← Тафсир

Тафсир · id 750

استنباطات الشوكاني في تفسيره فتح القدير

خلود شاكر فهيد العبدلي

Полный текст (565 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

٢ - ما استنبطه الشوكاني من قوله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ … زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا … يَعْمَلُونَ (١٠٨)﴾ [الأنعام: ١٠٨] حيث قال ﵀: (وفي هذه الآية دليل على أن الداعي إلى الحق، والناهي عن الباطل إذا خشي أن يتسبب عن ذلك ما هو أشد منه من انتهاك حرم، ومخالفة حق، ووقوع في باطل أشد كان الترك أولى به، بل كان واجبا عليه) (١). • السيرة النبوية: استنبط الشوكاني استنباطا واحدا في السيرة النبوية في موضعين فقط من القرآن، فاستنبط من قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١٢٦)﴾ [آل عمران: ١٢٦] أن الملائكة لم تقاتل في بدر (٢)؛ فقال ﵀: (جعل الله ذلك الإمداد بشرى بالنصر، وطمأنينة للقلوب. وفي قصر الإمداد عليهما إشارة إلى عدم مباشرة الملائكة للقتال يومئذ) (٣). … واستنبط هذا الاستنباط أيضا من قوله تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (١٠)﴾ [الأنفال: ٩ - ١٠] (٤)؛ فقال ﵀: (﴿وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ﴾ أي: بالإمداد قلوبكم. وفي هذا إشعار بأن الملائكة لم يقاتلوا، بل أمد الله المسلمين بهم للبشرى لهم، وتطمين قلوبهم، وتثبيتها) (٥). •

стр. 72

الطب: والمقصود بالطب هنا ما كان فيه توجيه لنفع البدن، ووقايته من الأمراض. وقد استنبط الشوكاني استنباطين في الطب، هما: ١ - ما استنبطه الشوكاني من قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٤)﴾ [النحل: ١٤] حيث قال ﵀: (﴿لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ المراد به السمك، ووصفه بالطراوة للإشعار بلطافته، والإرشاد إلى المسارعة بأكله لكونه مما يفسد بسرعة) (١). ٢ - ما استنبطه الشوكاني من قوله تعالى: ﴿فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا … فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (٢٦)﴾ [مريم: ٢٦] حيث قال ﵀: (﴿فَكُلِي وَاشْرَبِي﴾ أي: من ذلك الرطب وذلك الماء، أو من الرطب وعصيره. وقدم الأكل مع أن ذكر النهر مقدم على الرطب؛ لأن احتياج النفساء إلى أكل الرطب أشد من احتياجها إلى شرب الماء) (٢). • التأريخ: استنبط الشوكاني استنباطا واحدا في التأريخ هو أنه لا اعتبار بما عند العجم والروم والقبط من الشهور التي يصطلحون عليها (٣)، وذلك من قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً … كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (٣٦)﴾ [التوبة: ٣٦]؛ فقال ﵀: (وفي هذه الآية بيان أن الله سبحانه وضع هذه الشهور وسماها بأسمائها على هذا الترتيب المعروف يوم خلق السموات والأرض، وأن هذا هو الذي جاءت به الأنبياء، ونزلت به الكتب، وأنه لا اعتبار بما عند العجم والروم والقبط من الشهور التي يصطلحون عليها، ويجعلون بعضها ثلاثين يوما، وبعضها أكثر، وبعضها أقل) (٤).

стр. 73

الخلاصة: تنوعت موضوعات الاستنباط عند الشوكاني حتى بلغت أربعة عشر نوعا، وهذه الأنواع متفاوتة قلة وكثرة، ويمكن ترتيبها على النحو التالي: جاءت الاستنباطات في علوم القرآن (١) أولا، ثم الاستنباطات العقدية (٢)، ثم الاستنباطات الفقهية (٣)، ثم الاستنباطات التربوية السلوكية (٤)، ثم الاستنباطات الأصولية والاستنباطات في الدعوات والذكر (٥)، ثم الاستنباطات في الرقائق (٦)، ثم الاستنباطات اللغوية (٧)، ثم الاستنباطات في التفسير (٨)، ثم الاستنباطات في الأخلاق (٩)، ثم الاستنباطات في الدعوة، وفي السيرة، وفي الطب. (١٠)، وأخيرا الاستنباطات في التأريخ (١١). وما عدا هذه الأنواع يصح أن يكون استنباطا عاما، أو استنباطا لفوائد علمية. تنبيه: يتنبه إلى أنه لا يلزم أن يكون موضوع الاستنباط واحدا، إذ يصح أن يكون الاستنباط الواحد في موضوعين أو أكثر (١٢). و من الأمثلة على ذلك: ١ - استنباط في اللغة وأصول الفقه: مثل: ما استنبطه الشوكاني من قوله تعالى: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (٧٨)﴾ [الأنبياء: ٧٨] حيث قال: ﵀: (﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾ أي: لحكم الحاكمين. وفيه جواز إطلاق الجمع على الاثنين) (١٣). ٢ - استنباط في الفقه والذكر: مثل: ما استنبطه الشوكاني من قوله تعالى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٣٦) لَنْ يَنَالَ … اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ (٣٧)﴾ [الحج: ٣٦ - ٣٧] حيث قال ﵀: (ومعنى ﴿لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ هو قول الناحر الله أكبر عند النحر، فذكر في الآية الأولى الأمر بذكر اسم الله عليها، وذكر هنا التكبير؛ للدلالة على مشروعية الجمع بين التسمية والتكبير. وقيل: المراد بالتكبير وصفه سبحانه بما يدل على الكبرياء) (١٤).

стр. 74

٣ - استنباط في الفقه وقصص القرآن: مثل: ما استنبطه الشوكاني من قوله تعالى: ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا … يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ … (٢٦)﴾ [القصص: ٢٦] حيث قال ﵀: (أي: استأجره ليرعى لنا الغنم. وفيه دليل على أن الإجارة كانت عندهم مشروعة) (١). ٤ - استنباط في القصص والتربية: مثل: ما استنبطه الشوكاني من قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١١٨)﴾ [التوبة: ١١٨] حيث قال ﵀: ( … وفي هذه الآية دليل على جواز هجران أهل المعاصي تأديبا لهم؛ لينزجروا عن المعاصي) (٢).

стр. 75

• المبحث الثاني: الاستنباط باعتبار ظهور النص المستنبط منه وخفائه بالنظر إلى النص القرآني المستَنبط منه يمكن تقسيمه باعتبارين: الأول: باعتبار إفراده وتركيبه (ضمه إلى نص آخر)، وهذا ينقسم إلى: الاستنباط من الآية الواحدة، والاستنباط بالربط بين آيتين أو أكثر. وسيأتي بيانه في المبحث الثالث من هذا الفصل. الثاني: باعتبار ظهور معناه، وهذا ينقسم إلى: الاستنباط من النص الظاهر المعنى، والاستنباط من النص غير الظاهر. (١). وهو موضوع هذا المبحث. والمقصود هنا بالظهور والخفاء هو النص القرآني المستَنبط منه، وليس المعنى المستنبط؛ لأن المعنى المستنبط يشترط فيه الخفاء دائما. ونصوص القرآن من حيث حاجتها إلى التفسير والبيان تنقسم إلى قسمين: ١ - نصوص بيِّنة ظاهرة المعنى. ٢ - نصوص غير بينة تحتاج إلى بيان وتفسير. قال الزركشي (٢): (ينقسم القرآن العظيم إلى: ما هو بين بنفسه بلفظ لا يحتاج إلى بيان منه ولا من غيره، وهو كثير، … وإلى ما ليس ببين بنفسه فيحتاج إلى بيان) (٣). أولا: الاستنباط من نص ظاهر المعنى. النص الظاهر المعنى هو النص البيِّن في نفسه، الذي لا يحتاج إلى بيان. وهذا هو الأصل؛ لأن أكثر القرآن يعود إليه؛ ولأجله صح الأمر بالتدبر كما قال تعالى: … ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٩)﴾ [ص: ٢٩]. ولو كان القرآن أكثره غير بيَّن لما جاز معه أن يُتوجه الخطاب في هذه الآية إلى جميع المكلفين؛ إذ لا يؤمر الجميع بتدبر ما يتوقف معرفة معناه على علم الخاصة (٤).

стр. 76

أمثلة على الاستنباط من نص ظاهر المعنى: المثال الأول: استنبط الشوكاني ﵀ من قوله تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)﴾ [البقرة: ٢٢] وجوب استعمال الحجج وترك التقليد، قال: (وفيه دليل على وجوب استعمال الحجج وترك التقليد) (١). المثال الثاني: استنبط الشوكاني من قوله تعالى: ﴿فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا … فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (٢٦)﴾ [مريم: ٢٦] أن احتياج النفساء إلى أكل الرطب أشد من احتياجها إلى شرب الماء، قال-﵀: (﴿فَكُلِي وَاشْرَبِي﴾ أي: من ذلك الرطب وذلك الماء، أو من الرطب وعصيره. وقدم الأكل مع أن ذكر النهر مقدم على الرطب - أي في قوله تعالى: ﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا (٢٤) وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا (٢٥)﴾ [مريم: ٢٤ - ٢٥]-؛ لأن احتياج النفساء إلى أكل الرطب أشد من احتياجها إلى شرب الماء) (٢). المثال الثالث: استنبط الشوكاني ﵀ من قوله تعالى: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (٣٣)﴾ [فاطر: ٣٣] سرعة دخول أهل الجنة إلى الجنة، قال: ( … وفيه إشارة إلى سرعة الدخول، فإن في تحليتهم خارج الجنة تأخيرا للدخول، فلما قال: … ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا﴾ أشار أن دخولهم على وجه السرعة) (٣).

