← Акыда

Акыда · id 7509

أصول الدين عند الإمام أبي حنيفة

محمد بن عبد الرحمن الخميس

Полный текст (640 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

تعالى عالما في الأزل بالأشياء قبل كونها" ١. وقال: "يعلم الله تعالى المعدوم في حال عدمه معدوما، ويعلم أنه كيف يكون إذا أوجده، ويعلم الله تعالى الموجود في حال وجوده موجودا، ويعلم كيف يكون فناؤه" ٢. وقرر الطحاوي هذا في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهب أبي حنيفة وصاحبيه حيث قال: "ولم يخف عليه شيء قبل أن يخلقهم، وعلم ما هم عاملون قبل أن يخلقهم" ٣. وقال: "وقد علم الله تعالى فيما لم يزل عدد من يدخل الجنة وعدد من يدخل النار جملة واحدة فلا يزاد في ذلك ولا ينقص منه" ٤. وقال: "وعلى العبد أن يعلم أن الله قد سبق علمه في كل كائن من خلقه، فقدّر ذلك تقديرا محكما مبرما، ليس فيه ناقص ولا معقب ولا مزيل ولا مغيِّر ولا ناقص ولا زائد من خلقه في سماواته وأرضه"٥. في بيان المرتبة الثانية وهي كتابه الذي اشتمل على كل ما سيكون، يقول الإمام أبو حنيفة: "وقدّره وكتبه في اللوح المحفوظ" ٦. وقال: "ونقِرُّ بأن الله تعالى أمر القلم أن يكتب فقال القلم، ما أكتب يا رب؟ فقال الله تعالى: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة لقوله

стр. 492

تعالى: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ﴾ ١" سورة القمر: الآيتان٥٢-٥٣". وقرر هذا الطحاوي في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهب أبي حنيفة وصاحبيه حيث قال: "ونؤمن باللوح والقلم وبجميع ما فيه قد رقم، فلو اجتمع الخلق كلهم على شيء كتبه الله تعالى فيه أنه كائن ليجعلوه غير كائن؛ لم يقدروا عليه، ولو اجتمعوا كلهم على شيء لم يكتبه الله تعالى فيه كائنا، لم يقدروا عليه، جفّ القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة. وما أخطأ العبد لم يكن ليصيبه، وما أصابه لم يكن ليخطئه" ٢. وفي بيان المرتبة الثالثة وهي الإيمان بمشيئة الله وقدرته العامة على كل شيء يقول الإمام أبو حنيفة: "ولا يكون في الدنيا ولا في الآخرة شيء إلا بمشيئته" ٣. وقرر هذا الطحاوي في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهب أبي حنيفة وصاحبيه حيث قال: "وكل شيء يجري بتقديره، ومشيئته، ومشيئته تنفذ لا مشيئة العباد إلا ما شاء لهم، فما شاء لهم كان وما لم يشأ لم يكن" ٤. وفي بيان المرتبة الرابعة وهي الإيمان بأن الله خالق كل شيء يقول الإمام أبو حنيفة: "خلق الله الأشياء لا من شيء" ٥.

стр. 493

وقال: "وكان الله تعالى خالقا قبل أن يخلق" ١. وقرر هذا الطحاوي في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهب أبي حنيفة وصاحبيه حيث قال: "خالق بلا حاجة ... خلق الخلق بعلمه" ٢. وقال: "ولم يخف عليه شيء قبل أن يخلقهم، وعلم ما هم عاملون قبل أن يخلقهم" ٣.

стр. 494

المبحث الثالث: أفعال العباد يذهب الإمام أبو حنيفة إلى أن جميع أفعال العباد مخلوقة، خلقها الله في الفاعلين لها، دل على هذا قوله: "نقرّ بأن العبد مع أعماله وإقراره ومعرفته مخلوق، فلما كان الفاعل مخلوقا، فأفعاله أولى أن تكون مخلوقة" ١. وقوله: "وجميع أفعال العباد من الحركة والسكون كسبهم، والله تعالى خالقها، وهي كلها بمشيئته وعلمه وقضائه وقدره" ٢. قال محمد بن الحسن بعدما ذكر قول٣ عبد الله بن مسعود ﵁: "تكون النطفة في الرحم أربعين يوما، ثم تكون علقة أربعين يومان ثم يعطى خلقه: فيقول: رب ذكر أم أنثى؟ شقي أم سعيد؟ ما رزقه ـ قال محمد بن الحسن وبهذا نأخذ وبه كان يأخذ أبو حنيفة، الشقي من شقي في بطن أمه والسعيد من وعظ بغيره" ٤. وقرر هذا الطحاوي في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهب

стр. 495

أبي حنيفة وصاحبيه حيث قال: "وأفعال العباد خلق الله وكسب من العباد" ١. وما ذهب إليه الإمام أبو حنيفة هو ما جاءت به الأدلة من كتاب الله كقوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ "سورة الزمر: الآية٦٢". فيخبر الله تعالى أنه خالق الأشياء كلها وربها ومليكها وربها والمتصرف فيها وكلٌ ما تحت تدبيره وقهره وكلاءته ٢، فأفعال العباد من جملة المخلوقات. وقال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاّ فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ "سورة الحديد: الآية٢٢". فما يصيب الخلق من خير وشر، كله قد كتب في اللوح المحفوظ من قبل أن يخلقها ، فالله خالق كل شيء، ومن ذلك أفعالهم من الطاعات والمعاصي. وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ "سورة الصافات: الآية٩٦". قال البغوي في قوله تعالى: ﴿وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ قال: بأيديكم من الأصنام، وفيه دليل على أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى" ٣. وقال ابن جرير في قوله تعالى: ﴿وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ "وجهان": أحدهما أن يكون قوله "ما" يعني المصدر؛ فيكون معنى الكلام حينئذ والله خلقكم وعملكم، والآخر أن يكون بمعنى الذي فيكون معنى الكلام عند ذلك: والله خلقكم والذي تعملونه: أي والذي تعملون منه الأصنام، وهو الخشب

