← Акыда

Акыда · id 7509

أصول الدين عند الإمام أبي حنيفة

محمد بن عبد الرحمن الخميس

Полный текст (640 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

وتمكث الليالي ما تصلي وتفطر في رمضان فهذا نقصان الدين" ١. وفي صحيح مسلم: "لقي أبو بكر حنظلة الأسدي فقال كيف أنت يا حنظلة؟ قال: قلت: نافق حنظلة، قال: سبحان الله! ما تقول؟ قال: قلت: نكون عند رسول الله ﷺ يذكرنا بالنار والجنة حتى كأنا رأي عين، فإذا خرجنا من عند رسول الله ﷺ عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات، فنسينا كثيرا قال أبو بكر: فوالله إنا لنلقى مثل هذا. فانطلقت أنا وأبو بكر حتى دخلنا على رسول الله ﷺ قلت: نافق حنظلة يا رسول الله فقال رسول الله ﷺ : "وما ذاك؟ قلت: يا رسول الله نكون عندك تذكرنا بالنار والجنة حتى كأنا رأي عين، فإذا خرجنا من عندك عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات نسينا كثيرا. فقال رسول الله ﷺ : "والذي نفسي بيده إنكم لو تدومون على ما تكونون عندي من الذكر لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم ولكن يا حنظلة ساعة وساعة" ٢. ومن الأدلة حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا وخياركم خياركم لنسائكم" ٣.

стр. 387

وأما الآثار عن السلف فمنها قول عبد الله بن مسعود في دعائه: "اللهم زدنا إيمانا ويقينا وفقها" ١. وقول عمير بن حبيب الخطمي: "الإيمان يزيد وينقص قيل له: وما زيادته ونقصانه؟ قال: إذا ذكرنا الله وحمدناه وخشيناه فذلك زيادته، فإذا غفلنا وضيعنا فذلك نقصانه" ٢. وكان عمر بن الخطاب ﵁ يقول لأصحابه: "هلموا نزدد إيمانا فيذكرون الله" ٣. وكان معاذ بن جبل ﵁ يقول للرجل: "اجلس بنا نؤمن ساعة؛ فيجلسان فيذكران الله ويحمدانه" ٤. قال أبو عبيد القاسم بن سلام: "فالأمر الذي عليه السنة عندنا ما نص عليه علماؤنا مما اقتصصناه في كتابنا هذا أن الإيمان بالنية والقول والعمل جميعا، وأنه درجات بعضها فوق بعض، إلا أن أولها وأعلاها الشهادة باللسان كما قال ﷺ في الحديث الذي جعله فيه بضعة وسبعين جزءا، فإذا نطق بها القائل أقر بما جاء من عند الله لزمه اسم الإيمان بالدخول فيه بالاستكمال عند الله لا على تزكية النفوس، وكلما ازداد طاعة وتقوى ازداد به إيمانا" ٥.

стр. 388

وقال ابن عبد البر: "أجمع أهل الفقه والحديث على أن الإيمان قول وعمل ولا عمل إلا بنية، والإيمان يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية، والطاعات كلها عندهم إيمان" ١. والأدلة من الكتاب والسنة والآثار الواردة عن السلف في أن الإيمان يزيد وينقص كثيرة جدا. وبمناسبة كثرة الأدلة في هذه المسألة وعدم حصرها يقول العلامة الألوسي مفتي الحنفية في بغداد: "وما عليَّ إذا خالفتُ في بعض المسائل مذهب الإمام الأعظم أبي حنيفة ﵁ للأدلة التي لا تكاد تحصى، فالحق أحق بالاتباع، والتقليد في مثل هذه المسائل من سنن العوام" ٢. فظهر أن القول بأن الإيمان يزيد وينقص هو الصواب؛ لأنه موجب الشرع، بل وموجب العقل لما تقدم بيانه من أن التصديق يزيد وينقص وأن اليقين على ثلاث مراتب: علم اليقين، وعين اليقين، وحق اليقين. وهذا أمر معلوم بالفطرة إذ ليس المخبر كالمعاين كما تقدم من قوله ﷺ : "ليس الخبر كالمعاينة ... " ٣.

стр. 389

الفصل الثالث: الاستثناء في الإيمان منع الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى الاستثناء في الإيمان وهو أن يقول المؤمن: أنا مؤمن إن شاء الله. نص على ذلك غير واحد من أهل العلم كالتفتازاني ١ والنسفي ٢ والسمرقندي ٣، وابن الهمام٤، وقاسم بن قطلوبغا ٥. ومنع الاستثناء بناء على ما ذهب إليه في حقيقة الإيمان من أنه تصديق وإقرار باللسان، لأن القول بالاستثناء عنده يقتضي الشك في الإيمان؛ إذ التصديق أمر معلوم لا تردد فيه عند تحقيقه، ومن تردد في تحقيقه لم يكن مؤمنا قطعا. وإذا لم يكن الاستثناء للشك والتردد فالأولى أن يترك بل يقال: أنا مؤمن حقا دفعا للإيهام ٦. واستدل الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى على مذهبه بما يأتي:

стр. 390

ورد في الوصية عن أبي حنيفة أنه قال: "المؤمن مؤمن حقا والكافر كافر حقا وليس في الإيمان شك، كما ليس في الكفر شك لقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ "سورة الأنفال: الآية٤". ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقّاً﴾ "سورة النساء: الآية١٥١" ١. قال شارح الوصية: "أقول: إن من قام به التصديق فهو مؤمن حقا، ومن قام به خلافه فهو كافر حقا ... قال أهل السنة والجماعة: إذا أتى بالإيمان يقول أنا مؤمن حقا من غير شك ولا يقول: أنا مؤمن إن شاء الله..كذا في بحر الكلام" ٢. واستدل أصحاب أبي حنيفة لمذهبه ذلك بوجوه: أحدها: أنه تقرر أن الإيمان اسم للتصديق، والتصديق من المعاني الحقيقية المعلومة التي إذا تحققت في محل وجب إتصافه بها كالقعود والجلوس والسواد والبياض، ولا شك أن هذه الأوصاف إذا حصلت لشيء صح أن يقال له قاعد، جالس، أسود، أبيض، لا محالة بدون استثناء. فكذلك الإيمان إذا حصل لشخص صح أن يقال إنه مؤمن حقا بدون استثناء" ٣. الثاني: "أن من فرق بين الاستثناء في كونه مؤمنا عنده، وبين الاستثناء في كونه مؤمنا عند الله بأن يقول: أنا مؤمن ـ أي عندي ـ بلا استثناء، ولكن أنا مؤمن عند الله إن شاء الله، فتفريقه هذا باطل لأن