стр. 77

ثانيا: الاستنباط من نص خفي. النص الخفي هو النص الذي يحتاج إلى بيان وتفسير. ومع هذا النص لا يصح الاستنباط إلا بعد معرفة معنى الآية وتفسيرها. قال القرطبي: (فمن لم يُحْكِم ظاهر التفسير، وبادر إلى استنباط المعاني بمجرد فهم العربية؛ كثر غلطه، ودخل في زمرة من فسر القرآن بالرأي. والنقل والسماع لا بد منه في ظاهر التفسير أولا ليتَّقي به مواضع الغلط، ثم بعد ذلك يتسع الفهم والاستنباط … ولا مطمع في الوصول إلى الباطن قبل إحكام الظاهر) (١). وقد يكون في تفسير الآية خلاف ينبني عليه صحة أو بطلان الاستنباط (٢)، فقد يصح الاستنباط على معنى، ولا يصح على معنى آخر. ومثال ذلك: استنبط الشوكاني من قوله تعالى: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (٧٨)﴾ [الأنبياء: ٧٨] جواز إطلاق الجمع على الاثنين، قال ﵀: (﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾ أي: لحكم الحاكمَين. وفيه جواز إطلاق الجمع على الاثنين) (٣). وهذا الاستنباط يصح على أن معنى الآية: أن الله تعالى بعد أن ذكر حكم داود ﵇، وسليمان ﵇ في قصة الحرث الذي نفشت فيه غنم القوم- قال: ﴿لِحُكْمِهِمْ﴾ فجمع مع أنهما حَكَمَان اثنان هما داود ﵇، وسليمان ﵇. وفي معنى ﴿لِحُكْمِهِمْ﴾ قيل: إن المراد بقوله: ﴿لِحُكْمِهِمْ﴾ الحاكمان والمحكوم عليه (٤). وقيل: إن الجمع للتعظيم (٥). فعلى هذين القولين لا يصح هذا الاستنباط. (٦).

стр. 78

أمثلة أخرى على الاستنباط من نص خفي: المثال الأول: استنبط الشوكاني من قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣)﴾ [البقرة: ٣] الإرشاد إلى ترك الإسراف، قال ﵀: ( … وفي المجيء بمن التبعيضية ههنا نكتة سرية هي الإرشاد إلى ترك الإسراف) (١). فلابد من معرفة تفسير النفقة المذكورة في الآية قبل الاستنباط منها؛ لأن في معناها خلافا مؤثرا في الاستنباط (٢). المثال الثاني: استنبط الشوكاني من قوله تعالى: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ (٦١)﴾ [آل عمران: ٦١] أن أبناء البنات يسمون أبناء، قال ﵀: (وفيه دليل على أن أبناء البنات يسمون أبناء لكونه ﷺ أراد بالأبناء الحسنين) (٣). فهذا الاستنباط مبني على تفسير المراد بأبناء الرسول ﷺ المذكورين في الآية. المثال الثالث: استنبط الشوكاني-﵀ من قوله تعالى: ﴿قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ … مِنَ الْكَاذِبِينَ (٢٧)﴾ [النمل: ٢٧] أن على المرء البحث عن الأخبار، وعدم قبول خبر المخبرين تقليدا لهم، قال: ﵀: (والنظر هو التأمل والتصفح. وفيه إرشاد إلى البحث عن الأخبار، والكشف عن الحقائق، وعدم قبول خبر المخبرين تقليدا لهم، واعتمادا عليهم إذا تمكن من ذلك بوجه من الوجوه) (٤). وهذا الاستنباط مبني على معرفة معنى ﴿سَنَنْظُرُ﴾ في الآية.

стр. 79

• المبحث الثالث: الاستنباط باعتبار الإفراد والتركيب. لا يقتصر الاستنباط من القرآن الكريم على التأمل في الآيات على جهة الإفراد، بل يمكن استخراج المعاني البديعة، والفوائد الدقيقة بطريق آخر لطيف ألا وهو ضم النصوص بعضها إلى بعض، وهو قسم رفيع دقيق برز فيه علم العلماء من السلف والخلف ﵏ وتبيَّن به مقدار ما وهبهم الله تعالى من ذكاء العقول وزكاء النفوس (١). وقد أشار الزركشي إلى الاستنباط باعتبار الإفراد، وباعتبار التركيب بقوله: (والثاني: ما يؤخذ بطريق الاستنباط، ثم هو على قسمين: أحدهما: ما يستنبط من غير ضميمة إلى آية أخرى … والثاني: ما يستنبط مع ضميمة آية أخرى) (٢). أولا: الاستنباط باعتبار الإفراد. المراد من الاستنباط باعتبار الإفراد هو الاستنباط من النص الواحد دون الرجوع إلى نصوص أخرى. والاستنباط من نص واحد هو غالب استنباطات الشوكاني. أمثلة على الاستنباط باعتبار الإفراد. المثال الأول: استنبط الشوكاني من قوله تعالى: ﴿فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ (٧٦)﴾ [يوسف: ٧٦]، قال ﵀: (وفي الآية دليل على جواز التوصل إلى الأغراض الصحيحة بما صورته صورة الحيلة والمكيدة إذا لم يخالف ذلك شرعا ثابتا) (٣). المثال الثاني: استنبط الشوكاني من قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (٢٩)﴾ [القصص: ٢٩]، قال ﵀: (وسار بأهله إلى مصر، وفيه دليل على أن الرجل يذهب بأهله حيث شاء) (٤).

стр. 80

المثال الثالث: استنبط الشوكاني من قوله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (١٥)﴾ [الأحقاف: ١٥] أنه ينبغي لمن بلغ عمره أربعين سنة أن يستكثر من هذه الدعوات، قال ﵀: (وفي هذه الآية دليل على أنه ينبغي لمن بلغ عمره أربعين سنة أن يستكثر من هذه الدعوات) (١). ثانيا: الاستنباط باعتبار التركيب. المراد من الاستنباط باعتبار التركيب هو الاستنباط بالربط بين نصين أو أكثر. وهذا النوع من الاستنباط من أدق أنواع الاستنباط، ولهذا يقول عنه ابن القيم: (فهذا من ألطف فهم النصوص وأدقه) (٢). أمثلة على الاستنباط باعتبار التركيب. المثال الأول: استنبط الشوكاني جواز إطلاق اسم المدينة على القرية لغة، وذلك بدلالة التركيب بين قوله تعالى: ﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا (٧٧)﴾ [الكهف: ٧٧]، وقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ … لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا … أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا … رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (٨٢)﴾ [الكهف: ٨٢]، قال ﵀: (﴿فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ﴾ هي القرية المذكورة سابقا، وفيه جواز إطلاق اسم المدينة على القرية لغة) (٣).

стр. 81

المثال الثاني: استنبط الشوكاني أن المدة التي جعلها الله تعالى آية لزكريا ﵇ لا يكلم الناس فيها هي ثلاثة أيام ولياليهن. وذلك بدلالة التركيب بين قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا (١٠)﴾ [مريم: ١٠] وقوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ (٤١)﴾ [آل عمران: ٤١]، قال ﵀: (وقد دل بذكر الليالي هنا -يعني في سورة مريم- والأيام في آل عمران أن المراد ثلاثة أيام ولياليهن) (١). المثال الثالث: استنبط الشوكاني ﵀ أن العلماء التاركين للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أشد حالا وأعظم وبالا من العصاة، وذلك بدلالة التركيب بين قوله تعالى: ﴿وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٦٢)﴾ [المائدة: ٦٢]، وبين قوله تعالى: ﴿لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (٦٣)﴾ [المائدة: ٦٣]، قال ﵀: ( … والربانيون علماء النصارى والأحبار علماء اليهود، وقيل: الكل من اليهود لأن هذه الآيات فيهم، ثم وبخ علماءهم في تركهم لنبيهم فقال: ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (٦٣)﴾ وهذا فيه زيادة على قوله: ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٦٢)﴾؛ لأن العمل لا يبلغ درجة الصنع حتى يتدرب فيه صاحبه، ولهذا تقول العرب سيف صنيع إذا جود عامله عمله، فالصنع هو العمل الجيد لا مطلق العمل. فوبخ سبحانه الخاصة وهم العلماء التاركون للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بما هو أغلظ وأشد من توبيخ فاعل المعاصي. فليفتح العلماء لهذه الآية مسامعهم، ويفرجوا لها عن قلوبهم، فإنها قد جاءت فيه البيان الشافي لهم بأن كفهم عن المعاصي مع ترك إنكارهم على أهلها لا يسمن ولا يغنى من جوع، بل هم أشد حالا وأعظم وبالا من العصاة، فرحم الله عالما قام بما أوجبه الله عليه من فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهو أعظم ما افترضه الله عليه، وأوجب ما أوجب عليه النهوض به) (٢).

