← Акыда

Акыда · id 7509

أصول الدين عند الإمام أبي حنيفة

محمد بن عبد الرحمن الخميس

Полный текст (640 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

٤- حماد بن أبي حنيفة النعمان بن ثابت الكوفي: قال عنه الذهبي: "ضعفه ابن عدي وغيره من قبل حفظه". وقال عنه ابن خلكان: "كان على مذهب أبيه ﵁، وكان من الصلاح والخير على قدر عظيم". "تفقه على أبيه وأفتى في زمانه، وتفقه عليه ابنه إسماعيل، وهو من طبقة أبي يوسف ومحمد بن الحسن والحسن بن زياد، وكان الغالب عليه الورع والزهد، استقضى على الكوفة بعد القاسم بن معين الكوفي تلميذ أبي حنيفة" ١. ولم أقف له على تاريخ وفاة. ٥- الحكم بن عبد الله بن مسلم أبو مطيع البلخي الخراساني: قال عنه ابن معين: "ليس بشيء". وقال عنه أبو حاتم: "تركوا حديثه وكان جهميا". وقال ابن حبان: "كان من رؤساء المرجئة ممن يبغض السنن ومنتحليها". وقال عنه الذهبي: "أبو مطيع البلخي الفقيه صاحب أبي حنيفة، تفقه به أهل تلك الديار، وكان بصيرا بالرأي علاّمة كبير الشأن، ولكنه واهم في ضبط الأمر ... ولي أبو مطيع قضاء بلخ، ومات سنة تسع وتسعين ومائة عن أربع وثمانين سنة" ٢.

стр. 72

٦ - زفر بضم الزاي وفتح الفاء بن الهذيل بضم الهاء وفتح الذال المعجمة وسكون الياء المثناة بن قيس العنبري: قال عنه الذهبي: "الفقيه المجتهد الرباني العلامة ... هو من بحور الفقه، تفقه بأبي حنيفة، وهو أكبر تلامذته، وكان ممن جمع بين العلم والعمل وكان يروي الحديث ويتقنه". وقال عنه ابن خلكان: "الفقيه الحنفي كان قد جمع بين العلم والعبادة، وكان من أصحاب الحديث، غلب عليه الرأي، وهو أقيس أصحاب أبي حنيفة ﵁. مات سنة ثمان وخمسين ومائة ١. ٧- عبد الله بن المبارك بن واضح الحنظلي: قال عنه الذهبي: "الإمام شيخ الإسلام عالم زمانه وأمير الأتقياء في وقته أبو عبد الرحمن الحنظلي، مولاهم التركي، ثم المروزي الحافظ الغازي أحد الأعلام". وقال الخطيب: "وكان من الربانيين في العلوم، الموصوفين بالحفظ، ومن المذكورين بالزهد ". وقال عنه أسود بن سالم: "كان ابن المبارك إماما يقتدى به، وكان من أثبت الناس في السنة. إذا رأيت رجلا يغمز ابن المبارك بشيء فاتهمه على الإسلام".

стр. 73

مات سنة إحدى وثمانين ومائة وهو ابن ثلاث وستين ١. ٨- محمد بن الحسن بن فرقد الشيباني: قال عنه الذهبي: "العلامة فقيه العراق أبو عبد الله الشيباني الكوفي صاحب أبي حنيفة، ولد بواسط، ونشأ بالكوفة، وأخذ عن أبي حنيفة بعض الفقه، وتمم الفقه على القاضي أبي يوسف ... ولي القضاء للرشيد بعد القاضي أبي يوسف، وكان مع تبحره في الفقه يضرب بذكائه المثل". وقال عنه الخطيب: "أبو عبد الله الشيباني مولاهم ... صاحب أبي حنيفة وإمام أهل الرأي ... نشأ بالكوفة وطلب العلم وطلب الحديث، وجالس أبا حنيفة وسمع منه ونظر في الرأي فغلب عليه، وعرف به ونفذ فيه، وقدم بغداد فنزلها واختلف إليه الناس، وسمعوا منه الحديث والرأي، وخرج إلى الرَّقّة ٢، وهارون أمير المؤمنين بها، فولاه قضاء الرقة، ثم عزله فقدم بغداد، فلما خرج هارون إلى الري٣ الخرجة الأولى أمره فخرج معه؛ فمات بالري سنة تسع وثمانين ومائة وهو ابن ثمان وخمسين سنة" ٤. ٩- نوح بن أبي مريم المروزي أبو عصمة القرشي مولاهم:

стр. 74

قال ابن المبارك: "يضع الحديث كما يضع المعلَّى" ١. وقال عنه أحمد بن حنبل: "كان أبو عصمة يروي أحاديث مناكير وكان شديدا على الجهمية والرد عليهم" ٢. وقال عنه البخاري: "نوح بن أبي مريم ذاهب الحديث جدا" ٣. وقال: "منكر الحديث" ٤. وقال مسلم وغيره: "متروك الحديث" ٥. وقال ابن حبان: "نوح الجامع جمع كل شيء إلا الصدق" ٦. وقال عنه اللكنوي: "أبو عصمة المروزي الشهير بالجامع ... وهو وإن كان فقيها جليلا إلا أنه مقدوح فيه عند أهل الحديث" ٧. وقال عنه ابن حجر: "يعرف بالجامع لجمعه العلوم، لكن كذبوه في الحديث" ٨. مات سنة ثلاث وسبعين ومائة ٩.

стр. 75

١٠- يعقوب بن إبراهيم أبو يوسف القاضي: قال عنه الخطيب: "القاضي صاحب أبي حنيفة ... سكن بغداد وولاه موسى بن مهدي القضاء بها ثم هارون الرشيد من بعده، وهو أول من سمي قاضي القضاة في الإسلام" ١. وقال عنه طلحة بن محمد بن جعفر: "أبو يوسف مشهور الأمر ظاهر الفضل، وهو صاحب أبي حنيفة، وأفقه أهل عصره ولم يتقدمه أحد في زمانه، وكان النهاية في العلم والحكم والرئاسة والقدر، وأول من وضع الكتب في أصول الفقه على مذهب أبي حنيفة وأملى المسائل ونشرها، وبث علم أبي حنيفة في أقطار الأرض" ٢. وقال عنه اللكنوي: "كان صاحب حديث حافظا. ولزم أبا حنيفة وغلب عليه الرأي، وولي قضاء بغداد فلم يزل بها حتى مات سنة ثلاث وثمانين ومائة في خلافة هارون الرشيد" ٣. ٤- مكانته العلمية وأقوال العلماء فيه "أ" مكانته العلمية: أخذ الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى من العلوم الشرعية نصيبا وافرا، وكان له نبوغ في العلوم الشرعية، وكثرة اشتغاله بها، وله قدرة على الإفتاء

