← Акыда

Акыда · id 7509

أصول الدين عند الإمام أبي حنيفة

محمد بن عبد الرحمن الخميس

Полный текст (640 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

أبي حنيفة وصاحبيه حيث قال: "وأنه خاتم النبيين". وقال: "وكل دعوى النبوة بعده فغي وهوى" ١. قال الناصري ٢ الحنفي شارحا كلام الطحاوي: "فصرح فقهاء الملة ﵏ بكونه خاتَماً، حسما لدعوى المتنبئين والدجالين. ولهذا المعنى قال مشايخنا ﵏: إذا ادعى أحد بعد نبينا محمد صلوات الله عليه النبوة لا يقال له: ما آيتك على ما تدّعي، بل يقابل بالتكذيب والرد؛ لقيام الأدلة القاطعة على أنه لا نبي بعد محمد صلوات الله عليه؛ فثبت أن من ادّعى النبوة فهو كذاب دجال" ٣. "ب" عموم الرسالة اقتضت حكمة الله أن يرسل نبينا محمدا ﷺ برسالة عامة للناس جميعهم على اختلاف بيئاتهم، وتنوع علاقاتهم، وتباين ألسنتهم وتقاليدهم وعاداتهم وألوانهم تضمن سعادتهم الدنيوية والأخروية. قال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً﴾ "سورة الأعراف: الآية١٥٨". وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً﴾ "سورة سبأ: الآية٢٨".

стр. 457

وقال تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً﴾ "سورة النساء: الآية٧٩". وقال النبي ﷺ : "أعطيت خمسا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي، نصرت بالرعب مسيرة شهر وجُعلت لي الأرض مسجدا وطهورا فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لي الغنائم ولم تُحل لأحد قبلي، وأعطيتُ الشفاعة، وكان النبي يبعث في قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة " ١. وقول النبي ﷺ : " والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار" ٢. وأجمعت الأمة على أنه مبعوث للناس جميعا. قال القاضي عياض: "إنه أرسل كافة للناس وأجمعت الأمة على حمل هذا الكلام على ظاهره"٣. وهذا ما قرره الطحاوي في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهب أبي حنيفة وصاحبيه: "وهو المبعوث إلى عامة الجن وكافة الورى بالحق والهدى وبالنور والضياء" ٤.

стр. 458

قال الناصري الحنفي شارحا كلام الطحاوي: "فهذا إخبار منهم أن رسالته عمت الجن والإنس، وإنما قالوا ذلك لدلالات موجبات العلم، منها قول الله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً﴾ "سورة الأعراف: الآية١٥٨". ومنها قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاّ كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ "سورة سبأ: الآية٢٨". فتعميم رسالته جميع الناس دليل على تعميمها جميع الجن ... " ١. "ج" السيادة على الناس يوم القيامة: جاءت الأحاديث بإثبات سيادة النبي ﷺ على الناس يوم القيامة، كقول النبي ﷺ : "أنا سيد ولد آدم يوم القيامة وأول من ينشق عنه القبر وأول شافع وأول مشفع" ٢. وقول النبي ﷺ : " أنا سيد الناس يوم القيامة وهل تدرون بم ذاك؟ يجمع الله يوم القيامة الأولين والآخرين في صعيد واحد". وذكر الحديث وفيه: " فأنطلق فآتي تحت العرش فأقع ساجدا لربي، ثم يفتح الله علي ويلهمني من محامده وحسن الثناء عليه شيئا لم يفتحه لأحد قبلي ثم يقال: يا محمد ارفع رأسك سل تعطه واشفع تشفع ... "٣.

стр. 459

وقول النبي ﷺ في تفسير قوله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً﴾ "سورة الإسراء: الآية٧٩". قال: "هي الشفاعة" ١. وقال ابن عمر: "إن الناس يصيرون يوم القيامة جثًى كل أمة تتبع نبيها يقولون: يا فلان اشفع، حتى تنتهي الشفاعة إلى النبي ﷺ . فذلك يوم يبعثه الله المقام المحمود" ٢. وقد تقدم ٣ حديث أعطيت خمسا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي وفيه: "أعطيت الشفاعة". وقال ابن قتيبة: "وإنما أراد أنه سيد ولد آدم يوم القيامة لأنه الشافع يومئذ والشهيد، وله لواء الحمد والحوض، وهو أول من تنشق عنه الأرض ... وليس ما أعطى الله نبينا محمدا ﷺ يوم القيامة من السؤدد والفضل على جميع الأنبياء والرسل بعمله، بل في تفضيل الله تعالى إياه واختصاصه له" ٤. وقال ابن جرير في تفسير قوله تعالى: " ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً﴾ "سورة الإسراء: الآية٧٩".

