتضمن غاية الذل لله بغاية المحبة له، ومن خضع

стр. 229

لإنسان مع بغضه له لا يكون عابدا له، ولو أحب شيئا ولم يخضع له لم يكن عابدا له، كما يحب الرجل ولده وصديقه. ولهذا لا يكفي أحدهما في عبادة الله تعالى، بل يجب أن يكون الله أحب إلى العبد من كل شيء، وأن يكون الله أعظم عندهم من كل شيء، بل لا يستحق المحبة والذل التام إلا الله. وكل ما أُحبّ لغير الله فمحبته فاسدة وما عظم بغير أمر الله فتعظيمه باطل" ١. ويطلق اسم العبادة على الأعمال الشرعية التي تُفعل تقربا إلى الله. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "العبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة" ٢. ٢- شروطها العبادة الشرعية لا تكون مقبولة عند الله ومرضية إلا أن تتوفر فيها ثلاثة أصول، وإلا فهي مردودة على صاحبها غير مقبولة. وفي بيان تلك الأصول الثلاثة يقول صاحب كتاب أضواء البيان: "اعلم أولا أن القرآن العظيم دل على أن العمل الصالح هو ما استكمل ثلاثة أمور: الأول: موافقته لما جاء به النبي ﷺ لأن الله يقول: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ

стр. 230

فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ "سورة الحشر: الآية٧". الثاني: أن يكون خالصا لله تعالى لأن الله جلّ وعلا يقول: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ "سورة البينة: الآية٥". ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي﴾ "سورة الزمر: الآية ١٤". ﴿فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ "سورة الزمر: الآية ١٥". الثالث: أن يكون مبنيا على أساس العقيدة الصحيحة؛ لأن الله يقول: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ "سورة النحل: الآية٩٧". فقيد ذلك بالإيمان ومفهوم مخالفته أنه لو كان غير مؤمن لما قبل منه ذلك العمل الصالح. وقد أوضح جلّ وعلا هذا المفهوم في آيات كثيرة كقوله في عمل غير المؤمن: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً﴾ "سورة الفرقان: الآية٢٣". وقوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ "سورة هود: الآية١٦". وقوله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ "سورة النور: الآية٣٩". وقوله: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ

стр. 231

عَاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ﴾ "سورة إبراهيم: الآية١٨ ... "١. ٣- أنواعها تقدم أن معنى العبادة معنى شامل للأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة فمنها العبادة القولية، ومنها العبادة العملية، ومنها العبادة الاعتقادية، فبحكم هذا التنوع تكون العبادة موزعة على القلب واللسان والجوارح، فلكل من هذه الجهات نصيب من العبادة. فالعبادة الاعتقادية: مثل اعتقاد أن الله رب كل شيء وخالقه، ومالكه له الخلق والأمر وبيده النفع والضر وأنه لا شريك له ولا كفء ولا ند له وأنه لا معبود بحق غيره. وكذا حب الله ورجاؤه والخوف والخشوع والإنابة والتوكل وإخلاص العمل لله وحده، فهذه المطالب هي نصيب القلب من العبادة. العبادة القولية: مثل النطق بالشهادتين وتلاوة القرآن في الصلاة وفي غيرها والتلفظ بالأذكار الواردة في الصلاة، والحج، ومثل الدعاء، والثناء والحمد والشكر، والاستغفار، وصدق الحديث، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر. فهذه المطالب هي نصيب اللسان من العبادة. العبادة العملية: مثل الصلوات الخمس، وما يتعلق بها وسائر أركان الإسلام من زكاة

стр. 232

وصيام وحج، وكذا الجهاد العملي لأعداء الإسلام، وسائر الواجبات المندوبات. فهذه المطالب هي نصيب الجوارح من عبادة الله تعالى ١. وبها البيان يتضح لنا شمول العبادة لحياة المسلم كلها المتضمنة لأقواله وأفعاله الظاهرة والباطنة وما ينطوي عليه ضميره من نية وقصد.