стр. 496

والنحاس والأشياء التي كانوا ينحتون منها أصنامهم" ١. ورجّح الوجه الثاني ابن جرير ٢ وابن القيم ٣ ورجح الأول ابن كثير ٤. ومن السنة حديث حذيفة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : "الله يصنع كل صانع وصنعته" ٥. وصحّ عن ابن عمر أنه قال: "كل شيء بقدر حتى العجز والكيس" ٦. وما ذهب إليه أبو حنيفة في أفعال العباد وأنها مخلوقة لله تعالى هو عين مذهب السلف. قال اللالكائي: "إن أفعال العباد كلها مخلوقة لله طاعتها ومعاصيها" ٧.

стр. 497

ثم ذكر ما وري عنه ذلك من الصحابة، ومن قال به من التابعين، ومن الفقهاء من أهل مكة ومصر والشام والكوفة والبصرة وبغداد. قال اللالكائي عن أهل الكوفة موطن الإمام أبو حنيفة: "من أهل الكوفة عبد الله بن شبرمة ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى وسفيان الثوري والحسن بن صالح بن حي وشريك وأبو حنيفة النعمان بن ثابت وأبو يوسف ومحمد بن الحسن ... " ١. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "أفعال العباد مخلوقة باتفاق سلف الأمة وأئمتها، كما نص على ذلك سائر أئمة الإسلام، الإمام أحمد ومن قبله ومن بعده حتى قال بعضهم: من قال: إن أفعال العباد غير مخلوقة فهو بمنزلة من قال: إن السماء والأرض غير مخلوقة" ٢. فالمقصود أن فعل العبد فعله حقيقة، وهو مخلوق ومفعول له سبحانه، وليس هو نفس فعل الله، ففرق بين الفعل والمفعول والخلق والمخلوق ٣.

стр. 498

المبحث الرابع: الطوائف المنحرفة في القدر ورد الإمام أبي حنيفة عليها المنحرفون في القدر طرفان متقابلان: طرف يثبت قدر الله ، وغالوا فيه حتى جعلوا العبد مجبورا على فعله، ولم يثبتوا له فعلا ولا كسبا على الحقيقة، بل جعلوه كالريشة في الهواء، وجعلوا نسبة الفعل إلى العبد كنسبتها إلى الجماد، كما يقال: زالت الشمس، ودارت الرحى، وسقط الجدار. هؤلاء يسمون الجبرية ١. وطرف غالوا في النفي وقالوا: لا قدر، والأمر أُنُف، وجعلوا الإنسان خالقا لأفعاله. وهؤلاء هم القدرية ٢. وقد بسط الرد عليهم الإمام أبو حنيفة في الفقه الأكبر بما لم يبسطه في غيره، وأتباعه متفقون على أن هذا هو مذهبه، وفي هذا يقول شيخ الإسلام: "إن أبا حنيفة من المقرين بالقدر باتفاق أهل المعرفة به وبمذهبه، وكلامه في الرد على القدرية معروف في الفقه الأكبر وقد بسط الحجج في الرد عليهم بما لم يبسطه على غيرهم في هذا الكتاب، وأتباعه متفقون على أن هذا هو مذهبه وهو مذهب الحنفية المتبعين له. ومن انتسب إليه في الفروع وخرج عن هذا من

стр. 499

المعتزلة ونحوهم، فلا يمكنه أن يحكى هذا القول عنه بل هم عند أئمة الحنفية، الذين يفتي بقولهم مذمومون معيبون من أهل البدع والضلالة" ١. وإليك نماذج من كلام الإمام أبي حنيفة في الرد على القدرية والجبرية. قال الإمام أبو حنيفة: "وجميع أفعال العباد من الحركة والسكون كسبهم على الحقيقة والله تعالى خلقها وهي كلها بمشيئته وعلمه وقضائه وقدره، والطاعات كلها كانت واجبة بأمر الله تعالى وبمحبته وبرضاه وعلمه ومشيئته وقضائه وتقديره، والمعاصي كلها بعلمه وقضائه وتقديره ومشيئته لا بمحبته ولا برضائه ولا بأمره" ٢. وقال: "خلق الله تعالى الخلق سليما من الكفر والإيمان ٣ ثم خاطبهم وأمرهم ونهاهم، فكفر من كفر بفعله وإنكاره وجحوده الحق بخذلان الله تعالى إياه، وآمن من آمن بفعله وإقراره وتصديقه بتوفيق الله تعالى ونصرته له" ٤. وقال: "وأخرج ذريّة آدم من صلبه على صورة الذر فجعلهم عقلاء، فخاطبهم وأمرهم بالإيمان ونهاهم عن الكفر فأقروا له بالربوبية فكان ذلك منهم إيمانا فهم يولدون على تلك الفطرة، ومن كفر بعد ذلك فقد بدّل وغيّر ومن آمن وصدّق فقد ثبت عليه وداوم" ٥.

стр. 500

وقال: "وهو الذي قدّر الأشياء وقضاها ولا يكون في الدنيا ولا في الآخرة شيء إلا بمشيئته وعلمه وقضائه وقدره وكتبه في اللوح المحفوظ" ١. وقال: "ولم يجبر أحدا من خلقه على الكفر ولا على الإيمان، ولكن خلقهم أشخاصا، والإيمان والكفر فعل العباد، ويعلم الله تعالى من يكفر في حال كفره كافرا، فإذا آمن بعد ذلك علمه مؤمنا وأحبّه من غير أن يتغيّر علمه" ٢.