стр. 391

الإيمان إذا تحقق في الحقيقة كان صاحبه مؤمنا عند الله حقيقة أيضا؛ إذ لا شك في حصول الإيمان الآن، وإنما الشك في كون الإيمان باقيا عند موت صاحبه؛ لأن كون الرجل يموت على الإيمان خارج عن موضوعنا هذا. بل الكلام في صحة إطلاق المؤمن على من عنده إيمان لا استثناء، سواء يبقى هذا الإيمان أم يزول، كما أن من حصل له القعود والقيام صح إطلاق قاعد وقائم عليه بلا استثناء سواء يزول القعود والقيام أم لا"١. الثالث: "أن الله قد شهد قطعا بالإيمان لمن آمن بالله ورسله بدون استثناء فقال: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ "سورة البقرة: الآية٢٨٥" ... "٢. الرابع: "أن الله تعالى مدح المؤمنين بقطعهم بإيمانهم دون استثناء حيث قال حكاية عن المؤمنين: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا﴾ "سورة آل عمران: الآية١٩٣". ولم يأمرهم بالاستثناء" ٣. الخامس: "أن الاستثناء يرفع جميع العقود نحو الطلاق والعتاق والنكاح والبيع فكذلك يرفع عقد الإيمان" ٤. السادس: استدل قاسم بن قطلوبغا بحديث الحارث بن مالك الأنصاري ولفظه: "أنه مر برسول الله ﷺ فقال له: كيف أصبحت يا حارث؟

стр. 392

قال: أصبحت مؤمنا حقا". وحديث عبد الله بن زيد الخطمي ولفظه: "إذا سئل أحدكم أمؤمن أنت فلا يشك". وحديث علي بن أبي طالب ولفظه: " كنا جلوسا عند النبي ﷺ إذ دخل علينا عويمر أبو الدرداء فقال: يا نبي الله، إني أقول: أنا مؤمن حقا فقال: يا أبا الدرداء، إن لم تقل حقا فكأنك قلتَ أنا مؤمن باطلا". الجواب عن أدلة أبي حنيفة وأصحابه: "أ" الجواب عن دليل أبي حنيفة: قول الإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى: المؤمن مؤمن حقا والكافر كافر حقا وليس في الإيمان شك، كما ليس في الكفر شك ... ". الجواب عنه: إن هذا استدلال في غير محله، لأن قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ . ورد بعد قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ "سورة الأنفال: الآية٢". فالمؤمنون حقا هم المتصفون بهذه الصفات، وليس كل مؤمن كذلك. فهؤلاء هم الكمّل من المؤمنين الذي حققوا الإيمان ظاهرا وباطنا. ومن لم يتصف بتلك الصفات التي ذكرها الله لم يكن مؤمنا حقا، وإن كان مؤمنا، كما يفيد ذلك القصرُ في قوله تعالى: ﴿حَقّاً لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ "سورة الأنفال: الآيات٤". المعنى هؤلاء هم المؤمنون حقا لا غيرهم، فكيف يصح مع ذلك أن يقول كل من حصل له أصل الإيمان أنا مؤمن حقا. أما قوله: "فليس في

стр. 393

الإيمان شك". فنعم، إن الشك ينافي صحة الإيمان فلا يجتمع الإيمان والشك. وهذا لا يوجب منع الاستثناء في الإيمان على وجه البراءة من تزكية النفس، لكن يوجب منع الاستثناء على وجه التردد، وهذا لا يصدر ممن يؤمن بالله واليوم الآخر ولا يقصده من يعلم من نفسه الإيمان واليقين. "ب" الجواب عن أدلة أصحاب أبي حنيفة: الدليل الأول: "إنه تقرر أن الإيمان اسم للتصديق، والتصديق من المعاني الحقيقية المعلومة ... ". الجواب عنه: يقال: إن أساس هذه الشبهة هو أن الإيمان هو التصديق بالقلب فقط، وأنه لا يزيد ولا ينقص. وهذا الأساس باطل والحق المعلوم بالاضطرار من دين الإسلام أن الإيمان هو التصديق بالجنان، والإقرار باللسان، والعمل بالأركان كما تقدم بيانه. وإذا ثبت أن الإيمان شيء مركب من أمور ثلاثة وأنه يزيد وينقص وأن الإيمان له مقتضيات ومتطلبات قد لا تتوفر في مدعي الإيمان، فليس الإيمان مثل القعود والقيام ونحوهما من الأمور المحسوسة المعلومة بالقطع، حتى يقطع الإنسان بأنه مؤمن كما يقطع بأنه قاعد أو قائم، لأن الإيمان من الكيفيات النفسانية ومن الأمور غير المحسوسة، فلا يمكن للإنسان أن يجزم قطعا بأنه أتى بجميع متطلبات الإيمان وجميع مقتضياته، وأنه قد تجنب جميع ما يناقض الإيمان ويخالفه إذا فقياس "الإيمان" على "القيام والقعود" قياس مع الفارق، لأن الإنسان إذا قام أو قعد صح أن يقال عنه: إنه قائم أو قاعد لأن ذلك من الأمور المحسوسة التي تختلف عن الأمور القلبية والنفسية كالإيمان الذي له مقتضياته ومتطلباته فإذا قال:

стр. 394

أنا مؤمن "بدون الاستثناء " فقد زكى نفسه بشيء لم يتوفر فيه مقتضياته وقال قولا بدون علم. فالحاصل أن قياس الإيمان على القيام والقعود باطل، لأنه قياس مع الفارق، وتمثيل في غير محله، وخارج عن الموضوع والله أعلم. الدليل الثاني: "إن من فرق بين الاستثناء في كونه مؤمنا عنده، وبين الاستثناء في كونه مؤمنا عند الله ... ". الجواب عنه: يقال: إن هذه الشبهة مبنية على أساسين: الأول: أنه ظن أن الاستثناء في الإيمان لأجل الموافاة والخاتمة، لا لأجل الإيمان الموجود الآن. الثاني: أنه لا فرق بين كون الرجل مؤمنا عند نفسه وبين كونه مؤمنا عند الله. وكلا هذين الأساسين ممنوع: أما الأول: فلأن سلف هذه الأمة وأئمة السنة لم يقولوا بجواز الاستثناء في الإيمان لأجل الموافاة، والخاتمة، وليس هذا مأخذهم في جواز الاستثناء قطعا، وهذا خارج عن محل النزاع، بل محل النزاع هو الإيمان الحالي الموجود الآن، فكان سلف هذه الأمة وأئمة السنة يرون جواز الاستثناء في الإيمان الموجود بقطع النظر عن الموافاة والخاتمة لئلا يقع الإنسان في تزكية نفسه بدون علم. والذي ظن أن السلف إنما كانوا يجوِّزون الاستثناء في الإيمان، إنما أرادوا الموافاة والخاتمة فقد أبعد النجعة وأتى بالباطل وكذب على سلف

стр. 395

هذه الأمة أو أخطأ عليهم في بيان تفسير مأخذهم ظنا منه أن هذا هو مذهب السلف، فأخطأ في بيان مذهبهم، ومثل هذا قد وقع فيه بعض الكلابية والأشعرية بل بعض من ينتسب إلى مذهب الإمام أحمد وغيرهم أيضا، مع أن كلام بعض السلف صريح في أن الاستثناء في الإيمان لأجل أن ألا يقع الإنسان في تزكية نفسه، ولم يقل أحد منهم إن الاستثناء لأجل الموافاة والخاتمة ١. وأما الثاني: فلا شك أن الرجل يكون مؤمنا عند نفسه ولا يكون مؤمنا عند الله، كالذي يرتكب شركا أكبر أو غيره من نواقض الإسلام ومع ذلك يظن أنه مؤمن وهذا واضح أفلا يحبط عمل الإنسان وهو لا يشعر؟ فكيف مع ذلك يقال أن من كان مؤمنا عند نفسه يجب أن يمون مؤمنا عند الله". ولا شك أن من كان مؤمنا كما أمر الله فهو مؤمن عند الله، ولا يقدح فيه الاستثناء الذي منشؤه الحذر من تزكية النفس، وإنما يقدح فيه الاستثناء الذي منشؤه الشك. ومعلوم أن الاستثناء على هذا الوجه لا يصدر من مؤمن صحيح الإيمان؛ لأن الإيمان والشك لا يجتمعان. الدليل الثالث: "إن الله قد شهد قطعا بالإيمان لمن آمن بالله ورسله بدون استثناء ... ". الجواب عنه: يقال: إن قياس شهادة العبد لنفسه بالإيمان بدون استثناء على شهادة الله تعالى للمؤمنين بالإيمان بدون الاستثناء قياس باطل، لأن الله

