← Акыда

Акыда · id 7509

أصول الدين عند الإمام أبي حنيفة

محمد بن عبد الرحمن الخميس

Полный текст (640 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

وهكذا الحال في المسكين والفقير إذا اجتمعا أو افترقا ١. ومن هنا يتبين لنا خطأ من قال: إن الإيمان غير الإسلام مطلقا وكذا خطأ من قال مطلقا: إن الإيمان هو الإسلام والصحيح: أن الإيمان إذا ذكر وحده يشمل الإسلام وكذا الإسلام إذا ذكر وحده يشمل الإيمان، وإذا ذكرا معا يراد من الإيمان العقائد، ويراد من الإسلام الأعمال كما في حديث جبريل ٢. وإذا عرف هذا تبين لك بطلان كلامهم هذا ٣. أما إلزامهم أن الأعمال لو كانت من الإيمان، لكان جبريل أتى لتلبيس الدين وكان النبي ﷺ قاصرا في الجواب. فنقول: إن جبريل ﵇ لم يأت لتلبيس الدين، ولم يكن النبي ﷺ قاصرا في الجواب، بل كان جبريل أتى لتعليم الدين وكان جواب النبي ﷺ في غاية الصواب والله المستعان. الدليل التاسع: قولهم: "إن ضد الإيمان هو الكفر، والكفر هو التكذيب والجحود ... ".

стр. 352

فالجواب عنه: قوله: "الكفر هو التكذيب والجحود" فيه نظر: لأنه لا شك أن التكذيب والجحود نوعان من الكفر، لكنهما ليسا جميع الكفر، والكفر أعم من التكذيب والجحود فلا يتحقق الكفر في صورة التكذيب والجحود فقط، بل الإعراض والمخالفة والمعاداة بلا تكذيب وجحود، مثل كفر أبي طالب فإنه لم يكذب ولم يجحد، ومع ذلك فهو كافر حيث أعرض عن الاعتراف بالحق، ولم يظهره. وأما قوله: "إن التكذيب والجحود يكونان بالقلب فكذا ما يضادهما وهو الإيمان يكون بالقلب". فأول من عرف عنه هذا القول هو الجهم بن صفوان فقد قال: "إن الإيمان والكفر لا يكونان إلا بالقلب دون غيره من الجوارح" ١. وهذا قول فاسد، والحق أن الكفر كما يكون بالقلب، كذلك يكون باللسان والجوارح، لأن كثيرا من صناديد الكفار من مشركي قريش كانوا يكفرون ويكذبون باللسان فقط مع تصديقهم للرسول ﷺ بقلوبهم، عنادا منهم وجحودا واستكبارا بل لو قيل: إن الجحود لا يكون بالقلب فقط بل وباللسان لكان هو الصواب؛ فإن فرعون وأمثاله كانوا مستيقنين في أنفسهم وإن جحدوا بألسنتهم، كما قال تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ "سورة النمل: الآية١٤". وقال تعالى: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ "سورة الأنعام: الآية٣٣". فالمؤمنون يصدقون بالقلوب واللسان وبالجوارح، والكفار يكذبون

стр. 353

باللسان، والمنافقون يصدقون بالألسنة ويكذبون بالقلوب. ثم إن لفظ الإيمان لا يقابل التكذيب فقط، وفي هذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: " لفظ الإيمان في اللغة لم يقابل بالتكذيب كلفظ التصديق، فإنه من المعلوم في اللغة أن كل مخبر يقال له: صدقت أو كذبت ويقال: صدقناه أو كذبناه، ولا يقال لكل مخبر: آمنا له أو كذبناه، ولا يقال: أنت مؤمن له أو مكذب له، بل المعروف في مقابلة الإيمان لفظ الكفر يقال: هو مؤمن أو كافر، والكفر لا يختص بالتكذيب بل لو قال: أنا أعلم أنك صادق، لكن لا أتبعك بل أعاديك وأبغضك وأخالفك ولا أوافقك لكان كفره أعظم، فلما كان الكفر المقابل للإيمان ليس هو التكذيب فقط علم أن الإيمان ليس هو التصديق فقط بل إذا كان الكفر يكون تكذيبا ويكون مخالفة ومعاداة وامتناعا بلا تكذيب فلا بد أن يكون الإيمان تصديقا مع موافقة وموالاة وانقياد، لا يكفى مجرد التصديق فيكون الإسلام جزء مسمى الإيمان كما كان الامتناع من الانقياد مع التصديق جزء مسمى الكفر فيجب أن يكون كل مؤمن مسلما منقادا للأمر وهذا هو العمل" ١. أما موقفهم من النصوص الدالة على أن العمل من مسمى الإيمان، فموقف القدح والتأويل كقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ "سورة البقرة: الآية١٤٣". فحملوها على المجاز ٢، ومثل قول النبي ﷺ : "الإيمان بضع وستون شعبة".

стр. 354

وفي رواية: " بضع وسبعون " فقد قدحوا فيه بأنه مخالف للكتاب وبغفلة الراوي حيث تردد بين الستين والسبعين فشهد بغفلة نفسه" ١. الجواب عن تلك التأويلات: أولا: حملهم قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ على المجاز الجواب عنه ما يأتي: ١- الأصل في كتاب الله تعالى الحقيقة، والمجاز يحتاج إلى دليل ٢. ٢- أن الحقيقة عند القائلين بالمجاز هي اللفظ الذي يدل بإطلاقه بلا قرينة، والمجاز إنما يدل بقرينة. وقد تبين أن لفظ الإيمان حيث أطلق في الكتاب والسنة دخلت فيه الأعمال، وإنما يدَّعى خروجها منه عند التقييد وهذا يدل على أن الحقيقة قوله: "الإيمان بضع وسبعون شعبة" ٣. ٣- أن المجاز ثبت أنه اصطلاح حادث فلم يتكلم به العرب ولا الصحابة ولا الأئمة؛ فهو شبيه بمصطلحات النحو، ولكن النحو جاء اصطلاحا مستقيما وليس فيه مفسدة، أما المجاز فهو اصطلاح غير مستقيم، وفيه مفاسد عقلية وشرعية ولغوية. أما المفسدة العقلية فهي عدم تمييزه تمييزا ظاهرا صحيحا، أما الشرعية ففيها مفاسد يوجب الشرع إزالتها ألا وهي تحريف كلام الله وكلام رسوله ﷺ عن حقيقته وحمل الألفاظ على معان ورد النهي عن حملها عليها وأنها يصح نفيها وكلام الله

стр. 355

عزَّ وجلَّ وكلام رسوله ﷺ أرفع شأنا من ذلك، وأنه كلام غير حقيقي والله كلامه حق وعدل وصدق. أما اللغوية فهي تغيير للأوضاع اللغوية لغير مصلحة راجحة، بل لمفسدة ١. ثانيا: أما قدحهم في قول النبي ﷺ : "الإيمان بضع وستون "، وفي رواية: " بضع وسبعون ". بمخالفته للكتاب وبغفلة الراوي، فالجواب عليه من وجوه: الأول: أن ما يدل عليه هذا الحديث من تسمية الأعمال إيمانا فأين في القرآن نفي اسم الإيمان عن شرائع الإسلام الواردة فيه، بل القرآن سمى بعض الأعمال إيمانا كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ أي صلاتكم. فالحديث موافق للقرآن لا مخالف، ولا تأتي السنة بما يخالف القرآن البتة، قال ابن القيم رحمه الله تعالى: "السنة مع القرآن على ثلاثة أوجه: أحدها: أن تكون موافقة له من كل وجه فيكون توارد القرآن والسنة على الحكم الواحد من باب توارد الأدلة وتضافرها. ثانيها: أن تكون بيانا لما أريد بالقرآن وتفسيرا له. ثالثها: أن تكون موجبة لحكم سكت القرآن عن إيجابه أو محرمة لما سكت عن تحريمه ولا تخرج عن هذه الأقسام فلا تعارض القرآن بوجه ما" ٢.

