٩- وأورد ابن أبي يعلى، عن أحمد، أنه قال: "من زعم أن الله لا يرى في الآخرة فهو كافر مكذب بالقرآن" ١.
١٠- وأورد ابن أبي يعلى، عن عبد الله بن أحمد، قال: "سألت أبي عن قوم يقولون: لما كلم الله موسى، لم يتكلم بصوت فقال أبي: تكلم الله بصوت، وهذه الأحاديث نرويها كما جاءت" ٢.
١١- وأخرج اللالكائي عن عبدوس بن مالك العطار، قال: سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل يقول: " ... والقرآن كلام الله، وليس بمخلوق، ولا تضعف أن تقول ليس بمخلوق؛ فإن كلام الله منه، وليس منه شيء مخلوق" ٣.
"ب" قوله في القدر:
١- أورد ابن الجوزي في المناقب، كتاب أحمد بن حنبل لمسدد، وفيه: "ويؤمن بالقدر خيره وشره وحلوه ومرّه من الله" ٤.
٢- وأخرج الخلال، عن أبي بكر المروذي، قال: "سئل أبو عبد الله فقال: الخير والشر مقدر على العباد؟ فقيل له: الله خلق الخير والشر، قال: نعم الله قدره" ٥.
стр. 37
٣- وجاء في كتاب السنة للإمام أحمد، قوله: "والقدر خيره وشره، وقليله وكثيره، وظاهره وباطنه، وحلوه ومره، ومحبوبه ومكروهه، وحسنه وسيئه، وأوله وآخره من الله قضاء قضاه على عباده، وقدر قدره، ولا يعدو واحد منهم مشيئة الله ، ولا يجاوز قضاءه" ١.
٤- وأخرج الخلال، عن محمد بن أبي هارون، عن أبي الحارث قال: "سمعت أبا عبد الله يقول: فالله قدر الطاعة والمعاصي، وقدر الخير والشر، ومن كتب سعيدا فهو سعيد، ومن كتب شقيا فهو شقي" ٢.
٥- قال عبد الله بن أحمد سمعت أبي، وسأله علي بن جهم عمن قال بالقدر يكون كافرا؟ قال: "إذا جحد العلم، إذا قال: إن الله لم يكن عالما حتى خلق علما، فعلم، فجحد علم الله فهو كافر" ٣.
٦- قال عبد الله بن أحمد: "سألت أبي مرة أخرى عن الصلاة خلف القدري، فقال: إن كان يخاصم فيه، ويدعو إليه فلا تصل خلفه" ٤.
"ج" قوله في الإيمان:
١- أورد ابن أبي يعلى عن أحمد، قال: "من أفضل خصال الإيمان؛ الحب في الله والبغض في الله" ٥.
٢- وأورده ابن الجوزي، عن أحمد، قال: "الإيمان يزيد وينقص،
стр. 38
كما جاء في الخبر: "أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا" ١ ... " ٢.
٣- وأخرج الخلال، عن سليمان بن أشعث ٣، قال: "إن أبا عبد الله قال: الصلاة والزكاة والحج والبر من الإيمان، والمعاصي تنقص الإيمان" ٤.
٤- قال عبد الله بن أحمد: "سألت أبي عن رجل يقول: الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، ولكن لا يستثني أمرجئ؟ قال: أرجو ألا يكون مرجئا. سمعت أبي يقول: الحجة على من لا يستنثني؛ قول رسول الله ﷺ لأهل القبور: "وإنا إن شاء الله بكم لاحقون "٥ ... " ٦.
٥- قال عبد الله بن أحمد: "سمعت أبي ﵀، سئل عن الإرجاء، فقال: نحن نقول: الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، إذا زنى، وشرب الخمر، نقص إيمانه"
стр. 39
"د" قوله في الصحابة:
١- جاء في كتاب السنة للإمام أحمد ما يأتي: "ومن السنة ذكر محاسن أصحاب رسول الله ﷺ كلهم أجمعين، والكف عن ذكر مساوئهم والخلاف الذي شجر بينهم، فمن سب أصحاب رسول الله ﷺ أو أحدا منهم فهو مبتدع، رافضي خبيث، مجاف، لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا، بل حبهم سنة، والدعاء لهم قربة، والاقتداء بهم وسيلة، والأخذ بآثارهم فضيلة". ثم قال: "ثم أصحاب رسول الله ﷺ بعد الأربعة خير الناس، ولا يجوز أن يذكر شيئا من مساوئهم، ولا يطعن على أحد منهم بعيب ولا بنقص، فمن فعل ذلك فقد وجب على السلطان تأديبه وعقوبته، ليس له أن يعفو عنه" ١.
٢- أورد ابن الجوزي رسالة أحمد إلى مسدد وفيها: "وأن تشهد للعشرة أنهم في الجنة: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد وسعيد وعبد الرحمن بن عوف وأبو عبيدة بن الجراح ومن شهد له النبي ﷺ شهدنا له بالجنة" ٢.
٣- قال عبد الله بن أحمد: "سألت أبي عن الأئمة فقال: أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي" ٣.
٤- وقال عبد الله بن أحمد: "سألت أبي عن قوم يقولون: إن عليا ليس بخليفة، قال هذا قول سوء رديء "٤.
стр. 40
٥- وأورد ابن الجوزي عن أحمد، قال: "من لم يثبت الخلافة لعلي، فهو أضل من حمار أهله" ١.
٦- وأورد ابن أبي يعلى عن أحمد، قال: "من لم يربّع علي بن أبي طالب الخلافة؛ فلا تكلموه، ولا تناكحوه" ٢.
"هـ" نهيه عن الكلام والخصومات في الدين:
١- أخرج ابن بطة عن أبي بكر المروذي، قال: "سمعت أبا عبد الله يقول: من تعاطى علم الكلام لم يفلح، ومن تعاطى الكلام لم يخل أن يتجهم" ٣.
٢- وأورد ابن عبد البر في جامع بيان العلم عن أحمد، قال: "إنه لا يفلح صاحب الكلام أبدا ولا تكاد ترى أحدا نظر في الكلام إلا وفي قلبه دَغَل" ٤.
٣- وأخرج الهروي، عن عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: "كتب أبي إلى عبيد الله بن يحيى بن خاقان ٥: لست بصاحب كلام، ولا أرى الكلام في شيء من هذا، إلا ما كان في كتاب الله، أو في حديث"
стр. 41
رسول الله ﷺ ، فأما غير ذلك فإن الكلام فيه غير محمود" ١.