стр. 76

والتدريس وحل المشكلات الدقيقة التي تعرض عليه. وكان له مع ذلك معرفة ببعض العلوم الأخرى، كعلم الكلام والجدل، وكانت معرفته تلك مرتبطة بنشأته بالكوفة؛ حيث كانت موطنا للنّحل المختلفة، والفرق المتباينة، وإذا كان المجتمع على هذه الشاكلة كثر فيه الجدل والمناظرات حول العقائد. لذلك انشغل الإمام أبو حنيفة ﵀ في بداية طلبه للعلم بعلم الكلام حتى برع فيه ونبغ، وبلغ فيه مبلغا يشار إليه بالبنان، وكان به يجادل وعنه يناضل، وكان يرتحل إلى البصرة لمناقشة أصحاب الخصومات. قال الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى: "كنت رجلا أعطيت جدلا في الكلام، فمضى دهر فيه أتردد، وبه أخاصم وعنه أناضل، وكان أصحاب الخصومات والجدل أكثرهم بالبصرة، فدخلت البصرة نيفا وعشرين مرة ... " ١. وقال قبيصة بن عقبة: "كان الإمام أبو حنيفة ﵀ في أول أمره يجادل أهل الأهواء، حتى صار رأساً في ذلك، منظوراً إليه، ثم ترك الجدل ورجع إلى الفقه والسنة وصار إماماً٢. هذه لمحة موجزة عن ثقافته في علم الكلام، حيث كان رأسا فيه، ثم بدا له فتركه، وتحول عنه إلى علم الفقه والسنة. وسوف أعرض منزلته في علمي الفقه والحديث. أولاـ الفقه: أراد الله بالإمام خيرا حين ترك علم الكلام والجدل، وأقبل على تعلم

стр. 77

الفقه والسنة، فاتصل بالعلماء من محدثين وفقهاء؛ يأخذ عنهم، لذلك رأيناه يلازم حماد بن أبي سليمان ثماني عشرة سنة، وليس معنى ذلك أنه لم يأخذ الفقه إلا عن حماد، بل الثابت أنه اتصل بالكثير من الفقهاء وأخذ عنهم مثل عطاء بن أبي رباح فقيه مكة، ونافع مولى ابن عمر، وزيد بن علي، وجعفر الصادق وغيرهم. من أجل ذلك نرى الإمام يجيب الخليفة العباسي المنصور لما سأله: يا نعمان عمن أخذت العلم، قال: "عن أصحاب عمر عن عمر، وعن أصحاب علي عن علي، وعن أصحاب عبد الله عن عبد الله، وما كان في وقت ابن عباس على وجه الأرض أعلم منه، قال: لقد استوثقت لنفسك". وفي رواية أخرى أنه أجاب عن سؤال المنصور بقوله: "عن حماد عن إبراهيم ١، عن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس، فقال: بخٍ بخٍ استوثقت ما شئت يا أبا حنيفة الطيبين الطاهرين" ٢. وهؤلاء الشيوخ الأفاضل كانوا أئمة الفقه في عصره، بالإضافة إلى رغبته القوية للتحصيل العلمي، ساعده على ذلك ما فطره الله عليه من الذكاء والفطنة والسجايا الحسنة ـ كالصبر والحلم ـ، وهذه الأمور كلها ساعدت على نبوغه، ففاق أقرانه والكثير من أهل عصره في هذا العلم، فكان الناس عيالا عليه، كما قال الإمام الشافعي: "من أراد أن يعرف

стр. 78

الفقه، فليلزم أبا حنيفة وأصحابه؛ فإن الناس كلهم عيال عليه في الفقه" ١. وقال عبد الله بن المبارك: "أبو حنيفة أفقه الناس" ٢. وقال حفص بن غياث: "كلام أبي حنيفة في الفقه أدق من الشعر" ٣. فمن المسائل الفقهية الدقيقة التي عرضت على أبي حنيفة، ما ذكره الصالحي عن وكيع قال: "كنا عند أبي حنيفة فأتته امرأة فقالت: مات أخي وخلف ستمائة دينار، فأعطوني دينارا واحدا، قال: ومن قسم فريضتكم؟ قالت: داود الطائي قال: هو حقك أليس خلف أخوك بنتين؟ قالت: بلى، قال: وأمًّا؟ قالت: بلى، قال: وزوجة؟ قالت: بلى، قال: واثني عشر أخا وأختا واحدة؟ قالت: بلى، قال: فإن للبنات الثلثين أربعمائة، وللأم السدس مائة، وللمرأة الثمن خمسة وسبعين، ويبقى خمسة وعشرون؛ للإخوة أربعة وعشرون لكل أخ ديناران، ولك دينار" ٤. لذا قال الذهبي في فقه أبي حنيفة: "الإمامة في الفقه ودقائقه مسلمة إلى هذا الإمام، وهذا أمر لا شك فيه ـ ثم استشهد بهذا البيت: وليس يصح في الأذهان شيء إذا احتاج النهار إلى دليل ٥ فكلام هؤلاء الأئمة في تقدير فقه الإمام أبي حنيفة ليس فيه مبالغة؛ فأثر فقه الإمام واضح على تلاميذه، وعلى من جاء بعدهم، فالمنتسبون إلى

стр. 79

مذهبه في زماننا هذا جمع غفير من أمة الإسلام. ومما ساعد على انتشار مذهبه أن قيض الله لأبي حنيفة تلامذة نشروا المذهب، تأليفا ١ وتدريسا وإفتاءً. ثم إن من هؤلاء من تولى القضاء ٢، فصار سببا في شيوع مذهب أبي

стр. 80

حنيفة في القرون الأولى. قال عبد الحي اللكنوي: "وكان أشهر أصحابه أبو يوسف؛ تولى قضاء القضاة زمن هارون الرشيد؛ فكان سببا لشيوع مذهبه في أقطار العراق وبلاد ما وراء النهر" ١.