стр. 396

تعالى لا يقول إلا حقا ولا يشهد إلا على حق واقع، فإذا شهد الله تعالى لشخص أو أشخاص بالإيمان دل ذلك قطعا ويقينا على حصول الإيمان وأنهم مؤمنون. وهكذا شهادة رسول الله ﷺ لشخص بالإيمان دليل على كونه مؤمنا حقا يقينا، أما شهادة الناس بعضهم لبعض بالإيمان، أو شهادة الشخص لنفسه بالإيمان؛ فقد تكون صحيحة وقد تكون غير صحيحة، ولهذا أنكر الله تعالى على الأعراب حين ادّعوا الإيمان حين لم يتمكن الإيمان في قلوبهم قال تعالى: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الأِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ "سورة الحجرات: الآية١٤". فقد ظنوا أنفسهم مؤمنين كغيرهم من المؤمنين المجاهدين الصادقين المذكورين في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ "سورة الحجرات: الآية١٥". ولم يكن هؤلاء الأعراب كذلك. الدليل الرابع: " أن الله تعالى مدح المؤمنين بقطعهم بإيمانهم دون استثناء ... " الجواب عنه: يقال: ما في هذه الآية خارج عن محل النزاع لأن النزاع في قول القائل: أنا مؤمن إن شاء الله بصيغة اسم الفاعل وبالجملة الاسمية التي تدل على الثبات والدوام فتشعر بالكمال الذي في دعواه تزكية النفس، وأما الجملة الفعلية فهي بخلاف ذلك، ثم إنها في الآية قد وردت في مقام التوسل إلى الله، لا في مقام الإخبار عن النفس في خطاب الناس الذي تدخله الدعوى والفخر. وفي ضوء هذا الفرق بين الجملة الاسمية والفعلية

стр. 397

يجوز أن يقول المرء: آمنت بالله ورسله وكتبه بدون استثناء وقد كان السلف يرون الاستثناء في الإيمان بأن يقول المرء: أنا مؤمن إن شاء الله، ولكن لو قال: آمنت بالله وملائكته وكتبه ورسله لم يحتج للاستثناء. قال الإمام أبو بكر الخلال جامع علوم الإمام أحمد: "أخبرني أحمد بن أصرم المزني أن أبا عبد الله قيل له: إذا سألني رجل أمؤمن أنت؟ قال: سؤاله إياك بدعة، لا يشك في إيمانك أو قال لا نشك في إيماننا. قال المزني: وحفظي أن أبا عبد الله قال: أقول كما قال طاووس: آمنت بالله وملائكته وكتبه ورسله"١. وهذا لأن المرء إذا قصد الإيمان المطلق الكامل ينبغي له أن يستثني، وإذا قصد مطلق الإيمان فلا يحتاج إلى الاستثناء. قال شيخ الإسلام: " ... فلما علم السلف مقصدهم ـ يعني كيد المرجئة ـ صاروا يكرهون الجواب ـ أي جواب قولهم أمؤمن أنت ـ أو يفصلون في الجواب، وهذا لأن لفظ الإيمان فيه إطلاق وتقييد، فكانوا يجيبون بالإيمان المقيد الذي لا يستلزم أنه شاهد فيه لنفسه بالكمال، ولهذا كان الصحيح أنه يجوز أن يقال: أنا مؤمن بلا استثناء إذا أراد ذلك، لكن ينبغي أن يقرن كلامه بما يبين أنه لم يرد الإيمان المطلق الكامل ولهذا كان أحمد يكره أن يجيب عن المطلق بلا استثناء يقدمه" ٢.

стр. 398

وقال: فصل: وأما الاستثناء في الإيمان ... فالناس فيه على ثلاثة أقوال: منهم من يوجبه، ومنهم من يحرمه، ومنهم من يجوز الأمرين باعتبارين، وهذا أصح الأقوال ... "١. فتبين بهذا أن قول السلف في الاستثناء راجع إلى أن الإيمان يزيد وينقص فلما كان الإيمان منه مطلق ومقيد فهو على مرتبتين: مرتبة الإيمان المطلق الكامل، ومرتبة مطلق الإيمان؛ فأجازوا الاستثناء في الأول دون الثاني. الدليل الخامس: "إن الاستثناء يرفع جميع العقود نحو الطلاق والعتاق والنكاح والبيع فكذلك يرفع عقد الإيمان". الجواب عنه: أن يقال هذا من التلبيس، فإنه ليس النزاع في الاستثناء في عقد الإيمان، وهو ما يحصل به الدخول في الإسلام؛ فإن ذلك عقد ينافيه الاستثناء، وإنما النزاع في قول المسلم مخبرا عن نفسه: أنا مؤمن وهذا إخبار وليس بإنشاء. الدليل السادس: استدل قاسم بن قطلوبغا بحديث الحارث بن مالك الأنصاري ولفظه: "أنه مر برسول الله ﷺ فقال له: كيف أصبحت يا حارث؟ قال: أصبحت مؤمنا حقا". وحديث عبد الله بن زيد الخطمي ولفظه: " إذا سئل أحدكم أمؤمن أنت فلا يشك ".

стр. 399

وحديث علي بن أبي طالب ولفظه: "كنا جلوسا عند النبي ﷺ إذ دخل علينا عويمر أبو الدرداء فقال: يا نبي الله، إني أقول: أنا مؤمن حقا فقال: يا أبا الدرداء، إن لم تقل حقا فكأنك قلتَ أنا مؤمن باطلا". الجواب عنه: أما حديث الحارث بن مالك فأخرجه الطبراني في المعجم الكبير ٣/٣٠٢ من طريق زيد بن الحباب، قال: حدثنا ابن لهيعة، عن خالد بن يزيد السكسكي، عن سعيد بن أبي هلال، عن محمد بن الجهم، عن الحارث بن مالك، قال الهيثمي: "رواه الطبراني في الكبير وفيه ابن لهيعة وفيه من يحتاج إلى الكشف عنه"١. فيظهر لي أنه أراد بمن يحتاج إلى الكشف عنه محمد بن الجهم فلم أر من ترجم له سوى الحافظ ابن حجر، إذ ذكره في القسم الرابع من الإصابة وقال: إنه من أتباع التابعين ٢. وعلى هذا فإسناد هذا الحديث منقطع؛ إذ محمد بن الجهم لم يدرك أحدا من الصحابة. وأخرجه عبد الرزاق في المصنف ١١/١٢٩ ح"٢١١٤" من طريق معمر عن صالح بن مسمار وجعفر بن برقان أن النبي ﷺ قال: للحارث بن مالك، وأخرجه ابن المبارك في كتاب الزهد ص١٠٦ ح"٣١٤" من طريق معمر عن صالح بن مسمار أن رسول الله ﷺ قال للحارث بن مالك، وأورده ابن حجر في الإصابة وقال: "هو معضل" ٣. وأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ١١/٤٣ ح"١٠٤٧٤" وفي كتاب