٤- وأخرج ابن الجوزين عن موسى بن عبد الله الطرسوسي، قال: "سمعت أحمد بن حنبل، يقول: لا تجالسوا أهل الكلام وإن "ذبُّوا" عن السنة" ٢.
٥- وأخرج ابن بطة، عن أبي الحارث الصَّايغ، قال: "من أحب الكلام لم يخرج من قلبه، ولا ترى صاحب كلام يفلح" ٣.
٦- وأخرج ابن بطة عن عبيد الله بن حنبل، قال "حدثني أبي، قال: سمعت أبا عبد الله يقول: عليكم بالسنة والحديث، وينفعكم الله به، وإياكم والخوض والجدال والمراء، فإنه لا يفلح من أحب الكلام، وكل من أحدث كلاما لم يكن آخر أمره إلا إلى بدعة، لأن الكلام لا يدعو إلى خير، ولا أحب الكلام ولا الخوض ولا الجدال، وعليكم بالسنن والآثار والفقه الذي تنتفعون به، ودعوا الجدال وكلام أهل الزيغ والمراء، أدركنا الناس ولا يعرفون هذا، ويجانبون أهل الكلام، وعاقبة الكلام لا تؤول إلى خير. أعاذنا الله وإياكم من الفتن وسلمنا وإياكم من كل هلكة" ٤.
٧- أورد ابن بطة في الإبانة عن أحمد، قال: "إذا رأيت الرجل يحب الكلام فاحذره" ٥.
стр. 42
هذا اعتقاد الأئمة الأربعة ـ أبي حنيفة ١ ومالك والشافعي وأحمد ـ وهذا ما يدينون الله به، ما عدا مسألة الإيمان التي وقع فيها النزاع مع أبي حنيفة، وخالف السلف فيما ذهبوا إليه. وسيأتي تفصيله في مبحث الإيمان في الباب الثالث من هذه الرسالة إن شاء الله تعالى.
стр. 43
الباب الأول: في ترجمة الإمام أبي حنيفة وبيان منهجه في تقرير أصول الدين
وفيه فصلان:
الفصل الأول: ترجمة الإمام أبي حنيفة.
الفصل الثاني: منهجه في تقرير أصول الدين.
стр. 44
الفصل الأول: ترجمة الإمام أبي حنيفة
وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: حياته الشخصية.
المبحث الثاني: حياته العلمية.
المبحث الثالث: دراسة موجزة لمؤلفاته في أصول الدين.
стр. 45
المبحث الأول: حياته الشخصية
١- اسمه ونسبه
"أ" اسمه: هو النعمان بن ثابت بن زوطي بضم الزاي وفتح الطاء الخزَّاز الكوفي ١.
стр. 46
أجمعت مصادر ترجمته على ذلك، ولم تختلف إلا ما رواه الصيمري عن إسماعيل بن حماد؛ حيث قال: "أنا إسماعيل بن النعمان بن ثابت بن النعمان بن المرزبان" ١. ونقلها عنه الخطيب في تاريخه٢، والغزي في الطبقات السنية٣.
"ب" نسبته:
نسبته إلى الخزاز ٤ بفتح المعجمتين وتشديد الزاي. وإنما قيل ذلك؛ لأنه كان يبيع الخز، ويأكل منه طلبا للحلال ٥. أما نسبته بالكوفي؛ فلأن موطنه الذي ولد وعاش فيه هو الكوفة. أما نسبته بالتيمي؛ فلأن جده زوطي مولى لبني تيم الله بن ثعلبة من بني ربيعة ٦.
"ج" كنيته:
أبو حنيفة، أجمعت مصادر ترجمته على ذلك.
стр. 47
٢- مولده وموطنه
ولد الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى سنة ثمانين من الهجرة بالكوفة، في خلافة عبد الملك بن مروان، وقيل: إنه ولد سنة إحدى وستين ١. حكاه الخطيب في تاريخه، وقال: "لا أعلم لصاحب هذا القول متابعا" ٢. وقال المكي في مناقب أبي حنيفة ٣: "هذه الرواية تخالف ما تقدم، والصحيح هي الرواية الأولى تجميع عليها".
٣- نشأته وصفاته
"أ" نشأته:
ولد الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى في الكوفة، وقضى سنوات عمره الأولى فيها، أما كيفية نشأته فإن كتب التراجم ضَنَّت علينا بالأخبار في هذا الصدد، ولم تذكر سوى أنه اشتغل في مبدأ أمره تاجرا في الخز، وله دكان معروف في دار عمر بن حريث ٤، وأنه كان أمينا في تجارته ولا يغش، ولا يخدع أحدا، حتى أصبح عريفا على الحاكة بدار
стр. 48
الخَزَّازين ١، ثم توسعت تجاراته، ونمت وازدهرت حتى أصبح له معمل لحياكة الخز، وعنده صنّاع وأجراء ٢.
"ب" صفاته:
أولا ـ صفاته الخِلقية:
كان الإمام أبو حنيفة، رحمه الله تعالى، فصيح اللسان، عذب المنطق، إن تكلم أحسن الناس منطقا، وأحلاهم نغمة، وأنبههم على ما يريد، وكان جميلا تعلوه سمرة، حسن الوجه والهيئة نظيف الملبس، طيب الرائحة، حتى إنه يعرف بريح الطيب إذا أقبل أو إذا خرج من منزله قبل أن يرى.
وصفه تلميذه أبو يوسف بقوله: "كان أبو حنيفة ربعا من الرجال، ليس بالقصير ولا بالطويل، وكان أحسن الناس منطقا وأحلاهم نغمة، وأنبههم على ما يريد" ٣.
ووصفه عمر بن حماد بقوله: "إن أبا حنيفة كان طوالا، تعلوه سمرة، وكان لبسا، حسن الهيئة، كثير التعطر يعرف بريح الطيب إذا أقبل وإذا خرج من منزله قبل أن تراه" ٤.
قال الهيثمي: "ولا تنافي بين كونه ربعة وبين كونه طوالا لأنه قد يكون مع كونه ربعة أقرب إلى الطول"
стр. 49
ووصفه تلميذه عبد الله بن المبارك بقوله: "كان حسن السمت، حسن الوجه، حسن الثوب" ١.
وقال أبو نعيم الفضل بن دكين يصفه:"كان أبو حنيفة حسن الوجه، والثوب، والنعل، وكثير البر والمؤاساة لكل من أطاف به" ٢.