стр. 82

ووجهه: أن الله تعالى وبخ العلماء التاركين للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بما هو أغلظ وأشد من توبيخ فاعل المعاصي، فقال في المقدمين على الإثم والعدوان وأكل السحت: ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٦٢)﴾، وقال في العلماء التاركين للنهي عن المنكر ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (٦٣)﴾، والصنع أقوى من العمل؛ لأن العمل إنما يسمى صناعة إذا صار مستقرا راسخا متمكنا، فجعل جرم العاملين ذنبا غير راسخ، وذنب التاركين للنهي عن المنكر ذنبا راسخا (١)؛ فظهر بذلك الفرق بين ذم متعاطي الذنب، وبين تارك النهي عنه، حيث جعل ذاك عملا، وهذا صناعة (٢)؛ فدل بدلالة التركيب بين الآيتين، وبطريق التأمل في خاتمة كلٍّ منهما على أن العلماء التاركين للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أشد حالا وأعظم، وبالا من العصاة.

стр. 83

الفصل الثاني: دلالات وطرق الاستنباط عند الشوكاني في تفسيره. وفيه ستة مباحث: • المبحث الأول: الاستنباط بدلالة النص (مفهوم الموافقة). • المبحث الثاني: الاستنباط بدلالة المفهوم (مفهوم المخالفة). • المبحث الثالث: الاستنباط بدلالة الالتزام. • المبحث الرابع: الاستنباط بدلالة التضمن. • المبحث الخامس: الاستنباط بدلالة الاقتران. • المبحث السادس: الاستنباط بدلالة المطرد من أساليب القرآن. دلالات وطرق الاستنباط عند الشوكاني في تفسيره. استنبط الشوكاني من القرآن الكريم استنباطات كثيرة بدلالات مختلفة، وطرق متنوعة، فمنها دلالات في أصول الفقه، كدلالة النص، ودلالة مفهوم المخالفة، ودلالة الالتزام، وغيرها، ومنها دلالات في علوم القرآن، كعادات القرآن ودلالاته الأسلوبية، ومنها دلالات بلاغية، وإلى غير ذلك من قواعد الاستنباط وطرقه مما سيتعرض هذا الفصل لبيانه وإيضاحه. وكان استخدام الشوكاني لهذه الدلالات والطرق متفاوتا، وسيأتي في نهاية هذا الفصل ترتيب هذه الدلالات حسب الأكثر استعمالا لها. وقبل الشروع في بيان دلالات وطرق الاستنباط عند الشوكاني يحسن تعريف الدلالة، وبيان المقصود بطريق الاستنباط. فأما الدلالة فهي: كون الشيء بحالة يلزم من العلم به العلم بشيء آخر (١). وأما طريق الاستنباط فهو أعم من الدلالة؛ إذ يشمل الدلالة وغيرها من قواعد الاستنباط وأوجهه المختلفة. تنبيه: قليلا ما كان الشوكاني يصرح بذكر دلالة الاستنباط أو طريقه (٢). ومن الأمثلة على المواضع التي صرح فيها: المثال الأول: (دلالة الالتزام) استنبط الشوكاني أن ما يأخذه المسلمون من أهل الكتاب من أعواض الطعام -أي ثمن بيع اللحم- حلال لهم، وذلك من قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٥)﴾ [المائدة: ٥]؛ فقال ﵀: (قوله:

стр. 84

﴿وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ أي: وطعام المسلمين حلال لأهل الكتاب. وفيه … إخبار المسلمين بأن ما يأخذونه منهم من أعراض (١) الطعام حلال لهم بطريق الدلالة الالتزامية) (٢). المثال الثاني: (دلالة النص أو مفهوم الموافقة "فحوى الخطاب") استنبط الشوكاني نهي المذنبين غير المسرفين عن القنوط، وذلك من قوله تعالى: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ … الرَّحِيمُ … (٥٣)﴾ [الزمر: ٥٣]؛ فقال ﵀: (واعلم أن هذه الآية أرجى آية في كتاب الله سبحانه لاشتمالها على أعظم بشارة، فإنه أولا أضاف العباد إلى نفسه لقصد تشريفهم ومزيد تبشيرهم، ثم وصفهم بالإسراف في المعاصي والاستكثار من الذنوب، ثم عقب ذلك بالنهي عن القنوط من الرحمة لهؤلاء المستكثرين من الذنوب، فالنهي عن القنوط للمذنبين غير المسرفين من باب الأولى وبفحوى الخطاب) (٣). المثال الثالث: (دلالة النص أو مفهوم الموافقة "فحوى الخطاب ولحنه") استنبط الشوكاني نهي الولد عن سائر ما يؤذي والديه من فعل أو قول كان مساويا لكلمة (أف)، أو أشد منها، وذلك من قوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (٢٣)﴾ [الإسراء: ٢٣]؛ فقال ﵀: ( … والحاصل أنه- يعني كلمة أف- اسم فعل ينبئ عن التضجر والاستثقال، أو صوت ينبئ عن ذلك. فنهى الولد عن أن يظهر منه ما يدل على التضجر من أبويه أو الاستثقال لهما، بهذا النهي يفهم النهي عن سائر ما يؤذيها بفحوى الخطاب، أو بلحنه كما هو متقرر في الأصول) (٤). المثال الرابع: (دلالة الاقتران) استنبط الشوكاني أن رحمة الله بعباده مع غناه عنهم هي غاية التفضل والتطول، وذلك من قوله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ كَمَا … أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ (١٣٣)﴾ [الأنعام: ١٣٣]؛ فقال ﵀: (قوله: ﴿وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ﴾ أي: عن خلقه، لا يحتاج إليهم ولا إلى عبادتهم، لا ينفعه إيمانهم، ولا يضره كفرهم. ومع كونه غنيا عنهم فهو ذو رحمة بهم، ولا يكون غناه عنهم مانعا من رحمته لهم. وما أحسن هذا الكلام الرباني وأبلغه، وما أقوى الاقتران بين الغنى والرحمة في هذا المقام، فإن الرحمة لهم مع الغنى عنهم هي غاية التفضل والتطول) (٥).

стр. 85

المبحث الأول: الاستنباط بدلالة النص (مفهوم الموافقة) تعريف مفهوم الموافقة: بينه الشوكاني بقوله: حيث يكون المسكوت عنه موافقا للملفوظ به، فإن كان أولى بالحكم من المنطوق به فيسمى فحوى الخطاب، وإن كان مساويا فيسمى لحن الخطاب (١). فتبين أن من أسماء مفهوم الموافقة: فحوى الخطاب، ولحن الخطاب. ويسمى أيضا: مفهوم الخطاب (٢). وتنبيه الخطاب (٣). ودلالة الدلالة (٤). والحنفية يسمونه دلالة النص (٥). أمثلة لاستنباط الشوكاني بدلالة مفهوم الموافقة: المثال الأول: ما استنبطه الشوكاني من قوله تعالى: ﴿وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ … بِهِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ (٤١)﴾ [البقرة: ٤١] حيث قال ﵀: (وهذه الآية وإن كانت خطابا لبني إسرائيل ونهيا لهم فهي متناولة لهذه الأمة بفحوى الخطاب أو بلحنه، فمن أخذ من المسلمين رشوة على إبطال حق أمر الله به، أو إثبات باطل نهى الله عنه، أو امتنع من تعليم ما علمه الله، وكتم البيان الذي أخذ الله عليه ميثاقه به؛ فقد اشترى بآيات الله ثمنا قليلا) (٦). المثال الثاني: ما استنبطه الشوكاني من قوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا … مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٥)﴾ [آل عمران: ٧٥] حيث قال ﵀: (ومعنى الآية: أن أهل الكتاب فيهم الأمين الذي يؤدي أمانته وإن كانت كثيرة، وفيهم الخائن الذي لا يؤدي أمانته وإن كانت حقيرة. ومن كان أمينا في الكثير فهو في القليل أمين بالأولى، ومن كان خائنا في القليل فهو في الكثير خائن بالأولى) (٧).

стр. 86

المثال الثالث: ما استنبطه الشوكاني من قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٩٨)﴾ [النحل: ٩٨] حيث قال ﵀: (وتخصيص قراءة القرآن من بين الأعمال الصالحة بالاستعاذة عند إرادتها؛ للتنبيه على أنها لسائر الأعمال الصالحة عند إرادتها أهم؛ لأنه إذا وقع الأمر بها عند قراءة القرآن الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه كانت عند إرادة غيره أولى) (١). المبحث الثاني: الاستنباط بدلالة المفهوم (مفهوم المخالفة) … تعريف مفهوم المخالفة: بينه الشوكاني بقوله: وهو حيث يكون المسكوت عنه مخالفا للمذكور في الحكم، إثباتا ونفيا، فيثبت للمسكوت عنه نقيض حكم المنطوق. ويسمى دليل الخطاب؛ لأن دليله من جنس الخطاب، أو لأن الخطاب دال عليه (٢). ويسمى أيضا تنبيه الخطاب (٣). أمثلة لاستنباط الشوكاني بدلالة مفهوم المخالفة: المثال الأول: (بمفهوم الشرط) أ - ما استنبطه الشوكاني من قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٢٣٠)﴾ [البقرة: ٢٣٠] حيث قال ﵀: (قوله: ﴿إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ أي: حقوق الزوجية الواجبة لكل منهما على الآخر. وأما إذا لم يحصل ظن ذلك، بأن يعلما، أو أحدهما عدم الإقامة لحدود الله، أو ترددا، أو أحدهما، ولم يحصل لهما الظن؛ فلا يجوز الدخول في هذا النكاح؛ لأنه مظنة للمعصية لله، والوقوع فيما حرمه على الزوجين) (٤). ب - ما استنبطه الشوكاني من قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ (٢٧٩)﴾ [البقرة: ٢٧٩] حيث قال ﵀: (قوله: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ﴾ أي: من الربا، ﴿فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾ تأخذونها لا تظلِمون غرماءكم بأخذ الزيادة، ولا تُظلمون أنتم من قبلهم بالمطل والنقص … وفي هذا دليل على أن أموالهم مع عدم التوبة حلال لمن أخذها من الأئمة، ونحوهم ممن ينوب عنهم) (٥).