стр. 356

الثاني: أن هذا الحديث متفق عليه مخرج في الصحيحين، والأحاديث التي في الصحيحين قطعية الثبوت، تفيد العلم القطعي باتفاق أئمة الإسلام واعتراف بعض الحنيفة ١. فمن استجرأ الطعن في حديث هو في الصحيحين فهو لا يؤذي إلا نفسه، فلا ينبغي لمسلم أن يطعن في الثقات أو يسيء الظن بهم. قال الشاه ولي الله الدهلوي إمام الحنفية في عصره: "أما الصحيحان فقد اتفق المحدثون على أن جميع ما فيهما من المتصل المرفوع صحيح بالقطع فإنهما متواتران إلى مصنفيهما وأن كل من يهوّن أمرهما مبتدع متبع غير سبيل المؤمنين، فإن الشيخين لا يذكران إلا حديثا قد تناظرا فيه مشايخهما وأجمعوا على القول به والتصحيح له" ٢. ثم إننا لا نسلم أن هذا الاختلاف في العدد يوجب الاضطراب في الحديث؛ لأن العدد الأقل لا يعارض العدد الأكثر، ولأن العدد الأقل داخل في العدد الأكثر. فرواية صحيح مسلم لا تعارض رواية صحيح البخاري، لأن رواية مسلم مشتملة على ما في رواية البخاري وزيادة، وهذه الزيادة من ثقة، وزيادة الثقة مقبولة، هذا ما اختاره بعض العلماء فأخذوا لفظ: "بضع وسبعون" كالحليمي ٣ والقاضي عياض ٤ والألباني ٥، وأخذ بعض المحدثين بلفظ "بضع وستون" كابن الصلاح ٦ والبيهقي ٧ وابن حجر٨

стр. 357

وبهذا يتبين لنا ضعف اتسدلالاتهم وتهافتها، والقول الحق في هذه المسألة هو ما دل عليه الكتاب والسنة وما عليه سلف الأمة من أن الإيمان: تصديق بالجنان، وقول باللسان، وعمل بالأركان. قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ "سورة الأنفال: الآيات من٢-٤". وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ "سورة آل عمران: الآية١٧٥". وقال تعالى: ﴿قَالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ "سورة المائدة: الآية٢٣". وقال تعالى: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ قُلِ الأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ "سورة الأنفال: الآية ١". وقال تعالى: ﴿أَلا تُقَاتِلُونَ قَوْماً نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَأُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ "سورة التوبة: الآية١٣". وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ "سورة البقرة: الآية٢٧٨". وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إن الله بالناس لرءوف رحيم﴾ "سورة البقرة: الآية١٤٣".

стр. 358

"فمعنى قوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ : على ما تظاهرت به الرواية من أنه الصلاة وما كان الله ليضيع تصديق رسوله ﵊ بصلاتكم التي صليتموها نحو بيت المقدس عن أمره، لأن ذلك كان منكم تصديقا لرسوله" ١. وقال الحليمي: "أجمع المفسرون على أنه أراد صلاتكم إلى بيت المقدس، فثبت أن الصلاة إيمان. وإذا ثبت ذلك فكل طاعة إيمان إذ لم أعلم فارقا فرّق في هذه التسمية بين الصلاة وسائر الطاعات" ٢. وقد أورد أبو عبيد القاسم بن سلام في كتابه "الإيمان" قوله تعالى: ﴿الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ "سورة العنكبوت: الآيات من ١-٣". وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّه﴾ "سورة العنكبوت: الآية١٠". أوردها مستدلا بها على أن العمل من الإيمان ثم قال: "أفلست تراه ﵎ قد امتحن صدق القول بالفعل، ولم يكتف منهم بالإقرار دون العمل، حتى جعل أحدهم من الآخر؟ فأي شيء يُتَّبع بعد كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ومنهاج السلف بعده هم موضوع القدوة والإمامة"٣. وأما الأدلة من السنة فكثيرة جدا: من ذلك قوله ﷺ لوفد عبد القيس: "أتدرون ما الإيمان بالله؟ قالوا:

стр. 359

الله ورسوله أعلم قال: شهادة أن لا إله الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وأن تؤدوا خمس ما غنمتم" ١. قال ابن أبي العز بعد سوقه لهذا الحديث: " ومعلوم أنه لم يرد أن هذه الأعمال تكون إيمانا بالله بدون إيمان القلب لما قد أخبر في مواضع أنه لا بد من إيمان القلب فعلم أن هذه مع إيمان القلب هو الإيمان وأي دليل على أن الأعمال داخلة في مسمى الإيمان فوق هذا الدليل؟ فإنه فسر الإيمان بالأعمال ولم يذكر التصديق للعلم بأن هذه الأعمال لا تفيد مع الجحود"٢. وقوله ﷺ : "الإيمان بضع وستون شعبة والحياء شعبة من الإيمان" ٣، زاد مسلم في رواية: "فأفضلها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق " ٤. قال ابن مندة: "فجعل الإيمان شُعَبا بعضها باللسان بالشفتين، وبعضها بالقلب وبعضها بسائر الجوارح"٥. وقوله ﷺ : حين سئل أي الأعمال أفضل؟ قال: "إيمان بالله

стр. 360

ورسوله" ١ فأطلق العمل على الإيمان كما أطلق الإيمان على العمل. وحكى اتفاق السلف على أن الإيمان اعتقاد وقول وعمل، غيرُ واحد من أهل العلم كالشافعي ٢ وأحمد٣ والبخاري ٤ وابن عبد البر ٥ والبغوي ٦. قال عبد الرزاق الصنعاني: "سمعت من أدركت من شيوخنا وأصحابنا ـ ثم سردهم ـ يقولون: الإيمان قول وعمل يزيد وينقص" ٧. وقال الوليد بن مسلم: "سمعت الأوزاعي، ومالك بن أنس، وسعيد بن عبد العزيز ٨ ينكرون قول من يقول إن الإيمان إقرار بلا عمل، ويقولون: لا إيمان إلا بعمل ولا عمل إلا بإيمان" ٩. وقال الإمام أحمد: "أجمع سبعون رجلا من التابعين وأئمة المسلمين