وجملة القول في هذا المقام أن الإمام أبا حنيفة، كان حسن السمت والمظهر، نظيف الملبس، مع حسن العشرة والبر والمواساة لمجالسيه.
ثانيا ـ صفاته الخُلقية:
وأما صفاته الخُلُقية فكان ﵀ ورعا، تقيا، شديد الذَّبِّ عن محارم الله أن تؤتى، زاهدا، عرضت عليه الدنيا والأموال العظيمة فنبذها وراء ظهره، ولقد ضُرب بالسياط وعذّب ليقبل تولِّي القضاء أو بيت المال فأبى. روى الصيمري عن الربيع بن عاصم قال: "أرسلني يزيد بن عمر بن هبيرة ٣ فقدمت بأبي حنيفة عليه، فأراده على بيت المال فأبى، فضربه عشرين سوطا" ٤.
كذلك عرض عليه ابن هبيرة ـ والي العراق ـ قضاء الكوفة فأبى وامتنع، فحلف ابن هبيرة إن هو لم يفعل ليضربه بالسياط على رأسه، فقيل لأبي حنيفة فقال: ضربة لي في الدنيا أسهل عليّ من مقامع الحديد في
стр. 50
الآخرة، والله لا أفعلنّ ولو قتلني، فحكي قوله لابن هبيرة فقال: بلغ قدره أن يعارض يميني بيمينه، فدعاه فحلف إن لم يل القضاء ليضربن على رأسه حتى يموت، فقال له أبو حنيفة: هي موتة واحدة، فأمر به فضرب عشرين سوطا على رأسه، فقال أبو حنيفة: اذكر مقامك بين يدي الله، فإنه أذل من مقامي بين يديك، ولا تهددني فإني أقول: لا إله إلا الله، والله سائلك عني حيث لا يقبل منك جوابا إلا بالحق، فأومأ إلى الجلاد أن أمسك وبات أبو حنيفة في السجن، فأصبح وقد انتفخ وجهه ورأسه من الضرب، فقال ابن هبيرة: إني قد رأيت النبي ﷺ وهو يقول لي: أما تخاف الله تضرب رجلا من أمتي بلا جرم وتهدِّده، فأرسل إليه فأخرجه واستحلّه ١.
وكذلك عرض ٢ عليه الخليفة العباسي المنصور القضاء، فأبى، فسجنه، ومات محبوسا في السجن، ﵀.
ولعل رفضه لهذا المنصب يعود إلى جملة أسباب منها: خوفه من الله تعالى؛ حيث خشي أن يجور في حكم من الأحكام التي تعرض عليه، فلذلك آثر الضرب بالسياط في الدنيا على مقامع الحديد في الآخرة.
أضف إلى ذلك أن القضاة تعرض عليهم منازعات يتصل بعضها بأمراء ذلك العصر وحكّامه، والإمام لا يمالئ أميرا أو يجامل وزيرا، أو يحابي كبيرا، في محارم الله أن تؤتى. وكان مع زهده وورعه كثير العبادة، حتى قيل إنه سمي الوتد ٣ لكثرة صلاته وتهجّده وطول قيامه.
стр. 51
وكان كريما، جوادا، سخيا بماله، ينفق على العلماء مثلما كان ينفق على عياله، وإذا اكتسى ثوبا فعل مثل ذلك، وإذا جاءته الفاكهة والرطب، وكل شيء يريد أن يشتريه لنفسه ولعياله، لا يفعل ذلك حتى يشتري للعلماء مثله، ثم يشتري بعد ذلك لعياله.
وكان إذا اشترى للصدقة أو لبرِّ إخوانه شيئا اشترى ما يقدر عليه، وكان يتساهل فيما يشتريه لنفسه ولعياله ١. هذا فعله مع العلماء، أما من يعلمه، فهو يبرّهم ويواسي فقيرهم بماله، وينفق عليه ويزوج من احتاج إليه، حتى إنه كان يعول أبا يوسف وعياله عشر سنين ٢.
قال شريك: "كان أبو حنيفة يصبر على من يعلمه، وإن كان فقيرا أغناه، وأجزل عليه وعلى عياله، حتى يتعلم، فإذ تعلم قال له: قد وصلت إلى الغنى الأكبر بمعرفة الحلال والحرام" ٣.
وقال الفضيل بن عياض: "كان أبو حنيفة معروفا بكثرة الأفعال، وقلة الكلام وإكرام العلم وأهله"٤.
وجملة القول في هذا المقام أن الإمام أبا حنيفة، رحمه الله تعالى؛ قد جمع الكثير من الخصال، والصفات الحميدة، والأخلاق والشمائل الكريمة، فقد ألِّفت في مناقبه مصنفات وأجزاء.
أختتم هذا المبحث بقول أبي يوسف يصف خصال الإمام الحسنة، حينما سأله عنها الخليفة العباسي هارون الرشيد فقال: "يا أبا يوسف صف
стр. 52
لي أخلاق أبي حنيفة ﵁، فقال: إن الله تعالى يقول: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ "سورة ق: الآية١٨".
وهو عند لسان كل قائل، كان علمي بأبي حنيفة أنه كان شديد الذب عن محارم الله أن تؤتى، شديد الورع أن ينطق في دين الله بما لا يعلم، يحب أن يطاع الله ولا يعصى، مجانبا لأهل الدنيا في زمانهم، لا ينافس في عزها، طويل الصمت، دائم الفكر، على علم واسع، لم يكن مهذارا، ولا ثرثارا، إن سئل عن مسألة كان عنده فيها علم، نطق وأجاب فيها بما سمع، وإن كان غير ذلك قاس على الحق واتبعه، صائنا نفسه ودينه، بذولا للعلم والمال، مستغنيا بنفسه عن جميع الناس، لا يميل إلى طمع، بعيدا عن الغيبة، لا يذكر أحدا إلا بخير، فقال له الرشيد: هذه أخلاق الصالحين، ثم قال للكاتب: اكتب هذه الصفة وادفعها إلى ابني ينظر فيها ... " ١
٤- وفاته
توفي ﵀ ليلة النصف من شعبان سنة خمسين ومائة من الهجرة، ودفن في مقابر الخيزران ببغددا، ولما مات كان عمره سبعين عاما ٢.
قال الذهبي في وصف قبر أبي حنيفة: "وعليه قبة ٣ عظيمة،
стр. 53
ومشهد فاخر ببغداد" ١.