стр. 233

المطلب الثالث: ما يناقض توحيد الألوهية تقدم أن جميع الأنبياء والرسل كان أول دعوتهم إلى عبادة الله وحده والبراءة من الشرك بأنواعه وألوانه وصوره. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ " سورة النحل: الآية٣٦". ولقد جاء الرسول محمد ﷺ بالتوحيد والنهي عن الشرك، وحذر منه أبلغ التحذير. قال ﵊ لمعاذ بن جبل: "حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا " ٢. وسئل ﵊ أي الذنب أعظم عند الله؟ فقال: "أن تجعل لله ندا وهو خلقك " ٣. وقد أخبر الله بأن كل ذنب يغفره إن شاء ما عدا الشرك:

стр. 234

قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً﴾ "سورة النساء: الآية٤٨". وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ "سورة المائدة: الآية٧٢". قال ابن كثير: "أخبر تعالى أنه لا يغفر أن يشرك به، أي لا يغفر لعبد لقيه وهو مشرك به، ويغفر ما دون ذلك أي من الذنوب لمن يشاء، أي من عباده" ١. وقال صاحب تيسير العزيز الحميد: "وإنما كان كذلك لأنه أقبح القبح، وأظلم الظلم، إذ مضمونه تنقص رب العالمين، وصرف خالص حقه لغيره وعدل غيره به. قال تعالى: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ "سورة الأنعام: الآية١". ولأنه مناقض للمقصود بالخلق والأمر، مناف له من كل وجه، وذلك غاية المعاندة لرب العالمين، والاستكبار عن طاعته، والذل له والانقياد لأمره الذي لا صلاح للعالم إلا بذلك. فمتى خلا منه خرب العالم وقامت القيامة كما قال ﷺ : "لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض الله الله "٢. ولأن الشرك تشبيه للمخلوق بالخالق تعالى وتقدس، في خصائص الألوهية من ملك الضر والنفع والعطاء والمنع الذي يوجب تعلق الدعاء

стр. 235

والخوف والرجاء والتوكل وأنواع العبادة كلها لله وحده، فمن علق شيئا من ذلك لمخلوق فقد شبهه بالخالق" ١. فعلى كل مسلم ـ يريد أن يخلص نفسه وينجيها من الوقوع فيما ينافي ويناقض شهادته بأنه لا إله إلا الله ـ أن يعرف التوحيد من الشرك معرفة تامة، وأن يميز بين الحق والباطل، والهدى والضلال، فمن لا يميز بين ما هو من الإسلام وما ليس منه فقد اختلط عليه الأمر، والنتيجة التي تحصل منها انتقاض إسلامه وجهل مقاصد دينه الذي أهم مقصد فيه على الإطلاق توحيد الباري جل وعلا والبراءة من الإشراك به. قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى شارحا ما يروى عن أمير المؤمنين عمر بن بالخطاب ﵁: "إنما تنقض عرى الإسلام عروة عروة إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية" "وهذا لأنه إذا لم يعرف الجاهلية والشرك، وما عابه القرآن وذمه وقع فيه وأقره ودعا إليه وصوبه وحسنه، وهو لا يعرف أنه هو الذي كان عليه أهل الجاهلية أو نظيره أو شر منه أو دونه، فينقض بذلك عرى الإسلام عن قلبه ويعود المعروف منكرا، والمنكر معروفا، والبدعة سنة، والسنة بدعة، ويكفر الرجل بمحض الإيمان، وتجريد التوحيد، ويبدع بتجريد متابعة الرسول ﷺ ومفارقة الأهواء والبدع، ومن له بصيرة وقلب حي يرى ذلك عيانا والله المستعان" ٢. ثم الشرك أقسام: شرك أكبر: وهو مناف للتوحيد بالكلية ومخرج من الملة لا يغفره الله إلا بالتوبة منه وجزاؤه الخلود في النار إذا مات عليه.

стр. 236

قال ابن القيم في بيان الشرك الأكبر: "وهو أن يتخذ من دون الله ندا يحبه كما يحب الله، وهو الشرك الذي يتضمن تسوية آلهة المشركين برب العالمين، ولهذا قالوا لآلهتهم في النار: ﴿إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ "سورة الشعراء: الآية٩٨". مع إقرارهم بأن الله وحده خالق كل شيء وربه ومليكه، وأن آلهتهم لا تخلق ولا ترزق ولا تحيي ولا تميت، وإنما كانت هذه التسوية في المحبة والتعظيم والعبادة ... " ١. وفصَّل الشيخ عبد الرحمن ٢ بن حسن آل الشيخ أنواع الشرك الأكبر فقال: وهو أربعة أنواع: النوع الأول: شرك الدعوة أي الدعاء، والدليل قوله تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ "سورة العنكبوت: الآية٦٥". النوع الثاني: شرك النية والإرادة والقصد، والدليل قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ﴾ "سورة هود: الآية١٥".