стр. 81

ثم انتشر المذهب شيئا فشيئا حتى غطى رقعة كبيرة من الأراضي الإسلامية. قال ابن خلدون: "وأما أبو حنيفة فقلده اليوم أهل العراق، ومسلمة الهند والصين، وما وراء النهر وبلاد العجم كلها" ١. قلت: هذا في زمن ابن خلدون أي في القرن الثامن، وأما الذي ساعد على بقائه من زمنه إلى الآن تطبيق الدولة العثمانية لمذهب أبي حنيفة في جميع الولايات الإسلامية التي كانت تحت سلطانها، وقد بقيت بعض البلاد العربية ـ كالشام ومصر وغيرهما ـ تعمل محاكمها الشرعية ـ الخاصة بالأحوال الشخصية ـ وفق مذهب أبي حنيفة بعد انحسار الحكم العثماني. هذه منزلة أبي حنيفة في الفقه، وأما في الحديث فسأتناولها في الفقرة الآتية. ثانيا ـ الحديث: اشتغل الإمام بطلب علم الحديث بعد سنة مائة للهجرة ٢، فسمع الحديث من شيوخ أجلاّء كثيرين تقدم ذكر بعضهم ٣، وارتحل في سبيل ذلك ٤ ... ومع هذا فهو مقل في رواية الحديث ولعل السبب في ذلك تشدده في الرواية فهو لا يرى الرواية إلا لمن يحفظ. قال ابن الصلاح: "شدد قوم في الرواية فأفرطوا، وتساهل فيها آخرون ففرّطوا ومن التشدد

стр. 82

مذهب من قال: لا حجة إلا فيما رواه الراوي من حفظه، وذلك مروي عن مالك وأبي حنيفة" ١. وذكر الصالحي سببا آخر، وهو انشغال الإمام أبي حنيفة باستنباط المسائل من الأدلة. يقول: "وإنما قلت الرواية عنه ... لاشتغاله عن الرواية باستنباط المسائل من الأدلة كما كان أجلاء الصحابة كأبي بكر وعمر وغيرهما يشتغلون بالعمل عن الرواية، حتى قلت رواياتهم بالنسبة إلى كثرة اطلاعهم، وكثرة رواية من دونهم بالنسبة إليهم فيما سمع وكذا الإمام مالك والشافعي لم يرويا إلا القليل بالنسبة إلى ما سمعا كل ذلك لاشتغالهما باستخراج المسائل من الأدلة ... " ٢. وأعتقد ـ والله أعلم ـ أنه لا يوجد للإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى تأليف في الحديث، وإنما هناك مسانيد ٣ ألفت بعد وفاته وليست من

стр. 83

تأليفه ١، كما قال الشاه عبد العزيز ٢ الدهلوي الحنفي، بل جمعها الجامعون بعد أزمنة متطاولة والسنة كثيرة متناولة. قال المعلمي: "غالب الجامعين لتلك المسانيد متأخرون، وجماعة منهم متهمون بالكذب، ومن لم يكن منهم متهما يكثر أن يكون في أسانيده إلى أبي حنيفة من لا يعتد بروايته" ٣. ويظهر من كلام الشاه ولي الله أن هذه المسانيد ساقطة عن مرتبة الاحتجاج؛ إذ أوردها في الطبقة الرابعة من طبقات الحديث، فقد قال: "وأصلح هذه الطبقة ما كان ضعيفا محتملا، وأسوؤها ما كان موضوعا، أو مقلوبا شديد النكارة، وهذه الطبقة مادة كتاب الموضوعات لابن الجوزي" ٤. ولذا قال ابن حجر: "قوله ٥ وكذلك مسند أبي حنيفة توهم أنه جمع أبي حنيفة، وليس كذلك. والموجود من حديث أبي حنيفة مفردا إنما هو كتاب الآثار التي رواها محمد بن الحسن عنه، ويوجد في تصانيف = وعصبية حنفية نعمانية" جامع المسانيد ١/٥٠٤، وهذه شهادة من الرجل على نفسه بالتعصب وليست العصبية المذهبية بمحمودة بل هي مذمومة في الدين.

стр. 84

محمد بن الحسن وأبي يوسف قبله من حديث أبي حنيفة أشياء أخرى" ١. وكذلك ليس للإمام مؤلف في الجرح والتعديل، وإنما له أقوال مبثوثة تلقاها عنه علماء هذا الفن بالقبول وعملوا بها من ذلك. ١- قول أبي حنيفة: "ما رأيت أكذب من جابر الجعفي ٢، ولا أفضل من عطاء بن أبي رباح" ٣. ٢- وقول أبي حنيفة: "طلق بن حبيب ٤ كان يرى القدر" ٥. ٣- وقول أبي حنيفة: "زيد بن عياش ٦ مجهول" ٧. ٤- وسئل أبو حنيفة عن الأخذ عن الثوري، فقال لمن سأله: "اكتب عنه فإنه ثقة، ما خلا أحاديث أبي إسحاق عن الحريث وحديث جابر الجعفي" ٨.

стр. 85

٥- وقول سفيان بن عيينة: "أول من أقعدني للحديث بالكوفة أبو حنيفة أقعدني في الجامع، وقال: هذا أقعد الناس بحديث عمرو بن دينار؛ فحدثتهم" ١. وكذا له أقوال وآراء في أصول الحديث، كانت موضع عناية علماء الحديث واهتمامهم، وهي مبثوثة في كتب المصطلح، من ذلك على سبيل المثال: ١- شرط أبي حنيفة في رواية الحديث: قال ابن الصلاح: " شدد قوم في الرواية فأفرطوا، وتساهل فيها آخرون ففرّطوا ومن التشديد مذهب من قال: لا حجة إلا فيما رواه الراوي من حفظه، وذلك مروي عن مالك وأبي حنيفة" ٢. ٢- رأي أبي حنيفة في رواية المبتدع: روى الخطيب بإسناده، عن عمر بن إبراهيم، قال: "سمعت ابن المبارك يقول: سأل أبو عصمة الإمام أبا حنيفة بمن تأمرني أن أسمع الآثار؟ قال: من كل عدل في هواه إلا الشيعة، فإن أصل عقائدهم تضليل أصحاب محمد ﷺ ، ومن أتى السلطان طائعا، أما إني لا أقول إنهم يكذبونهم أو يأمرونهم بما لا ينبغي، ولكن وطأوا لهم حتى انقادت العامة بهم، فهذان لا ينبغي أن يكونا من أئمة المسلمين" ٣. ٣- رأي أبي حنيفة في رواية المستور: قال السرخسي: "روى الحسن عن أبي حنيفة أنه ـ أي مستور ـ

