← Тафсир

Тафсир · id 750

استنباطات الشوكاني في تفسيره فتح القدير

خلود شاكر فهيد العبدلي

Полный текст (565 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

٢٠ - قبح التقليد وذم المقلدين (١). قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (١٧٠)﴾ البقرة: ١٧٠. قال الشوكاني ﵀: (وفي هذه الآية من الذم للمقلدين، والنداء بجهلهم الفاحش، واعتقادهم الفاسد ما لا يقادر قدره. ومثل هذه الآية قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (١٠٤)﴾ [المائدة: ١٠٤]. وفي ذلك دليل على قبح التقليد والمنع منه) (٢). الدراسة: استنبط الشوكاني ﵀ من الآية قبح التقليد والمنع منه، وذم المقلدين (٣). ووجه الاستنباط: أن الله ذم الكفار وأنكر عليهم امتناعهم من قبول الحق، وزهدهم في الإيمان بالأنبياء؛ لأجل تقليد آبائهم في ذلك؛ فكأنه نهاهم عن التقليد، وأمرهم بالتمسك بالحجة؛ فدل بمفهوم الموافقة على ذم المقلدين، والمنع من التقليد، وإبطاله. أو يمكن القول بأن وجه الاستنباط: أن الله تعالى ذم الكفار في تقليد آبائهم في دينهم؛ فدل ذلك بدلالة الاعتبار بقصص السابقين على إبطال التقليد (٤). قال الرازي: (إنما ذكر تعالى هذه الآية عقيب الزجر عن اتباع خطوات الشيطان؛ تنبيها على أنه لا فرق بين متابعة وساوس الشيطان وبين متابع التقليد. وفيه أقوى دليل على وجوب النظر والاستدلال، وترك التعويل على ما يقع في الخاطر من غير دليل، أو على ما يقوله الغير من غير دليل) (٥). فوجه استنباطه لمنع التقليد من المناسبة بين هذه الآية وما قبلها. وممن قال بإبطال التقليد: ابن عطية، وابن الفرس، والرازي، والبيضاوي، وأبو حيان، والطوفي، والسيوطي، والآلوسي، والقنوجي، وابن بدران. (٦).

стр. 177

وربما عني بعضهم بإبطال التقليد إبطاله في العقائد خصوصا، لأن عباراتهم غير واضحة في هذا، إلا من نص على ذلك كالطوفي بقوله: (واعلم أن هذه الآية وغيرها من الآيات الذامة للتقليد إنما دلت على امتناع التقليد في أحكام الأصول والمعتقدات، أما الفروع فلا) (١). وفي حكم التقليد في العقائد والأصول خلاف (٢)، لكن الأصح- والله أعلم- أنه يجوز ما دام الإيمان راسخا لا تردد فيه ولا شك. (٣). وقد نبه الشوكاني على أن المقصود هو حصول العلم حتى يصير ثابتا بحيث لا يتردد، وأن من أمعن النظر في أحوال العوام وجد في كثير منهم الإيمان في صدره كالجبال الرواسي (٤). فقال: (وقد كفى غالب الصحابة الذين لم يبلغوا درجة الاجتهاد ولا قاربوها الإيمان الجملي، ولم يكلفهم رسول الله ﷺ وهو بين أظهرهم- بمعرفة ذلك، ولا أخرجهم عن الإيمان بتقصيرهم عن البلوغ إلى العلم بذلك بأدلته) (٥). والتقليد في الحق عند القرطبي أصل من أصول الدين، قال: (تعلق قوم بهذه الآية في ذم التقليد لذم الله تعالى الكفار بإتباعهم لآبائهم في الباطل واقتدائهم بهم في الكفر والمعصية، وهذا في الباطل صحيح، أما التقليد في الحق فأصل من أصول الدين، وعصمة من عصم المسلمين، يلجأ إليها الجاهل المقصر عن درك النظر وأما جوازه في مسائل الفروع فصحيح) (٦).

стр. 178

ولا شك أن التقليد الذي جوزه القرطبي هو الموافق للكتاب والسنة؛ بدليل أنه جعله عصمة للمسلمين، وليس في كلام الشوكاني عن التقليد ما يخالف هذا، ولكن التقليد الذي هو عصمة يسميه الشوكاني الاتباع، فإنه فرَّق بين التقليد، والاتباع، فالتقليد الذي يقصده الشوكاني في كلامه هو ما يسميه غيره تقليدا مذموما، أما ما يسميه غيره بتقليد حسن أو جائز أو غير مذموم فإن الشوكاني يسميه الاتباع أي العمل بقول الغير مع معرفة دليله (١). قال الآلوسي: (وأما إتباع الغير في الدين بعد العلم بدليل ما إنه محق؛ فإتباع في الحقيقة لما أنزل الله تعالى وليس من التقليد المذموم في شيء) (٢). ورأى ابن عاشور أن هذه الآية ليس لها تعلق بأمر التقليد، فقال: (وليس لهذه الآية تعلق بأحكام الاجتهاد والتقليد؛ لأنها ذم للذين أبوا أن يتبعوا ما أنزل الله، فأما التقليد فهو تقليد للمتبعين ما أنزل الله) (٣). ومقصود الشوكاني ﵀ التحذير والتنبيه إلى أن التقليد بغير علم للدليل قد يفضي إلى مخالفة الكتاب والسنة كما حدث في عصره، فيكون التقليد الذي استنبط الشوكاني منعه وذمه هو كتقليد الكفار في تمسكهم بما عندهم دون دليل. ٢١ - مناسبة ذكر الرأفة بعد ذكره سبحانه البائعين أنفسهم ابتغاء مرضاته ؛ أنه أوجب عليهم ما أوجبه ليجازيهم ويثيبهم عليه فكان ذلك رأفة بهم (٤). قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (٢٠٧)﴾ البقرة: ٢٠٧. قال الشوكاني ﵀: (ووجه ذكر الرأفة هنا أنه أوجب عليهم ما أوجبه؛ ليجازيهم، ويثيبهم عليه، فكان ذلك رأفة بهم، ولطفا لهم) (٥).

стр. 179

الدراسة: استنبط الشوكاني ﵀ من الآية مناسبة ذكر الرأفة بعد ذكره سبحانه البائعين أنفسهم ابتغاء مرضاة الله، كالجهاد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونحوه، والمناسبة أنه أوجب عليهم ما أوجبه؛ ليجازيهم، ويثيبهم عليه، فكان ذلك رأفة بهم، ولطفا لهم. ووجه الاستنباط: أن الله تعالى ذكر صنفين من أصناف الناس، مذموم، وممدوح. فالأول: منافقون يُشهدون الله على ما في قلوبهم من محبة الرسول ﷺ أو الإسلام، وهم كاذبون شديدو الخصومة، يدل على ذلك أنهم يسعون في الأرض فسادا، وإذا ذُكِّروا بالله حملتهم العزة على الإثم. والصنف الثاني: موفقون يشرون أنفسهم، أي: يبيعونها ابتغاء مرضاة الله، كالجهاد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ثم ذكر الله تعالى بعد الصنف الثاني أنه رؤوف بالعباد؛ فدل ذكر الرأفة هنا بدلالة الربط بين الآية وخاتمتها على أنه أوجب عليهم ما أوجبه، ومدح المستجيبين لأوامره؛ لرأفته سبحانه تعالى بهم، فمن الرأفة أن يعرضهم للثواب، ويدلهم على طرق تحصيله، وإن كان فيه مشقة ظاهرة، لكن عواقبه إلى خير. ورأفته سبحانه كما تكون في التخفيف على العباد في حالة ضعفهم ونقص قوتهم؛ تكون في تغليظ الفرائض في حالة شدة قوتهم (١). وممن قال بهذا الاستنباط: البيضاوي، وأبو السعود، البروسوي، والقنوجي. (٢). وذكر ابن عاشور وجها آخر، فقال: ومناسبة هذا التذييل للجملة أن المخبر عنهم قد بذلوا أنفسهم لله، وجعلوا أنفسهم عبيده، فالله رءوف بهم كرأفة الإنسان بعبده، فإن كان (مَنْ) عاماً كما هو الظاهر في كل من بذل نفسه لله، فالمعنى: والله رءوف بهم، فعدل عن الإضمار إلى الإظهار؛ ليكون هذا التذييل بمنزلة المثل مستقلاً بنفسه وهو من لوازم التذييل، وليدل على أن سبب الرأفة بهم أنهم جعلوا أنفسهم عبادا له (٣). ونبه الشيخ الدوسري إلى وجه ثالث لمناسبة ذكر الرأفة هنا فقال: (وفي قوله تعالى: عدة فوائد واعتبارات: أحدها: أنه لا يلزم من بيع الإنسان نفسه ابتغاء مرضاة الله أن يحرم نفسه من ملذات الدنيا أو يهجرها، فهذا شيء مبتدع في الدين، مخالف لرأفة الله بعباده. ثانيها: أن من يبيع نفسه ابتغاء مرضاة الله لا يتهور حتى يلقي بنفسه في التهلكة، بل عليه أن يسلك الحكمة المطلوبة بتقدير الأمور مقاديرها، وتنزيلها منازلها اللائقة بها، إذ ليس المقصود من ذلك إهانة النفس وإذلالها، وإنما المراد أن يسلك بها مسالك العزة والكرامة.

