← Тафсир

Тафсир · id 750

استنباطات الشوكاني في تفسيره فتح القدير

خلود شاكر فهيد العبدلي

Полный текст (565 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

الثاني: الحظر. الثالث: التوقف. والحق أن هذه الأقوال الثلاثة إنما هي في مسألة الأشياء قبل ورود الشرع، أما بعده فليس إلا قولي الإباحة، والحظر. قال ابن رجب الحنبلي (١): (واعلم أن هذه مسألة الأعيان قبل ورود الشرع هل هو الحظر، أو الإباحة، أو لا حكم فيها، فإن تلك المسألة مفروضة فيما قبل ورود الشرع، فأما بعد وروده فقد دلت هذه النصوص (٢) وأشباهها على أن حكم ذلك الأصل زال، واستقر أن الأصل في الأشياء الإباحة بأدلة الشرع. وقد حكى بعضهم الإجماع على ذلك، وغلط من سوى بين المسألتين، وجعل حكمهما واحدا) (٣). وقال الزركشي: الأصل في المنافع الإذن، وفي المضار المنع، خلافا لبعضهم، وهذا عندنا من الأدلة، فيما بعد ورود الشرع. أعني أن الدليل السمعي دل على أن الأصل ذلك فيهما إلا ما دل دليل خاص على خلافهما. أما قبله، فقد سبقت المسألة في أول الكتاب: "لا حكم للأشياء قبل الشرع"، ولم يحكموا هنا قولا بالوقف كما هناك، لأن الشرع ناقل. وقد خلط بعضهم الصورتين وأجرى الخلاف هنا أيضا. وكأنه استصحب ما قبل السمع إلى ما بعده (٤).

стр. 142

وقد أفرد الشوكاني لمسألة: هل الأصل فيما وقع فيه الخلاف، ولم يرد فيه دليل يخصه، أو يخص نوعه الإباحة، أو المنع، أو الوقف؟ فصلا في آخر كتابه إرشاد الفحول، ذكر فيه الأقوال الثلاثة للعلماء (١). إلى أن قال: وصرح الرازي في المحصول: أن الأصل في المنافع الإذن، وفي المضار المنع. ثم ذكر أدلة القائلين بالإباحة، منها: احتجاجهم بقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: من الآية ٣٢]؛ فإنه - سبحانه - أنكر على من حرم ذلك، فوجب أن لا تثبت حرمته، وإذا لم تثبت حرمته؛ امتنع ثبوت الحرمة في فرد من أفراده؛ لأن المطلق جزء من المقيد، فلو ثبتت الحرمة في فرد من أفراده؛ لثبتت الحرمة في زينة الله، وفي الطيبات من الرزق، وإذا انتفت الحرمة بالكلية ثبتت الإباحة. واحتجوا أيضا بقوله تعالى ﴿أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ [المائدة: من الآية ٤] وليس المراد من الطيب الحلال، وإلا لزم التكرار، فوجب تفسيره بما يستطاب طبعا، وذلك يقتضي حل المنافع بأسرها. واحتجوا أيضا بقوله تعالى: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ واللام تقتضي الاختصاص بما فيه منفعة. واحتجوا أيضا بقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤٥)﴾ [الأنعام: ١٤٥]، فجعل الأصل الإباحة، والتحريم مستثنى. وبقوله سبحانه: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (١٣)﴾ [الجاثية: من الآية ١٣].

стр. 143

وبما ثبت في الصحيحين وغيرهما، من حديث سعد بن أبي وقاص ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "إن أعظم المسلمين جرما من سأل عن شيء لم يحرم؛ فحرم من أجل مسألته" (١). واحتجوا أيضا بأنه - سبحانه - إما أن يكون خلقه لهذه الأعيان لحكمة، أو لغير حكمة، والثاني باطل؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (٣٨)﴾ [الدخان: ٣٨]، وقوله تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥)﴾ [المؤمنون: ١١٥]، والعبث لا يجوز على الحكمة؛ فثبت أنها مخلوقة لحكمة، ولا تخلو هذه الحكمة إما أن تكون؛ لعود النفع إليه - سبحانه - أو إلينا، والأول باطل؛ لاستحالة الانتفاع عليه ، فثبت أنه إنما خلقها؛ لينتفع بها المحتاجون إليها، وإذا كان كذلك كان نفع المحتاج مطلوب الحصول أينما كان، فإن منع منه؛ فإنما هو يمنع منه؛ لرجوع ضرره إلى المحتاج إليه، وذلك بأن ينهى الله عنه، فثبت أن الأصل في المنافع الإباحة. (٢)

стр. 144

فيظهر أن الحق-والله أعلم- ما استنبطه الشوكاني ومن قال بقوله من العلماء؛ لما تقدم من أدلة احتج بها على صحة المعنى المستنبط، ولأن استنباط هذا المعنى من الآية يصح. ثم إن القول بأن الآية تدل على وحدانية الله لا يمنع أن يُستنبط من الآية ما ذكره الشوكاني. ٦ - مناسبة إثبات الله أنه بكل شيء عليم بعد أن ذكر خلقه الأرض والسموات ؛ أنه يجب أن يكون عالما بجميع ما ثبت أنه خالقه (١). قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى … السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٩)﴾ البقرة: ٢٩. قال الشوكاني ﵀: (وإنما أثبت لنفسه سبحانه أنه بكل شيء عليم لأنه يجب أن يكون عالما بجميع ما ثبت أنه خالقه) (٢). الدراسة: استنبط الشوكاني ﵀ مناسبة إثبات الله لنفسه أنه بكل شيء عليم بعد أن ذكر خلقه الأرض والسموات؛ لأنه يجب أن يكون عالما بجميع ما ثبت أنه خالقه. ووجه الاستنباط: أن الله ذكر في الآية خلقه للأرض والسموات خلقا محكما، والخالق على الوصف المذكور يجب أن يكون عالما بما فعله؛ فناسب ختم الآية بإحاطته سبحانه بكل شيء، إذ لابد من مناسبة بين الآية وختامها. ودل على ذلك دلالة الربط بين موضوع الآية وخاتمتها. قال ابن القيم: (إذا تأملت ختم الآيات بالأسماء والصفات؛ وجدت كلامه مختتما بذكر الصفة التي يقتضيها ذلك المقام، حتى كأنها ذكرت دليلا عليه وموجبة له) (٣). والتنبه لمناسبة الآيات لختمها بالأسماء الحسنى من أهم المهمات؛ لذا جعلها السعدي من القواعد الهامة، فقال: (ختم الآيات بأسماء الله الحسنى يدل على أن الحكم المذكور له تعلق بذلك الاسم الكريم، وهذه القاعدة لطيفة نافعة، عليك بتتبعها في جميع الآيات المختومة بها، تجدها في غاية المناسبة، وتدلك على أن الشرع والأمر والخلق كله صادر عن أسمائه وصفاته ومرتبط بها. وهذا باب عظيم في معرفة الله ومعرفة أحكامه، وهو من أجل المعارف وأشرف العلوم. فتجد آية الرحمة مختومةً بأسماء الرحمة، وآيات العقوبة والعذاب مختومة بأسماء العزة والقدرة والحكمة والعلم والقهر). ثم أشار إلى مناسبة ختم الآية بقوله تعالى: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٩)﴾، فقال: (قوله تعالى: ﴿فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٩)﴾ فذكرُ إحاطة علمه بعد ذكر خلقه للأرض والسماوات يدل على إحاطة علمه بما فيها من العوالم العظيمة، وأنه حكيم حيث وضعها لعباده، وأحكم صنعها في أحسن خلق وأكمل نظام، وأن خلقه لها من أدلة علمه، كما قال في الآية الأخرى:: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤)﴾ [الملك: ١٤]؛ فخلقه للمخلوقات وتسويتها على ما هي عليه من إنسان وحيوان ونبات وجماد من أكبر الأدلة العقلية على علمه، فكيف يخلقها وهو لا يعلمها؟) (٤).

стр. 145

فجاءت الفاصلة ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٩)﴾ ممكنة لمعنى الآية (١). والتمكين أن يُمهد للفاصلة قبلها تمهيدا تأتي به الفاصلة ممكنة في مكانها، مستقرة في قرارها، مطمئنة في موضعها، غير نافذة ولا قلقة، متعلقا معناها بمعنى الكلام كله تعلقا تاما بحيث لو طرحت اختل المعنى، واضطرب الفهم (٢). وعد السيوطي الفاصلة في هذه الآية مع الفاصلة في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٩)﴾ [آل عمران: ٢٩] من مشكلات الفواصل، فقال: (ومن خفي ذلك أيضا -أي من خفي الفواصل- قوله في سورة البقرة ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى … السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٩)﴾، وفي آل عمران ﴿قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٩)﴾ فإن المتبادر إلى الذهن في آية البقرة الختم بالقدرة، وفي آية آل عمران الختم بالعلم). ثم أجاب عن ذلك مبينا مناسبة كل فاصلة للآية التي ختمت بها، فقال: (والجواب أن آية البقرة لما تضمنت الإخبار عن خلق الأرض وما فيها على حسب حاجات أهلها ومنافعهم ومصالحهم، وخلق السموات خلقا مستويا محكما من غير تفاوت، والخالق على الوصف المذكور يجب أن يكون عالما بما فعله كليا وجزئيا، مجملا ومفصلا؛ ناسب ختمها بصفة العلم. وآية آل عمران لما كانت في سياق الوعيد على موالاة الكفار، وكان التعبير بالعلم فيها كناية عن المجازاة بالعقاب والثواب؛ ناسب ختمها بصفة القدرة) (٣). وفي القرآن الكريم يقرن الله كثيرا بين خلقه وعلمه، وذلك للمناسبة بينهما؛ إذ خلق الله للمخلوقات أدل دليل على علمه، وحكمته، وقدرته، وإحاطته بالجزئيات والكليات (٤).