стр. 87

المثال الثاني: (بمفهوم التقسيم) ما استنبطه الشوكاني من قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٣٧)﴾ [البقرة: ٢٣٧] حيث قال ﵀: (قوله: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ … الآية. فيه دليل على أن المتعة لا تجب لهذه المطلقة؛ لوقوعها في مقابلة المطلقة قبل البناء والفرض التي تستحق المتعة) (١). المثال الثالث: (بمفهوم الحصر) ما استنبطه الشوكاني من قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١٢٦)﴾ [آل عمران: ١٢٦] حيث قال ﵀: (جعل الله ذلك الإمداد بشرى بالنصر، وطمأنينة للقلوب. وفي قصر الإمداد عليهما إشارة إلى عدم مباشرة الملائكة للقتال يومئذ) (٢). المثال الرابع: (بمفهوم القيد أو الصفة، ويشمل الصفة، والحال وغيرهما). مفهوم صفة: ما استنبطه الشوكاني من قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (١٥٩)﴾ [البقرة: ١٥٩] حيث قال ﵀: (وفي قوله: ﴿مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى﴾ دليل على أنه يجوز كتم غير ذلك … ) (٣). مفهوم حال: ما استنبطه الشوكاني من قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٠)﴾ [الحشر: ١٠] حيث قال ﵀: (أمرهم الله سبحانه بعد الاستغفار للمهاجرين والأنصار أن يطلبوا من الله سبحانه أن ينزع من قلوبهم الغل للذين آمنوا على الإطلاق، فيدخل في ذلك الصحابة دخولا أوليا؛ لكونهم أشرف المؤمنين، ولكون السياق فيهم، فمن لم يستغفر للصحابة على العموم، ويطلب رضوان الله لهم فقد خالف ما أمره الله به في هذه الآية، فإن وجد في قلبه غلا لهم فقد أصابه نزغ من الشيطان، وحل به نصيب وافر من عصيان الله بعداوة أوليائه، وخير أمته نبيه ﷺ ، وانفتح له باب من الخذلان يفد به على نار جهنم إن لم يتدارك نفسه باللجوء إلى الله سبحانه، والاستغاثة به بأن ينزع عن قلبه ما طرقه من الغل لخير القرون، وأشرف هذه الأمة) (٤). (٥).

стр. 88

المبحث الثالث: الاستنباط بدلالة الالتزام تعريف دلالة الالتزام: دلالة اللفظ على معنى ليس مقصودا باللفظ في الأصل، ولكنه لازم للمقصود فكأنه مقصود بالتبع لا بالأصل (١). أمثلة لاستنباط الشوكاني بدلالة الالتزام: المثال الأول: ما استنبطه الشوكاني من قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ (١٥٤)﴾ [البقرة: ١٥٤] حيث قال ﵀: (﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ (١٥٤)﴾ أي: لا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله هم أموات، بل هم أحياء، ولكن لا تشعرون بهذه الحياة عند مشاهدتكم لأبدانهم بعد سلب أرواحهم؛ لأنكم تحكمون عليها بالموت في ظاهر الأمر بحسب ما يبلغ إليه علمكم الذي هو بالنسبة إلى علم الله كما يأخذ الطائر في منقاره من ماء البحر، وليسوا كذلك في الواقع، بل هم أحياء في البرزخ. وفي الآية دليل على ثبوت عذاب القبر … (٢). المثال الثاني: ما استنبطه الشوكاني من قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٥)﴾ [المائدة: ٥] حيث قال ﵀: (قوله: ﴿وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ أي: وطعام المسلمين حلال لأهل الكتاب. وفيه دليل على أنه يجوز للمسلمين أن يطعموا أهل الكتاب من ذبائحهم، وهذا من باب المكافأة والمجازاة. وإخبار المسلمين بأن ما يأخذونه منهم من أعراض الطعام حلال لهم بطريق الدلالة الالتزامية) (٣).

стр. 89

المثال الثالث: ما استنبطه الشوكاني من قوله تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ … وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ … إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (٩١)﴾ [المؤمنون: ٩١] حيث قال ﵀: (ثم بين سبحانه ما يستلزمه ما يدعيه الكفار من إثبات الشريك فقال: ﴿إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ … إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ﴾. وفي الكلام حذف تقديره: لو كان مع الله آلهة لانفرد كل إله بخلقه، واستبد به، وامتاز ملكه عن ملك الآخر، ووقع بينهم التطالب والتحارب والتغالب. ﴿وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ أي: غلب القوي على الضعيف، وقهره، وأخذ ملكه كعادة الملوك من بني آدم، وحينئذ فذلك الضعيف المغلوب لا يستحق أن يكون إلها. وإذا تقرر عدم إمكان المشاركة في ذلك، وأنه لا يقوم به إلا واحد؛ تعين أن يكون هذا الواحد هو الله سبحانه، وهذا الدليل كما دل على نفي الشريك؛ فإنه يدل على نفي الولد لأن الولد ينازع أباه في ملكه) (١). (٢) المبحث الرابع: الاستنباط بدلالة التضمن تعريف دلالة التضمن: هي دلالة اللفظ على جزء المعنى الذي وضع له (٣). ويندر استعمال الشوكاني لهذه الدلالة، فلم أقف سوى على مثال واحد: هو ما استنبطه الشوكاني من قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٧٥)﴾ [البقرة: ٢٧٥] حيث قال ﵀: (وفي الآية دليل على فساد قول من قال: إن الصرع لا يكون من جهة الجن، وزعم أنه من فعل الطبائع، وقال: إن الآية خارجة على ما كانت العرب تزعمه من أن الشيطان يصرع الإنسان، وليس بصحيح، وإن الشيطان لا يسلك في الإنسان، ولا يكون منه مس. وقد استعاذ النبي ﷺ من أن يتخبطه الشيطان … ) (٤).

стр. 90

ووجه الاستنباط: أن الله -جل ثناؤه- أخبر أن الذين يربون الربا في الدنيا، لا يقومون في الآخرة من قبورهم إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس. يعني بذلك: يتخبله الشيطان في الدنيا، وهو الذي يتخنقه فيصرعه ﴿مِنَ الْمَسِّ﴾ يعني: من الجنون؛ فدل ذلك بدلالة التضمن على أن الشيطان يسلك في الإنسان فيصرعه؛ لأن من تَخَبُط الشيطان أن يسلك في الإنسان فيصرعه. تنبيه: كثيرا ما يذكر المفسرون - ومنهم الشوكاني (١) - لفظ تضمن وهم لا يقصدون به التضمن بمعناه الأصولي. بل ربما عبَّروا عن دلالة الالتزام بلفظ التضمن. ومثال ذلك: ما استنبطه الواحدي (٢) من قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا … (٢٧)﴾ [الإسراء: ٢٧] حيث قال: (وهذا يتضمن أن المنفق في السرف كفور) (٣). والأظهر أن هذا المعنى يُستنبط بدلالة الالتزام، فالله تعالى سجل على المبذرين مماثلتهم الشياطين، ثم سجل على جنس الشيطان بأنه كفور؛ فدل بدلالة الالتزام على أن المبذر كفور؛ لأنه مماثل للشيطان وله حكمه، وكل شيطان كفور.

стр. 91

قال الرازي: (﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا … (٢٧)﴾ ومعنى كون الشيطان كفورا لربه: هو أنه يستعمل بدنه في المعاصي، والإفساد في الأرض، والإضلال للناس، وكذلك كل من رزقه الله تعالى مالا أو جاها فصرفه إلى غير مرضاة الله تعالى كان كفورا لنعمة الله تعالى، والمقصود أن المبذرين إخوان الشياطين بمعنى كونهم موافقين للشياطين في الصفة والفعل، ثم الشيطان كفور لربه؛ فيلزم كون المبذر أيضا كفورا لربه) (١). (٢). المبحث الخامس: الاستنباط بدلالة الاقتران تعريف دلالة الاقتران: الجمع بين شيئين أو أكثر في سياق واحد (٣). وفي (العدة في أصول الفقه): أن يذكر الله أشياء في لفظ واحد، ويعطف بعضها على بعض (٤). ويُعَرَّف أيضا بأنه: الاستدلال بالجمع بين شيئين على اتحاد حكمهما (٥). والاقتران كما يأتي في الأحكام يكون في المعاني المختلفة أيضا. قال د. خالد السبت-بعد أن تحدث عن دلالة الاقتران بمعناها الأصولي، وحكمها-: (هذا واعلم أن ما مضى إنما هو في الأحكام، أما المعاني الأخرى فيمكن أخذ شيء منها عن طريق دلالة الاقتران، وذلك كالتشريف الناتج عن الاقتران المشعر به أحيانا، أو التعظيم، أو غير ذلك من المعاني، والله أعلم) (٦). والذي ظهر لي -والله أعلم- أن الشوكاني استعمل دلالة الاقتران في المعاني فقط، كتعظيم أمر ما، والتنبيه على معنى شريف مستنبط من اقتران اسمين من أسماء الله الحسنى، ونحو ذلك (٧). أما دلالة الاقتران بالمعنى الأصولي الدقيق -أي في الأحكام- فلم يستعملها الشوكاني. أمثلة لاستنباط الشوكاني بدلالة الاقتران: المثال الأول: ما استنبطه الشوكاني من قوله تعالى: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (١٨١)﴾ [آل عمران: ١٨١] حيث قال ﵀: (قوله: ﴿وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ﴾ عطف على ﴿مَا قَالُوا﴾ أي: ونكتب قتلهم الأنبياء، أي: قتل أسلافهم للأنبياء، وإنما نسب ذلك إليهم لكونهم رضوا به. جعل ذلك القول قرينا لقتل الأنبياء تنبيها على أنه من العظم والشناعة بمكان يعدل قتل الأنبياء) (٨).