стр. 400

الإيمان ص٣٨ من طريق ابن نمير عن مالك بن مغول عن زبيد. قال الألباني في حاشيته على كتاب الإيمان لابن أبي شيبة: "والحديث معضل فإن زبيدا من الطبقة السادسة التي لم تلق أحدا من الصحابة". وأخرجه البزار كما في كشف الأستار ١/٢٦ ح"٣٢"، والبيهقي في الشعب كما في الإصابة ١/٣٠٣ كلاهما من طريق يوسف بن عطية عن ثابت عن أنس بن مالك. قال البزر على أثره: "تفرد به يوسف وهو لين الحديث". وقال الهيثمي: "رواه البزار وفيه يوسف بن عطية لا يحتج به" ١. وقال البيهقي كما في الإصابة: "منكر وقد خبط فيه يوسف فقال: مرة: الحارث، وقال مرة: حارثة" ٢. قلت: يوسف بن عطية قال عنه الحافظ في التقريب: "متروك" ٣. وأما حديث عبد الله بن زيد الخطمي فأخرجه الطبراني كما في مجمع الزوائد ١/٥٥، وقال عنه الهيثمي: "وفي إسناده أحمد بن بديل وثقه النسائي وأبو حاتم وضعفه آخرون". قلت: قال فيه الحافظ في التقريب: "صدوق له أوهام" ٤. لكن الحديث لو صح؛ لم يكن دليلا على منع الاستثناء في الإيمان الذي يقول به أهل السنة، بل على منع الاستثناء الذي يتضمن الشك والتردد في الإيمان، وهو محرم عند الجميع، لأنه يناقض الإيمان. فالحديث يدل

стр. 401

على منع الشك في الإيمان، لا على منع الاستثناء الذي يقول به أهل السنة خوفَ التزكية بدون علم مع عدم "الشك" في الإيمان. وهذا الحديث لا ينافي الاستثناء فضلا عن أن الاستدلال بهذا الحديث باطل. وأما حديث علي فأخرجه غنجار في تاريخ بخارى، كما في حاشية ابن قطلوبغا على المسايرة ١، ولم يذكر إسناده حتى ينظر فيه، وحسبه أنه غير صحيح؛ لأنه يستبعد أن يكون هناك حديث مرفوع إسناده صحيح وتهمله جميع دواوين السنة ليحفظه لنا غنجار في تاريخ بخاري، ثم إن لفظه أشبه بلفظ الأحاديث الموضوعة البعيدة عن حسن بيانه ﷺ وفصاحة تعبيره. ثم إن المستدل به لا يقول بمقتضاه وهو وجوب قول العبد: أنا مؤمن حقا بل يكفي عندهم قول: أنا مؤمن. فواعجبا لأهل الكلام يقولون: إن أخبار الآحاد ظنية فلا يحتجون بها في العقائد، ثم يحتجون بمثل هذا الحديث الذي لا يعرف في كتب السنة المسندة، أليس هذا تناقضا واضحا؟. وبعد فقد تبين مما تقدم ضعف القول بتحريم الاستثناء في الإيمان، كما هو قول الإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى وأصحابه. ويقابل هذا القول قول طائفة أوجبت الاستثناء، لأن الإيمان عندهم هو ما يموت عليه صاحبه، والإنسان لا يعلم هل يموت مؤمنا أو كافرا، ولا يعتدون بالإيمان السابق قبل الموافاة ٢. فعلى هذا الاعتبار قالوا بوجوب الاستثناء، ونسبه شيخ الإسلام إلى الكلابية وغيرهم ممن يرون الاستثناء مع القول بعدم تفاضل الإيمان ... قال شيخ الإسلام: "وهذا المأخذ مأخذ كثير من

стр. 402

المتأخرين من الكلابية وغيرهم ممن يريد أن ينصر ما اشتهر عن أهل السنة والحديث من قولهم: أنا مؤمن إن شاء الله؛ ويريد مع ذلك أن الإيمان لا يتفاضل، ولا يشك الإنسان في الموجود منه وإنما يشك في المستقبل" ١. فدعوى أن الإيمان المعتبر عند الله هو ما يوافي عليه العبد ربه، وأنه لا عبرة به قبل ذلك غير صحيحة، وطرد هذا أن الكافر ليس بكافر في الحال إلا بشرط أن يموت على الكفر، ثم إن هذا المعنى ليس هو تعليل السلف فهم لم يوجبوا الاستثناء لأجل هذا، وإنما قالوا بوجوبه خشية تزكية الإنسان لنفسه بدون علم. فالموافاة عندهم شرط بالفوز ودخول الجنة، لا شرط في ثبوت الإيمان في الحال. وهناك مأخذ ثان: وهو أن الإيمان المطلق يتضمن فعل ما أمر الله به عبده كله، وترك ما نهاه عنه كله، فإذا قال الرجل: أنا مؤمن بهذا الاعتبار فقد شهد لنفسه أنه من الأبرار المتقين القائمين بجميع ما أمروا به، وترك كل ما نهوا عنه فيكون من أولياء الله ٢. فهذا المأخذ يقتضي وجوب الاستثناء لكن لا يمنع من ترك الاستثناء إذا أريد أصل أو مطلق الإيمان. وقول الطائفتين خطأ. القول بتحريم الاستثناء مطلقا أو وجوبه مطلقا، والمذهب الحق هو الوسط؛ فلا إفراط ولا تفريط وهو الذي عليه السلف؛ فأجازوا الاستثناء باعتبار، ومنعوه باعتبار آخر، فأجازوه خوف تزكية الإنسان نفسه، ومنعوه إذا أراد المستثني الشك في أصل إيمانه ٣.

стр. 403

قال الآجري: "من صفة أهل الحق ممن ذكرنا من أهل العلم الاستثناء في الإيمان لا على جهة الشك نعوذ بالله من الشك في الإيمان، ولكن خوف التزكية لأنفسهم من الاستكمال بالإيمان، لا يدري أهو ممن يستحق حقيقة الإيمان أم لا؟ وذلك أن أهل العلم من أهل الحق إذا سألوا: أمؤمن أنت؟ قال: آمنت بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والجنة والنار وأشباه هذا، والناطق بهذا، والمصدق به بقلبه مؤمن، وإنما الاستثناء بالإيمان لا يدري أهو ممن يستوجب ما نعت الله به المؤمنين من حقيقة الإيمان أم لا؟ هذا طريق الصحابة ﵃ والتابعين لهم بإحسان، عندهم أن الاستثناء في الأعمال، لا يكون في القول والتصديق بالقلب، وإنما الاستثناء في الأعمال الموجبة لحقيقة الإيمان، والناس عندهم على الظاهر مؤمنون به يتوارثون، وبه يتناكحون، وبه تجري أحكام ملة الإسلام، ولكن الاستثناء منهم على حسب ما بيناه لك وبينه العلماء من قبلنا ... "١. ومن خلال ما تقدم يتبين لنا أن السلف سلكوا مسلكا وسطا في الاستثناء وتركه، وفصلوا في ذلك، فلم يقولوا بتحريم الاستثناء مطلقا كقول المرجئة، ولا بوجوب الاستثناء مطلقا كقول الكلابية، وإنما أوجبوه في حال، ومنعوه في حال، مستدلين بأدلة ٢ من الكتاب والسنة. فمن الكتاب قوله تعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحاً قَرِيباً﴾ "سورة الفتح: الآية٢٧".