стр. 146

قال السعدي: (وكثيرا ما يقرن بين خلقه للخلق وإثبات علمه كما في هذه الآية - ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى … السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٩)﴾ -، وكما في قوله تعالى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤)﴾ [الملك: ١٤]؛ لأن خلقه للمخلوقات أدل دليل على علمه وحكمته وقدرته) (١). وممن قال باستنباط الشوكاني: أبو حيان، والقرطبي، وكذلك السيوطي، والسعدي كما تقدم. (٢). ٧ - لما كان سؤال الملائكة عن الخليفة في الأرض واقعا على صفة تستلزم إثبات شيء من العلم لأنفسهم؛ ناسب أن يجيبهم الله سبحانه بقوله: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ (٣). قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ البقرة: ٣٠. قال الشوكاني ﵀: (ولما كان سؤالهم واقعا على صفة تستلزم إثبات شيء من العلم لأنفسهم؛ أجاب الله سبحانه عليهم بقوله: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٠)﴾. وفي هذا الإجمال ما يغني عن التفصيل؛ لأن من علم ما لا يعلم المخاطب له كان حقيقا بأن يسلم له ما يصدر عنه. وعلى من لا يعلم أن يعترف لمن يعلم بأن أفعاله صادرة على ما يوجبه العلم وتقتضيه المصلحة الراجحة، والحكمة البالغة) (٤). الدراسة: استنبط الشوكاني (٥) ﵀ مناسبة ختم الآية بقوله تعالى: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾

стр. 147

وذلك أنه لما كان سؤال الملائكة عن الخليفة في الأرض واقعا على صفة تستلزم إثبات شيء من العلم لأنفسهم؛ ناسب أن يجيبهم سبحانه بقوله: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٠)﴾. ووجه الاستنباط: أن الله أخبر الملائكة بأنه جاعل في الأرض خليفة، فاستنكروا استخلاف بني آدم في الأرض؛ لكونهم مظنة للإفساد في الأرض؛ فقالوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ وكأن قولهم: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ تعريض بأنهم أحق بذلك، أو أنهم أفضل من الخليفة بقولهم: ﴿مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾ (١). وكأنهم بقولهم هذا أثبتوا شيئا من العلم لأنفسهم؛ فناسب أن يجيبهم الله بقوله: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ تحديدا دون غيره مما في إثبات علمه سبحانه. ودل على ذلك دلالة الربط بين موضوع الآية وخاتمتها. قال البقاعي: ولما تضمن تفرسهم هذا نسبتهم أنفسهم إلى العلم المثمر للإحسان، ونسبة الخليفة إلى الجهل المنتج للإساءة؛ أعلمنا سبحانه -لنشكره- أنه حاجَّ ملائكته عنا، فبين لهم أن الأمر على خلاف ما ظنوا بقوله- استئنافا-: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ﴾ أي من ذلك، وغيره ﴿مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ (٢). ومما يدل على أنهم ظنوا أنهم أفضل من الخليفة أن الله قال بعدها: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣١)﴾ [البقرة: ٣١] (٣). قال السعدي: لما كان قول الملائكة ﵇ فيه إشارة إلى فضلهم على الخليفة الذي يجعله الله في الأرض؛ أراد الله تعالى أن يبين لهم من فضل آدم ما يعرفون به فضله، وكمال حكمة الله وعلمه فقال: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾. إلى أن قال-﵀: ﴿فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣١)﴾ في قولكم وظنكم أنكم أفضل من هذا الخليفة (٤).

стр. 148

وأيضا قول الله تعالى -بعده-: ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٣٢)﴾ [البقرة: ٣٢]. قال ابن جرير الطبري في تفسيرها: وهذا خبر من الله جل ذكره عن ملائكته بالأوبة إليه، وتسليم علم ما لم يعلموه له، وتبريهم من أن يعلموا، أو يعلم أحد شيئا إلا ما علمه تعالى ذكره. إلى أن قال: ألا ترى أن الله جل ذكره رد على ملائكته قيلهم: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٠)﴾، وعرَّفهم أن قيل ذلك لم يكن جائزا لهم بما عرَّفهم من قصور علمهم عند عرضه ما عرض عليهم من أهل الأسماء؛ ﴿فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣١)﴾ فلم يكن لهم مفزع إلا الإقرار بالعجز، والتبري إليه أن يعلموا إلا ما علمهم بقولهم: سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا (١). وممن قال بهذا الاستنباط: البقاعي-كما تقدم-، والقنوجي، وابن بدران. (٢). وفي هذا الاستنباط -خصوصا في معرفة المناسبة- تنبيه لكل أحد بأن يتأدب بين يدي الله تعالى، وبين يدي العلماء؛ لئلا يظهر بالأنانية، وإظهار العلم عندهم، فقد وعظنا الله بقوله للملائكة: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ (٣).

стр. 149

٨ - في النهي عن القرب من الشجرة سد للذريعة (١) وقطع للوسيلة. (٢). قال تعالى: ﴿وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (٣٥)﴾ البقرة: ٣٥. قال الشوكاني ﵀: (والنهي عن القرب فيه سد للذريعة وقطع للوسيلة؛ ولهذا جاء به عوضا عن الأكل. ولا يخفي أن النهي عن القرب لا يستلزم النهي عن الأكل؛ لأنه قد يأكل من ثمر الشجرة من هو بعيد عنها إذا يحمل إليه، فالأولى أن يقال: المنع من الأكل مستفاد من المقام) (٣). الدراسة: استنبط الشوكاني (٤) ﵀ من النهي عن القرب من الشجرة قاعدة سد الذرائع. ووجه الاستنباط: أن الله تعالى علق النهي بقربان الشجرة عوضا عن الأكل، فدل ذلك بدلالة تأمل علل أفعال الله تعالى على قاعدة سد الذرائع، إذ علة النهي تدل على سد الذريعة وقطع الوسيلة. والنهي عن القرب لا يفيد النهي عن الأكل، إذ ربما كان الصلاح في ترك قربها مع أنه لو حمل إليه لجاز له أكله، بل هذا الظاهر يتناول النهي عن القرب، وأما النهي عن الأكل فإنما عرف بدلائل أخرى، وهي: قوله تعالى: ﴿فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٢)﴾ [الأعراف: ٢٢]، ولأنه صدر الكلام في باب الإباحة بالأكل فقال: ﴿وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (٣٥)﴾، فصار ذلك كالدلالة على أنه تعالى نهاهما عن أكل ثمرة تلك الشجرة، لكن النهي عن ذلك بهذا القول يعم الأكل، وسائر الانتفاعات. ولو نص على الأكل ما كان يعم كل ذلك ففيه مزيد فائدة (٥).

стр. 150

وممن قال بهذا الاستنباط: ابن عطية، وابن الفرس (١)، وابن جزي، وابن عاشور. (٢). ٩ - من أخذ من المسلمين رشوة على إبطال حق أمر الله به، أو إثبات باطل نهى الله عنه؛ فقد اشترى بآيات الله ثمنا قليلا (٣). قال تعالى: ﴿وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ … بِهِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ (٤١)﴾ البقرة: ٤١. قال الشوكاني ﵀: (وهذه الآية وإن كانت خطابا لبني إسرائيل ونهيا لهم فهي متناولة لهذه الأمة بفحوى الخطاب أو بلحنه، فمن أخذ من المسلمين رشوة على إبطال حق أمر الله به، أو إثبات باطل نهى الله عنه، أو امتنع من تعليم ما علمه الله، وكتم البيان الذي أخذ الله عليه ميثاقه به؛ فقد اشترى بآيات الله ثمنا قليلا) (٤). الدراسة: استنبط الشوكاني (٥) ﵀ من الآية أن من أخذ من المسلمين رشوة على إبطال حق أمر الله به، أو إثبات باطل نهى الله عنه؛ أو امتنع من تعليم ما علمه الله، وكتم البيان الذي أخذ الله عليه ميثاقه به فقد اشترى بآيات الله ثمنا قليلا. ووجه الاستنباط: أن الله تعالى نهى بني إسرائيل المعاصرين للنبي ﷺ النداء لأولاد إسرائيل ﵇ من عهد موسى ﵇، ولكن المخاطبين هم الذين عاصروا النبي لأنهم أقروا بما كان عليه أسلافهم (٦) - عن أخذ الرشا لكتمان أمر النبي محمد ﷺ ، إذ الآيات هنا هي الإيمان بالنبي محمد ﷺ ، والثمن القليل ما ينتفعون به في الدنيا من بقاء رياستهم، وأخذ الرشا على تغيير أمر محمد ﷺ (٧). وهذا النهي يتناول المسلمين من هذه الأمة، ودلالة الآية عليه بمفهوم الموافقة المساوي -لحن الخطاب- لمساواتهم في الخطاب ببني إسرائيل، ولأن كل من أخذ من المسلمين رشوة على إبطال حق أمر الله به، أو إثبات باطل نهى الله عنه، أو امتنع من تعليم ما علمه الله، وكتم البيان الذي أخذ الله عليه ميثاقه به فحكمه موافق للحكم المنطوق به في الآية؛ أو أن المسلمين محذَّورون من مثله، منهيون عنه بطريق الأولى- فحوى الخطاب-؛ لأن المسلمين أولى بالكمالات النفسية. ولا سيما علماءهم فإنهم منهيون عن أن يأتوا بما نُهي عنه بنو إسرائيل من الصدف عن الحق لأغراض الدنيا، وكذلك كانت سيرة السلف ﵃ (٨).