стр. 86

بمنزلة العدل في رواية الأخبار؛ لثبوت العدالة له ظاهرا بالحديث عن رسول الله ﷺ : "المسلمون عدول بعضهم على بعض" ١ ... " ٢. ٤ - رأي أبي حنيفة بالاحتجاج بالمرسل: قال النووي: "ثم المرسل حديث ضعيف عند جماهير المحدثين، والشافعي، وكثير من الفقهاء، وأصحاب الأصول، وقال مالك وأبو حنيفة في طائفة صحيح" ٣. ٥- رأي أبي حنيفة في المناولة: ذكر الحاكم وابن الصلاح عدة من الأئمة، فيهم الإمام أبو حنيفة، وذكر أنهم لم يروا المناولة سماعا٤. وأما الاحتجاج بحديث الإمام أبي حنيفة؛ فقد اختلف نقاد الحديث في ذلك. فمنهم ٥ من قبل حديثه ورأى أنه حجة فيما يرويه.

стр. 87

ومنهم ١ من ضعفه، ولم يحتج بحديثه، وقالوا لكثرة غلطه وعدم ضبطه. قال الذهبي: "لم يصرف الإمام همته لضبط الألفاظ والأسانيد، وإنما كانت همته القرآن والفقه، وكذلك حال كل من أقبل على فن؛ فإنه يقصر عن غيره، من ثم ليَّنوا حديث جماعة من أئمة القراء كحفص وقالون، وحديث جماعة من الزهاد كفرقد السبخي ٢ وشقيق البلخي ٣، وحديث جماعة من النحاة، وما ذاك لضعف في عدالة الرجل؛ بل لقلة إتقانه للحديث ثم هو أنبل من أن يكذب"٤. فهو قد اشتغل بالفقه أو النحو أو القرآن، ولم ينصب نفسه للتحديث وضبط الألفاظ والأسانيد ٥. كان ذلك النقد الذي وجه للإمام

стр. 88

وجعلوا ذلك قاعدة كلية للجرح. قال ابن رجب: "قاعدة الفقهاء المعتنين بالرأي، حتى يغلب عليهم الاشتغال به، لا يكادون يحفظون الحديث كما ينبغي، ولا يقيمون أسانيده ولا متونه، ويخطئون في حفظ الأسانيد كثيرا ويروون المتون بالمعنى، ويخالفون الحفاظ في ألفاظه، ربما يأتون بألفاظ تشبه ألفاظ الفقهاء المتداولة بينهم، وقد اختصر شريك حديث رافع بن خديج في المزارعة، فأتى فيه بعبارة أخرى فقال: "من زرع في أرض قوم بغير إذنهم فليس له من الزرع شيء وله نفقته" ١.

стр. 89

هذا يشبه كلام الفقهاء ... ثم قال: وكذلك فقهاء الكوفة، ورأسهم حماد بن أبي سليمان وأصحابه وأتباعهم، وكذلك الحكم بن عتيبة، وعبد الله بن نافع الصائغ صاحب مالك وغيرهم" ١. هذه لمحة موجزة عن ثقافته الحديثية، ومكانته العلمية. وأما أقوال العلماء فيه فسأتناولها في الفقرة التالية إن شاء الله تعالى. "ب" أقوال العلماء فيه: الذين أثنوا على الإمام في علمه وفقهه وورعه وزهده كثيرون، منهم:

стр. 90

فقيه الكوفة أنه شديد الورع، صائن لدينه ولعلمه، ولا يؤثر أهل الدنيا على أهل الآخرة" ١. ٣- أحمد بن حنبل، فقد نقل عنه الصالحي قوله: "هو من العلم والورع والزهد وإيثار الدار الآخرة بمحل، ولقد ضرب بالسياط على أن يلي القضاء لأبي جعفر المنصور فلم يفعل، فرحمة الله عليه" ٢. ٤- شعبة بن الحجاج العتكي، فقد قال عنه لما علم بوفاته: "لقد ذهب معه فقه الكوفة، تفضل الله علينا وعليه برحمته" ٣. ٥- إسرائيل بن يونس، فقد روى عنه الخطيب قوله: "كان نعم الرجل النعمان، ما كان أحفظه لكل حديث فيه فقه وأشد فحصه عنه، وأعلمه بما فيه من الفقه، وكان قد ضبط عن حماد فأحسن الضبط عنه" ٤. ٦- الحسن بن صالح، فقد نقل عنه ابن عبد البر قوله: "كان النعمان بن ثابت فهما عالما متثبتا في علمه، إذا صحّ الخبر عنده عن رسول الله ﷺ ؛ لم يعده إلى غيره" ٥. ٧- أبو داود السجستاني، فقد نقل عنه ابن عبد البر قوله: "رحم الله مالكا كان إماما، رحم الله الشافعي كان إماما، رحم الله أبا حنيفة كان إماما" ٦.

стр. 91

٨- ابن عبد البر: فقد قال عنه: "كان في الفقه إماما، حسن الرأي والقياس، لطيف الاستخراج جيد الذهن، حاضر الفهم، ذكيا ورعا عاقلا" ١. ٩- أبو الحجاج المزي، قال عنه: "فقيه العراق، وإمام أصحاب الرأي" ٢. ١٠- شيخ الإسلام ابن تيمية، قال عنه: "إن أبا حنيفة وإن كان الناس خالفوه في أشياء، وأنكروها عليه، فلا يستريب أحد في فقهه وفهمه وعلمه" ٣. ١١- الذهبي، قال عنه: "كان إماما ورعا عالما متعبدا كبير الشأن، لا يقبل جوائز السلطان" ٤. ورغم ثنائهم عليه في سعة علمه وفقهه وورعه ومجانبته السلاطين، فقد عاب عليه بعض العلماء كلاما بلغهم عنه في الإيمان، وتكلموا فيه من أجلها، كقوله إن العمل لا يدخل في مسمى الإيمان ٥، ومن هنا كان اتهام أبي حنيفة بالإرجاء. قال ابن عبد البر: "كل من قال من أهل السنة: الإيمان قول وعمل؛ ينكرون قوله، ويبدعونه بذلك"٦.