стр. 460

"فقال أكثر أهل العلم ذلك هو المقام الذي هو يقوم ﷺ يوم القيامة للشفاعة للناس ليريحهم ربهم من عظيم ما هم فيه من شدة ذلك اليوم"١. وقال ابن كثير: "ولرسول الله ﷺ تشريفات يوم القيامة لا يشركه فيها أحد، وتشريفات لا يساويه فيها أحد؛ فهو أول من تنشق عنه الأرض، ويبعث راكبا إلى المحشر، وله اللواء الذي آدم فمن دونه تحت لوائه، وله الحوض الذي ليس في الموقف أكثر واردا منه، وله الشفاعة العظمى عند الله ليأتي لفصل القضاء بين الخلائق" ٢. وقال شيخ الإسلام: "وله ﷺ في القيامة ثلاث شفاعات، أما الشفاعة الأولى: فيشفع في أهل الموقف حتى يقضى بينهم بعد أن تتراجع الأنبياء آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى بن مريم، عن الشفاعة حتى تنتهي إليه، وأما الشفاعة الثانية: فيشفع في أهل الجنة أن يدخلوا الجنة. وهاتان الشفاعتان خاصتان له، وأما الشفاعة الثالثة فيشفع فيمن استحق النار. وهذه الشفاعة له ولسائر النبيين والصديقين وغيرهم، فيشفع فيمن استحق النار أن لا يدخلها ويشفع فيمن دخلها أن يخرج منها" ٣. وهذا ما قرره الطحاوي في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهب أبي حنيفة وصاحبيه حيث قال: "وإمام الأنبياء وسيد المرسلين" ٤. وقال: "الشفاعة التي ادّخرها لهم حق كما روي في الأخبار"٥.

стр. 461

وقال الإمام أبو حنيفة: "وشفاعة نبينا ﵊ للمؤمنين المذنبين ولأهل الكبائر منهم المستوجب العقاب حق ثابت" ١. وقال: "وشفاعة نبينا محمد ﷺ حق لكل من هو من أهل الجنة وإن كان صاحب كبيرة" ٢.

стр. 462

الفصل الثاني: اليوم الآخر كل ما أخبر به الشارع مما يكون بعد الموت من أحوال البرزخ، والنفخ في الصور، والبعث والنشور، والثواب والعقاب، والجنة والنار، وما يكون قبل ذلك من أشراط الساعة، وعلاماتها، كل ذلك داخل في الإيمان باليوم الآخر وسأتناول هذه الأمور في هذا الفصل في المباحث التالية:

стр. 463

المبحث الأول: أشراط الساعة جاء في الكتاب والسنة أن للساعة علامات أشراطا تدلّ على قرب وقتها كظهور الدجال ونزول عيسى ﵇ وخروج الدابة وطلوع الشمس من مغربها. قال تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ﴾ "سورة الأنعام: الآية١٥٨". فالكافر لا ينفعه إيمانه بعد طلوع الشمس من مغربها، وكذا العاصي لا تنفعه التوبة. وقال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلاّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِه﴾ ِ"سورة "النساء: الآية١٥٩". فلا يبقى أحد من أهل الكتاب بعد نزول عيسى ﵇ إلا آمن به قبل موت عيسى عليه السلام١.

стр. 464

وقال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ "سورة الأنبياء: الآية٩٦". وقال النبي ﷺ : "إنها لن تقوم حتى ترون قبلها عشر آيات، فذكر الدخان، والدجال، والدابة، وطلوع الشمس من مغربها، ونزول عيسى بن مريم، ويأجوج ومأجوج، وثلاثة خسوفات: خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، وآخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم" ١. وقال النبي ﷺ : "إن أول الآيات خروجا طلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة على الناس ضحى، وأيهم كانت قبل صاحبتها فالأخرى على أثرها قريبا" ٢. وهذا هو ما عليه أهل السنة؛ قال ابن أبي زمنين: "وأهل السنة يؤمنون بطلوع الشمس من مغربها". وقال الله : ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا﴾ "سورة الأنعام: الآية١٥٨". وأهل السنة يؤمنون بخروج الدجال ـ أعاذنا الله من فتنه ـ ... وأهل السنة يؤمنون بنزول عيسى وقتله الدجال وقال الله : ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ "سورة الزخرف: الآية٦١". يعني عيسى.

стр. 465

وقال: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلاّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِه﴾ ِ"سورة "النساء: الآية١٥٩" يعني قبل موت عيسى"١. وقال ابن حجر: "والذي يترجح من مجموع الأخبار؛ أن خروج الدجال أول الآيات العظام المؤذنة بتغير الأحوال العامة في معظم الأرض، وينتهي ذلك بموت عيسى بن مريم. وأن طلوع الشمس من المغرب هو أول الآيات العظام المؤذنة بتغير أحوال العالم العلوي، وينتهي ذلك بقيام الساعة ولعل خروج الدابة يقع في ذلك اليوم الذي تطلع فيه الشمس من المغرب" ٢. وقال القرطبي: "الإيمان بالدجال وخروجه حق، وهذا مذهب أهل السنة وعامة أهل الفقه والحديث، خلافا لمن أنكر أمره من الخوارج وبعض المعتزلة" ٣. وقال ابن عطية: "وأجمعت الأمة على ما تضمنه الحديث المتواتر من أن عيسى في السماء حيٌّ، وأنه ينزل في آخر الزمان؛ فيقتل الخنزير، ويكسر الصليب، ويقتل الدجال، ويفيض العدل، وتظهر به الملة ملة محمد ﷺ " ٤. وقال السفاريني: "أما الإجماع ـ أي على نزول عيسى ـ فقد أجمعت الأمة على نزوله، ولم يخالف فيه أحد من أهل الشريعة، وإنما أنكر ذلك الفلاسفة الملاحدة ممن لا يعتد بخلافه" ٥.