стр. 361

وفقهاء الأمصار على أن السنة التي توفي عليها الله ﷺ فذكر منها: والإيمان قول وعمل، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية" ١. وقال البخاري: "لقيت أكثر من ألف رجل من العلماء بالأمصار فما رأيت أحدا منهم يختلف في أن الإيمان قول وعمل ويزيد وينقص" ٢. وقال ابن أبي حاتم: "سألت أبي وأبا زرعة عن مذهب أهل السنة، وما أدركا عليه العلماء في جميع الأمصار وما يعتقدان من ذلك، فقالا: أدركنا العلماء في جميع الأمصار حجازا وعراقا ومصرا وشاما ويمنا؛ فكان من مذهبهم أن الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص" ٣. وقال البغوي: "اتفقت الصحابة والتابعون، ومن بعدهم من علماء السنة على أن الأعمال من الإيمان" ٤. وقال الآجري: "باب القول بأن الإيمان تصديق بالقلب، وإقرار باللسان وعمل بالجوارح، لا يكون مؤمنا إلا أن يجتمع فيه هذه الخصال الثلاث: ثم قال: اعلموا ـ رحمنا الله تعالى وإياكم ـ أن الذي عليه علماء المسلمين أن الإيمان واجب على جميع الخلق، وهو تصديق بالقلب وإقرار باللسان، وعمل بالجوارح. ثم اعلموا: أنه لا تجزئ المعرفة بالقلب والتصديق، إلا أن يكون معهما الإيمان باللسان نطقا، ولا تجزئ معرفة

стр. 362

بالقلب ونطق باللسان حتى يكون عمل بالجوارح فإذا كملت فيه هذه الخصال الثلاث كان مؤمنا دل على ذلك الكتاب والسنة وقول علماء المسلمين ... " ١. والأدلة من الكتاب والسنة والآثار الواردة عن سلف هذه الأمة في أن الإيمان اعتقاد وقول وعمل كثيرة جدا. وأحب أن أختم هذا الفصل برد سفيان بن عيينة على من يقول الإيمان قول بلا عمل، فقد سأله رجل فقال: "كيف نصنع بقوم عندنا يزعمون أن الإيمان قول بلا عمل؟ فقال سفيان: كان القول قولهم قبل أن تنزل أحكام الإيمان وحدوده، إن الله بعث محمدا ﷺ إلى الناس كافة على أن يقولوا لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فإذا قالوها حقنوا دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله، فلما علم صدق ذلك من قلوبهم أمره أن يأمرهم بالصلاة فأمرهم ففعلوا، والله لو لم يفعلوا ما نفعهم الإقرار الأول، فلما علم الله صدق ذلك من قلوبهم أمره أن يأمرهم بالرجوع إلى مكة فيقاتلوا آباءهم وأبناءهم حتى يقولوا كقولهم ويصلوا بصلاتهم ويهاجروا هجرتهم، فأمرهم ففعلوا حتى أتى أحدهم برأس أبيه فقال: يا رسول الله هذه رأس الشيخ الكافر، والله لو لم يفعلوا ما نفعهم الإقرار الأول ولا صلاتهم ولا مهاجرهم، فلما علم الله تعالى صدق ذلك من قلوبهم أمره أن يأمرهم بالهجرة إلى المدينة فأمرهم ففعلوا، والله لو لم يفعلوا ما نفعهم الإقرار الأول ولا صلاتهم، فلما علم الله صدق ذلك من قلوبهم أمره أن يأمرهم بالطواف بالبيت تعبدا وأن يحلقوا رؤوسهم تذللا ففعلوا، والله لو لم يفعلوا ما نفعهم الإقرار الأول ولا صلاتهم ولا مهاجرهم ولا قتل آبائهم، فلما علم الله صدق ذلك من قلوبهم أمره أن يأخذ من أموالهم صدقة تطرهم فأمرهم ففعلوا حتى

стр. 363

أتوا قليلها وكثيرها، والله لو لم يفعلوا ما نفعهم الإقرار الأول ولا صلاتهم ولا مهاجرهم ولا قتل آبائهم ولا طوافهم، فلما علم الله تعالى الصدق من قلوبهم فيما تتابع عليهم من شرائع الإيمان وحدوده. قال الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الأِسْلامَ دِينا﴾ "ٍسورة المائدة: الآية٣". فمن ترك خلة من خلال الإيمان جحودا بها كان عندنا كافرا ومن تركها كسلا ومجونا أدبناه وكان ناقصا، هكذا السنة أبلِغها عني من سألك من الناس" ١. رزقنا الله الصدق في القول والإخلاص في العمل والله أعلم.

стр. 364

الفصل الثاني: زيادة الإيمان ونقصانه ذهب الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى إلى أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص ١، والإيمان هو التصديق بالقلب والإقرار باللسان كما تقدم. قال الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى: "والإيمان لا يزيد ولا ينقص" ٢. وقرر هذا الطحاوي في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهب أبي حنيفة وصاحبيه، حيث قال: "والإيمان واحد وأهله في أصله سواء، والتفاضل بينهم بالخشية والتقى ومخالفة الهوى وملازمة الأولى" ٣. واستدل الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى على مذهبه بما يأتي:

стр. 365

أولا: لا يتصور نقصان الإيمان إلا بزيادة الكفر، ولا يتصور زيادة الإيمان إلا بنقصان الكفر. قال الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى: "الإيمان لا يزيد ولا ينقص، لأنه لا يتصور نقصانه إلا بزيادة الكفر ولا يتصور زيادته إلا بنقصان الكفر، وكيف يجوز أن يكون الشخص الواحد في حالة واحدة مؤمنا وكافرا" ١. ثانيا: "أن الناس لا يختلفون في التصديق، ولا يتفاضلون فيه، وقد يتفاضلون في العمل وتختلف فرائضهم، ودين أهل السماء وين الرسل واحد؛ يقول الله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ "سورة الشورى: الآية١٣"٢. هذا وقد جاء في الفقه الأكبر قول الإمام أبي حنيفة: "وإيمان أهل السماء والأرض لا يزيد ولا ينقص من جهة المؤمَن به، ويزيد وينقص من جهة اليقين والتصديق، والمؤمنون مستوون في الإيمان والتوحيد، ومتفاضلون في الأعمال" ٣. وهذا النص فيه إشكال؛ وهو أنه مخالف للمتقدم من قول أبي حنيفة: الإيمان لا يزيد ولا ينقص مع تفسير الإمام للإيمان بالتصديق والإقرار، ولما ثبت عن أبي حنيفة في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهب أبي حنيفة وصاحبيه وقد تقدم. وهذا صريح في أن الإيمان وهو التصديق عنده لا تفاضل فيه بين