стр. 151

ومما يؤيد هذا الاستنباط أن خطابات القرآن وقصصه المتعلقة بالأمم الأخرى إنما يقصد منها الاعتبار والاتعاظ. قال الرازي: جميع ما خاطب الله تعالى به بني إسرائيل تنبيه للعرب؛ لأن الفضيلة بالنبي ﷺ قد لحقتهم، وجميع أقاصيص الأنبياء تنبيه وإرشاد، قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ (١٨)﴾ [الزمر: ١٨]، وقال: ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الزمر: من الآية ٥٥] وقال: ﴿لَقَدْ كَانَ … فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف ١١١]. ولذلك روى قتادة (١) قال: ذكر لنا أن عمر بن الخطاب ﵁ كان يقول: قد مضى والله بنو إسرائيل وما يغني ما تسمعون عن غيركم (٢). وممن قال بهذا الاستنباط: القرطبي، والقنوجي، وابن عاشور. (٣). ١٠ - كفر اليهود كفر عناد لا كفر جهل، وقوله: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤٢)﴾ لا يفيد جواز اللبس والكتمان مع الجهل (٤). قال تعالى: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤٢)﴾ البقرة: ٤٢. قال الشوكاني ﵀: (وقوله: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤٢)﴾ جملة حالية، وفيه أن كفرهم كفر عناد لا كفر جهل، وذلك أغلظ للذنب، وأوجب للعقوبة وهذا التقييد لا يفيد جواز اللبس والكتمان مع الجهل؛ لأن الجاهل يجب عليه أن لا يقدم على شيء حتى يعلم بحكمه، خصوصا في أمور الدين، فإن التكلم فيها والتصدي للإصدار والإيراد في أبوابها إنما أذن الله به لمن كان رأسا في العلم، فردا في الفهم، وما للجهال والدخول فيما ليس من شأنهم والقعود في غير مقاعدهم) (٥).

стр. 152

الدراسة: استنبط الشوكاني ﵀ من التقييد: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤٢)﴾ أمورا: أولها: أن كفرهم كفر عناد لا كفر جهل. ثانيها: أن الكفر المتضمن على اللبس، والكتمان عن علم أغلظ للذنب، وأوجب للعقوبة. ثالثها: ألا يفهم من تقييد النهي عن اللبس والكتمان بالعلم جواز اللبس والكتمان مع الجهل؛ لأن الجاهل يجب عليه أن لا يقدم على شيء حتى يعلم بحكمه، خصوصا في أمور الدين. ووجه الاستنباط: أن الله نهى اليهود عما كانوا يتعمدونه من تلبيس الحق بالباطل، وتمويهه به، وكتمانهم الحق وإظهارهم الباطل، ثم ذكر حالهم بقوله: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤٢)﴾ أي: فلا يناسب من كان عالما أن يكتم الحق، ويلبسه بالباطل؛ فدل التقييد على أن كفرهم كفر عناد لا كفر جهل. والحال هنا أبلغ في النهي؛ لأن صدور ذلك من العالِم أشد (١) فلما كانوا عالمين بما في التلبيس من المفاسد كان إقدامهم عليه أقبح (٢)؛ وعقوبتهم أشد. فهذه الحال وإن كان ظاهرها أنها قيد في النهي عن اللبس والكتم، فلا تدل بمفهومها على جواز اللبس والكتم حالة الجهل، وإنما فائدتها: أن الإقدام على الأشياء القبيحة مع العلم بها أفحش من الإقدام عليها مع الجهل بها (٣). ورأى آخرون منهم: الزمخشري، والبيضاوي، وأبو السعود، والآلوسي، والهرري (٤)، أن التقييد لزيادة تقبيح حالهم، إذ الجاهل قد يعذر. وما ذكروه له وجه، لكن ما ذكره الشوكاني أدق إذ نبه على أن الجاهل بما ينبغي عليه معرفته لا يعذر بجهله خصوصا في أمر الدين. وممن قال باستنباط الشوكاني الأول: القرطبي، والقنوجي. (٥). وقال بالثاني، والثالث: ابن عطية، والرازي، والقرطبي، وأبو حيان، والقنوجي، وابن عاشور. (٦). وفي هذا الاستنباط تحذير لكل مقترف لذنب عالم بحكمه، فإن عقوبة العالم أشد.

стр. 153

قال ابن عطية: (وفي هذه الألفاظ دليل على تغليظ الذنب على من واقعه على علم، وأنه أعصى من الجاهل) (١). وفيه أيضا تحذير لكل جاهل إذ يجب عليه أن لا يقدم على شيء كالفتوى، ونحوها حتى يعلم بحكمه، خصوصا في أمور الدين. ١١ - الإرشاد إلى شهود الجماعة، والخروج إلى المساجد (٢). قال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣)﴾ البقرة: ٤٣. قال الشوكاني ﵀: (وقوله: ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣)﴾ فيه الإرشاد إلى شهود الجماعة، والخروج إلى المساجد). ثم قال: (وقد ورد في ذلك من الأحاديث الصحيحة الثابتة في الصحيحين وغيرهما ما هو معروف. وقد أوجب حضور الجماعة بعض أهل العلم على خلاف بينهم في كون ذلك عينا أو كفاية (٣). وذهب الجمهور إلى أنه سنة مؤكدة مرغب فيها وليس بواجب، وهو الحق للأحاديث الصحيحة الثابتة عن جماعة من الصحابة من أن صلاة الجماعة تفضل صلاة الفرد بخمس وعشرين درجة، أو بسبع وعشرين درجة (٤). وثبت في الصحيح عنه ﷺ الذي يصلي مع الإمام أفضل من الذي يصلي وحده ثم ينام (٥). والبحث طويل الذيول كثير النقول) (٦).

стр. 154

الدراسة: استنبط الشوكاني (١) ﵀ من الآية الإرشاد إلى شهود الجماعة، والخروج إلى المساجد (٢). ووجه الاستنباط: أن الله أمر بالصلاة أولا ثم أمر بالركوع مع الراكعين فدلت المعية على شهود الجماعة، والخروج إلى المساجد. أما السعدي فقد استنبط من الآية -بدلالة الالتزام- وجوب صلاة الجماعة، فقال: (وقوله: ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣)﴾ أي صلوا مع المصلين. ففيه الأمر بالجماعة للصلاة ووجوبها) (٣). قال ابن القيم: (ووجه الاستدلال بالآية -على وجوب صلاة الجماعة- أنه سبحانه أمرهم بالركوع وهو الصلاة، وعبر عنها بالركوع لأنه من أركانها والصلاة يعبر عنها بأركانها وواجباتها، كما سماها الله سجودا، وقرآنا، وتسبيحا، فلا بد لقوله: ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣)﴾ من فائدة أخرى، وليست إلا فعلها مع جماعة المصلين، والمعية تفيد ذلك. إذا ثبت هذا، فالأمر المقيد بصفة أو حال لا يكون المأمور ممتثلا إلا بالإتيان به على تلك الصفة والحال) (٤). وخالف ابن عثيمين -مع قوله بوجوب صلاة الجماعة- في دلالة مع في الآية على المصاحبة في الفعل، فقال: واستدل بهذه الآية بعض العلماء على وجوب صلاة الجماعة، لكن في هذا الاستدلال شيء؛ لأنه لا يلزم من المعية المصاحبة في الفعل، ولهذا قيل لمريم: ﴿يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣)﴾ [آل عمران: ٤٣]، والنساء ليس عليهن جماعة؛ إذا لا نسلم أن هذه الآية تدل على وجوب صلاة الجماعة، ولكن وجوب صلاة الجماعة ثابت بأدلة أخرى ظاهرة من الكتاب والسنة، وأقوال الصحابة (٥). والجواب عن ذلك قول ابن القيم: (فإن قيل: فهذا -أي: الاستدلال بقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣)﴾ على وجوب صلاة الجماعة- ينتقض بقوله تعالى: ﴿يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣)﴾ [آل عمران: ٤٣] والمرأة لا يجب عليها حضور الجماعة، قيل: الآية لم تدل على تناول الأمر بذلك لكل امرأة بل مريم بخصوصها أمرت بذلك بخلاف قوله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣)﴾ ومريم كانت لها خاصة لم تكن لغيرها من النساء، فإن أمها نذرتها أن تكون محررة لله، ولعبادته، ولزوم المسجد، وكانت لا تفارقه؛ فأمرت أن تركع مع أهله، ولما اصطفاها الله، وطهرها على نساء العالمين أمرها من طاعته بأمر اختصها به على سائر النساء، قال تعالى ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ (٤٢) يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣)﴾ [آل عمران: ٤٢ - ٤٣]. فإن قيل: كونهم مأمورين أن يركعوا مع الراكعين لا يدل على وجوب الركوع معهم حال ركوعهم، بل يدل على الإتيان بمثل ما فعلوا كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١١٩)﴾ [التوبة: ١١٩] فالمعية تقضي المشاركة في الفعل، ولا تستلزم المقارنة فيه، قيل: حقيقة المعية مصاحبة ما بعدها لما قبلها، وهذه المصاحبة تفيد زائدا على المشاركة، ولا سيما في الصلاة، فإنه إذا قيل: صل مع الجماعة، أو صليت مع الجماعة لا يفهم منه إلا اجتماعهم على الصلاة) (٦).