стр. 466

وهذا هو ما عليه الإمام أبو حنيفة، فهو يؤمن بما جاءت به النصوص الشرعية من علامات الساعة وأشراطها، دل على ذلك قوله: "وخروج الدجال، ويأجوج ومأجوج، وطلوع الشمس من مغربها، ونزول عيسى ﵇ من السماء، وسائر علامات يوم القيامة على ما وردت به الأخبار حق كائن" ١. وقرر هذا الطحاوي في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهب أبي حنيفة وصاحبيه حيث قال: "ونؤمن بأشراط الساعة من خروج الدجال، ونزول عيسى بن مريم ﵇ من السماء، ونؤمن بطلوع الشمس من مغربها، وخروج دابة من الأرض من موضعها" ٢. قال الناصري شارحا كلام الطحاوي: "ثم ذكروا عقيدتهم في أشراط الساعة فقالوا: ونؤمن بخروج الدجال، ونزول عيسى من السماء، ونؤمن بطلوع الشمس من مغربها، وخروج دابة من الأرض من موضعها. قال القاضي أبو حفص الغزنوي ... فيجب الاعتقاد بوجودها في المستقبل على ما تواتر من نقل، لأنها تواترت عمن شهدت له المعجزات بالرسالة والعصمة عن الباطل؛ فيتحقق وجودها لأوقاتها، كما تحقق وجود سائر الأخبار السمعية من نحو قوله تعالى: ﴿الم غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ﴾ "سورة الروم: الآيتان ١،٤". وتحقّق مخبره بعد الهجرة عند تمام المدة المذكورة وقوله: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ "سورة القمر: الآية٤٥". نزلت بمكة ووجد يوم بدر ... فكما أذعنت لها العقول الصحيحة

стр. 467

قبل وقوعها، وصدّق بتحقيقها أولو الألباب فكذلك تذعن لهذه الأمور المذكورة العقول الصحيحة"١. فالواجب على كل مسلم أن يصدق بكل ما ورد في ذلك، وأن يؤمن بأنه كله حق، وأنه سيقع وفق ما أخبر به الشارع، هذا آخر ما يتعلق بمبحث أشراط الساعة، ويليه المبحث الثاني في فتنة القبر.

стр. 468

المبحث الثاني: فتنة القبر يفتن الناس في قبورهم فينعمون أو يعذبون، دلّ على ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ﴾ "سورة الأنعام: الآية٩٣". وقوله تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ "سورة غافر: الآية٤٦". وقوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ "سورة إبراهيم: الآية٢٧". قال النبي ﷺ في تفسير هذه الآية: قوله تعالى ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ المسلم إذا سئل في القبر يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فذلك قوله: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ " ١. وقول النبي ﷺ : "إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي، إن كان من أهل الجنة، فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار

стр. 469

فمن أهل النار، فيقال هذا مقعدك حتى يبعثك الله يوم القيامة" ١. وقول النبي ﷺ : "أما إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة، وأما الآخر فكان لا يستبرئ من بوله ... " ٢. فسؤال الملكين: منكر ونكير، والعذاب في القبر ونعيمه حق واجب شرعا لثبوته عن النبي ﷺ في عدة أخبار يبلغ مجموعها مبلغ التواتر ٣، وهو مقتضى الأدلة من الكتاب والسنة ومتفق عليه بين أهل السنة، قال النووي: "اعلم أن مذهب أهل السنة إثبات عذاب القبر وقد تظاهرت دلائل الكتاب والسنة. قال الله تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً﴾ "سورة غافر: الآية٤٦". وتظاهرت به الأحاديث الصحيحة عن النبي ﷺ من رواية جماعة من الصحابة في مواطن كثيرة ولا يمتنع في العقل أن يعيد الله الحياة في جزء من الجسد ويعذبه ... إلى أن قال: "والمقصود أن مذهب أهل السنة إثبات عذاب القبر، كما ذكرنا خلافا للخوارج ومعظم المعتزلة وبعض المرجئة" ٤.

стр. 470

وهذا هو ما عليه أبو حنيفة، دل على ذلك قوله: "سؤال منكر ونكير حق كائن في القبر، وإعادة الروح إلى جسد العبد في قبره حق، وضغطة القبر وعذابه حق كائن للكفار كلهم ولبعض عصاة المؤمنين" ١. وقال: "ونقرّ بأن عذاب القبر كائن لا محالة، ونقر بأن سؤال منكر ونكير حق لورود الأحاديث" ٢. وقرر هذا الطحاوي في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهب أبي حنيفة وصاحبيه حيث قال: "ونؤمن بملك الموت الموكّل بقبض أرواح العالمين، وبعذاب القبر لمن كان له أهلا، وسؤال منكر ونكير في قبره عن ربه ودينه ونبيه، على ما جاءت به الأخبار عن رسول الله ﷺ وعن الصحابة رضوان الله عليهم، والقبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النيران" ٣. قال الناصري الحنفي شارحا كلام الطحاوي: "وقد تواترت الأخبار عن النبي ﷺ في ثبوت عذاب القبر ونعيمه لمن كان لذلك أهلا، وهو مذهب أهل السنة والجماعة، فيجب الاعتقاد بثبوت ذلك. وأما قولهم بسؤال منكر ونكير للميت في قبره عن ربه ودينه ونبيه، وقولهم بأن القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النيران؛ فإنما قالوا ذلك بما تواترت الأخبار عن رسول الله ﷺ بذلك كله ولاتفاق الصحابة رضوان الله عنهم على ثبوته" ٤.