стр. 180

ثالثها: بيع النفس ابتغاء مرضاة الله لا ينافي آية الدعاء السابقة بطلب الدنيا من الوجوه الحسنة شرعا) (١). وهذه المناسبات -والله أعلم- لا تتزاحم. وكلٌ ذكر ما فتح الله به عليه من أوجه المناسبة. ٢٢ - لا يبطل عمل من ارتد إلا إذا مات على الكفر (٢). قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢١٧)﴾ البقرة: ٢١٧. قال الشوكاني ﵀: (والتقييد بقوله: ﴿فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ﴾ يفيد أن عمل من ارتد إنما يبطل إذا مات على الكفر) (٣). الدراسة: استنبط الشوكاني ﵀ أن عمل من ارتد إنما يبطل إذا مات على الكفر. ووجه الاستنباط: أن الله تعالى قيَّد إحباط عمل المرتد بالموت؛ فدل مفهوم المخالفة-مفهوم الشرط- على أن عمل من ارتد إنما يبطل إذا مات على الكفر، وأنه لو رجع إلى الإسلام لم يبطل عمله. وممن قال بهذا الاستنباط: الرازي، وأبو حيان، وأبو السعود، والسيوطي، والقنوجي، والسعدي، والشنقيطي، وابن عثيمين. (٤). وخالف آخرون: منهم ابن العربي، والآلوسي. (٥). والأول قول الشافعي، والثاني قول مالك وأبي حنيفة (٦).

стр. 181

قال ابن العربي-مبينا دليل كل منهما-: (اختلف العلماء رحمة الله عليهم في المرتد هل يحبط عمله نفس الردة أم لا يحبط إلا على الموافاة على الكفر. فقال الشافعي: لا يحبط له عمل إلا بالموافاة كافرا. وقال مالك: يحبط بنفس الردة. ويظهر الخلاف في المسلم إذا حج ثم ارتد، ثم أسلم، فقال مالك: يلزمه الحج؛ لأن الأول قد حبط بالردة، وقال الشافعي: لا إعادة عليه؛ لأن عمله باق. واستظهر عليه علماؤنا -المالكية- بقول الله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ (١) [الزمر: من الآية ٦٥]، وقالوا: هو خطاب للنبي ﷺ والمراد به أمته؛ لأنه ﷺ يستحيل منه الردة شرعا. وقال أصحاب الشافعي: بل هو خطاب للنبي ﷺ على طريق التغليظ على الأمة، وبيان أن النبي ﷺ على شرف منزلته لو أشرك لحبط عمله فكيف أنتم؟، لكنه لا يشرك؛ لفضل مرتبته كما قال الله تعالى: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ (٢) [الأحزاب: من الآية ٣٠]؛ وذلك لشرف منزلتهن وإلا فلا يتصور إتيان فاحشة منهن؛ صيانة لصاحبهن المكرم المعظم). إلى أن قال: (وقال علماؤنا: إنما ذكر الموافاة شرطا هاهنا؛ لأنه علق عليها الخلود في النار جزاء، فمن وافى كافرا؛ خلده الله في النار بهذه الآية ومن أشرك حبط عمله بالآية الأخرى، فهما آيتان مفيدتان لمعنيين مختلفين، وحكمين متغايرين. وما خوطب به النبي ﷺ فهو لأمته حتى يثبت اختصاصه به، وما ورد في أزواجه ﷺ فإنما قيل ذلك فيهن؛ ليبين أنه لو تصور؛ لكان هتكا لحرمة الدين، وحرمة النبي ﷺ ، ولكل هتك حرمة عقاب، وينزَّل ذلك منزلة من عصى في شهر حرام، أو في البلد الحرام، أو في المسجد الحرام، فإن العذاب يضاعف عليه بعدد ما هتك من الحرمات) (٣).

стр. 182

ولكل قول دليله المعتبر، لكن ما استنبطه الشوكاني ومن قال بقوله أظهر- والله أعلم- لأمرين: الأول: لوجوب حمل المطلق في قوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ على المقيد وهو قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢١٧)﴾ (١). قال الشنقيطي: (قول الشافعي ومن وافقه في هذه المسألة أجري على الأصول؛ لوجوب حمل المطلق على المقيد ولا سيما إذا اتحد الحكم والسبب كما هنا) (٢). الثاني: لأن القول بهذا الاستنباط فيه ترغيب في الرجوع إلى الإسلام بعد الارتداد (٣). ٢٣ - لا يعلم أحد في هذه الدنيا أنه صائر إلى الجنة ولو بلغ في طاعة الله كل مبلغ (٤). قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢١٨)﴾ البقرة: ٢١٨. قال الشوكاني ﵀: (وقوله: ﴿يَرْجُونَ﴾ معناه يطمعون، وإنما قال: يرجون بعد تلك الأوصاف المادحة التي وصفهم بها؛ لأنه لا يعلم أحد في هذه الدنيا أنه صائر إلى الجنة ولو بلغ في طاعة الله كل مبلغ) (٥). الدراسة: استنبط الشوكاني (٦) ﵀ أنه لا يعلم أحد في هذه الدنيا أنه صائر إلى الجنة ولو بلغ في طاعة الله كل مبلغ.

стр. 183

ووجه الاستنباط: أن الله وصف المؤمنين بصفات عالية هي: الإيمان، والهجرة، والجهاد في سبيل الله، ثم ذكر حالهم بلفظ ﴿يَرْجُونَ﴾ أي يطمعون ويترقبون رحمة الله؛ إذ رحمته تفضل منه، وهم وإن كانوا عالي الرتبة، عظيمي الزلفة إلا أنهم يطمعون في رحمة الله، غير قاطعين بذلك، علماً منهم أن له أن يفعل ما يشاء؛ لأنه الملك الأعظم فلا كفء له، وهم غير قاطعين بموتهم محسنين، قاطعون بأنه لو أخذهم بما يعلم من ذنوبهم عذبهم؛ فدل ذلك على أنه لا يعلم أحد في هذه الدنيا أنه صائر إلى الجنة ولو أطاع أقصى طاعة. فجاءت الآية لتعليم العباد -ولو بلغوا من العبادة الغاية القصوى- أن يكونوا على الرجاء الممتزج بالخوف؛ لأمرين: أحدهما: لا يدري بما يختم له، والثاني: لئلا يتكل على عمله. (١). والذي دل على هذا المعنى مناسبة لفظ ﴿يَرْجُونَ﴾. والمعنى الذي استنبطه الشوكاني من هذه الآية دل عليه الكتاب والسنة، قال تعالى: … ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (٦٠)﴾ [المؤمنون: ٦٠]. فعن عائشة ﵂ قالت: يا رسول الله في هذه الآية ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (٦٠)﴾ يا رسول الله هو الذي يسرق، ويزني، ويشرب الخمر، وهو يخاف الله؟ قال: لا يا بنت أبي بكر، يا بنت الصديق، ولكنه الذي يصلي، ويصوم، ويتصدق، وهو يخاف الله عز جل" (٢). وقال رسول الله ﷺ : "لن ينجي أحدا منكم عمله، قال رجل: ولا إياك يا رسول الله؟ قال: ولا إياي إلا أن يتغمدني الله منه برحمة، ولكن سددوا" (٣).

стр. 184

وممن قال بهذا الاستنباط: القرطبي، وأبو حيان، والبقاعي، والسيوطي، وأبو السعود. (١). واستنباط الشوكاني لهذا المعنى من هذه الآية دقيق. كما استنبط معنى قريبا منه من قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١٠٧)﴾ [آل عمران: ١٠٧] فقال: "قوله: ﴿فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ أي: في جنته ودار كرامته، عبر عن ذلك بالرحمة إشارة إلى أن العمل لا يستقل بدخول صاحبه الجنة، بل لا بد من الرحمة" (٢). ٢٤ - تفضيل الحرة المؤمنة على الحرة المشركة (٣). قال تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٢١)﴾ البقرة: ٢٢١. قال الشوكاني ﵀: (قوله: ﴿وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ﴾ أي: ولرقيقة مؤمنة. وقيل: المراد بالأمة الحرة؛ لأن الناس كلهم عبيد الله وإماؤه. والأول أولى لما سيأتي (٤)؛ لأنه الظاهر من اللفظ، ولأنه أبلغ، فإن تفضيل الأمة الرقيقة المؤمنة على الحرة المشركة؛ يستفاد منه تفضيل الحرة المؤمنة على الحرة المشركة بالأولى) (٥).