стр. 501

الفصل الرابع: الصحابة وفيه ثلاثة مباحث: المبحث الأول: الإمام أبو حنيفة يحب جميع الصحابة ويتولاهم. المبحث الثاني: قول الإمام أبي حنيفة في المفاضلة بين عثمان وعلي. المبحث الثالث: قول الإمام أبي حنيفة فيمن يتنقص أصحاب رسول الله ﷺ ويسبهم.

стр. 502

المبحث الأول: الإمام أبو حنيفة يحب جميع الصحابة ويتولاهم . أثنى الله على صحابة رسول الله ﷺ في آيات كثيرة كقوله تعالى: ﴿لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ "سورة التوبة: الآيتان ٨٨-٨٩". وقال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ "سورة التوبة: الآية١٠٠". وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ "سورة الأنفال: الآية٧٤". فوصفهم الله بأنهم مؤمنون حقا، ومجاهدون بأموالهم وأنفسهم صدقا، وهم المفلحون والفائزون بمغفرة الله ورضوانه، فلهم من عنده تعالى الخيرات والرزق الكريم وجنات النعيم. فأي ثناء أبلغ من هذا الثناء وأي فضل أبلغ من هذا!.

стр. 503

وكذا أثنى عليهم النبي ﷺ في أحاديث صحيحة منها حديث جابر ﵁ قال: قال النبي ﷺ : "لا يدخل النار إن شاء الله من أصحاب الشجرة أحد الذين بايعوا تحتها ... " ١. وحديث عمران بن حصين ﵁ قال: "خير أمتي قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم" ٢. وحديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال النبي ﷺ : "لا تسبوا أصحابي فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ مدَّ أحد ولا نصيفه" ٣. فالحديث الأول فيه بيان لفضيلة بعض أصحاب النبي ﷺ ممن بايعوه تحت الشجرة وأنهم لا يدخلون النار. أما الحديث الثاني ففيه إثبات الخيرية لجميع الصحابة ﵃، الذين هم خير القرون، وأنهم مقدمون في الفضل على من جاء بعدهم من التابعين. أما الحديث الثالث ففيه بيان لفضل أصحاب رسول الله ﷺ ، حيث

стр. 504

وصفهم بالصحبة، ونهى عن التعرض لهم وأوجب ذكرهم بالقول الحسن. وهذا هو ما عليه الإمام أبو حنيفة طاعة لربه وامتثالا لأمر نبيه محمد ﷺ فهو يحب جميع الصحابة ويترضى عنهم ويتولاهم ولا يتبرأ من أحد منهم ولا يذكرهم إلا بالخير. دل على هذا قول الإمام أبي حنيفة: "ولا نذكر أحدا من أصحاب الرسول إلا بخير" ١. وقوله: "ولا نتبرأ من أحد من أصحاب رسول الله ﷺ ولا نوالي أحدا دون أحد" ٢. وقرر هذا الطحاوي في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهب أبي حنيفة وصاحبيه حيث قال: "ونحب أصحاب الرسول ﷺ ولا نفرِّط في حب أحد منهم، ولا نتبرأ من أحد منهم، ونبغض من يبغضهم وبغير الخير يذكرهم، ولا نذكرهم إلا بخير وحبهم دين وإيمان وإحسان، وبغضهم كفر ونفاق وطغيان" ٣. وقال: "ومن أحسنَ القول في أصحاب رسول الله ﷺ وأزواجه الطاهرات من كل دنس، وذريته المقدسين من كل رجز فقد برئ من النفاق" ٤. وكان أبو حنيفة يقول: "مقام أحدهم مع رسول الله ﷺ ساعة واحدة خير من عمل أحدنا جميع عمره وإن طال" ٥. ويشهد الإمام أبو حنيفة لمن شهد له الرسول ﷺ من الصحابة بالجنة.

стр. 505

حنيفة وصاحبيه حيث قال: "وإن العشرة الذين سماهم رسول الله ﷺ وبشرهم بالجنة على ما شهد لهم رسول الله ﷺ وقوله حق وهم: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد وعبد الرحمن بن عوف وأبو عبيدة بن الجراح، وهو أمين هذه الأمة ﵃ أجمعين" ١. دل على هذا قول النبي ﷺ : " عشرة في الجنة: النبي في الجنة، وأبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعلي في الجنة، وطلحة في الجنة، والزبير بن العوام في الجنة، وسعد بن مالك في الجنة، وعبد الرحمن بن عوف في الجنة، ولو شئت لسميت العاشر قال: فقالوا: من هو؟ قال: سعيد بن زيد " ٢. وقول النبي ﷺ : "أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعلي في الجنة، وطلحة في الجنة، والزبير في الجنة، وعبد الرحمن بن عوف في الجنة، وسعد في الجنة، وسعيد في الجنة، وأبو عبيدة بن الجراح في الجنة" ٣.

стр. 506

هذه هي عقيدة الإمام أبي حنيفة في الصحابة؛ فهو يحبهم جميعا، ويتولاهم ولا يفرط في محبة أحد منهم، ولا يذكرهم إلا بالخير.