стр. 92

ولا شك أن هذا القول خلاف مذهب السلف، لكنه إرجاء مقيد لا يصل إلى الإرجاء الخالص المطلق الذي يزعم أصحابه أنه لا يضر مع الإيمان معصية كما لا ينفع مع الكفر طاعة، فبرغم موافقته لهؤلاء في عدم إدخال الأعمال في مسمى الإيمان، لكنه يختلف معهم اختلافا جذريا؛ فهم يرون أنه لا تضر مع الإيمان معصية ١، وهو يرى أن مرتكب الذَّنب مستحق للعقاب، وأمره إلى الله، إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له، قال الإمام أبو حنيفة ﵀ في رده هذا المذهب الخبيث: "ولا نقول إن المؤمن لا تضره الذنوب، ولا نقول إنه لا يدخل النار ... ولا نقول إن حسناتنا مقبولة وسيئاتنا مغفورة كقول المرجئة" ٢. فالمقصود أنه لا يجوز لنا أن نصف الإمام بالإرجاء المطلق الذي لا يقول به مسلم. قال صاحب كتاب الإيمان بين السلف والمتكلمين: "وأبو حنيفة وإن خالف السلف بتأخيره العمل عن ركنيه في الإيمان، فإنه لم يدع برأيه هذا أرباب الشهوات لإشباع شهواتهم، وتحقيق رغباتهم باللعب بالمحظورات، وانتهاك أستار الشريعة الإسلامية الغراء، كما فعل المرجئة الذين رفعوا اللوم عن العصاة، وفتحوا لهم الطريق إلى هتك محارم الله دون خشية من عقاب الله تعالى، إذ أنّ الإنسان في حل مما يفعل، فلا تثريب عليه أبدا إذا هو اتصف بالإيمان، الذي هو عبارة عن التصديق عندهم فحسب. وأبو حنيفة حاشاه أن يقول بهذا القول، أو يقف ذلك الموقف، فلا

стр. 93

يجوز لنا أن نصفه بالإرجاء المطلق، لأن الإرجاء الذي يتبادر إلى الذهن هو ذلك القول الذي لا يقول به مسلم أبدا" ١. ومع هذا فإن أبا حنيفة لم يختص بهذا المذهب وحده، بل إنه مذهب لبعض أهل العلم ٢ ممن اشتغلوا بعلم الحديث وروايته، بل إن منهم من روى له الشيخان ـ البخاري ومسلم ـ في صحيحيهما. قال صاحب كتاب إيثار الحق على الخلق: "وفي كتب الرجال نسب الإرجاء إلى جماعة من رجال البخاري ومسلم وغيرهما من الثقات الرفعاء؛ منهم ذر ٣ بن عبد الله الهمداني أبو عمر التابعي، حديثه في كتب الجماعة كلهم. وقال أحمد: هو أول من تكلم في الإرجاء. وأيوب بن عائذ الطائي ٤، حديثه عند "خ، م، ت، د"، وسالم بن عجلان الأفطس ٥ حديثه في "خ، د، س، ق"، وكان داعية إلى الإرجاء.

стр. 94

وشبابة بن سوار أبو عمرو المدائني ١، وكان داعية وقيل: إنه رجع عنه. وابن عبد الرحمن أبو يحيى الحماني الكوفي ٢، حديثه عند "خ، م، ت، ق" وكان داعية إلى ذلك. وعثمان بن غياث الراسبي البصري ٣، حديثه عند "خ، م، د، س" وعمرو بن ذر الهمداني الكوفي من كبار الزهاد والحفاظ، كان رأسا في الإرجاء، حديثه في "خ، د،ت، س". وعمرو بن مرة الجملي ٤، أحد الأثبات من كبار التابعين، حديثه عند الجماعة كلهم.

стр. 95

وإبراهيم بن طهمان الخراساني١، أحد الأئمة، حديثه عندهم، وقيل رجع عن الإرجاء. ومحمد بن خازم أبو معاوية الضرير ٢، أثبت أصحاب الأعمش حديثه عندهم، وورقاء بن عمرو الكوفي اليشكري ٣ حديثه عندهم. ويحيى بن صالح الوحاظي ٤ حديث عند "خ، م، ت، د، ق"، وعبد العزيز بن أبي روّاد ٥ خرّج له الأربعة واستشهد به البخاري.

стр. 96

فهؤلاء ممن ذكرهم ابن حجر في مقدمته لـ "شرح البخاري" ١ هذا وقد قيل: إن أبا حنيفة رجع عن قوله ووافق السلف في أن الأعمال من الإيمان. قال ابن أبي العز الحنفي: "والظاهر أن هذه المعارضات لم تثبت عن أبي حنيفة ﵁، وإنما هي من الأصحاب، فإن غالبها ساقط لا يرتضيه أبو حنفية. وقد حكى الطحاوي حكاية أبي حنيفة مع حماد بن زيد، وأن حماد بن زيد لما روى له حديث "أي الإسلام أفضل ... " ٢ قال له: ألا تراه يقول: أي الإسلام أفضل، قال: الإيمان، ثم جعل الهجرة والجهاد من الإيمان فسكت أبو حنيفة، فقال بعض أصحابه: ألا تجيبه يا أبا حنيف. قال: بم أجيبه وهو يحدثني بهذا عن رسول الله ﷺ " ٣. وبالجملة فهذه القصة على اعتبار صحتها، تشعر بأنه قد رجع، واتبع ما جاء به النص عن رسول الله ﷺ في أن الأعمال من الإيمان، وهذا هو المظنون به رحمه الله تعالى، فكيف لا وهو القائل: "إذا صح الحديث فهو مذهبي" ٤. وإن لم يكن رجع عن قوله في الإيمان، فعفا الله عنا وعنه وغفر الله له.