стр. 92

فاستنبط الشوكاني ﵀ من الآية أن قول اليهود: إن الله فقير وهم أغنياء بمكان يعدل قتل الأنبياء، وذلك بدلالة اقترانهما. المثال الثاني: ما استنبطه الشوكاني من قوله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ كَمَا … أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ (١٣٣)﴾ [الأنعام: ١٣٣]؛ حيث قال ﵀: (قوله: ﴿وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ﴾ أي: عن خلقه، لا يحتاج إليهم ولا إلى عبادتهم، لا ينفعه إيمانهم، ولا يضره كفرهم. ومع كونه غنيا عنهم فهو ذو رحمة بهم، ولا يكون غناه عنهم مانعا من رحمته لهم. وما أحسن هذا الكلام الرباني وأبلغه، وما أقوى الاقتران بين الغنى والرحمة في هذا المقام، فإن الرحمة لهم مع الغنى عنهم هي غاية التفضل والتطول) (١). فاستنبط الشوكاني ﵀ أن رحمة الله بعباده مع غناه عنهم هو غاية التفضل والتطول، وذلك بدلالة الاقتران بين اسمين من أسماء الله الحسنى. المثال الثالث: ما استنبطه الشوكاني من قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ … لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (٣٣) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (٣٤)﴾ [الحاقة: ٣٣ - ٣٤] حيث قال ﵀: (والمعنى: أنه لا يحث نفسه أو غيره على بذل نفس طعام المسكين، وفي جعل هذا قرينا لترك الإيمان بالله من الترغيب في التصدق على المساكين، وسد فاقتهم، وحث النفس والناس على ذلك ما يدل أبلغ دلالة، ويفيد أكمل فائدة على أن منعهم من أعظم الجرائم وأشد المآثم) (٢). فاستنبط الشوكاني-﵀ أن حرمان المسكين من أعظم الجرائم، وأشد المآثم بدلالة اقتران حرمان المسكين بالكفر.

стр. 93

المبحث السادس: الاستنباط بدلالة المطرد من أساليب القرآن المقصود بدلالة المطرد من أساليب القرآن: ما جاء على نسق واحد متتابع في القرآن الكريم بلا استثناء (١). أمثلة لاستنباط الشوكاني بدلالة المطرد من أساليب القرآن: من المطرد من أساليب القرآن: كل حكاية وردت في القرآن ولم يردها فهي صحيحة، وإن ردها فهي باطلة، وقد استنبط الشوكاني بهذه القاعدة استنباطات، منها: المثال الأول: ما استنبطه الشوكاني ﵀ من قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا (٢٢)﴾ [الكهف: ٢٢] حيث قال: (والرجم بالغيب هو القول بالظن والحدس من غير يقين، والموصوفون بالرجم بالغيب هم كل الفريقين القائلين بأنهم ثلاثة، والقائلين بأنهم خمسة. ﴿وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ كأن قول هذه الفرقة أقرب إلى الصواب بدلالة عدم إدخالهم في سلك الراجمين بالغيب) (٢). المثال الثاني: ما استنبطه الشوكاني ﵀ من قوله تعالى: ﴿قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤)﴾ [المدثر: ٤٣ - ٤٤] حيث قال: (ثم ذكر سبحانه ما أجاب به أهل النار عليهم فقال: ﴿قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣)﴾ أي من المؤمنين الذين يصلون لله في الدنيا، ﴿وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤)﴾ أي: لم نتصدق على المساكين. قيل: وهذان محمولان على الصلاة الواجبة والصدقة الواجبة؛ لأنه لا تعذيب على غير الواجب. وفيه دليل على أن الكفار مخاطبون بالشرعيات) (٣). ويلحق بالاستنباط بالمطرد من أساليب القرآن الاستنباط بدلالة الاقتداء بأفعال الله تعالى، وأقواله، وإقراره. وكذلك يلحق به الاقتداء بأفعال الأنبياء. وأيضا الاعتبار بقصص السابقين. أولا: الاقتداء بأفعال الله: استنبط الشوكاني ﵀ بدلالة الاقتداء بأفعال الله استنباطات (٤)، منها: أ - استنبط من قوله تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)﴾ [البقرة: ٢٢] بدلالة الاقتداء بأفعال الله وجوب استعمال الحجج وترك التقليد؛ فقال ﵀: (وفيه دليل على وجوب استعمال الحجج وترك التقليد) (٥).

стр. 94

ب - استنبط من قوله تعالى: ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٥)﴾ [الأنعام: ٤٥]، حيث قال ﵀: (قوله: ﴿وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٥)﴾ أي: على هلاكهم. وفيه تعليم للمؤمنين كيف يحمدونه سبحانه عند نزول النعم التي من أجلها هلاك الظلمة الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون، فإنهم أشد على عباد الله من كل شديد) (١). ثانيا: الاقتداء بأفعال الأنبياء: وهذا داخل في قاعدة شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد في شرعنا ما يخالفه. استنبط الشوكاني ﵀ بدلالة الاقتداء بأفعال الأنبياء استنباطات (٢)، منها: أ - ما استنبطه من قوله تعالى: ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (٥٥)﴾ [يوسف: ٥٥] حيث قال ﵀: (﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ﴾ … وفيه دليل على أنه يجوز لمن وثق من نفسه إذا دخل في أمر من أمور السلطان أن يرفع منار الحق ويهدم ما أمكنه من الباطل، طلب ذلك لنفسه) (٣). فاستنبط هذا المعنى بدلالة الاقتداء بفعل يوسف ﵇. ب - استنبط من قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ … أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (٢٩)﴾ [القصص: ٢٩] أن للرجل أن يذهب بأهله حيث شاء؛ فقال ﵀: (وسار بأهله إلى مصر. وفيه دليل على أن الرجل يذهب بأهله حيث شاء) (٤). فاستنبط هذا المعنى بدلالة الاقتداء بفعل موسى ﵇.

стр. 95

ثالثا: الاعتبار بقصص السابقين. استنبط الشوكاني ﵀ بدلالة الاعتبار بقصص السابقين استنباطات (١)، منها: أ - ما استنبطه من قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (١٧٠)﴾ [البقرة: ١٧٠] حيث قال-﵀: (وفي هذه الآية من الذم للمقلدين، والنداء بجهلهم الفاحش، واعتقادهم الفاسد ما لا يقادر قدره. ومثل هذه الآية قوله تعالى: … ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (١٠٤)﴾ [المائدة: ١٠٤]. وفي ذلك دليل على قبح التقليد والمنع منه) (٢). فالله تعالى ذم الكفار في تقليد آبائهم في دينهم؛ فدل ذلك بدلالة الاعتبار بقصص السابقين على إبطال التقليد. ب - ما استنبطه من قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا (١٩)﴾ [الكهف: ١٩] حيث قال ﵀: (وفي حملهم لهذه الورق معهم دليل على أن إمساك بعض ما يحتاج إليه الإنسان لا ينافي التوكل على الله) (٣). فالفتية أصحاب الكهف كانوا يحملون معهم وَرِقا، وكانت دراهم تزودوها حين خروجهم إلى الكهف لعلهم يحتاجون إليه؛ فدل بدلالة الاعتبار بقصص القرآن، والاقتداء بالصالحين على أن إمساك الإنسان بعض ما يحتاج إليه لا ينافي التوكل على الله. ومن دلالات الاستنباط بأساليب القرآن: ١ - دلالة استعمال القرآن. ومثاله: ما استنبطه الشوكاني من قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (٦٨)﴾ [التوبة: ٦٨] حيث قال ﵀: (وفي هذه الآية دليل على أن (وعد) يقال في الشر) (٤). (٥).