стр. 404

وقوله تعالى: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدا﴾ "سورة الكهف: الآيتان ٢٣-٢٤". أما من السنة النبوية فحديث عائشة ﵂ قالت: "كان رسول الله ﷺ يخرج من آخر الليل فيقول: "السلام عليكم دار قوم مؤمنين وأتاكم ما توعدون غدا مؤجلون، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد" ١. وحديث أبي هريرة ﵁ قال: "قال رسول الله ﷺ "لكل نبي دعوة مستجابة فتعجل كل نبي دعوته وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة فهي نائلة إن شاء الله من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئا" ٢. وورد الاستثناء عن بعض الصحابة والتابعين من ذلك ما رواه أو عبيد القاسم بن سلام: "أن رجلا قال عند ابن مسعود: أنا مؤمن فقال ابن مسعود: أأنت من أهل الجنة؟ فقال: أرجو، فقال ابن مسعود: أفلا وكلت الأولى كما وكلت الأخرى" ٣. وروى اللالكائي عن جرير بن عبد الحميد قال: "كان الأعمش وإسماعيل بن أبي خالد وعمارة بن القعقاع والعلاء بن المسييب

стр. 405

وابن شبرمة ١ وسفيان الثوري وحمزة الزيات يقولون: نحن مؤمنون إن شاء الله ويعيبون على من لا يستثني" ٢. وروى الآجري عن الفضل بن زياد قال: "سمعت أبا عبد الله ـ أحمد بن حنبل ـ يقول: إذا قال: أنا مؤمن إن شاء الله فليس بشاك، قيل له: إن شاء الله أليس هو شك فقال: معاذ الله أليس قد قال الله : ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ "سورة الفتح: الآية٢٧". وفي علمه أنهم يدخلونه، وصاحب القبر إذا قيل له: وعليه تبعث إن شاء الله فأي شك ها هنا. وقال النبي ﷺ : "وإنا إن شاء الله بكم لاحقون" ٣ ... " ٤. إلى غير ذلك من الأدلة الصريحة، فالمقصود أن من أوجب الاستثناء مطلقا؛ فقد بالغ في إثبات الاستثناء وأفرط في ذلك، ومن حرم الاستثناء مطلقا واستند إلى دعوى لم تصح وهي أن الإيمان عبارة عن التصديق القلبي فحسب؛ فقد غالط وخالف النصوص وفرق. وأما من يوجبه في حال ويمنعه في حال آخر؛ فهو أسعد الناس بالدليل لحرصه على مسايرة النصوص الشرعية واتباع ما تدل عليه دون إفراط ولا تفريط.

стр. 406

الفصل الرابع: علاقة الإسلام بالإيمان اختلف الناس في مسمى الإيمان والإسلام على مذاهب: أحدها: أن الإسلام والإيمان شيء واحد وهما مترادفان، وهذا قول البخاري على ما قاله الحافظ ابن حجر في الفتح ١ والمزني ٢، والمروزي ٣، وابن مندة ٤، وابن عبد البر ٥ والبغوي ٦ وأبو يعلى ٧. الثاني: التفريق بين الإسلام والإيمان، فالإسلام الكلمة، والإيمان العمل. وهذا قول الزهري ٨.

стр. 407

الثالث: قول طائفة أجابوا بما أجاب به النبي ﷺ حين سئل عن الإسلام والإيمان، حيث فسر الإسلام بالأعمال الظاهرة، والإيمان بالإيمان بالأصول الستة، ذكره ابن أبي العز ١ ولم ينسبه لأحد. الرابع: ان النسبة بين الإسلام والإيمان عموم وخصوص مطلق. فالإسلام أعم مطلقا والإيمان أخص مطلقا، وذلك أن الإسلام اسم لما ظهر من الأعمال، والإيمان اسم لما بطن من الاعتقاد كما في حديث جبريل. فدل على أن المسلم قد يكون مؤمنا. وقد لا يكون مؤمنا أما المؤمن فهو مسلم في جميع الأحوال، فالمسلم أعم مطلقا والمؤمن أخص مطلقا. فكل مؤمن مسلم ولا عكس إذ يجوز أن يكون مسلما ولا يكون مؤمنا. وإليه ذهب الإمام أبو سليمان الخطابي ٢. الخامس: أن الإيمان والإسلام يتفقان في موطن إذا أفردا ويختلفان في موطن آخر إذا ذكرا معا، فقد يطلق الإسلام ويراد به ما يشمل الإيمان، ويطلق الإيمان ويراد به ما يشمل الإسلام كذلك، وقد يذكر الإسلام ولا يراد به الإيمان وقد يطلق الإيمان ولا يراد به الإسلام. وحاصل هذا المذهب أن الإسلام والإيمان إذا افترقا اجتمع مدلولهما، وإذا اجتمعا اختلف مدلولهما، وهذا قول أبي بكر الإسماعيلي ٣ وابن الصلاح ٤ وشيخ الإسلام ٥ وابن رجب ٦ وابن

стр. 408

أبي العز ١. أما أبو حنيفة فهل الإسلام والإيمان عنده بمعنى واحد؟ أم أن أحدهما غير الآخر؟ فالذي ورد في الفقه الأكبر برواية ابنه حماد ما حاصله أن الإسلام والإيمان بينهما فرق من ناحية اللغة، فالإسلام هو التسليم والانقياد لأوامر الله، والإيمان هو التصديق كما تقدم تقرير مذهبه، فيطلق الإسلام على الأعمال ظاهرة والإيمان على التصديق. وأما من ناحية الشرع فبين الإسلام والإيمان تلازم فلا يوجد إسلام بلا إيمان ولا إيمان بلا إسلام. قال أبو حنيفة: "والإسلام هو التسليم والانقياد لأوامر الله تعالى، فمن طريق اللغة فرق بين الإسلام والإيمان، ولكن لا يكون إيمان بلا إسلام، ولا يوجد إسلام بلا إيمان فهما كالظهر مع البطن. والدين اسم واقع على الإيمان والإسلام والشرائع كلها ٢" ٣. وهذا يدل دلالة صريحة على المغايرة بين مسمى الإيمان والإسلام في اللغة لكنهما في الشرع متلازمان. هذا وقد شرح المغنساوي كلام الإمام أبي حنيفة هذا على وفق ما تقدم ذكره وكذا القاري٤.