стр. 97

المبحث الثالث: دراسة موجزة لمؤلفاته في أصول الدين ينسب إلى الإمام أبي حنيفة الكتب التالية: ١- الفقه الأكبر برواية حماد بن أبي حنيفة. ٢- الفقه الأكبر برواية أبي مطيع البلخي، ويسمى بالفقه الأبسط. ٣- العالم والمتعلم برواية أبي مقاتل السمرقندي. ٤- رسالة الإمام أبي حنيفة إلى عثمان البتي برواية أبي يوسف. ٥- الوصية برواية أبي يوسف. وإليك التعريف بكل كتاب، مع بيان نسبته ١ إلى مؤلفه لنستخرج

стр. 98

منه النتيجة، وهل هي صحيحة النسبة إلى أبي حنيفة، أمن هي باطلة غير صحيحة: ١- الفقة الأكبر برواية حماد بن أبي حنيفة وهي رسالة تشتمل على أصول الدين، كمسائل الصفات والإيمان والقدر والنبوة والمعاد، بعبارة سهلة وجيزة، من غير أدلة تفصيلية إلا في موضعين: الأول في صفة الكلام؛ حيث استدل بقوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً﴾ "سورة النساء: الآية١٦٤". والثاني في بيان أن صفاته ليست مثل صفات المخلوقين، فاستدل بقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ "سورة الشورى: الآية١١". ونالت هذه الرسالة شهرة واسعة، وتصدى لشرحها غير واحد من أهل العلم، حتى بلغ عدد شروحها خمسة عشر شرحا ١، لا زال كثير منها مخطوطا ما عدا شرحي علي القاري والمغيساوي فهما مطبوعان. من ذكر هذا المؤلف من المصنفين: ١- ابن النديم في الفهرست ص٢٥٦. ٢- البغدادي في الفرق بين الفرق ص٢٢٠، وأصول الدين ص٣٠٨. ٣- أبو المظفر الإسفراييني في كتاب التبصير في الدين ص١١٣-١١٤.

стр. 99

٤- علي بن محمد البزدوي في كتاب أصول البزدوي كما في كشف الأسرار في شرح أصول البزدوي ١/٧، ٨. ٥- ابن تيمية في مجموع الفتاوى ٥/٤٦. ٦- ابن القيم في اجتماع الجيوش الإسلامية ص١٣٨. ٧- الذهبي في المشتبه ١/١٣٧. ٨- ابن أبي العز في شرح العقيدة الطحاوية ص٣. ٩- إسماعيل البغدادي في هداية العارفين ٢/٤٩٥. ١٠- الحاجي خليفة في كشف الظنون ٢/١٢٨٧. ١١- محمود شكري الألوسي في غاية الأماني ١/٤٤٨. دراسة إسناد هذا المؤلف: وقفت على إسناد هذا المؤلف في نسخة خطية محفوظة ضمن المجموعة رقم ٢٣٤ بمكتبة شيخ الإسلام عارف حكمت بالمدينة المنورة، وهي من رواية نصر بن يحيى، عن ابن مقاتل، عن عصام بن يوسف، عن حماد بن أبي حنيفة، عن أبيه. وإليك التعريف بهم. ١- نصر بن يحيى: هو نصر بن يحيى البلخي، تفقه على أبي سليمان الجوزجاني، وروى عنه أبو غياث البلخي. مات سنة ٢٦٨هـ ١. ٢- محمد بن مقاتل: هو محمد بن مقاتل الرازي كان من أصحاب الرأي مقدما في الفقه، روى عن سفيان بن عيينة ووكيع وسلم بن الفضل، وروى عنه محمد بن أيوب وحمد بن حكيم الترمذي والحسين بن أحمد.

стр. 100

قال عنه الذهبي في المغني: "ضعيف"، وفي الميزان: "تكلم فيه ولم يترك". مات سنة ٢٤٨هـ ١. ٣- عصام بن يوسف: هو عصام بن يوسف البلخي ٢، روى عن سفيان وشعبة، وحدث عنه عبد الصمد بن سليمان وغيره، قال عنه ابن سعد: "كان عندهم ضعيفا في الحديث"، وقال ابن عدي في الكامل: "روى عن الثوري وعن غيره أحاديث لا يتابع عليها"، وقال الخليلي: "هو صدوق". مات سنة ٢١٥هـ ٣. ٤- حماد بن أبي حنيفة: هو حماد بن أبي حنيفة النعمان بن ثابت الكوفي، قال عنه ابن خلكان: "إنه كان على مذهب أبيه وإنه كان صالحا خيرا"، وذكره ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل، ولم يذكر فيه جرحا، وذكره ابن عدي في الكامل، فقال عنه: "لا أعلم له رواية مستوية". وقال عنه الذهبي في الميزان: "ضعفه ابن عدي وغيره من قبل حفظه" مات سنة ١٧٦هـ ٤.

стр. 101

٢- الفقه الأكبر ١ برواية أبي مطيع البلخي وهو رسالة يجيب فيها الإمام أبو حنيفة، عن أسئلة تلميذه مطيع البلخي، وهي مغايرة تماما لرواية حماد بن أبي حنيفة، حيث إن هذه الرسالة عبارة عن أجوبة مفصلة لأسئلة أبي مطيع، بخلاف رواية حماد بن أبي حنيفة فهي عبارة عن عرض مجمل وسهل لمسائل أصول الدين، والآراء التي تحتويها هذه الرسالة لا تختلف غالبا عن الآراء الموجودة في رسائله الأخرى المنسوبة إليه، غير أنه أسهب في مسائل القضاء والقدر وبعض مسائل الإيمان، ويظهر ـ والله اعلم ـ أنها ليست من تأليف الإمام مباشرة، بل من تأليف تلميذه أبي مطيع البلخي، جمع فيها أمالي الإمام وأقواله. لذا يقول الذهبي عن أبي مطيع البلخي: "صاحب كتاب الفقه الأكبر" ٢، فهذه إشارة منه إلى أن الكتاب ليس من تأليف الإمام رحمه الله تعالى، وإنما هو من تأليف أبي مطيع البلخي.

стр. 102

وكذا قال اللكنوي: "أبو مطيع البلخي صاحب أبي حنيفة، وصاحب كتاب الفقه الأكبر" ١. دراسة إسناد هذا المؤلف: وقفت على إسناد هذا المؤلف في نسخة خطية محفوظة بدار الكتب ضمن المجموعة ٦٤-٢١٥ وهي من رواية ٢ الشيخ أبي بكر الكاساني ٣، عن العلاء السمرقندي، عن أبي المعين النسفي، عن أبي عبد الله الحسين بن علي المعروف بالفضل، عن أبي مالك نصران بن نصر الختلي ٤، عن أبي الحسن علي بن أحمد الفارس، عن نصر بن يحيى، عن أبي مطيع الحكم بن عبد الله البلخي، عن الإمام أبي حنيفة. وإليك التعريف برجال إسناد هذه النسخة: ١- أبو بكر الكاساني: هو أبو بكر بن مسعود بن أحمد علاء الدين الكاساني، صاحب كتاب بدائع الصنائع، تفقه على علاء الدين محمد السمرقندي، وتزوج ابنته فاطمة الفقيهة، من أجل أنه شرح كتاب التحفة للسمرقندي، وسماه البدائع، فجعله مهرا لابنته، وله من التصانيف كتاب السلطان المبين في أصول الدين. مات سنة ٥٨٧هـ ٥.