стр. 96

٢ - دلالة التقديم. ومثاله: استنبط الشوكاني أن من آمن بموسى ﵇ كان اهتمامهم بأمر الدين فوق اهتمامهم بسلامة أنفسهم، وذلك من قوله تعالى: ﴿فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٨٥) وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٨٦)﴾ [يونس: ٨٥ - ٨٦]؛ فقال ﵀: (ولما قدموا التضرع إلى الله سبحانه في أن يصون دينهم عن الفساد أتبعوه بسؤال عصمة أنفسهم فقالوا: ﴿وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٨٦)﴾ وفي هذا دليل على أنه كان لهم اهتمام بأمر الدين فوق اهتمامهم بسلامة أنفسهم) (١). (٢). ٣ - دلالة وضع الظاهر موضع المضمر. ومثاله: استنبط الشوكاني من قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (١٠٧)﴾ [يونس: ١٠٧] أن الخير من الله للناس فضل منه لا استحقاق لهم به؛ فقال: ﵀: (﴿وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ أي خير كان لم يستطع أحد أن يدفعه عنك، ويحول بينك وبينه كائنا من كان. وعبر بالفضل مكان الخير للإرشاد إلى أنه يتفضل على عباده بما لا يستحقونه بأعمالهم) (٣). (٤). ٤ - دلالة تغيير النظم. ومثاله: ما استنبطه الشوكاني من قوله تعالى: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨)﴾ [النحل: ٨] حيث قال ﵀: (ولم يقل لتتزينوا بها حتى يطابق لتركبوها؛ لأن الركوب فعل المخاطبين، والزينة فعل الزائن وهو الخالق، والتحقيق فيه أن الركوب هو المعتبر في المقصود، بخلاف الزينة فإنه لا يلتفت إليه أهل الهمم العالية؛ لأنه يورث العجب، فكأنه سبحانه قال خلقتها لتركبوها فتدفعوا عن أنفسكم بواسطتها ضرر الإعياء والمشقة، وأما التزين بها فهو حاصل في نفس الأمر، ولكنه غير مقصود بالذات) (٥). ووجه الاستنباط: أن الله تعالى قال: ﴿وَزِينَةً﴾، ولم يقل لتتزينوا بها حتى يطابق لتركبوها؛ لأن الركوب فعل المخاطبين، والزينة فعل الزائن وهو الخالق؛ فدل ذلك بدلالة تغيير النظم على أن الركوب هو المعتبر في المقصود، بخلاف الزينة. (٦).

стр. 97

٥ - دلالة التكرار. ومثاله: ما استنبطه الشوكاني من قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥)﴾ [البقرة: ٥] حيث قال ﵀: (وفي تكرير اسم الإشارة دلالة على أن كلا من الهدى والفلاح المستقل بتميزهم به عن غيرهم، بحيث لو انفرد أحدهما لكفى تميزا على حاله) (١). (٢). ٦ - دلالة التأكيد. ومثاله: استنبط الشوكاني من قوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٣٣)﴾ [البقرة: ٢٣٣] أن مدة تمام الرضاع حولين حقيقة، لا تقريبا؛ فقال ﵀: (وقوله: ﴿كَامِلَيْنِ﴾ تأكيد للدلالة على أن هذا التقدير لا تقريبي) (٣). وهذه الدلالات هي دلالات في علوم القرآن باعتبار أسلوب القرآن وعادته. وبعضها يصلح أن يُعد دلالة بلاغية كدلالة التقديم، ووضع الظاهر موضع المضمر، والتأكيد، والتكرار (٤). ومن دلالات علوم القرآن أيضا دلالة الربط، وهي أنواع: أ - الربط: بين آيتين أو أكثر: ومثال الربط بين آيتين: استنبط الشوكاني أن النبوة هي من باب الرحمة، وذلك من قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا (٤٩) وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا (٥٠)﴾ [مريم: ٤٩ - ٥٠]؛ فقال ﵀: (﴿وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا﴾ بأن جعلناهم أنبياء. وذكر هذا بعد التصريح بجعلهم أنبياء؛ لبيان أن النبوة هي من باب الرحمة … ) (٥).

стр. 98

ووجه الاستنباط: أن الله تعالى ذكر أنه وهب لإبراهيم ﵇ إسحاق ﵇، ويعقوب ﵇، وجعلهم أنبياء، ثم ذكر بعد جعلهم أنبياء أنه وهب لهم من رحمته؛ فدل بدلالة الربط بين الآيتين على أن النبوة هي من باب الرحمة. ومثال الربط بين آيات: ما استنبطه الشوكاني من قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١١٩)﴾ [التوبة: ١١٩] حيث قال ﵀: (قوله: … ﴿وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١١٩)﴾ هذا الأمر بالكون مع الصادقين بعد قصة الثلاثة فيه الإشارة إلى أن هؤلاء الثلاثة حصل لهم بالصدق ما حصل من توبة الله) (١). ووجه الاستنباط: أن الله تعالى أمر بالصدق بعد أن ذكر توبته على الثلاثة الذين خلفوا؛ فدل بدلالة الربط بين هذه الآية وما قبلها من آيات أن الثلاثة الذين خلفوا حصل لهم ما حصل من توبة الله بالصدق. ب - الربط بين أجزاء الآية: ومثاله: ما استنبطه الشوكاني من قوله تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ … الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا (١١١)﴾ [الإسراء: ١١١] حيث قال ﵀: ( … وفي التعرض في أثناء الحمد لهذه الصفات الجليلة إيذان بأن المستحق للحمد من له هذه الصفات؛ لأنه القادر على الإيجاد وإفاضة النعم، لكون الولد مجبنة ومبخلة، ولأنه أيضا يستلزم حدوث الأب لأنه متولد من جزء من أجزائه، والمحدث غير قادر على كمال الإنعام، والشركة في الملك إنما تتصور لمن لا يقدر على الاستقلال به، ومن لا يقدر على الاستقلال عاجز فضلا عن تمام ما هو له فضلا عن نظام ما هو عليه، وأيضا الشركة موجبة للتنازع بين الشريكين فقد يمنعه الشريك من إفاضة الخير إلى أوليائه، ومؤدية إلى الفساد ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ (٢) [الأنبياء: ٢٢]، والمحتاج إلى ولي يمنعه من الذل وينصره على من أراد إذلاله ضعيف لا يقدر على ما يقدر عليه من هو مستغنى بنفسه) (٣).

стр. 99

ووجه الاستنباط: أن الله تعالى لما أمر بحمده ذكر صفات جليلة له دالة على تمام الكمال، والقدرة التامة على الإيجاد، وما يتفرع عليه من إضافة أنواع النعم؛ فدل بدلالة الربط بين أجزاء الآية على أن مناسبة ذكرها وكونه رتب الحمد عليها للدلالة على أنه الذي يستحق جنس الحمد؛ لأنه الكامل الذات، المنفرد بالإيجاد، المنعم على الإطلاق. وما عداه ناقص، مملوك نعمة، أو منعم عليه؛ ولذلك عطف عليه قوله: ﴿وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا (١١١)﴾. ت - الربط بين الآية وخاتمتها: ومثاله: ما استنبطه الشوكاني من قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨)﴾ [النحل: ١٨] حيث قال ﵀: (وما أحسن ما ختم به هذا الامتنان الذي لا يلتبس على إنسان، مشيرا إلى عظيم غفرانه وسعة رحمته فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨)﴾ أي: كثير المغفرة والرحمة، لا يؤاخذكم بالغفلة عن شكر نعمه، والقصور عن إحصائها، والعجز عن القيام بأدناها، ومن رحمته إدامتها عليكم، وإدرارها في كل لحظة، وعند كل نفس تتنفسونه، وحركة تتحركون بها) (١). ووجه الاستنباط: أن الله تعالى ذكر كثرة النعم والقصور عن إحصائها، ثم ختم ذلك بذكر مغفرته ورحمته دون غيرهما من الأسماء والصفات؛ فدل ذلك بدلالة تأمل خاتمة الآية والربط بينها وبين الآية على أن الله لا يؤاخذ بالغفلة عن شكر نعمه، والقصور عن إحصائها. ولم يقتصر الشوكاني على الاستنباط بما تقدم في هذا الفصل من دلالات؛ إذ استنبط بقواعد ودلالات أخرى، وبيانها على النحو التالي: دلالات عامة: ١ - دلالة عدم الذكر. ولم يستنبط بها سوى مرة واحدة. ومثاله: ما استنبطه الشوكاني من قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣١)﴾ [التوبة: ٣١] حيث قال ﵀: (قوله: ﴿وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ معطوف على ﴿وَرُهْبَانَهُمْ﴾ رهبانهم، أي: اتخذه النصارى ربا معبودا. وفيه إشارة إلى أن اليهود لم يتخذوا عزيرا ربا معبودا) (٢). ووجهه: أن الله تعالى ذكر أن اليهود والنصارى اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله، ثم ذكر اتخاذ النصارى عيسى ﵇ ربا معبودا؛ فدل بدلالة عدم الذكر على أن اليهود لم يتخذوا عزيرا ربا معبودا.