стр. 471

المبحث الثالث: البعث يبعث الله الموتى من القبور، ويعيدهم معادا جسمانيا، بأن يجمع ما تفرق من أجسامهم، ثم ينشئهم نشأة أخرى، ثم يعيد أرواحهم ١. دل على ذلك قوله تعالى: ﴿قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ﴾ "سورة الأعراف: الآيتان ٢٤-٢٥". وقوله تعالى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ "سورة طه: الآية٥٥". وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ "سورة الحج: الآية٧". وقول النبي ﷺ : "كل ابن آدم يأكله التراب إلا عجب الذنب منه خلق آدم وفيه يركّب " ٢.

стр. 472

فالأدلة من الكتاب والسنة متضافرة على إثبات البعث والنشور وما بعده. هذا مقتضى الأدلة بل أجمع عليه المسلمون. قال الصابوني: "ويؤمن أهل السنة بالبعث بعد الموت يوم القيامة، وبكل ما أخبر الله سبحانه من أهوال ذلك اليوم الحق، واختلاف العباد فيه والخلق فيما يرونه ويلقونه هنالك في ذلك اليوم الهائل، من أخذ الكتاب بالأيمان، والشمائل، والإجابة عن المسائل، إلى سائر الزلازل والبلابل الموعودة في ذلك اليوم العظيم، والمقام الهائل من الصراط، والميزان، ونشر الصحف التي فيها مثاقيل الذر من الخير وغيرها" ١. وهذا هو ما عليه الإمام أبو حنيفة، دل على ذلك قوله: "نقر بأن الله يحيي هذه النفوس بعد الموت، ويبعثهم في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة بالجزاء والثواب" ٢. وقرر هذا الطحاوي في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهب أبي حنيفة وصاحبيه حيث قال: "ونؤمن بالبعث، وجزاء الأعمال يوم القيامة" ٣. قال حسين الحنفي شارحا كلام الإمام أبي حنيفة: "ونقر بأن الله يحيي هذه النفوس ... "، قال: "أجمع المسلمون على أن الله يحيي الأبدان بعد موتها، ويبعث الموتى من القبور، ومن أجواف الوحوش، ومن حواصيل الطيور، بأن يجمع أجزاءهم الأصلية بعد إعادة ما فني منها بعينه، ويعيد الأرواح إليها، وهذا هو النشء، ثم يسوقهم إلى الموقف، وهذا هو

стр. 473

الحشر، فيجزيهم إن خيرا فخير، وإن شرا فشر" ١. وقال الناصري شارحا كلام الطحاوي: "فقالوا: ونؤمن بالبعث بعد الموت، والأخبار الصادرة عن الصدق، وهي الكتب السماوية والرسل الذين قامت على حقّيّتهم الآيات المعجزة لكافة الخليقة ... فنطقت الكتب السماوية كلها بقيام الساعة، وبعث أهلها بعد موتهم وفنائهم، وكذلك نطقت الرسل والأنبياء كلهم جميعا بالبعث بعد الموت، ودلت الحكمة على تحقيق ذلك، وأنه لولا البعث لكان خلق السموات والأرض للعبث؛ إذ كان يكون الإيجاد والإعدام والبناء للهدم بلا عاقبة وذلك سفه وتعالى الله أن يكون صنعه سفها" ٢.

стр. 474

المبحث الرابع: أحوال اليوم الآخر وبعد البعث والنشور، وما يكون فيه من أهوال وشدائد، يحشر الخلائق، وتعرض الأعمال، وتوزن في الميزان، ثم المرور على الصراط، ثم إلى نعيم مقيم في الجنان، أو عذاب في النيران. وإليك بعض الأدلة مع ذكر نصوص أبي حنيفة وبعض أصحابه في ذلك. فأما الجزاء فدليله قول الله تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ "سورة الأنعام: الآية١٦٠". وقول النبي ﷺ فيما يرويه عن ربه : "يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفّيكم إياها فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه" ١. وأما العرض والحساب فدليلهما قول الله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾ "سورة الحاقة: الآية١٨". وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ "سورة الأنبياء: الآية٤٧".

стр. 475

وقول النبي ﷺ : "من حوسب عذِّب " فقالت عائشة: يقول الله تعالى: ﴿يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً﴾ "سورة الانشقاق: الآية٨". قالت فقال: "إنما ذلك العرض ولكن من نوقش الحساب يهلك " ١. وأما الميزان فدليله قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ نَارٌ حَامِيَةٌ﴾ "سورة القارعة: الآيات ٦-١١". وقول النبي ﷺ : "كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله العظيم سبحان الله وبحمده" ٢. وأما الصراط فدليله قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيّاً ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّا﴾ "سورة مريم: الآيتان ٧١-٧٢". وقول النبي ﷺ حين سُئل أين الناس يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات؟ فقال: " هم في الظلمة دون الجسر" ٣.