стр. 185

الدراسة: استنبط الشوكاني (١) ﵀ من الآية تفضيل الحرة المؤمنة على الحرة المشركة. ووجه الاستنباط: أن في الآية تفضيل الأمة الرقيقة المؤمنة على الحرة المشركة، فيستنبط بدلالة مفهوم الموافقة - مفهوم الأولى- تفضيل الحرة المؤمنة على الحرة المشركة. إذ الأمة هنا هي المملوكة، والمشركة الحرة؛ بقرينة المقابلة بقوله: ﴿وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ﴾ فالكلام وارد مورد التناهي في تفضيل أقل أفراد هذا الصنف على أتم أفراد الصنف الآخر (٢). وتفضيل الأمة المؤمنة على الحرة المشركة أبلغ في الدلالة على تفضيل الحرة المؤمنة على الحرة المشركة إذ فيه الدلالة على تمايز الناس وتفاوت مراتبهم اعتبارا بالإيمان، فالمؤمنة مقدمة ولو كانت أمة رقيقة؛ لأن نفع الإيمان أمر ديني يرجع إلى الآخرة الباقية، فهي خير من الحرة المشركة لأن نفع نسبها ومالها وجمالها يرجع إلى الدنيا الدنية الفانية. وإنما ترك ذكر الحرة المؤمنة إعلاما بأن خيريتها أمر مقطوع به لا كلام فيه. (٣).

стр. 186

قال البقاعي: (وأفهم هذا خيرية الحرة والحر المؤمنين من باب الأولى، مع التشريف العظيم لهما بترك ذكرهما إعلاما بأن خيريتهما أمر مقطوع به لا كلام فيه، وأن المفاضلة إنما هي بين من كانوا يعدُّونَه دَنِيَّا فشرفه الإيمان، ومن يعدُّونَه شريفا فحقره الكفران، وكذلك ذكر الموصوف بالإيمان في الموضعين ليدل على أنه وإن كان دَنِيَّا موضع التفضيل لعلو وصفه، وأثبت الوصف بالشرك في الموضعين مقتصراً عليه؛ لأنه موضع التحقير وإن علا في العرف موصوفه) (١). وهذا الاستنباط مبني على تفسير الأمة في الآية بالرقيقة (٢) - وهو ما رجحه الشوكاني- فيكون تفضيل الحرة المؤمنة على الحرة المشركة استنباطا على هذا، أما عند من فسر الأمة بمطلق المرأة حرة كانت أو مملوكة (٣) فقد يكون تفضيل الحرة المؤمنة على الحرة المشركة تفسيرا لا استنباطا؛ لأنه معنى ظاهر من الآية. ويظهر أن ما رجحه الشوكاني- والله أعلم- هو الأولى؛ لأمور: الأول: أنه مؤيد بسبب النزول إذ نزلت في عبد الله بن رواحة ﵁، وكانت له أمة سوداء، وأنه غضب عليها فلطمها، ثم إنه فزع، فأتى النبي ﷺ فأخبره خبرها، فقال النبي ﷺ له: ما هي يا عبد الله؟ قال: تصوم، وتصلي، وتحسن الوضوء، وتشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، فقال: يا عبد الله هذه مؤمنة، فقال عبد الله: فوالذي بعثك بالحق لأعتقنها، ولأتزوجنها، ففعل، فطعن عليه ناس من المسلمين، وقالوا: نكح أمة، وكانوا يريدون أن ينكحوا إلى المشركين، وينكحوهم؛ رغبة في أحسابهم، فأنزل الله فيهم ﴿وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ﴾ (٤). قال الآلوسي: (والظاهر أن المراد بالأمة ما يقابل الحرة، وسبب النزول يؤيد ذلك؛ لأن العيب على من تزوج الأمة، والترغيب في نكاح حرة مشركة، ففي الآية تفضيل الأمة المؤمنة عل المشركة مطلقا ولو حرة، ويعلم منه تفضيل الحرة عليها بالطريق الأولي).

стр. 187

الثاني: تقدم في قوله: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ بيان أن المشركة دون المؤمنة، فيكون تفسير الأمة بالحرة تكرارا، والتأسيس أولى من التأكيد. الثالث: لم يرد في كلام العرب إطلاق الأمة على مطلق المرأة إلا مقيدا بالإضافة إلى اسم الجلالة في قولهم: يا أمة الله. قال ابن عاشور: ووقع في الكشاف (١) حمل الأمة على مطلق المرأة، لأن الناس كلهم إماء الله وعبيده، وهذا باطل من جهة المعنى، ومن جهة اللفظ، أما المعنى فلأنه يصير تكرارا مع قوله: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ إذ قد علم الناس أن المشركة دون المؤمنة، وبقيت المقصود من التنبيه على شرف أقل أفراد أحد الصنفين على أشرف أفراد الصنف الآخر. وأما من جهة اللفظ؛ فلأنه لم يرد في كلام العرب إطلاق الأمة على مطلق المرأة، ولا إطلاق العبد على الرجل إلا مقيدين بالإضافة إلى اسم الجلالة في قولهم: يا عبد الله، ويا أمة الله، وكون الناس إماء الله وعبيده إنما هو نظر للحقائق لا للاستعمال، فكيف يُخَرَّج القرآن عليه (٢). وممن قال بهذا الاستنباط: البقاعي، والآلوسي، والقنوجي، وابن عاشور. (٣). … ٢٥ - في معاشرة المشركين ومصاحبتهم من الخطر العظيم ما لا يجوز للمؤمنين أن يتعرضوا له (٤). قال تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٢١)﴾ البقرة: ٢٢١. قال الشوكاني ﵀: (﴿يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ أي إلى الأعمال الموجبة للنار؛ فكان في مصاهرتهم ومعاشرتهم ومصاحبتهم من الخطر العظيم ما لا يجوز للمؤمنين أن يتعرضوا له ويدخلوا فيه) (٥).

стр. 188

الدراسة: استنبط الشوكاني ﵀ من الآية عدم جواز معاشرة المشركين ومصاحبتهم؛ لأن في ذلك من الخطر العظيم ما لا يجوز للمؤمنين أن يتعرضوا له، ويدخلوا فيه. ووجه الاستنباط: أن الله حرم مصاهرة المشركين غير أهل الكتاب مع ما قد يكون فيه من مصالح؛ فدل ذلك بدلالة مفهوم الموافقة -الأولي- عدم جواز معاشرتهم ومصاحبتهم؛ لأن مخالطة أهل الشرك مظنة الفساد. قال السعدي: (ويستفاد من تعليل الآية النهي عن مخالطة كل مشرك ومبتدع؛ لأنه إذا لم يجز التزوج مع أن فيه مصالح كثيرة، فالخلطة المجردة من باب أولى، وخصوصا الخلطة التي فيها ارتفاع المشرك ونحوه على المسلم كالخدمة ونحوها) (١). وممن قال بهذا الاستنباط: القرطبي، والبقاعي، والقنوجي، والسعدي. (٢). ٢٦ - إذا لم يحصل للزوجين الظن بإقامة حدود الله فلا يجوز الدخول في النكاح لأنه مظنة لمعصية لله والوقوع فيما حرمه الله على الزوجين (٣). قال تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٢٣٠)﴾ البقرة: ٢٣٠. قال الشوكاني ﵀: (قوله: ﴿إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ أي: حقوق الزوجية الواجبة لكل منهما على الآخر. وأما إذا لم يحصل ظن ذلك، بأن يعلما، أو أحدهما عدم الإقامة لحدود الله، أو ترددا، أو أحدهما، ولم يحصل لهما الظن؛ فلا يجوز الدخول في هذا النكاح؛ لأنه مظنة للمعصية لله، والوقوع فيما حرمه على الزوجين) (٤). الدراسة: استنبط الشوكاني (٥) ﵀ من الآية أنه لا يجوز للمرأة ومطلقها الأول-بعد طلاقها من الزوج الثاني- الرجعة إذا لم يحصل لهما الظن بإقامة حدود الله، بأن يعلما، أو أحدهما عدم الإقامة لحدود الله، أو ترددا، أو تردد أحدهما؛ فلا يجوز الدخول في هذا النكاح؛ لأنه مظنة للمعصية لله، والوقوع فيما حرمه الله على الزوجين.