قلت: لا يزال قبر أبي حنيفة مبنيا عليه بناء تعلوه قبة مفروشة بالقاشي الأزرق، وإلى جنبه جامع تقام فيه الجمعة والجماعة، وله صحن يجتمع فيه الناس في الأعياد والمواسم الدينية كما هو ظاهر في الصورة ـ الفوتغرافية ٢ كما في كتاب مراقد المعارف ـ وهذه مخالفة صريحة لعقيدة الإمام أبي حنيفة ﵀ من المدعين تعظيمه؛ فقد كره أن يبنى على القبر، وأن يعلَّم بعلامة ٣ متّبعا في ذلك النص الشرعي؛ فقد روى
стр. 54
مسلم عن جابر بن عبد الله قال: "نهى رسول الله ﷺ أن يجصَّص القبر، وأن يُقعد عليه، وأن يبنى عليه" ١.
стр. 55
المبحث الثاني: حياته العلمية
١- نشأته العلمية:
أدرك ١ الإمام أبو حنيفة في صغره بعض الصحابة كأنس بن مالك، وعبد الله بن أبي أوفى. لكن لم يجد في حال ترعرعه من يرشده إلى الأخذ ٢ عنهم، فاشتغل بالتجارة في ثياب الخز وتوسع في ذلك، حتى كان له دار كبيرة لعمل الخز، وعنده صناع وأُجراء ومكث على هذه الحال
стр. 56
إلى أن قيض الله له الإمام الشعبي؛ فحثّه على الاشتغال بالعلم، كما حكى ذلك الإمام أبو حنيفة حيث قال:
"مررت يوما على الشعبي وهو جالس فدعاني وقال: إلى من تختلف؟ فقلت: أختلف إلى السوق، وسميت له أستاذي فقال: لم أعن الاختلاف إلى السوق، عنيت الاختلاف إلى العلماء فقلت له: أنا قليل الاختلاف إليهم فقال لي: لا تفعل وعليك بالنظر في العلم ومجالسة العلماء؛ فإني أرى فيك يقظة وحركة قال: فوقع في قلبي من قوله فتركت الاختلاف إلى السوق، وأخذت في العلم فنفعني الله بقوله" ١.
ويظهر أنه استمر في تجاراته بعد أن أخذ في طلب العلم وأقبل عليه، فهذا قيس بن الربيع ٢ يحدث كما روى الخطيب في تاريخه ٣: "أنه كان يبعثه بالبضائع إلى بغداد، فيشتري بها الأمتعة، ويحملها إلى الكوفة ويجمع الأرباح عنده من سنة إلى سنة فيشتري بها حوائج الأشياخ المحدثين وأقواتهم وكسواتهم وجميع حوائجهم، ثم يدفع باقي الأرباح من الدنانير إليهم ويقول: أنفقوا في حوائجكم ولا تحمدوا إلا الله فإني ما أعطيتكم من مالي شيئا، لكن من فضل الله عليّ فيكم، وهذه أرباح بضائعكم، فإنه هو والله مما يجريه الله على يدي مما في رزق الله حولٌ لغيره".
стр. 57
أما ما قيل عن أبي حنيفة إنه لما أراد طلب العلم أخذ يتخير بين العلوم ويوازن بينها؛ فهذه حكاية موضوعة لا تصح، كما ذكر ذلك الذهبي في السير ١.
والقصة رواها الخطيب عن أبي يوسف قال: "لما أردت طلب العلم؛ جعلت أتخير العلوم، وأسأل عن عواقبها؛ فقيل لي: تعلم القرآن، فقلت: إذا تعلمت القرآن وحفظته؛ فما يكون آخره؟ قالوا: تجلس في المسجد، ويقرأ عليك الصبيان والأحداث، ثم لا تلبث أن يخرج فيهم من هو أحفظ منك ـ أو يساويك ـ في الحفظ؛ فتذهب رياستك. قلت: فإن سمعت الحديث وكتبته حتى لم يكن في الدنيا أحفظ مني؟ قالوا: إذا كبرت وضعفت حدثت، واجتمع عليك الأحداث والصبيان، ثم لا تأمن أن تغلط فيرموك بالكذب، فيصير عارا عليك في عقبك، فقلت: لا حاجة لي في هذا. ثم قلت: أتعلم النحو. فقلت: إذا حفظت النحو والعربية، ما يكون آخر أمري؟ قالوا: تقعد معلما فأكثر رزقك ديناران إلى ثلاثة، قلت: وهذا لا عاقبة له، قلت: فإن نظرت في الشعر فلم يكن أحد أشعر مني، ما يكون من أمري؟ قالوا: تمدح هذا فيهب لك، أو يحملك على دابة، أو يخلع عليك خلعة، وإن حرمك هجوته، فصرت تقذف المحصنات. قلت: لا حاجة لي في هذا. قلت: فإن نظرت في الكلام ما يكون آخر أمري؟ قالوا: لا يسلم من نظر في الكلام من مشنَّعات الكلام فيرمى بالزندقة، فإما أن تؤخذ فتقتل، وإما أن تسلم؛ فتكون مذموما ملوما.
قلت: فإن تعلمت الفقه؟ قالوا: تسأل وتفتي الناس وتطلب للقضاء
стр. 58
وإن كنت شاباً، قلت: ليس في العلوم شيء أنفع من هذا. فلزمت الفقه وتعلمته" ١.
هذه الحكاية تصور الإمام طالب رئاسة أو دنيا، وهذا يتنافى مع ورعه وزهده وانصرافه عنها، والصحيح في نظري أنه اتّجه أول ما اتّجه إلى تعلُّم النحو، كما روى ذلك الخطيب البغدادي في تاريخه ٢ ثم تحول إلى علم الكلام وأخذ منه نصيبا وافرا، حتى بلغ فيه مبلغا يشار إليه بالبنان، ثم انتقل بعد ذلك إلى علم الفقه، وانصرف إليه بكليته، واتصل بحماد بن أبي سليمان يأخذ عنه، ولازمه ثماني عشرة سنة ٣. ولعله كان مع ملازمته لشيخه حماد يأخذ من مشايخ وقته ما امتازوا به، فأخذ علم التفسير عن عكرمة مولى ابن عباس، ومحمد بن المنكدر وسمع الحديث من هشام بن عروة، ومحارب بن دثار السدوسي الكوفي.