стр. 476

وأما الحوض فدليله قول النبي ﷺ : "أنا فرطكم على الحوض" ١. وقول النبي ﷺ : "إن قَدْرَ حوضي كما بين أيلة وصنعاء من اليمن وإن فيه من الأباريق كعدد نجوم السماء" ٢. أما الجنة والنار فأدلتهما من الكتاب والسنة لا تحصى؛ من ذلك قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ "سورة الأعراف: الآية٤٢". وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ "سورة الأعراف: الآية٣٦". وقول النبي ﷺ في حديث الإسراء: "إني رأيت الجنة ... ورأيت النار" ٣. أما رؤية المؤمنين لربهم في الجنة؛ فدل عليها قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ "سورة القيامة: الآيتان ٢٢-٢٣". وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ عَلَى الأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ "سورة المطففين: الآيتان ٢٢، ٢٣". وقول النبي ﷺ : "إذا دخل أهل الجنة الجنة قال يقول الله تبارك

стр. 477

وتعالى: تريدون شيئا أزيدكم؟ فيقولون: ألم تبيِّض وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة وتنجينا من النار؟ قال: فيكشف الحجاب فما أعطوا شيئا أحب إليهم من النظر إلى ربهم " ١. قال الإمام أبو حنيفة: "ويبعثهم في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة بالجزاء والثواب" ٢. وقال: "والقصاص فيما بين الخصوم بالحسنات يوم القيامة حق" ٣. وقال: "ونقر بأن قراءة الكتاب يوم القيامة حق، لقوله تعالى: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً﴾ "سورة الإسراء: الآية١٤" ٤. وقال: "ووزن الأعمال بالميزان يوم القيامة حق" ٥. وقال: "ونقر بأن الميزان حق لقوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ "سورة الأنبياء: الآية٤٧ ... " ٦. وقال: "وحوض النبي ﵊ حق" ٧. وقال: "والجنة والنار مخلوقتان، لا تفنيان، ولا تموت الحور العين أبدا" ٨. وقال: "ونقر بأن أهل الجنة في الجنة خالدون، وأهل النار في النار

стр. 478

خالدون؛ لقوله تعالى في حق المؤمنين: ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ "سورة الأعراف: الآية٤٢". وفي حق الكافرين: ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ "سورة الأعراف: الآية٣٦" ... "١. وقال: "والله تعالى يُرى في الآخرة، ويراه المؤمنون وهم في الجنة بأعين رؤوسهم، بلا تشبيه ولا كيفية" ٢. وقال: "ونقر بأن لقاء الله تعالى حق بلا كيفية" ٣. وقال الطحاوي في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهب أبي حنيفة وصاحبيه: "ونؤمن بالبعث وجزاء الأعمال يوم القيامة، والعرض والحساب، وقراءة الكتاب، والثواب والعقاب، والصراط والميزان، والجنة والنار مخلوقتان، لا تفنيان أبداً ولا تبيدان" ٤. وقال: "والحوض الذي أكرمه الله تعالى به غياثا لأمته حق" ٥. وقال: "والرؤية حق لأهل الجنة بغير إحاطة ولا كيفية، كما نطق به كتاب ربنا: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ "سورة القيامة: الآيتان ٢٢-٢٣" ٦.

стр. 479

الفصل الثالث: القدر توطئة وفيه المباحث التالية: المبحث الأول: كراهية الخوض في القدر عند الإمام أبي حنيفة. المبحث الثاني: مراتب القدر. المبحث الثالث: أفعال العباد. المبحث الرابع: الطوائف المنحرفة في القدر ورد الإمام أبي حنيفة عليها.

стр. 480

توطئة الإيمان بالقدر جانب مهم من جوانب العقيدة الإسلامية؛ كيف لا وهو الركن السادس من أركان الإيمان، كما في حديث جبريل: "أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره" ١. وقد دلّ على وجوب الإيمان بالقدر نصوص قرآنية كثيرة، منها قوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ "سورة القمر: الآية٤٩". وقال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ "سورة الحديد: الآية٢٢". والإيمان بالقدر يدخل ضمن توحيد الأسماء والصفات؛ إذ هو مبني على الإيمان بصفات الله كالعلم والقدرة والإرادة. قال ابن القيم في الكافية الشافية ٢: "وحقيقة القدر الذي حار الورى في شأنه هو قدرة الرحمن". واستحسن ابن عقيل ذا من أحمد لما حكاه عن الرضا الرباني وكذا يدخل ضمن الإيمان بربوبية الله على خلقه؛ إذ أن من آمن بأن الله هو الخالق المدبر المتصرف في شؤون خلقه كلها، فهو مؤمن بقضائه وقدره.

стр. 481

فالإيمان بالقدر وربوبية الله يدخلان ضمن توحيد الأسماء والصفات، وذلك أن الرب اسم من أسماء الله، والربوبية والقدرة والعلم والإرادة من صفات الله العليا. ولفظ القدر قد يراد به التقدير، وقد يراد به المقدر. فإذا أردت أن أفعال العباد نفس تقدير الله الذي هو علمه وكلامه ومشيئته ونحو ذلك من صفاته فهذا غلط وباطل، وإن أردت أنها مقدَّرة لله تعالى فهذا حق؛ فإنها مقدرة كما أن سائر المخلوقات مقدرة ١. وقد ثبت في الصحيح أن النبي ﷺ قال: " كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، قال وعرشه على الماء" ٢. فالله سبق علمه بكل مخلوق وقدره، وكتب ذلك في إمام مبين، ثم شاء وخلق وقدر وجوده على وفق ما قدره، لا يخرج عن ذلك شيء، لا أفعال الإنسان ولا غيرها، سواء كانت هذه الأفعال خيرا أو شرا، طاعة أو معصية. كما لا يخرج عن ذلك ما يصيب الإنسان وما يقع في الكون من أحداث، فإذا آمن العبد بهذا كله علم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه.