стр. 103

٢- العلاء السمرقندي: هو محمد بن أحمد بن أبي أحمد علاء الدين السمرقندي، تفقه على أبي المعين ميمون المكحولي، وعلى أبي اليسر البزدوي، وتفقه عليه أبو بكر بن مسعود الكاساني وغيره، ولم أقف على تاريخ وفاته ١. ٣- أبو المعين النسفي: هو ميمون بن محمد بن محمد معتمد بن مكحول بن أبي الفضل أبو المعين النسفي المكحولي، صاحب كتاب تبصرة الأدلة، والتمهيد لقواعد التوحيد. مات سنة ٥٠٨هـ ٢. ٤- أبو عبد الله الحسين بن علي: هو الحسين بن علي الألمعي الكاشغري ٣ الواعظ. قال عنه الذهبي: "متهم بالكذب"، وقال السمعاني: "شيخ فاضل واعظ ولكن أكثر رواياته وأحاديثه مناكير واسمه الحسين، غير أنه عرف بالفضل، صنّف التصانيف الكثيرة في الحديث، لعلها تربو على المائة والعشرين مصنفا وعامتها مناكير، روى الحديث عن أبي عبد الله محمد بن علي الصوري ومحمد بن محمد الغيلان، وحدث عنه محمد بن محمود الشجاعي. مات بعد سنة ٤٨٤هـ" ٤.

стр. 104

٥- أبو مالك نصران بن نصر الختلي: ذكره الذهبي في المشتبه، وقال عنه: "أبو مالك نصران بن نصر الختلي، روى الفقه الأكبر عن علي بن الحسين الغزّال وعنه أبو عبد الله الحسين الكاشغري". ٦- أبو الحسن علي بن أحمد الفارس: لم أقف على ترجمته. ٧- نصر بن يحيى: تقدم التعريف به في ص١١٧. ٨- أبو مطيع البلخي: هو الحكم بن عبد الله بن مسلم أبو مطيع البلخي الخراساني ١، صاحب أبي حنيفة رحمه الله تعالى، روى عن هشام بن حسان وابن عون، وروى عنه أحمد بن منيع وخلاد بن أسلم الصفار. مات سنة ١٩٩هـ. قال عنه ابن معين: "ليس بشيء". وقال أحمد بن حنبل: "لا ينبغي أن يروى عنه شيء"، وقال أبو داود: "تركوا حديثه وكان جهميا"، وقال أبو حاتم: "كان مرجئا ضعيف الحديث، وضعفه البخاري والنسائي"، وقال ابن حبان: "كان من رؤساء المرجئة ممن يبغض السنن ومنتحليها"، وقال ابن عدي: "هو بيِّن الضعف عامة ما يرويه لا يتابع عليه، وقال الذهبي، وابن حجر: "كان ابن المبارك يعظّمه ويجلّه لدينه وعلمه" ٢. قلت: فقوله لدينه أي لعبادته وزهده، وأما قوله: "لعلمه" فالظاهر أنه يعني فقهه، وإلا فأهل العلم متفقون على أنه لا يحتج به في الرواية لكونه

стр. 105

متهما، بل كذبه أبو حاتم، وتتابع أهل العلم على تضعيفه، فمثله لا يعتمد عليه، لذا لم أعرج على كتابه إلا حيث خالف بدعته في التجهم والإرجاء، أو أجد شاهدا لكلامه في سائر كتب أبي حنيفة، أو بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهب أبي حنيفة وصاحبيه للطحاوي فأورده استئناسا واستشهادا. ٣- العالم والمتعلم وهو رسالة يجيب فيها الإمام عن أسئلة المتعلم أبي مقاتل حفص بن سلم السمرقندي. بدأها بالإشارة إلى أهمية العلم والعمل، وأن العمل تبعٌ للعلم، وأن العلم مع العمل اليسير أنفع من الجهل مع العمل الكثير. ثم بين أهمية معرفة علم الكلام وشرح العدل والجور، ثم أشار إلى بعض آراء الفرق في نزع الإيمان عن الزاني. ثم فرق بين الشريعة والدين، وأن الدين هو التوحيد، والتوحيد واحد أوصى الله أنبياءه بالدعوة إليه، ثم شرح مذهبه في الإيمان، وهل له ارتباط بالعمل. وتنفرد هذه الرسالة عن الرسائل الأخرى المنسوبة للإمام في أمور لا تتفق مع ما ثبت عنه في قضايا الاعتقاد منها: "أ" تعظيمه لعلم الكلام، وبيان ضرورة معرفته ١.

стр. 106

"ب" استعماله القياس في قضايا العقيدة ١. "ج" قوله بالإرجاء الحقيقي حيث قال، يعني أبا حنيفة: "من آمن بقلبه ولم يتكلم بلسانه فهو مؤمن عند الله" ٢. "د" قوله: "أصل الإرجاء من قبل الملائكة" ٣. ويظهر ـ والله أعلم ـ أن هذه الرسالة ليست من تأليف الإمام، بل من تأليف تلميذه أبي مقاتل حفص بن سلم السمرقندي. لذا قال عنه السليماني كما في اللسان في ترجمة أبي مقاتل: "صاحب كتاب العالم والمتعلم في عداد من يضع الحديث". وأقره الحافظ ابن حجر ٤، وهي إشارة إلى أن كتاب العالم والمتعلم ليس للإمام أبي حنيفة، وإنما هو من تأليف أبي مقاتل. ثم إن كتاب العالم والمتعلم، ككتب المسائل التي هي أجوبة عن أسئلة التلاميذ لشيوخهم في مسألة من مسائل العلم، يكتبها التلاميذ، وتنسب له الأسئلة، مثل أسئلة الآجري لأبي داود، وأسئلة البرقاني للدارقطني، ومسائل أبي داود للإمام أحمد، فكما أنه لا يجوز أن تنسب تلك الكتب إلى الشيوخ، فنقول مثلا: "إن مسائل أبي داود" هي من تأليف الإمام أحمد، فكذلك لا يجوز أن تنسب الأجوبة الواردة في العالم والمتعلم للإمام أبي حنيفة، ولا سيما أن مؤلف كتاب العالم والمتعلم هو أبو مقاتل السمرقندي وضاع وكذاب عند المحدثين وبالتالي يجب أن نكون على حذر مما في هذا الكتاب، فلا يقبل ما فيه إلا إذا وافق