стр. 237

النوع الثالث: شرك الطاعة، والدليل قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ "سورة التوبة: الآية٣١". وتفسيرها الذي لا إشكال فيه طاعة العلماء والعُبّاد في المعصية لا دعاؤهم إياهم، كما فسره النبي ﷺ لما سأله ـ عدي بن حاتم ـ فقال: "لسنا نعبدهم" فذكر له: "أن عبادتهم طاعتهم في المعصية"١. النوع الرابع: شرك المحبة، والدليل على قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ﴾ "سورة البقرة: الآية١٦٥" ٢. أما القسم الثاني من أقسام الشرك فهو الأصغر، وإنما قيل عنه كذلك لأنه لا يخرج من الملة بخلاف الأكبر. قال ابن القيم ﵀ في كلامه على هذا القسم: "وأما الشرك الأصغر: فكيسير الرياء، والتصنع والحلف بغير الله كما ثبت عن النبي ﷺ

стр. 238

أنه قال: "من حلف بغير الله فقد أشرك " ١ وقول الرجل للرجل: "ما شاء الله وشئت" و"هذا من الله ومنك" و"أنا بالله وبك" و"ومالي إلا الله وأنت" و"أنا متوكل على الله وعليك" , و"لولا أنت لم يكن كذا وكذا". وقد يكون هذا شركا أكبر بحسب قائله ومقصده. وصح عن النبي ﷺ أنه قال لرجل قال له: "ما شاء الله وشئت" "أجعلتني لله ندا؟ قل: ما شاء الله وحده" ٢. وهذا اللفظ أخف من غيره من الألفاظ" ٣.

стр. 239

هذا هو الشرك بقسميه فواجب على المسلم أن يحذر من الوقوع فيه حفاظا على عقيدته وتوحيده.

стр. 240

المطلب الرابع: أقوال لأبي حنيفة وبعض١ أتباعه تتعلق بالشرك وأنواعه ووسائله جاء عن الإمام أبي حنيفة وبعض أتباعه النهي عن أنواع من الشرك الأكبر والأصغر. كالدعاء، والاستغاثة بغير الله ٢، والسجود لغير الله ٣، والنذر لغير الله ٤، والذبح لغير الله ٥. واعتقاد أن الأولياء لهم تصرف ٦ في الكون مع الله، أو اعتقاد أن

стр. 241

أحدا يعلم الغيب ١. والحلف بغير الله ٢. قال الإمام أبو حنيفة: "لا يحلف إلا بالله متجردا بالتوحيد والإخلاص" ٣. وقال ابن نجم الحنفي عمن حلف بغير الله: "ويخاف الكفر على من قال بحياتي وحياتك" ٤. وقال محمد علاء الدين الحصكفي فيمن نذر لغير الله: "واعلم أن النذر الذي يقع للأموات من أكثر العوام، وما يؤخذ من الدراهم والشمع والزيت ونحوها إلى ضرائح الأولياء الكرام؛ تقربا إليهم هو بالإجماع باطل وحرام ... " ٥. قال ابن عابدين شارحا هذا النص: "قوله: تقربا إليهم، كأن يقول: يا سيدي فلان إن ردّ غائبي أو عوفي مريضي أو قُضيت حاجتي؛ فلك من الذهب أو الفضة أو من الطعام أو من الشمع أو الزيت كذا قوله: "باطل وحرام" لوجوه منها أنه: نذر لمخلوق، والنذر لمخلوق لا يجوز؛ لأنه عبادة، والعبادة لا تكون لمخلوق. ومنها أن المنذور له ميت والميت لا يملك ... "٦. وقال الألوسي واصفا حال المستغيثين بغير الله وتعلقهم الشديد بالأموات؛ حيث صرفوا لهم أنواعا من الطاعات كالنذر وغيره: "ويستغيثون