стр. 409

وزاد المغنساوي قائلا في شرح كلام أبي حنيفة: "ولا يوجد إسلام بلا إيمان: لأن الإسلام هو التسليم والانقياد لأوامر الله تعالى وذلك لا يوجد إلا بعد التصديق والإقرار، فلا يعقل بحسب الشرع مؤمن ليس بمسلم، أو مسلم ليس بمؤمن، وهذا مراد القوم بترادف الاسمين واتحاد المعنى" ١. قلت: مراده بالقوم هاهنا الحنفية الماتريدية ومعنى ترادف الاسمين مع اتحاد المعنى أن يكون لمسمى واحد اسمان فما فوق. قال الجرجاني: "الترادف عبارة عن الاتحاد في المفهوم وقيل: هو توالي الألفاظ المفردة على شيء واحد باعتبار واحد" ٢. أما الحنفية الماتريدية فنجد بعضهم يصرح بأن الإسلام والإيمان مترادفان: منهم أبو المعين النسفي فقد قال: "فصل. وإذا عرف أالإيمان هو التصديق؛ عُرف أن الإيمان والإسلام واحد. والاسمان من قبيل الأسماء المترافة وكل مسلم مؤمن وكل مؤمن مسلم" ٣. ونرى بعضهم يصرح بأنهما واحد، كنور الدين الصابوني فقد قال: "ثم إن الإسلام والإيمان واحد عندنا خلاف أصحاب الظواهر وذلك أن الإيمان تصديق الله تعالى فيما أخبر من أمره ونواهيه والإسلام هو الانقياد

стр. 410

والخضوع للألوهية فالإيمان لا ينفك عن الإسلام حكما فلا يتغايران" ١. وعمر النسفي فقد قال: "والإيمان والإسلام واحد" ٢. وقال التفتازاني ٣ في تعليل هذا القول: عين ما نقلت عن الصابوني آنفا وهكذا عبد الله النسفي فقد صرح بأنهما واحد، وقال في تفسيره لقوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ "سورة الذريات: الآيتان ٣٥-٣٦". قال: "وفيه دليل على أن الإسلام والإيمان واحد" ٤. والذي يظهر لي أن هؤلاء الذين قالوا بالترادف لا يقصدون الترادف الاصطلاحي بمعنى أن الإسلام والإيمان اسمان لمسمى واحد، بل يقصدون أن الإسلام والإيمان في الشرع لا ينفك أحدهما عن الآخر، فهما متلازمان. وهذا يوافق ما قاله أبو حنيفة في الفقه الأكبر، ولذلك قال المغنساوي في التوفيق بين قول من قال بالترادف ومن قال بالتلازم: "وهذا مراد القوم بترادف الاسمين واتحاد المعنى" ٥. وقد علمنا مما تقدم من قول الصابوني، وشارح الفقه الأكبر المغنساوي أن معنى ترادف الإسلام والإيمان كونهما متلازمين، فيرجع هذا القول في المعنى إلى ما تقدم عن الإمام أبي حنيفة من التغاير مع التلازم بين الإسلام والإيمان. أما ما ذكره أبو المعين النسفي فلا يتفق مع مذهب

стр. 411

أبي حنيفة ويلزم منه على قوله أن الإيمان هو التصديق، وأن الإسلام كذلك هو التصديق. قال ابن أبي العز في مناقشة القول بأن الإسلام والإيمان مترادفان: "وطائفة جعلوا الإسلام مرادفا للإيمان ... مع أنهم قالوا: إن الإيمان هو التصديق بالقلب ثم قالوا: الإسلام والإيمان شيء واحد فيكون الإسلام هو التصديق، وهذا لم يقله أحد من أهل اللغة وإنما هو الانقياد والطاعة، وقد قال النبي ﷺ : "اللهم لك أسلمت وبك آمنت" ١ ... "٢. واستدل أبو المعين النسفي بما يأتي: ١- قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الأِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ "سورة آل عمران: الآية٨٥". ٢- قوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الأِسْلامُ﴾ "سورة آل عمران: الآية١٩". ٣- قوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ "سورة الذريات: الآيتان ٣٥-٣٦". ٤- وقوله تعالى حكاية عن موسى: ﴿وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ "سورة يونس: الآية٨٤". ٥- وقوله تعالى: ﴿إِنْ تُسْمِعُ إِلا مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ﴾ "سورة الروم: الآية٥٣".

стр. 412

٦- قول النبي ﷺ : "لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة" ١، وفي رواية: "إلا نفس مسلمة"٢. الجواب عن أدلة أبي معين النسفي: "أ" أن يقال: إن غاية ما في هاتين الآيتين: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الأِسْلامِ ... ﴾ ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الأِسْلامُ﴾ أن كل دين غير دين الإسلام باطل. وليس فيهما إشارة إلى أن الإسلام المذكور في هاتين الآيتين هو الإسلام الشرعي المتضمن للإيمان الشرعي. وليس المراد بالإسلام في هاتين الآيتين الانقياد ظاهرا فقط، فلا دلالة في هذه الآية على أن الإسلام والإيمان مترادفان. "ب" أما قوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ . فغاية ما في هذه الآية جواز إطلاق المؤمن على المسلم وليس فيهما إشارة إلى ترادفهما. قال ابن أبي العز: "فلا حجة فيه لأن أهل البيت المُخرَج كانوا متصفين بالإسلام والإيمان ولا يلزم من الاتصاف بهما ترادف" ٣. وأيضا رد هذا الاستدلال أحد أئمة الحنفية الماتريدية الهندية

стр. 413

عبد العزيز الفريهاري حيث قال: "الاستثناء لا يلزم اتحاد االمستثنى والمستثنى منه، بل يجوز أن يكون الأول أعم، كقولك أخرجنا العلماء فلم نجد إلا النحاة" ١. "ج" وأما الاستدلال بقوله تعالى حكاية عن موسى: ﴿وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ "سورة يونس: الآية٨٤". وقوله تعالى: ﴿إِنْ تُسْمِعُ إِلا مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ﴾ "سورة الروم: الآية٥٣". يقال: غاية ما في هاتين الآيتين صحة إطلاق المسلم على المؤمن لأن الإسلام والإيمان مترادفان أعني أن هؤلاء كانوا مسلمين مؤمنين ولا يلزم من ذلك الترادف بين الإسلام والإيمان، أو أن كل مؤمن مسلم، كإطلاق الكتاب على القرآن فهما ليسا مترادفين؛ إذ كل منهما يدل على معنى في القرآن، وإن كان المسمى واحدا وهو كلام الله المنزل على محمد ﷺ . وأما قوله تعالى: ﴿إِنْ تُسْمِعُ إِلا مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ﴾ "سورة الروم: الآية٥٣". ففيه أن من آمن الإيمان الشرعي المتضمن الإقرار والعمل، فلا شك أنه مسلم لكن ليس فيه دليل على كون الإيمان والإسلام مترادفين. قال الإمام ابن جرير الطبري في تفسيره لهذه الآية: "لأن الذي يؤمن بآياتنا إذا سمع كتاب الله تدبره وفهمه وعقله وعمل بما فيه وانتهى إلى حدود الله الذي حد فيه فهو الذي سمع السماع النافع" ٢.