стр. 155

واستنباط الشوكاني صحيح من حيث دلالة الآية على شهود صلاة الجماعة، والخروج إلى المساجد. وقد شدَّد ﵀ في الحث عليها -مع قوله بأنها سنة مؤكدة- بقوله: (ولكن المحروم من حُرِم صلاة الجماعة، فإن صلاة يكون أجرها أجر سبع وعشرين صلاة لا يعدل عنها إلى صلاة ثوابها ثواب جزء من سبعة وعشرين جزءا منها إلا مغبون، ولو رضي لنفسه في المعاملات الدنيوية بمثل هذا لكان مستحقا لحجره عن التصرف في ماله لبلوغه من السفه إلى هذه الغاية، والتوفيق بيد الرب سبحانه) (١). وقوله: (وقد تقرر أن الجمع بين الأحاديث ما أمكن هو الواجب، و تبقية الأحاديث المشعرة بالوجوب على ظاهرها من دون تأويل، والتمسك بما يقتضي به الظاهر فيه إهدار للأدلة القاضية بعدم الوجوب وهو لا يجوز، فأعدل الأقوال وأقربها إلى الصواب أن صلاة الجماعة من السنن المؤكدة التي لا يخل بملازمتها ما أمكن إلاَّ محروم مشؤوم، وأمَّا أنها فرض عين، أو كفاية، أو شرط لصحة الصلاة فلا) (٢). أما القول بسنية صلاة الجماعة، وكذا القول بأنها فرض كفاية فقولان معتبران لكل منهما دليله، لكن الأظهر-والله أعلم- الوجوب؛ لأدلة كثيرة، منها: ١ - عن أبي هريرة ﵁ قال: "أتى النبي ﷺ رجل أعمى فقال: يا رسول الله إنه ليس لي قائد يقودني إلى المسجد، فسأل رسول الله ﷺ أن يرخص له فيصلي في بيته، فرخص له، فلما ولى دعاه فقال: هل تسمع النداء بالصلاة، فقال: نعم؛ قال: فأجب" (٣). وإذا لم يرخص للأعمى الذي لم يجد قائدا فغيره أولى (٤). ٢ - عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "والذي نفسي بيده لقد هممت أن آمر بحطب فيحطب، ثم آمر بالصلاة فيؤذن لها، ثم آمر رجلا فيؤم الناس، ثم أخالف إلى رجال فأحرق عليهم بيوتهم، والذي نفسي بيده لو يعلم أحدهم أنه يجد عرقا سمينا، أو مرماتين حسنتين؛ لشهد العشاء" (٥). وفى رواية: "لولا ما في البيوت من النساء والذرية" (٦). فبين أنه إنما يمنعه من تحريق المتخلفين عن الجماعة من في البيوت من النساء والأطفال، فإن تعذيب أولئك لا يجوز؛ لأنه لا جماعة عليهم. ومن قال: إن هذا كان في الجمعة، أو كان لأجل نفاقهم فقوله ضعيف، فان المنافقين لم يكن النبي يقتلهم لأجل النفاق، بل لا يعاقبهم إلا بذنب ظاهر، فلولا أن التخلف عن الجماعة ذنب يستحق صاحبه العقاب لما عاقبهم (٧).

стр. 156

وفي الحديث ما يدل على أنه أراد الجماعة لأنه لو أراد الجمعة لما هم بالتخلف عنها (١). ١٢ - مناسبة تخصيص اسم الله البارئ بالذكر في صفة توبة الله على بني إسرائيل الإشارة إلى عظيم جرمهم (٢). قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٥٤)﴾ البقرة: ٥٤. قال الشوكاني ﵀: (وفي ذكر البارئ إشارة إلى عظيم جرمهم، أي: فتوبوا إلى الذي خلقكم وقد عبدتم معه غيره) (٣). الدراسة: استنبط الشوكاني (٤) ﵀ أن مناسبة تخصيص اسم الله البارئ بالذكر في صفة توبة الله على بني إسرائيل الإشارة إلى عظيم جرمهم حيث عبدوا مع الله غيره. والبارئ: الخالق الذي برأ الخلق فأوجدهم بقدرته (٥).

стр. 157

وبرأ الخلق: فطرهم، وقيل: البرء خلق على صفة فكل مبروء مخلوق، وليس كل مخلوق مبروءاً؛ لأن البرء فيه فصل بعض الخلق عن بعض، فصورة زيد مفارقة لصورة عمرو وهكذا (١). فعلى هذا يكون البرء أخص من الخلق؛ ولذا أتبع به الخالق في قوله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ﴾ [الحشر: من الآية ٢٤] (٢). ووجه الاستنباط: أن الله خص بالذكر اسمه (البارئ) في هذا الموضع دون غيره من الأسماء، وهذا الاسم لم يرد في القرآن إلا ثلاث مرات: مرة بلفظ (البارئ) في سورة الحشر في قوله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٤)﴾ [الحشر: ٢٤]، ومرتين بلفظ (بارئكم) في هذه الآية، فلابد أن يكون لتخصيص هذا الاسم بالذكر هنا مناسبة للمقام، وهي: الإشعار بأنهم بلغوا من الجهالة أقصاها، ومن الغواية منتهاها حيث تركوا عبادة العليم الحكيم الذي خلقهم إلى عبادة البقر (٣) فعرضوا أنفسهم لسخط الله تعالى، ونزول أمره حين لم يشكروا النعمة في ذلك، وغمطوها بعبادة من لا يقدر على شيء منها، ففي ذكر البارئ في هذا المقام تقريع بما كان منهم (٤)، وتنبيه على أن من كان كذلك -أي: بارئهم- فهو أحق بالعبادة من البقر الذي يضرب به المثل في الغباوة (٥). وذكر البارئ هنا تضمن الترهيب والترغيب. قال البقاعي: (وفي التعبير بالبارئ ترغيب لهم في طاعته بالتذكير بالإحسان، وترهيب بإيقاع الهوان) (٦). وممن قال بهذا الاستنباط: الزمخشري، والطِّيْبِي (٧)، وابن كثير، وأبو السعود، والبروسوي، والآلوسي، والقنوجي، والهرري. (٨).

стр. 158

ولمعرفة هذا الاستنباط فائدة عملية ينتفع بها المتحدث إذ عليه التعبير بما يناسب المقام (١). ١٣ - مناسبة تقييد قتل اليهود النبيين بأنه كان بغير الحق لنعي هذا الأمر عليهم، وأنه ظلم بحت؛ لأن قتلهم النبيين ليس بحق في اعتقادهم الباطل (٢). قال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٦١)﴾ البقرة: ٦١. قال الشوكاني ﵀: (ولم يخرج هذا مخرج التقييد حتى يقال: إنه لا يكون قتل الأنبياء بحق في حال من الأحوال لمكان العصمة، بل المراد نعي هذا الأمر عليهم وتعظيمه، وأنه ظلم بحت في نفس الأمر. ويمكن أن يقال: إنه ليس بحق في اعتقادهم الباطل، لأن الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه لم يعارضوهم في مال ولا جاه، بل أرشدوهم إلى مصالح الدين والدنيا كما كان من شعيا (٣) وزكريا ويحيى، فإنهم قتلوهم وهم يعلمون ويعتقدون أنهم ظالمون) (٤).

стр. 159

الدراسة: استنبط الشوكاني ﵀ أن مناسبة تقييد قتل النبيين بأنه كان ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ نعي هذا الأمر عليهم، وتعظيمه، وأنه ظلم بحت في نفس الأمر؛ لأن قتلهم النبيين ليس بحق في اعتقادهم الباطل، فإنهم قتلوهم وهم يعلمون ويعتقدون أنهم ظالمون (١). ووجه الاستنباط: أن قوله تعالى: ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ لم يخرج مخرج التقييد بل هو توكيد لتعظيم الشنعة عليهم. ويجوز أن يخرج قوله تعالى: ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ مخرج الصفة لقتلهم (٢) بأنه ظلم في حقهم، وهو أبلغ في الشناعة والتعظيم لذنوبهم (٣)؛ لأن التصريح بصفة فعلهم القبيح أبلغ في ذمهم. فهو وصف لازم وليس بقيد، فلا مفهوم له (٤)، إذ هو لبيان الواقع (٥)، ولم يرد على أن قتل النبيين ينقسم إلى قتل بحق، وقتل بغير حق (٦)، بل للتشنيع عليهم إذ قتلهم النبيين لم يكن عن سوء فهم أو فساد تأويل، وإنما هو عن خبث قصد وتصميم (٧). ومعلوم أن الإتيان بالباطل قد يكون حقا لأن الآتي به اعتقده حقا؛ لشبهة وقعت في قلبه، وقد يأتي به مع علمه بكونه باطلا. ولا شك أن الثاني أقبح فقوله: ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ أي: أنهم قتلوهم من غير أن يكون ذلك القتل حقا في اعتقادهم وخيالهم، بل كانوا عالمين بقبحه، ومع ذلك فقد فعلوه (٨)، ولم يدَّعو في قتلهم وجهًا، يستحقون به القتل عندهم (٩). وممن قال بهذا الاستنباط: ابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، والآلوسي، والقنوجي، والقاسمي (١٠)، والسعدي، ومحمد أبو زهرة، وابن عثيمين. (١١).