стр. 366

المؤمنين، وإنما التفاضل بينهم في الأعمال من الخشية والتقى ومخالفة الهوى وملازمة الأولى. وهذا يقتضي أن التصديق لا يزيد ولا ينقص، وفي هذا النص من الفقه الأكبر صرح بأن الإيمان يزيد وينقص، من جهة اليقين والتصديق. فيظهر والله أعلم أن كلمة "لا" في الجملة الأولى من خطأ النسّاخ ومحلّها الجملة الثانية لتكون العبارة هكذا: "وإيمان أهل السماء والأرض يزيد وينقص من جهة المؤمن به ولا يزيد ولا ينقص من جهة اليقين والتصديق". لتتفق مع ما تقدم من كلام أبي حنيفة وما نقله الطحاوي. ولكن شرّاح ١ الفقه الأكبر لم يروا هذا النص مشكلا؛ فخرجوه على الفرق بين اليقين وأصل التصديق فأصل التصديق لا يتفاوت، وأما اليقين فإنه مما يجري فيه التفاضل. وهذا عندي لا يرفع الإشكال؛ فإن اليقين ٢ هو التصديق الجازم الذي تستقر معه النفس فهو مرتبة من مراتب التصديق. هذا ما استدل به الإمام أبو حنيفة، أما أصحابه فاستدلوا بما هو آت: أولا: أن الأعمال تشارك الإيمان في اسم الطاعة، والعبادة دون اسم الإيمان. فبزيادة الأعمال تزداد الطاعة، والعبادة ولا أثر لها في زيادة الإيمان ٣. ثانيا: "أن التصديق شيء بسيط لا يتجزأ ولا ينقسم، فلا يحتمل الزيادة والنقصان، لأنه لو اختل لتبدَّل بالتكذيب، وصار باطلا زائلا

стр. 367

بالكلية، ولم يبق منه شيء أصلا، ولو لم يختلَّ بقي كاملا، فالقول بزيادته ونقصانه باطل" ١. ثالثا: أنه يلزم من القول بزيادة الإيمان ونقصانه بسبب زيادة الأعمال ونقصانها ألا يوجد أحد استكمل الإيمان حتى الأنبياء والمرسلون لأنه لا حدَّ للأعمال الصالحة، فكل من يزداد من الحسنات إلى ما لا نهاية يزداد إيمانه إلى ما لا نهاية فمن كانت طاعته أكبر يكون إيمانه أكبر، ومع ذلك لم يستكمل الإيمان لأنه لو زاد طاعة أخرى زاد إيمانه أيضا" ٢. رابعا: أن الزيادة لا تتصور إلا على شيء كامل وشيء له نهاية، أما الإيمان فهو لم يزل غير كامل لأنه في صدد الزيادة، والزيادة على ما هو لم يكمل بعد ـ وهو في حد النقصان ـ محال كما أن الزيادة على ما لا نهاية له محال أيضا ٣. خامسا: "إن زيادة التصديق ونقصانه يجعلانه في مرتبة الشك والظن؛ وهذا غير مفيد في مقام الاعتقاد" ٤. سادسا: "استدل أبو الليث ٥ السمرقندي بحديث أبي هريرة ٦

стр. 368

رضي الله عنه مرفوعا ولفظه: "جاء وفد ثقيف إلى رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله الإيمان يزيد وينقص؟ فقال: لا. الإيمان كمل في القلب زيادته ونقصانه كفر" قلت وفي معنى هذا الحديث تروى أحاديث أخرى كحديث ابن عباس وابن عمر مرفوعا: "الإيمان لا يزيد ولا ينقص". وحديث أبي سعيد الخدري ﵁: " من زعم أن الإيمان يزيد وينقص فزيادته نفاق، ونقصانه كفر، فإن تابوا وإلا فاضربوا أعناقهم بالسيف، أولئك أعداء الرحمن". الجواب عن أدلة أبي حنيفة أصحابه: "أ" الجواب عن أدلة أبي حنيفة: أولا: قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى: " الإيمان لا يزيد ولا ينقص، لأنه لا يتصور نقصانه إلا بزيادة الكفر ... ". الجواب عنه: أن العقل يتصور اجتماع الإيمان وشعبة من شعب الكفر، كما قال تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ "سورة يوسف: الآية١٠٦". قال حذيفة بن اليمان ﵁: "القلوب أربعة: قلب أجرد كأنما فيه سراج يزهر، فذلك قلب المؤمن، وقلب أغلف، فذلك قلب الكافر، وقلب مصفَّح، فذلك قلب المنافق، وقلب فيه إيمان ونفاق، ومثل الإيمان فيه كمثل شجرة يسقيها ماء طيب، ومثل النفاق فيه كمثل قرحة يمدها قيح ودم فأيما غلب عليه غلبه" ١.

стр. 369

ويدل على قول حذيفة ﵁ قول الله تعالى: ﴿هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ﴾ "سورة آل عمران: الآية١٦٧". فقد كان فيهم نفاق مغلوب؛ فلما كان يوم أحد غلب نفاقهم فصاروا إلى الكفر أقرب١. وفي هذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: " وتمام هذا أن الإنسان قد يكون فيه شعبة من شعب الإيمان وشعبة من شعب النفاق وقد يكون مسلما وفيه كفر دون الكفر الذي ينقل عن الإسلام بالكلية كما قال الصحابة ابن عباس وغيره كفر دون كفر وهذا قول عامة السلف وهو الذي نص عليه أحمد وغيره" ٢. ويقال أيضا: زيادة الإيمان ونقصانه قد تكون في صفة الإيمان كتفاوت التصديق قوة وضعفا وقد يكونان في الأعمال المستحبة فلا يلزم إذن من زيادة الإيمان ونقصانه وجود كفر ولا عدمه، فالتفاضل في اليقين وفي الأعمال المستحبة لا يوجب وجود كفر عند المفضول، وهذا ظاهر، نعم الإيمان والكفر الناقل عن الملة لا يجتمعان. ثانيا: قول الإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى: "إن الناس لا يختلفون في التصديق ولا يتفاضلون فيه، وقد يتفاضلون في العمل وتختلف فرائضهم ... ". الجواب عنه: لا نسلم أن الناس لا يختلفون في التصديق ولا يتفاضلون فيه، إذ إنهم كما يتفاوتون في الأعمال كذلك يتفاوتون في التصديق ضعفا وقوة.