стр. 482

المبحث الأول: كراهية الخوض في القدر عند الإمام أبي حنيفة تقدم ذكر النصوص الشرعية التي تدل على أن القدر أصل من أصول الإيمان، ولهذا تكلم السلف في بيان هذا الأصل ومراتبه وضرورة الإيمان به وآثار هذا الإيمان، ولهم في هذا كتب ورسائل، بل قلما تجد عالما إلا وينص على هذه المسألة في عقائدهم، بيانا للحق وردا للباطل في هذا الباب الذي عظم فيه الاضطراب، حتى يكون الناس على بصيرة من أمر دينهم. ومع هذا فقد وردت نصوص شرعية فيها الأمر بالإمساك عن القدر والنهي عن الخوض فيه، ونبّه العلماء عند ذكر هذا الأصل على ذلك، ومما ورد في ذلك قول النبي ﷺ : " إذا ذكر أصحابي فأمسكوا وإذا ذكرت النجوم فأمسكوا وإذا ذكر القدر فأمسكوا" ١.

стр. 483

وقوله ﷺ للصحابة لما تنازعوا في القدر: "عزمت عليكم ألا تنازعوا فيه" ١. وأخرج الإمام أحمد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، قال: "خرج النبي ﷺ ذات يوم والناس يتكلمون في القدر، فكأنما تفقّأ في وجهه حب الرمان من الغضب، فقال لهم: ما لكم تضربون كتاب الله بعضه ببعض، بهذا هلك من كان قبلكم" ٢. ومما يجب أن يعلم أن الإمساك عن القدر، وترك الخوض فيه، ليس بترك البحث فيه بإحقاق الحق وإبطال الباطل، فهذا من أهم مهام الدين، ومن العلم النافع. بل المراد من الإمساك الذي أمرنا به، والخوض الذي نهينا عنه التعمق في القدر، ومحاولة معرفته عن طريق العقل. فالعقل قاصر محدود لا يمكن أن يكتشف الغيب، ويطلع على المجهول الذي استأثر الله بعلمه، وليس أمامه إلا التسليم والإيمان بما

стр. 484

يطلعه الله عليه من أمور الغيب، عن طريق الرسل، ويمسك عن الخوض فيما استأثر الله بعلمه. وكذا عن الخوض بالباطل. الاعتراض على الله لم قدر كذا؟ ولم فعل كذا؟ ولم أمر بكذا؟ ولم ينهى عن كذا؟ وهذا مناف للعبودية القائمة على التسليم والاستسلام لله وحده ١. قال الآجري: "باب ترك البحث والتنقير عن النظر في أمر القدر بكيف؟ ولم؟ بل الإيمان به والتسليم، ثم قال بعد ذلك: فهذا طريق أهل العلم: الإيمان بالقدر خيره وشره، واقع من الله بمقدور، يضل من يشاء، ويهدي من يشاء. ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ "سورة الأنبياء: الآية٢٣" ... ٢. وقال ابن بطة: "باب ما أمر الناس به من ترك البحث والتنقير عن القدر والخوض والجدال فيه"، ثم قال بعد ذلك: "فجميع ما قد رويناه في هذا الباب يلزم العقلاء الإيمان بالقدر، والرضا والتسليم لقضاء الله وقدره، وترك البحث والتنقير وإسقاط. لم، وكيف وليست، ولولا، فإن هذه كلها اعتراضات من العبد على ربه، ومن الجاهل على العالم، معارضة المخلوق الضعيف الذليل على الخالق القوي العزيز، والرضا والتسليم طريق الهدى، وسبيل أهل التقوى، ومذهب من شرح الله صدره للإسلام، فهو على نور من ربه فهو يؤمن بالقدر كله خيره وشره، وأنه واقع بمقدور الله جرى، ومن يعلم أن الله يضل من يشاء لا يسأل عما يفعل وهم

стр. 485

يسألون ... " ١. وقال ابن عبد البر: "والقدر سر الله، لا يدرك بجدال ولا يشفي منه مقال، والحجاج فيه مرتجة لا يفتح شيء منها إلا بكسر شيء وغلقه، وقد تظاهرت الآثار، وتواترت الأخبار فيه عن السلف الأخيار الطيبين الأبرار بالاستسلام والانقياد والإقرار بأن علم الله سابق ولا يكون في ملكه إلا ما يريد ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ "سورة فصلت: الآية٤٦"٢. وقال ابن أبي العز الحنفي: " وأكبر المسائل التي وقع فيها الخلاف بين الأمة مسألة القدر وقد اتسع الكلام فيها غاية الاتساع وقوله: فمن سأل لم فعلت؟ فقد رد حكم الكتاب، ومن رد حكم الكتاب كان من الكافرين، اعلم أن مبنى العبودية والإيمان بالله وكتبه ورسله على التسليم وعدم الأسئلة عن تفاصيل الحكمة في الأوامر والنواهي والشرائع ... ولهذا كان سلف هذه الأمة التي هي أكمل الأمم عقولا ومعارف وعلوما لا تسأل نبيها: لم أمر الله بكذا؟ ولم نهى عن كذا؟ ولم قدر كذا؟ ولم فعل كذا؟ لعلمهم أن ذلك مضاد للإيمان والاستسلام وأن قدم الإسلام لا تثبت إلا على درجة التسليم"٣. وعلى هذا المنهج سار الصحابة والتابعون وتابعوهم في النهي عن الخوض في القدر، فقد سئل علي ﵁ عن القدر فقال: "طريق مظلم فلا تسلكه، ثم قال السائل: أخبرني عن القدر فقال: بحر عميق فلا