стр. 189

ووجه الاستنباط: أن الله أباح لهما الرجعة بشرط أن يظنا إقامة حدود الله التي هي أمره ونهيه في الحقوق الزوجية؛ فيستنبط بمفهوم المخالفة -مفهوم الشرط- أن من لم يحقق الشرط؛ فلا تحل له الرجعة، بل وعليهما جناح إن غلب على ظنهما ألا يقيما حدود الله. قال السعدي: (ومفهوم الآية الكريمة أنهما إن لم يظنا أن يقيما حدود الله بأن غلب على ظنهما أن الحال السابقة باقية، والعشرة السيئة غير زائلة، أن عليهما في ذلك جناحا؛ لأن جميع الأمور إن لم يقم فيها أمر الله ويسلك بها طاعته لم يحل الإقدام عليها) (١). وممن قال بهذا الاستنباط: القرطبي، والطوفي، وأبو حيان، والقنوجي، والسعدي، وابن عثيمين، والهرري. (٢). وخالف الرازي فجوز الرجعة بدون هذا الظن، إذ لم يجعله شرطا، وجعله من باب حث الزوجين وحضهما على إقامة حدود الله، قال: كلمة إن في اللغة للشرط، والمعلق بالشرط عدم عند عدم الشرط، فظاهر الآية يقتضي أنه متى لم يحصل هذا الظن لم يحصل جواز المراجعة، لكن ليس الأمر كذلك، فإن جواز المراجعة ثابت سواء حصل هذا الظن أو لم يحصل، إلا أنا نقول ليس المراد أن هذا شرط لصحة المراجعة، بل المراد منه أنه يلزمهم عند المراجعة بالنكاح الجديد رعاية حقوق الله تعالى وقصد الإقامة لحدود الله (٣). وقال في موضع آخر: والمعلق بإن على الشيء لا يلزم أن يكون عدما عند عدم ذلك الشيء، ويدل عليه آيات منها … قوله: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ والمراجعة جائزة بدون هذا الظن (٤). وقول الشوكاني، ومن معه أظهر-والله أعلم- لأنه ظاهر الآية، ولأن جعل ظنهما إقامة حدود الله شرطا أبلغ في زجر النفوس المتنازعة التي استوفت مرات الطلاق كلها، حتى بانت المرأة، وحرمت على زوجها، إلا بالزواج من آخر وطلاقها منه. ففي اشتراط هذا الشرط ما يستقيم به حال الزوجين، وتستقر معه الحياة الزوجية، وبغيره لا يكون إلا إعادة الخصومات (٥)، والرجوع إلى الحال الأولى من الاختلاف، والشقاق.

стр. 190

قال الشيخ ابن عثيمين: لا يجوز أن يتراجع الزوجان حتى يغلب على ظنهما أن يقيما حدود الله، وجه ذلك: أنهما إن تراجعا بغير هذا الشرط صار هذا العقد عبئا، وعناء، وتعبا، وخسارة مالية،؛ لأنهما لا يضمنان أن يرجعا إلى الحال الأولى (١). ٢٧ - مدة تمام الرضاع حولين حقيقة، لا تقريباً (٢). قال تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٣٣)﴾ البقرة: ٢٣٣. قال الشوكاني ﵀: (وقوله: ﴿كَامِلَيْنِ﴾ تأكيد للدلالة على أن هذا التقدير لا تقريبي) (٣). الدراسة: استنبط الشوكاني (٤) أن مدة تمام الرضاع حولين حقيقة، لا تقريبا. ووجه الاستنباط: أن الله تعالى بيَّن أن مدة الرضاع حولين، ثم أعقبها بقوله: ﴿كَامِلَيْنِ﴾؛ فدل ذكره كاملين بعد الحولين -مع أن فيها مستغنى عن ذكر الكاملين- بدلالة التأكيد على أن المراد بالحولين حقيقة، لا تقريباً. وجاء التأكيد لرفع توهم أن يكون المراد حولا وبعض الثاني؛ لأن إطلاق التثنية والجمع في الأزمان والأسنان على بعض المدلول إطلاق شائع عند العرب، فيقولون: هو ابن سنتين ويريدون سنة وبعض الثانية. (٥). ومنه قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٠٣)﴾ [البقرة: ٢٠٣] ومعلوم أن المتعجل إنما يتعجل في يوم ونصف. (٦).

стр. 191

وفائدة التأكيد على الحولين في مدة الرضاع بالتحقيق لا التقريب؛ إعلام بالوقت المقيد للتحريم، وقطع لتنازع الزوجين في مدة الرضاع، فتكون هذه المدة حدا عند اختلاف الزوجين في مدة الرضاع، فمن دعا منهما إلى إكمال الحولين فذلك له (١). وممن قال باستنباط الشوكاني: الطبري، والزجاج، والسمرقندي (٢)، وابن عطية، والرازي، والقرطبي، وابن جزي، وأبو حيان، والبقاعي، والسيوطي، والسعدي. (٣). وذكر البغوي (٤) وجها آخر لذكر كاملين، فقال: وذكر الكمال للتأكيد كقوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا … رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ [البقرة: من الآية ١٩٦] وقيل: إنما قال كاملين لأن العرب قد تسمي بعض الحول حولا وبعض الشهر شهرا (٥). فجعل البغوي التوكيد بكاملين من باب توكيد مالا يُوهم، وأنه مثل التوكيد في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا … رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾.

стр. 192

ولكن الأظهر -والله أعلم- أن يكون التوكيد كما ذكره الشوكاني، ومن قال بقوله؛ لأن لفظ الحولين موهم، إذ يدل على تمامهما كما يدل على ما دونهما. أما قوله تعالى: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ فإنه لا يوهم، فالتوكيد فيه توكيد للكلام كما يقول القائل: سمعته بأذني، ورأيته بعيني (١)، وليس الأمر كذلك في التأكيد بكاملين. والتأكيد بكاملة إنما جاء لغرض الاهتمام، فجاءت كاملة صفة مؤكدة لعشرة؛ فإن الوصف قد يكون للتأكيد إذا أفاد الموصوف معنى ذلك الوصف نحو إلهين اثنين، والتأكيد إنما يصار إليه إذا كان الحكم المؤكد مما يهتم بشأنه، والمحافظة عليه، والمؤكد ههنا رعاية هذا العدد في الصوم، أكده لبيان أن رعايته من المهمات التي لا يجوز إهمالها البتة (٢). أو أن قوله تعالى: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ دل على الأمر وإن كان مخرج الكلام مخرج الخبر، والمعنى: تلك عشرة أيام فأكملوا صومها لا تقصروا عنها؛ لأنه فرض عليكم صومها (٣). بينما كاملين في مدة الرضاع هي لبيان حد الرضاع، ولا يلزم إتمام الحولين؛ بدليل قوله تعالى: ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ وليس الإتمام حتما بل هو التمام، ويجوز الاقتصار على ما دونه (٤). ٢٨ - لا تجب المتعة للمطلقة بعد التسمية وقبل الدخول (٥). قال تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٣٧)﴾ البقرة: ٢٣٧.

стр. 193

قال الشوكاني ﵀: (قوله: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ … الآية. فيه دليل على أن المتعة لا تجب لهذه المطلقة؛ لوقوعها في مقابلة المطلقة قبل البناء والفرض التي تستحق المتعة) (١). الدراسة: استنبط الشوكاني (٢) أن المتعة لا تجب للمطلقة بعد التسمية وقبل الدخول. ووجه الاستنباط: أن الله ذكر المطلقة بعد التسمية وقبل الدخول عقب المطلقة قبل الدخول وقبل التسمية وهو قوله تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ … قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ … (٢٣٦)﴾ [البقرة: ٢٣٦]؛ فأوجب لها نصف المفروض لها من المهر، ولم يأمر لها بالمتاع، فدل بدلالة مفهوم التقسيم أن المتعة لا تجب لها (أي: للمطلقة -قبل البناء- المفروض لها). قال البيضاوي: (﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ أي: فلهن، أو فالواجب نصف ما فرضتم لهن. وهو دليل على أن الجناح المنفي تبعة المهر (٣)، وأن لا متعة مع التشطير؛ لأنه قسيمها) (٤). ويمكن أيضا أن يقال بعدم وجوب المتعة بدلالة عدم الذكر؛ لأن الله تعالى أوجب في حقها نصف المهر ولم يذكر المتعة، ولو كانت واجبة لذكرها، فلما لم يذكرها لم تكن واجبة.