стр. 160

١٤ - ينبغي تجنب الألفاظ المحتملة للسب والنقص وإن لم يقصد المتكلم بها ذلك المعنى المفيد للشتم؛ سدا للذريعة ودفعا للوسيلة وقطعا لمادة المفسدة والتطرق إليه (١). قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٠٤)﴾ البقرة: ١٠٤. قال الشوكاني ﵀: (وجه النهي عن ذلك أن هذا اللفظ كان بلسان اليهود سباً. قيل: إنه في لغتهم بمعنى اسمع لا سمعت. وقيل: غير ذلك. فلما سمعوا المسلمين يقولون للنبي ﷺ راعنا طلبا منه أن يراعيهم -من المراعاة- اغتنموا الفرصة وكانوا يقولون للنبي ﷺ كذلك مظهرين أنهم يريدون المعنى العربي، مبطنين أنهم يقصدون السب الذي هو معنى هذا اللفظ في لغتهم. وفي ذلك دليل على أنه ينبغي تجنب الألفاظ المحتملة للسب والنقص وإن لم يقصد المتكلم بها ذلك المعنى المفيد للشتم؛ سدا للذريعة ودفعا للوسيلة وقطعا لمادة المفسدة والتطرق إليه. ثم أمرهم الله بأن يخاطبوا النبي ﷺ بما لا يحتمل النقص ولا يصلح للتعريض فقال: … ﴿وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾ أي: أقبل علينا، وانظر إلينا … ) (٢). الدراسة: استنبط الشوكاني (٣) ﵀ أنه ينبغي تجنب الألفاظ المحتملة للسب والنقص، وإن

стр. 161

لم يقصد المتكلم بها ذلك المعنى المفيد للشتم؛ سدا للذريعة ودفعا للوسيلة وقطعا لمادة المفسدة والتطرق إليه. ووجه الاستنباط: أن الله نهى المؤمنين عن مخاطبة النبي ﷺ بقولهم: راعنا مع أن معناه في لغة العرب صحيح جائز (١)، وقد لا يكون للمتكلم به إلا القصد الحسن. لكن لما كان هذا اللفظ -أو لفظ قريب منه (٢) - في لغة اليهود سباً؛ نهاهم عن موافقتهم في القول؛ منعا للصحيح الموافق في الصورة لشبهه من القبيح، وعوضهم منها ما لا يتطرق إليه فساد فقال: ﴿وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾ فأبقى المعنى وصرف اللفظ (٣)، فدل ذلك بدلالة النص-مفهوم الموافقة- على وجوب استعمال الألفاظ التي لا تحتمل إلا الحسن، وترك الألفاظ التي فيها احتمال لأمر غير لائق (٤)، وإن كان استعمالها في لغة العرب جائزا، وقصد المتكلم بها خيرا. وهذا الاستنباط كما أنه يصح على أن وجه أن النهي عن لفظ راعنا لئلا يتوهم أنه سب (٥) كما ذكر الشوكاني؛ فإنه يصح أيضا على الأوجه الأخرى التي لأجلها كان النهي، ولا مدخل لليهود فيها. وهي:

стр. 162

١ - النهي لأن راعنا بمعنى فاعلنا، أي: أرعنا نرعك. وفي هذا جفاء أن يخاطب به أحد نبيه، وقد حض الله تعالى على خفض الصوت عنده وتعزيره وتوقيره. ٢ - النهي لأن راعنا من أرعنا سمعك، أي: فرغ سمعك لكلامنا. وفي المخاطبة بهذا جفاء (١). فلفظ (راعنا) على هذين الوجهين من الرعاية. وهذان الوجهان وإن لم يبلغ معهما لفظ (راعنا) أن يكون سبا، لكن فيهما نوع تنقص وجفاء - وإن لم يقصده المتكلم- كره الله أن يُخَاطَب به نبيه ﷺ ؛ لذا جاء الأمر باختيار ألفاظ لا شبهة فيها، ولا تنقص. ومما يؤكد صحة هذا الاستنباط أن القرآن حث على استعمال أحسن اللفظين الحسنين؛ فمن باب أولى حثه على استعمال الألفاظ التي لا شبهة فيها، وطرح ما كان فيه أدنى شبهة. وهذا كله موجب لسعادة الدارين. قال السعدي-﵀: "وهذا من لطفه بعباده حيث أمرهم بأحسن الأخلاق والأعمال والأقوال الموجبة للسعادة في الدنيا والآخرة؛ فقال: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الإسراء: ٥٣] وهذا أمر بكل كلام يقرب إلى الله، من قراءة، وذكر، وعلم، وأمر بمعروف، ونهي عن منكر، وكلام حسن لطيف مع الخلق على اختلاف مراتبهم ومنازلهم، وأنه إذا دار الأمر بين أمرين حسنين؛ فإنه يأمر بإيثار أحسنهما إن لم يمكن الجمع بينهما. والقول الحسن داع لكل خلق جميل وعمل صالح؛ فإن من ملك لسانه ملك جميع أمره" (٢). وممن قال بهذا الاستنباط الجصاص (٣)، والسمعاني (٤)، وابن العربي، والقرطبي، والبروسوي، والقنوجي، والسعدي، ومحمد أبو زهرة، وابن عثيمين. (٥).

стр. 163

١٥ - تكلم أهل العلم والدراسة لكتب الله بما ليس عليه برهان أشد قبحا وأفظع جرما من تكلم غيرهم به (١). قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١١٣)﴾ البقرة: ١١٣. قال الشوكاني ﵀: (وقوله: ﴿وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾ أي: التوراة والإنجيل، … وفي هذا أعظم توبيخ، وأشد تقريع؛ لأن الوقوع في الدعاوى الباطلة، والتكلم بما ليس عليه برهان هو وإن كان قبيحا على الإطلاق، لكنه من أهل العلم والدراسة لكتب الله أشد قبحا، وأفظع جرما، وأعظم ذنبا) (٢). الدراسة: استنبط الشوكاني ﵀ أن الوقوع في الدعاوى الباطلة، والتكلم بما ليس عليه برهان من أهل العلم والدراسة لكتب الله أشد قبحا، وأفظع جرما، وأعظم ذنبا. ووجه الاستنباط: أن الله تعالى بيَّن أن كل طائفة من اليهود والنصارى تنفي الخير عن الأخرى، ويتضمن ذلك إثباته لنفسها، ثم ذكر الله حالهم بقوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾؛ فدل بدلالة التقييد على أن الوقوع في الدعاوى الباطلة، والتكلم بما ليس عليه برهان هو وإن كان قبيحا على الإطلاق، لكنه من أهل العلم والدراسة لكتب الله أشد قبحا، وأفظع جرما، وأعظم ذنبا. ووافقه على هذا الاستنباط: القنوجي (٣)، وابن عثيمين حيث ذكر أن من فوائد الآية: شدة قبح قول من خالف الحق وهو يعلمه، فهذه الجملة تفيد زيادة قبح ما قالوه … ولا ريب أن الذي ينكر الحق مع العلم به أعظم قبحا من الذي ينكر الحق مع الجهل به، لأن هذا معاند مكابر بخلاف الجاهل، فالجاهل ينكر الحق للجهل به، ثم إذا تبين له الحق اتبعه إذا كان المانع له من اتباعه الجهل، لكن العالم لا عذر له (٤). واستنبط غيره أن مجيء الجملة الحالية للنعي عليهم في مقالتهم تلك؛ إذ الكتاب ناطق بخلاف ما يقولونه (٥)، ولمزيد التعجب من حالهم أن يقولوا ذلك وكل فريق منهم يتلون الكتاب، وكل كتاب يتلونه مشتمل على الحق لو اتبعه أهله حق اتباعه (٦).

стр. 164

ولا يمنع أن تكون الجملة الحالية للنعي عليهم، والتعجب من حالهم، ويستفاد منها عموما التنبيه على شدة قبح قول من خالف الحق وهو يعلمه. و في هذا الاستنباط تحذير لأهل العلم في كل زمان من التكلم بما ليس عليه برهان؛ فإن عقاب العالِم أشد. ١٦ - ثبوت عذاب القبر (١). قال تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ (١٥٤)﴾ البقرة: ١٥٤. قال الشوكاني ﵀: (﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ (١٥٤)﴾ أي: لا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله هم أموات، بل هم أحياء، ولكن لا تشعرون بهذه الحياة عند مشاهدتكم لأبدانهم بعد سلب أرواحهم؛ لأنكم تحكمون عليها بالموت في ظاهر الأمر بحسب ما يبلغ إليه علمكم الذي هو بالنسبة إلى علم الله كما يأخذ الطائر في منقاره من ماء البحر، وليسوا كذلك في الواقع، بل هم أحياء في البرزخ. وفي الآية دليل على ثبوت عذاب القبر، ولا اعتداد بخلاف من خالف في ذلك (٢)، فقد تواترت به الأحاديث الصحيحة، ودلت عليه الآيات القرآنية (٣). ومثل هذه الآية قوله

стр. 165

تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩)﴾ (١) (٢). الدراسة: استنبط الشوكاني ﵀ من الآية ثبوت عذاب القبر. ووجه الاستنباط: أن الآية أثبتت الحياة للشهداء، وهي بلا شك حياة في القبور قبل البعث، إذ لو كان المقصود سيحيون؛ لم يكن بين الشهداء وبين غيرهم فرق، إذ كل أحد سيحيى، وإذا كان الله تعالى يحييهم بعد الموت ليرزقهم؛ فيجوز أن يحيي الكفار ليعذبهم، ويكون فيه دليل على عذاب القبر (٣) بدلالة الالتزام. وممن قال بهذا الاستنباط: الجصاص، وإلكيا الهراسي، وابن الفرس، والقرطبي، والخازن (٤)، والقنوجي، والسعدي. (٥). ١٧ - جواز كتمان ما ليس من الهدى والبينات (٦). قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (١٥٩)﴾ البقرة: ١٥٩. قال الشوكاني ﵀: (وفي قوله: ﴿مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى﴾ دليل على أنه يجوز كتم غير ذلك، كما قال أبو هريرة ﵁: "حفظت عن رسول الله ﷺ وعاءين، أما أحدهما فبثثته، وأما الآخر فلو بثثته قطع هذا البلعوم أخرجه البخاري (٧) (٨). الدراسة: استنبط الشوكاني (٩) ﵀ من الآية جواز كتمان ما ليس من الهدى والبينات.