стр. 370

فلا يشك عاقل أن تصديق الأنبياء والملائكة أقوى من تصديق عامة البشر كما صرح بذلك بعض الحنيفة ١. وأما قوله: "ودين أهل السماء ودين الرسل واحد". فالجواب عنه: أن مسائل الدين التفصيلية والأحكام التكليفية ليست كلها مشتركة بيننا وبين الملائكة بل ليست مشتركة بين أتباع سائر الأنبياء، بل ولا بين أتباع الرسول الواحد. وأما قوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ... ﴾ . فالمراد منها أن حقيقة دين الرسل واحدة وأصله واحد وهو عبادة الله وحده لا شريك له وطاعته في أمره ونهيه، وأما تفاصيل الشرائع فمعلوم أنها مختلفة كما قال تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً﴾ ٢ " سورة المائدة: الآية٤٨". "ب" الجواب عن أجوبة أصحاب أبي حنيفة: الدليل الأول: "إن الأعمال تشارك الإيمان في اسم الطاعة والعبادة دون اسم الإيمان ... ". الجواب عنه: يقال: هذا مبني على أن الأعمال ليست داخلة في مسمى الإيمان

стр. 371

شرعا. وقد سبق القول فيه وذكر الأدلة على أن الأعمال داخلة في مسمى الإيمان؛ فإذا بطل هذا الأصل بطلت هذه الدعوى المبنية عليه والله أعلم. الدليل الثاني: "إن التصديق شيء بسيط لا يتجزأ ولا ينقسم فلا يحتمل الزيادة والنقصان ... ". الجواب عنه: أن يقال هذه الشبهة مركبة من مقدمتين: الأولى: أن الإيمان هو التصديق بالقلب فقط. الثانية: أن التصديق بسيط غير مركب لا ينقسم. أما المقدمة الأولى: فقد ظهر بطلانها مما تقدم ذكره من أدلة الكتاب والسنة الصحيحة، واتفاق سلف الأمة وأئمة السنة على أن الأعمال داخلة في حقيقة الإيمان ومسماه. وأما المقدمة الثانية: فباطلة لأنها مخالفة لدلالة الكتاب والسنة والآثار السلفية والمعقول الصريح. فأما الكتاب فقد قال تعالى: ﴿وَلَمَّا رَأى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَاناً وَتَسْلِيماً﴾ "سورة الأحزاب: الآية٢٢". ولا شك أن المراد من الإيمان في هذه الآية إنما هو التصديق واليقين بتحقيق وعد الله تعالى ورسوله ﷺ من تحقيق النصر للمؤمنين. وهكذا قول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ "سورة آل عمران: الآية١٧٣".

стр. 372

فأنت ترى أن المراد من الإيمان في هذه الآية ليس إلا تصديق القلب وإيقانه وإذعانه، فهاتان الآيتان تدلان على زيادة التصديق نفسه، إذ ليس هنا قطعا زيادة الأعمال. وأما من السنة فمنها ما رواه أحمد عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: "ليس الخبر كالمعاينة إن الله أخبر موسى بما صنع قومه في العجل فلم يلق الألواح فلما عاين ما صنعوا ألقى الألواح فانكسرت" ١. وحديث الشفاعة الكبرى المتواتر وفيه ٢: فيقال: انطلق فأخرج منها من كان في قلبه مثقال ذرة أو خردلة من إيمان ... فيقول: انطلق فأخرج من كان في قلبه أدنى أدنى أدنى مثقال حبة خردل من إيمان" ٣. ولا شك أن المراد من الإيمان في هذا الحديث في القلب، لأن ما في القلب ليس إلا التصديق لا غير. فهذا الحديث صريح في أن التصديق القلبي قد ينقص إلى حد يصل إلى مثقال ذرة أو خردلة، وقد يصل إلى حد يكون أدنى من مثقال حبة خردل، فدل على أن التصديق نفسه يتفاوت يزيد وينقص. وأما لآثار عن سلف هذه الأمة فمنها قول

стр. 373

عبد الله بن مسعود ﵁: "اللهم زدنا إيمانا ويقينا وفقها" ١. فهذا الأثر صريح في المقصود بل قال الحافظ ابن حجر:"وهذا الأثر أصرح في المقصود" ٢. لأن اليقين والفقه لا يتعلقان إلا بالقلب لأنهما من أنواع العلم، بل اليقين هو التصديق الجازم ٣ وهو على ثلاث مراتب: ١- علم اليقين. ٢- وعين اليقين. ٣- وحق اليقين. فقد دل على أن التصديق يتفاوت، هذا وقد قال أئمة السنة كسعيد بن جبير وسعيد والضحاك وقتادة رحمهم الله تعالى في قوله تعالى عن إبراهيم خليل الرحمن عليه وعلى نبيا الصلاة والسلام: ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ "سورة البقرة: الآية٢٦٠". قالوا: "ليزداد إيماني ويقيني" ٤. ولا ريب أن المراد هنا إيمان القلب، وهو التصديق مع الانقياد لأنه بمشاهدة كيفية إحياء الطيور مع يقينه السابق ازداد إيمانه ويقينه حتى وصل إلى عين اليقين بل حق اليقين.

стр. 374

وأما المعقول الصريح فلا يشك عاقل في أن إيمان الصديقين أقوى من إيمان غيرهم، فلا تعتريهم الشبهة ولا يتزلزل إيمانهم بعارض، وأما غيرهم من المؤلفة قلوبهم فليسوا كذلك ١، ويؤيده أن كل أحد يعلم أن ما في قلبه يتفاضل حتى إنه يكون في بعض الأحيان أعظم يقينا وإخلاصا وتوكّلا منه في بعضها ٢. وبهذا سلم بعض المنصفين من الأشاعرة والماتريدية، كابن اللبان ٣ والرازي والبغدادي والإيجي والجرجاني ٤ والباقلاني. قال الإيجي: "والحق أن التصديق يقبل الزيادة والنقصان من وجهين: الأول: القوة والضعف ... الثاني: التصديق التفصيلي في أفراد ما علم مجيئه به جزء من الإيمان، يثاب عليه ثوابه على تصديقه بالإجمال، والنصوص الدالة على قبوله لهما" ٥.

стр. 375

وقال الجرجاني: "فإن التصديق من الكيفيات النفسانية المتفاوتة قوة وضعفا" ١. الدليل الثالث: "أنه يلزم من القول بزيادة الإيمان ونقصانه ألا يوجد أحد استكمل الإيمان حتى الأنبياء والمرسلون ... ". الجواب عنه من وجوه: ١- يقال:"إنه إذا جاز عندك في النوافل أن تصفها أنها طاعة وعبادة ولا آخر لها، فما يمنع أن تصف الإيمان بذلك وإن لم يكن له آخر، وعلى أن لها آخرا في الوصف، وإن لم يكن لها آخرا في الفعل، كما أن للفرائض آخرا في الوصف دون الفعل، لأنه لو قيل بينوا في الفرائض حدا لا زيادة معه؛ لم يمكن لأنه لا يعلم منتهى أجله فيعلم قدر ما يلزمه من الفرائض" ٢. ٢- أن الإيمان من الكليات ٣ المشككة تتفاوت أفرادها، كما أن العلم من الكليات المشككة، وهكذا من يوصف بالإيمان والعلم، فالمؤمن والعالم أيضا من الكليات المشككة، قال الله تعالى: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ "سورة يوسف: الآية٧٦". فإذا كان الأمر كذلك فالأنبياء والمرسلون بعد استكمال إيمانهم بأداء الواجبات واجتناب النواهي يتفاوتون في الدرجات بسبب النوافل وهذا