стр. 507

المبحث الثاني: قول الإمام أبي حنيفة في المفاضلة بين عثمان وعلي ﵄ اتفق أهل السنة والجماعة على أن أفضل هذه الأمة بعد نبيها، أبو بكر الصديق ﵁ ومن بعد أبي بكر عمر بن الخطاب وفي هذا يقول النووي: "اتفق أهل السنة والجماعة على أن أفضلهم أبو بكر ثم عمر" ١. وقال ابن الصلاح: "أفضلهم على الإطلاق أبو بكر ثم عمر" ٢. ويقول ابن حجر الهيتمي: "اعلم أن الذي اتفق عليه عظماء الملة، وعلماء الأمة أن أفضل هذه الأمة أبو بكر الصديق ثم عمر ﵄" ٣. وقال القسطلاني: "إن أفضلهم على الإطلاق عند أهل السنة والجماعة إجماعا أبو بكر ثم عمر"٤. ويقول ابن تيمية: "لم يختلف علماء الإسلام في تفضيل أبي بكر

стр. 508

وعمر، وتقديمهما على جميع الصحابة. وهو قول مالك وأصحابه وأبي حنيفة وأصحابه ... ومن لا يحصى عدده..ممن له في الإسلام لسان صدق، كلهم يجزمون بتقديم أبي بكر وعمر" ١. وهذا ما اتفق عليه أهل السنة والجماعة بل أجمعوا عليه ٢، ولكنهم اختلفوا في تفضيل عثمان على عليّ. وفي هذا يقول الشافعي: "وما اختلف أحد من الصحابة والتابعين في تفضيل أبي بكر وعمر وتقديمهما على جميع الصحابة، وإنما في علي وعثمان ونحن لا نخطِّئ واحدا من أصحاب رسول الله ﷺ فيما فعلوا" ٣. وقال الزركشي: "وإنما وقع الخلاف في التفضيل بين علي وعثمان" ٤. فجمهور أهل السنة على تقديم عثمان على عليّ ﵃ أجمعين. وفي هذا يقول النووي: "وقال جمهورهم ـ يعني أهل السنة ـ ثم عثمان ثم علي" ٥. وقال ابن الصلاح: "ثم إن جمهور السلف على تقديم عثمان على عليّ ﵃ أجمعين ـ"٦. وقال بعض أهل السنة في تقديم عليّ على عثمان.

стр. 509

وفي هذا يقول ابن كثير: "والعجب أنه قد ذهب بعض أهل الكوفة من أهل السنة إلى تقديم عليّ على عثمان، ويحكى عن سفيان الثوري، ولكن يقال إنه رجع عنه ١. ونقل مثله عن وكيع بن الجراح ونصره ابن خزيمة والخطابي وهو ضعيف مردود" ٢. وروي هذا القول عن الإمام أبي حنيفة فقد أسند إليه ابن عبد البر في الانتقاء قوله: "الجماعة أن تفضل ٣ أبا بكر وعمر وعليا وعثمان وما تتنقص أحدا من أصحاب رسول الله ﷺ ... " ٤. وجاء في السير الكبير لمحمد بن الحسن الشيباني أن نوح بن أبي مريم سأل أبا حنيفة عن مذهب أهل السنة فقال: "أن تفضِّل أبا بكر وعمر وتحب عليا وعثمان ... " ٥. وجاء في مناقب أبي حنيفة للمكي: "كان أبو حنيفة يفضل أبا بكر على أصحاب النبي ﷺ ثم عمر، ثم يقول عليّ وعثمان". وقال ابن أبي العز: "وقد روي عن أبي حنيفة تقديم عليّ على عثمان ﵄ ولكن ظاهر مذهبه تقديم عثمان على عليّ، وعلى هذا عامة أهل السنة" ٦.

стр. 510

فقوله روي بصيغة التمريض؛ وهي تشعر بعدم ثبوت هذه الرواية عن الإمام أبي حنيفة. ولعله قد استند على ما روي عن الإمام أبي حنيفة في غير ما موضع من أنه كان يفضل أبا بكر وعمر ويحب عليا وعثمان فقوله: "علي وعثمان" لا يقتضي تقديم علي على عثمان لأن الوار في اللغة العربية لمطلق الجمع، ولأن التقديم الذكري لا يستلزم التقديم في الفضل، فالذي استقر عليه الإمام أبو حنيفة هو تفضيل عثمان على علي دل على ذلك قوله: "وأفضل الناس بعد النبيين عليهم الصلاة والسلام أبوبكر الصديق ثم عمر بن الخطاب الفاروق ثم عثمان بن عفان ذو النورين ثم علي بن أبي طالب المرتضى رضوان الله تعالى عليهم أجمعين عابدين ثابتين على الحق ومع الحق نتولاهم جميعا" ١. ويقول: "ونقرّ بأن أفضل هذه الأمة بعد نبينا محمد ﷺ : أبو بكر الصديق ثم عمر ثم عثمان ثم علي رضوان الله عليهم أجمعين" ٢. وقال: "أفضل الناس بعد رسول الله ﷺ أبو بكر وعمر وعثمان وعليّ، ثم نكف عن جميع أصحاب رسول الله ﷺ إلا بذكر جميلٍ" ٣. وهذا ما قرره الطحاوي في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهب أبي حنيفة وصاحبيه حيث قال: "ونثبت الخلافة بعد رسول الله ﷺ أولا لأبي بكر الصديق ﵁ تفضيلا وتقديما على جميع الأمة، ثم لعمر بن الخطاب ﵁، ثم لعثمان ﵁، ثم لعلي بن أبي طالب ﵁، وهم