стр. 242

بهم في الشدة ـ أي الأولياء ـ غافلين عن الله تعالى، وينذرون لهم النذور، والعقلاء منهم يقولون إنهم وسائلنا إلى الله تعالى، وإنما ننذر لله ، ونجعل ثوابه للولي. ولا يخفى أنهم في دعواهم الأولى أشبه الناس بعبدة الأصنام القائلين: إنما نعبدهم ليقربونا إلى الله زلفى. ودعواهم الثانية لا بأس بها لو لم يطلبوا منهم بذلك شفاء مريضهم أو ردّ غائبهم أو نحو ذلك. والظاهر من حالهم الطلب، ويرشد إلى ذلك أنه لو قيل انذروا لله تعالى واجعلوا ثوابه لوالديكم فإنهم أحوج من أولئك الأولياء لم يفعلوا. ورأيت كثيرا منهم يسجد على أعتاب حُجَر قبور الأولياء، ومنهم من يثبت التصرف لهم جميعا في قبورهم. لكنهم متفاوتون فيه حسب تفاوت مراتبهم. والعلماء منهم يحصرون التصرف في القبور في أربعة أو خمسة وإذا طولبوا بالدليل قالوا: ثبت ذلك بالكشف. قاتلهم الله تعالى، ما أجهلهم وما أكثر افتراءاتهم. ومنهم من يزعم أنهم يخرجون من القبور ويتشكلون بأشكال مختلفة. وعلماؤهم يقولون إنما تظهر أرواحهم متشكلة، وتطوف حيث شاءت، وربما تشكلت بصورة أسد أو غزال أو نحوه. وكل ذلك باطل لا أصل له في الكتاب والسنة وكلام السلف الأمة. وقد أفسد هؤلاء على الناس دينهم، وصاروا ضحكة لأهل الأديان المنسوخة من اليهود والنصارى ... " ١. ويقول كذلك: "وقد رأينا كثيرا من الناس ... يهشون لذكر الأموات؛ يستغيثون بهم، ويطلبون منهم، ويطربون من سماع حكايات كاذبة عنهم

стр. 243

توافق أهواءهم واعتقادهم فيهم، ويعظمون من يحكي لهم ذلك، وينقبضون من ذكر الله تعالى وحده ونسبة الاستقلال بالتصرف إليه ... وينفرون ممن يفعل ذلك كل النفرة، وينسبونه إلى ما يكره. وقد قلت يوما لرجل يستغيث في شدة ببعض الأموات وينادي يا فلان أغثني قلت له: قل: يا الله فقد قال سبحانه: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ "سورة البقرة: الآية١٨٦". فغضب وبلغني أنه قال: فلان منكر على الأولياء. وسمعت بعضهم أنه قال: "الولي أسرع إجابة من الله "، وهذا من الكفر بمكان، نسأل الله تعالى أن يعصمنا من الزيغ والطغيان ... " ١. وكذا ورد عن أبي حنيفة وبعض أتباعه النهي عما هو من وسائل الشرك، كتجصيص ٢ القبور وتعليتها٣، والكتابة عليها ٤، والبناء

стр. 244

عليها ١، واتخاذها مساجد ٢، إسراجها ٣، واستقبالها للدعاء ٤. قال محمد محيي الدين بن محمد الكندهلوي الحنفي: "وأما اتخاذ المساجد عليها فلما فيه من الشبه باليهود باتخاذهم مساجد على قبور أنبيائهم وكبرائهم، ولما فيه من تعظيم الميت وشبه بعبدة الأصنام ... وأما اتخاذ السُرُج عليها، فمع ما فيه من إسراف في ماله المنهي عنه بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً﴾ "سورة الإسراء: الآية٢٧". ففيه تشبه باليهود، فإنهم كانوا يسرجون المصابيح على قبور كبرائهم وتعظيم للقبور واشتغال بما لا يعنيه ... " ٥. وقال الألوسي الحنفي: "ولقد رأيت من يبيح ما يفعله الجهلة في قبور الصالحين من إشرافها وبنائها بالجص والآجر وتعليق القناديل عليها والصلاة إليها والطواف بها واستلامها والاجتماع عندها في أوقات مخصوصة إلى غير ذلك...وكل ذلك محادة لله تعالى ورسوله ﷺ وإبداع

стр. 245

دين لم يأذن به الله ... ويكفيك في معرفة الحق تتبع ما صنع أصحاب رسول الله ﷺ في قبره ﵊، وهو أفضل قبر على وجه الأرض ... والوقوف على أفعالهم في زياراتهم له، والسلام عليه، ﵊. فتتبع ذاك وتأمل وما هنا وما هناك والله يتولى هداك ... " ١. هذا وقد صح عن النبي ﷺ النهي عن هذه الأمور، فقد روى مسلم عن جندب بن عبد الله قال: سمعت النبي ﷺ قبل أن يكون بخمس، وهو يقول: "إني أبرأ إلى الله أن يكون لبي منكم خليل، فإن الله تعالى قد اتخذني خليلا، كما اتخذ إبراهيم خليلا، ولو كنت متخذا من أمتي خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد إني أنهاكم عن ذلك" ٢. وروى عن جابر بن عبد الله قال: "نهى رسول الله ﷺ أن يجصص القبر، وأن يُقعد عليه، وأن يُبنى عليه" ٣.