٢- شيوخه
أدرك الإمام بعض الصحابة٤ في صغره، لكنه لم يجد في حال
стр. 59
نشأته من يرشده لطلب العلم، والأخذ عمن كان يمكنه السماع ١ ممن أدرك منهم؛ فاشتغل بالبيع والشراء إلى ٢ أن قيض الله تعالى له الإمام الشعبي فنبَّهه وحثَّه على الاشتغال بالعلم فأخذ من مشايخ وقته ما امتازوا به من العلوم.
ولقد ذكر المزي في تهذيب الكمال ٣ طائفة من شيوخ أبي حنيفة بلغ عددهم من ذكرهم خمسين شيخا هم كالآتي: " محمد بن المنكدر، وإسماعيل بن عبد الملك بن أبي الصغيرات، وجبلة بن سحيم، وأبو هند الحارث بن عبد الرحمن الهمداني، والحسين بن عبيد الله، والحكم بن عتيبة، وحماد بن أبي سليمان، وخالد بن علقمة، وربيعة بن أبي عبد الرحمن، وزبيد اليامي، وزياد بن علاقة، وسعيد بن مسروق الثوري، وسلمة بن كهيل، وسماك بن حرب، وأبو ربوة شداد بن عبد الرحمن، وشيبان بن عبد الرحمن النحوي وهو من أقرانه، وطاووس بن كيسان فيما قيل، وظريف السعدي، وأبو سفيان طلحة بن نافع، وعاصم بن كليب، وعامر الشعبي، وعبد الله بن أبي حبيبة، وعبد الله بن دينار، وعبد الرحمن بن هرمز الأعرج، وعبد العزيز بن رفيع، وعبد الكريم بن أبي أمية البصري، وعبد الملك بن عمير، وعدي بن ثابت الأنصاري، وعطاء بن أبي رباح، وعطاء بن السائب، وعطية بن سعيد العوفي، وعكرمة مولى ابن عباس، وعلقمة بن مرثد، وعلي بن الأقمر،
стр. 60
وعلي بن الحسن الزناد، وعمرو بن دينار، وعون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وقابوس بن أبي ظبيان، والقاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، وقتادة بن دعامة، وقيس أبو مسلم، ومحارب بن دثار، ومحمد بن الزبير الحنظلي، ومحمد بن السائب الكلبي، وأبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، ومحمد بن قيس الهمداني، ومحمد بن مسلم بن شهاب الزهري، ومحمد بن المنكدر، ومخول بن راشد، ومسلم البطين الملائي، ومعن بن عبد الرحمن، ومقسم، ومنصور بن المعتمر، وموسى بن أبي عائشة، وناصح بن عبد الله المحلي، ونافع مولى بن عمر، وهشام بن عروة، وأبو غسان الهيثم بن حبيب الصراف، والوليد بن سريع المخزومي، ويحيى بن سعيد الأنصاري، ويحيى بن عبد الله الكندي، ويحيى بن عبد الله الجابر، ويزيد بن صهيب الفقير، ويزيد بن عبد الرحمن الكوفي، ويونس بن عبد الله بن أبي فروة أبو إسحاق السبيعي، وأبو بكر بن عبد الله بن أبي الجهم، وأبو خباب الكلبي، وأبو حصين الأسدي، أبو الزبير المكي، أبو السوار ويقال أبو الأسود السلمي، أبو عون الثقفي، أبو فروة الجهني، أبو معبد مولى بن عباس، أبو يعفور العبدي".
فهؤلاء طائفة من شيوخ أبي حنيفة، ولم أستقص جميعهم، ولو شرعت في ذلك لطال بنا البحث، ثم إني أقتصر على ترجمة مجموعة من أشهر شيوخه الذين أخذ عنهم وهم كما يلي:
التعريف بأشهر شيوخه
١- حماد بن أبي سليمان: هو حماد بن أبي سليمان مسلم الأشعري، مولاهم أبو إسماعيل الكوفي الفقيه.
стр. 61
قال عنه الذهبي: "العلامة الإمام فقيه العراق ... أصله من أصبهان، روى عن أنس بن مالك، وتفقّه بإبراهيم النخعي، وهو أنبل أصحابه وأفقههم وأقيسهم وأصبرهم بالمناظرة والرأي ... وكان أحد العلماء الأذكياء، والكرام الأسخياء له ثروة وحشمة وتجمل" إلى أن قال: "فأفقه أهل الكوفة علي وابن مسعود، وأفقه أصحابهما علقمة، وأفقه أصحابه إبراهيم، وأفقه أصحاب إبراهيم حماد، وأفقه أصحاب حماد أبو حنيفة، وأفقه أصحابه أبو يوسف، وانتشر أصحاب أبي يوسف في الآفاق، وأفقههم محمد، وأفقه أصحاب محمد، أبو عبد الله الشافعي، رحمهم الله تعالى" ١. وقال ابن سعد: "قالوا وكان حماد ضعيفا في الحديث، فاختلط في آخر أمره، وكان مرجئا، وكان كثير الحديث" ٢.
وقال عنه النسائي: "ثقة إلا أنه مرجئ" ٣.
وقال ابن حبان: "وكان مرجئا، وكان لا يقول بخلق القرآن، وينكر على من يقوله" ٤.
وقال معمر لحماد: "كنت رأسا، وكنت إماما في أصحابك، فخالفتهم فصرت تابعا، قال: إني إن أكن تابعا في الحق، خير من أن أكون رأسا في الباطل. قال الذهبي على أثره: يشير معمر إلى أنه مرجئا إرجاء الفقهاء، وهو أنهم لا يعدون الصلاة والزكاة من الإيمان، ويقولون: الإيمان إقرار باللسان، ويقين في القلب، والنزاع على هذا لفظي إن
стр. 62
شاء الله، وإنما غلو الإرجاء من قال: لا يضر مع التوحيد ترك الفرائض نسأل الله العافية" ١.
قال خليفة بن خياط: "مات حماد سنة عشرين ومائة" ٢.
٢- زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي العلوي المدني:
قال عنه الذهبي: "كان ذا علم وجلالة وصلاح، هفا وخرج فاستشهد ... خرج متأولا وقتل شهيدا وليته لم يخرج" ٣.
وقال عيسى بن يونس: "جاءت الرافضة زيدا، فقالوا: تبرأ من أبي بكر وعمر حتى ننصرك قال: بل أتولاهما. قالوا: إذا نرفضك فمن ثم قيل لفظة الرافضة. وأما الزيدية فقالوا بقوله وحاربوا معه" ٤.