стр. 511

الخلفاء الراشدون والأئمة المهتدون" ١. وهذا ما استقر عليه أئمة الفقه كالشافعي ومالك في إحدى الروايتين. وفي هذا يقول ابن تيمية: "وجمهور الناس فضلوا عثمان وعليه استقر أمر أهل السنة، وعليه أئمة الفقه كالشافعي وأبي حنيفة وإحدى الروايتين عن مالك" ٢. وحكى القاضي عياض رجوع الإمام مالك عن الوقف في تفضيل عثمان على عليّ. وفي هذا يقول الزرقاني: " حكى القاضي عياض عن مالك الرجوع عن الوقف إلى تفضيل عثمان وقال: إنه مشهور عن مالك والثوري وكافة أئمة الحديث والفقه وكثير من المتكلمين، وقال القرطبي: إنه الأصح عن مالك إن شاء الله" ٣. وذكر ابن بدران في المدخل أن الإمام أحمد كان يفضل أبا بكر ثم عمر ثم عثمان ويسكت، ثم ربع بعلي لما ثبت له صحة حديث ابن عمر ونقل عن الإمام أحمد قوله: "كنا نقول: أبو بكر وعمر وعثمان ونسكت حتى صح لنا حديث ابن عمر" ٤. قال ابن بدران: "وأما الحديث الذي أشار إليه الإمام فإني كشفت عليه في المسند فلم أجده، ولست أدري هل فيه وزاغ عنه البصر فلم أجده؟! لكني وجدت أن الحافظ أبا القاسم ابن عساكر رواه في ترجمة

стр. 512

أبي بكر الصديق ﵁ من تاريخه الكبير عن ابن عمر قال: كنا نقول ورسول الله حي: أفضل هذه الأمة بعد رسول الله ﷺ : أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي فيبلغ ذلك رسول الله ﷺ ولا ينكر، وفي لفظ: ثم ندع أصحاب رسول الله ﷺ فلا نفاضل بينهما، قال ابن بدران: وحيث أن الإمام أشار إلى صحة هذا الحديث تركنا الكلام عليه اكتفاء بتوثيق إمام المحدثين" ١. والحديث الذي رواه ابن عساكر أصله في صحيح البخاري ولفظه: "كنا نخير بين الناس في زمن النبي ﷺ فنخير أبا بكر ثم عمر بن الخطاب ثم عثمان بن عفان ﵃" ٢. ولخص شيخ الإسلام ابن تيمية مذهب أهل السنة في المفاضلة بين عثمان وعلي بقوله: "ويقرون بما تواتر به النقل عن أمير المؤمنين على بن أبى طالب ﵁ وعن غيره، من أن خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر ويثلثون بعثمان ويربعون بعلي ﵃، كما دلت عليه الآثار، وكما أجمع الصحابة ﵃ على تقديم عثمان في البيعة، مع أن بعض أهل السنة كانوا قد اختلفوا في عثمان وعلي ﵄ بعد اتفاقهم على تقديم أبى بكر وعمر أيهما أفضل، فقدم قوم عثمان وسكتوا، أو ربعوا بعلي، وقدم قوم عليا، وقوم توقفوا، لكن استقر أمر أهل السنة على تقديم عثمان" ٣. فالمقصود أن تفضيل عثمان على علي هو ما كان عليه أئمة الفقه

стр. 513

وجمهور أهل السنة، ومن قال بخلاف ذلك فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار كما قال أيوب السختياني: "من لم يقدم عثمان على عليّ فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار" ١.

стр. 514

المبحث الثالث: قول الإمام أبي حنيفة فيمن يتنقص أصحاب رسول الله ﷺ ويسبهم حرّم الله أن يؤذي المؤمن أخاه المؤمن بسبٍّ أو شتم أو غيبة أو همز أو لمز. قال تعالى: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ "سورة الهمزة: الآية١". فتوعد الله الهمّاز الذي يعيّر الناس، ويطعن عليهم بالإشارة أو بالفعل، وكذا اللمّاز الذي يعيبهم بقوله١، بالويل وهو واد في جهنم يسيل من صديد أهل النار وقيحهم ٢، فمن آذى المؤمنين فقد أثم إثما مبينا. وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً﴾ "سورة الأحزاب: الآية٥٨". فالوعيد الشديد والإثم الأكيد في حق من يؤذي أحدا من المؤمنين عموما بسبٍّ أو نحو ذلك، فكيف بأذية صحابة رسول الله ﷺ ، فالإثم أبلغ والجرم أعظم. فقد نهى النبي ﷺ عن التعرض لأصحابه بسبٍّ أو شتم فقال: "لا تسبوا أحداً من أصحابي؛ فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما أدرك

стр. 515

مدَّ أحدهم ولا نصيفه" ١. فكل من يحب الصحابة فهو محب للرسول ﷺ وكل من يبغضهم فهو مبغض له. فقد قال ﵊: "الله الله في أصحابي لا تتخذوهم غرضا بعدي فمن أحبهم، فبحبي أحبهم ومن أبغضهم، فببغضي أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله، ومن آذى الله فيوشك أن يأخذه" ٢. كذلك نهى ابن عباس وابن عمر عن سب الصحابة، قال ابن عباس: "لا تسبوا أصحاب محمد ﷺ فإن الله أمر بالاستغفار لهم" ٣. وقال ابن عمر: "لا تسبوا أصحاب محمد ﷺ فلمقام أحدهم ساعة خير من عمل أحدكم عمره" ٤. فمن سب الصحابة، أو تنقص أحدا منهم، أو جاهر ببغضهم فليس على السنة ولا مع الجماعة. قال الإمام أبو حنيفة: "الجماعة أن تفضل٥ أبا بكر وعمر وعليا