стр. 486

تلجه، قال السائل: أخبرني عن القدر قال: سر الله فلا تكلّفه" ١. وكذا سئل ابن عمر عن القدر: فقال: "شيء أراد الله ألا يطلعكم عليه؛ فلا تريدوا من الله ما أبى عليكم" ٢. وقال وهب بن منبه: "نظرت في القدر فتحيرت، ثم نظرت فتحيرت، ووجدت أعلم الناس بالقدر أكفهم عنه، وأجهل الناس بالقدر أنطقهم فيه" ٣. وجاء رجل إلى الإمام أبي حنيفة يجادله في القدر فقال له: "أما علمت أن الناظر في القدر كالناظر في عين الشمس كلما ازداد نظرا يزداد تحيّرا" ٤. وقرر هذا الطحاوي في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهب أبي حنيفة وصاحبيه حيث قال: " وأصل القدر سر الله تعالى في خلقه، لم يطلع على ذلك ملك مقرب ولا نبي مرسل، والتعمق والنظر في ذلك ذريعة الخذلان، وسلَّم الحرمان ودرجة الطغيان، فالحذر كل الحذر من ذلك نظرا وفكرا ووسوسة، فإن الله تعالى طوى علم القدر على أنامه، ونهاهم عن مرامه كما قال تعالى في كتابه: ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ "سورة الأنبياء: الأنبياء٢٣".

стр. 487

فمن سأل لم فعل؟ فقد رد حكم الكتاب، ومن رد حكم الكتاب كان من الكافرين" ١.

стр. 488

المبحث الثاني: مراتب القدر الإيمان بالقدر يقوم على أصول ومراتب يقينية، تقوم عليها معاني القضاء والقدر، فلا يتم الإيمان بالقدر إلا بمعرفتها والإيمان بها. وفيما يلي ذكر هذه المراتب مع الاستدلال لها: المرتبة الأولى: الإيمان بعلم الله المحيط بكل شيء والسابق لكل شيء. المرتبة الثانية: الإيمان بكتابه الذي اشتمل على كل ما سيكون. المرتبة الثالثة: الإيمان بأن الله خالق كل شيء. المرتبة الرابعة: الإيمان بمشيئة الله وقدرته العامة على كل شيء فهو المتفرد بالخلق والإيجاد ١. قال شيخ الإسلام: "وتؤمن الفرقة الناجية ـ أهل السنة والجماعة ـ بالقدر خيره وشره، والإيمان بالقدر على درجتين تتضمنان شيئين. فالدرجة الأولى: الإيمان بأن الله تعالى علم ما الخلق عاملون بعلمه القديم الذي هو موصوف به أزلا، وعلم جميع أحوالهم من الطاعات

стр. 489

والمعاصي والأرزاق والآجال ثم كتب الله في اللوح المحفوظ مقادير الخلق ... وأما الدرجة الثانية فهي مشيئة الله النافذة وقدرته الشاملة، وهو الإيمان بأن ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، وأنه ما في السموات والأرض من حركة ولا سكون إلا بمشية الله ، لا يكون في ملكه إلا ما يريد وأنه على كل شيء قدير من الموجودات والمعدومات. فما من مخلوق في الأرض ولا في السماء إلا الله خالقه سبحانه لا خلاق غيره ولا رب سواه" ١. دل على المرتبة الأولى والثانية قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ "سورة الحج: الآية٧٠". وقوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلاّ هُوَ﴾ "سورة الأنعام: الآية٥٩". وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاَطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً﴾ "سورة الطلاق: الآية١٢". وقوله تعالى: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ "سورة يس: الآية١٢". ومن السنة قول النبي ﷺ : "ما منكم أحد إلا وقد كتب الله مقعده من الجنة ومقعده من النار، فقالوا يا رسول الله أفلا نتكل؟ فقال اعملوا فكل ميسر ثم قرأ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾ إلى قوله: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ "سورة الليل: الآيات ٥-١٠ ... " ٢.

стр. 490

وقوله ﷺ : "كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة" ١. ودل على المرتبة الثالثة والرابعة: قوله تعالى: ﴿كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ "سورة آل عمران: الآية٤٧". وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ "سورة هود: الآية١١٨". وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ "سورة يس: الآية٨٢". وقوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلاّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ "سورة التكوير: الآية٢٩". وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ "سورة الزمر: الآية٦٢". وقوله تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً﴾ "سورة الفرقان: الآية٢". ومن السنة قول النبي ﷺ : "إن قلوب بني آدم كلها بين أصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفه حيث يشاء" ٢. فلا يكون العبد مؤمنا بالقدر حتى يؤمن بهذا كله. وفي بيان المرتبة الأولى وهي علم الله المحيط بكل شيء، يقول الإمام أبو حنيفة: "وكان الله