стр. 376

لا شك فيه، ولا عيب في ذلك عليهم، ولا يؤثر على مراتهبم بعد أن استكملوا الإيمان بأداء الواجبات واجتناب المنهيات، كيف لا وهم أكمل الناس إيمانا وعلما وبعضهم فُضِّل على بعض. ٣- يقال: إن الأنبياء قد استكملوا الإيمان، وإن كان أذنب بعضهم فقد غفر الله لهم ذلك، أما من عداهم فليس مثلهم في هذا، فالطاعات لا حد لها من ناحية فعل العبد، بل العبد على الدوام في السعي إلى إكمال إيمانه حتى يدركه الموت وهو على هذا ١. وقد ورد عن السلف نحو هذا. من ذلك ما رواه الخلال عن إسحاق بن منصور قال: "قلت: لإسحاق: هل للإيمان منتهى حتى نستطيع أن نقول: المرء مستكمل الإيمان؟ قال: لا لأن جميع الطاعة من الإيمان فلا يمكن أن نشهد باستكمال الإيمان لأحد إلا للأنبياء أو من شهد له بالجنة، لأن الأنبياء وإن كانوا قد أذنبوا فقد غير لهم ذلك الذنب قبل أن يخلقوا" ٢. وروى عبد الله بن أحمد في السنة بسنده عن الوليد بن مسلم قال: "سمعت أبا عمرو ـ يعني الأوزاعي ـ ومالكا وسعيد بن عبد العزيز يقولون: ليس للإيمان منتهى، هو في زيادة أبدا. وينكرون على من يقول: إنه مستكمل الإيمان وأن إيمانه كإيمان جبريل وميكال" ٣. الدليل الرابع: "إن الزيادة لا تتصور إلا على شيء كامل وشيء له نهاية، وأما

стр. 377

الإيمان فهو لم يزل غير كامل لأنه في صدد الزيادة ... ". الجواب عنه: يقال لا شك أن الزيادة على الشيء إنما تكون بعد كماله، ولكن ما قلنا: إنه يزاد شيء على الإيمان بل قلنا: إن الإيمان نفسه يزيد وينقص، ولم نقل: إن شيئا آخر يزاد على الإيمان، فلا ترد هذه الشبهة إطلاقا". الدليل الخامس: "إن زيادة التصديق ونقصانه تجعلانه في مرتبة الشك والظن ... ". الجواب عنه: إن التصديق له مراتب تتفاوت قوة وضعفا وكلها فوق الظن والشك، فالشك إذن ضد التصديق لا جزء منه، فإذا صار التصديق ضعيفا فلا يقال: إن صاحبه وقع في الشك والظن، ولا يقال للشاك: مصدِّق، فالشك والتصديق لا يجتمعان. قال الألوسي الحنفي: "مراتب اليقين متفاوتة: إلى علم اليقين وحق اليقين وعين اليقين مع أنه لا شك معها" ١. الدليل السادس: "استدل أبو الليث السمرقندي بحديث أبي هريرة ﵁ مرفوعا ... قلت وفي معنى هذا الحديث تُروى ٢ أحاديث أخرى كحديث ابن عباس ... ". الجواب عنه: حديث أبي هريرة أخرجه أبو الليث السمرقندي في تفسير بحر

стр. 378

العلوم ١ والجوزقاني في الأباطيل والمناكير ١/٢٢-٢٣، وقال: "هذا حديث لا يرجع منه إلى الصحة، وليس لهذا الحديث أصل من حديث رسول الله ﷺ " ٢. وقال ابن كثير: "إن الإسناد من أبي الليث السمرقندي إلى أبي مطيع مجهولون، لا يعرفون في شيء من كتب التاريخ المشهورة. وأما أبو مطيع فهو الحكم بن عبد الله بن مسلمة البلخي ضعفه أحمد بن حنبل ويحيى بن معين، وعمرو بن علي الفلاس، والبخاري، وأبو داود والنسائي، وأبو حاتم الرازي، وأبو حاتم محمد بن حبان البستي والعقيلي، وابن عدي، والدارقطني، وغيرهم". وأما أبو المهزوم الراوي عن أبي هريرة وقد تصحف على الكاتب، واسمه يزيد بن سفيان، فقد ضعفه أيضا غير واحد وتركه شعبة بن الحجاج، وقال النسائي: متروك وقد اتهمه شعبة بالوضع، حيث قال: "لو أعطوه فلسين لحدثهم بسبعين حديثا" ٣. وبهذا يتبين أن ما استدل به السمرقندي لا تقوم به الحجة؛ إذ هو موضوع. وأما حديث ابن عباس فقد أخرجه الجوزقاني في الأباطيل والمناكير ٤، وابن الجوزي في الموضوعات٥ وقال: "هذا حديث

стр. 379

موضوع من موضوعات الجويباري ١. وهو أحمد بن عبد الله الهروي ويقال الجوباري، وجوبار من أعمال هراة ٢ قال عنه ابن عدي: "كان يضع الحديث لابن كرّام على ما يريده، وكان ابن كرام يضعها في كتبه، ويسميه أحمد بن عبد الله الشيباني" ٣. وقال عنه ابن حبان: "دجال من الدجاجلة كذاب، يروي عن ابن عيينة ووكيع وأبي ضمرة وغيرهم من ثقات أصحاب الحديث، ويضع علهم ما لم يحدثوا، وقد روى عن هؤلاء الأئمة ألوف الأحاديث ما حدثوا بشيء منها، كان يضعها عليهم لا يحل ذكره في الكتب أصلا إلا على سبيل الجرح فيه" ٤. واما حديث عبد الله بن عمر فقد أخرجه الجوزقاني في الأباطيل والمناكير ٥، وابن الجوزي في الموضوعات ٦. وقال الجوزقاني: "هذا حديث موضوع باطل وليس له أصل"٧.

стр. 380

وقال ابن الجوزي: "هذا حديث موضوع من موضوعات أحمد بن عبد الله الجويباري" ١. وأما حديث أبي سعيد الخدري فأخرجه ابن حبان في المجروحين ٢. وابن الجوزي في الموضوعات ٣ وقال: "هذا حديث موضوع وهو من موضوعات محمد بن القاسم الطالكاني". ويقال: الطايكاني ٤ بفتح الطاء وبالياء المثناة التحتية الساكنة وفتح الكاف نسبة إلى طايكان ٥؛ قرية من قرى بلخ. قال عنه ابن حبان: "من أهل بلخ يروي عن العراقيين وأهل بلده، روى عنه أهل خراسان أشياء لا يحل ذكرها في الكتب فكيف الاشتغال بروايتها" ٦. وبهذا يتبين لنا أن الأحاديث في عدم زيادة الإيمان ونقصانه لم يصح منها شيء، وما استدل به أبو الليث السمرقندي لا تقوم به حجة إذ هو موضوع. أما موقفهم من النصوص الدالة على زيادة الإيمان ونقصانه فتأولها بما لا يتفق مع ظاهرها وإليك نماذج من ذلك: "أ" أن المراد من الزيادة والنقصان في الإيمان الواردين في نصوص الكتاب والسنة أنهم آمنوا في الجملة ثم يأتي فرض بعد فرض فيؤمنون بعد