وقال عنه ابن حجر: "ثقة من الرابعة وهو الذي ينسب إليه الزيدية. خرج في خلافة هشام بن عبد الملك، فقتل بالكوفة سنة اثنتين وعشرين ومائة، وكان مولده سنة ثمانين" ٥.
٣- عطاء بن أبي رباح:
هو عطاء بن أبي رباح، بفتح الراء، واسم أبي رباح أسلم القرشي مولاهم المكي مفتي أهل مكة ومحدثهم، قال عنه الذهبي: "الإمام شيخ
стр. 63
الإسلام، مفتي الحرم، أبو محمد القرشي مولاهم المكي: يقال ولاؤه لبني جمح" ١.
وقال عنه ابن حجر: "ثقه فقيه، فاضل، لكنه كثير الإرسال من الثالثة مات سنة أربع عشرة ومائة على المشهور" ٢.
٤ - عبد الملك بن أبي المخارق: بضم الميم وبخاء معجمة، أبو أمية المعلم المصري، واسم أبيه قيس، وقيل طارق نزيل مكة.
قال معمر: "سألني حماد ـ يعني بن أبي سليمان، عن فقهائنا، فذكرتهم فقال: قد تركت أفقههم، يعني عبد الكريم أبا أمية. قال أحمد بن حنبل: "كان يوافقه على الإرجاء" ٣.
قال عنه ابن حجر: "ضعيف له في البخاري زيادة، في أول قيام الليل من طريق سفيان، عن سليمان الأحول، عن طاووس، عن ابن عباس في الذكر عند القيام ... وله ذكر في مقدمة مسلم، وما روى له النسائي إلا قليلا من الثالثة مات سنة ست وعشرين ومائة" ٤.
٥- عدي بن ثابت الأنصاري الكوفي:
قال عنه ابن معين: "شيعي مفرط" ٥.
وقال الدارقطني: "ثقة إلا أنه كان مغاليا يعني في التشيع" ٦.
стр. 64
وقال أحمد: "ثقة إلا أنه كان يتشيع" ١.
قال الذهبي: "عالم الشيعة وقاصُّهم وإمام مسجدهم، ولو كانت الشيعة مثله لقلّ شرهم" ٢. قال ابن حجر: "ثقة رمي بالتشيع، مات سنة ست عشرة ومائة" ٣.
٦- قتادة بن دعامة بن قتادة بن عزيز السدوسي البصري الضرير الأكمه:
قال عنه الذهبي: "حافظ العصر، قدوة المفسرين والمحدثين ... وهو حجة بالإجماع إذا بيّن السماع، لكنه مدلس معروف بذلك، وكان يرى القدر، نسأل الله العفو، مع هذا فما توقّف أحد في صدقه وعدالته وحفظه، ولعل الله يعذر أمثاله ممن تلبس ببدعة يريد بها تعظيم الباري وتنزيهه، وبذل وسعه، والله حكم عدل لطيف بعباده، ولا يسأل عما يفعل. ثم إن الكبير من أئمة العلم إذا كثر صوابه، وعلم تحرّيه للحق، واتسع علمه، وظهر ذكاؤه وعرف صلاحه وورعه واتباعه يغفر له زلَلُه ولا نضلله ولا نطَّرحه، وننسى محاسنه. نعم لا نقتدي به في بدعته وخطئه، ونرجو له التوبة من ذلك" ٤.
وقال علي بن المديني: "قلت ليحيى بن سعيد: إن عبد الرحمن يقول: اترك كل من كان رأسا في بدعة يدعو إليها قال: كيف تصنع بقتادة
стр. 65
وابن أبي روّاد وعمر بن ذر، وذكر قوما ثم قال يحيى: إن تركت هذا الضرب تركت كثيرا" ١.
وقال عنه ابن حجر: "ثقة ثبت يقال: وُلد أكمه ٢، وهو رأس الطبقة الرابعة، مات سنة بضع عشرة ومائة" ٣.
٧- قيس بن مسلم الجدلي الكوفي أبو عمرو:
قال عنه أبو داود: "كان مرجئا" ٤.
وقال عنه النسائي: "ثقة وكان يرى الإرجاء" ٥.
وقال عنه الذهبي: "الإمام المحدث" ٦.
وقال ابن حبان: "مات سنة عشرين ومائة" ٧.
٨- محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي أبو جعفر الباقر:
قال عنه الذهبي: "الإمام الثبت الهاشمي العلوي المدني أحد الأعلام ... وكان سيد بني هاشم في زمانه اشتهر بالباقر من قولهم بقر العلم، يعني شقّه فعلم أصله وخفيّه" ٨.
стр. 66
وقال سالم بن أبي حفصة: "سألت أبا جعفر وابنه جعفر بن محمد عن أبي بكر وعمر فقالا لي: يا سالم تولهما ابرأ من عدوهما؛ فإنهما كانا إمامي هدى. وعنه قال: ما أدركت من أهل بيتي إلا وهو يتولاهما" ١.
وقال عنه ابن حجر: "ثقة مات سنة بضع عشرة ومائة" ٢.
٩- محمد بن المنكدر بن عبد الله بن الهدير القرشي التيمي المدني:
قال عنه الذهبي: "الإمام الحافظ القدوة شيخ الإسلام" ٣.
وقال عنه أبو حاتم البستي: "كان من سادات القراء" ٤.
وقال مالك: "كان ابن المنكدر سيد القراء" ٥.
وقال عنه ابن حجر: "ثقة فاضل من الثالثة مات سنة ثلاثين ومائة أو بعدها" ٦.
١٠- نافع أبو عبد الله القرشي ثم العدوي العمري مولى ابن عمر وراويتُه:
قال عنه الذهبي: الإمام المفتي الثبت عالم المدينة" ٧.
стр. 67
قال عنه ابن حجر: "ثقة ثبت فقيه مشهور من الثالثة، مات سنة سبع عشرة ومائة أو بعد ذلك" ١.