стр. 100

٢ - السياق. ومثاله: ما استنبطه الشوكاني من قوله تعالى: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى (٥٥)﴾ [النجم: ٥٥] حيث قال ﵀: (وسمى هذه الأمور المذكورة آلاء أي نعما مع كون بعضها نقما لا نعما؛ لأنها مشتملة على العبر والمواعظ، ولكون فيها انتقام من العصاة وفي ذلك نصرة للأنبياء والصالحين) (١). ووجه الاستنباط: أن الله تعالى ذكر قوله: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى (٥٥)﴾ في سياق التهديد، فإن الله تعالى قبلها قال: ﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى (٥٠) وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى (٥١) وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا … هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى (٥٢) وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى (٥٣) فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى (٥٤)﴾، وقال بعدها: ﴿هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى (٥٦) أَزِفَتِ الْآزِفَةُ (٥٧) لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ … (٥٨)﴾؛ فدل بدلالة السياق (٢) على أن تسمية بعض النقم آلاء لاشتمالها على العبر والمواعظ، ولكون فيها انتقام من العصاة وفي ذلك نصرة للأنبياء والصالحين؛ إذ لابد أن يكون بين ذكر الآلاء هنا وذكر التهديد رابط يربطهما. ٣ - دلالة التركيب. ومثاله: استنبط الشوكاني مشروعية التسبيح في كل الأوقات والأزمنة، وذلك بدلالة التركيب بين عدد من الآيات، فالله تعالى ذكر التسبيح بفعل ماضي، ومضارع، وأمر، فذكره بفعل ماضي في قوله تعالى: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١)﴾ [الحديد: ١]، وفي قوله تعالى: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ … (١)﴾ [الصف: ١]، وفي قوله تعالى: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ … (١)﴾ [الحشر: ١]، وذكره بفعل مضارع في قوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١)﴾ [الجمعة: ١]، وفي قوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ … شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ [التغابن: ١]. وذكره بالأمر في قوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾ [الأعلى: ١]؛ فدل بدلالة التركيب بين هذه الآيات على تعليم الله العباد تسبيحه في كل الأوقات والأزمنة؛ لأن الماضي يدل على التسبيح في الماضي من الزمان، والمستقبل يدل عليه في المستقبل من الزمان، والأمر يدل عليه في الحال (٣). (٤).

стр. 101

قواعد الاستنباط: ١ - قاعدة: الوسيلة إلى الشيء إذا كانت حراما كان المتوسل إليه حراما. ومثاله: ما استنبطه الشوكاني من قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا (٣٢)﴾ [الإسراء: ٣٢] حيث قال: ﵀: ( … وفي النهي عن قربانه بمباشرة مقدماته نهى عنه بالأولى؛ فإن الوسيلة إلى الشيء إذا كانت حراما كان المتوسل إليه حراما بفحوى الخطاب) (١). ٢ - قاعدة: كل فعل عتب عليه الشارع فهو دليل على المنع منه، والحث على ضده. ومثاله: ما استنبطه الشوكاني من قوله تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ (٤٣)﴾ [التوبة: ٤٣] حيث قال ﵀: (وفيها أيضا دلالة على مشروعية الاحتراز عن العجلة والاغترار بظواهر الأمور) (٢). ٣ - قاعدة: ذكر قضية كلية، ثم عطف قضية خاصة -هي بعض جزئيات تلك الكلية- عليها دال على كونها أعظم جزئيات تلك الكلية. ومثاله: ما استنبطه الشوكاني من قوله تعالى: ﴿قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ … الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا (٢) مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا (٣) وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا (٤)﴾ [الكهف: ٢ - ٤] حيث قال ﵀: (﴿وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا (٤)﴾ وهم اليهود، والنصارى، وبعض كفار قريش القائلون بأن الملائكة بنات الله. فذكر سبحانه أولا قضية كلية وهي إنذار عموم الكفار، ثم عطف عليها قضية خاصة هي بعض جزئيات تلك الكلية تنبيها على كونها أعظم جزئيات تلك الكلية؛ فأفاد ذلك أن نسبة الولد إلى الله سبحانه أقبح أنواع الكفر) (٣). تنبيه: يمكن أن يكون طريق الاستنباط طريقين أو أكثر. وأمثلة ذلك: ١ - ما استنبطه الشوكاني من قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (٨٠)﴾ [الشعراء: ٨٠] حيث قال ﵀: (وأسند المرض إلى نفسه دون غيره من هذه الأفعال المذكورة رعاية للأدب مع الرب، وإلا فالمرض وغيره من الله سبحانه) (٤).

стр. 102

فاستنبط الشوكاني-﵀ رعاية الأدب مع الرب سبحانه بدلالة تغيير النظم، و بالاقتداء بإبراهيم ﵇. ٢ - ما استنبطه الشوكاني من قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ (٨٨)﴾ [يوسف: ٨٨] حيث قال ﵀: (﴿مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ﴾ أي: الجوع والحاجة. وفيه دليل على أنه تجوز الشكوى عند الضرورة إذا خاف من إصابته على نفسه كما يجوز للعليل أن يشكو إلى الطبيب ما يجده من العلة) (١). فاستنبط الشوكاني-﵀ من الآية جواز الشكوى عند الضرورة، وذلك بدلالتين: الأولى: أن يوسف ﵇ أقر إخوته على شكواهم؛ فيدل ذلك على جواز الشكوى عند الضرورة، ولو كان فعلهم غير جائز لأنكر عليهم (٢). الثانية: أن الله لم يعاقبهم على شكواهم؛ فيدل ذلك على جواز الشكوى عند الضرورة (٣). خاتمة الفصل: ترتيب دلالات الاستنباط عند الشوكاني حسب الأكثر استعمالا: يمكن ترتيب دلالات الاستنباط عند الشوكاني حسب الأكثر استعمالا كما يلي: أكثرها استعمالا دلالات علوم القرآن (٤)، ثم دلالة مفهوم المخالفة (٥)، ثم دلالة مفهوم الموافقة (٦)، ثم دلالة الالتزام (٧)، ثم دلالة التركيب (٨)، ثم دلالة الاقتران (٩)، ثم دلالة السياق (١٠)، وأخيرا دلالة التضمن، ودلالة عدم الذكر (١١).

стр. 103

الفصل الثالث: القيمة العلمية لاستنباطات الشوكاني وفيه مبحثان: • المبحث الأول: تأثر الشوكاني باستنباطات المفسرين قبله، وموقفه منها. • المبحث الثاني: مميزات استنباطات الشوكاني. المبحث الأول: تأثر الشوكاني باستنباطات المفسرين قبله، وموقفه منها. يظهر للمتأمل في استنباطات الشوكاني بعد دراستها وموازنتها باستنباطات غيره من المفسرين أنه تأثر بعدد منهم في كثير من المواضع، كما أنه تأثر باستنباطات بعض الصحابة والتابعين ﵃ في مواضع قليلة، ومع هذا فإنه ينفرد باستنباطات لم يذكرها غيره. ويمكن القول بأن موقف الشوكاني من استنباطات من سبقه يتمثل في ثلاثة مواقف: الأول: الاستنباطات التي نقلها دون أن يظهر معها ما يدل على موافقته أو رده لها. ومن أمثلة ذلك: ١ - قول الشوكاني - عند قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٤٤)﴾ [آل عمران: ٤٤]-: (وقد استدل بهذا من أثبت القرعة، والخلاف في ذلك معروف، وقد ثبتت أحاديث صحيحة في اعتبارها) (١). ٢ - قول الشوكاني - عند قوله تعالى: ﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (١٠)﴾ [إبراهيم: ١٠]-: (وبهذه الآية احتج من جوَّز زيادة من في الإثبات) (٢). ٣ - قول الشوكاني - عند قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ … لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ (١٥)﴾ [سبأ: ١٥]-: (وقيل: إنما جمع لهم بين طيب البلدة والمغفرة للإشارة إلى أن الرزق قد يكون فيه حرام) (٣).

стр. 104

الثاني: الاستنباطات التي ردها ردا صريحا. ومن أمثلة ذلك: ١ - قول الشوكاني - عند قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النساء: ١١٥]-: (وقد استدل جماعة من أهل العلم بهذه الآية على حجية الإجماع لقوله: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ولا حجة في ذلك عندي؛ لأن المراد بغير سبيل المؤمنين هنا هو الخروج من دين الإسلام إلى غيره كما يفيده اللفظ، ويشهد به السبب، فلا تصدق على عالم من علماء هذه الملة الإسلامية اجتهد في بعض مسائل دين الإسلام فأداه اجتهاده إلى مخالفة من بعصره من المجتهدين، فإنه إنما رام السلوك في سبيل المؤمنين وهو الدين القويم والملة الحنيفية، ولم يتبع غير سبيلهم … ) (١). ٢ - قول الشوكاني - عند قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا … مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا (١٥٣)﴾ [النساء: ١٥٣]-: (والباء في قوله: ﴿بِظُلْمِهِمْ﴾ للسببية أي: بسبب ظلمهم في سؤالهم الباطل لامتناع الرؤية عيانا في هذه الحالة، وذلك لا يسلتزم امتناعها يوم القيامة، فقد جاءت بذلك الأحاديث المتواترة، ومن استدل بهذه الآية على امتناع الرؤية يوم القيامة فقد غلط غلطا بينا) (٢). ٣ - قول الشوكاني - عند قوله تعالى: ﴿قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٩٢)﴾ [يوسف: ٩٢]-: (عن عطاء الخراساني (٣) قال: طلب الحوائج إلى الشباب أسهل منها عند الشيوخ، ألم تر إلى قول يوسف: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾، وقال يعقوب: ﴿قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ … هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٩٨)﴾ [يوسف: ٩٨]؛ أقول: وفي هذا الكلام نظر؛ فإنهم طلبوا من يوسف أن يعفو عنهم بقولهم: ﴿لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾ [يوسف: من الآية ٩١]؛ فقال: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾؛ لأن مقصودهم صدور العفو منه عنهم، وطلبوا من أبيهم يعقوب أن يستغفر الله لهم، وهو لا يكون إلا بطلب ذلك منه إلى الله ، وبين المقامين فرق، فلم يكن وعد يعقوب لهم بخلا عليهم بسؤال الله لهم، ولا سيما إذا صح ما تقدم من أنه أخر ذلك إلى وقت الإجابة، فإنه لو طلبه لهم في الحال لم يحصل له علم بالقبول) (٤).