стр. 516

وعثمان، ولا تنتقص أحدا من أصحاب رسول الله ﷺ ولا تكفّر الناس بالذنوب، وتصلي على من يقول لا إله إلا الله وخلف من قال لا إله إلا الله ... " ١. وسئل الإمام أبو حنيفة: من أي الأصناف أنت فأجاب بقوله: "أنا ممن لا يسب السلف، ويؤمن بالقدر، ولا يكفر أحدا بالذنوب" ٢. وقال أبو حنيفة: "ويحبهم كل مؤمن تقي، ويبغضهم كل منافق شقي" ٣. وقول الإمام أبي حنيفة هذا مأخوذ من حديث النبي ﷺ في حق الصحابة من الأنصار: "لا يحبهم إلا مؤمن، ولا يبغضهم إلا منافق" ٤. وقرر هذا لطحاوي في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهب أبي حنيفة وصاحبيه حيث قال: "وحبهم دين وإيمان، وبغضهم كفر ونفاق وطغيان" ٥. وقال: "ومن أحسن القول في أصحاب رسول الله وأزواجه الطاهرات من كل دنس، وذريته المقدسين من كل رجز فقد برئ من النفاق" ٦. هذا وإذا سبهم سبا يقدح في عدالتهم ودينهم، فهو كفر ونفاق

стр. 517

وطغيان. وأما من سبهم بما لا يقدح في عدالتهم ولا في دينهم مثل وصف بعضهم بالبخل بهتانا فهذا يستحق التأديب والتعزير ولا نحكم بكفره بمجرد ١ ذلك. قال النسفي: "ويكف عن ذكر الصحابة إلا بخير" ٢. قال الشارح: "لما ورد من الأحاديث الصحيحة في مناقبهم ووجوب الكف عن الطعن فيهم ... فسبهم والطعن فهم إن كان مما يخالف الأدلة القطعية فكفرٌ كقذف عائشة وإلا فبدعة وفسق" ٣. وروى ابن أبي العوام أن رجلا سأل أبا يوسف فقال: "يا أبا يوسف يذكرون عنك أنك تجيز شهادة من يشتم أصحاب النبي ﷺ على التأويل فقال: ويحك هذا أحبسه وأضربه حتى يتوب" ٤. فالمقصود أن لازم مقالة من سب الصحابة أنهم كفار أو فساق، ومضمونها أن هذه الأمة شر الأمم، وإن سابقي هذه الأمة هم شرارها ٥. سئلت اليهود: من خير أهل ملتكم؟ فقالوا: أصحاب موسى، وسئلت النصارى: من خير أهل ملتكم: فقالوا: حواري عيسى، وسئلت الرافضة: من شر أهل ملتكم؟ فقالوا: أصحاب محمد ﷺ ٦.

стр. 518

الفصل الخامس: الإمامة وفيه ثلاثة مباحث: المبحث الأول: الإمامة في قريش. المبحث الثاني: إمامة الخلفاء الراشدين. المبحث الثالث: الخروج على الإمام الجائر

стр. 519

المبحث الأول: الإمامة في قريش يرى الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى أن من شرط الإمام أن يكون قرشيا. دل على هذا المعتقد قول البغدادي: "دلت الشريعة على أن قريشا لا يخلو منهم من يصلح للإمامة، فلا يجوز إقامة الإمام للكافة من غيرهم. فقد نص الشافعي ﵁ على هذا في بعض كتبه وكذلك رواه زرقان ١ عن أبي حنيفة " ٢. وما ذهب إليه الإمام أبو حنيفة هو مذهب الأئمة الثلاثة قال الإمام مالك: "ولا يكون ـ أي الإمام ـ إلا قرشيا وغيره لا حكم له" ٣. وقال الإمام أحمد: "الخلافة في قريش ما بقي من الناس اثنان، ليس لأحد من الناس أن يتنازعهم فيها ولا يخرجه عليهم" ٤. وما ذهب إليه أئمة الفقه الأربعة هو قول جماهير أهل العلم. قال ابن حجر: "ذهب جمهور أهل العلم أن شرط الإمام أن يكون قرشيا" ٥.

стр. 520

والأصل في هذه المسائل ما ثبت في الصحيحين عن جماعة من الصحابة مما يدل على أن الإمامة في قريش. من ذلك ما رواه البخاري في صحيحه كتاب الأحكام باب الأمراء من قريش عن معاوية ﵁ قال: قال النبي ﷺ : "إنا هذا الأمر في قريش، لا يعاديهم أحد إلا كبّه الله في النار على وجهه ما أقاموا الدين" ١. وعن عبد الله بن عمر عن النبي ﷺ قال: "لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي منهم اثنان" ٢. ومن ذلك ما رواه مسلم في كتاب الإمارة باب الناس تبع لقريش والخلافة في قريش. عن جابر بن سمرة قال: سمعت النبي ﷺ يقول: " لا يزال أمر الناس ماضيا ما وليهم اثنا عشر رجلا، ثم تكلم النبي ﷺ بكلمة خفيت عليّ فسألت أبي ماذا قال رسول الله ﷺ ؟ فقال كلهم من قريش" ٣. وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "الناس تبع لقريش في هذا الشأن مسلمهم لمسلمهم وكافرهم لكافرهم" ٤. قال النووي في الكلام على هذا الحديث: "إن الخلافة مختصة

стр. 521

بقريش لا يجوز عقدها لأحد من غيرهم، وعلى هذا انعقد الإجماع في زمن الصحابة فكذلك بعدهم، ومن خالف فيه من أهل البدع أو عرض بخلاف من غيرهم فهو محجوج بإجماع الصحابة والتابعين من بعدهم بالأحاديث الصحيحة" ١. فالمقصود أن اشتراط القرشية أمر متفق عليه بين السلف، ولم يخالفهم إلا المبتدعة ٢ كبعض المعتزلة والأشاعرة وغيرهم ٣.