стр. 194

وممن قال بهذا الاستنباط: الجصاص، وابن العربي، البيضاوي، وابن جزي، وابن كثير، وابن عادل الحنبلي، والشربيني، وابن عاشور. (١). وممن خالف في ذلك: الطبري؛ إذ رجح أن لكل مطلقة متعة بدليل عموم قوله تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (٢٤١)﴾ [البقرة: ٢٤١] فقال: والذي هو أولى بالصواب من القول في ذلك عندي قول من قال: لكل مطلقة متعة؛ لأن الله تعالى ذكره قال: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (٢٤١)﴾ فجعل الله تعالى ذكره ذلك لكل مطلقة، ولم يخصص منهن بعضا دون بعض، فليس لأحد إحالة ظاهر تنزيل عام إلى باطن خاص إلا بحجة يجب التسليم لها. فإن قال قائل: فإن الله - تعالى ذكره- قد خصص المطلقة قبل المسيس إذا كان مفروضا لها بقوله: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ إذ لم يجعل لها غير النصف الفريضة، قيل: إن الله تعالى ذكره إذا دل على وجوب شيء في بعض تنزيله؛ ففي دلالته على وجوبه في الموضع الذي دل عليه الكفاية عن تكريره حتى يدل على بطول فرضه، وقد دل بقوله: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ على وجوب المتعة لكل مطلقة، فلا حاجة بالعباد إلى تكرير ذلك في كل آية وسورة، وليس في دلالته على أن للمطلقة قبل المسيس المفروض لها الصداق نصف ما فرض لها دلالة على بطول المتعة عنه؛ لأنه غير مستحيل في الكلام لو قيل: وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم والمتعة، فلما لم يكن ذلك محالا في الكلام؛ كان معلوما أن نصف الفريضة إذا وجب لها لم يكن في وجوبه لها نفي عن حقها من المتعة (٢). وذكر الشنقيطي دليلا آخر على أن لها المتعة مع نصف المهر، فقال: وقد ذكر تعالى في موضع آخر ما يدل على الأمر بالمتعة للمطلقة قبل الدخول وإن كان مفروضا لها، وذلك في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (٤٩)﴾ [الأحزاب: ٤٩]؛ لأن ظاهر عمومها يشمل المفروض لها الصداق وغيرها (٣).

стр. 195

وقول المخالفين له وجه، لكن الأظهر -والله أعلم- ما استنبطه الشوكاني ومن قال بقوله؛ لأمور: الأول: توجيه العموم في قوله تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (٢٤١)﴾ يكون من وجهين: أحدهما: أن متعة المطلقة قبل الدخول وبعد التسمية نصف المهر المسمى-وكفى به متاعا- إذ المتاع هو كل ما ينتفع به. قال ابن عمر ﵃: لكل مطلقة متعة إلا التي يطلقها ولم يدخل بها وقد فرض لها، كفى بالنصف متاعا (١). وقال الجصاص: فإن قيل قال الله تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (٢٤١)﴾ وذلك عام في سائرهن إلا ما خصه الدليل؛ قيل له: هو كذلك إلا أن المتاع اسم لجميع ما ينتفع به قال الله تعالى: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (٣١) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (٣٢)﴾ [عبس: ٣١، ٣٢] فالمتعة والمتاع اسم يقع على جميع ما ينتفع به، فمتى أوجبنا للمطلقات شيئا مما ينفع به من مهر أو نفقة، فقد قضينا عهدة الآية فمتعة التي لم يدخل بها نصف المهر المسمى، والتي لم يسم لها على قدر حال الرجل، وللمدخول بها تارة المسمى، وتارة المثل إذا لم يكن مسمى، وذلك كله متعة، وليس بواجب إذا أوجبنا لها ضربا من المتعة أن توجب لها سائر ضروبها لأن قوله تعالى وللمطلقات متاع إنما يقتضي أدنى ما يقع عليه الاسم (٢). ثانيهما: أن المطلق في قوله تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (٢٤١)﴾ يحمل على المقيد في قوله: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ … قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ … (٢٣٦)﴾.

стр. 196

قال السعدي: (وقيل: إن المتعة واجبة على كل مطلقة احتجاجا بعموم هذه الآية- يعني: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (٢٤١)﴾ -، ولكن القاعدة أن المطلق محمول على المقيد، وتقدم أن الله فرض المتعة للمطلقة قبل الفرض والمسيس خاصة) (١). الثاني: أن في ذكر نصف المهر للمطلقة قبل الدخول وبعد التسمية عقب ذكر المتعة للمطلقة قبل الدخول وقبل التسمية دليلا على اختصاص المتعة بالثانية. قال ابن كثير: (وهذه الآية الكريمة مما يدل على اختصاص المتعة بما دلت عليه الآية الأولى حيث إنما أوجب في هذه الآية نصف المهر المفروض إذا طلق الزوج قبل الدخول فانه لو كان ثم واجب آخر من متعة لبينها، لاسيما وقد قرنها بما قبلها من اختصاص المتعة بتلك الآية والله أعلم) (٢). الثالث: إذا كانت المتعة لجبر إيحاش الطلاق؛ فنصف المهر يجبره. ولكن الأحوط الأخذ بعموم قوله تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (٢٤١)﴾، وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (٤٩)﴾. قال الشنقيطي: والأحوط الأخذ بالعموم. وقد تقرر في الأصول أن النص الدال على الأمر مقدم على الدال على الإباحة (٣). ٢٩ - الغرفة من الماء تكف سورة العطش عند الصابرين على شظف العيش (٤). قال تعالى: ﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (٢٤٩)﴾ البقرة: ٢٤٩.

стр. 197

قال الشوكاني ﵀: (والمراد بهذا الابتلاء اختبار طاعتهم، فمن أطاع في ذلك الماء أطاع فيما عداه، ومن عصى في هذا وغلبته نفسه فهو بالعصيان في سائر الشدائد أحرى. ورخص لهم في الغرفة؛ ليرتفع عنهم أذى العطش بعض الارتفاع، وليكسروا نزاع النفس في هذه الحال. وفيه أن الغرفة تكف سورة العطش عند الصابرين على شظف العيش، الدافعين أنفسهم عن الرفاهية) (١). الدراسة: استنبط الشوكاني أن غرفة الماء تكف سورة العطش عند الصابرين على شظف العيش، الدافعين أنفسهم عن الرفاهية. ووجه الاستنباط: أن الله أخبر عن طالوت ملك بني إسرائيل حين خرج في جنوده، ومن أطاعه من ملأ بني إسرائيل، أنه قال: إن الله مختبركم بنهر، فمن شرب منه فليس مني أي: فلا يصحبني اليوم في هذا الوجه، ومن لم يطعمه فإنه مني إلا من اغترف غرفة بيده، أي فلا بأس عليه (٢)؛ فرخص لهم في الغرفة؛ ليرتفع عنهم أذى العطش بعض الارتفاع؛ فدل ذلك على أن الغرفة تكف سورة العطش عند الصابرين على شظف العيش، الدافعين أنفسهم عن الرفاهية. وممن قال بهذا الاستنباط: ابن عطية، والقرطبي، والقنوجي. (٣). وفي هذا الاستنباط حث على الزهد في الدنيا، وتنبيه على أن القليل منها يكفي. قال القرطبي: (وبين أن الغرفة كافة ضرر العطش عند الحزمة الصابرين على شظف العيش، الذين همهم في غير الرفاهية، كما قال عروة (٤): وأحْسُو قَرَاح الماء والماء بارد (٥). قلت: ومن هذا المعنى قوله ﷺ : "حسب المرء لقيمات يقمن صلبه") (٦). (٧).

стр. 198

وفي: (غرفة) قراءتان: فقرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وأبو جعفر: غَرفة بيده، بفتح الغين، والباقون بضمها (١). وما كان باليد فهو غَرفة بالفتح، وما كان بإناء فهو غُرفة بالضم (٢). والغَرفة أي: مرة واحدة باليد، وهي المد، والغُرفة: ما تحمله اليد، أو المغروف (٣). أو الغَرفة: ما كان بيد واحدة، والغُرفة: ما كان بيدين. أو أنهما لغتان بمعنى واحد (٤). وهذا الاستنباط يستقيم على القراءتين؛ إذ هما دالتان على القلة، إلا أنه- والله أعلم- على قراءة الفتح أظهر، وذلك على توجيهها بأنها بالكف الواحد. لأن فيها مزيد قلة. ٣٠ - يقال للماء طعام (٥). قال تعالى: ﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (٢٤٩)﴾ البقرة: ٢٤٩. قال الشوكاني ﵀: (وقوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ﴾ يقال: طعمت الشيء، أي: ذقته، وأطعمته الماء أي أذقته. وفيه دليل على أن الماء يقال له طعام) (٦). الدراسة: استنبط الشوكاني (٧) ﵀ من الآية أن الماء يقال له طعام.