стр. 105

وهذا يدل على أن الشوكاني لا يكتفي في جزء الرواية بنقل المأثور، بل يمحص وينقد ويرد. ومثله أيضا المثال الآتي. ٤ - قول الشوكاني - عند قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ … مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ (١٥)﴾ [النمل: ١٥]-: (عن عمر بن عبد العزيز أنه كتب: إن الله لم ينعم على عبد نعمة فحمد الله عليها إلا كان حمده أفضل من نعمته، لو كنت لا تعرف ذلك إلا في كتاب الله المنزل، قال الله : ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ … مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ (١٥)﴾ وأي نعمة أفضل مما أعطى داود وسليمان؛ أقول: ليس في الآية ما يدل على ما فهمه ﵀ والذي تدل عليه أنهما حمدا الله سبحانه على ما فضلهما به من النعم، فمن أين تدل على أن حمده أفضل من نعمته) (١). (٢). الثالث: الاستنباطات التي تأثر فيها بمن سبقه. وهذه على قسمين: أحدهما: الاستنباطات التي تأثر فيها بغيره وصرح بذكره. وهذه نادرة، ولم أقف سوى على مثال واحد هو استنباط البشارة لإبراهيم ﵇ ببقاء الغلام المبشر به حتى يكبر ويصير حليما، وذلك من قوله تعالى: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (١٠١)﴾ [الصافات: ١٠١] حيث قال-﵀: (ومعنى حليم أن يكون حليما عند كبره، فكأنه بشر ببقاء ذلك الغلام حتى يكبر ويصير حليما؛ لأن الصغير لا يوصف بالحلم. قال الزجاج: هذه البشارة تدل على أنه مبشر بابن ذكر، وأنه يبقى حتى ينتهي في السن، ويوصف بالحلم (٣) (٤). ثانيهما: الاستنباطات التي تأثر فيها بغيره ولم يصرح بذكره. وهي كثيرة وسيأتي التمثيل لها. ويتنبه إلى أن نسبة هذه الاستنباطات إلى غيره نسبة إنشاء لا ينفي جواز نسبتها إلى الشوكاني نسبة تأييد وموافقة؛ فهي بهذا الاعتبار تعد استنباطاته.

стр. 106

أمثلة لتأثر الشوكاني باستنباطات من قبله: تأثره باستنباطات الصحابة: مثل: تأثره باستنباط ابن عمر ﵃: "لكل مطلقة متعة إلا التي يطلقها ولم يدخل بها وقد فرض لها، كفى بالنصف متاعا" (١). قال الشوكاني- عند قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٣٧)﴾ [البقرة: ٢٣٧]-: (قوله: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ … الآية. فيه دليل على أن المتعة لا تجب لهذه المطلقة؛ لوقوعها في مقابلة المطلقة قبل البناء والفرض التي تستحق المتعة) (٢). تأثره باستنباطات التابعين: وأمثلة ذلك: ١ - تأثره باستنباط مجاهد بن جبر (٣): الإيمان يزيد وينقص (٤). قال الشوكاني- عند قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣)﴾ [آل عمران: ١٧٣]-: (وفيه دليل على أن الإيمان يزيد وينقص) (٥).

стр. 107

٢ - تأثره باستنباط ابن أبي ليلى (١)، والضحاك (٢)، والحسن (٣) في استنباط: المطيع من الجن في الجنة (٤). قال الشوكاني- عند قوله تعالى: ﴿فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ (٥٦)﴾ [الرحمن: ٥٦]-: (وفي هذه الآية، بل في كثير من آيات هذه السورة دليل أن الجن يدخلون الجنة إذا آمنوا بالله سبحانه، وعملوا بفرائضه، وانتهوا عن مناهيه) (٥). تأثره باستنباطات المفسرين: تأثر الشوكاني في تفسيره بالزجاج، وابن عطية، والقرطبي، وتأثره بهم واضح في تفسير القرآن وبيان معانيه، لكن تأثره بهم في الاستنباط جاء متفاوتا، فالقرطبي أكثر من تأثر به، وإن كان يخالفه أحيانا، مع التنبه إلى أن نصف استنباطات الشوكاني التي تم جمعها ودراستها لم يذكرها القرطبي. أما ابن عطية فإن الشوكاني تأثر به قليلا، وأما الزجاج فإن تأثر الشوكاني به في الاستنباط يكاد يكون معدوما. ويمكن

стр. 108

ترتيب المفسرين حسب الأكثر تأثيرا في الشوكاني على النحو التالي: • أولا: القرطبي: تأثر الشوكاني باستنباطات القرطبي كثيرا، ويمكن القول بأن ما يقارب نصف استنباطات الشوكاني أفادها من القرطبي (١)، ولذا فإني لن أتعرض لهذا النوع من الاستنباطات، بل سأمثل لاستنباطات الشوكاني التي لم يذكرها القرطبي، وهي: ١ - استنبط الشوكاني من قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ (٢٧٩)﴾ [البقرة: ٢٧٩] أن أموال المرابين مع عدم توبتهم حلال لمن أخذها من الأئمة، ونحوهم ممن ينوب عنهم (٢). ٢ - استنبط الشوكاني من قوله تعالى: ﴿يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣)﴾ [آل عمران: ٤٣] مشروعية صلاة الجماعة (٣). ٣ - استنبط الشوكاني من قوله تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ (٤٣)﴾ [التوبة: ٤٣] مشروعية الاحتراز عن العجلة، والاغترار بظواهر الأمور (٤). ٤ - استنبط الشوكاني من قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (٦٨)﴾ [التوبة: ٦٨] أن لفظ (وعد) يقال في الشر كما يقال في الخير (٥). ٥ - استنبط الشوكاني من قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا (١٩)﴾ [الكهف: ١٩] أن إمساك الإنسان بعض ما يحتاج إليه لا ينافي التوكل على الله (٦). ٦ - استنبط الشوكاني من قوله تعالى: ﴿قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ … مِنَ الْكَاذِبِينَ (٢٧)﴾ [النمل: ٢٧] أن على المرء البحث عن الأخبار، والكشف عن الحقائق، وعدم قبول خبر المخبرين تقليدا لهم، واعتمادا عليهم إذا تمكن من ذلك بوجه من الوجوه (٧).

стр. 109

وربما خالف الشوكاني القرطبي كما في الأمثلة التالية: ١ - استنبط الشوكاني من قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى … السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٩)﴾ [البقرة: ٢٩] أن الأصل في الأشياء المخلوقة الإباحة، حتى يقوم دليل يدل على النقل عن هذا الأصل (١). والقرطبي ممن لا يرى هذا (٢). ٢ - استنبط الشوكاني من قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ … عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٠٩)﴾ [يوسف: ١٠٩] أن الله سبحانه لم يبعث نبيا من النساء ولا من الجن، وأن في الآية ردا على من قال: إن في النساء أربع نبيات: حواء، وآسية، وأم موسى، ومريم (٣). قال القرطبي: والصحيح أن مريم نبية؛ لأن الله تعالى أوحى إليها بواسطة الملك كما أوحي إلى سائر النبيين. وأما آسية فلم يرد ما يدل على نبوتها دلالة واضحة بل على صديقيتها وفضلها (٤). • ثانيا: أبو السعود (٥): يعد أبو السعود من أكثر من تأثر به الشوكاني بعد القرطبي في الاستنباط، فقد تأثر به فيما يقارب ثلث استنباطاته، ومن أمثلة ذلك: ١ - في قوله تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (١٠)﴾ [الأنفال: ٩ - ١٠] قال أبو السعود: (وفي قصر الإمداد عليهما إشعار بعدم مباشرة الملائكة للقتال، وإنما كان إمدادهم بتقوية قلوب المباشرين، وتكثير سوادهم، ونحوه كما هو رأي بعض السلف) (٦).

стр. 110

وقال الشوكاني ﵀: (﴿وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ﴾ أي: بالإمداد قلوبكم. وفي هذا إشعار بأن الملائكة لم يقاتلوا، بل أمد الله المسلمين بهم للبشرى لهم، وتطمين قلوبهم، وتثبيتها) (١). ٢ - في قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣١)﴾ [التوبة: ٣١] قال أبو السعود: (﴿وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ عطف على رهبانهم، أي: اتخذه النصارى ربا معبودا بعد ما قالوا: إنه ابنه، تعالى عن ذلك علوا كبيرا. وتخصيص الاتخاذ به يشير إلى أن اليهود ما فعلوا ذلك بعزير) (٢). وقال الشوكاني ﵀: (قوله: ﴿وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ معطوف على … ﴿وَرُهْبَانَهُمْ﴾ رهبانهم، أي: اتخذه النصارى ربا معبودا. وفيه إشارة إلى أن اليهود لم يتخذوا عزيرا ربا معبودا) (٣). ٣ - في قوله تعالى: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (١٧) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ (١٨)﴾ [الروم: ١٧ - ١٨] قال أبو السعود: (وتوسيطه بين أوقات التسبيح للاعتناء بشأنه، والإشعار بأن حقهما أن يجمع بينهما كما ينبئ عنه قوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾، وقوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ .. ) (٤). وقال الشوكاني ﵀: (وجملة: ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ معترضة مسوقة للإرشاد إلى الحمد، والإيذان بمشروعية الجمع بينه وبين التسبيح كما في قوله سبحانه: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ [الحجر: من الآية ٩٨]، و ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾ [البقرة: من الآية ٣٠]) (٥). •
следующие страницы →