стр. 381

كل فرض جاء جديدا فيزداد إيمانهم بالتفصيل مع إيمانهم السابق في الجملة ١، وقالوا في قول الله تعالى: ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَاناً﴾ "سورة المدثر: الآية٣١". بأن هذا في حق الصحابة ﵃ فالقرآن كان ينزل في كل وقت فيؤمنون به ويكون تصديقهم الثاني زيادة على الأول وأما في حقنا فلا؛ لأنه انقطع الوحي" ٢. "ب" أن المراد من الزيادة الثبات على الإيمان والدوام عليه زيادة عليه في كل ساعة إذ يوجد في كل ساعة مثلما انعدم في الأولى ٣. "ج" أن المراد من نصوص الزيادة والنقصان في الإيمان ازدياد نوره وضيائه في القلوب بالأعمال الصالحة ونقص ذلك النور بالمعاصي ٤. الجواب عن تلك التأويلات: أولا: قولهم: "إن المراد من الزيادة والنقصان في الإيمان أنهم آمنوا في الجملة ثم يأتي فرض بعد فرض...". الجواب عنه: من وجهين: "أ" أن يقال: إنكم إذا سلمتم أن المؤمن أولا يؤمن إيمانا إجماليا ثم

стр. 382

إذا جاء فرض جديد فيؤمنون به فيزداد إيمانه بالتفصيل، فقد اعترفتم بزيادة الإيمان ونقصانه وهذا هو المطلوب. "ب" أنه قد ورد النص الشرعي بزيادة الإيمان بدون إتيان شرع جديد كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً﴾ "سورة آل عمران: الآية١٧٣". قال ابن أبي العز الحنفي: "وكيف يقال في هذه الآية والتي قبلها أن الزيادة باعتبارها زيادة المؤمن به؟ فهل في قول الناس: ﴿قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾ زيادة مشروع؟ وهل في إنزال السكينة في قلوب المؤمنين زيادة مشروع؟ وإنما أنزل الله السكينة في قلوب المؤمنين مرجعهم من الحديبية ليزدادوا طمأنينة ويقينا ويؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ﴾ "سورة آل عمران: الآية١٦٧" ١. ثم إن المسلمين من غير الصحابة لا يعرفون أحكام الإسلام دفعة واحدة بل يعرفونها تدريجيا شيئا فشيئا، فيلزم من قولكم هذا أن إيمانهم أيضا يزيد وينقص فلا وجه للتخصيص بالصحابة. ثانيا: قولهم: "إن المراد بالزيادة والنقصان الثبات على الإيمان والدوام عليه ... ". الجواب عنه: ١- أن يقال: إن الدوام والثبات على الإيمان ليسا من باب الزيادة في الإيمان في شيء، وذلك لأن الرجل إذا لم يداوم ويثبت على الإيمان فهو مرتد والعياذ بالله تعالى، فتأويل نصوص الزيادة في الإيمان بالدوام والثبات باطل بل هو تحريف محض، وحقيقة هذا التأويل تفسير زيادة الإيمان بزيادة

стр. 383

زمنه بسبب الثبات والاستمرار عليه، ومعلوم أن ما ثبت على حاله إذا طالت مدته لا يقال له قد زاد، لأنه حقيقة ثابتة لم تحصل بها زيادة. نعم لا شك أن من داوم وثبت على الإيمان يكثّر طاعاته وعباداته لله تعالى فمن هذه الناحية يزيد إيمانه. ٢- لو سلم قولكم لزم منه ألا يفضل رسول الله ﷺ على أدنى أفراد أمته إلا باستمرار الإيمان لا بزيادة اليقين والأعمال. وبطلانه لا يخفى على الحمقى فضلا عن العقلاء. ثالثا: قولهم: "إن المراد من نصوص الزيادة والنقصان ازدياد نوره وضيائه في القلوب ... ". الجواب عنه: إن حمل نصوص زيادة الإيمان ونقصانه على ازدياد نور الإيمان وضعفه حمل للنصوص على المجاز بدون تعذّر الحقيقة. ويقال كذلك" إن زيادة نور الإيمان وضعفه يلزم منهما قوة الإيمان وضعفه وزيادته ونقصانه، وذلك أنه إذا لم تحدث الزيادة والنقصان في الإيمان لم تحدث القوة والضعف في نوره، فقوة نور الإيمان وضعفه لأجل قوة الإيمان نفسه وضعفه وهذا أمر واضح لا يخفى على ذي لب. بل يمكن أن يقال: إن هذا اعتراف بزيادة الإيمان، فإن الإيمان نور يجعله الله في قلب من شاء من عباده فسواء قيل: إن الإيمان يزيد وينقص، أو نور الإيمان يزيد وينقص، فلا مشاحة بالتعبير إذا كانت الحقيقة واحدة. فتبين بهذا أن هذا التأويل نقض لأصل مذهبهم، وهو أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص. رابعا: قولهم: "إن المراد من الزيادة الثواب على الإيمان ... ".

стр. 384

الجواب عنه: أن قول السلف يقتضي الزيادة والنقصان في الإيمان وثواب الإيمان ليس بإيمان، وهذا ظاهر لأن الثواب جزاء على عمل الطاعة، وليس هو الطاعة كما أن العقاب على المعصية ليس هو المعصية١. وبهذا يتبين لنا ضعف استدلالاتهم وتهافت تأويلاتهم والقول الحق في هذه المسألة هو ما دل عليه الكتاب والسنة وما عليه سلف الأئمة من أن الإيمان يزيد وينقص. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً﴾ "سورة آل عمران: الآية١٧٣". وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ "سورة الأنفال: الآية٢". وقال تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَاناً فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ "سورة التوبة: الآيتان ١٢٤-١٢٥". وقال تعالى: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ مَرَدّاً﴾ "سورة مريم: الآية٧٦". وقال تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدىً﴾ "سورة الكهف: الآية١٣". وقال تعالى: ﴿وَلَمَّا رَأى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلا إِيمَاناً وَتَسْلِيماً﴾ "سورة الأحزاب: الآية٢٢".