стр. 166

ووجه الاستنباط: أن الله تعالى توعد الذين يكتمون ما أنزله سبحانه من البينات والهدى؛ فدل بمفهوم المخالفة -مفهوم صفة- على أن من كتم غير ذلك فلا إثم عليه. قال القرطبي: (لما قال: دل على أن ما كان من غير ذلك جائز كتمه، لا سيما إن كان مع ذلك خوف؛ فإنه آكد في الكتمان) (١). والكتم، والكتمان: ترك إظهار الشيء قصدا مع مساس الحاجة إليه، وذلك قد يكون بمجرد ستره وإخفائه، وقد يكون بإزالته ووضع شيء آخر في موضعه (٢). فجاءت هذه الآية محذرة من الكتمان، زاجرة للكاتمين. ونظيرُ هذه الآية قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٧٤)﴾ البقرة: ١٧٤. وقوله : ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ (١٨٧)﴾ آل عمران: ١٨٧. فهذه كلُّها زواجرُ عن الكتمان (٣). والآية نزلت في علماء أهل الكتاب وكتمانهم أمر محمد ﷺ ، ونحوه (٤). فعلى هذا يكون معنى البينات: الآيات الواضحة الدالة على أمر النبي محمد ﷺ . والهدى: الآيات الهادية إلى كنه أمره، ووجوب اتباعه والايمان به (٥).

стр. 167

لكنها وإن كانت نازلة في أهل الكتاب وما كتموا من شأن الرسول ﷺ وصفاته؛ فإن حكمها عام لكل من اتصف بكتمان ما أنزل الله من البينات الدالات على الحق المظهرات له، والهدى وهو العلم الذي تحصل به الهداية إلى الصراط المستقيم، ويتبين به طريق أهل النعيم من طريق أهل الجحيم (١). فالآية عامة لأن عموم الحكم لا يأبى خصوص السبب (٢). وفيها وعيد شديد لمن كتم ما جاءت به الرسل من الدلالات البينة على المقاصد الصحيحة، والهدى النافع للقلوب، من بعد ما بينه الله تعالى لعباده في كتبه التي أنزلها على رسله (٣). وقد فهم الصحابة ﵃ العموم؛ لذا قال أبو هريرة ﵁: "إن الناس يقولون: أكثر أبو هريرة، ولولا آيتان في كتاب الله؛ ما حدثت حديثا، ثم يتلو: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ﴾ إلى قوله الرحيم. إن إخواننا من المهاجرين كان يشغلهم الصفق بالأسواق، وإن إخواننا من الأنصار كان يشغلهم العمل في أموالهم، وإن أبا هريرة كان يلزم رسول الله ﷺ بشبع بطنه، ويحضر ما لا يحضرون، ويحفظ ما لا يحفظون" (٤). والوعيد المذكور في الآية إنما هو لقاصد كتمان العلم. فإذا قصد العالم كتمان العلم؛ عصى، وإن لم يقصده؛ لم يلزمه التبليغ إذا عرف أنه مع غيره. وأما من سئل؛ فقد وجب عليه التبليغ؛ لهذه الآية (٥). ويجوز الكتمان في مواطن، منها: ١ - إذا خاف على نفسه. ودليله حديث أبي هريرة ﵁ المتقدم-"حفظت عن رسول الله ﷺ وعاءين، أما أحدهما فبثثته، وأما الآخر فلو بثثته قطع هذا البلعوم". (٦) قال القرطبي: (وقد ترك أبو هريرة ذلك حين خاف). ثم قال: وهذا الذي لم يبثه أبو هريرة ﵁، وخاف على نفسه فيه الفتنة أو القتل إنما هو مما يتعلق بأمر الفتن، والنص على أعيان المرتدين والمنافقين ونحو هذا مما لا يتعلق بالبينات والهدى (٧).

стр. 168

وقال ابن حجر (١) في شرح الحديث: وحمل العلماء الوعاء الذي لم يبثه على الأحاديث التي فيها تبيين أسامي أمراء السوء وأحوالهم وزمنهم، وقد كان أبو هريرة ﵁ يكني عن بعضه ولا يصرح به خوفا على نفسه منهم (٢). ٢ - إن رأى العالم مفسدة ظاهرة جلية تفوق مصلحة ظهور ما لديه (٣). قال الذهبي (٤): (هذا دال على جواز كتمان بعض الأحاديث التي تحرك فتنة في الأصول أو الفروع، أو المدح والذم، أما حديث يتعلق بحل أو حرام فلا يحل كتمانه بوجه؛ فإنه من البينات والهدى. وفي صحيح البخاري قول الإمام علي ﵁: "حدثوا الناس بما يعرفون، ودعوا ما ينكرون، أتحبون أن يكذب الله ورسوله" (٥). وكذا لو بث أبو هريرة ذلك الوعاء؛ لأوذي، بل لقتل، ولكن العالم قد يؤديه اجتهاده إلى أن ينشر الحديث الفلاني؛ إحياء للسنة فله ما نوى وله أجر، وإن غلط في اجتهاده) (٦).

стр. 169

ويدخل فيما في ترك بيانه مصلحة ما يشتبه على الناس، ولا تبلغه عقولهم. قال ابن مسعود ﵁: "ما أنت محدثا قوما حديثا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة" (١). وقال الحرالي (٢): (﴿مِنَ الْبَيِّنَاتِ﴾ ففي إفهامه إذن في كتم ما يخفى من العلم عن عقول لم تصل إليه) (٣). ونبه الشاطبي (٤) على ذلك بقوله: (ومن هذا يعلم أنه ليس كل ما يعلم مما هو حق يطلب نشره، وإن كان من علم الشريعة. ومما يفيد علما بالأحكام بل ذلك ينقسم: فمنه: ما هو مطلوب النشر وهو غالب علم الشريعة. ومنه: ما لا يطلب نشره بإطلاق، أو لا يطلب نشره بالنسبة إلى حال، أو وقت، أو شخص، ومن ذلك: تعيين هذه الفرق، فإنه وإن كان حقا فقد يثير فتنة كما تبين تقريره فيكون من تلك الجهة ممنوعا بثه. ومن ذلك: علم المتشابهات والكلام فيها فإن الله ذم من اتبعها، فإذا ذكرت وعرضت للكلام فيها فربما أدى ذلك إلى ما هو مستغنى عنه، وقد جاء فى الحديث عن علي ﵁: "حدثوا الناس بما يفهمون أتريدون أن يكذب الله ورسوله" (٥). إلى أن قال: (وضابطه أنك تعرض مسألتك على الشريعة، فإن صحت في ميزانها؛ فانظر في مآلها بالنسبة إلى حال الزمان وأهله، فإن لم يؤد ذكرها إلى مفسدة؛ فاعرضها في ذهنك على العقول، فإن قبلتها فلك أن تتكلم فيها إما على العموم إن كانت مما تقبلها العقول على العموم، وإما على الخصوص إن كانت غير لائقة بالعموم. وإن لم يكن لمسألتك هذا المساغ؛ فالسكوت عنها هو الجاري على وفق المصلحة الشرعية والعقلية) (٦). وممن قال بهذا الاستنباط: الحرَّالي، والقرطبي، والقنوجي. (٧).

стр. 170

١٨ - أول ما يجب بيانه، ويحرم كتمانه هو أمر التوحيد (١). قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (١٥٩) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٦٠) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا … وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٦١) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (١٦٢) وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ … وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا … هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)﴾ البقرة: ١٥٩ - ١٦٣. قال الشوكاني ﵀: (وقوله: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ فيه الإرشاد إلى التوحيد، وقطع علائق الشرك. والإشارة إلى أن أول ما يجب بيانه ويحرم كتمانه هو أمر التوحيد) (٢). الدراسة: استنبط الشوكاني (٣) ﵀ أن أول ما يجب بيانه، ويحرم كتمانه هو أمر التوحيد.

стр. 171

ووجه الاستنباط: أن الله تعالى ذكر توحيده بعد أن توعد الذين يكتمون ما أنزله سبحانه من البينات والهدى. وإذا كانت البينات هي الدالات على الحق المظهرات له. والهدى هو النافع للقلوب الذي تحصل به الهداية إلى الصراط المستقيم، ويتبين به طريق أهل النعيم من طريق أهل الجحيم (١)؛ فإن أعظم ذلك كله توحيد الله تعالى؛ فدل بدلالة الربط بين الآيات على أن أول ما يجب بيانه، ويحرم كتمانه هو أمر التوحيد. وممن قال بهذا الاستنباط: القرطبي، والقنوجي. (٢). قال القرطبي: (لما حذر تعالى من كتمان الحق؛ بين أن أول ما يجب إظهاره، ولا يجوز كتمانه أمر التوحيد. ووصل ذلك بذكر البرهان وعلم طريق النظر، وهو الفكر في عجائب الصنع؛ ليعلم أنه لا بد له من فاعل لا يشبهه شيء) (٣). وقصد بقوله: (ووصل ذلك بذكر البرهان) قوله تعالى -بعدها-: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٦٤)﴾ البقرة: ١٦٤. وقد تلمس العلماء مناسبات أخرى، منها: قول البقاعي: (ولا يبعد عندي- وإن بعد المدى- أن تكون الواو في قوله: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ عاطفة على قوله في أوائل السورة: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى … السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٩)﴾ [البقرة: ٢٩] قبل قوله: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ [البقرة: ٣٠]؛ فإن التوحيد هو المقصود بالذات، وعنه تنشأ جميع العبادات، فلما قال أولاً ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة: من ٢١]؛ أتبعه في قوله: ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ [البقرة: من ٢١] إلى آخره بوصف هو دليل استحقاقه للعبادة، فلما قام الدليل قال:

стр. 172

﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ … السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)﴾ [البقرة: ٢٢] إعلاماً بأنه لا شريك له في العبادة كما أنه قد تبين أنه لا شريك له في الخلق، ثم أتبعه بما يليق لذلك المقام مما تقدم التنبيه عليه، ثم رجع إليه قائلاً ثانياً: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ﴾ [البقرة: من ٢٨] إلى آخرها، فأعاد الدليل على وجه أبين من الأول وأبسط، فلما تقرر على وجه لا مطعن فيه أمر الوحدانية والإعادة كان الأنسب ما أولاه من الآيات السابقة لما ذكر فيها من غير ذلك من المهمات، إلى أن صار إلى ذكر الكاتمين والتائبين والمصرين، وذكر ما أعد لكل من الجزاء؛ فأتبع ذلك هذه الآية عاطفاً لها على ما ذكرته على وجه أصرح مما تقدم في إثبات التوحيد؛ بياناً لما هو الحق، وإشارة إلى أنه تعالى ليس كملوك الدنيا الذين قد يحول بينهم وبين إثابة بعض الطائعين وعقوبة بعض العاصين بعض أتباعهم، فإنه واحد لا كفؤ له بل ولا مداني فلا مانع لنفوذ أمره. ولا يستنكر تجويز هذا العطف؛ لأنه جرت عادة البلغاء أن أحدهم إذا أراد إقامة الحج على شيء لأمر يرتبه عليه أن يبدأ بدليل كاف، ثم يتبعه تقريب الثمرات المجتناة منه، ثم يعود إلى تأكيده على وجه آخر؛ لتأنس به النفوس، وتسرّ به القلوب، وربما كان الدليل طويل الذيول كثير الشعب، فيشرح كل ما يحتاج إليه من ذيوله وما يستتبعه من شعبه، فإذا استوفى ذلك، ورأى أن الخصم لم يصل غلى غاية الإذعان؛ أعاد له الدليل على وجه آخر عاطفاً له على الوجوه الأول تذكيراً بما ليس بمستنكر ذلك في مجاري عاداتهم ومباني خطاباتهم؛ ومن تأمل مناظرات الباقلاني وأضرابه من أولي الحفظ الواسع والتبحر في العلم علم ذلك) (١). واستحسن ابن بدران قول البقاعي بقوله: (وهو تدقيق بديع، واستنباط حسن). ثم نبه إلى إشارة ألطف ذكرها الحرالي -الذي أفاد منه البقاعي-، فقال- ابن بدران-: وهنا إشارة ألطف أبداها صاحب كتاب الباب المقفل، حاصلها: أنه لما كان مضمون الكتاب دعوة الخلق إلى الحق، والتعريف بحق الحق على الخلق، وإظهار مزايا من اصطفاه الله تعالى ممن شملهم أصل الإيمان من ملائكته وأنبيائه ورسله ومن يلحق بهم من أهل ولايتهم، وإظهار شواهد ذلك منهم، و إقامة الحجة بذلك على من دونهم في إلزامهم أتباعهم، وكان الضار للخلق إنما هو الشتات؛ كان النافع لهم إنما هو الوحدة، فلما أظهر لهم تعالى مرجعهم إلى وحدة أبوة آدم ﵊ في جمع الذرية، ووحدة أبوة إبراهيم ﵊ في جمع الإسلام، ووحدة أحمدية محمد ﷺ في جمع الدين؛ فاتضح لهم عيب الشتات والتفرق وتحقق لهم شاهد النفع في الجمع إلى وحدات؛ كان ذلك آية على أعظم الانتفاع بالرجوع إلى وحدة الإلهية في أمر الحق، وفي إفهام ذلك وحدات ما يظن في ظاهر الوحدات الظاهرة من وحدة الروح، ووحدة النفس والعقل؛ فقال تعالى: - عطفاً على ما ظهر بناؤه من الوحدات الظاهرة وما أفاده إفهامها من الوحدات الباطنة- ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ فإذا قبح الشتات مع وحدة الأب الوالد، فكيف به مع وحدة أب الدّين، فكيف به مع وحدة النبي المكمل، فكيف به مع وحدة الإله الذي هو الرحمن الرحيم (٢).

стр. 173

ثم ختم ابن بدران كلامه بقوله: (هذا ولما اطلع البقاعي على هذه الإشارة، وزين بها كتابه، وأطال بها، أقدم على ما ذكره سابقا من العطف، وانفتح له ذلك الباب المقفل) (١). وممن تلمس مناسبة الآية لما قبلها: الآلوسي، قال: (والجملة -أي: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ - معطوفة على: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ﴾ عطف القصة على القصة. والجامع أن الأولى مسوقة لإثبات نبوته ﷺ ، وهذه لإثبات وحدانيته تعالى) (٢). وقال ابن عاشور: (والمناسبة أنه لما ذكر ما ينالهم على الشرك من اللعنة والخلود في النار بين أن الذين كفروا به وأشركوا هو إله واحد) (٣). وقال الهرري: (لما كان كفر معظم الكفار المستحقين اللعنة والخلود في النار؛ لاتخاذهم آلهة مع الله؛ أخبر تعالى أن الإله واحد لا يتعدد، ولا يتجزأ، ولا مثيل له في صفاته، وحصر الإلهية فيه) (٤). وما ذكروه جميعا مع ما ذكره الشوكاني جائز؛ إذ المناسبات لا تتزاحم كما أن النكات لا تتزاحم. لكن يضعف قولي الحرالي والبقاعي -والله أعلم- طول الفصل بين الآيات. أما ما ذكره ابن عاشور، والهرري فهو ظاهر؛ لظهور اتصال الآيتين ببعضيهما. والذي يظهر - والله أعلم- أن استنباط الشوكاني قريب؛ إذ هو منسجم مع سياق الآية وسباقها. لكن مع التنبه إلى أن الخطاب في قوله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ خطاب عام، ولا يصح اختصاصه بالكاتمين؛ فلا يفهم من وجود المناسبة بين آيتي ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ﴾ و ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ أن الخطاب في الثانية للكاتمين. قال الآلوسي: (وقيل: الخطاب للكاتمين -أي في قوله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ - وفيه انتقال عن زجرهم عما يعاملون رسولهم إلى زجرهم عن معاملتهم ربهم، حيث يكتمون وحدانيته ويقولون عزير وعيسى ابنا لله . وفيه أنه وإن حسن الانتظام إلا أن فيه خروج شأن النزول عن الآية وهو باطل) (٥).

стр. 174

١٩ - كل ما لم يرد فيه نص أو ظاهر من الأعيان الموجودة في الأرض فأصله الحل حتى يرد دليل يقتضي تحريمه (١). قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (١٦٨)﴾ البقرة: ١٦٨. قال الشوكاني ﵀: ( … وفي هذه الآية دليل على أن كل ما لم يرد فيه نص أو ظاهر (٢) من الأعيان الموجودة في الأرض فأصله الحل حتى يرد دليل يقتضي تحريمه. وأوضح دلالة على ذلك من هذه الآية قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩]) (٣). الدراسة: استنبط الشوكاني (٤) ﵀ أن كل ما لم يرد فيه نص أو ظاهر من الأعيان الموجودة في الأرض الحل حتى يرد دليل يقتضي تحريمه (٥). ووجه الاستنباط: أن الله تعالى ذكر في مقام الامتنان أنه أباح للناس أن يأكلوا مما في الأرض، في حال كونه حلالا من الله، طيبا أي: مستطابا في نفسه، غير ضار للأبدان ولا للعقول (٦)؛ فدل ذلك بدلالة الالتزام على أن الأصل الإباحة.

стр. 175

وممن قال بهذا الاستنباط: ابن عرفة، والقنوجي، والسعدي، والدوسري، وابن عثيمين. (١). وأشار ابن عاشور إلى أن في الآية ما يدل على أن الأصل في المنافع الحل، وفي المضار التحريم (٢). والقول بأن الأصل في المنافع الحل، وفي المضار التحريم لا يصادم القاعدة بل هو نوع تخصيص لها، باستثناء المضار منها (٣). وقد نبه الشوكاني إلى هذا التخصيص عند استنباطه من قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى … السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٩)﴾، فقال: (وفيه دليل على أن الأصل في الأشياء المخلوقة الإباحة، حتى يقوم دليل يدل على النقل عن هذا الأصل. ولا فرق بين الحيوانات وغيرها مما ينتفع به من غير ضرر) (٤). وهذه الآية استدل بها أيضا القائلون بأن الأصل في الأشياء على الحظر. ووجهه: أن الأشياء ملك لله تعالى، فلابد من إذنه فيما يتناول منها، وما عدا ما لم يأذن فيه يبقى على الحظر (٥). والقول بأن الأصل الإباحة -والله أعلم- أظهر؛ لأمور: الأول: أن كثيرا من أدلة الكتاب والسنة تؤيده (٦)، بل إن بعضها يكاد يكون نصا في هذه المسألة كحديث: "الحلال ما أحل الله في كتابه، والحرام ما حرَّم الله في كتابه، وما سكت عنه فهو ما عفا عنه" (٧)، وأشباهه مما لا تنهض معه أدلة القائلين بالحظر. الثاني: أن القول بالإباحة هو الذي يوافق مقاصد الشريعة في جانب شمول أحكامها لكل الحوادث والنوازل، فلا تخلو واقعة من حكم لله تعالى، ومتى ما استحضر الإنسان أدلة اكتمال الدين وإتمام النعمة، مع تفصيل المحرمات وحصرها من قبل الشارع؛ أدرك رجحان هذا القول بلا ريب (٨).