стр. 522

المبحث الثاني: إمامة الخلفاء الراشدين أجمع الصحابة ١ على إمامة أبي بكر الصديق وسمّوه خليفة رسول الله ﷺ وبايعوه وانقادوا له بالفضل، وذلك لفضله وسابقته في الإسلام، ولتقديم النبي ﷺ له على جميع الصحابة في إمامة الصلاة ٢. والدليل على خلافته: ما رواه البخاري ومسلم عن جبير بن مطعم ﵁ قال: "أتت امرأة إلى النبي ﷺ فأمرها أن ترجع إليه فقالت: أرأيت إن جئت فلم أجدك ـ كأنها تقول الموت ـ قال ﷺ : "إن لم تجديني فأتي أبا بكر" ٣. وحديث عائشة ﵄ قالت: "دخل عليّ

стр. 523

رسول الله ﷺ في مرضه فقال: "ادعي لي أبا بكر وأخاك حتى أكتب كتبا فإني أخاف أن يتمنى متمن ويقول قائل: أنا أولى، ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر " ١. وحديث أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "بينا أنا نائم رأيتني على قليب عليها دلو فنزعت منها ما شاء الله، ثم أخذها ابن أبي قحافة فنزع بها ذنوبا أو ذنوبين وفي نزعه ضعف والله يغفر له ضعفه، ثم استحالت غربا فأخذها ابن الخطاب فلم أر عبقريا من الناس ينزع نزع عمر حتى ضرب الناس بعطن" ٢. ثم الخليفة من بعد أبي بكر عمر بن الخطاب ﵁ لفضله وسابقته في الإسلام وعهد أبي بكر إليه واتفاق الصحابة عليه ٣. ثم الخليفة بعد عمر عثمان بن عفان ﵁ لفضله وسابقته للإسلام، ولتقديم أهل الشورى له، فبايعوه وانقادوا لأوامره، وصلوا معه الجمع والأعياد مدّة خلافته فكان إجماعا منهم على صحة خلافته ٤. ثم بعد عثمان الخليفة علي ﵁ لفضله وسابقته للإسلام

стр. 524

وإجماع الأمة على فضله ١. بعد الثلاثة وأنه أحق بالأمر من كل من سواه. وأجمعت الأمة من بعد الصحابة على ما ذكروا من إمامة الخلفاء الراشدين وترتيبهم، ما خلا الرافضة، ولا عبرة بخلافهم. وخلافة الخلفاء الراشدين كلهم خلافة نبوة، يدل على ذلك قول النبي ﷺ : "خلافة النبوة ثلاثون سنة ثم يؤتي الله ملكه من يشاء" ٢. فمن طعن في خلافة أحد منهم فهو أضل من حمار ٣ أهله. يدل على ذلك ما قرره الطحاوي في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهب أبي حنيفة وصاحبيه ٤ حيث قال: "ونثبت الخلافة بعد رسول الله ﷺ أولا لأبي بكر رضي الله تفضيلا وتقديما على جميع الأمة، ثم لعمر بن الخطاب ﵁، ثم لعثمان ﵁، ثم لعلي بن أبي طالب ﵁، وهم الخلفاء الراشدون والأئمة المهتدون" ٥. وكذا قرره شيخ الإسلام ابن تيمية حيث قال: "وعلماء السنة كلهم مالك وأصحابه، والأوزاعي وأصحابه، والشافعي وأصحابه، وأحمد بن حنبل وأصحابه، وأبو حنيفة وأصحابه، وغير هؤلاء كلهم يحب الخلفاء

стр. 525

ويتولاهم، ويعتقد إمامتهم وينكر على من يذكر أحدا منهم بسوء" ١. وهذه بعض نصوص الحنفية في ذلك: قال النسفي: "وأفضل البشر بعد نبينا: أبو بكر الصديق ثم عمر الفاروق ثم عثمان ذو النورين ثم علي ﵃، وخلافتهم ثابتة على هذا الترتيب" ٢. وقال قاسم بن قطلوبغا في شرحه لكتاب المسايرة لابن الهمام: "والإمام الحق بعد رسول الله ﷺ عندنا وعند المعتزلة وأكثر الفرق "أبو بكر" بإجماع الصحابة على مبايعته "ثم عمر" باستخلاف أبي بكر له "ثم عثمان" بالبيعة بعد اتفاق أصحاب الشورى "ثم علي ﵃ أجمعين" وانعقدت إمامته بإجماع أهل الحل والعقد" ٣. وقال الصابوني الحنفي: "فصل في إمامة الخلفاء الراشدين: أولهم أبو بكر ﵁ وكان مستجمعا لشرائط الخلافة، ومفضَّلا على جميع الصحابة. وقد اتفقت الصحابة على خلافته وذلك حجة قاطعة ... ثم استخلف قبل وفاته عمر ... ثم اتفقت الصحابة على خلافته ... ثم استشهد عمر ﵁ وترك أمر الخلافة شورى بين ستة ... فاختار هو ـ أي عبد الرحمن ـ عثمان ﵁، وبايع له بمحضر من الصحابة فبايعوا له وانقادوا لأوامره ... ثم استشهد عثمان ﵁ وترك الأمر مهملا حتى اجتمع كبار الصحابة ... والتمسوا من علي ﵁ قبول الخلافة وأقسموا عليه حتى قبلها، فبايعه من حضر من كبار الصحابة"٤.