стр. 385

وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَاناً مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً﴾ "سورة الفتح: الآية٤". وقال تعالى: ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَاناً﴾ "سورة المدثر: الآية٣١". وأما الأدلة من السنة: فقد عقد البخاري باب "زيادة الإيمان ونقصانه وقول الله تعالى: ﴿وَزِدْنَاهُمْ هُدىً﴾ ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَاناً﴾ . وقال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ ، فإذا ترك شيئا من الكمال فهو ناقص" ١. ثم ساق حديث أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ قال: " يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله وفي قلبه وزن شعيرة من خير ويخرج من النار من قال: لا إله إلا الله وفي قلبه وزن برة من خير ويخرج من النار من قال: لا إله إلا الله وفي قلبه وزن ذرة من خير" ٢. ومن الأدلة: حديث عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "يا معشر النساء تصدقن وأكثرن من الاستغفار فإني رأيتكن أكثر أهل النار، فقالت امرأة منهن جزلة: وما لنا يا رسول الله أكثر أهل النار؟ قال تكثرن اللعن وتكفرن العشير ما رأيت من ناقصات عقل ودين أغلب لذي لبٍّ منكن" قالت: يا رسول الله وما نقصان العقل والدين؟ قال: "أما نقصان العقل فشهادة امرأتين تعدل شهادة رجل فهذا نقصان العقل

стр. 386

وتمكث الليالي ما تصلي وتفطر في رمضان فهذا نقصان الدين" ١. وفي صحيح مسلم: "لقي أبو بكر حنظلة الأسدي فقال كيف أنت يا حنظلة؟ قال: قلت: نافق حنظلة، قال: سبحان الله! ما تقول؟ قال: قلت: نكون عند رسول الله ﷺ يذكرنا بالنار والجنة حتى كأنا رأي عين، فإذا خرجنا من عند رسول الله ﷺ عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات، فنسينا كثيرا قال أبو بكر: فوالله إنا لنلقى مثل هذا. فانطلقت أنا وأبو بكر حتى دخلنا على رسول الله ﷺ قلت: نافق حنظلة يا رسول الله فقال رسول الله ﷺ : "وما ذاك؟ قلت: يا رسول الله نكون عندك تذكرنا بالنار والجنة حتى كأنا رأي عين، فإذا خرجنا من عندك عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات نسينا كثيرا. فقال رسول الله ﷺ : "والذي نفسي بيده إنكم لو تدومون على ما تكونون عندي من الذكر لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم ولكن يا حنظلة ساعة وساعة" ٢. ومن الأدلة حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا وخياركم خياركم لنسائكم" ٣.

стр. 387

وأما الآثار عن السلف فمنها قول عبد الله بن مسعود في دعائه: "اللهم زدنا إيمانا ويقينا وفقها" ١. وقول عمير بن حبيب الخطمي: "الإيمان يزيد وينقص قيل له: وما زيادته ونقصانه؟ قال: إذا ذكرنا الله وحمدناه وخشيناه فذلك زيادته، فإذا غفلنا وضيعنا فذلك نقصانه" ٢. وكان عمر بن الخطاب ﵁ يقول لأصحابه: "هلموا نزدد إيمانا فيذكرون الله" ٣. وكان معاذ بن جبل ﵁ يقول للرجل: "اجلس بنا نؤمن ساعة؛ فيجلسان فيذكران الله ويحمدانه" ٤. قال أبو عبيد القاسم بن سلام: "فالأمر الذي عليه السنة عندنا ما نص عليه علماؤنا مما اقتصصناه في كتابنا هذا أن الإيمان بالنية والقول والعمل جميعا، وأنه درجات بعضها فوق بعض، إلا أن أولها وأعلاها الشهادة باللسان كما قال ﷺ في الحديث الذي جعله فيه بضعة وسبعين جزءا، فإذا نطق بها القائل أقر بما جاء من عند الله لزمه اسم الإيمان بالدخول فيه بالاستكمال عند الله لا على تزكية النفوس، وكلما ازداد طاعة وتقوى ازداد به إيمانا" ٥.

стр. 388

وقال ابن عبد البر: "أجمع أهل الفقه والحديث على أن الإيمان قول وعمل ولا عمل إلا بنية، والإيمان يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية، والطاعات كلها عندهم إيمان" ١. والأدلة من الكتاب والسنة والآثار الواردة عن السلف في أن الإيمان يزيد وينقص كثيرة جدا. وبمناسبة كثرة الأدلة في هذه المسألة وعدم حصرها يقول العلامة الألوسي مفتي الحنفية في بغداد: "وما عليَّ إذا خالفتُ في بعض المسائل مذهب الإمام الأعظم أبي حنيفة ﵁ للأدلة التي لا تكاد تحصى، فالحق أحق بالاتباع، والتقليد في مثل هذه المسائل من سنن العوام" ٢. فظهر أن القول بأن الإيمان يزيد وينقص هو الصواب؛ لأنه موجب الشرع، بل وموجب العقل لما تقدم بيانه من أن التصديق يزيد وينقص وأن اليقين على ثلاث مراتب: علم اليقين، وعين اليقين، وحق اليقين. وهذا أمر معلوم بالفطرة إذ ليس المخبر كالمعاين كما تقدم من قوله ﷺ : "ليس الخبر كالمعاينة ... " ٣.

стр. 389

الفصل الثالث: الاستثناء في الإيمان منع الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى الاستثناء في الإيمان وهو أن يقول المؤمن: أنا مؤمن إن شاء الله. نص على ذلك غير واحد من أهل العلم كالتفتازاني ١ والنسفي ٢ والسمرقندي ٣، وابن الهمام٤، وقاسم بن قطلوبغا ٥. ومنع الاستثناء بناء على ما ذهب إليه في حقيقة الإيمان من أنه تصديق وإقرار باللسان، لأن القول بالاستثناء عنده يقتضي الشك في الإيمان؛ إذ التصديق أمر معلوم لا تردد فيه عند تحقيقه، ومن تردد في تحقيقه لم يكن مؤمنا قطعا. وإذا لم يكن الاستثناء للشك والتردد فالأولى أن يترك بل يقال: أنا مؤمن حقا دفعا للإيهام ٦. واستدل الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى على مذهبه بما يأتي:

стр. 390

ورد في الوصية عن أبي حنيفة أنه قال: "المؤمن مؤمن حقا والكافر كافر حقا وليس في الإيمان شك، كما ليس في الكفر شك لقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ "سورة الأنفال: الآية٤". ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقّاً﴾ "سورة النساء: الآية١٥١" ١. قال شارح الوصية: "أقول: إن من قام به التصديق فهو مؤمن حقا، ومن قام به خلافه فهو كافر حقا ... قال أهل السنة والجماعة: إذا أتى بالإيمان يقول أنا مؤمن حقا من غير شك ولا يقول: أنا مؤمن إن شاء الله..كذا في بحر الكلام" ٢. واستدل أصحاب أبي حنيفة لمذهبه ذلك بوجوه: أحدها: أنه تقرر أن الإيمان اسم للتصديق، والتصديق من المعاني الحقيقية المعلومة التي إذا تحققت في محل وجب إتصافه بها كالقعود والجلوس والسواد والبياض، ولا شك أن هذه الأوصاف إذا حصلت لشيء صح أن يقال له قاعد، جالس، أسود، أبيض، لا محالة بدون استثناء. فكذلك الإيمان إذا حصل لشخص صح أن يقال إنه مؤمن حقا بدون استثناء" ٣. الثاني: "أن من فرق بين الاستثناء في كونه مؤمنا عنده، وبين الاستثناء في كونه مؤمنا عند الله بأن يقول: أنا مؤمن ـ أي عندي ـ بلا استثناء، ولكن أنا مؤمن عند الله إن شاء الله، فتفريقه هذا باطل لأن
следующие страницы →