стр. 491

تعالى عالما في الأزل بالأشياء قبل كونها" ١. وقال: "يعلم الله تعالى المعدوم في حال عدمه معدوما، ويعلم أنه كيف يكون إذا أوجده، ويعلم الله تعالى الموجود في حال وجوده موجودا، ويعلم كيف يكون فناؤه" ٢. وقرر الطحاوي هذا في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهب أبي حنيفة وصاحبيه حيث قال: "ولم يخف عليه شيء قبل أن يخلقهم، وعلم ما هم عاملون قبل أن يخلقهم" ٣. وقال: "وقد علم الله تعالى فيما لم يزل عدد من يدخل الجنة وعدد من يدخل النار جملة واحدة فلا يزاد في ذلك ولا ينقص منه" ٤. وقال: "وعلى العبد أن يعلم أن الله قد سبق علمه في كل كائن من خلقه، فقدّر ذلك تقديرا محكما مبرما، ليس فيه ناقص ولا معقب ولا مزيل ولا مغيِّر ولا ناقص ولا زائد من خلقه في سماواته وأرضه"٥. في بيان المرتبة الثانية وهي كتابه الذي اشتمل على كل ما سيكون، يقول الإمام أبو حنيفة: "وقدّره وكتبه في اللوح المحفوظ" ٦. وقال: "ونقِرُّ بأن الله تعالى أمر القلم أن يكتب فقال القلم، ما أكتب يا رب؟ فقال الله تعالى: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة لقوله

стр. 492

تعالى: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ﴾ ١" سورة القمر: الآيتان٥٢-٥٣". وقرر هذا الطحاوي في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهب أبي حنيفة وصاحبيه حيث قال: "ونؤمن باللوح والقلم وبجميع ما فيه قد رقم، فلو اجتمع الخلق كلهم على شيء كتبه الله تعالى فيه أنه كائن ليجعلوه غير كائن؛ لم يقدروا عليه، ولو اجتمعوا كلهم على شيء لم يكتبه الله تعالى فيه كائنا، لم يقدروا عليه، جفّ القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة. وما أخطأ العبد لم يكن ليصيبه، وما أصابه لم يكن ليخطئه" ٢. وفي بيان المرتبة الثالثة وهي الإيمان بمشيئة الله وقدرته العامة على كل شيء يقول الإمام أبو حنيفة: "ولا يكون في الدنيا ولا في الآخرة شيء إلا بمشيئته" ٣. وقرر هذا الطحاوي في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهب أبي حنيفة وصاحبيه حيث قال: "وكل شيء يجري بتقديره، ومشيئته، ومشيئته تنفذ لا مشيئة العباد إلا ما شاء لهم، فما شاء لهم كان وما لم يشأ لم يكن" ٤. وفي بيان المرتبة الرابعة وهي الإيمان بأن الله خالق كل شيء يقول الإمام أبو حنيفة: "خلق الله الأشياء لا من شيء" ٥.

стр. 493

وقال: "وكان الله تعالى خالقا قبل أن يخلق" ١. وقرر هذا الطحاوي في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهب أبي حنيفة وصاحبيه حيث قال: "خالق بلا حاجة ... خلق الخلق بعلمه" ٢. وقال: "ولم يخف عليه شيء قبل أن يخلقهم، وعلم ما هم عاملون قبل أن يخلقهم" ٣.

стр. 494

المبحث الثالث: أفعال العباد يذهب الإمام أبو حنيفة إلى أن جميع أفعال العباد مخلوقة، خلقها الله في الفاعلين لها، دل على هذا قوله: "نقرّ بأن العبد مع أعماله وإقراره ومعرفته مخلوق، فلما كان الفاعل مخلوقا، فأفعاله أولى أن تكون مخلوقة" ١. وقوله: "وجميع أفعال العباد من الحركة والسكون كسبهم، والله تعالى خالقها، وهي كلها بمشيئته وعلمه وقضائه وقدره" ٢. قال محمد بن الحسن بعدما ذكر قول٣ عبد الله بن مسعود ﵁: "تكون النطفة في الرحم أربعين يوما، ثم تكون علقة أربعين يومان ثم يعطى خلقه: فيقول: رب ذكر أم أنثى؟ شقي أم سعيد؟ ما رزقه ـ قال محمد بن الحسن وبهذا نأخذ وبه كان يأخذ أبو حنيفة، الشقي من شقي في بطن أمه والسعيد من وعظ بغيره" ٤. وقرر هذا الطحاوي في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهب

стр. 495

أبي حنيفة وصاحبيه حيث قال: "وأفعال العباد خلق الله وكسب من العباد" ١. وما ذهب إليه الإمام أبو حنيفة هو ما جاءت به الأدلة من كتاب الله كقوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ "سورة الزمر: الآية٦٢". فيخبر الله تعالى أنه خالق الأشياء كلها وربها ومليكها وربها والمتصرف فيها وكلٌ ما تحت تدبيره وقهره وكلاءته ٢، فأفعال العباد من جملة المخلوقات. وقال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاّ فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ "سورة الحديد: الآية٢٢". فما يصيب الخلق من خير وشر، كله قد كتب في اللوح المحفوظ من قبل أن يخلقها ، فالله خالق كل شيء، ومن ذلك أفعالهم من الطاعات والمعاصي. وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ "سورة الصافات: الآية٩٦". قال البغوي في قوله تعالى: ﴿وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ قال: بأيديكم من الأصنام، وفيه دليل على أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى" ٣. وقال ابن جرير في قوله تعالى: ﴿وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ "وجهان": أحدهما أن يكون قوله "ما" يعني المصدر؛ فيكون معنى الكلام حينئذ والله خلقكم وعملكم، والآخر أن يكون بمعنى الذي فيكون معنى الكلام عند ذلك: والله خلقكم والذي تعملونه: أي والذي تعملون منه الأصنام، وهو الخشب
следующие страницы →