стр. 526

المبحث الثالث: الخروج على الإمام الجائر ذهب الجمهور من أهل السنة١ إلى عدم جواز الخروج على الإمام الجائر، لما يترتّب على الخروج على السلطان من المفاسد الكثيرة من سفك للدماء، وزهق للأرواح ونهب للأموال، واستحلال للمحارم، بل في الصبر على جورهم تكفير للسيئات، ومضاعفة للأجور ٢. وقد دلّت الأدلة من الكتاب والسنة على وجوب طاعة وليّ الأمر وعدم الخروج عليه، ما لم يأمر بمعصية لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ "سورة النساء: الآية٥٩". وقال النبي ﷺ : " من أطاعني فقد أطاع الله ومن عصاني فقد عصى

стр. 527

الله ومن أطاع أميري فقد أطاعني ومن عصى أميري فقد عصاني" ١. وقال النبي ﷺ : "السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب وكره ما لم يؤمر بمعصية فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة" ٢. وقال النبي ﷺ : "من رأى منكم من أميره شيئا يكرهه فليصبر عليه فإنه من فارق الجماعة شبرا فمات إلا مات ميتة جاهلية" ٣. قال ابن المديني: " ... ومن خرج على إمام من أئمة المسلمين وقد اجتمع عليه الناس فأقروا له بالخلافة بأي وجه كانت برضا أو بغلبة فهو شاق هذا الخارج عليه العصا، وخالف الآثار عن رسول الله ﷺ فإن مات الخارج عليه مات ميتة جاهلية ولا يحل قتال السلطان ولا الخروج عليه لأحد من الناس فمن عمل ذلك فهو مبتدع على غير السنة" ٤. وقال الإمام أحمد: "ودفع الصدقات والأعشار والخراج والفيء والغنائم إلى الأمراء عدلوا أو جاروا، والانقياد لمن ولاه الله

стр. 528

أمركم لا تنزع يد من طاعته، ولا تخرج عليه بسيفك يجعل الله لك فرجا ومخرجا، ولا تخرج على السلطان، بل تسمع وتطيع. فإن أمرك السلطان بأمر ـ هو لله معصية ـ فليس لك أن تطيعه، وليس لك أن تخرج عليه ولا تمنعه حقه ولا تعن على فتنة بيد ولا لسان، بل كف يدك ولسانك وهواك، والله المعين" ١. وقال البخاري: "ولا تنازع الأمر أهله لقول النبي ﷺ : "ثلاث لا يغل عليهن قلب امرئ مسلم، إخلاص العلم لله، وطاعة ولاة الأمر، ولزوم جماعتهم، فإن دعوتهم تحيط من ورائهم" ٢، وألا يرى السيف على أمة محمد ﷺ "٣. وقال أبو زرعة الرازي: "ولا نرى الخروج على الأئمة ولا القتال في فتنة ونسمع ونطيع لمن ولاه الله أمرنا ولا ننزع يدا من طاعة ونتبع السنة والجماعة ونجتنب الشذوذ والخلاف والفرقة" ٤. وقال ابن أبي زمنين: "فالسمع والطاعة لولاة الأمر واجب مهما قصَّروا في ذاتهم، فلم يبلغوا الواجب عليهم، غير أنهم يدعون إلى الحق

стр. 529

ويأمرون به ويذبون عنه، فعليهم ما حملوا، وعلى رعاياهم ما حملوا من السمع والطاعة لهم"١. وقال النووي: "أجمع العلماء على وجوبها ـ أي طاعة الأمراء ـ في غير معصية، وعلى تحريمها في المعصية. نقل الإجماع على هذا القاضي عياض" إلى أن قال: "ولا تنازعوا ولاة الأمور في ولايتهم، ولا تعترضوا عليهم إلا أن تروا منهم منكرا محققا تعلمونه من قواعد الإسلام، فإذا رأيتم ذلك فأنكروه عليهم وقولوا بالحق حيث ما كنتم، وأما الخروج عليهم وقتالهم فحرام بإجماع المسلمين وإن كانوا فسقة ظالمين، وقد تظاهرت الأحاديث بمعنى ما ذكرته، وأجمع أهل السنة أنه لا ينعزل السلطان بالفسق" ٢. وما حكي عن الأئمة في مسألة الخروج على الإمام الجائر حكي مثله عن الإمام أبي حنيفة، فقد سأله أبو مطيع البلخي قائلا له: "ما تقول فيمن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر فيتّبعه على ذلك ناس فيخرج على الجماعة، هل ترى ذلك؟ قال: لا، قلت ولم؟ وقد أمر الله تعالى ورسوله بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهذا فريضة واجبة. فقال: وهو كذلك، لكن ما يفسدون من ذلك يكون أكثر مما يصلحون من سفك الدماء واستحلال المحارم وانتهاب الأموال، وقد قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ "سورة "الحجرات: الآية٩". قال أبو مطيع: فنقاتل الفئة الباغية بالسيف؟ قال: نعم تأمر وتنهى فإن

стр. 530

قبل وإلا قاتلته فتكون مع الفئة العادلة وإن كان الإمام جائرا، ثم قال له بعد ذلك: وكن مع الفئة العادلة والسلطان الجائر ولا تكن مع أهل البغي" ١. لكن حكى الجصاص في كتابه أحكام القرآن خلاف ذلك حيث قال: "وكان مذهبه ﵀ مشهورا في قتال الظلمة وأئمة الجور، لذلك قال الأوزاعي: احتملنا أبا حنيفة على كل شيء حتى جاءنا بالسيف ـ يعني قتال الظلمة ـ فلم نحتمل، ثم قال: وقضيته في أمر زيد بن علي مشهورة في حمله المال إليه، وفتيا الناس سرا في وجوب نصرته والقتال ومعه، وكذلك أمره مع محمد وإبراهيم ٢ ابني عبد الله بن حسن ... " ٣. ويؤيد ما حكاه الجصاص ما أخرجه عبد الله بن أحمد في السنة بسند صحيح عن أبي يوسف قال: "كان أبو حنيفة يرى السيف" ٤. وروي كذلك بسند صحيح عن إبراهيم بن شماس ٥ قال: "قال
следующие страницы →