стр. 199

ووجه الاستنباط: أن الله تعالى قال: ﴿وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ﴾ فجعله مطعوما؛ فدل ذلك بدلالة تسمية القرآن له مطعوما على أن الماء يقال له طعام. وقد أكد الشوكاني هذا المعنى المستنبط عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ [المائدة: من الآية ٩٣]؛ فقال: (أي: من المطاعم التي يشتهونها، والطعم وإن كان استعماله في الأكل أكثر، لكنه يجوز استعماله في الشرب، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي﴾) (١). وممن قال بهذا الاستنباط: ابن العربي، والقرطبي، وأبو حيان، والسيوطي، والقنوجي. (٢). وأشار إليه القصاب (٣).

стр. 200

ومما ينبني على هذا الاستنباط قول من قال: إن في الماء الربا؛ لأنه إن كان طعاما؛ كان قوتا لبقائه واقتيات البدن به؛ فوجب أن يجري فيه الربا. وهو الصحيح من المذهب المالكي كما قال ابن العربي (١)، وهو أحد الوجهين عند الشافعية (٢). قال ابن العربي: ولمَ لا يجري فيه الربا وهو أجل الأقوات؟ وإنما هان؛ لعموم وجوده، وإنما عمم الله تعالى وجوده بفضله؛ لعظيم الحاجة إليه، ومن شرفه على سائر الأطعمة أنه مهيأ مخلوق على صفة لا صنعة لأحد فيها لا أولا ولا آخرا (٣). وخالف ابن الفرس بقوله: ولا حجة في الآية؛ لأن الطعام فيها بمعنى الذوق، وإثبات الطعم له، أو نفيه عنه لا يثبت له أنه طعام (٤). وكلا القولين معتبر له دليله. واستنباط الشوكاني بأن الماء طعام صحيح، ويؤيده دليلان: أولهما: قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (٩٣)﴾ [المائدة: ٩٣]؛ فإن الآية نزلت في الذين ماتوا وهم يشربون الخمر قبل تحريمها (٥)؛ فدل على أن الطعام يشمل الأكل والشرب معا.

стр. 201

قال القصاب: (﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ دليل على أن من حلف أن لا يطعم شيئا لوقت، فشرب شرابا أنه يحنث؛ لأن الآية نزلت في الذين ماتوا وهم يشربون الخمر قبل تحريمها) (١). وثانيهما: حديث ابن عمر ﵃: أن رسول الله ﷺ قال: "لا يحلبن أحد ماشية أحد إلا بإذنه، أيحب أحدكم أن تؤتى مشربته، فتكسر خزانته، فينتقل طعامه؟ إنما تخزن لهم ضروع مواشيهم أطعمتهم، فلا يحلبن أحد ماشية أحد إلا بإذنه" (٢). فسمى النبي ﷺ اللبن طعاما وهو مشروب، فكذلك الماء (٣). ٣١ - محاجة الذي حاج إبراهيم ﵇ كفر (٤). قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٢٥٨)﴾ البقرة: ٢٥٨. قال الشوكاني ﵀: (وقال سبحانه: ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾، ولم يقل: فبهت الذي حاج؛ إشعار بأن تلك المحاجة كفر) (٥). الدراسة: استنبط الشوكاني (٦) ﵀ أن محاجة الذي حاج إبراهيم ﵇ كانت كفرا.

стр. 202

ووجه الاستنباط: أن الله تعالى قال عن - ملك بابل (١) - الذي حاج إبراهيم ﵇: … ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ - يعني: انقطع، وبطلت حجته (٢) -، ولم يقل: فبهت الذي حاج؛ فدل إيراد الكفر في حيز الصلة، وإظهار ذلك في موضع الإضمار على كون المحاجة كفرا (٣). وممن قال بهذا الاستنباط: أبو السعود، البروسوي، والآلوسي، والقنوجي، وابن عثيمين، والهرري. (٤). وفائدة هذا الاستنباط: التنبيه على أن المحاجة بالباطل كفر. ويؤيده قوله تعالى: ﴿وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ﴾ [الكهف: من الآية ٥٦]. فالذين كفروا هم الذين يحاجون بحجج باطلة. فالآية وإن كانت أصلا في جواز المجادلة، والمناظرة (٥)، لكن التنبه لهذا المعنى المستنبط مهم للتفريق بين ما يجوز وما لا يجوز من الجدل.

стр. 203

ومما ينبني على هذا الاستنباط إثبات أن من جحد الله فهو كافر، فإيراد الكفر في حيز الصلة للإشعار بعلة الحكم (١)؛ لأجل أن نقول: كل من جادل كما جادل هذا الرجل فهو كافر (٢). ٣٢ - فساد قول من قال: إن الصرع لا يكون من جهة الجن، وإن الشيطان لا يسلك في الإنسان، ولا يكون منه مس (٣). قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٧٥)﴾ البقرة: ٢٧٥. قال الشوكاني ﵀: (وفي الآية دليل على فساد قول من قال: إن الصرع لا يكون من جهة الجن، وزعم أنه من فعل الطبائع، وقال: إن الآية خارجة على ما كانت العرب تزعمه من أن الشيطان يصرع الإنسان، وليس بصحيح، وإن الشيطان لا يسلك في الإنسان، ولا يكون منه مس. وقد استعاذ النبي ﷺ من أن يتخبطه الشيطان كما أخرجه النسائي وغيره (٤) (٥).

стр. 204

الدراسة: استنبط الشوكاني (١) ﵀ من الآية أن الشيطان يسلك في الإنسان، وأن الصرع يكون من جهة الجن، وأن في الآية ما يرد قول من قال بخلاف ذلك كالمعتزلة (٢) الذين أنكروا قدرة الشيطان على أن يمس الإنسان ويصرعه (٣). ووجه الاستنباط: أن الله -جل ثناؤه- أخبر أن الذين يربون الربا في الدنيا، لا يقومون في الآخرة من قبورهم إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس. يعني بذلك: يتخبله الشيطان في الدنيا، وهو الذي يتخنقه فيصرعه ﴿مِنَ الْمَسِّ﴾ يعني: من الجنون (٤)؛ فدل ذلك بدلالة التضمن على أن الشيطان يسلك في الإنسان فيصرعه، والصرع يكون من جهة الجن.

стр. 205

وقد جاءت السنة بإثبات ذلك، ومن ذلك الحديث الذي استدل به الشوكاني: "كان رسول الله ﷺ يقول: "اللهم إني أعوذ بك من التردي والهدم، والغرق والحريق، وأعوذ بك أن يتخبطني الشيطان عند الموت، وأعوذ بك أن أموت في سبيلك مدبراً، وأعوذ بك أن أموت لديغاً" (١). فقوله ﷺ : "أن يتخبطني" فيه دلالة واضحة على المس الحقيقي. وكذلك التخبط المذكور في الآية هو مس حقيقي، قال ابن عاشور: (وإنما احتيج إلى زيادة قوله: ﴿مِنَ الْمَسِّ﴾ ليظهر المراد من تخبط الشيطان، فلا يُظن أنه تخبط مجازي بمعنى الوسوسة). ومن أدلة السنة أيضا: قول النبي ﷺ : "إن الشيطان يجرى من الإنسان مجرى الدم" (٢). وممن قال بهذا الاستنباط: القرطبي، والقنوجي، والقاسمي، وابن عاشور، وأبو زهرة، وابن عثيمين، والهرري. (٣). وخالف الزمخشري، قال: (وتخبط الشيطان من زعمات العرب يزعمون أن الشيطان يخبط الإنسان فيصرع) (٤). وممن تبعه على هذا من المفسرين: البيضاوي، والشربيني، وأبو السعود، والمراغي. (٥). واستدل المخالفون لما ذهبوا إليه بأن الشيطان ضعيف لا يقدر على صرع الناس وقتلهم، وقالوا: يدل عليه وجوه: أحدها: قوله تعالى: - حكاية عن الشيطان-: ﴿وَمَا كَانَ … لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ [إبراهيم: من الآية ٢٢] وهذا صريح في أنه ليس للشيطان قدرة على الصرع والقتل والإيذاء. والثاني: الشيطان إما أن يقال: إنه كثيف الجسم، أو يقال: إنه من الأجسام اللطيفة، فإن كان الأول؛ وجب أن يرى ويشاهد، إذ لو جاز فيه أن يكون كثيفا ويحضر، ثم لا يرى؛ لجاز أن يكون بحضرتنا شموس ورعود وبروق وجبال، ونحن لا نراها، ولأنه لو كان جسما كثيفا فكيف يمكنه أن يدخل في باطن بدن الإنسان. وأما إن كان جسما لطيفا كالهواء فمثل هذا يمتنع أن يكون فيه صلابة وقوة، فيمتنع أن يكون قادرا على أن يصرع الإنسان ويقتله.