стр. 414

"د" وأما الاستدلال بحديث: "لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة"، وفي رواية: "إلا نفس مسلمة". يقال: غاية ما في هذا الحديث جواز إطلاق المؤمن على المسلم وبالعكس، لكن هل فيه أن الإسلام والإيمان مترادفان، بمعنى أنهما اسمان لمفهوم واحد؟ لأن النفس المؤمنة التي تدخل الجنة هي مسلمة، وكذا النفس المسلمة التي تدخل الجنة هي مؤمنة. وليس المراد من الإسلام الانقياد ظاهرا كإسلام المنافقين، كما أنه ليس المراد من الإيمان مجرد التصديق بدون العمل والإقرار؛ فهذا لم يقصده رسول الله ﷺ لأن الذي صدق بقلبه فقط ولم يقر بلسانه ولم يعمل بالأركان فهذا ليس من المؤمنين، كما أنه ليس من المسلمين؛ فلا يدخل الجنة. الترجيح: الذي يظهر لي أن الراجح قول من يقول إن الإسلام والإيمان يتفقان في موطن ويختلفان في موطن آخر، فقد يطلق الإيمان ويراد به الإسلام، وبالعكس، وقد يطلق الإسلام على الأعمال الظاهرة، ويطلق الإيمان على الأعمال القلبية؛ لأنه قول وسط وبه تجمع النصوص الشرعية المختلفة، لأن للإيمان حقيقة لغوية وحقيقة شرعية، وهكذا للإسلام حقيقة لغوية وحقيقة شرعية. فباعتبار الحقيقة اللغوية يفترق الإسلام والإيمان، وباعتبار الحقيقة الشرعية يتضمن الإيمان الإسلام. وكذا يستلزم الإيمان الإسلام هذا مقتضى النصوص الواردة في الكتاب والسنة. وحاصل هذا المذهب أن الإسلام والإيمان إذا اجتمعا اختلفا في

стр. 415

مدلولهما وإذا افترقا اجتمعا في مدلولهما، وذلك مثل ألفاظ الفقير مع المسكين والبر مع التقوى والفحشاء مع المنكر، والخير والمعروف، والإثم والعدوان ١ ونحوهما من الألفاظ التي فيها اشتراك في موطن وافتراق في موطن آخر بحسب التقييد والإطلاق. فأنت ترى أن النبي ﷺ جمع بين الإسلام والإيمان في حديث جبريل؛ ففسر الإسلام بالأعمال الظاهرة والإيمان بالأعمال القلبية، فالإسلام في هذا الحديث الإيمان المقيد باعتقاد القلب، وليس المراد من الإسلام والإيمان الإيمان المطلق، والإسلام المطلق، لأن الإيمان المطلق يتضمن الإسلام والإسلام المطلق يتضمن الإيمان. ففي حديث جبريل لما اجتمع الإسلام والإيمان افترق مدلوهما وترى في قوله ﵎: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الأِسْلامُ﴾ "سورة آل عمران: الآية١٩" ذكر الإسلام بدون الإيمان. فالمراد من الإسلام هنا الإسلام المطلق الشامل للإيمان، لأنه ليس المراد الإسلام الظاهر فقط، بل المراد الإسلام الذي يشمل الأعمال الظاهرة والأعمال القلبية، وهكذا لفظ الإيمان في حديث: "لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة" يراد به الإيمان المطلق المتضمن للإسلام، وليس المراد بالإيمان هنا الإيمان المقيد الذي هو التصديق بالقلب فقط دون الإقرار باللسان والعمل بالأركان، ولذلك صح لنا أن نقول: إذا افترق الإيمان والإسلام اتفق مدلولهما. ثم يجب ألا يفهم أحد من قولنا: إذا اجتمعا افترقا أن الفرق بين الإسلام والإيمان فرق التباين والمغايرة الضدية بحيث لا يجتمعان في محل واحد كما هو الشأن في المتضادين المتباينين، لأن هذا المعنى ليس

стр. 416

المقصود من التفريق، بل المراد من هذا التفريق بين الإسلام والإيمان أن لكل واحد مسمى غير الآخر مع التلازم بينهما تلازم الروح والبدن، فقد شبه شيخ الإسلام التلازم والتباين بين الإسلام والإيمان بالروح والبدن، فالروح شيء والبدن شيء إلا أنه لا حياة للبدن بلا روح والروح لا بد لها من بدن. فالإيمان كالروح والإسلام كالبدن فهما متلازمان، لا أن مسمى أحدهما غير الآخر ١. قال ابن أبي العز مبينا ارتباط الإسلام والإيمان: "لا إيمان لمن لا إسلام له، ولا إسلام لمن لا إيمان له، إذاً لا يخلو المؤمن من إسلام به يتحقق إيمانه، ولا يخلو المسلم من إيمان يصح به إسلامه" ٢. فالمقصود أن الفرق بين الإسلام والإيمان ليس للتضاد والتباين بل لأجل أن لكل منهما حقيقة لغوية وشرعية يجب اعتبارها، مع التلازم بينهما بحيث لا ينفك أحدهما عن الآخر كالشهادتين، لأنه لكل من الشهادتين ٣ حقيقة غير حقيقة الأخرى، مع التلازم بينهما، وعدم انفكاك إحداهما عن الأخرى.

стр. 417

الفصل الخامس: حكم مرتكب الكبيرة تمهيد في انقسام الذنوب إلى كبائر وصغائر وتعريف الكبيرة والصغيرة: اختلف العلماء في انقسام الذنوب إلى كبائر وصغائر على قولين: ١- ذهب الجمهور من السلف والخلف إلى أن من الذنوب كبائر وصغائر ١. ٢- وشذت طائفة فقالت: إن جميع الذنوب كبائر ليس فيها صغائر ٢. ونسب هذا القول إلى الخوارج القاضي عبد الجبار ٣، ونسبه ابن بطال إلى الأشعرية ٤، ونسب النووي والحافظ ابن حجر هذا القول

стр. 418

إلى أبي إسحاق الإسفراييني. وقال أيضا: "وحكى القاضي عياض هذا المذهب عن المحققين" ١. ونسب الحافظ ابن حجر هذا القول إلى الباقلاني وأصحابه ٢. قلت: روي هذا أيضا عن ابن عباس ﵁ ٣، ولكن قال القرطبي على ما قاله الحافظ: "ما أظنه يصح عن ابن عباس؛ لأنه مخالف لظاهر القرآن في الفرق بين الصغائر والكبائر" ٤. قلت: لو سلمت صحته؛ فيحمل على قوله الآخر المفسر المفصل في تحديد الكبيرة ٥. وقد تفلسف إمام الحرمين أبو المعالي عبد الملك الجويني فقال: "كل ذنب كبيرة بالنسبة إلى حق الله تعالى، وإن كان في الذنوب تفاوت في الصغر والكبر فيما بينهما" ٦. وقد نوه الحافظ ابن حجر بكلام الجويني هذا بعض التنويه ٧. ولكن الحقيقة أن كلامه هذا من قبيل القياس الفلسفي، بل الحق أن من الذنوب كبائر وصغائر. قال أبو حامد الغزالي: "إنكار الفرق بين الصغيرة والكبيرة لا يليق بالفقيه" ٨.

стр. 419

وقال النووي والحافظ ابن حجر: "وقد تظاهر على ذلك ـ أي على الفرق ـ دلائل الكتاب والسنة واستعمال سلف الأمة وخلفها" ١. وقال ابن القيم في الجواب الكافي: "الذنوب تنقسم إلى صغائر وكبائر بنص القرآن والسنة وإجماع السلف" ٢. وقال في المدارج: "الذنوب تنقسم إلى صغائر وكبائر بنص القرآن وإجماع السلف" ٣. أما القرآن فقوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً﴾ "سورة النساء: الآية٣١". وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الأِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلا اللَّمَمَ﴾ "سورة النجم: الآية٣٢". أما من السنة فقول النبي ﷺ : "الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرّات ما بينهن إذا اجتنبت الكبائر" ٤. ثم اختلف القائلون بانقسام الذنوب في حد الكبيرة والصغيرة على ضربين: الأول: من حصر الكبيرة في عدد معين ثم اختلفوا فقيل: هي

стр. 420

ثلاث ١ وقيل: هي أربع ٢ وقيل: هي سبع ٣ وقيل: هي تسع ٤ وقيل: هي إحدى عشرة ٥ وقيل: هي سبع عشرة ٦ وقيل: سبعون ٧ وقيل: سبعمائة. ولا يخفى أن حصر الكبائر بعدد معين لا وجه له ولا دليل عليه. وقد نص النبي ﷺ على بعض الذنوب بأنها من الكبائر، فقد قال ﵇: "اجتنبوا السبع الموبقات " ٨. وقال: "ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قول الزور" ٩. وقال: "من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه" ١٠.