стр. 107

ما في المصادر الأخرى التي تحكي عقيدة الإمام أبي حنيفة. من ذكر هذا المؤلف من المصنفين: ١- ابن النديم في الفهرست ص٢٥٦. ٢- على بن محمد البزدوي في كنز الوصول إلى معرفة الأصول ١/٨. ٣- علاء الدين بن عبد العزيز البخاري في كشف الأسرار ١/٨. ٤- أبو المظفر الإسفراييني في التبصير ص١١٣. ٥- البياضي في إشارات المرام ص٢١. ٦- والزبيدي في إتحاف السادة المتقين ٢/١٤. ٧- طاش كبرى زاده في مفتاح السعادة ٢/٢٠٣ ٨- إسماعيل البغدادي في هداية العارفين ٢/٤٩٥. ٩- حاجي خليفة في كشف الظنون ٢/١٤٣٧. دراسة إسناد هذا المؤلف: وقفت لهذا المؤلف على إسناد نسختين: * النسخة الأولى: وهي المحفوظة بدار الكتب المصرية تحت رقم ٣٤١٤٧، وهي من رواية ١ الشيخ أبي الحسن علي بن خليل الدمشقي، عن أبي الحسن برهان الدين علي بن الحسن البلخي، عن أبي المعين النسفي، عن أبيه محمد النسفي، عن عبد الكريم بن موسى البزدوي النسفي، عن أبي منصور الماتريدي، عن أبي بكر أحمد بن إسحاق الجوزجاني عن أبي سليمان موسى بن سليمان الجوزجاني، عن محمد بن مقاتل الرازي وهما عن أبي مطيع الحكم بن عبد الله وأبي عصمة عصام بن

стр. 108

يوسف البلخي وهما عن أبي مقاتل حفص بن سلم السمرقندي عن الإمام أبي حنيفة وإليك تعريف برجال إسناد هذه النسخة: ١- أبو الحسن علي بن خليل الدمشقي: هو علي بن خليل بن الحسين الدمشقي أبو الحسن الشهير بابن قاضي العسكر، الأديب الفقيه، مولده بدمشق سنة ٦٠٨هـ، ومات سنة ٦٥١هـ، وله كتاب شرح الجامع الكبير ١. ٢- أبو الحسن برهان الدين علي بن حسن البلخي: هو علي بن الحسن بن محمد بن أبي جعفر أبو الحسن المعروف بالبرهان البلخي، قال عنه الذهبي: "كان زاهدا معرضا عن الدنيا، وهو الذي قام في إبطال حي على خير العمل من حلب"، وقال اللكنوي: "برع في الأصول والفقه ورد دمشق ودرس بها" مات سنة ٥٤٨هـ ٢. ٣- أبو المعين النسفي: تقدم التعريف به ص١٢٢. ٤- محمد النسفي: لم أقف له على ترجمة. ٥- عبد الكريم بن موسى البزدوي النسفي: هو عبد الكريم بن موسى بن عيسى البزدوي نسبة إلى بزدى قلعة على ستة فراسخ من نسف ٣ وهو جد فخر الإسلام البزدوي تفقه على أبي منصور الماتريدي. مات سنة ٣٩٠هـ ٤.

стр. 109

٦- أبو منصور الماتريدي: هو محمد بن محمد بن محمود أبو منصور الماتريدي، نسبة إلى ماتريد ١، محلة بسمرقند ٢، وإليه ينسب المذهب الماتريدي الكلامي الموجود في العالم الإسلامي، تفقه على أبي بكر أحمد الجوزجاني، وأبي نصر أحمد بن العباس العياض. وتفقه عليه إسحاق بن محمد السمرقندي وأبو محمد عبد الكريم بن موسى البزدوي وغيرهم، وله كتاب التوحيد وتأويلات القرآن وغير ذلك، مات سنة ٣٣٣هـ، بعد وفاة أبي الحسن الأشعري بتسع سنوات ٣. ٧- أبو بكر أحمد بن إسحاق الجوزجاني: هو أحمد بن إسحاق أبو بكر الجوزجاني، نسبة إلى جوزجان ٤، بلدة مما يلي بلخ، تفقه على أبي سليمان الجوزجاني وقال عنه القرشي: صاحب كتاب الجواهر المضية: "كان من الجامعين بين علم الأصول وعلم الفروع، وكان في أنواع العلوم في الدرجة العلية، له كتاب الفرق والتمييز وكتاب التوبة

стр. 110

وغيرهما" ولم أقف له على تاريخ وفاته ١. ٨- أبو سليمان موسى بن سليمان الجوزجاني: هو موسى بن سليمان الجوزجاني أبو سليمان، سمع عبد الله بن المكبار وأبا يوسف يعقوب بن إبراهيم الأنصاري ومحمد بن حسن الشيباني، وروى عنه عبد الله بن حسن الهاشمي وأحمد بن محمد البرتي. قال عنه الخطيب: "كان فقيها بصيرا بالرأي يذهب مذهب أهل السنة في القرآن"، وقال عنه ابن أبي حاتم: "كان يكفر القائلين بخلق القرآن، كتب عنه أبي وسئل عنه فقال: كان صاحب رأي وكان صدوقا" ٢. ٩- محمد بن مقاتل الرازي ٣. ١٠- أبو مطيع الحكم بن عبد الله ٤. ١١- أبو عصمة عصام بن يوسف البلخي ٥. ١٢- أبو مقاتل السمرقندي: هو حفص بن سلم أبومقاتل السمرقندي، روى عن هشام بن عروة، وروى عنه عتيق بن محمد، قال عنه السليماني: "صاحب كتاب العالم والمتعلم في عداد من يضع الحديث" ٦. وقال الحاكم: "حدث عن عبيد الله بن عمر وأيوب ومسعر وغيرهم بأحاديث موضوعة. كذبه وكيع بن الجراح بالكوفة" ٧.
следующие страницы →