٣- تلاميذه
أخذ العلم عن الإمام أبي حنيفة كثيرون، من محدثين وفقهاء. ولقد ذكر المزي في تهذيب الكمال ٢، طائفة ممن أخذوا العلم عن أبي حنيفة بلغ عدد من ذكرهم سبعين تلميذا وهم كالآتي:
"إبراهيم بن طهمان، والأبيض بن الأغر بن الصباح، وأسباط بن محمد القرشي، وإسحاق بن يوسف الأزرق، وأسد بن عمرو القاضي، وإسماعيل بن يحيى الصيرفي، وأيوب بن هاني الجعفي، والجارود بن يزيد النيسابوري، وجعفر بن عون، والحارث بن نبهان، وحبان بن علي العنزي، والحسن بن زياد اللؤلؤي، والحسن بن فرات القزاز، والحسين بن الحسن بن عطية العوفي، وحفص بن عبد الرحمن البلخي القاضي، وحكام بن سالم الرازي، وأبو مطيع الحكم بن عبد الله البلخي، وابنه حماد بن أبي حنيفة، وحمزة بن حبيب الزيات، وخارجة بن مصعب السرجني، وداود بن نصير الطائي، وأبو الهذيل زفر بن الهذيل التميمي، وزيد بن الحباب العكلي، وسابق الرقي، وسعد بن الصلت قاضي شيراز، وسعيد بن أبي الجهم القابوسي، وسعيد بن سلام بن أبي الهيفا العطار البصري، وسلم بن سالم البلخي، وسليمان بن عمرو النخيعي، وسهل بن
стр. 68
مزاحم، وشعيب بن إسحاق الدمشقي، والصباح بن محارب، والصلت بن الحجاج الكوفي، وأبو عاصم الضحاك بن مخلد، وعامر بن فرات النسوي، وعايد بن حبيب، وعباد بن العوام، وعبد الله بن المبارك، وعبد الله بن يزيد المقري، وأبو يحيى عبد الحميد بن عبد الرحمن الحماني، وعبد الرزاق بن همام، وعبد العزيز الترمذي، وعبد الكريم بن محمد الجرجاني، وعبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد، وعبد الوارث بن سعيد، وعبيد الله بن الزبير القرشي، وعبيد الله بن عمرو الرقي، وعبيد الله بن موسى، وعتاب بن محمد بن شوذب، وعلي بن ظبيان الكوفي القاضي، وعلي بن عاصم الواسطي، وعلي بن مسهر، وعمرو بن محمد العنقزي، وعمرو بن الهيثم القطيعي، وأبو نعيم الفضل بن دكين، والفضل بن موسى الشيباني، والقاسم بن الحكم العرني، والقاسم بن معن المسعودي، وقيس بن الربيع، ومحمد بن أبان العمبري الكوفي، ومحمد بن بشر العبدي، ومحمد بن الحسن بن أنس الصنعاني، ومحمد بن الحسن الشيباني، ومحمد بن خالد الوهبي، ومحمد بن عبد الله الأنصاري، ومحمد بن فضل بن عطية، ومحمد بن القاسم الأسدي، ومحمد بن مسروق الكوفي، ومحمد بن يزيد الواسطي، ومروان بن سالم، ومصعب بن المقدام، ومعافر بن عمران الموصلي، ومكي بن إبراهيم البلخي، وأبو سهل نصر بن عبد الكريم البلخي، ونصر بن عبد الملك العتكي، وأبو غالب النصر بن عبد الله الأزدي، والنصر بن محمد المروذي، والنعمان بن عبد السلام الأصبهاني، ونوح بن دراج القاضي، وأبو عصمة نوح بن أبي مريم، وهشيم بن بشير، وهوذة بن خليفة، والهياج بن بساط البرجمي، ووكيع بن الجراح، ويحيى بن أيوب المصري، ويحيى بن نصر بن حاجب، ويحيى بن يمان، ويزيد بن
стр. 69
زريع وبزيد بن هارون، ويونس بن بكير الشيباني، وأبو إسحاق الفزاري، وأبو حمزة السكري، وأبو سعد الصاغاني، وأبو شهاب الحناط، وأبو مقاتل السمرقندي، والقاضي أبو يوسف".
فهؤلاء طائفة ممن أخذوا عن أبي حنيفة، وإن كانوا أكثر من ذلك لانقطاعه للتعليم فترة طويلة قاربت ربع قرن أو أكثر.
وسأقتصر على ترجمة مجموعة من أشهر تلاميذه الذين أخذوا عنه وهم كما يأتي:
التعريف بأشهر تلامذته
١- جرير بن عبد الحميد بن قرط الضبي الكوفي:
قال عنه النسائي وأبو حاتم والعجلي: "ثقة".
وقال عنه أحمد: "لم يكن بالذكي، اختلط عليه حديث أشعث وعاصم الأحول".
وقال عنه ابن حجر: "الكوفي نزيل الري وقاضيها ثقة صحيح الكتاب، قيل كان في آخر عمره يتهم في حفظه، مات سنة ثمان ثمانين ومائة، وله إحدى وسبعون سنة" ١.
٢- الحسن بن زياد اللؤلؤي مولى الأنصار:
قال عنه الخطيب: "أحد أصحاب أبي حنيفة الفقيه، حدث عن أبي حنيفة، روى عنه محمد بن سماعة القاضي، ومحمد بن شجاع الثلجي، وشعيب بن أيوب الصريفيني، وهو كوفي نزل بغداد".
стр. 70
وقال عنه الذهبي: "العلامة فقيه العراق ... كان أحد الأذكياء البارعين في الرأي، ولي القضاء بعد حفص بن غياث ثم عزل نفسه".
قال فيه يحيى بن معين والنسائي: كذاب خبيث، وكذبه أيضا أبو داود، وأبو ثور، ويعقوب والدارقطني وغيرهم.
وقال عنه ابن المديني: "لا يكتب حديثه".
وقال أبو حاتم، وأبو داود والنسائي، وغيرهم: "ليس بثقة ولا مأمون".
وقال الدارقطني: كذاب كوفي متروك الحديث.
مات سنة أربع ومائتين ١.
٣- حفص بن غياث بن طلق بن معاوية أبو عمر الكوفي القاضي:
قال عنه الذهبي: "الإمام الحافظ أبو عمر النخعي الكوفي قاضي بغداد ثم قاضي الكوفة".
وقال عنه ابن حجر: "القاضي ثقة فقيه تغير حفظه قليلا في الآخر، من الثامنة، مات سنة أربع أو خمس وتسعين ومائة، وقد قارب الثمانين" ٢.
стр. 71
٤- حماد بن أبي حنيفة النعمان بن ثابت الكوفي:
قال عنه الذهبي: "ضعفه ابن عدي وغيره من قبل حفظه".
وقال عنه ابن خلكان: "كان على مذهب أبيه ﵁، وكان من الصلاح والخير على قدر عظيم".