стр. 421

الضرب الثاني: من عرّف الكبيرة بضابط دون ذكر عدد معين، ثم اختلفوا فقيل: الكبيرة كل ذنب ختمه الله بنار أو غضب أو لعنة أو عذاب فهو كبيرة ١. وقيل: الكبائر ما كان فيه من المظالم بينك وبين العباد، والصغائر ما كان بينك وبين الله ٢. وقيل: كل معصية يقدِم عليها المرء من غير استشعار خوف وحذار ندم كالمتهاون بارتكابها والتجرؤ عليها اعتيادا ٣ وقيل: كل ذنب عظم عِظَما يصح معه أن يطلق عليه اسم الكبيرة ٤. وقيل: كل ما اتفقت الشرائع على تحريمه فهو من الكبائر ٥. والراجح: هو أن كل ذنب توعد عليه بالنار أو اللعنة أو الغضب فهو كبيرة وهذا أمثل الأقوال قاله ابن أبي العز ٦. ومن أجمع ما قيل في بيانه؛ ما قاله المباركفوري: "والراجح أن كل ذنب نص على كبره أو عظمه أو توعد عليه بالعقاب في الآخرة أو ختم بالغضب واللعنة أو علق عليه حد أو شدد النكير عليه أو وصف فاعله بالفسق فهو كبيرة" ٧.

стр. 422

قال شيخ الإسلام: " إن هذا الضابط أولى من سائر تلك الضوابط المذكورة لوجوه: أحدها: أنه المأثور عن السلف بخلاف تلك الضوابط فإنها لا تعرف عن أحد من الصحابة والتابعين. الثانى: أن الله قال: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً﴾ "سورة النساء:٣١". فقد وعد مجتنب الكبائر بتكفير السيئات واستحقاق الوعد الكريم وكل من وعد بغضب الله أو لعنته أو نار أو حرمان جنة أو ما يقتضى ذلك فإنه خارج عن هذا الوعد ... الثالث: أن هذا الضابط مرجعه إلى ما ذكره الله ورسوله في الذنوب فهو حد يتلقى من خطاب الشارع وما سوى ذلك ليس متلقى من كلام الله ورسوله. الرابع: أن هذا الضابط يمكن الفرق به بين الكبائر والصغائر، وأما تلك الأمور فلا يمكن الفرق بها بين الكبائر والصغائر ... ١. وبما ذكر من هذه الوجوه يتبين رجحان هذا القول، وإنه أولى من سائر تلك الضوابط. وأما الصغيرة فهي خلاف الكبيرة؛ فكل ذنب لم يقترن بوعيد أو حد أو لعن أولم يشدد النكير عليه ولم يوصف فاعله بالفسق فهو صغيرة ٢.

стр. 423

حكم مرتكب الكبيرة: نصوص الكتاب والسنة تدل دلالة واضحة على أن مرتكب الكبيرة لا يكفر ولا يخرج من الدين بسبب ارتكابه للكبيرة، وإنما ينقص إيمانه فلا يذهب عنه الإيمان بالكلية، بل يبقى معه مطلق الإيمان، وارتكاب الكبيرة ليس سببا للخلود في النار، إلا الشرك بالله. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً﴾ "سورة النساء: الآية٤٨". قال ابن جرير في تفسير هذه الآية: "وقد أبانت هذه الآية أن كل صاحب كبيرة ففي مشيئة الله إن شاء عفا عنه، وإن شاء عاقبه عليها ما لم تكن الكبيرة شركا بالله" ١. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنْثَى بِالأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ "سورة البقرة: الآية١٧٨". فسمى المقتول أخا للقاتل: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ﴾ . وقال تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ "سورة الحجرات: الآية٩". فالإيمان والأخوة الإيمانية لا يزولان مع وجود الاقتتال كغيره من الذنوب والكبائر التي دون الشرك٢.

стр. 424

وقال النبي ﷺ : " بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئا ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تقتلوا أولادكم ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم ولا تعصوا في معروف، فمن وفّى منكم فأجره على الله ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب في الدنيا فهو كفارة له ومن أصاب من ذلك شيئا ثم ستره الله فهو إلى الله إن شاء عفا عنه وإن شاء عاقبه" ١. وقول النبي ﷺ : "إن الله يدني المؤمن فيضع عليه كنفه ويستره فيقول أتعرف ذنب كذا أتعرف ذنب كذا فيقول نعم أي رب حتى إذا قرره بذنوبه ورأى في نفسه أنه هلك قال سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم فيعطى كتاب حسناته. وأما الكافر والمنافق فيقول الأشهاد: ﴿هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ "سورة هود: الآية١٨"٢. وأدلة الكتاب والسنة جميعها متضافرة على تقرير ذلك، ولقد بوّب البخاري باب المعاصي من أمر الجاهلية، ولا يكفر صاحبها بارتكابها إلا بالشرك لقول النبي ﷺ : "إنك امرؤ فيك جاهلية " ٣.

стр. 425

وقول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً﴾ "سورة النساء: الآية٤٨". وهذا هو قول أهل السنة والجماعة جميعهم، قال الصابوني قي تقريره لمذهبهم: "ويعتقد أهل السنة والجماعة أن المؤمن وإن أذنب ذنوبا كثيرة لا يكفر بها، وإن خرج من الدنيا غير تائب منها ومات على التوحيد والإخلاص فإن أمره إلى الله إن شاء عفا عنه وأدخله الجنة يوم القيامة سالما غانما غير مبتلى بالنار ولا معاقب على ما ارتكبه واكتسبه ثم اصطحبه إلى يوم القيامة من الآثام والأوزار، وإن شاء عفا عنه وعذبه مدة بعذاب النار، وإذا عذبه لم يخلده فيها، بل أعتقه وأخرجه منها إلى نعيم دار القرار" ١. وهذا ما ذهب إليه الإمام أبو حنيفة فمرتكب الكبيرة عنده لا يخرج من الدين ولا يذهب الإيمان عنه بالكلية، هذا بالنسبة للتسمية الدنيوية وأما في الآخرة فأمره مفوض إلى الله إن شاء غفر له وعفا عنه برحمته وفضله، وإن شاء عذبه بعدله وحكمته. دل على ذلك قول الإمام أبي حنيفة: "ولا نكفر أحدا بذنب من الذنوب وإن كانت كبيرة إذا لم يستحلها، ولا نزيل عنه اسم الإيمان ونسميه مؤمنا حقيقة، ويجوز أن يكون مؤمنا فاسقا غير كافر". إلى أن قال: "وما كان من السيئات دون الشرك والكفر ولم يتب منها صاحبها حتى مات مؤمنا فإنه في مشيئة الله تعالى إن شاء عذبه بالنار وإن شاء عفا عنه" ٢.
следующие страницы →