стр. 246

وروي عن أبي الهياج الأسدي ١ قال: " قال علي بن أبي طالب: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ ؟ ألا تدع تمثالا إلا طمسته، ولا قبرا مشرفا إلا سوّيته" ٢. وروى البخاري ومسلم عن عائشة وابن عباس ﵄ قالا: لما نُزل برسول الله ﷺ ، طفق ٣ يطرح خميصة ٤ له على وجهه، فإذا اغتم كشفها عن وجهه. فقال، وهو كذلك: "لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" يحذر مثل ما صنعوا ٥.

стр. 247

المبحث الثاني: عقيدة الإمام أبي حنيفة في التوسل إلى الله التوسل إلى الشيء في عرف أهل اللسان: هو التقرب إليه، واستعمال السبب الموصل إليه، وهو الوسيلة. قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ "سورة المائدة: الآية٣٥". قال ابن جرير في تفسير هذه الآية: "الوسيلة هي الفعيلة من قول القائل: توسلت إلى فلان بكذا بمعنى تقربت إليه ... وقوله: وابتغوا إليه الوسيلة يقول: واطلبوا القرب إليه بالعمل بما يرضيه" ١. وقال الجوهري: "الوسيلة: ما يتقرب به إلى الغير، والجمع الوسيل والوسائل، والتوسيل والتوسل واحد، يقال وسل فلان إلى ربه وسيلة وتوسل إليه بوسيلة أي تقرب إليه بعمل ... "٢.

стр. 248

أما التوسل في الشرع فهو خاص بالتقرب إلى الله تعالى. ويقسم العلماء التوسل إلى الله إلى قسمين: أولا ـ توسل مشروع. ثانيا ـ توسل ممنوع. فالتوسل المشروع ما قام عليه دليل من الشرع وهو ثلاثة أنواع: "أ" التوسل بأسماء الله الحسنى وصفاته العلا: وصفته أن يقول المسلم في دعائه: اللهم إني أسألك بأنك أنت الرحمن الرحيم اللطيف الخبير أن تعافيني. أو يقول: أسألك برحمتك التي وسعت كل شيء أن ترحمني وتغفر لي. ودليل مشروعية هذا التوسل من الكتاب قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ "سورة الأعراف: الآية١٨٠". ومن السنة حديث أنس بن مالك ﵁ وفيه: "أنه كان مع رسول الله ﷺ جالسا ورجل يصلي، ثم دعا: اللهم إني أسألك بأن لك الحمد، لا إله إلا أنت المنان بديع السموات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام، يا حي يا قيوم، فقال النبي ﷺ : "لقد دعا الله باسمه العظيم الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى" ١.

стр. 249

ويوجد في كلام أبي حنيفة ذكر هذا النوع من التوسل كما في قوله: "ولا ينبغي لأحد أن يدعو الله إلا به، والدعاء المأذون فيه المأمور به ما استفيد من قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ "سورة الأعراف: الآية١٨٠"١. أما النوعان الآخران للتوسل المشروع فلم أقف له على قول فيهما. "ب" التوسل بالعمل الصالح: وصفته كأن يقول المسلم في دعائه: اللهم بإيماني بك ومحبتي لك واتباعي لرسولك اغفر لي. ودليل مشروعية هذا التوسل من الكتاب قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ "سورة المائدة: الآية٣٥". وقوله جلّ وعلا: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُوراً﴾ "سورة الإسراء: الآية٥٧". وقوله جل وعلا: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ "سورة آل عمران:١٦". ومن السنة: قصة أصحاب الغار الثابتة في الصحيحين فقد توسلوا بأعمالهم الصالحة فتوسل أحدهم ببره لوالديه، والآخر

стр. 250

بعفته عن الفاحشة، والثالث بإحسانه إلى أجير كان عنده ١. "ج" التوسل بدعاء الصالحين: ودليل مشروعيته ما ورد في صحيح مسلم عن صفوان بن عبد الله بن صفوان قال: "قدمت الشام فأتيت أبا الدرداء في منزله فلم أجده، ووجدت أم الدرداء، فقالت: أتريد الحج العام؟ فقلت: نعم، فقالت: فادع الله لنا بخير. فإن النبي ﷺ كان يقول: "دعوة المرء المسلم لأخيه بظهر الغيب، مستجابة، عند رأسه ملك موكل، كلما دعا لأخيه بخير، قال الملك الموكل به، آمين، ولك بمثل" ٢. وقد كان الصحابة يتوسلون بدعاء النبي ﷺ في حياته ومنه قول الأعرابي حين أصابت سَنَة على عهد رسول الله ﷺ . قال يا رسول الله هلكت الأموال وانقطعت السبل، فادع الله أن يغيثنا، فرفع رسول الله ﷺ يديه ثم قال: "اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا ... " ٣.
следующие страницы →