стр. 206

الثالث: لو كان الشيطان يقدر على أن يصرع ويقتل؛ لصح أن يفعل مثل معجزات الأنبياء ﵇، وذلك يجر إلى الطعن في النبوة. الرابع: أن الشيطان لو قدر على ذلك فلم لا يصرع جميع المؤمنين؟ ولم لا يخبطهم مع شدة عداوته لأهل الإيمان؟ ولم لا يغصب أموالهم، ويفسد أحوالهم، ويفشي أسرارهم، ويزيل عقولهم؟. إبطال أدلة المنكرين من عدة وجوه: الأول: السلطان المنفي في الآية الكريمة إنما هو القهر والإلجاء إلى متابعته، أو الحجة والبرهان، وليس هو التعرض للإيذاء النفسي والبدني، فهذا حاصل للإنسان من قبل الشيطان، فيكون معنى قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ … لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾: وما كان لي من تسلط عليكم بإظهار الحجة والبرهان على ما وعدتكم به وزينته لكم إلا أن دعوتكم وأغويتكم. الثاني: قولهم بأن الجن أجسام لطيفة ليس فيها قوة وصلابة فلا تقدر على صرع الإنسان وقتله باطل؛ لأنه لم يدل دليل عقلي ولا نقلي على امتناع ذلك، ثم إن الجن له قدرة وسرعة على التحول والتشكل بإذن الله تعالى في صور كثيرة. يقول القرطبي: إذا كانت أجسام الجن رقيقة، فإن العقل لا يحيل سلوكهم في الإنسان، وإذا كانت كثافاً، فإنه يصح دخول الجن في الإنسان أيضاً كما يصح دخول الطعام والشراب في الفراغ من الجسم، وكذلك الديدان قد تكون في ابن آدم وهي أحياء (١). الثالث: القول بأن الشيطان إذا كانت له قدرة على الصرع فمعنى ذلك أنه أتى مثل معجزات الأنبياء، وهذا قدح في النبوة باطل، وبيان ذلك: أن أهل الضلال والبدع تظهر على أيديهم خوارق شيطانية، ومن هؤلاء السحرة والكُهان، وهذا ثابت بالحس والمشاهدة، ولم يؤد ذلك إلى الطعن في النبوة، وإبطال المعجزة والمساواة في الحد والحقيقة بين معجزات الأنبياء وأفعال السحرة والمشعوذين أمر معلوم الفساد بالضرورة من دين الإسلام. الرابع: إن قول المنكرين صرع الجن للإنسان بأنه لو كان قادراً على ذلك، لصرع جميع المؤمنين، ولصرف همته إلى العلماء والزهاد، ولسرق أموالهم وأفسد أحوالهم، باطل لأن الشيطان يصرع ويؤذي من شاء الله تعالى له ذلك، فلا يستقل في الفعل بإرادته ومشيئته، فالأمر كله بيد الله ، فمن شاء الله تعالى له الضرَّ أضره الشيطان. (٢).

стр. 207

والحق بلا شك ما قاله الشوكاني، ومن قال بقوله. قال ابن تيمية: وجود الجن ثابت بكتاب الله، وسنة رسوله ﷺ ، واتفاق سلف الأمة وأئمتها، وكذلك دخول الجني في بدن الإنسان ثابت باتفاق أئمة أهل السنة والجماعة، قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ وفي الصحيح عن النبي: أن الشيطان يجرى من ابن آدم مجرى الدم (١). وقال عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل: قلت لأبي: إن أقواما يقولون: إن الجني لا يدخل في بدن المصروع، فقال: يا بنى يكذبون، هذا يتكلم على لسانه. وهذا الذي قاله أمر مشهور، فإنه يصرع الرجل، فيتكلم بلسان لا يعرف معناه، ويضرب على بدنه ضربا عظيما لو ضرب به جمل لأثر به أثرا عظيما، والمصروع مع هذا لا يحس بالضرب ولا بالكلام … وليس في الأدلة الشرعية ما ينفى ذلك (٢). ويتنبه إلى أن للصرع نوعان. قال ابن القيم: الصرع صرعان: صرع من الأرواح الخبيثة الأرضية وصرع من الأخلاط الرديئة. والثاني هو الذي يتكلم فيه الأطباء في سببه وعلاجه. وأما صرع الأرواح فأئمتهم وعقلاؤهم يعترفون به ولا يدفعونه، ويعترفون بأن علاجه بمقابلة الأرواح الشريفة الخيرة العلوية لتلك الأرواح الشريرة الخبيثة، فتدافع آثارها، وتعارض أفعالها وتبطلها. وقد نص على ذلك بقراط في بعض كتبه فذكر بعض علاج الصرع وقال: هذا إنما ينفع من الصرع الذي سببه الأخلاط والمادة، وأما الصرع الذي يكون من الأرواح فلا ينفع فيه هذا العلاج. وأما جهلة الأطباء وسقطتهم وسفلتهم ومن يعتقد بالزندقة فضيلة فأولئك ينكرون صرع الأرواح، ولا يقرون بأنها تؤثر في بدن المصروع، وليس معهم إلا الجهل، وإلا فليس في الصناعة الطيبة ما يدفع ذلك، والحس والوجود شاهد به. إلى أن قال: وبالجملة: فهذا النوع من الصرع وعلاجه لا ينكره إلا قليل الحظ من العلم والعقل والمعرفة، وأكثر تسلط الأرواح الخبيثة على أهله تكون من جهة قلة دينهم، وخراب قلوبهم وألسنتهم من حقائق الذكر والتعاويذ والتحصنات النبوية والإيمانية، فتلقى الروح الخبيثة الرجل أعزل لا سلاح معه، وربما كان عرياناً فيؤثر فيه هذا (٣). ويتنبه إلى أن قول الشوكاني: (وفي الآية دليل على فساد قول من قال: إن الصرع لا يكون من جهة الجن، وزعم أنه من فعل الطبائع) لا يلزم منه القول بأنه ينكر نوع الصرع الذي يكون من الطبائع؛ لأن قوله هذا إنما جاء في معرض الرد على المنكرين النافين بالجملة كون الصرع من جهة الجن، فاقتضى المقام إثبات ما أنكروه، ولا يلزم من ذلك نفيه للنوع الثاني من الصرع، والله أعلم.

стр. 208

٣٣ - أموال المرابين مع عدم التوبة حلال لمن أخذها من الأئمة، ونحوهم ممن ينوب عنهم (١). قال تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ (٢٧٩)﴾ البقرة: ٢٧٩. قال الشوكاني ﵀: (قوله: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ﴾ أي: من الربا، ﴿فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾ تأخذونها لا تظلِمون غرماءكم بأخذ الزيادة، ولا تُظلمون أنتم من قبلهم بالمطل والنقص … وفي هذا دليل على أن أموالهم مع عدم التوبة حلال لمن أخذها من الأئمة، ونحوهم ممن ينوب عنهم) (٢). الدراسة: استنبط الشوكاني (٣) ﵀ من الآية أن أموال المرابين مع عدم توبتهم حلال لمن أخذها من الأئمة، ونحوهم ممن ينوب عنهم. ووجه الاستنباط: أن الله تعالى جعل للمرابين التائبين رؤوس أموالهم يأخذونها، لا يظلمون غرماءهم بأخذ الزيادة، ولا يظلمهم الغرماء بنقصان رؤوس أموالهم أو بالمطل؛ فدل بمفهوم المخالفة -مفهوم شرط- أنهم إن لم يتوبوا فأموالهم ليست لهم، بل هي حلال لمن أخذها من الأئمة، ونحوهم ممن ينوب عنهم. وفي حكم أموال المرابين حال عدم توبتهم تفصيل: فإن أنكروا حرمة الربا: فهم مرتدون، وما لهم المكسوب في حال الردة فيء للمسلمين عند الإمام أبي حنيفة، وكذا سائر أموالهم عند الشافعي (٤)، فما داموا على استحلال الربا؛ كان ما لهم فيئا ليس لهم (٥).