"تفقه على أبيه وأفتى في زمانه، وتفقه عليه ابنه إسماعيل، وهو من طبقة أبي يوسف ومحمد بن الحسن والحسن بن زياد، وكان الغالب عليه الورع والزهد، استقضى على الكوفة بعد القاسم بن معين الكوفي تلميذ أبي حنيفة" ١.
ولم أقف له على تاريخ وفاة.
٥- الحكم بن عبد الله بن مسلم أبو مطيع البلخي الخراساني:
قال عنه ابن معين: "ليس بشيء".
وقال عنه أبو حاتم: "تركوا حديثه وكان جهميا".
وقال ابن حبان: "كان من رؤساء المرجئة ممن يبغض السنن ومنتحليها".
وقال عنه الذهبي: "أبو مطيع البلخي الفقيه صاحب أبي حنيفة، تفقه به أهل تلك الديار، وكان بصيرا بالرأي علاّمة كبير الشأن، ولكنه واهم في ضبط الأمر ... ولي أبو مطيع قضاء بلخ، ومات سنة تسع وتسعين ومائة عن أربع وثمانين سنة" ٢.
стр. 72
٦ - زفر بضم الزاي وفتح الفاء بن الهذيل بضم الهاء وفتح الذال المعجمة وسكون الياء المثناة بن قيس العنبري:
قال عنه الذهبي: "الفقيه المجتهد الرباني العلامة ... هو من بحور الفقه، تفقه بأبي حنيفة، وهو أكبر تلامذته، وكان ممن جمع بين العلم والعمل وكان يروي الحديث ويتقنه".
وقال عنه ابن خلكان: "الفقيه الحنفي كان قد جمع بين العلم والعبادة، وكان من أصحاب الحديث، غلب عليه الرأي، وهو أقيس أصحاب أبي حنيفة ﵁.
مات سنة ثمان وخمسين ومائة ١.
٧- عبد الله بن المبارك بن واضح الحنظلي:
قال عنه الذهبي: "الإمام شيخ الإسلام عالم زمانه وأمير الأتقياء في وقته أبو عبد الرحمن الحنظلي، مولاهم التركي، ثم المروزي الحافظ الغازي أحد الأعلام".
وقال الخطيب: "وكان من الربانيين في العلوم، الموصوفين بالحفظ، ومن المذكورين بالزهد ".
وقال عنه أسود بن سالم: "كان ابن المبارك إماما يقتدى به، وكان من أثبت الناس في السنة. إذا رأيت رجلا يغمز ابن المبارك بشيء فاتهمه على الإسلام".
стр. 73
مات سنة إحدى وثمانين ومائة وهو ابن ثلاث وستين ١.
٨- محمد بن الحسن بن فرقد الشيباني:
قال عنه الذهبي: "العلامة فقيه العراق أبو عبد الله الشيباني الكوفي صاحب أبي حنيفة، ولد بواسط، ونشأ بالكوفة، وأخذ عن أبي حنيفة بعض الفقه، وتمم الفقه على القاضي أبي يوسف ... ولي القضاء للرشيد بعد القاضي أبي يوسف، وكان مع تبحره في الفقه يضرب بذكائه المثل".
وقال عنه الخطيب: "أبو عبد الله الشيباني مولاهم ... صاحب أبي حنيفة وإمام أهل الرأي ... نشأ بالكوفة وطلب العلم وطلب الحديث، وجالس أبا حنيفة وسمع منه ونظر في الرأي فغلب عليه، وعرف به ونفذ فيه، وقدم بغداد فنزلها واختلف إليه الناس، وسمعوا منه الحديث والرأي، وخرج إلى الرَّقّة ٢، وهارون أمير المؤمنين بها، فولاه قضاء الرقة، ثم عزله فقدم بغداد، فلما خرج هارون إلى الري٣ الخرجة الأولى أمره فخرج معه؛ فمات بالري سنة تسع وثمانين ومائة وهو ابن ثمان وخمسين سنة" ٤.
٩- نوح بن أبي مريم المروزي أبو عصمة القرشي مولاهم:
стр. 74
قال ابن المبارك: "يضع الحديث كما يضع المعلَّى" ١.
وقال عنه أحمد بن حنبل: "كان أبو عصمة يروي أحاديث مناكير وكان شديدا على الجهمية والرد عليهم" ٢.
وقال عنه البخاري: "نوح بن أبي مريم ذاهب الحديث جدا" ٣.
وقال: "منكر الحديث" ٤.
وقال مسلم وغيره: "متروك الحديث" ٥.
وقال ابن حبان: "نوح الجامع جمع كل شيء إلا الصدق" ٦.
وقال عنه اللكنوي: "أبو عصمة المروزي الشهير بالجامع ... وهو وإن كان فقيها جليلا إلا أنه مقدوح فيه عند أهل الحديث" ٧.
وقال عنه ابن حجر: "يعرف بالجامع لجمعه العلوم، لكن كذبوه في الحديث" ٨.
مات سنة ثلاث وسبعين ومائة ٩.
стр. 75
١٠- يعقوب بن إبراهيم أبو يوسف القاضي:
قال عنه الخطيب: "القاضي صاحب أبي حنيفة ... سكن بغداد وولاه موسى بن مهدي القضاء بها ثم هارون الرشيد من بعده، وهو أول من سمي قاضي القضاة في الإسلام" ١.
وقال عنه طلحة بن محمد بن جعفر: "أبو يوسف مشهور الأمر ظاهر الفضل، وهو صاحب أبي حنيفة، وأفقه أهل عصره ولم يتقدمه أحد في زمانه، وكان النهاية في العلم والحكم والرئاسة والقدر، وأول من وضع الكتب في أصول الفقه على مذهب أبي حنيفة وأملى المسائل ونشرها، وبث علم أبي حنيفة في أقطار الأرض" ٢.
وقال عنه اللكنوي: "كان صاحب حديث حافظا. ولزم أبا حنيفة وغلب عليه الرأي، وولي قضاء بغداد فلم يزل بها حتى مات سنة ثلاث وثمانين ومائة في خلافة هارون الرشيد" ٣.
٤- مكانته العلمية وأقوال العلماء فيه
"أ" مكانته العلمية:
أخذ الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى من العلوم الشرعية نصيبا وافرا، وكان له نبوغ في العلوم الشرعية، وكثرة اشتغاله بها، وله قدرة على الإفتاء