стр. 176

٢٠ - قبح التقليد وذم المقلدين (١). قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (١٧٠)﴾ البقرة: ١٧٠. قال الشوكاني ﵀: (وفي هذه الآية من الذم للمقلدين، والنداء بجهلهم الفاحش، واعتقادهم الفاسد ما لا يقادر قدره. ومثل هذه الآية قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (١٠٤)﴾ [المائدة: ١٠٤]. وفي ذلك دليل على قبح التقليد والمنع منه) (٢). الدراسة: استنبط الشوكاني ﵀ من الآية قبح التقليد والمنع منه، وذم المقلدين (٣). ووجه الاستنباط: أن الله ذم الكفار وأنكر عليهم امتناعهم من قبول الحق، وزهدهم في الإيمان بالأنبياء؛ لأجل تقليد آبائهم في ذلك؛ فكأنه نهاهم عن التقليد، وأمرهم بالتمسك بالحجة؛ فدل بمفهوم الموافقة على ذم المقلدين، والمنع من التقليد، وإبطاله. أو يمكن القول بأن وجه الاستنباط: أن الله تعالى ذم الكفار في تقليد آبائهم في دينهم؛ فدل ذلك بدلالة الاعتبار بقصص السابقين على إبطال التقليد (٤). قال الرازي: (إنما ذكر تعالى هذه الآية عقيب الزجر عن اتباع خطوات الشيطان؛ تنبيها على أنه لا فرق بين متابعة وساوس الشيطان وبين متابع التقليد. وفيه أقوى دليل على وجوب النظر والاستدلال، وترك التعويل على ما يقع في الخاطر من غير دليل، أو على ما يقوله الغير من غير دليل) (٥). فوجه استنباطه لمنع التقليد من المناسبة بين هذه الآية وما قبلها. وممن قال بإبطال التقليد: ابن عطية، وابن الفرس، والرازي، والبيضاوي، وأبو حيان، والطوفي، والسيوطي، والآلوسي، والقنوجي، وابن بدران. (٦).

стр. 177

وربما عني بعضهم بإبطال التقليد إبطاله في العقائد خصوصا، لأن عباراتهم غير واضحة في هذا، إلا من نص على ذلك كالطوفي بقوله: (واعلم أن هذه الآية وغيرها من الآيات الذامة للتقليد إنما دلت على امتناع التقليد في أحكام الأصول والمعتقدات، أما الفروع فلا) (١). وفي حكم التقليد في العقائد والأصول خلاف (٢)، لكن الأصح- والله أعلم- أنه يجوز ما دام الإيمان راسخا لا تردد فيه ولا شك. (٣). وقد نبه الشوكاني على أن المقصود هو حصول العلم حتى يصير ثابتا بحيث لا يتردد، وأن من أمعن النظر في أحوال العوام وجد في كثير منهم الإيمان في صدره كالجبال الرواسي (٤). فقال: (وقد كفى غالب الصحابة الذين لم يبلغوا درجة الاجتهاد ولا قاربوها الإيمان الجملي، ولم يكلفهم رسول الله ﷺ وهو بين أظهرهم- بمعرفة ذلك، ولا أخرجهم عن الإيمان بتقصيرهم عن البلوغ إلى العلم بذلك بأدلته) (٥). والتقليد في الحق عند القرطبي أصل من أصول الدين، قال: (تعلق قوم بهذه الآية في ذم التقليد لذم الله تعالى الكفار بإتباعهم لآبائهم في الباطل واقتدائهم بهم في الكفر والمعصية، وهذا في الباطل صحيح، أما التقليد في الحق فأصل من أصول الدين، وعصمة من عصم المسلمين، يلجأ إليها الجاهل المقصر عن درك النظر وأما جوازه في مسائل الفروع فصحيح) (٦).

стр. 178

ولا شك أن التقليد الذي جوزه القرطبي هو الموافق للكتاب والسنة؛ بدليل أنه جعله عصمة للمسلمين، وليس في كلام الشوكاني عن التقليد ما يخالف هذا، ولكن التقليد الذي هو عصمة يسميه الشوكاني الاتباع، فإنه فرَّق بين التقليد، والاتباع، فالتقليد الذي يقصده الشوكاني في كلامه هو ما يسميه غيره تقليدا مذموما، أما ما يسميه غيره بتقليد حسن أو جائز أو غير مذموم فإن الشوكاني يسميه الاتباع أي العمل بقول الغير مع معرفة دليله (١). قال الآلوسي: (وأما إتباع الغير في الدين بعد العلم بدليل ما إنه محق؛ فإتباع في الحقيقة لما أنزل الله تعالى وليس من التقليد المذموم في شيء) (٢). ورأى ابن عاشور أن هذه الآية ليس لها تعلق بأمر التقليد، فقال: (وليس لهذه الآية تعلق بأحكام الاجتهاد والتقليد؛ لأنها ذم للذين أبوا أن يتبعوا ما أنزل الله، فأما التقليد فهو تقليد للمتبعين ما أنزل الله) (٣). ومقصود الشوكاني ﵀ التحذير والتنبيه إلى أن التقليد بغير علم للدليل قد يفضي إلى مخالفة الكتاب والسنة كما حدث في عصره، فيكون التقليد الذي استنبط الشوكاني منعه وذمه هو كتقليد الكفار في تمسكهم بما عندهم دون دليل. ٢١ - مناسبة ذكر الرأفة بعد ذكره سبحانه البائعين أنفسهم ابتغاء مرضاته ؛ أنه أوجب عليهم ما أوجبه ليجازيهم ويثيبهم عليه فكان ذلك رأفة بهم (٤). قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (٢٠٧)﴾ البقرة: ٢٠٧. قال الشوكاني ﵀: (ووجه ذكر الرأفة هنا أنه أوجب عليهم ما أوجبه؛ ليجازيهم، ويثيبهم عليه، فكان ذلك رأفة بهم، ولطفا لهم) (٥).

стр. 179

الدراسة: استنبط الشوكاني ﵀ من الآية مناسبة ذكر الرأفة بعد ذكره سبحانه البائعين أنفسهم ابتغاء مرضاة الله، كالجهاد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونحوه، والمناسبة أنه أوجب عليهم ما أوجبه؛ ليجازيهم، ويثيبهم عليه، فكان ذلك رأفة بهم، ولطفا لهم. ووجه الاستنباط: أن الله تعالى ذكر صنفين من أصناف الناس، مذموم، وممدوح. فالأول: منافقون يُشهدون الله على ما في قلوبهم من محبة الرسول ﷺ أو الإسلام، وهم كاذبون شديدو الخصومة، يدل على ذلك أنهم يسعون في الأرض فسادا، وإذا ذُكِّروا بالله حملتهم العزة على الإثم. والصنف الثاني: موفقون يشرون أنفسهم، أي: يبيعونها ابتغاء مرضاة الله، كالجهاد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ثم ذكر الله تعالى بعد الصنف الثاني أنه رؤوف بالعباد؛ فدل ذكر الرأفة هنا بدلالة الربط بين الآية وخاتمتها على أنه أوجب عليهم ما أوجبه، ومدح المستجيبين لأوامره؛ لرأفته سبحانه تعالى بهم، فمن الرأفة أن يعرضهم للثواب، ويدلهم على طرق تحصيله، وإن كان فيه مشقة ظاهرة، لكن عواقبه إلى خير. ورأفته سبحانه كما تكون في التخفيف على العباد في حالة ضعفهم ونقص قوتهم؛ تكون في تغليظ الفرائض في حالة شدة قوتهم (١). وممن قال بهذا الاستنباط: البيضاوي، وأبو السعود، البروسوي، والقنوجي. (٢). وذكر ابن عاشور وجها آخر، فقال: ومناسبة هذا التذييل للجملة أن المخبر عنهم قد بذلوا أنفسهم لله، وجعلوا أنفسهم عبيده، فالله رءوف بهم كرأفة الإنسان بعبده، فإن كان (مَنْ) عاماً كما هو الظاهر في كل من بذل نفسه لله، فالمعنى: والله رءوف بهم، فعدل عن الإضمار إلى الإظهار؛ ليكون هذا التذييل بمنزلة المثل مستقلاً بنفسه وهو من لوازم التذييل، وليدل على أن سبب الرأفة بهم أنهم جعلوا أنفسهم عبادا له (٣). ونبه الشيخ الدوسري إلى وجه ثالث لمناسبة ذكر الرأفة هنا فقال: (وفي قوله تعالى: عدة فوائد واعتبارات: أحدها: أنه لا يلزم من بيع الإنسان نفسه ابتغاء مرضاة الله أن يحرم نفسه من ملذات الدنيا أو يهجرها، فهذا شيء مبتدع في الدين، مخالف لرأفة الله بعباده. ثانيها: أن من يبيع نفسه ابتغاء مرضاة الله لا يتهور حتى يلقي بنفسه في التهلكة، بل عليه أن يسلك الحكمة المطلوبة بتقدير الأمور مقاديرها، وتنزيلها منازلها اللائقة بها، إذ ليس المقصود من ذلك إهانة النفس وإذلالها، وإنما المراد أن يسلك بها مسالك العزة والكرامة.

стр. 180

ثالثها: بيع النفس ابتغاء مرضاة الله لا ينافي آية الدعاء السابقة بطلب الدنيا من الوجوه الحسنة شرعا) (١). وهذه المناسبات -والله أعلم- لا تتزاحم. وكلٌ ذكر ما فتح الله به عليه من أوجه المناسبة. ٢٢ - لا يبطل عمل من ارتد إلا إذا مات على الكفر (٢). قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢١٧)﴾ البقرة: ٢١٧. قال الشوكاني ﵀: (والتقييد بقوله: ﴿فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ﴾ يفيد أن عمل من ارتد إنما يبطل إذا مات على الكفر) (٣). الدراسة: استنبط الشوكاني ﵀ أن عمل من ارتد إنما يبطل إذا مات على الكفر. ووجه الاستنباط: أن الله تعالى قيَّد إحباط عمل المرتد بالموت؛ فدل مفهوم المخالفة-مفهوم الشرط- على أن عمل من ارتد إنما يبطل إذا مات على الكفر، وأنه لو رجع إلى الإسلام لم يبطل عمله. وممن قال بهذا الاستنباط: الرازي، وأبو حيان، وأبو السعود، والسيوطي، والقنوجي، والسعدي، والشنقيطي، وابن عثيمين. (٤). وخالف آخرون: منهم ابن العربي، والآلوسي. (٥). والأول قول الشافعي، والثاني قول مالك وأبي حنيفة (٦).
следующие страницы →