стр. 209

وقال أبو السعود، والآلوسي: وعندنا هو لورثتهم ولا شيء لهم على كل حال (١). وإن اعتقدوا حرمته: فإن كان لهم شوكة -أي: امتنعوا عن الإمام-؛ فهم على شرف القتل لم يكد تسلم لهم رءوسهم، فكيف برءوس أموالهم. وإن لم تكن لهم شوكة؛ يستتابون وإلا قتلوا. قال ابن عباس ﵁ قال: "فمن كان مقيما على الربا لا ينزع عنه، فحق على إمام المسلمين أن يستتيبه، فإن نزع، وإلا ضرب عنقه" (٢).

стр. 210

وعند غيره يحبسون، ويعاقبهم الإمام بمقدار ما يستحقون من التعزير والردع، فلا يمكنون من التصرفات أصلا، فما لم يتوبوا لم يسلم لهم شيء من أموالهم، بل إنما يسلم بموتهم لورثتهم (١). (٢). ومفهوم الآية دال على أن أموال المرابين حال عدم توبتهم ليست لهم، فيحل للإمام أن ينزعها، سواء جُعِل في بيت مال المسلمين، أو سلم بموتهم لورثتهم المسلمين، على الخلاف المتقدم. وممن قال بهذا الاستنباط: القنوجي (٣). كما أشار السمعاني، والبيضاوي إلى أن المرابين ماداموا على استحلال الربا؛ كان مالهم فيئا ليس لهم (٤). ٣٤ - وعد الله لمن اتقاه أن يعلمه (٥). قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ … الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ … وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٨٢)﴾ البقرة: ٢٨٢.

стр. 211

قال الشوكاني ﵀: (﴿وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ ما تحتاجون إليه من العلم. وفيه الوعد لمن اتقاه أن يعلمه. ومنه قوله تعالى: ﴿إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ [الأنفال: من الآية ٢٩] (١) (٢). الدراسة: استنبط الشوكاني (٣) ﵀ وعد الله لمن اتقاه أن يعلمه. ووجه الاستنباط: أن الله تعالى أمر بتقواه ثم أعقبها بتعليمه لعباده؛ فدل اقتران الجملتين على مناسبة بينهما هي وعد الله لمن اتقاه أن يعلمه. قال ابن عاشور: (وقوله: ﴿وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ تذكير بنعمة الإسلام … وفي عطفه على الأمر بالتقوى إيماء إلى أن التقوى سبب إفاضة العلوم) (٤). أو دلت الآية على هذا المعنى بدلالة الالتزام. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (فكلٌ من تعليم الرب وتقوى العبد يقارب الآخر ويلازمه ويقتضيه، فمتى علَّمه الله العلم النافع اقترن به التقوى بحسب ذلك، ومتى اتقاه زاده من العلم، وهلم جرا) (٥).

стр. 212

وممن قال بهذا الاستنباط: القرطبي، وابن كثير، والقنوجي، وابن عاشور. (١). وخالفهم آخرون، منهم: ابن القيم، و ابن جزي. (٢). ووجه مخالفتهم ذكره ابن القيم بقوله: (وأما قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ فليس من هذا الباب بل هما جملتان مستقلتان: طلبية وهي الأمر بالتقوى، وخبرية وهي قوله تعالى: ﴿وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ أي: والله يعلمكم ما تتقون. وليست جوابا للأمر بالتقوى، ولو أريد بها الجزاء؛ لأتى بها مجزومة، مجردة عن الواو، فكان يقول: واتقوا الله يعلمكم، أو إن تتقوه يعلمكم، كما قال: ﴿إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ فتدبره) (٣). والمعنى الذي استنبطه الشوكاني صحيح دلت عليه الآيات. قال ابن كثير: (﴿وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ كقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢٩)﴾، وكقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ … لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٨)﴾ [الحديد: ٢٨]) (٤). (٥).

стр. 213

والذي يظهر -والله أعلم- أن المخالفين لم يمنعوا صحة المعنى، لكنهم رأوا أن الآية لا تدل عليه صراحة، قال ابن جزي: (ويعلمكم الله إخبار على وجه الامتنان. وقيل: معناه الوعد بأن من اتقى علمه الله وألهمه، وهذا المعنى صحيح، ولكن لفظ الآية لا يعطيه؛ لأنه لو كان كذلك؛ لجزم يعلمكم في جواب اتقوا) (١). فقول المخالفين يصح إذا قلنا إن الآية لا تدل صراحة على هذا المعنى، لكن هذا لا يمنع أن تكون دلالة الآية عليه خفية؛ فيصح عندها هذا المعنى استنباطا. وكأن هذا المعنى المستنبط دلت عليه الآيات بدلالات متفاوتة في الظهور والخفاء. قال السعدي: (واُستدل بقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ أن تقوى الله وسيلة إلى حصول العلم، وأوضح من هذا قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ أي: علما تفرقون به بين الحقائق، والحق والباطل) (٢). ومما ينبغي التنبه إليه أن التقوى لا تفيد المعرفة بذاتها، إنما تعين على حصول العلم النافع. قال ابن تيمية: نعم لسنا ننكر أن إماتة الشهوات قد تكون شرطا في صحة النظر مثلما تكون الصحة شرطا في صحة النظر، لا أن إماتة الشهوات هي التي تفيد المعرفة بذاتها وإن كانت شرطا فيها، كما أن الصحة شرط في العلم، وإن كانت ليست مفيدة له. ومن هذه الجهة دعا الشارع إلى هذه الطريقة -أي النظر والاعتبار- وحث عليها في جملة ما حث، أعني على العمل، لا أنها كافية بنفسها كما ظن القوم … العمل الذي أصله حب الله تعالى أمر الشرع به؛ لأنه مقصود في نفسه، وهو معين على حصول العلم النافع، كما أنه معين على حصول عمل آخر صالح، كما أن الشرع أمر بالعلم بالله تعالى؛ لأنه مقصود في نفسه وهو معين على العمل الصالح، وعلى علم آخر نافع (٣). فالقول إذاً بصحة هذا الاستنباط لا يجيز قول الصوفية بأن التقوى سبب للعلم، إذ لابد للعلم من التعلم وبذل الجهد في البحث والحفظ، وهذا هو الأصل، أما التقوى فهي سبب من أسباب تحصيل العلم. قال الشيخ الدوسري: (واعلم أنه لا يلتفت إلى قول الصوفية وأشياعهم-﵏ من أن التقوى تكون سببا للعلم، بل إن التقوى جالبة للعمل، وحسن المراقبة لله، والاستجابة لنداءاته في القرآن. أما العلم فلا يحصل إلا بالتعلم، وبذل الجهد في الحفظ والبحث، ولكن مع حسن النية يسهل الله طريقه ويبارك في معلومات صاحبه، أما زعم الصوفية الحصول على العلم الإلهي بترويض النفس على العبادة السنية والمبتدعة، وقراءة الأوراد والأحزاب؛ فهذا فيه فتح باب للدجل والشعوذة، والقول على الله بغير علم، وهو أشرك من الشرك) (٤).

стр. 214

والشوكاني لم يقل بأن التقوى كافية بذاتها في المعرفة، ولا أنه يستغنى بها عن الطلب وبذل الجهد، إنما عني أن التقوى مما يعين على العلم.

стр. 215

سورة آل عمران ٣٥ - مناسبة ذكر الله رأفته بعباده بعد أن حذرهم نفسه؛ للجمع بين الترهيب والترغيب (١). قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (٣٠)﴾ آل عمران: ٣٠. قال الشوكاني ﵀: (وفي قوله: ﴿وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (٣٠)﴾ دليل على أن هذا التحذير الشديد مقترن بالرأفة منه سبحانه بعباده؛ لطفا بهم) (٢). الدراسة: استنبط الشوكاني (٣) ﵀ مناسبة ذكر رأفة الله بعباده بعد أن حذرهم -سبحانه-نفسه؛ لبيان أن هذا التحذير الشديد مقترن بالرأفة منه سبحانه بعباده؛ لطفا بهم، فيكون فيه جمع بين الترهيب والترغيب. ووجه الاستنباط: أن الله تعالى قرن بين التهديد والرأفة، والترهيب والترغيب؛ فقال- مؤكدا ومهددا ومتوعدا-: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ أي: يخوفكم عقابه، وذكر النفس؛ للإيذان بأن له عقابا هائلا (٤) ثم قال ﷻ مرجيا لعباده؛ لئلا ييأسوا من رحمته، ويقنطوا من لطفه: ﴿وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (٣٠)﴾ (٥)، والذي دل على هذا المعنى دلالة الربط بين أجزاء الآية.
следующие страницы →